اعتز بهويتك فأنت مسلم !
الحمد لله ..
أَيُّهَا الأخوة: فلما كان الشباب هم عماد الأمم، صار الاهتمام بهم، والمحافظة عليهم هو هدفاً سامياً من رسالة الإسلام.
فسيرة نبينا ﷺ ، وأصحابه تنبئنا بأن الشباب هم مصدر القوة، وصناع المجد، وعنوان المستقبل .. روي عن ابن عباس ﵄: «ما أتى الله عبدًا علمًا إلا شابًا، والخير كله في الشباب» ثم تلا قوله تعالى: ﴿قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيم﴾ (١)، وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى﴾ (٢)، وقوله تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا﴾ (٣)(٤).
стр. 248
ولذا كان من الواجب على العلماء والمربين تنبيه الشباب إلى ما يحاط بهم من انحرافات سلوكية، وأفكارٍ شاذة، تجرهم إليها شياطين الإنس والجن، وتوجيههم والأخذ بأيديهم.
ومن أخطر الأمور التي تُحاك ضد الشاب المسلم سلخه من هويته الإسلامية وأخلاقه الحميدة، ومن ثمَّ تصييرُه تافهاً يتبعُ أتفه منه، ضعيفَ الشخصية مقلداً تبعاً لا يملك من أمره شيء، لايسعى إلا إرضاء شهوات نفسه ونزواتها، لا يفرق بين حرام وحلال، ثم ينسى بعد ذلك اعتزازه بكونه ينتمي إلى خير أمّةٍ أخرجت للناس فلا أمر بمعروف ولانهي عن منكر، وينسى شموخه بكونه يتبع سنة محمد ﷺ أفضل البشر وسيد ولد آدم، ويتنكر لآبائه صناع المجد والحضارات الذين فتحوا العالم ونشروا توحيد رب الأرض والسموات، ولايدرك كونَه مسلماً وأنّه متى ابتغى العزة بغير الإسلام فقد أذله الله.
ومن مظاهر تضييع هوية المسلم ما يلي:
أولاً: التساهل بالشعائر من فرائض وسنن، والتهاون بها، وأخطر من ذلك الاستهانة بها ووصفها بالشكليات والرجعية والتخلف، فتنقلب المفاهيم والمباديء الشرعية عنده إلى ميوعة وتبعية مقيته، والله يقول: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ (١).
стр. 249
روى الإمام الطبري عن سعد، عن زيد بن أسلم: أن رجلاً مِن المنافقين قال لعوف بن مالك في غزوة تَبوك: ما لقُرَّائنا هؤلاء أرغبنا بطونًا وأكذبنا ألسنةً، وأجبننا عند اللقاء! فقال له عوف: كذبتَ، ولكنك منافقٌ، لأُخْبِرَنَّ رسول الله ﷺ ، فذهب عوفٌ إلى رسول الله ليُخبره، فوجد القرآن قد سبَقه، قال زيد: قال عبدالله بن عمر: فنظرتُ إليه مُتعلقًا بحَقَب ناقة رسول الله ﷺ تنكبُهُ الحجارة، يقول: ﴿إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ﴾ (١)، فيقول له النبيُّ ﷺ : ﴿أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ﴾ (٢)، ما يَزيدُه (٣).
وقد نهى الله عن هذا الفعلِ القَبيحِ فقال: ﴿وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا﴾ (٤)، وبَيَّن سبحانه أن القدْحَ في الدين والاستهزاءَ به - خصوصًا شعائره التعبدية - هو ما كان عليه المشركون والكفَّار المخالفون للمسلمين، فإذا نادَوْا للصلاة اتخذوها هزوًا ولعبًا؛ لعدم عقلِهم ولجهلهم العظيم، فقال سبحانه: ﴿وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ﴾ (٥)، وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا
стр. 250
تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (١)(٢).
ثانياً: ومن مظاهر تضييع هوية المسلم: التشبه بالكفار في اللباس والهيئة وقصات الشعر، فإنّ مما يحرق الفؤاد بعض شخصيات شبابنا ومظاهرهم وألبستهم المائعة وقصات شعورهم، وقد قال رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «مَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ» (٣).
قَالَ الْمُنَاوِيُّ وَالْعَلْقَمِيّ: أَيْ تَزَيَّى فِي ظَاهِره بِزِيِّهِمْ , وَسَارَ بِسِيرَتِهِمْ وَهَدْيهمْ فِي مَلْبَسهمْ وَبَعْض أَفْعَالهمْ اِنْتَهَى.
وَقَالَ الْقَارِي: أَيْ مَنْ شَبَّهَ نَفْسه بِالْكُفَّارِ مَثَلا مِنْ اللِّبَاس وَغَيْره, أَوْ بِالْفُسَّاقِ أَوْ الْفُجَّار أَوْ بِأَهْلِ التَّصَوُّف وَالصُّلَحَاء الأَبْرَار (فَهُوَ مِنْهُمْ): أَيْ فِي الإِثْم وَالْخَيْر (٤).
وفي صحيح مسلم أن النبي ﷺ رأى على عبد الله بن عمرو بن العاص ثوبين معصفرين -أي: مصبوغين بالعصفر- فقال: «إن هذه من ثياب الكفار فلا تلبسها» (٥).
ثالثاً: ومن مظاهر تضييع هوية المسلم: جلد بعض المسلمين ذاوتهم وأوطانهم وأمتهم وتذمرهم واحتقارهم لكل عمل جليل يُقام، إنّ جلد الذات والهزيمة النفسية
стр. 251
بالطرق التي يمارسها الكثيرون من المثقفين العرب والمسلمين، ليست هي نقد الواقع نقداً بنّاءً موضوعياً، بل هزيمة نفسية هدّامة تتقبل المآسي واليأس والإحباط، إننا من أمّة خير أمة أخرجت للناس، يوم قال الله تعالى عنا: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ (١)، فالخيرية مرتبطة بالإيمان والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فينبغي للمسلم أن يصنع هويته ومشروعه الخادم لمجتمعه وأمته لا أن يصبح عبثياً ثقيلاً خادم لمشروعات غيره.
رابعاً: ومن مظاهر تضييع هوية المسلم: قلب المفاهيم بتعلم اللغات الأجنبية وعدم الاهتمام باللغة العربية -لغة القرآن-، ليس للعلم والمعرفة بل للمفاخرة والتنطع، لقد كان المستعمر المحتل يدرك خطورة بقاء اللغة العربية عليه فسعى قدر المستطاع إلى طمس معالم اللغة، حتى أنشأ النعرات والعصبيات في ذلك ببعض البلاد، وحتى ينشأ أجيالٌ لا ترتبط بالقران والسنة، بل في بعض الأقليات منعت الأسماء العربية بالكامل.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: " وأما اعتياد الخطاب بغير العربية التي هي شعار الإسلام ولغة القرآن حتى يصير ذلك عادة للمصر وأهله ولأهل الدار وللرجل مع صاحبه ولأهل السوق أو للأمراء أو لأهل الديوان أو لأهل الفقه، فلا ريب أن هذا مكروه فإنه من التشبه بالأعاجم وهو مكروه كما تقدم.
стр. 252
ولهذا كان المسلمون المتقدمون لما سكنوا أرض الشام ومصر ولغة أهلهما رومية، وأرض العراق وخراسان ولغة أهلهما فارسية، وأهل المغرب ولغة أهلها بربرية، عودوا أهل هذه البلاد العربية حتى غلبت على أهل هذه الأمصار مسلمهم وكافرهم، وهكذا كانت خراسان قديماً، ثم إنهم تساهلوا في أمر اللغة واعتادوا الخطاب بالفارسية، حتى غلبت عليهم وصارت العربية مهجورة عند كثير منهم ولا ريب أن هذا مكروه.
وإنما الطريق الحسن اعتياد الخطاب بالعربية حتى يتلقنها الصغار في الدور والمكاتب فيظهر شعار الإسلام وأهله ويكون ذلك أسهل على أهل الإسلام في فقه معاني الكتاب والسنة وكلام السلف بخلاف من اعتاد لغة ثم أراد أن ينتقل إلى أخرى فإنه يصعب عليه، واعلم أن اعتياد اللغة يؤثر في العقل والخلق والدين تأثيرا قوياً بيناً، ويؤثر أيضا في مشابهة صدر هذه الأمة من الصحابة والتابعين، ومشابهتهم تزيد العقل والدين والخلق، وأيضاً فإن نفس اللغة العربية من الدين ومعرفتها فرض واجب، فإن فهم الكتاب والسنة فرض، ولا يفهم إلا بفهم اللغة العربية، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، ثم منها ما هو واجب على الأعيان، ومنها ما هو واجب على الكفاية، وهذا معنى ما رواه أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا عيسى بن يونس، عن ثور، عن عمر بن يزيد، قال: «كتب عمر إلى أبي موسى الأشعري ﵁ أما بعد فتفقهوا
стр. 253
في السنة، وتفقهوا في العربية، وأعربوا القرآن فإنه عربي»، وفي حديث آخر عن عمر ﵁ أنه قال تعلموا العربية فإنها من دينكم وتعلموا الفرائض فإنها من دينكم» (١)
أقول قولي هذا وأستغفر الله.
الخطبة الثانية:
أَيُّهَا الأخوة: خامساً: ومن أهم وأخطر مظاهر تضييع هوية المسلمة، التفريط والتساهل بالحجاب الشرعي، ومحاولة إخراج المرأة من بيتها بدعوى التحضر والمدنية. والله تعالى يقول: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاء الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلابِيبِهِنَّ﴾ (٢)، ويقول: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى﴾ (٣).
قال الشيخ بكر أبوزيد في كتابه حراسة الفضيلة بعدما ساق أدلة الحجاب من القران والسنة والإجماع والقياس: فمما تقدم يَعْلَمُ كلُّ من نوَّر الله بصيرته فرضَ الحجاب على نساء المؤمنين لجميع البدن وما عليه من زينة مكتسبة، بأدلة ظاهرة الدلالة من الوحي المعصوم من القرآن والسنة، وبدلالة القياس الصحيح، والاعتبار الرجيح للقواعد الشرعية العامة، ولذا جرى على موجبه عمل نساء المؤمنين من عصر النبي ﷺ إلى يومنا هذا في جزيرة العرب وغيرها من بلاد المسلمين، وأن السفور عن الوجه الذي يشاهد اليوم في عامة أقطار العالم الإسلامي هو بداية ما حل به من الحسور عن كثير من البدن، وعن كل الزينة إلى حدِّ الخلاعة والعري
стр. 254
والتهتك والتبرج والتفسخ، المسمى في عصرنا بِاسم: السفور، وأن هذا البلاء حادث لم يحصل إلا في بدايات القرن الرابع عشر للهجرة على يد عدد من نصارى العرب والمستغربين من المسلمين، ومن تنصر منهم بعد الإسلام ..
إلى أن قال: لهذا! ! فيجب على المؤمنين الذي مسَّ نساءهم طائف من السفور أو الحسور أو التكشف أن يتقوا الله، فيحجبوا نساءهم بما أمر الله به بالجلباب -العباءة- والخمار، وأن يأخذوا بالأسباب اللازمة لأطرهنَّ وتثبيتهن عليه، لما أوجبه الله على أوليائهن من القيام الذي أساسه: الغيرة الإسلامية، والحميَّة الدينية، ويجب على نساء المؤمنين الاستجابة للحجاب -العباءة- والخمار، طواعية لله ولرسوله ﷺ وتأسيًا بأمهات المؤمنين ونسائه، والله ولي الصالحين من عباده وإمائه، وأما التنبيه والتحذير: فيجب على كل مؤمن ومؤمنة بهذا الدين الحذر الشديد من دعوات أعدائه من داخل الصف أو خارجه الرامية إلى التغريب، وإخراج نساء المؤمنين من حجابهن تاجِ العفة والحصانة إلى السفور والتكشف والحسور، ورميهنّ في أحضان الرجال الأجانب عنهن، وأن لا يغتروا ببعض الأقاويل الشاذة، التي تخترق النصوص، وتهدم الأصول، وتنابذ المقاصد الشرعية من طلب العفة والحصانة وحفظهما، وصد عاديات التبرج والسفور والاختلاط، الذي حلَّ بديار القائلين بهذا الشذوذ (١).
عباد الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (٢). ... * * *
стр. 255
أخوة المؤمن ونخوته
إنَّ الحمد لله ..
كان بين المسلمين بقيادة الحاجب المنصور - الأندلسي - وبين مملكة نافار عهد، وكانوا يدفعون له الجزية، وكان من شروط هذا العهد ألاَّ يأسروا أحدًا من المسلمين أو يستبقوهم في بلادهم، فحدث ذات مرَّة أن ذهب رسول من رسل الحاجب المنصور إلى مملكة نافار، وهناك وبعد أن أدَّى الرسالة إلى ملك نافار أقاموا له جولة، وفي أثناء هذه الجولة وجد ثلاث نسوة من نساء المسلمين في إحدى كنائسهم فتعجَّب لوجودهن، وحين سألهن عن ذلك قلن له: إنهن أسيرات في ذلك المكان، فغضب رسول المنصور غضبًا شديدًا، وعاد إلى الحاجب المنصور وأبلغه الأمر، فما كان من المنصور إلاَّ أن سيَّر جيشًا جرارًا لإنقاذ النسوة، وحين وصل الجيش إلى بلاد نافار دُهش ملك نافار، وقال: نحن لا نعلم لماذا جئتم، وقد كانت بيننا وبينكم معاهدة على ألاَّ نتقاتل، ونحن ندفع لكم الجزية، فقال له: إنكم خالفتم عهدكم، واحتجزتم عندكم أسيرات مسلمات، فقالوا: لا نعلم بهن، فذهب الرسول إلى الكنيسة وأخرج النسوة الثلاث، فقال ملك نافار: إن هؤلاء النسوة لا نعرف بهن؛ فقد أسرهن جندي من الجنود وقد تمَّ عقاب هذا الجندي، ثم أرسل برسالة إلى
стр. 256
الحاجب المنصور يعتذر فيها اعتذارًا كبيرًا، ويخبره بأنه قد هدم هذه الكنيسة، فعاد الحاجب المنصور إلى بلده ومعه النسوة الثلاث (١).
نعم تلك كانت نخوة وأخوة أهل الإيمان والديانة، بل أعظم من هذا ما جاء في قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ﴾ (٢).
قال الحجازي: فثار موسى، وتحركت فيه عوامل الشهامة والرجولة، وسقى لهما، وأدلى بدلوه بين دلاء الرجال حتى شربت ماشيتهما (٣)
بل لنسمع ما حدّث به أنس ﵁ عن نخوة وشهامة رسول الله ﷺ ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَحْسَنَ النَّاسِ، وَأَجْوَدَ النَّاسِ، وَأَشْجَعَ النَّاسِ، قَالَ: وَقَدْ فَزِعَ أَهْلُ المَدِينَةِ لَيْلَةً سَمِعُوا صَوْتًا، قَالَ: فَتَلَقَّاهُمُ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى فَرَسٍ لِأَبِي طَلْحَةَ عُرْيٍ (أي ليس عليه سرج ولا أداة) (٤)، وَهُوَ مُتَقَلِّدٌ سَيْفَهُ، فَقَالَ: «لَمْ تُرَاعُوا، لَمْ تُرَاعُوا»، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «وَجَدْتُهُ بَحْرًا» (أي واسع الجري) (٥).
стр. 257
قال القرطبي: في هذا الحديث ما يدل على أن النبي ﷺ كان قد جمع له من جودة ركوب الخيل، والشَّجَاعَة، والشهامة، والانتهاض الغائي في الحروب، والفروسية وأهوالها، ما لم يكن عند أحد من الناس، ولذلك قال أصحابه عنه: إنه كان أشجع الناس، وأجرأ الناس في حال الباس، ولذلك قالوا: إن الشجاع منهم كان الذي يلوذ بجنابه إذا التحمت الحروب، وناهيك به؛ فإنه ما ولَّى قطُّ منهزمًا، ولا تحدث أحد عنه قط بفرار" (١).
لقد كان نبينا ﷺ - أَيُّهَا الأخوة - يحزن إذا رأى بلاءً ونكبةً على مسلم، ويدعو الناس للإنفاق في سبيل الله، حتى يذهب الله ما بهم من حاجة وبلاء ومحنة، فمرةً جَاءَهُ قَوْمٌ حُفَاةٌ، عُرَاةٌ، مُجْتَابِي النِّمَارِ، مُتَقَلِّدِي السُّيُوفِ، عَامَّتُهُمْ مِنْ مُضَرَ، بَلْ كُلُّهُمْ مِنْ مُضَرَ، فَتَمَعَّرَ وَجْهُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِمَا رَأَى بِهِمْ مِنْ الْفَاقَةِ فَدَخَلَ ثُمَّ خَرَجَ فَأَمَرَ بِلَالًا فَأَذَّنَ وَأَقَامَ فَصَلَّى ثُمَّ خَطَبَ فَقَال: «﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ .. ﴾ إِلَى آخِرِ الْآيَةِ ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾، وَالْآيَةَ الَّتِي فِي الْحَشْرِ: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾، تَصَدَّقَ رَجُلٌ مِنْ دِينَارِهِ، مِنْ دِرْهَمِهِ، مِنْ ثَوْبِهِ، مِنْ صَاعِ بُرِّهِ، مِنْ صَاعِ تَمْرِهِ، وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَة».
قَالَ: فَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ بِصُرَّةٍ كَادَتْ كَفُّهُ تَعْجِزُ عَنْهَا، بَلْ قَدْ عَجَزَتْ، ثُمَّ تَتَابَعَ النَّاسُ حَتَّى رَأَيْتُ كَوْمَيْنِ مِنْ طَعَامٍ وَثِيَابٍ، حَتَّى رَأَيْتُ وَجْهَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَتَهَلَّلُ كَأَنَّهُ مُذْهَبَةٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً
стр. 258
حَسَنَةً فَلَهُ أَجْرُهَا وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا بَعْدَهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْءٌ، وَمَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً سَيِّئَةً كَانَ عَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ بَعْدِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْءٌ» (١).
بل جاءه عنه في الصحيح قوله ﷺ : «وَمَنْ فَرَّجَ عَنْ مُسْلِمٍ كُرْبَةً فَرَّجَ اللَّهُ عَنْهُ بِهَا كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ» (٢).
وقال في حديث آخر ﷺ : «وَاللَّهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا كَانَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ» (٣).
أَيُّهَا الأخوة: إننا لنندب زمناً ينتخي فيه الرجال والنساء والأطفال إخوانهم، ولا مجيب إلا ما شاء الله وحسبنا الله ونعم الوكيل وهو ملاذنا سبحانه ..
أقول قولي هذا وأستغفر الله.
الخطبة الثانية:
الحمد لله ..
إنّ الأُخُوَّة الإيمانية أصلٌ كبيرٌ في الإسلام، يُزاوِلُه المسلمُ في علاقته بإخوانه المُسلمين، ومُجتمعه المُسلم مُزاولَةً عباديَّة، ويُمارِسُها كشعيرةٍ من شعائِر الإيمان، يقومُ بها المسلم كفريضةٍ عظيمةٍ لا يدفعُه غرضٌ نفعيٌّ ولا مصلحةٌ ذاتيَّةٌ، وبهذا يصيرُ
стр. 259
المُجتمع المسلم كما أرادَه الشرعُ العظيم كالبُنيان الواحِد يشدُّ بعضُه بعضًا، كما قال النبي ﷺ : «المؤمنُ للمُؤمن البُنيان يشدُّ بعضُه بعضًا» وشبَّك بين أصابِعه (١).
إنها أُخُوَّةٌ تتطلَّبُ التضحيَةَ والفِداء، والتعاطُفَ والتراحُم، واللُّطفَ والرِّفقَ، والدعاء والنصح وغيرها من المعاني، والمسالِك الكريمة التي دعا إليها المُصطفى ﷺ في قولِه: «مثَلُ المؤمنين في توادِّهم وتراحُمهم وتعاطُفهم كمثَلِ الجسَد الواحِد، إذا اشتكَى منه عضوٌ تداعَى له سائرُ الجسَد بالسهَر والحُمَّى» (٢).
وأمةُ الإسلام مُطالبَةٌ أن تُحافِظَ على وحدتها الإسلامية، وصفِّها الإيمانيِّ، وأن تحذَر من مكر الأعداء ومُخطَّطاتهم في تفريق الصُّفُوف، وتمزيق وحدة المسلمين، وبثِّ وسائل العداوة بينهم، ونشر عناصِر البَغضاء في مُجتمعاتهم، ﴿وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ﴾ (٣) الله المستعان.
* * *
стр. 260
الشتاء أحكام وعبر
إنَّ الحمد لله ..
«اشْتَكَتِ النَّارُ إِلَى رَبِّهَا، فَقَالَتْ: يَا رَبِّ أَكَلَ بَعْضِي بَعْضًا، فَأَذِنَ لَهَا بِنَفَسَيْنِ، نَفَسٍ فِي الشِّتَاءِ، وَنَفَسٍ فِي الصَّيْفِ، فَهْوَ أَشَدُّ مَا تَجِدُونَ مِنَ الْحَرِّ، وَأَشَدُّ مَا تَجِدُونَ مِنَ الزَّمْهَرِيرِ»؛ رواه البخاري (١).
قال ابن عبد البر:
هذه الشكوى بلسان المقال، وقال القاضي عياض: إنه الأظهر،
وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: لَا إِحَالَة فِي حمل اللَّفْظ على الْحَقِيقَة لِأَن الْمخبر الصَّادِق بِأَمْر جَائِز لَا يحْتَاج إِلَى تَأْوِيله فَحَمله على حَقِيقَته أولى، وَقَالَ النَّوَوِيّ: نَحْو ذَلِك، ثمَّ قَالَ حمله على حَقِيقَته هُوَ الصَّوَاب، وتنفسها على الحقيقة (٢).
стр. 261
والمراد "بالزَّمْهَرِيرِ": شدة البرد، ولا إشكال من وجوده في النار ففيها طبقة زمهريرية نسأل الله العافية ...
أَيُّهَا الأحبة: لذا كان من تمام نعيمِ أهلِ الجنة - جعلني الله وإياكم من أهلها - أنهم وُقوا أذى الحر والبر، كما قال سبحانه: ﴿مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ لَا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلَا زَمْهَرِيرًا﴾ (١)، بعكس أهل النار - أجارني الله وإياكم منها - الذين يتنوع العذاب في حقهم، حتى يجمع لهم بين الطعام الحار جداً، والبارد جداً، ولئن كان هذا مؤذياً في الدنيا، فما ظنك به في الآخرة؟ ! (٢).
قال الله تعالى: ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا (٢٤) إِلَّا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا﴾ (٣).
قال ابن عباس ﵄: الغساق: الزمهرير البارد الذي يحرق من برده وقال مجاهد: هو الذي لا يستطيعون أن يذوقوه من برده (٤).
أَيُّهَا الأخوة: قد ينزعج بعض الناس من برودة الشتاء كما يتضايق البعض من حر الصيف، وفي كلٍ منهما وفي تقلب الأحوال عموماً مصالح وحكم.
стр. 262
قال العلامة ابن القيم:
ثمَّ تَأمل بعد ذَلِك أحوال هَذِه الشَّمْس فِي انخفاضها وارتفاعها لإقامة هَذِه الأزمنة، والفصول وَمَا فِيهَا من الْمصَالح وَالْحكم إِذْ لَو كَانَ الزَّمَان كُله فصلاً وَاحِدًا لفاتت مصَالح الْفُصُول الْبَاقِيَة فِيهِ فَلَو كَانَ صيفاً كُله لفاتت مَنَافِع مصَالح الشتَاء وَلَو كَانَ شتاء لفاتت مصَالح الصَّيف وَكَذَلِكَ لَو كَانَ ربيعاً كُله اوْ خَرِيفًا كُله (١).
ثم بدأ يذكر بعض فوائد البرد ودخول فصل الشتاء فقال: فَفِي الشتَاء تغور الْحَرَارَة فِي الاجواف وبطون الارض وَالْجِبَال فتتولد مواد الثِّمَار وَغَيرهَا، وتبرد الظَّوَاهِر ويستكثف فِيهِ الْهَوَاء، فَيحصل السَّحَاب والمطر والثلج وَالْبرد الَّذِي بِهِ حَيَاة الأرض وَأَهْلهَا، واشتداد أبدان الْحَيَوَان وقوتها، وتزايد القوى الطبيعية، واستخلاف مَا حللته حرارة الصَّيف من الأبدان، وَفِي الرّبيع تتحرك الطبائع، وَتظهر الْموَاد المتولدة فِي الشتَاء، فَيظْهر النَّبَات ويتنور الشّجر بالزهر، ويتحرك الْحَيَوَان للتناسل، وَفِي الصَّيف يحتد الْهَوَاء ويسخن جداً فتنضج الثِّمَار وتنحل فضلات الأبدان، والأخلاط الَّتِي انْعَقَدت فِي الشتَاء، وتغور الْبُرُودَة وتهرب إلى الأجواف، وَلِهَذَا تبرد الْعُيُون والآبار، وَلَا تهضم الْمعدة الطَّعَام الَّتِي كَانَت تهضمه فِي الشتَاء من الأطعمة الغليظة لأنها كَانَت تهضمها بالحرارة الَّتِي سكنت فِي الْبُطُون، فَلَمَّا جَاءَ الصَّيف خرجت الْحَرَارَة إلى ظَاهر الْجَسَد وَغَارَتْ الْبُرُودَة فِيهِ فَإِذا جَاءَ الخريف اعتدل الزَّمَان وَصفا الْهَوَاء وَبرد
стр. 263
فانكسر ذَلِك السمُوم وَجعله الله بِحِكْمَتِهِ برزخاً بَين سموم الصَّيف وَبرد الشتَاء (١) انتهى كلامه.
أَيُّهَا الأحبة: هذا الشتاء القارس، والبرد الشديد، ابتلاء من الله تعالى لفقراء المسلمين؛ إذ يعالجون الجوع والبرد مع قلة ذات اليد، وهو ابتلاء لأغنياء المسلمين أيسدون حاجة إخوانهم الفقراء، فيطعمونهم من جوع، ويدفئونهم من برد، ويكنونهم من عراء؟ !
كَانَ أُوَيْسُ بنُ عَامِرٍ: "إِذَا أَمْسَى تصدَّق بِمَا فِي بَيْتِهِ مِنَ الفَضْلِ مِنَ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ، ثُمَّ قَالَ: اللهمَّ مَنْ مَاتَ جُوْعاً فَلا تُؤَاخِذْنِي بِهِ، وَمَنْ مَاتَ عُرْياً فَلا تُؤَاخِذْنِي بِهِ" (٢).
وفي ليلة شاتية تصدق محمد بن عبدوس المالكي بقيمة غلة بستانه كلها-وكانت مئة دينار ذهبي- وقال: ما نمت الليلة غمَّاً لفقراء أمة محمد ﷺ .
والعاصفة الثلجية التي نرى شيئاً من أثرها، ونُحِسُّ بعض صقيعها وتخيّم في بلاد الشام، وضاعفت معاناة إخواننا اللاجئين في تركيا ولبنان والأردن؛ إذا فرش الجليد أرضهم، وغطت الثلوج خيامهم، والبرد يفترس أجسادهم وأجساد أطفالهم،
стр. 264
ولا طعام يكفي ليمنح الدفء والقوة، ولا كساء أو غطاء يخفف البرد، إلا شيئاً قليلاً يبقي على الحياة، ويجعلها عذاباً عليهم، وكم يموت من أطفالهم من شدة البرد.
يقول أحد أطفالهم مستنجداً بالمسلمين: كنت لا أنام من صوت القصف، وأنا الآن لا أنام من شدة البرد .. هربوا من الرصاص فماتوا بالبرد، وأكثر أمراض الأطفال في الملاجئ هي أمراض البرد والجوع، وأما في داخل سوريا فخوف وجوع وبرد (١).
فمَنْ الموفق .. الذي يبدأ بتلمس حاجات المعوزين - الذين اجتمع عليهم برد الشتاء وغلاء الأسعار - ويعبر أوضح التعبير عن خيرية المجتمع الذي يتفقد أحوال الضعفاء فيه؟ !
ومن الموفق .. الذي يجتهد ألا يمضي عليه هذا الفصل إلا وقد ساهم بتدفئة مسلم، أو إطعامه من جوع .. هنا أو هناك حيث يبعثها المنادي؟ ! إن أجر ذلك عند الله لعظيم.
خرج صفوانُ بن سليم - أحد أئمة التابعين، وأحد شيوخ الإمام مالك ﵏ جميعاً خرج في ليلة باردة في المدينة من المسجد، فرأى رجلاً عارياً، فنزع ثوبه وكساه
стр. 265
إياه، فرأى بعض أهل الشام في منامه أن صفوان بن سليم دخل الجنة بقميصٍ كَساه، فقدم المدينة فقال: دلوني على صفوان فأتاه فقص عليه ما رأى (١).
ويكفي المؤمن حادياً لعملٍ كهذا قول الله تعالى: ﴿وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٢).
ومن مواطن الشكر في تقليب الليل والنهار، وفي فصل الشتاء بالذات: صيام ما أمكن من الأيام التي جاءت السنة ببيان فضلها، ومحاولة تخصيص جزء من الليل بالقيام ولو كان يسيراً ...
عَنْ عَامِرِ بْنِ مَسْعُودٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «الغَنِيمَةُ البَارِدَةُ الصَّوْمُ فِي الشِّتَاءِ» (٣).
وفي المسند: «الشِّتَاءُ رَبِيعُ الْمُؤْمِنِ» (٤).
قال بعض أهل العلم: "إنما كان الشتاء ربيع المؤمن، لأنه يرتع فيه في بساتين الطاعات، ويسرح في ميادين العبادات، وينزه قلبه في رياض الأعمال الميسرة فيه، كما
стр. 266
ترتع البهائم في مرعى الربيع، فتسمن وتصلح أجسادها، فكذلك يصلح دين المؤمن في الشتاء، بما يسر الله فيه من الطاعات، فإن المؤمن يقدر في الشتاء على صيام نهاره من غير مشقة، ولا كلفة تحصل له من جوع ولا عطش".
وأما قيام ليل الشتاء، فلطوله يمكن أن تأخذ النفس حظها من النوم ثم تقوم بعد ذلك إلى الصلاة، فيقرأ المصلي ورده كله من القرآن، وقد أخذت نفسه حظها من النوم فيجتمع له فيه نومه المحتاج إليه، مع إدراك ورده من القرآن فيكمل له مصلحة دينه وراحة بدنه" (١).
رزقني الله وإياكم الفقه في الدين وجعني وإياكم من أهل العبادة والذكر والشكر أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية:
الحمد لله:
أَيُّهَا الأخوة: ومن الأحكام التي يحتاجها الناس والمتعلقة بالشتاء غالباً: مسألة المسح على الجوربين، وقد تواترت السنة الصحيحة عن رسول الله ﷺ بالمسح على الخفين.
стр. 267
يقول الإمام أحمد: "ليس في قلبي من المسح على الخفين شيء، فيه أربعون حديثاً عن رسول الله ﷺ " (١).
قال الإمام ابن القيم:
"صح عنه ﷺ أنه مسح في الحضر والسفر، ولم ينسخ ذلك حتى توفي، ووقّت للمقيم يوماً وليلة، وللمسافر ثلاثة أيام بلياليهن في عدة أحاديث حسان وصحاح، وكان ﷺ يمسح ظاهر الخفين، ولم يصح عنه مسح أسفلهما، ومسح على الجوربين والنعلين .. ثم قال: .. ولم يكن يتكلف ضد حاله التي عليها قدماه بل إن كانتا في الخف مسح عليهما ولم ينزعهما، وإن كانتا مكشوفتين غسل القدمين ولم يلبس الخف ليمسح عليه" (٢) انتهى كلامه.
ولا بد للماسح على خفيه أن يكون قد أدخلهما على طهارة، وكيفية المسح أن يبل يديه بالماء، ثم يمرّهما على ظهر الخفين من أطرافهما مما يلي الأصابع إلى الساق مرة واحدة، ولو مسح اليمنى على اليمنى، واليسرى على اليسرى، فهذا حسن، ولو مسح كليهما بيده اليمنى فلا حرج في ذلك إن شاء الله.
وتبدأ مدة المسح من أول مسحة مسحها بعد لبس على الصحيح، وليس الابتداء من الحدث بعد اللبس كما قال به بعض الحنابلة، فإذا لبس الإنسان الجورب
стр. 268
لصلاة الفجر ولم يمسح عليهما أول مرة إلا لصلاة الظهر فابتداء المدة من الوقت الذي مسح فيه لصلاة الظهر فيمسح المقيم إلى مثل ذلك الوقت من الغد" (١).
وإذا كان إسباغ الوضوء إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطا إلى المساجد مما يرفع الله به الدرجات، ويمحو به الخطايا، فكذلك يعظم الأجر في أوقات مثل الشتاء، وبشر المشائين في الظلم إلى المساجد بالنور التام يوم القيامة.
* * *
يظنُّ بعض ضعفاء العقول أننا اليوم لسنا بحاجة إلى المطر، وينسى قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ﴾ (١)، فلولا الله ثم الماء ما كان إنسان، وما عاش حيوان وما نبت زرع أو شجر .. الماء هو غذاء الكائنات وحياتُها؛ وبفقده تذبل وتموت، ترى الأرض هامدة يابسة مغبرة منكمشة، فإذا نزل عليها الماء تحركت فيها الحياة، وتلألأت بالخضرة والنضارة، ... فَانظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِي الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قدير.
الماء شريان نابض في قلب الأرض، إذا تعطل: ماتت المعمورة، وفسدت الحياة، وانطمس الوجود. ﴿أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ (٦٨) أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ (٦٩) لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ﴾ (٢).
خلق الماء عجيب، ونبؤه غريب، صورّه ربه: بلا لون، وأوجده بلا طعم، وأنزله بلا رائحة، ينزله من السماء رحمة لقوم، وعذاباً لآخرين، نسأل الله العفو والعافية.
لا تمنعه السدود، ولا ترده الحدود، فيكسر الجسور، ويقتلع الصخور، ويدمر البيوت، ويجعل عاليها سافلها، حتى يأذن الله بسكونه ويأمر بإمساكه ﴿وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي﴾ (٣) إن مسته رحمة الله: كان لطفاً وهناءً، وبركة،
стр. 271
وإن مسه غضب الله: كان دماراً وهلاكاً، وسخطاً ونكدا، قال الله تعالى: ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ﴾ (١).
ولأهمية الماء قدر الله تعالى له نظاماً وسنناً في الحياة؛ فقدر له جل وعلا سنناً تجعله سحباً طائرة، وسنناً تجعله قطراتِ مطرٍ متساقطة، ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشَاءُ يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ﴾ (٢).
فإذا نزل المطر جعل الله له سنناً تحفظه في مستودعات في جوف الأرض ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ﴾ (٣)، ثم جعل له سنناً تدفعه في سيقان الشجر وأغصانها، وسنناً أخرى تجعل من الماء أنهاراً جارية، وعيوناً متفجرةً، وبحاراً تغمر الآفاق وتمتلاء بالأسماك والكائنات مما لا يعلمه إلا الله الذي يعلم ما في البر والبحر (٤).
أَيُّهَا الأخوة: وتأخر نزول المطر في هذه الأيام مؤلمٌ للناس والدواب والأنعام والشجر والأرض برمتها، فالسابقون يدركون خطر تأخر المطر، وقد جاء في الصحيح
سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ عَدُوًّا مِنْ غَيْرِهِمْ فَأَخَذُوا بَعْضَ مَا فِي أَيْدِيهِمْ، وَمَا لَمْ تَحْكُمْ أَئِمَّتُهُمْ بِكِتَابِ اللَّهِ وَيَتَخَيَّرُوا مِمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَّا جَعَلَ اللَّهُ بَأْسَهُمْ بَيْنَهُمْ» رواه ابن ماجة (١).
ثانياً: الكبر والتعالي وترك التواضع والخضوع لله، قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ (٤٢) فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (٢).
قال ابن عباس ﵁: «خَرَجَ رسولُ اللهِ ﷺ للاستسقَاء متبذلاً مُتَواضِعاً، مُتَضَرِعاً» رواه الترمذي (٣).
ثالثاً: منع إخراج الزكاة، وترك مساعدة الفقراء والمحتاجين. قال النبي ﷺ في الحديث السابق: «ولم يمنعوا زكاة أموالهم إلا منعوا القطر من السماء، ولولا البهائم لم يمطروا". وفي صحيح مسلم أنّ النبي ﷺ قال: «بَيْنَا رَجُلٌ بِفَلَاةٍ مِنْ الْأَرْضِ فَسَمِعَ صَوْتًا فِي سَحَابَةٍ اسْقِ حَدِيقَةَ فُلَانٍ، فَتَنَحَّى ذَلِكَ السَّحَابُ فَأَفْرَغَ مَاءَهُ فِي حَرَّةٍ فَإِذَا شَرْجَةٌ مِنْ تِلْكَ الشِّرَاجِ قَدْ اسْتَوْعَبَتْ ذَلِكَ الْمَاءَ كُلَّهُ، فَتَتَبَّعَ الْمَاءَ فَإِذَا رَجُلٌ قَائِمٌ فِي حَدِيقَتِهِ يُحَوِّلُ الْمَاءَ بِمِسْحَاتِهِ، فَقَالَ لَهُ: يَا عَبْدَ اللَّهِ مَا اسْمُكَ قَالَ فُلَانٌ لِلِاسْمِ الَّذِي سَمِعَ فِي السَّحَابَةِ، فَقَالَ لَهُ: يَا عَبْدَ اللَّهِ لِمَ تَسْأَلُنِي عَنْ اسْمِي، فَقَالَ إِنِّي سَمِعْتُ صَوْتًا فِي السَّحَابِ الَّذِي هَذَا مَاؤُهُ يَقُولُ: اسْقِ حَدِيقَةَ فُلَانٍ لِاسْمِكَ فَمَا
стр. 274
تَصْنَعُ فِيهَا، قَالَ أَمَّا إِذْ قُلْتَ هَذَا فَإِنِّي أَنْظُرُ إِلَى مَا يَخْرُجُ مِنْهَا فَأَتَصَدَّقُ بِثُلُثِهِ، وَآكُلُ أَنَا وَعِيَالِي ثُلُثًا، وَأَرُدُّ فِيهَا ثُلُثَهُ» وفي رواية: «وَأَجْعَلُ ثُلُثَهُ فِي الْمَسَاكِينِ وَالسَّائِلِينَ وَابْنِ السَّبِيلِ» (١).
ولنعلم - أَيُّهَا الأخوة - أن أيّ معصية من أي شخص لها دور فيما يحل بالناس من قحط إذا لم ينكر عليه ..
قال مجاهد: "إن البهائم تلعن عصاة بني آدم إذا اشتدت السنة، وأمسك المطر"، وتقول: "هذا بشؤم معصية ابن ادم" (٢).
وقال عكرمة: "دواب الأرض وهوامها، حتى الخنافس والعقارب يقولون: "منعنا القطر بذنوب بني ادم" (٣).
أقول قولي هذا وأستغفر الله ..
الخطبة الثانية:
ومع هذا فأبشروّا ياعباد الله وأملّوا فإنّ رحمة الله قريب من المحسنين، ورحمته سبحانه وسعت كلَّ شيء، ومادام الناس ينكرون المنكرات ويتواصون بالخير فيما بينهم فهم على خير بإذن الله، لنحسنّ الظن بالله تعالى ولنتفاءل، قال النبي ﷺ «يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي، وَأَنَا مَعَهُ إِذَا ذَكَرَنِي، فَإِنْ ذَكَرَنِي فِي نَفْسِهِ
اللهم سقيا رحمةٍ لا سقيا عذابٍ ولا هدمٍ ولا بلاءٍ ولا غرقْ.
اللهم ادفع عنا الغلاء والبلاء والوباء والربا والزلازل والمحن وسوء الفتن ما ظهر منها وما بطن، عن بلدنا هذا خاصة وعن سائر بلاد المسلمين، يا رب العالمين.
* * *
стр. 277
فَمُطِرْنَا يَوْمَنَا ذَلِكَ (٢)
الخطبة الأولى:
(الاستبشار بالرحمة والرزق والخير مع المطر)
الحمد لله ..
من فضل الله علينا وعلى الناس هذه الأجواء التي نعيشها، ونعمة الأمطار العامة على عموم الجزيرة والخليج، فالحمد لله أن استجاب دعاء المسلمين بالغيث، وهلّ عليهم المطر ..
أَيُّهَا الأخوة: ثمة ارتباط عجيب بين الرزق والرحمة والمطر، ففي مسألة الرزق يقول الله تعالى: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ﴾ (١).
قال الطبري: "وفي السماء: المطر والثلج اللذان بهما تخرج الأرض رزقكم، وقوتكم من الطعام والثمار وغير ذلك" (٢).
стр. 278
وقال السعدي: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ﴾ أي مادة رزقكم، من الأمطار، وصنوف الأقدار، الرزق الديني والدنيوي، ﴿وَمَا تُوعَدُونَ﴾ من الجزاء في الدنيا والآخرة، فإنه ينزل من عند الله، كسائر الأقدار (١).
فإذا حصل وجب على المسلم أن يستبشر بالرزق والخير العميم عليه وعلى إخوانه المسلمين، ومن هنا جاء ت لفظة "يستبشرون" في قوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاءِ كَيْفَ يَشَاءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ فَإِذَا أَصَابَ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ (٢) وقبلها لفظ: "مبشرات"
قال سبحانه: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ وَلِيُذِيقَكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَلِتَجْرِيَ الْفُلْكُ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (٣).
والاستبشار يكون بالأشياء الحسيّة والمعنوية، فالخير إذا نزل وعم هدأت النفوس واطمأنت، قال الله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ﴾ (٤)، ﴿وَلِيُذِيقَكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ﴾ (٥)، فينزل عليكم من رحمته مطراً تحيا به البلاد والعباد، وتذوقون من رحمته ما تعرفون أن رحمته هي المنقذة
стр. 279
للعباد، والجالبة لأرزاقهم، فتشتاقون إلى الإكثار من الأعمال الصالحة الفاتحة لخزائن الرحمة.
جاء في حديث أبي رزين العقيلي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «ضَحِكَ رَبُّنَا مِنْ قُنُوطِ عِبَادِهِ، وَقُرْبِ غِيَرِهِ» (١)، وفي لفظ آخر أن النبي ﷺ قال: «وَعَلِمَ يَوْمَ الْغَيْثَ، يُشْرِفُ عَلَيْكُمْ آزِلِينَ آزِلِينَ مُشْفِقِينَ، فَيَظَلُّ يَضْحَكُ قَدْ عَلِمَ أَنَّ غَيْرَكُمْ إِلَى قُرْبٍ» قَالَ لَقِيطٌ قُلْتُ: لَنْ نَعْدَمَ مِنْ رَبٍّ يَضْحَكُ خَيْرًا» (٢).
قال الحافظ ابن رجب: "والمعنى أنه سبحانه يعجب من قنوط عباده عند احتباس القطر عنهم، وقنوطهم ويأسهم من الرحمة، وقد اقترب وقت فرجه ورحمته لعباده بإنزال الغيث عليهم، وتغيره لحالهم وهم لا يشعرون" (٣).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "ولهذا استقر في عقول الناس أنه عند الجدب يكون نزول المطر لهم رحمة" (٤).
وقال رجل لعمر ﵁: يا أمير المؤمنين، قحط المطر، وقنط الناس، فقال عمر ﵁: مطرتم، ثم قرأ ﴿وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ﴾ (٥)(٦).
стр. 280
بل سمّى النبي ﷺ الغيث رحمة، كما روى مسلم من حديث عائشة ﵂ قالت: «كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا كَانَ يَوْمُ الرِّيحِ وَالْغَيْمِ، عُرِفَ ذَلِكَ فِي وَجْهِهِ، وَأَقْبَلَ وَأَدْبَرَ، فَإِذَا مَطَرَتْ سُرَّ بِهِ، وَذَهَبَ عَنْهُ ذَلِكَ، قَالَتْ عَائِشَةُ: فَسَأَلْتُهُ، فَقَالَ: «إِنِّي خَشِيتُ أَنْ يَكُونَ عَذَابًا سُلِّطَ عَلَى أُمَّتِي»، وَيَقُولُ، إِذَا رَأَى الْمَطَرَ: «رَحْمَةٌ» (١) أي: هذا رحمة.
ولأن الغيث رحمة من الله تعالى شرع للمسلم التعرض له ليصيبه شيء من تلك الرحمة، كما روى قَالَ أَنَسٌ: أَصَابَنَا وَنَحْنُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ مَطَرٌ، قَالَ: فَحَسَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ثَوْبَهُ، حَتَّى أَصَابَهُ مِنَ الْمَطَرِ، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ لِمَ صَنَعْتَ هَذَا؟ قَالَ: «لِأَنَّهُ حَدِيثُ عَهْدٍ بِرَبِّهِ تَعَالَى» (٢).
كما شرع الدعاء حال نزوله؛ لأن وقت تنزله وقت رحمة، وأوقات الرحمة مرجوة الإجابة، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "والدعاء مستجاب عند نزول المطر" (٣).
ومن الأدعية الواردة في ذلك: الدعاء ببركة الغيث، وانتفاع الناس به؛ ولذلك كان النبي ﷺ إذا رأى المطر قال: «اللَّهُمَّ صَيِّبًا نَافِعًا» (٤) وفي رواية: «اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ صَيِّبًا نَافِعًا» (٥).
стр. 281
كما يشرع للمسلم أن يقر بافتقاره إلى الله تعالى، وحاجته إلى رحمته وغوثه، فينسب الفضل إليه سبحانه، لا إلى غيره؛ ولذلك أثنى الله تعالى في الحديث القدسي (١) على من قال «مطرنا برحمة الله، وبرزق الله، وبفضل الله» وعد من قال ذلك مؤمناً به، كافراً بالكوكب، وذم من نسب المطر إلى النوء، وعده كافراً به، مؤمناً بالكوكب.
ومن الرحمة في الغيث: أنه سبب لتخفيف التكاليف الشرعية، لأن وقت نزوله مظنة مشقة على الناس، فإن كان يشق على الناس بلوغ المساجد جاز لهم الصلاة في بيوتهم، وشرع للمؤذنين أن يؤذنوا فيهم بالصلاة في بيوتهم، كما روى ابن عمر ﵄: "أن رسول الله ﷺ كان يَأْمُرُ الْمُؤَذِّنَ إِذَا كَانَتْ لَيْلَةٌ بَارِدَةٌ ذَاتُ مَطَرٍ، يَقُولُ: «أَلا صَلُّوا فِي الرِّحَالِ» (٢).
فإن كان الناس في المسجد أثناء المطر فقد خفف عنهم بالجمع بين الصلاتين.
وكل هذا التخفيف من رحمة الله تعالى بعباده؛ فهو سبحانه رحم عباده بالغيث المبارك، ثم رحمهم برفع ما قد يسببه المطر من حرج ومشقة عليهم. (٣)
стр. 282
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم ..
الخطبة الثانية:
(الأصل التاريخي لبدعيّة الاحتفال بالمولد)
الحمد لله ..
أَيُّهَا الأحبة: كلنا يُدرك حقيقة محبته ﷺ وأنها: طَاعَتُهُ فِيمَا أَمَرَ، وَتَصْدِيقُهُ فِيمَا أَخْبَر، واجْتِنَابُ مَا نَهَى عَنْهُ وَزَجَر، وأَلا يُعْبَدَ اللهُ إِلا بِمَا شَرَعَ، وليست محبته باحتفالات وموالد بدعيّة ما أنزل الله بها من سلطان .. ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ (١).
وفي مثل هذه الأيام من كل عام تعرض الفضائيات المشاهد البدعية للاحتفال بمولد النبي ﷺ ، ومع خطورة ذلك وأثره على جهلة المسلمين المقلدين، فإن كثيرًا من مناصري هذه البدعة عبر الإعلام اخترعوا مسوغاتٍ لفعلها، وأضفَوْا عليها شيئًا من الشرعية، التي تخدع المتلقي الجاهل، وحجبوا الرأي الآخر في القضية، وهاجموا كل من ينكر هذه البدعة.
إنهم أخفوا عن المشاهد أصل هذه البدعة، وتاريخها، وحقيقة مَن أحدثها في الإسلام، والظروف التاريخية التي أحدثت فيها، وما هو قصد مَن أحدثها مِن هذا الابتداع!
стр. 283
إن أمة الإسلام مضت قرونها الثلاثة الأولى لم تعرف هذه البدعة، ولا احتُفل فيها بها، وهي القرون التي زكاها النبي ﷺ ، وأخبر أن الخلاف والبدع تكون بعدها.
وهذا من علاماتِ نبوته، إذ وقع ذلك كما أخبر به ﵊ ففي القرن الرابع الهجري ظهر بنو عبيد، المتسمَّوْن زورًا بالفاطميين، انتسابًا إلى فاطمة بنت محمد ﵊ و ﵂ وأرضاها.
ومن ثم خرجوا على الخلافة العباسية، وأقاموا الدولة الفاطمية في مصر والشام.
ولم يرتضِ المسلمون في مصر والشام سيرتهم في الحكم، وطريقتهم في إدارة شؤون الناس، فخاف بنو عبيد من ثورة الناس عليهم، فحاولوا استمالة قلوبهم، وكسب عواطفهم بإحداث الاحتفالات البدعية، فاخترع حاكمهم آنذاك الملقب: المعز لدين الله العبيدي: مولد النبي ﷺ وموالد لفاطمة وعلي والحسن والحسين ولجماعة من سلالة آل البيت ﵃ وأرضاهم ..
وتتابعت في دولتهم احتفالات أخرى اخترعوها، لم تكن من قبلُ في الإسلام، كالاحتفال بالهجرة، ورأس السنة الهجرية، وليلة الإسراء والمعراج، وغيرها كثير.
وظلّت هذه الموالد عند بني عبيد في مصر وبعض الشام، إلى أن انتهت دولتهم، وورثها مَن كانوا بعدهم، ولا يعرفها بقية المسلمين في شتى البقاع، بل أنكروها ولم يقبلوها تكملة القرن الرابع، وطيلة القرن الخامس والسادس، إذ انتقلت عدوى هذه الاحتفالات في أوائل القرن السابع من مصر إلى أهل إربل في العراق،
стр. 284
نقلها شيخ صوفي يدعى الملا عمر، وأقنع بها ملك إربل في العراق أبا سعيد كوكبري، ثم انتشرت بعد ذلك في سائر بلدان المسلمين، بسبب الجهل والتقليد الأعمى، حتى وصلت إلى ما تشاهدونه في العصر الحاضر.
إذًا كان الهدف الرئيس من إحداث الموالد هدفًا سياسيًّا لتثبيت حكم بني عبيد، ولم يكن لمحبة النبي ﷺ ولا لمحبة آل بيته فيه أي نصيب.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية فيهم: "وهؤلاء القوم - يقصد بني عبيد (الفاطميين) - تشهد عليهم الأمة وأئمتها أنهم كانوا ملحدين زنادقة، يظهرون الإسلام ويبطنون الكفر، وجمهور الأمة تطعن في نسبهم، ويذكرون أنهم من أولاد اليهود أو المجوس، وهم يدّعون علم الباطن، الذي مضمونه الكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وعندهم: لا جنة ولا نار ولا بعث ولا نشور .. ويستهينون باسم الله ورسوله، حتى يكتب أحدهم الله في أسفلِ نعله عمّا يقول الظالمون علوًا كبيرًا" (١).
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَأَىهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾ (٢)(٣).