← Джавами‘

Джавами‘ · id 151152

ينابيع المنبر مجموعة خطب ومقالات المجموعة الأولى

صغير بن محمد الصغير

Полный текст (494 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

فاتقوا الله تعالى وأطيعوه: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى الله ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ (١). إن على الأمة المسلمة واجبًا عظيمًا تجاه الأرض المباركة؛ في حمايتها، والدفاع عنها، ونصرة المرابطين في أكنافها. فأهل العلم والدعوة والتربية يجب عليهم بيان حقيقة اليهود المعتدين ومن يقف وراءهم، ويسوِّغ لهم إجرامهم. كما يجب على أهل الأقلام الراشدة أن يجاهدوا بأقلامهم، وأن يقفوا في وجه سيل أقلام التزييف والتزوير ويفضحوا المخططات الصهيونية والصليبية، وواجب على الآباء والأمهات أن يغرسوا في نفوس أولادهم محبة القدس ومن يدافعون عنه ويقصّوا عليهم تاريخه، وكذلك يفعل المعلمون مع طلابهم، وأئمة المساجد مع جماعة مساجدهم، وكبار القوم مع جلسائهم، حتى تحيا قضية الأقصى في القلوب، فيثمر ذلك أفعالاً ومبادرات لنصرة الأقصى والمرابطين في أرضه. وقبل ذلك وبعده إصلاح ما بيننا وبين الله تعالى بالتوبة من الذنوب، حتى يتغير حال الأمة، ويتبدل ذلها إلى عز، وضعفها إلى قوة، وتفرقها إلى اجتماع وألفة، وقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ (٢)، مع

стр. 317

كثرة الدعاء والتضرع بنصر المرابطين، وحفظ المسجد الأقصى من ظلم اليهود وأعوانهم. نسأل الله تعالى -بمنه وكرمه- أن يحفظ المسجد الأقصى من مكر اليهود، وأن يردهم على أعقابهم خاسرين، وأن يخرجهم من الأرض المباركة أذلة صاغرين، وأن ينصر إخواننا عليهم؛ إنه سميع مجيب (١). * * *

стр. 318

أيها الشاب أدرك لحظات عمرك ! ! إنَّ الحمد لله .. أَيُّهَا الأحبة: الإنسان يمرّ بمراحل منذ خَلقِه، للوقت فيها علاقةٌ عجيبة تستدعي من العاقل التوقف والتأمل، إذ لو تأملها المسلم لأدرك أن كل ثانية ودقيقة أغلى من كنوز المترفين. أربع مراحل: مرحلته جنيناً في بطن أمّه تسعة أشهر تقريباً، ثم يخرج على الدنيا ولا يعرف كم يعيش؟ لتُقدَّر كما في الحديث بين الستين والسبعين ثم البرزخ والله أعلم كم المكث فيه، ثم العرض والجزاء والحساب والجنة والنار ﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ (١). المحّك والمَدار على هذه السنيّات التي تعيشها في حياتك الدنيا! ! ، قطّعها أجزاءً حدد كم نسبة عملك للستين أو السبعين سنة؟ ! ، وكم نسبة عملك للبرزخ؟ ! ، وكم نسبة عملك للدار الآخرة والجنّة والنار؟ ! ! أغلبنا هذه الأيام والساعات والدقائق والثواني للأسف يعيش معظمها لها .. نعم يعيش للسبعين .. أو الستين .. أو الخمسين أو أقل أو أكثر .. نعم يعيش الدنيا للدنيا، لقد تغافل أو غفل عن البرزخ والدار

стр. 319

الآخرة والجنة والنار .. لا يعني هذا أن نغفل ﴿وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾ (١)، ولكن الأصل ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آَتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآَخِرَةَ﴾ (٢). ولذا كان ولا بد أن يكون من ثقافة المسلم أنّ كل لحظة يمر بها في هذه الحياة حجة له أو عليه، ومسؤول عنها يوم القيامة. قال ﷺ : «كُلُّ النَّاسِ يَغْدُو فَبَائِعٌ نَفْسَهُ فَمُعْتِقُهَا أَوْ مُوبِقُهَا» (٣). وقال الحسن البصري: "ما من يومٍ ينشق فجره إلا نادى: يا ابن آدم! أنا خلق جديد، وعلى عملك شهيد، فتزود فيَّ بعملٍ صالح، فإني لا أعود إلى يوم القيامة" (٤). وما الأيام إلا مراحل يقطعها العبد في سفره إلى الله تعالى وإلى الدار الآخرة. قال أبو الدرداء ﵁: "ابن آدم! إنما أنت أيام كلما مضى منك يوم مضى بعضك" (٥).

стр. 320

وأبلغ من ذلك كله اهتمام الله جل وعلا في القرآن الكريم بالوقت، فأقسم بالعصر والضحى والليل والنهار، وذكر سبحانه إنعامه على عباده بالوقت في سورة النِعم سورة النحل، فقال جل وعلا: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ (١)، فبين سبحانه عظيم منته على عباده أن سخر لهم هذه الأوقات ليتقربوا فيها إلى الله الواحد القهار، ويتذكروا دنو الآجال بانقضاء الليل والنهار، كما قال الله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا﴾ (٢). يُروى أنّ ملك الموت جاء إلى نوح ﵇، فقال: يا أطول النبيين عمرا! كيف وجدت الدنيا ولذتها؟ قال: «كرجل دخل بيتاً له بابان، فقام في وسط البيت هنيهة - القليل من الزمان -، ثم خرج من الباب الآخر». أيها الشاب: أعطني أذنك أهمس فيها لا سيّما وأنت في إجازة ليست بالقصيرة، أترى هذا الوقت الذي تعيش فيه إنّه نعمةٌ تُغبط عليها، إي والله فقد قَالَ: النَّبِيُّ ﷺ : «نِعْمَتَانِ مَغْبُونٌ فِيهِمَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ: الصِّحَّةُ وَالفَرَاغُ» (٣). بل خُصَّت مرحلتك مرحلة الشباب من عمر الإنسان بالسؤال يوم القيامة، قال ﵊: «لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع» وذكر منها: «عن عمره فيما أفناه؟ وعن شبابه فيما أبلاه؟ » (٤).

стр. 321

فَقه شباب السلف تلك المعاني حتى قال الحسن البصري: "أدركت أقواماً كان أحدهم أشحّ على عمره منه على درهمه" (١). قال ابن عَقِيل الحنبلي: "إني لا يحلّ لي أن أضيّع ساعة من عمري، حتى إذا توقّف لساني عن مذاكرة أو مناظرة، وبصري عن مطالعة؛ أعملت فكري في حال راحتي وأنا مُسْتطرِح، فلا أنهض إلا وقد خطر لي ما أسطّره" (٢). ولهذا خلَّف آثاراً عظيمةً ككتاب الفنون الذي قيل عنه: إنه بلغ ثمانمائة مجلداً، حتى قال عنه الذهبي: "لم يُؤلَّف في الدنيا أكبر من هذا الكتاب". وهذا النووي بورك له في عمره، ولقيت تصانيفه قبولاً عند أهل العلم، ولم يعش إلا بضعاً وأربعين سنة. وقال ابن القيّم عن شيخه: وقد شاهدت من قوة شيخ الإسلام ابن تيمية في سننه وكلامه وإقدامه وكتابته أمرً عجيبًا، فكان يكتب في اليوم من التصنيف ما يكتبه الناسخ في جمعة (٣) وقال الذهبي: "إن تصانيفه تبلغ خمس مائة مجلّدة". وألف ابن القيم كتابه زاد المعاد في سفره، وهو كتاب عظيم يقع في خمس مجلدات ..

стр. 322

أقول قولي هذا وأستغفر الله. الخطبة الثانية: الحمد لله: أيها الشاب: لا زال الحديث لك فأرعني سمعك .. وكأنّي بك تسألني: وهل أستطيع أن أُصبح مثل أولئك؟ الجواب: نعم بإذن الله. ما أروعك حينما تضع لك خطة حياة علمية، فتُعصم بإذن الله من الشبهات، وتضع خطة حياة تعبدية فتُعصم بإذن الله من الشهوات، وتضع خطة حياة مادية فتُعصم بإذن الله من الفقر والذلة، واجتماعية وهكذا .. قبل كل شيء استعن بالله ألست تقرأ في كل صلواتك ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ (١)، طبقها عملياً وتوكل عليه فـ ﴿اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ (٢)، ثم أحضر كراسة وقلماً، اكتب رسالتك في الحياة، واجعل أغلب الأهداف التي ستضعها تصب فيها .. واعلم أن من يصنعها هو أنت لا تتقمص من الآخرين .. ثم ابدأ في صناعة أهدافك .. وباختصار الهدف لا بد أن يكون واضحاً محدداً بوقت، لا يمنع أن يكون صعباً لكن غير مستحيل بمعنى ممكن الوقوع .. نوّع في أهدافك، فهدف في العبادة كحفظ القرآن الكريم، وهدف علمي واجتماعي ومادي إلخ .. نعم اكتب أمنياتك على شكل أهداف محددة وواضحة ونوّع فيها، ولا تزد على ثمانية أو عشرة حتى لا

стр. 323

تصاب بإحباط، وتختلط الأمور وتكثر عليك .. واحرص حينما تكتب أهدافك أن تكون لوحدك صاف الذهن، وأن تكون هادئاً غيرَ منشغل بشيء، في مكان محبب إليك، مستشعراً أن الله تعالى لا يرد سائلاً ولا يخيب رجاءً .. وإذا كتبت أهدافك ضع كل هدف في صفحة مستقلة، ثم حدد زمن الوقوع المتحقق بإذن الله واكتب التاريخ، ثم قسم الزمن المحدد إلى مراحل لتحقيق الهدف، إذا قسمت المراحل ضعها على شكل أهداف صغرى داخل الهدف الأعلى الذي تريد تحقيقه، ثم ضع خانه لما تحقق من هذه الأهداف الصغرى، وتابعها بشكل دوري تحت مسمى ما تم إنجازه، بعد ذلك رتب أيام الأسبوع على حسب مراحل الأهداف عندك، فتكون بعده في كل يوم تتابع مشروعاً أو هدفاً عندك ... واعلم أن التوكل والإخلاص لله، والتفاؤل والدعاء وحسن الظن بالله؛ من المبادئ المهمة لإنجاح خطتك ومشروعك ونجاحك في الحياة، ابدأ من الآن فالوقت يمضي! وأخيراً استمع إلى وصية النبي ﷺ فقد قَالَ: «الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ، خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللهِ مِنَ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ، وَفِي كُلٍّ خَيْرٌ احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ، وَاسْتَعِنْ بِاللهِ وَلَا تَعْجَزْ، وَإِنْ أَصَابَكَ شَيْءٌ، فَلَا تَقُلْ لَوْ أَنِّي فَعَلْتُ كَانَ كَذَا وَكَذَا، وَلَكِنْ قُلْ قَدَرُ اللهِ وَمَا شَاءَ فَعَلَ، فَإِنَّ لَوْ تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ» رواه مسلم (١).

стр. 324

وفقك الله وسددك .. (١). * * *

стр. 325

بين الخبيئة والجريرة الحمد لله .. الكلُّ منا يُدرك الغاية من عيشِهِ على هذه البسيطة، والمؤمن العاقل هو من يسعى بقصارى جهده على أن لا يكون عملُه هباءً منثوراً، ومن جُمَلِ بعض الأحاديث النبوية التي تحتاج إلى وقفة تأمل وتدبر، ما ورد في آخرِ حديث عَبْدِ اللهِ بن مسعود ﵁، قَالَ: حَدَّثَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ وَهُوَ الصَّادِقُ الْمَصْدُوقُ «إِنَّ أَحَدَكُمْ يُجْمَعُ خَلْقُهُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، ثُمَّ يَكُونُ فِي ذَلِكَ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَكُونُ فِي ذَلِكَ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يُرْسَلُ الْمَلَكُ فَيَنْفُخُ فِيهِ الرُّوحَ، وَيُؤْمَرُ بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ: بِكَتْبِ رِزْقِهِ، وَأَجَلِهِ، وَعَمَلِهِ، وَشَقِيٌّ أَوْ سَعِيدٌ، فَوَالَّذِي لَا إِلَهَ غَيْرُهُ إِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إِلَّا ذِرَاعٌ، فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ، فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ، فَيَدْخُلُهَا، وَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ، حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إِلَّا ذِرَاعٌ، فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ، فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ، فَيَدْخُلُهَا» (١). فيا تُرى ما هو السرّ في ذلك؟ أي في كونه ينقلب حاله في آخر حياته! !

стр. 326

أولاً: لنعلم أنّ المراد كما قال أهل العلم: أن هذا قد يقع في نادر من الناس لا أنّه غالبٌ فيهم، ثمّ إنه من لطف الله تعالى وسعة رحمته انقلاب الناس من الشر إلى الخير في كثرة، وأمّا انقلابهم من الخير إلى الشر ففي غاية الندور ونهاية القلة (١)، ومع ذلك فالعاقل يجب أن يحذر، وقد حصلت حوادث انتكاساتٍ على مرّ العصور يندى لها الجبين. ثانياً: السرُّ والله أعلم هو في الخبيئة والجريرة التي تكون عند العبد، فقد لا يُبالي بها لكنها تقلب حالَه في لحظات حياته الأخيرة، فالخبيئة الصالحة تقلب حالَه فيُختم له بخاتمة حسنةٍ مباركة، والجريرة السيئة تقلب حالَه فيُختم له بخاتمةٍ سيئة والعياذ بالله. وللشيخ ابن عثيمين كلامٌ حول معنى هذا الحديث أيضاً. قال: "ولكن أبشروا فإنّ هذا الحديث مقيد، بأنه لا يعمل بعمل أهل الجنة فيما يبدو للناس وهو من أهل النار، وأمّا الذي يعمل بعمل أهل الجنة بقلب وإخلاص فإن الله لا يخذله ، والله أكرم من العبد، فإذا عملت بعمل أهل الجنة بإخلاص - نسأل الله أن يجعلنا والمسلمين منهم - فإن الله لا يخذلك، لكن فيما يبدو للناس" (٢).

стр. 327

أعود - أَيُّهَا الأحبة - لضرورة أن يهتم العبدُ بالخبايا الصالحة، وأعمال السر التي لا يثبت عليها إلا من وفقه الله تعالى، روي عنه ﷺ : "من استطاع منكم أن يكون له خبء من عمل صالح فليفعل" (١). لقد أدرك سلفنا الصالح أهمية هذا الأمر، فعن أبي صالح الغفاري: أن عمر بن الخطاب ﵁ كان يتعاهد عجوزاً كبيرة عمياء في بعض حواشي المدينة من الليل، فيستقي لها، ويقوم بأمرها، فكان إذا جاء وجد غيره قد سبقه إليها، فأصلح ما أرادت، فجاءها غير مرة كلاً يسبق إليها، فرصده عمر، فإذا هو بأبي بكر الصديق الذي يأتيها وهو يومئذ خليفة، فقال عمر: أنت هو لعمري! ! (٢) فانظر كيف يصنع أبو بكر ﵃ أجمعين من غير أن يشعر به أحد، وهو خليفة المسلمين في وقته. قال الإمام إبراهيم الحربي تلميذ الإمام أحمد ﵏: "كانوا يستحبّون أن يكون للرجل خبيئة من عمل صالح لا تعلم به زوجتُه ولا غيرها" (٣). يقول الحسن البصري: "إنْ كان الرجل ليجلس المجلس فتجيئه عَبرَتُه فيردّها، فإذا خشي أن تسبقه قام". وكان ابن المبارك يضع اللثام على وجهه عند القتال لئلا يُعرف! قال أحمد: ما رفع اللهُ ابنَ المبارك إلا بخبيئةٍ كانت له" (٤) (٥).

стр. 328

وهذا داود بن أبي هند يصوم أربعين سنة لا يعلم به أهله، كان له دكان يأخذ طعامه في الصباح فيتصدق به، فإذا جاء الغداء أخذ غداءه فتصدق به، فإذا جاء العشاء تعشى مع أهله! . وكان يقوم الليل أكثر من عشرين سنة، ولم تعلم به زوجته، فسبحان الله .. انظر كيف ربّوا أنفسهم على هذا لعمل وإن كان شاقاً، وحملوها على إخفاء الأعمال الصالحة، فهذه زوجته تضاجعه، وينام معها، ومع ذلك يقوم عشرين سنة أو أكثر ولم تعلم به، فأيُّ إخفاء للعمل كهذا! وأي إخلاص كهذا! (١). لقد امتثلوا قوله ﷺ : «إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْعَبْدَ التَّقِيَّ، الْغَنِيَّ، الْخَفِيَّ» رواه مسلم (٢). لقد أدركوا عظم الموقف في قوله ﷺ : «سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمْ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لا ظِلَّ إِلا ظِلُّهُ: الإِمَامُ الْعَادِلُ، وَشَابٌّ نَشَأ فِي عِبَادَةِ رَبِّهِ، وَرَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ فِي الْمَسَاجِدِ، وَرَجُلَانِ تَحَابَّا فِي اللَّهِ اجْتَمَعَا عَلَيْهِ وَتَفَرَّقَا عَلَيْهِ، وَرَجُلٌ طَلَبَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ فَقَالَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ، وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فَأَخْفَاهَا حَتَّى لا تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ، وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللَّهَ خَالِيًا فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ» متفق عليه (٣).

стр. 329

فاحرص - أيها الأخ المبارك - على جعل خبيئة لك من عمل صالح مستمرة تنل توفيقاً وفلاحاً ونجاحاً في الدنيا والآخرة. اللهم اجعلنا من عبادك الأخفياء الأتقياء الأنقياء. أقول قولي هذا وأستغفر الله. الخطبة الثانية: الحمد لله .. أَيُّهَا الأحبة: وكما أن الخبيئة الصالحة تصنع لك بإذن الله توفيقاً ونجاحاً ورفعةً وخاتمة حسنةً، فإنّ الجريرة السيئة والاستهانة بها تصنع الخواتيم السيئة والخسران في الدنيا والآخرة. قال ابن القيم: في التعليق على الحديث السابق: وقوله: "لم يبق بينه وبينها إلا ذراع" ... ، فيقال: لما كان العمل بآخره وخاتمته، لم يصبر هذا العامل على عمله حتى يتم له، بل كان فيه آفة كامنة ونكتة خُذل بها في آخر عمره، فخانته تلك الآفة، والداهية الباطنة في وقت الحاجة، فرجع إلى موجبها، وعملت عملها، ولو لم يكن هناك غش وآفة لم يقلب الله إيمانه .. والله يعلم من سائر العباد ما لا يعلمه بعضهم من بعض (١). قال أحد السلف: "حضرت رجلاً عند الموت يلقن الشهادة: لا إله إلا الله، فقال في آخر ما قال: هو كافر بما تقول، ومات على ذلك! ! ".

стр. 330

قال: فسألت عنه، فإذا هو مدمن خمر! ! ، وكان يقول اتقوا الذنوب فإنها هي التي أوقعته (١). ويعظم ذلك إذا كان عن مجاهرة ولا مبالاة، بل قد يكون البلاءُ عاماً ليس على الشخص ذاته .. قال ابن القيّم: اقشعرت الأرض، وأظلمت السماء، وظهر الفساد في البر والبحر من ظلم الفجرة، وذهبت البركات، وقلت الخيرات، وهزلت الوحوش، وتكدرت الحياة من فسق الظلمة، وبكى ضوء النهار وظلمة الليل من الأعمال الخبيثة والأفعال الفظيعة، وشكى الكرام الكاتبون والمعقبات إلى ربهم كثرة الفواحش وغلبة المنكرات والخبائث، وهذا - والله - منذر بسيل عذاب قد انعقد غمامه، ومؤذن بليل بلاء قد ادلهم ظلامه، فاعدلوا عن طريقكم هذا بتوبة نصوح ما دامت التوبة ممكنة وبابها مفتوحاً، وكأنكم بالباب وقد أغلق، وبالرهن وقد غلق، وبالجناح وقد علق، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون. فاشتر نفسك اليوم، فالسوق قائمة والثمن موجود، والبضائع رخيصة، وذلك بصلة رحم، وبصدقة، وبزكاة، فأبواب الخير مفتوحة، وسيأتي على تلك السوق والبضائع يوم لا تصل فيه إلى قليل أو كثير منها، ذلك يوم التغابن، يوم يعض الظالم على يديه، ويقول الكافر: ﴿يَا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا﴾ (٢) (٣).

стр. 331

عباد الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (١). * * *

стр. 332

قد أفلح من زكاها خطوات عملية في تزكية النفس الحمد لله الذي فتح لأوليائه أبواب الخيرات، وأجزل عليهم العطايا والهبات، وخذل المعرضين عنه فبقيت قلوبهم في الظُلَمِ والضلالات، وأشهد أن لا إله إلا الله فاطر الأرض والسماوات، الغني بذاته، المغني لجميع المخلوقات، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله أكمل البريات. اللهم صل وسلم على محمد وعلى آله وأصحابه أولي الفضائل والكرامات، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين .. أما بعد: فيا عباد الله:

стр. 333

لنتق الله تعالى بإصلاح البواطن والظواهر، ولنتقرب إلى الله بطيب المقاصد وحسن السرائر: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُون﴾ (١). قال ابن الجوزي: "وما زلت أغلب نفسي تارة وتغلبني تارة، فخلوت يوماً بنفسي فقلت لها: ويحك اسمعي أحدثك إن جمعت شيئاً من وجه فيه شبهة، أفأنت على يقين من إنفاقه؟ قالت: لا .. قلت لها: فالمحنة عند الموت أن يحظى به غيرك ولا تنالين إلا الكدر العاجل والوزر، ويحك اتركي هذا الذي يمنع الورع لأجل الله، أَوَمَا سمعت أن من ترك شيئا لله عوضه الله خير منه (٢). وقال: "وجدت رأي نفسي في العلم حسناً إلا أني وجدتها واقفةً مع صورة التشاغل بالعلم فصحت بها: فما الذي أفادك العلم؟ أين الخوف؟ أين الحذر؟ أَوَمَا سمعت بأخبار الصالحين في تعبدهم واجتهادهم .. أَوَمَا كان الرسول ﷺ سيد المرسلين ثم قام حتى تورمت قدماه؟ أما كان أبو بكر ﵁ شجي النشيج كثير البكاء؟ أما كان في خد عمر ﵁ خطان من آثار الدموع؟ " (٣). أَيُّهَا الأخوة: كم هي خطيرة تلك النفس لما لها من تأثير على حياة الإنسان ومصيره في الآخرة، فقد اتفق علماء السلف على أن النفس قاطع وحاجز بين القلب وبين الوصول إلى الرب، وأنها لا تستطيع أن تصل إلى مرضاة الله والنجاة يوم

стр. 334

القيامة إلا بعد تهذيبها والسيطرة عليها، قال الله تعالى: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (٧) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (٨) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (٩) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ (١) (٢) وقال الله تعالى: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوَءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ وَاللهُ رَؤُوفُ بِالْعِبَاد﴾ (٣) كم هي خطيرة تلك النفس لأن نتيجة صلاحها وفسادها لا يؤثر على حياة الفرد ومصيره فحسب، بل يؤثر على الأمة جمعاء، وصلاح الأمة مبدأه من صلاح نفسك أيها الأخ المبارك: ﴿إِنَّ اللهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَالٍ﴾ (٤). قال ابن كثير: في معنى قوله تعالى ﴿قد أفلح من زكاها﴾: من زكى نفسه بطاعة الله، وطهرها من الرذائل والأخلاق الدنيئة (٥). فالتزكية تطهير للنفس من أدرانها وأوساخها الطبعية والخلقية، وتقليل قبائحها ومساويها، وزيادة ما فيها من محاسن الطبائع، ومكارم الأخلاق. إن نظرة خاطفة متعمقة لحال المسلمين اليوم يمكن من خلالها إدراك مدى الحاجة العظيمة والماسَّة إلى إعادة تربية وتزكية وبناء أنفسنا، وتأسيسها على تقوى من

стр. 335

الله ورضوان، وأن الحاجة إلى ذلك أصبحت - وهي دوماً - أشد من الحاجة إلى الطعام والشراب والكساء، وذلك لكثرة الفتن والمغريات وأصناف الشهوات والشبهات وتسلط الطغاة، ولكثرة حوادث النكوص على الأعقاب، والانتكاس، والارتكاس حتى بين بعض العاملين للإسلام، مما يحملنا على الخوف من أمثال تلك المصائر. ولأن المسؤولية ذاتية، ولأن التبعة فردية والإنسان يحاسب عن نفسه لا عن غيره فلابد من جواب واستعداد ﴿يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَن نفْسِهَا﴾ (١). ولا نعلم ما نحن مقبلون عليه، أهو الابتلاء أم التمكين؟ وفي كلا الحاليْن نحن في أَمَسِّ الحاجة إلى بناء أنفسنا، ولأننا نريد أن نبني غيرنا، ومن عجز عن بناء نفسه فهو عن بناء غيره أعجز ... وما لم يشتغل الإنسان بتزكية نفسه فلن يفلح أبداً، أقسم اللهُ على هذا، والله تعالى عندما يقسم قسماً إنما يفعل ذلك لأمر عظيم وخطير جداً، قال الله تعالى مقسماً بسبع آيات كونية: الشمس والقمر والليل والنهار والسماء والأرض والنفس، على أهمية تزكية النفس، وكونها سببا أساسا لفلاح الإنسان. (٢)، ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا (١) وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا (٢) وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا (٣) وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا (٤) وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا (٥) وَالْأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا (٦) وَنَفْسٍ وَمَا

стр. 336

سَوَّاهَا (٧) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (٨) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (٩) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ (١). وعد الله تعالى من اعتنى بتزكية نفسه بالخلود في الجنة: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ مَنْ تَزَكَّى﴾ (٢). أَيُّهَا الأخوة: ثمة علامات ينبغي للمسلم التنبه لها إذا هي ظهرت، إذ هي دلائلُ على ضرورة مسارعته لتزكية نفسه وتطهيرها، ذلك أن الفلاح -كما تقدم- مرتبطٌ بالمبادرة إلى تزكية النفس. من هذه العلامات الاستهانة بالمعاصي بشتى أنواعها الصغير منها أو الكبير ... إنها تلك المشاعر المهينة التي تختلج في نفس العاصي عند ارتكاب المعصية وبعد انتهائه منها، حتى لو كانت تلك المعصية من الصغائر، لأن الاستهانة بالمعصية بحجة أنها من الصغائر مؤشر خطر ... فالمؤمن الصحيح القلب يخاف من كل معصية حتى لو كانت صغيرة، بل حتى لو كان فاعلاً لها ومقيماً عليها، تجد نفسه تلقائياً تنشغل بالتفكير في عواقب تلك المعصية بين الحين والآخر، وتحس بالندم والحياء من الله، وتجده يدعو ربه أن يخلصه من تلك المعصية ويأخذ بيده إلى التوبة النصوح (٣)، ﴿ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ (٤).

стр. 337

ومن علامات الحاجة إلى تزكية النفس الكسلُ عن بعض الطاعات، فقدان لذة العبادة وحلاوة الإيمان ... تفسق النفس وتهمل وتستثقل العبادة عندما تفتر عن الطاعات شيئاً فشيئاً، فمثلاً: لا تجد في النفس الدافع إلى الاستيقاظ لصلاة الفجر لأدائها مع الجماعة لأنها تكون صلاة ثقيلة جداً على صاحبها والنوم ألذ منها بكثير، والفراش لا يقاوم، والدفء! ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾ (١). بل قد لا تحتمل النفس ما هو أقل من ذلك، كالصبر على البقاء في المسجد لسماع موعظة ما مثلا، أو أداء السنن الراتبة، أو تلاوة أذكار المساء والصباح، ونحو ذلك؛ لثقلها على النفس، أو لعدم استشعار اللذة في أدائها، أضف إلى ذلك اشتغال النفس ذاتها بما هو ألذ عندها من تلك الطاعات بكثير، وهي أمور الدنيا، فينبغي لمن من وجد في نفسه هذا الثقل أن يسارع إلى تزكية نفسه (٢). ومن علامات الحاجة إلى تزكية النفس استمراء خصالها المذمومة، كالكبر والحقد والحسد والغرور، وكذلك الفضول المذموم: كثرة الكلام، كثرة الضحك، كثرة الحديث حول الناس وما يلازم ذلك من الغيبة، كثرة النوم، كثرة الخوض في أمور الدنيا، في أمور الدرهم والدينار، ونحو ذلك. فالله المستعان!

стр. 338

أَيُّهَا الأخوة: من النعم التي يجب إرجاعها إلى الله نعمة التزكية هذه، يقول تعالى: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (١)، هذه الآية لو شعر المسلم بمعانيها، وتحرك قلبه بمقتضاها، لأدخلته على الله من باب العبودية المحضة .. (٢). أَيُّهَا الأخوة: ثمة وسائل وخطوات معينة بإذن الله على تزكية النفس: أما الخطوة الأولى فهي معرفةُ موقعِ النفسِ ودرجتِها، لقد وصف الله سبحانه تعالى النفس في القرآن الكريم وجعلها على ثلاث مراتب: فأدنى وأخس درجة: هي النفس الأمارة، وهي التي تأمر صاحبها بما تهواه من شهوة فائرة أو ظلم أو حقد أو فخر إلى آخره، فإن أطاعها العبد قادته لكل قبيح ومكروه قال الله تعالى: ﴿وَمَا أُبَرِّاءُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّيَ إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَّحِيم﴾ (٣). أما المرتبة الثانية: والتي يمكن للنفس أن تعلو إليها فهي النفس اللوامة، وهي النفس التي تندم على ما فات وتلوم عليه، وهذه نفس رجل لا تثبت على حال فهي كثيرة التقلب

стр. 339

والتلون، فتتذكر مرة وتغفل مرة، تقاوم الصفات الخبيثة مرة، وتنقاد لها مرة، ترضي شهواتهِا تارة، وتوقفُها عند الحد الشرعي تارة. وفيها قال الله تعالى ﴿وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ﴾ (١). أما أعلى مرتبة: والتي يمكن أن تصل إليها نفسك وترقى هي النفس المطمئنة، وهي تلك النفس التي سكنت إلى الله تعالى واطمأنت بذكره وأنابت إليه وأطاعت أمره واستسلمت لشرعه واشتاقت إلى لقائه، وهذه النفس هي التي يقال لها عند الوفاة: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (٢٧) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً (٢٨) فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (٢٩) وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾ (٢) (٣). الخطوة الثانية في تزكية نفسك: هي الاعتراف بعيوبها، وإن مما يجعلك ترفض الاعتراف بالعيب الشعور بأنك قد بلغت مرحلة من الصلاح لا تحتاج فيها إلى تذكير ونصح لكثرة ما قرأت وعلمت في إصلاح النفوس ... الخطوة الثالثة: لإصلاحِ النفسِ مجاهدتُها: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِين﴾ (٤).

стр. 340

الخطوة الرابعة في تزكية النفس: هي تنميةُ الصفات الطيبة ورعايتُها حتى يكون لها الغلبة، قال ﷺ : «إنما الحلم بالتحلم» (١). الخطوة الخامسة في تزكية النفس: وهي من أهمها الدخول على الله من باب العبودية المحضة، وباب العبودية المحضة المقصود هو باب الانكسار والافتقار إلى الله تعالى، والذل، ذلك بأن يستشعر الإنسان أنه ذو صفاتٍ تقتضي الحاجة إلى رحمة ربه (٢)، ويلازم الدعاء كما ورد أنّه ﷺ علَّم حصينا أن يقول: «اللَّهُمَّ أَلْهِمْنِي رُشْدِي، وَأَعِذْنِي مِنْ شَرِّ نَفْسِي» (٣). اللهم آت نفوسنا تقواها وزكها أنت خير من زكاها أنت وليه ومولاها. أقول قولي هذا وأستغفر الله. الخطبة الثانية: الحمد لله وبعد: فمن وسائل تزكية النفس الإقبال على كتاب الله تلاوةً وحفظاً وتدبُّرَاً، ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآَنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا﴾ (٤).

стр. 341

ومن الوسائل الذكر بإطلاقه: ﴿الَّذِينَ آَمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ (١)، قال السدي: ليس من عبد يذكر الله إلا ذكره الله (٢). فالدوام على ذكر الله تعالى يشرح الصدر، ويُزكي النفس. ومن وسائل تزكية النفس ذكرُ الموت، وقِصَر الأمل، إن الذي يستجلب الآفات إلى النفس لهفها على الملذات بأنواعها، وما يقتضيه هذا اللهف من صراع نفسي يقسي القلب، ويبعث فيه الآفات: الحسد، السخط، الحزن، الخداع، الجشع، كلها أمراض في النفس لا يجلِّيها إلا ذكر الموت، وقصر الأمل .. قال الله تعالى: ﴿فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ (٤٩) كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ (٥٠) فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ﴾ (٣). ومن وسائل تزكيتها كذلك: الصدقة (٤)، قال الله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ (٥).

стр. 342

عباد الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (١). * * *

стр. 343

والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون إنَّ الحمد لله .. الأرض والمواطن تتعلق بها النفوس وتحِنُّ إليها، ومتى استنْشَقَتْ هواءَ أراضيها شَعرَتْ بارتياح، وتجديدِ نشاطٍ وطمأنينة، فكيف إذا كانت تلك الأراضي أقدسَ البقاع وأطهرها؟ ! وكأنِّي أنظر إلى النبي ﷺ حينما أُخرج من مكة واقفاً على مشارفها قائلاً: «مَا أَطْيَبَكِ مِنْ بَلَدٍ، وَأَحَبَّكِ إِلَيَّ، وَلَوْلَا أَنَّ قَوْمِي أَخْرَجُونِي مِنْكِ مَا سَكَنْتُ غَيْرَكِ»: «هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الوَجْهِ» (١). وليس الحديث اليوم - أَيُّهَا الأخوة - عن مكة وفضلها، إنما الحديث عن بلدٍ وأرضٍ أخرى، أحبها النبي ﷺ كحبه لمكة أو أشد، فقد جاء في صحيح البخاري من حديث عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: «اللَّهُمَّ حَبِّبْ إِلَيْنَا المَدِينَةَ كَحُبِّنَا مَكَّةَ أَوْ أَشَدَّ، اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي صَاعِنَا وَفِي مُدِّنَا» (٢).

стр. 344

المدينة «المَدِينَةُ خَيْرٌ لَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ» (١) المدينة تشعُّ بالبركة فقد روى أنسٌ ﵁ عن النبي ﷺ قال: «اللَّهُمَّ اجْعَلْ بِالْمَدِينَةِ ضِعْفَيْ مَا جَعَلْتَ بِمَكَّةَ مِنَ البَرَكَةِ» (٢). والمراد بالبركة كثرة الخير وسعة الرزق وهناءَة العيش (٣) روى أبو هريرة ﵁ قال: «كَانَ النَّاسُ إِذَا رَأَوْا أَوَّلَ الثَّمَرِ جَاءُوا بِهِ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَإِذَا أَخَذَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، قَالَ: «اللهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي ثَمَرِنَا، وَبَارِكْ لَنَا فِي مَدِينَتِنَا، وَبَارِكْ لَنَا فِي صَاعِنَا، وَبَارِكْ لَنَا فِي مُدِّنَا، اللهُمَّ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ عَبْدُكَ وَخَلِيلُكَ وَنَبِيُّكَ، وَإِنِّي عَبْدُكَ وَنَبِيُّكَ، وَإِنَّهُ دَعَاكَ لِمَكَّةَ، وَإِنِّي أَدْعُوكَ لِلْمَدِينَةِ بِمِثْلِ مَا دَعَاكَ لِمَكَّةَ، وَمِثْلِهِ مَعَهُ»، قَالَ: ثُمَّ يَدْعُو أَصْغَرَ وَلِيدٍ لَهُ فَيُعْطِيهِ ذَلِكَ الثَّمَرَ» أخرجه مسلم (٤). و«مَنْ تَصَبَّحَ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعَ تَمَرَاتٍ عَجْوَةً، لَمْ يَضُرَّهُ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ سُمٌّ وَلَا سِحْرٌ» (٥) والعجوة من تمر المدينة. المدينة وما أدراك ما المدينة؟ ! المدينةُ حرمٌ ما بين لابَتَيْها وحرَّتَيها، وجبَلَيْها ومأزِمَيْها؛ فعن عليٍّ ﵁ قال: قال رسولُ الله ﷺ : «المدينةُ حرَمٌ ما بَين عَيْرٍ إلى ثَورٍ». متفق عليه (٦).

стр. 345

وأهوَى رسولُ الله ﷺ بيدِه ذات مرة إلى المدينة فقال: «إنها حرَمٌ آمِنٌ» (١). "وذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّ الْمَدِينَةَ حَرَمٌ مِثْل مَكَّةَ، فَيَحْرُمُ صَيْدُهَا، وَلا يُقْطَعُ شَجَرُهَا؛ إِلاَّ مَا اسْتُنْبِتَ لِلْقَطْعِ" (٢). «ولا يَكِيدُ أهلَ المدينةِ أحَدٌ، أو يُريدُهم بسُوءٍ، أو شرٍّ، إلا انْمَاعَ كما ينْمَاعُ المِلْحُ في الماءِ» (٣). «ومَن أخافَ أهلَ المدينةِ ظُلمًا أخافَه الله ، وعليه لعنةُ الله والملائكةِ والناسِ أجمعين، لا يَقبَلُ الله منه يوم القيامةِ صَرفًا ولا عَدلًا» (٤). «ومَن أحدَثَ فيها حَدَثًا، أو آوَى مُحدِثًا فعليهِ لعنةُ الله والملائكةِ والناسِ أجمعين، لا يَقبَلُ الله منه يوم القيامةِ صَرفًا ولا عَدلًا» (٥) كل ذلك جاء عنه ﷺ . المدينة وما أدراك ما المدينة؟ ! في حديث مهيب والصحابة ﵃ مجتمعون حول رسول الله ﷺ يستمعون من تميم الداري ﵁ خبرَه عن الجساسة والمسيح الدجّال قال: فيقول المسيح الدجال: إني أنا المسيح، وإني أوشك أن يؤذن لي في الخروج، فأخرج فأسير في

стр. 346

الأرض فلا أدع قرية إلا هبطتها في أربعين ليلة، غير مكة وطيبة، فهما محرمتان علي كلتاهما، كلما أردت أن أدخل واحدة، أو واحداً منهما، استقبلني ملك بيده السيف صلتاً يصدني عنها، وإن على كل نقب منها ملائكة يحرسونها، فقال رسول الله ﷺ ، وطعن بمخصرته في المنبر «هذه طيبة، هذه طيبة، هذه طيبة» - يعني المدينة - ألا هل كنت حدثتكم ذلك؟ " فقال الناس: نعم. قال: «فإنه أعجبني حديث تميم أنه وافق الذي كنت أحدثكم عنه وعن المدينة ومكة» رواه مسلم (١). وفي رواية البخاري (٢) هَذِهِ طَابَةُ. قال ابن حجر: "والطاب والطيب لغتان بمعنى، واشتقاقها من الشيء الطيب وقيل: لطهارة تربتها، وقيل: لطيبها لساكنها، وقيل من طيب العيش بها، قال بعض أهل العلم: وفي طيب ترابها وهوائها دليل شاهد على صحة هذه التسمية، لأن من أقام بها يجد من تربتها وحيطانها رائحة طيبة لا تكاد توجد في غيرها" (٣). المدينة وما أدراك ما المدينة؟ ! مُهَاجَرُ النبي ﷺ وفيها مسجدُه، قال ﷺ : «صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام» متفق عليه. (٤)

стр. 347

في مسجده ﷺ روضة من رياض الجنة، قال ﷺ : «ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة» (١). ومن مات بالمدينة وكان مؤمناً صادقاً حلَّت له شفاعة رسول الله ﷺ فقد قال ﷺ : «من استطاع أن يموت بالمدينة فليمت بها، فإني أشفع لمن يموت بها» رواه الترمذي (٢). ولقد كان عمر ﵁ يدعو فيقول: «اللهم ارزقني شهادة في سبيلك، واجعل موتي في بلد رسولك ﷺ » (٣) وقد أجيبت دعوته فاستشهد ﵁ وهو يؤم المسلمين في محراب رسول الله ﷺ في صلاة الفجر. وفي المدينة مقبرة البقيع دفن فيها خلقٌ كثير من الصحابة ﵃ عن عائشة ﵂ قالت: «كلما كانت ليلتي مع رسول الله ﷺ يخرج في آخر الليل إلى البقيع، فيقول: السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وإنا وإياكم متواعدون غدًا أو مواكلون، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، اللهم اغفر لأهل بقيع الغرقد» رواه النسائي وصححه الألباني (٤).

стр. 348

وفي حديث طويل قال فيه جبريل للنبي ﷺ : «إن ربك يأمرك أن تأتي أهل البقيع فتستغفر لهم». رواه مسلم (١). المدينة وما أدراك ما المدينة؟ ! والمدينة فيها مسجد قُبَاء أول مسجد بناه النبي ﷺ في الإسلام عَنْ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَزُورُ قُبَاءً رَاكِبًا وَمَاشِيًا» (٢). وفي الحديث: «من تطهَّر في بيتِه ثمَّ أتَى مسجدَ قُباءَ فصلَّى فيه صلاةً كان له كأجرِ عُمرةٍ» رواه ابن ماجه وصححه الألباني (٣). وفي المدينة جبل أحد، قال عنه ﷺ : «هَذَا أُحُدٌ جَبَلٌ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ» (٤). وفي المدينة وادي العقيق، وهو من الأودية المباركة، قال النبي ﷺ وهو في وادي العقيق «أَتَانِي اللَّيْلَةَ آتٍ مِنْ رَبِّي، فَقَالَ: صَلِّ فِي هَذَا الْوَادِي الْمُبَارَكِ، وَقُلْ: عُمْرَةً فِي حَجَّةٍ». رواه البخاري (٥).

стр. 349

وكان أهل المدينة يستبشرون إذا سال هذا الوادي المبارك، وقد سال بحمد الله في هذه السنة في منظر بديع جميل. نسأل الله أن يعمّ الخير في جميع بقاع أهل الإسلام. أَيُّهَا الأخوة: المدينة تنفي خَبَثَهَا، قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إِنَّمَا الْمَدِينَةُ كَالْكِيرِ، تَنْفِي خَبَثَهَا وَيَنْصَعُ طَيِّبُهَا» رواه مسلم (١)، و "لا يَخْرُجُ أَحَدٌ مِنْ الْمَدِينَةِ رَغْبَةً عَنْهَا إِلَّا أخلف اللَّهُ فيها خَيْرًا مِنْهُ» رواه مسلم (٢). أقول قولي هذا وأستغفر الله. الخطبة الثانية: الحمد لله: والمدينة إذ تضم قبر الحبيب ﷺ فلا يشرع شد الرحال لزيارة القبر، لكن يستحب لمن زار المدينة: أن يسلم على قبر النبي ﷺ وعلى قبري صاحبيه، فيتوجه بعدما يصلي ركعتين في المسجد إلى قبره ﵊ فيقف أمامه ﵊، ويسلم ﵊، ثم يتقدم قليلاً فيسلم على الصديق ﵁ أبو بكر، ثم يتقدم قليلاً ويسلم على عمر الفاروق عمر بن الخطاب ﵁، هذا هو المشروع في السلام على الرسول ﷺ وعلى صاحبيه ﵄. ولا يكرر السلام إلا إذا كان قادماً من سفر كما كان يفعل ابن عمر ﵄.

стр. 350

قال شيخ الإسلام: وشد الرحل إلى مسجده مشروع باتفاق المسلمين كما في الصحيحين عنه أنه قال: «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد المسجد الحرام والمسجد الأقصى ومسجدي هذا» وفي الصحيحين عنه أنه قال: «صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه من المساجد إلا المسجد الحرام» فإذا أتى مسجد النبي ﷺ فإنه يسلم عليه وعلى صاحبيه كما كان الصحابة يفعلون، وأما إذا كان قصده بالسفر زيارة قبر النبي ﷺ دون الصلاة في مسجده فهذه المسألة فيها خلاف، فالذي عليه الأئمة وأكثر العلماء أن هذا غير مشروع، ولا مأمور به لقول النبي ﷺ : «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد المسجد الحرام ومسجدي هذا والمسجد الأقصى» (١). ونحن - أَيُّهَا الأحبة - إذ شرفنا الله تعالى بهذا البقاع الطاهرة، فيجب علينا أن نلتزم بشرعه، ونتقيد بأحكامه وآدابه، ونحفظ هذه النعم العظيمة بشكرها وتقديرها حق قدرها، ولهذا قال الله تعالى عن مكة، وعينه ينطبق على المدينة في الحرمة: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ﴾ (٢)، قال ذلك سبحانه ممتنًّا على قريش فيما أحلهم من حرمه، الذي جعله للناس سواء العاكف فيه والبادي، ومن دخله كان آمنًا، فهم في أمن عظيم، وقوله: ﴿أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُون﴾ أي: أفكان شكرهم على هذه النعمة العظيمة أن أشركوا به، وغيروا شرعه، و ﴿بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا

стр. 351

قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ﴾ (١)، وكفروا بنبي الله وعبده ورسوله، فكان اللائق بأهل هذه البقاع إخلاص العبادة لله، وألا يشركوا به، وتصديق الرسول ﷺ وتعظيمه وتوقيره، فكذبوه وقاتلوه وأخرجوه من بين ظهرهم ولهذا سلبهم الله ما كان أنعم به عليهم، وقُتل من قتل منهم ببدر، وصارت الدولة لله ولرسوله ﷺ وللمؤمنين، ففتح الله على رسوله ﷺ مكة، وأرغم آنافهم وأذل رقابهم من كلام ابن كثير بتصرف (٢). نسأل الله تعالى أن يحفظ علينا نعمه ويرزقنا شكرها. * * *

стр. 352

حماية الأعراض إنَّ الحمد لله .. أَيُّهَا الأخوة: العِرْضُ من الأشياء التي صانها الإسلام، ومنحها الحماية، لأن العِرض من الضرورات الخمس لحياة الإنسان، والضرورات الخمس هي: الدين، والعقل، والنفس، والمال، والعِرْض، وقد أجمع علماءُ أمة محمد ﷺ والأئمة المجتهدون في كل العصور على أن مقاصد التشريع الإسلامي تهدف جميعها إلى حفظِ هذه الضرورات الخمس .. والمتأمل في القرآن الكريم والسنَّة النبوية المطهَّرة يرى ذلك الاهتمام الواسع الذي منحه الإسلام للعِرْض، فنجد الإسلام يمقت الزنا ويحرمه ويعتبره مِن أكبر الكبائر: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ (١)، كيف لا؟ والزنا فيه هتكٌ للعِرض، وضياع للنسب، واعتداءٌ على الحُرُمات، وهدمٌ للأُسَر، وفساد للأخلاق.

стр. 353

بل لقد وضع الشرع له حدًّا لا يتغير بتغير زمانٍ ولا مكان، وهو الجَلدُ لغير المحصَن: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ .. ﴾ (١). ثم الرَّجم حتى الموت للمحصَن، وقد طبَّق رسولُ الله ﷺ حدَّ الرَّجم على المرأة الغامدية التي زنَتْ على عهده. ولا يتوقف الأمرُ عند تحريم الزنا، بل نجد الإسلامَ يحرِّم كل مقدِّماته، مِن نظَرٍ، وخَلوة، وتبرج، وغير ذلك، فقد أمَر الحقُّ - سبحانه - المسلمين والمسلمات بغضِّ البصر: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (٣٠) وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ (٢). ونهى الإسلامُ عن خَلوة الرجل بالمرأة الأجنبية إلا مع ذي محرَم لها، كما نهى عن تبرُّج النساء: ﴿وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾ (٣)؛ لأن التبرُّجَ وباءٌ متى ما انتشر في مجتمع فإنه يساعد على نشرِ الفواحش، وإشاعةِ المنكَرات، وتأجُّج الشهوات، ثم نجد الإسلامَ ينهى أيضًا عن الاختلاطِ بين الجِنسين، لِما يصحَبُه من نشر المنكَرات، وإشاعة الرذائل، وضياع الأخلاق، كما ينهى عن التخنُّثِ للرجال،

стр. 354

والترجُّل للنساء، فعن ابن عباس ﵄ قال: «لَعَنَ النَّبِيُّ ﷺ المُخَنَّثِينَ مِنَ الرِّجَالِ، وَالمُتَرَجِّلاتِ مِنَ النِّسَاءِ»؛ رواه البخاري (١). ولم تتوقف حمايةُ الأعراض في الإسلام عند هذا فحسب، بل نجد الإسلامَ يحُضُّ على أدبِ الاستئذان عند دخول البيوت الخاصة، لأن لكل بيتٍ حرمةً يجب أن تصان، ولا يحقُّ اقتحامُ البيوت دون إذنِ صاحبها: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٢٧) فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَدًا فَلَا تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ (٢)، والاستئذان فرضٌ في الإسلام؛ من أجل النظر، وحماية العرض، وحرمة البيت؛ فعن سهل بن سعدٍ قال: قال رسولُ الله ﷺ : «إِنَّمَا جُعِلَ الِاسْتِئْذَانُ مِنْ أَجْلِ البَصَرِ»؛ رواه البخاري ومسلم (٣). وبعد ذلك نجد الإسلامَ يحرِّم قَذْفَ المحصَنات الغافلات المؤمنات، ويعتبره كبيرةً مِن الكبائر، ومِن السبعِ الموبِقات، ويضَع له حدًّا: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (٤)؛ فقذفُ المحصَنات بالزنا فيه إشاعةٌ للفواحش، ونشرٌ للمنكَرات،

стр. 355

وتفكيكٌ للأُسَرِ والمجتمعات، وقد أنذَر الحقُّ - سبحانه - المُحبِّين لإشاعةِ الفاحشة بالعذاب الأليم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ (١) (٢). أَيُّهَا الأخوة: والمؤمنُ الحقُ غيورٌ بلا شطط يغار على محارم الله أن تنتهك، وفي الحديث أن سعد بن عبادة ﵁ قال كلاماً بين يدي رسول الله ﷺ دل على غيرته الشديدة، فقال ﷺ : «أَتَعْجَبُونَ مِنْ غَيْرَةِ سَعْدٍ لَأَنَا أَغْيَرُ مِنْهُ، وَاللَّهُ أَغْيَرُ مِنِّي» (٣)، ويقول ﷺ : «لا أَحَدَ أَغْيَرُ مِنَ اللَّهِ، وَلِذَلِكَ حَرَّمَ الفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ» (٤) رواهما البخاري. ويقول ﷺ : «الْمُؤْمِنُ يَغَارُ، وَاللهُ أَشَدُّ غَيْرًا» رواه مسلم (٥). أَيُّهَا الأخوة: وعلى هذا فمن أهم وسائل حفظ الأعراض وحراستها: الحجاب؛ فالحجاب - عباد الله - دليل على الفضيلة وقائد إلى الحشمة، وحماية للمجتمع من الفاحشة والرذيلة، ولذلك فرض الله على المسلمات ستر مفاتنهن، وعدم إبداء زينتهن، يقول سبحانه تعالى: ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا
следующие страницы →