كما يشرع للمسلم أن يقر بافتقاره إلى الله تعالى، وحاجته إلى رحمته وغوثه، فينسب الفضل إليه سبحانه، لا إلى غيره؛ ولذلك أثنى الله تعالى في الحديث القدسي (١) على من قال «مطرنا برحمة الله، وبرزق الله، وبفضل الله» وعد من قال ذلك مؤمناً به، كافراً بالكوكب، وذم من نسب المطر إلى النوء، وعده كافراً به، مؤمناً بالكوكب.
ومن الرحمة في الغيث: أنه سبب لتخفيف التكاليف الشرعية، لأن وقت نزوله مظنة مشقة على الناس، فإن كان يشق على الناس بلوغ المساجد جاز لهم الصلاة في بيوتهم، وشرع للمؤذنين أن يؤذنوا فيهم بالصلاة في بيوتهم، كما روى ابن عمر ﵄: "أن رسول الله ﷺ كان يَأْمُرُ الْمُؤَذِّنَ إِذَا كَانَتْ لَيْلَةٌ بَارِدَةٌ ذَاتُ مَطَرٍ، يَقُولُ: «أَلا صَلُّوا فِي الرِّحَالِ» (٢).
فإن كان الناس في المسجد أثناء المطر فقد خفف عنهم بالجمع بين الصلاتين.
وكل هذا التخفيف من رحمة الله تعالى بعباده؛ فهو سبحانه رحم عباده بالغيث المبارك، ثم رحمهم برفع ما قد يسببه المطر من حرج ومشقة عليهم. (٣)
стр. 282
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم ..
الخطبة الثانية:
(الأصل التاريخي لبدعيّة الاحتفال بالمولد)
الحمد لله ..
أَيُّهَا الأحبة: كلنا يُدرك حقيقة محبته ﷺ وأنها: طَاعَتُهُ فِيمَا أَمَرَ، وَتَصْدِيقُهُ فِيمَا أَخْبَر، واجْتِنَابُ مَا نَهَى عَنْهُ وَزَجَر، وأَلا يُعْبَدَ اللهُ إِلا بِمَا شَرَعَ، وليست محبته باحتفالات وموالد بدعيّة ما أنزل الله بها من سلطان .. ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ (١).
وفي مثل هذه الأيام من كل عام تعرض الفضائيات المشاهد البدعية للاحتفال بمولد النبي ﷺ ، ومع خطورة ذلك وأثره على جهلة المسلمين المقلدين، فإن كثيرًا من مناصري هذه البدعة عبر الإعلام اخترعوا مسوغاتٍ لفعلها، وأضفَوْا عليها شيئًا من الشرعية، التي تخدع المتلقي الجاهل، وحجبوا الرأي الآخر في القضية، وهاجموا كل من ينكر هذه البدعة.
إنهم أخفوا عن المشاهد أصل هذه البدعة، وتاريخها، وحقيقة مَن أحدثها في الإسلام، والظروف التاريخية التي أحدثت فيها، وما هو قصد مَن أحدثها مِن هذا الابتداع!
стр. 283
إن أمة الإسلام مضت قرونها الثلاثة الأولى لم تعرف هذه البدعة، ولا احتُفل فيها بها، وهي القرون التي زكاها النبي ﷺ ، وأخبر أن الخلاف والبدع تكون بعدها.
وهذا من علاماتِ نبوته، إذ وقع ذلك كما أخبر به ﵊ ففي القرن الرابع الهجري ظهر بنو عبيد، المتسمَّوْن زورًا بالفاطميين، انتسابًا إلى فاطمة بنت محمد ﵊ و ﵂ وأرضاها.
ومن ثم خرجوا على الخلافة العباسية، وأقاموا الدولة الفاطمية في مصر والشام.
ولم يرتضِ المسلمون في مصر والشام سيرتهم في الحكم، وطريقتهم في إدارة شؤون الناس، فخاف بنو عبيد من ثورة الناس عليهم، فحاولوا استمالة قلوبهم، وكسب عواطفهم بإحداث الاحتفالات البدعية، فاخترع حاكمهم آنذاك الملقب: المعز لدين الله العبيدي: مولد النبي ﷺ وموالد لفاطمة وعلي والحسن والحسين ولجماعة من سلالة آل البيت ﵃ وأرضاهم ..
وتتابعت في دولتهم احتفالات أخرى اخترعوها، لم تكن من قبلُ في الإسلام، كالاحتفال بالهجرة، ورأس السنة الهجرية، وليلة الإسراء والمعراج، وغيرها كثير.
وظلّت هذه الموالد عند بني عبيد في مصر وبعض الشام، إلى أن انتهت دولتهم، وورثها مَن كانوا بعدهم، ولا يعرفها بقية المسلمين في شتى البقاع، بل أنكروها ولم يقبلوها تكملة القرن الرابع، وطيلة القرن الخامس والسادس، إذ انتقلت عدوى هذه الاحتفالات في أوائل القرن السابع من مصر إلى أهل إربل في العراق،
стр. 284
نقلها شيخ صوفي يدعى الملا عمر، وأقنع بها ملك إربل في العراق أبا سعيد كوكبري، ثم انتشرت بعد ذلك في سائر بلدان المسلمين، بسبب الجهل والتقليد الأعمى، حتى وصلت إلى ما تشاهدونه في العصر الحاضر.
إذًا كان الهدف الرئيس من إحداث الموالد هدفًا سياسيًّا لتثبيت حكم بني عبيد، ولم يكن لمحبة النبي ﷺ ولا لمحبة آل بيته فيه أي نصيب.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية فيهم: "وهؤلاء القوم - يقصد بني عبيد (الفاطميين) - تشهد عليهم الأمة وأئمتها أنهم كانوا ملحدين زنادقة، يظهرون الإسلام ويبطنون الكفر، وجمهور الأمة تطعن في نسبهم، ويذكرون أنهم من أولاد اليهود أو المجوس، وهم يدّعون علم الباطن، الذي مضمونه الكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وعندهم: لا جنة ولا نار ولا بعث ولا نشور .. ويستهينون باسم الله ورسوله، حتى يكتب أحدهم الله في أسفلِ نعله عمّا يقول الظالمون علوًا كبيرًا" (١).
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَأَىهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾ (٢)(٣).
خطبة العام الهجري وقصة الهجرة
إنَّ الحمد لله ..
أَيُّهَا الأخوة: في هذه الأيام من تاريخ الدنيا ومرِّ الزمن، يقِفُ المسلمون في مشارق الأرض ومغاربها وقفةَ الاعتبار والتفكُّر؛ لأنهم يُودِّعون من حياتهم عامًا مضى بما لهم وما عليهم، ولا يدرُون ما الله قاضٍ فيه، وهم يستقبِلون ببُزُوغ هلال هذه السنة الهجرية عامًا جديدًا لا يدرُون ما الله فاعلٌ فيه، ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ (١).
إن المسلمين وهُم بين العام الماضي والعام الحاضر، لا بُدَّ لهم من نظرةٍ يُلقُونها على سجلاتهم وصفحات حياتهم، لينظروا ماذا كسَبوا وماذا خسِروا، فيحمَدُوا الله ﷻ على ما ربِحُوه، ويستغفِروه مما اقترفوه أو صنعوه.
فلنقِف بين العامَين وقفةَ المهاجر بقلبِه وإن لم يهاجر بحِسِّه، ولنُهاجِر إلى الله بقلوبنا وعقولنا وأعمالنا، ولنلجَأ إليه حتى يكون معنا يسمعنا ويرانا (٢).
стр. 287
أَيُّهَا الأخوة: في قصة هجرة المصطفى ﷺ لماّ تم اتخاذ القرار الغاشم بقتل النبي ﷺ نزل إليه جبريل ﵇ بوحي ربه ﵎، فأخبره بمؤامرة قريش، وأن الله قد أذن له في الخروج، وحدد له وقت الهجرة قائلاً: لا تبت هذه الليلة على فراشك الذي كنت تبيت عليه.
وذهب النبي ﷺ في الهاجرة إلى أبي بكر ﵁، قالت عائشة ﵂: بينما نحن جلوس في بيت أبي بكر في نحر الظهيرة قال قائل لأبي بكر هذا رسول الله ﷺ متقنعاً، في ساعة لم يكن يأتينا فيها، فقال أبو بكر: فداء له أبي وأمي، والله ما جاء به في هذه الساعة إلا أمر.
قالت: فجاء رسول الله ﷺ فاستأذن، فأذن له، فدخل، فقال النبي ﷺ لأبي بكر: «أخرج من عندك». فقال أبو بكر: إنما هم أهلك، بأبي أنت يا رسول الله. قال: «فإني قد أذن لي في الخروج» فقال أبو بكر: الصحبة بأبي أنت يا رسول الله؟ قال رسول الله ﷺ : «نعم». وبعد إبرام خطة الهجرة رجع رسول الله ﷺ إلى بيته، ينتظر مجيء الليل .. وفي هذه الأثناء كانت قريش في غاية الاستعداد لتنفيذ خطتهم بقتل النبي ﷺ ، ومع ذلك فقد أخزاهم الله ففشلوا فشلاً ذريعاً، إذ في تلك الساعة الحرجة قال رسول الله ﷺ لعلي بن أبي طالب ﵁: «نم على فراشي، وتسبح ببردي هذا الحضرمي الأخضر، فنم فيه، فإنه لن يخلص إليك شيء تكرهه منهم»، وكان رسول الله ﷺ ينام في برده ذلك إذا نام ثم خرج رسول الله ﷺ ، واخترق صفوفهم، وأخذ حفنة من البطحاء فجعل يذره على رؤوسهم، وقد آخذ الله
стр. 288
أبصارهم عنه فلا يرونه، وهو يتلو: ﴿وَجَعَلْنا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْناهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ﴾ (١)، فلم يبق منهم رجل إلا وقد وضع على رأسه ترابا، ومضى إلى بيت أبي بكر، فخرجا من خوخة في دار أبي بكر ليلاً حتى لحقا بغار ثور في اتجاه اليمن.
وبقي المحاصرون ينتظرون وجاءهم رجل ممن لم يكن معهم، ورآهم ببابه فقال: ما تنتظرون؟ قالوا: محمدا، قال: خبتم وخسرتم، قد والله مرَّ بكم، وذرَّ على رؤوسكم التراب، وانطلق لحاجته، قالوا: والله ما أبصرناه، وقاموا ينفضون التراب عن رؤوسهم.
ولكنهم تطلعوا من صير الباب فرأوا علياً، فقالوا: والله إن هذا لمحمد نائماً، عليه برده، فلم يبرحوا كذلك حتى أصبحوا، وقام عليّ عن الفراش، فسقط في أيديهم، وسألوه عن رسول الله ﷺ ، فقال: لا علم لي به.
غادر رسول الله ﷺ بيته في ليلة ٢٧ من شهر صفر سنة أربعة عشر من النبوة، وأتى إلى دار رفيقه - وآمن الناس عليه في صحبته وماله - أبي بكر ﵁. ثم غادرا من باب خلفي، ليخرجا من مكة على عجل، وقبل أن يطلع الفجر.
وسلك طريقاً يُضاد الطريق المعروف تماما، حتى بلغ إلى جبل يعرف بجبل ثور، وهذا جبل شامخ، وعر الطريق، صعب المرتقى، ذا أحجار كثيرة، فحفيت قدما رسول الله ﷺ ، وقيل: بل كان يمشي في الطريق على أطراف قدميه كي يخفي أثره
стр. 289
فحفيت قدماه، وأيا ما كان، فقد حمله أبو بكر حين بلغ إلى الجبل، وطفق يشتد به حتى انتهى به إلى غار في قمة الجبل، عرف في التاريخ بغار ثور، ولما انتهيا إلى الغار قال أبو بكر: والله لا تدخله حتى أدخله قبلك، فإن كان فيه شيء أصابني دونك، فدخل فكسحه، ووجد في جانبه ثقباً فشق إزاره وسدها به، وبقي منها اثنان فألقمهما رجليه، ثم قال لرسول الله ﷺ . ادخل. فدخل رسول الله ﷺ ، ووضع رأسه في حجره ونام، فلدغ أبو بكر في رجله من الجحر، ولم يتحرك مخافة أن ينتبه رسول الله ﷺ ، فسقطت دموعه على وجه رسول الله ﷺ ، فقال: ما لك يا أبا بكر؟ قال: لدغت، فداك أبي وأمي، فتفل رسول الله ﷺ ، فذهب ما يجده وكمنا في الغار ثلاث ليال، ليلة الجمعة وليلة السبت وليلة الأحد، وكان عبد الله ابن أبي بكر يبيت عندهما، قالت عائشة: وهو غلام شاب ثقف لقن، فيدلج من عندهما بسحر، فيصبح مع قريش بمكة كبائت، فلا يسمع أمراً يكتادان به إلا وعاه، حتى يأتيهما بخبر ذلك حين يختلط الظلام، وكان يرعى عليهما عامر بن فهيرة مولى أبي بكر منحة من غنم، فيريحها عليهما حين تذهب ساعة من العشاء، فيبيتان في رسل - وهو لبن منحتهما ورضيفهما - حتى ينعق بهما عامر بن فهيرة بغلس، يفعل ذلك في كل ليلة من تلك الليالي الثلاث، وكان عامر بن فهيرة يتبع بغنمه أثر عبد الله بن أبي بكر بعد ذهابه إلى مكة ليعفى عليه.
أما قريش فقد جنَّ جنونها حينما تأكد لديها إفلات رسول الله ﷺ صباح ليلة تنفيذ المؤامرة، فأول ما فعلوا بهذا الصدد أنهم ضربوا علياً، وسحبوه إلى الكعبة، وحبسوه ساعة، علهم يظفرون بخبرهما.
стр. 290
لما لم يحصلوا من عليّ على جدوى جاؤوا إلى بيت أبي بكر، وقرعوا بابه، فخرجت إليهم أسماء بنت أبي بكر، فقالوا لها: أين أبوك؟ قالت: لا أدري والله أين أبي؟
فرفع أبو جهل يده - وكان فاحشاً خبيثاً - فلطم خدها لطمة طرح منها قرطها.
وقررت قريش إعطاء مكافأة ضخمة قدرها مائة ناقة بدل كل واحد منهما لمن يعيدهما إلى قريش حيين أو ميتين، كائناً من كان.
وحينئذ جدّت الفرسان والمشاة وقصاص الأثر في الطلب، وانتشروا في كل مكان حتى وصلوا إلى باب الغار، ولكن الله غالب على أمره، روى البخاري (١).
عن أنس عن أبي بكر قال: كنت مع النبي ﷺ في الغار فرفعت رأسي، فإذا أنا بأقدام القوم، فقلت يا نبي الله لو أن بعضهم طأطأ بصره رآنا، قال: اسكت يا أبا بكر، اثنان الله ثالثهما، وفي لفظ: ما ظنك يا أبا بكر باثنين الله ثالثهما (٢)، ثم أكملا طريقهما إلى المدينة النبوية، وجدّ المشركون في الطلب، والله غالب على أمره، فلمّا مرّوا بحيٍّ من مدلج، بصر بهم رجلٌ من الحيّ، فوقف على الحيّ فقال: (لقد رأيتُ آنفًا أسوِدةً ما أُراها إِلا محمدًا وأصحابَه)، ففطِنَ بالأمرِ سراقةُ بن مالك بن جعشم سيّد مدلج، فأراد أن يكون الظفر له خاصة، وقد سبق له من الظفر ما لم
стр. 291
يكن في حسابه، فقال: (بل هم فلان وفلان، خرجا في طلب حاجة لهم)، ثم مكث قليلًا، ثم قام فدخل خِباءَه، وقال لخادمه: (اُخْرُجْ بالفرس من وراء الخباء، وموعدك وراء الأكمة)، ثم أخذ رمحه، وخفض عاليه يخطُّ به الأرض حتى ركب فرسَه، وسار في طلبهم، فلما قرب منهم، سمع قراءة النبي ﷺ ، وأبو بكر ﵁ يكثر الالتفات حذرًا على رسول الله ﷺ ، وهو ﷺ لا يلتفت، فقال أبو بكر: يا رسول الله، هذا رجل قد رهقنا، فدعا عليه رسول الله ﷺ فساخت يدا فرسه في الأرض، فقال: رُمِيتُ إِن الذي أصابني بدعائكما، فادعوَا الله لي، ولكما عليّ أن أردَّ الناسَ عنكما، فدعا له رسول الله ﷺ ، فأُطْلِق، وسأل رسول الله ﷺ أن يكتبَ له كتابًا، فكتب له أبو بكر في أدم، وعرض عليهما الحملان والزاد، ورجع يقول للناس: قد كفيتم ما ها هنا، وكان أول النهار جاهدًا عليهما، وآخره حارسًا لهما، وقد جاء مسلمًا عام حجة الوداع، ودفع إِلى رسول الله ﷺ الكتابَ الذي كتبه له، فوفَّى له رسول الله ﷺ بما وعده، وهو لذلك أهلٌ.
ومرّ رسول الله ﷺ في مسيره ذلك بخيمة أم معبد الخزاعية، وكانت امرأة برزةً جلْدةٌ تحتبي بفناء الخيمة، ثم تُطْعم وتسقي من مرّ بها، فسألاها: هل عندك شيءٌ؟ فقالت: والله، لو كان عندنا شيءٌ ما أعُوزَكم القِرَى، والشاء عازبٌ، وكانت سنة شهباء، فنظر رسول الله ﷺ إِلى شاةٍ في كِسْرِ الخيمة، فقال: ما هذه الشاةُ يا أمّ معبد؟ قالت: هي أجهدُ شاةٍ، خلفها الجَهْدُ عن الغنم، فقال: هل بها من لبن؟ قالت: هي أجهدُ من ذلك. فقال: هل تأذنين لي أن أحلبها؟ قالت: نعم، بأبي وأمي، إِن رأيتَ بها حَلْبًا فاحلُبْها.
стр. 292
فمسحَ رسول الله ﷺ بيده ضَرْعها، وسمّى الله ودعا، فتفاجّت عليه، ودرّت، فدعا بإِناء لها يُرْبض الرَّهطَ، فحلب فيه حتى علته الرّغوة، فسقاها فشربت حتى رويت، وسقى أصحابه حتى رووا، ثم شرب، وحلب فيه ثانيًا، حتى ملأ الإِناء، ثم غادره عندها، فارتحلوا، فقلّما لبثت أن جاء زوجها أبو معبد يسوق أعنزًا عجافًا، يتساوكن هُزالًا، فلما رأى اللبن، عجِب، فقال: من أين لك هذا، والشاة عازب؟ ولا حلوبة في البيت؟ فقالت: لا والله، إِلَّا أنّه مرّ بنا رجلٌ مبارك، كان من حديثه كيت وكيت، ومن حاله كذا وكذا، قال: والله إِني لأُراه صاحبَ قريش الذي تطلبه إلى أن قال، لقد هممت أن أصحبه، ولأفعلن إِن وجدت إِلى ذلك سبيلًا.
وأصبح صوتٌ بمكة عاليًا، يسمعونه ولا يرون القائل:
جزى الله رب العرش خير جزائه ... رفيقين حلا خيمتي أم معبد
هما نزلا بالبر وارتحلا به ... وأفلح من أمسى رفيق محمَّد
إلى أن قال:
سلوا أختكم عن شاتها وإِنائها ... فإِنكم إن تسألوا الشاء تشهد
قالت أسماء بنت أبي بكر: ما درينا أين توجّه رسولُ الله ﷺ حتى أقبل رجل من الجن من أسفل مكة، فأنشد هذه الأبيات، والناس يتبعونه، ويسمعون صوته ولا يرونه؛ حتى خرج من أعلاها، قالت: فلما سمعنا قوله؛ عرفنا حيث توجه رسول الله، وأن وجهه إِلى المدينة (١).
стр. 293
وهكذا حفظ الله النبي ﷺ وصاحبه ﵁ فكانت معجزة عظيمة.
أقول قولي هذا وأستغفر الله.
الخطبة الثانية:
أَيُّهَا الأخوة: إن التاريخ السنوي لم يكن معمولاً به في أول الإسلام، حتى كانت خلافة عمر بن الخطاب ﵁، ففي السنة الثالثة أو الرابعة من خلافته ﵁ كتب إليه أبو موسى الأشعري ﵁ يقول له: إنه يأتينا منك كتب ليس لها تاريخ، فجمع عمر الصحابة ﵃ فاستشارهم، فيقال: إن بعضهم قال: أرخوا كما تؤرخ الفرس بملوكها كلما هلك ملِك أرخوا بولاية من بعده، فكره الصحابة ذلك، فقال بعضهم: أرخوا بتاريخ الروم فكرهوا ذلك أيضاً، فقال بعضهم: أرخوا من مولد النبي ﷺ ، وقال آخرون من مبعثه، وقال آخرون: من مهاجره، فقال عمر: الهجرة فرقت بين الحق والباطل فأرخوا بها فأرخوا من الهجرة، واتفقوا على ذلك، ثم تشاوروا من أي شهر يكون ابتداءً السنة؟ فقال بعضهم: من رمضان لأنه الشهر الذي أنزل فيه القرآن، وقال بعضهم: من ربيع الأول لأنه الشهر الذي قدم فيه النبي ﷺ المدينة مهاجراً واختار عمر وعثمان وعلي أن يكون من المحرم لأنه شهر حرام يلي ذي الحجة الذي يؤدي فيه المسلمون حجهم الذي به تمام أركان الإسلام والذي كانت فيه بيعة الأنصار للنبي ﷺ والعزيمة على الهجرة، فكان ابتداء السنة الإسلامية الهجرية من الشهر الحرام، ووجب على المسلمين الإذعانُ لهذا الأمر (١)،
لحديث
أَيُّهَا الأخوة: "وخسف القمر" ثمّة خسوفٌ في الدنيا، وخسوفٌ في الآخرة، وخسف القمر أي ذهب ضوؤه، والخسوف في الدنيا إلى انجلاء، بخلاف الآخرة، فإنه لا يعود ضوؤه (١).
والخسوف في الدنيا للتذكير بخسوف الآخرة وجميع أهوالها! ! وللتخويف مما تمادى فيه ابنُ آدم في الدنيا وصنعَه من ظلمٍ ومعاصٍ.
"وخسف القمر" على المؤمن أن يقرأ الأحداث الكونية من زاويةٍ شرعية، كالكسوف والخسوف والزلازل والبراكين والفياضات، وجميع ما يُقدِّره الخالق من أحداثٍ كونيةٍ جسام عظام! !
ويستدعي وقفاتِ التأمل والاعتبار حتى لا تمّر عليه دون محاسبة ومراجعة، ويعرفَ ما هو المنهجُ الشرعي إذا وقعت مثلُ هذه الأحداث الكونية؟ ، وكيف كان تعامل النبي ﷺ معها؟ .
"وخسف القمر" سَأَلَ أَهْلُ مَكَّةَ النَّبِيَّ ﷺ أَنْ يَجْعَلَ لَهُمُ الصَّفَا ذَهَبًا، وَأَنْ يُنَحِّيَ الْجِبَالَ عَنْهُمْ فَيَزْرَعُوا، فَقِيلَ لَهُ: إِنْ شِئْتَ أَنْ نَسْتَأْنِيَ بِهِمْ، وَإِنْ شِئْتَ أن يأتيهم الذي سألوا فإن كفروا هلكوا، كَمَا أَهْلَكْتُ مَنْ كَانَ قَبْلَهُمْ مِنَ الْأُمَمِ، قال «لا، بل استأن بهم» وأنزل اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآَيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ وَآَتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا وَمَا نُرْسِلُ بِالْآَيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا﴾ (٢)(٣).
стр. 297
"وخسف القمر" ﴿وَمَا نُرْسِلُ بِالْآَيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا﴾ قَالَ قَتَادَةُ: إِنَّ اللَّهَ خَوَّفَ النَّاسَ بِمَا يَشَاءُ (٤) مِنْ آيَاتِهِ لَعَلَّهُمْ يَعْتَبِرُونَ وَيَذَّكَّرُونَ وَيَرْجِعُونَ، ذُكر لَنَا أَنَّ الْكُوفَةَ رُجِفَتْ عَلَى عَهْدِ ابْنِ مَسْعُودٍ فَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنْ رَبَّكُمْ يَسْتَعْتِبُكُمْ فَأَعْتِبُوهُ.
وَهَكَذَا رُوي أَنَّ الْمَدِينَةَ زُلزلت عَلَى عَهْدِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ مَرَّاتٍ، فَقَالَ عُمَرُ: أَحْدَثْتُمْ، وَاللَّهِ لَئِنْ عَادَتْ لَأَفْعَلَنَّ وَلَأَفْعَلَنَّ (١).
"وخسف القمر" كَمٌّ من الروايات والأحاديث عند البخاري في أبواب الكسوف والخسوف تستدعي المؤمنَ وقفةَ تأملٍ في كيفيةِ تعاملِ النبي ﷺ مع هذا الحدث الكوني الجلل! ! .. إبطَالٌ لما كان عليه أهل الجاهلية من معتقدات فاسدة وتتويج ذلك بالصلاة والذكر والدعاء «إِنَّ الشَّمْسَ وَالقَمَرَ لا يَنْكَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ، فَإِذَا رَأَيْتُمُوهُمَا، فَصَلُّوا، وَادْعُوا حَتَّى يُكْشَفَ مَا بِكُمْ» (٢).
صلاة ودعاء وصدقة وتحذيرٌ من المعاصي، تحذيرٌ من غيرةِ الله تعالى على محارمه والله المستعان «إِنَّ الشَّمْسَ وَالقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ، لا يَخْسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلا لِحَيَاتِهِ، فَإِذَا رَأَيْتُمْ ذَلِكَ، فَادْعُوا اللَّهَ، وَكَبِّرُوا وَصَلُّوا وَتَصَدَّقُوا» ثمَّ قَالَ: «يَا أُمَّةَ
стр. 298
مُحَمَّدٍ وَاللَّهِ مَا مِنْ أَحَدٍ أَغْيَرُ مِنَ اللَّهِ أَنْ يَزْنِيَ عَبْدُهُ أَوْ تَزْنِيَ أَمَتُهُ، يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ وَاللَّهِ لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا وَلبَكَيْتُمْ كَثِيرًا» (١).
وقبل ذلك كُلِّه استنفارٌ للاجتماعِ للصلاة والذكر ولاستماع الموعظة.
عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ﵃، قَالَ: «لَمَّا كَسَفَتِ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ نُودِيَ إِنَّ الصَّلاةَ جَامِعَةٌ» (٢).
وفي خطبته وبعد الصلاة الطويلة أمرهم ﷺ أن يتعوذوا من عذاب القبر (٣).
وفي صلاة الخسوف والكسوف ركوعين مع سجودين في كل ركعة طوالٍ جداً قال الراوي: «فَرَكَعَ النَّبِيُّ ﷺ رَكْعَتَيْنِ فِي سَجْدَةٍ، ثُمَّ قَامَ، فَرَكَعَ رَكْعَتَيْنِ فِي سَجْدَةٍ، ثُمَّ جَلَسَ، ثُمَّ جُلِّيَ عَنِ الشَّمْسِ»، قَالَ: وَقَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: «مَا سَجَدْتُ سُجُودًا قَطُّ كَانَ أَطْوَلَ مِنْهَا» (٤).
يا الله .. ! ! ولعظمِ هذا الحدث نجد النبيّ ﷺ رأى الجنة والنار في صلاة الكسوف ولفت أنظار النساء خاصةً! ! قال الراوي: ثُمَّ انْصَرَفَ - يعني: انتهى النبي ﷺ من صلاته - وَقَدْ تَجَلَّتِ الشَّمْسُ، فَقَالَ ﷺ : «إِنَّ الشَّمْسَ وَالقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ، لا يَخْسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلا لِحَيَاتِهِ، فَإِذَا رَأَيْتُمْ ذَلِكَ، فَاذْكُرُوا اللَّهَ" قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، رَأَيْنَاكَ تَنَاوَلْتَ شَيْئًا فِي مَقَامِكَ ثُمَّ رَأَيْنَاكَ كَعْكَعْتَ؟ قَالَ ﷺ : «إِنِّي
"وخسف القمر" هذا شيء من الأحاديث التي جاءت في صحيح البخاري حول الخسوف والكسوف، فكيف لمسلم أن يتصوّرَ أن هذا الحدث الكوني العظيم أمرٌ عادي! !
أقول قولي هذا وأستغفر الله.
الخطبة الثانية:
الحمد لله ...
أَيُّهَا الأخوة: "وخسف القمر" وبعد ذكر تلك الأحاديث المحذّرةِ والمُنْذِرة لأمورٍ قد وقع بها الكثيرون في هذا العصر فما عسانا أن نفعل؟ لنحذر المعاصي والتساهل فيها، والترف والفسق والأمن من مكر الله تعالى، فالله تعالى يقول ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا﴾ (١)، ولنفزع إلى الصلاة والذكر فإن النبي ﷺ خرج مسرعاً يجر رداءه فهو بأبي وأمي ﷺ لم يتوانَ لحظة، ولنبادر للتوبة والاستغفار، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإنّ الله تعالى يقول: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ (٢).
ومن نعم الله تعالى أن باب التوبة مفتوح، والتوبة تجب ما قبلها، وفضل الله واسع، بل إن العبد إذا صدق في توبته بدَّل الله سيئاته حسنات، ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ
أَمَّا بَعْدُ:
فَاتَّقُوا اللهَ تَعَالَى وَأَطِيعُوهُ ..
فاللهُ جل وعلا جعلَ للنصر أسباباً، وجعلَ للخذلان أسباباً، واللهُ جلَّ وعلا يقول في كتابه العظيم وهو أصدق القائلين: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ (١).
ونصرُ اللهِ من المؤمنينَ هو: اتباعُ شريعتِه ونصرُ دينِه والقيامُ بحقِّه، وليس هو سبحانه في حاجةٍ إلى عباده، بل همُ المحتاجونَ إليه سبحانه، وقال سبحانه: ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ (٢). والصبرُ والتقوى يكونان: بنصرِ الله، والقيامِ بدينِه سبحانه، والتواصي بذلك في السرِّ والجهرِ في الشدة والرخاء في حال الجهاد وما قبله وما بعده وفي جميع الأحوال.
ولقد حذَّر سبحانه من اتخاذِ البطانة من دون المؤمنين، كما في قوله جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ (٣) وقد بيّن سبحانه أيضاً في آخرِ الآيات أنهم إذا صبَروا واتقوا لم
стр. 308
يضرُّهم أعداؤُهم فقال: ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ (١).
ومن صفاتِ المنصورين ما قاله جلَّ وعلا: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ أي: أقدرناهم ﴿أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ﴾ يعني: حافظوا على هذِه وهذِه كما أمرَ اللهُ، ﴿وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ (٢)، وهذا يعمُّ جميع الأوامر والنواهي.
وأعظمُ وسائلِ النصرِ تطبيق توحيد الله تعالى علماً وعملاً: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (٣)(٤).
وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى نَبِيِّكُمْ ...
* * *
стр. 309
الأقصى بين عظمة الفاتحين
وأطماع العابثين
الحمد لله القائل: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ البَصِير﴾ (١)، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله القائل: «لما فرغ سليمان بن داود من بناء بيت المقدس سأل الله خلالاً ثلاثاً: حكمًا يصادف حكمة، وملكًا لا ينبغي لأحد من بعده، وألا يأتي هذا المسجد أحد لا يريد إلا الصلاة فيه؛ إلا خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه». فقال رسول الله: «أما اثنتان فقد أعطيهما، وأرجو أن يكون قد أعطي الثالثة» (٢) صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين:
أما بعد:
стр. 310
فاتقوا الله عباد الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ وَيَجْعَل لَّكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيم﴾ (١).
أَيُّهَا الأخوة: في عهد الفاروق عمر ﵁ وأرضاه، واصلت جيوش الحق فتحها، حتى بلغت بيت المقدس، فحاصر المُسْلِمُون أهلها، ثم تصالحوا على أن يقدم الخليفة عمرُ ﵁ من المدينة ليباشرَ الصلح بنفسه، لما علموا من سيرته وعدله، ولأسباب اختلف فيها.
فكتب أبو عبيدة إلى عمر يخبره بشرطِ أهل إيلياء (بيت المقدس)، فشاور عمرُ أصحابه في الخروج، ثم انشرح صدرُه إلى القدوم على بيت المقدس، واستخلف عليًّا على المدينة، وسار إلى مدينة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وكتب إلى أُمَراء الأجناد أن يستخلفوا على أعمالهم ويوافوه بالجابية، وفي رواية أخرى: أنه وافاهم عند بيت المقدس.
فلما بلغ الجابية من أعمال الشام نزل بها، وخطب خطبة بليغة طويلة مشهورة كان منها قوله ﵁: "أيها الناس، أصلحوا سرائركم تصلح علانيتكم، واعملوا لآخرتكمُ تُكْفَوْا أمر دنياكم، واعلموا أنَّ رجلاً ليس بينه وبين آدم أب، ولا بينه وبين الله هوادة، فمن أراد لَحْبَ وجه الجنة - أي طريقها - فليلزم الجماعة؛ فإن الشيطان مع الواحد، وهو من الاثنين أبعد ... " إلخ خطبته البليغة.
стр. 311
وصالح عمرُ أهل الجابية ثم سار وقادته إلى بيت المقدس، وكان ﵁ في غايةِ التواضع والاستكانة والذّلَّة لِله رب العالمين، قال أبو الغادية المزني: "قدم علينا عمرُ الجابية، وهو على جمل أورق، تلوح صلعته للشمس، ليس عليه عمامةٌ ولا قلنسوة، بين عُودَيْن، وطَاؤه فرو كبْش نجدي، وهو فراشه إذا نزل، وحقيبتُه شملةٌ أو نَمِرةٌ مَحْشوةٌ ليفًا وهي وسادته، عليه قميص قدِ انخرق بعضه، ودَسَم جيبُه".
هكذا نقلوا في وصف مركبه وملبسه، وهيئته وعُدَّتِه، ولو أراد ﵁ للبس الحرير، ومشى على الديباج، وركب أصيلات الخيل، ولو شاء لحمل معه المتاع الكثير، ولأحاطت به المراكب والمواكب، ولكنه ﵁ علم قيمة الدنيا فأعطاها مُستحقها، وعلم قدر الآخرة ففرغ قلبه لها، وعمل عملها، وسعى لها سعيها.
وقد حاول أمراءُ الجيش أن يُحسِّنوا من هيئته المتواضعة أمام الأعداء، ولكن مَنْ يقدرُ على مَنْ؟ أيقدرون على عمرَ الذي كان كبيرُ الشياطين يخافُه، ويسلكُ فجًّا غير فجّهِ؟ !
فكان من رده عليهم ﵁: "لا أحب أن أُعَوّد نفسي ما لم تعتده، فعليكم معشر المسلمين بالقصد".
وكان من رده ﵁ على يزيد بن أبي سفيان ﵁: "يا يزيد ما أُريد أن أتزيَّا للنَّاس بما يَشِينُني عند الله ولا أريد أن يعظم أمري عند الناس، ويصغر عند الله فلا ترادّني بعدها في شيء من هذا الكلام"
وواصل عمر ﵁ مسيره إلى بيت المقدس على تلك الحال المُتَواضِعَة، فعرضت له مخاضة طين فَنَزل عن بعيره، ونزع نَعْلَيْه فأمسكها بيدٍ وخاض الماء ومعه بعيرُه، فقال له أبو عبيدة: "قد صنعت اليوم صُنعًا عظيمًا عند أهلِ الأرض، صنعت
стр. 312
كذا وكذا، قال: فصكَّ في صدره وقال: أولو غيرك يقولها يا أبا عبيدة، إنكم كنتم أذلَّ النَّاس، وأحقر النَّاس، وأقلَّ النَّاس، فأعزَّكم الله بالإسلام فَمَهْمَا تَطْلُبوا العزَّ بغيره يذلكم الله".
فلما بلغ بيت المقدس خرجَ إليه بطْريَرْكها صفرونيوس وكتب عمر ﵁ لهم الأمانَ لأنفسهم وأموالهم وكنائسم وصلبانهم، ولا ينتقص شيء من أموالهم، ولا يُكرهون على دينهم في مقابل أن يعطوا الجزية للمسلمين، وسلَّم البَطْريَرْك مفاتيح القُدس لعمرَ بن الخطاب ﵁ ثُمَّ بَكَى البَطْريرك فقال له عمر: "لا تحزن، هَوِّنْ عليك، فالدنيا دواليك، يومٌ لك ويومٌ عليك"، فقال البطريرك: "أظننتني على ضياع الملك بكيت، والله ما لهذا بكيت، وإنما بكيتُ لما أيقنت أن دولتكم على الدهر باقية، ترق ولا تنقطع، فدولةُ الظلم ساعة، ودولةُ العدلِ إلى قيام الساعة، وكنت حسبتها دولة فاتحين تمر ثم تنقرض مع السنين".
وتَمَّ الفَتْحُ، ودخل عمر بيت المقدس من الباب الذي دخل منه رسول الله ﷺ ليلة الإسراء، وصَلَّى فيه مستقبلاً القبلة، وجعل يزيح بردائه الأقذار التي رماها النصارى في قبلته. ولما رأى المسلمون فعْلَ عمرَ أخذوا في تنظيف المسجد من أقذار النصارى، ثم بعد الفتح عاد ﵁ إلى المدينة على ذات الجمل الذي قدم عليه، وعلى نفس الهيئة التي كان عليها قبل الفتح؛ لأنَّ اهتمامه ﵁ ما كان بالشكليات والمظاهر، وإنما كان بأصول الشيء ومعانيه.
أَيُّهَا الأخوة: المسجد الأقصى له مكانة عظيمة في قلوب المسلمين، إذ بارك الله -تعالى- أرضه وما جاورها، وهو أول مسجد بُني لله تعالى في الأرض بعد المسجد الحرام، وشُرع شدُّ الرحال إليه للعبادة فيه والمجاورة في أرضه، والصلاةُ فيه
стр. 313
مضاعفة على الصلاة في غيره إلا الحرمين: المكي والمدني، كما أن الصلاة فيه سبب لتكفير الذنوب، وملاحم آخر الزمان تكون على أرضه، ويؤوب إليه أهل الإيمان.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وَقَدْ دَلَّ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَمَا رُوِيَ عَنْ الأَنْبِيَاءِ الْمُتَقَدِّمِينَ ﵈ مَعَ مَا عُلِمَ بِالْحِسِّ وَالْعَقْلِ وَكُشُوفَاتِ الْعَارِفِينَ: أَنَّ الْخَلْقَ وَالأَمْرَ ابْتَدَآ مِنْ مَكَّةَ أُمِّ الْقُرَى؛ فَهِيَ أُمُّ الْخَلْقِ، وَفِيهَا اُبْتُدِئَتْ الرِّسَالَةُ الْمُحَمَّدِيَّةُ الَّتِي طَبَقَ نُورُهَا الْأَرْضَ ... وَدَلَّتْ الدَّلائِلُ الْمَذْكُورَةُ عَلَى أَنَّ مُلْكَ النُّبُوَّةِ بِالشَّامِ وَالْحَشْرَ إلَيْهَا، فَإِلَى بَيْت الْمَقْدِسِ وَمَا حَوْلَهُ يَعُودُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ، وَهُنَاكَ يُحْشَرُ الْخَلْقُ، وَالْإِسْلامُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ يَكُونُ أَظْهَرَ بِالشَّامِ، وَكَمَا أَنَّ مَكَّةَ أَفْضَلُ مِنْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، فَأَوَّلُ الأُمَّةِ خَيْرٌ مِنْ آخِرِهَا، وَكَمَا أَنَّهُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ يَعُودُ الأَمْرُ إلَى الشَّامِ كَمَا أُسْرِيَ بِالنَّبِيِّ ﷺ مِنْ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى، فَخِيَارُ أَهْلِ الأَرْضِ فِي آخِرِ الزَّمَانِ أَلْزَمُهُمْ مُهَاجَرَ إبْرَاهِيمَ ﵇ وَهُوَ بِالشَّامِ" (١)
أَيُّهَا الأخوة: من حيل اليهود والنصارى أنهم خلال العقود الماضية -عبر الضخ الإعلامي المتكرر، والمراوغات السياسية المتعددة- استطاعوا تحويل قضية احتلال بيت المقدس من كونها قضية إسلامية عالمية إلى حصرها في العنصر العربي، لئلا تأخذ بعدًا دينيًّا؛ ولتحييد مليار مسلم من غير العرب عنها، ثم حولوها إلى قضية إقليمية شرق أوسطية تهم دول الطوق المحيطة بالأرض المحتلة، وتم إخراج سائر الدول العربية منها، ثم حاولوا تضييق هذه القضية التي تهم كل مسلم لتصبح شأنًا
стр. 314
فلسطينيًّا داخليًّا، يكون تعامل اليهود فيه مع الفلسطينيين مباشرة، ولا علاقة لدول الطوق به إلا فيما يخدم المصالح الصهيونية، إن اليهود وحلفاءهم استطاعوا أن يفَتِّتوا الأمة المسلمة، ويفرقوها بعد اجتماعها، ويحيدوها عن قضاياها، ومن ثم استباحوا مقدساتها، وهم عازمون على تنفيذ مشروعاتهم الدينية ولو اقتضى ذلك إبادة أهل الأرض المباركة جميعًا.
ونهاية أطماعهم لا تنتهي عند حد أو وعد أو عهد، فقد وقفت رئيسة وزرائهم قبل أربعين سنة على خليج العقبة في إيلات وقالت -وهي تستنشق الهواء-: "إني أشم رائحة أجدادي في خيبر".
وحين سقطت القدس القديمة بأيديهم، وبعد أدائهم صلاة الشكر اليهودية عند حائط البُراق قال قائدهم موشي ديان: "اليوم فُتح الطريق إلى بابل ويثرب، هذا يوم بيوم خيبر، وتعالت هتافات النصر التي رددها اليهود المنتصرون: يا لثارات خيبر".
والمؤسف أن المؤرخ الإنجليزي الموسوعي "أرنولد توينبي" صاحب أكبر دراسة للحضارات، وأحدث نظرية ظهرت في تفسير التاريخ - قد تنبَّه إلى هذا الخطر الذي تجاهله الكثيرون، ولم ينتبه له كثيرٌ من كتابنا ومدعي الثقافة عندنا، تنبه لهذا الخطر الذي يوشك أن يهزَّ البناء الإنساني كله، فوّجه في سنة ١٣٧٤ هـ / ١٩٥٥ م نداءً إلى اليهود في فلسطين، وإلى العالم كله يقول لهم فيه: "لا تَقترفوا أخطاء الصليبيين"، ويقول لهم فيه أيضًا: لقد كان التخلف والتفسُّخ، والفوضى والفساد - يسيطر على العرب، فصال الصليبيون وجالوا، وانتصروا في عشرات المعارك، وهدَّدوا واستفزوا ما شاء لهم زَهْوُهم وخُيَلاؤهم، معتقدين أنهم قادرون على طرْد العرب، وطَمْس معالم
стр. 315
العروبة والإسلام بحد السيف، كما اعتقد حكام إسرائيل بعد كل جولة منذ عام ١٩٤٨ م، غير أن انكسارات العرب المتتالية في عهد الصليبيين قد فتَحت عيونهم على عيوبهم، فعرَفوا أن سرَّ قوتهم في وَحدتهم وتفانيهم، وراء صلاح الدين ساروا، فقطَفوا ثمار النصر يوم ٣ تموز/ يوليو ١١٨٧ م (٢٥/ ٤/ـ ٥٨٣ هـ) في حطين.
وفي النهاية يطالب "توينبي" الأقلية اليهودية أن تعيش كأقلية مع العرب والمسلمين في أمن وسلام.
أَيُّهَا الأخوة: لو حقق اليهود مرادهم بجعل بيت القدس عاصمة لهم لسهّل لهم ذلك هدم المسجد الأقصى، وبناء هيكلهم، وهذه الكارثة لو وقعت لا قدر الله ستكون عارًا على المسلمين كلهم لا يمحوه التاريخ، ولا يُنسى بتعاقب الأزمان، كما لم يَنس المسلمون على مرِّ القرون تدنيس الصليبيين لبيت المقدس في القرن الخامس الهجري، ومكثهم فيه زهاء تسعين سنة، إلى أن حرره الله منهم على يد صلاح الدين وجنده.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.
الخطبة الثانية:
الحمد لله حمدًا طيبًا كثيرًا مباركًا فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداهم إلى يوم الدين.
أما بعد:
стр. 316
فاتقوا الله تعالى وأطيعوه: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى الله ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ (١).
إن على الأمة المسلمة واجبًا عظيمًا تجاه الأرض المباركة؛ في حمايتها، والدفاع عنها، ونصرة المرابطين في أكنافها.
فأهل العلم والدعوة والتربية يجب عليهم بيان حقيقة اليهود المعتدين ومن يقف وراءهم، ويسوِّغ لهم إجرامهم. كما يجب على أهل الأقلام الراشدة أن يجاهدوا بأقلامهم، وأن يقفوا في وجه سيل أقلام التزييف والتزوير ويفضحوا المخططات الصهيونية والصليبية، وواجب على الآباء والأمهات أن يغرسوا في نفوس أولادهم محبة القدس ومن يدافعون عنه ويقصّوا عليهم تاريخه، وكذلك يفعل المعلمون مع طلابهم، وأئمة المساجد مع جماعة مساجدهم، وكبار القوم مع جلسائهم، حتى تحيا قضية الأقصى في القلوب، فيثمر ذلك أفعالاً ومبادرات لنصرة الأقصى والمرابطين في أرضه.
وقبل ذلك وبعده إصلاح ما بيننا وبين الله تعالى بالتوبة من الذنوب، حتى يتغير حال الأمة، ويتبدل ذلها إلى عز، وضعفها إلى قوة، وتفرقها إلى اجتماع وألفة، وقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ (٢)، مع
стр. 317
كثرة الدعاء والتضرع بنصر المرابطين، وحفظ المسجد الأقصى من ظلم اليهود وأعوانهم.
نسأل الله تعالى -بمنه وكرمه- أن يحفظ المسجد الأقصى من مكر اليهود، وأن يردهم على أعقابهم خاسرين، وأن يخرجهم من الأرض المباركة أذلة صاغرين، وأن ينصر إخواننا عليهم؛ إنه سميع مجيب (١).
* * *
стр. 318
أيها الشاب أدرك لحظات عمرك ! !
إنَّ الحمد لله ..
أَيُّهَا الأحبة: الإنسان يمرّ بمراحل منذ خَلقِه، للوقت فيها علاقةٌ عجيبة تستدعي من العاقل التوقف والتأمل، إذ لو تأملها المسلم لأدرك أن كل ثانية ودقيقة أغلى من كنوز المترفين.
أربع مراحل: مرحلته جنيناً في بطن أمّه تسعة أشهر تقريباً، ثم يخرج على الدنيا ولا يعرف كم يعيش؟ لتُقدَّر كما في الحديث بين الستين والسبعين ثم البرزخ والله أعلم كم المكث فيه، ثم العرض والجزاء والحساب والجنة والنار ﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ (١).
المحّك والمَدار على هذه السنيّات التي تعيشها في حياتك الدنيا! ! ، قطّعها أجزاءً حدد كم نسبة عملك للستين أو السبعين سنة؟ ! ، وكم نسبة عملك للبرزخ؟ ! ، وكم نسبة عملك للدار الآخرة والجنّة والنار؟ ! ! أغلبنا هذه الأيام والساعات والدقائق والثواني للأسف يعيش معظمها لها .. نعم يعيش للسبعين .. أو الستين .. أو الخمسين أو أقل أو أكثر .. نعم يعيش الدنيا للدنيا، لقد تغافل أو غفل عن البرزخ والدار
стр. 319
الآخرة والجنة والنار .. لا يعني هذا أن نغفل ﴿وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾ (١)، ولكن الأصل ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آَتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآَخِرَةَ﴾ (٢).
ولذا كان ولا بد أن يكون من ثقافة المسلم أنّ كل لحظة يمر بها في هذه الحياة حجة له أو عليه، ومسؤول عنها يوم القيامة.
قال ﷺ : «كُلُّ النَّاسِ يَغْدُو فَبَائِعٌ نَفْسَهُ فَمُعْتِقُهَا أَوْ مُوبِقُهَا» (٣).
وقال الحسن البصري: "ما من يومٍ ينشق فجره إلا نادى: يا ابن آدم! أنا خلق جديد، وعلى عملك شهيد، فتزود فيَّ بعملٍ صالح، فإني لا أعود إلى يوم القيامة" (٤).
وما الأيام إلا مراحل يقطعها العبد في سفره إلى الله تعالى وإلى الدار الآخرة.
قال أبو الدرداء ﵁: "ابن آدم! إنما أنت أيام كلما مضى منك يوم مضى بعضك" (٥).
стр. 320
وأبلغ من ذلك كله اهتمام الله جل وعلا في القرآن الكريم بالوقت، فأقسم بالعصر والضحى والليل والنهار، وذكر سبحانه إنعامه على عباده بالوقت في سورة النِعم سورة النحل، فقال جل وعلا: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ (١)، فبين سبحانه عظيم منته على عباده أن سخر لهم هذه الأوقات ليتقربوا فيها إلى الله الواحد القهار، ويتذكروا دنو الآجال بانقضاء الليل والنهار، كما قال الله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا﴾ (٢).
يُروى أنّ ملك الموت جاء إلى نوح ﵇، فقال: يا أطول النبيين عمرا! كيف وجدت الدنيا ولذتها؟ قال: «كرجل دخل بيتاً له بابان، فقام في وسط البيت هنيهة - القليل من الزمان -، ثم خرج من الباب الآخر».
أيها الشاب: أعطني أذنك أهمس فيها لا سيّما وأنت في إجازة ليست بالقصيرة، أترى هذا الوقت الذي تعيش فيه إنّه نعمةٌ تُغبط عليها، إي والله فقد قَالَ: النَّبِيُّ ﷺ : «نِعْمَتَانِ مَغْبُونٌ فِيهِمَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ: الصِّحَّةُ وَالفَرَاغُ» (٣).
بل خُصَّت مرحلتك مرحلة الشباب من عمر الإنسان بالسؤال يوم القيامة، قال ﵊: «لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع» وذكر منها: «عن عمره فيما أفناه؟ وعن شبابه فيما أبلاه؟ » (٤).