← Джавами‘

Джавами‘ · id 151152

ينابيع المنبر مجموعة خطب ومقالات المجموعة الأولى

صغير بن محمد الصغير

Полный текст (494 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ﴾ (١)، وكفروا بنبي الله وعبده ورسوله، فكان اللائق بأهل هذه البقاع إخلاص العبادة لله، وألا يشركوا به، وتصديق الرسول ﷺ وتعظيمه وتوقيره، فكذبوه وقاتلوه وأخرجوه من بين ظهرهم ولهذا سلبهم الله ما كان أنعم به عليهم، وقُتل من قتل منهم ببدر، وصارت الدولة لله ولرسوله ﷺ وللمؤمنين، ففتح الله على رسوله ﷺ مكة، وأرغم آنافهم وأذل رقابهم من كلام ابن كثير بتصرف (٢). نسأل الله تعالى أن يحفظ علينا نعمه ويرزقنا شكرها. * * *

стр. 352

حماية الأعراض إنَّ الحمد لله .. أَيُّهَا الأخوة: العِرْضُ من الأشياء التي صانها الإسلام، ومنحها الحماية، لأن العِرض من الضرورات الخمس لحياة الإنسان، والضرورات الخمس هي: الدين، والعقل، والنفس، والمال، والعِرْض، وقد أجمع علماءُ أمة محمد ﷺ والأئمة المجتهدون في كل العصور على أن مقاصد التشريع الإسلامي تهدف جميعها إلى حفظِ هذه الضرورات الخمس .. والمتأمل في القرآن الكريم والسنَّة النبوية المطهَّرة يرى ذلك الاهتمام الواسع الذي منحه الإسلام للعِرْض، فنجد الإسلام يمقت الزنا ويحرمه ويعتبره مِن أكبر الكبائر: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ (١)، كيف لا؟ والزنا فيه هتكٌ للعِرض، وضياع للنسب، واعتداءٌ على الحُرُمات، وهدمٌ للأُسَر، وفساد للأخلاق.

стр. 353

بل لقد وضع الشرع له حدًّا لا يتغير بتغير زمانٍ ولا مكان، وهو الجَلدُ لغير المحصَن: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ .. ﴾ (١). ثم الرَّجم حتى الموت للمحصَن، وقد طبَّق رسولُ الله ﷺ حدَّ الرَّجم على المرأة الغامدية التي زنَتْ على عهده. ولا يتوقف الأمرُ عند تحريم الزنا، بل نجد الإسلامَ يحرِّم كل مقدِّماته، مِن نظَرٍ، وخَلوة، وتبرج، وغير ذلك، فقد أمَر الحقُّ - سبحانه - المسلمين والمسلمات بغضِّ البصر: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (٣٠) وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ (٢). ونهى الإسلامُ عن خَلوة الرجل بالمرأة الأجنبية إلا مع ذي محرَم لها، كما نهى عن تبرُّج النساء: ﴿وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾ (٣)؛ لأن التبرُّجَ وباءٌ متى ما انتشر في مجتمع فإنه يساعد على نشرِ الفواحش، وإشاعةِ المنكَرات، وتأجُّج الشهوات، ثم نجد الإسلامَ ينهى أيضًا عن الاختلاطِ بين الجِنسين، لِما يصحَبُه من نشر المنكَرات، وإشاعة الرذائل، وضياع الأخلاق، كما ينهى عن التخنُّثِ للرجال،

стр. 354

والترجُّل للنساء، فعن ابن عباس ﵄ قال: «لَعَنَ النَّبِيُّ ﷺ المُخَنَّثِينَ مِنَ الرِّجَالِ، وَالمُتَرَجِّلاتِ مِنَ النِّسَاءِ»؛ رواه البخاري (١). ولم تتوقف حمايةُ الأعراض في الإسلام عند هذا فحسب، بل نجد الإسلامَ يحُضُّ على أدبِ الاستئذان عند دخول البيوت الخاصة، لأن لكل بيتٍ حرمةً يجب أن تصان، ولا يحقُّ اقتحامُ البيوت دون إذنِ صاحبها: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٢٧) فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَدًا فَلَا تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ (٢)، والاستئذان فرضٌ في الإسلام؛ من أجل النظر، وحماية العرض، وحرمة البيت؛ فعن سهل بن سعدٍ قال: قال رسولُ الله ﷺ : «إِنَّمَا جُعِلَ الِاسْتِئْذَانُ مِنْ أَجْلِ البَصَرِ»؛ رواه البخاري ومسلم (٣). وبعد ذلك نجد الإسلامَ يحرِّم قَذْفَ المحصَنات الغافلات المؤمنات، ويعتبره كبيرةً مِن الكبائر، ومِن السبعِ الموبِقات، ويضَع له حدًّا: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (٤)؛ فقذفُ المحصَنات بالزنا فيه إشاعةٌ للفواحش، ونشرٌ للمنكَرات،

стр. 355

وتفكيكٌ للأُسَرِ والمجتمعات، وقد أنذَر الحقُّ - سبحانه - المُحبِّين لإشاعةِ الفاحشة بالعذاب الأليم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ (١) (٢). أَيُّهَا الأخوة: والمؤمنُ الحقُ غيورٌ بلا شطط يغار على محارم الله أن تنتهك، وفي الحديث أن سعد بن عبادة ﵁ قال كلاماً بين يدي رسول الله ﷺ دل على غيرته الشديدة، فقال ﷺ : «أَتَعْجَبُونَ مِنْ غَيْرَةِ سَعْدٍ لَأَنَا أَغْيَرُ مِنْهُ، وَاللَّهُ أَغْيَرُ مِنِّي» (٣)، ويقول ﷺ : «لا أَحَدَ أَغْيَرُ مِنَ اللَّهِ، وَلِذَلِكَ حَرَّمَ الفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ» (٤) رواهما البخاري. ويقول ﷺ : «الْمُؤْمِنُ يَغَارُ، وَاللهُ أَشَدُّ غَيْرًا» رواه مسلم (٥). أَيُّهَا الأخوة: وعلى هذا فمن أهم وسائل حفظ الأعراض وحراستها: الحجاب؛ فالحجاب - عباد الله - دليل على الفضيلة وقائد إلى الحشمة، وحماية للمجتمع من الفاحشة والرذيلة، ولذلك فرض الله على المسلمات ستر مفاتنهن، وعدم إبداء زينتهن، يقول سبحانه تعالى: ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا

стр. 356

وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ ... إلى قوله: وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (١). الحجاب والجلباب: دليل على توقير المرأة وهيبتها فإن المرأة المحجبة مهابة موقرة في مأمن من الإيذاء، وتطاول الفسقة، وإيذاء السفهاء، قال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً﴾ (٢)، وقال ﷺ : «المَرْأَةُ عَوْرَةٌ، فَإِذَا خَرَجَتْ اسْتَشْرَفَهَا الشَّيْطَانُ»؛ رواه الترمذي وإسناده حسن (٣). الحجابُ حصنٌ حصينٌ للمرأة يحميها من الأعين الجائعة، والقلوب المريضة. فالمحجبة لا تتسابق النظرات الجارحة إليها، ولا تواجه أذى الفساق، لأنها حفظت أوامر الله تعالى فحفظها (٤). قال الشيخ بكر أبوزيد في كتابه حراسة الفضيلة بعدما ساق أدلة الحجاب من القران والسنة والإجماع والقياس: "فمما تقدم يَعْلَمُ كلُّ من نوَّر الله بصيرته فرضَ الحجاب على نساء المؤمنين لجميع البدن وما عليه من زينة مكتسبة، بأدلة ظاهرة الدلالة من الوحي المعصوم من القرآن والسنة، وبدلالة القياس الصحيح، والاعتبار الرجيح للقواعد الشرعية العامة، وهذا ما جرى عليه عمل نساء المؤمنين من

стр. 357

عصر النبي ﷺ إلى يومنا هذا في جزيرة العرب وغيرها من بلاد المسلمين، وأن السفور عن الوجه الذي يشاهد اليوم في عامة أقطار العالم الإسلامي هو بداية ما حل به من الحسور عن كثير من البدن، وعن كل الزينة إلى حدِّ الخلاعة والعري والتهتك والتبرج والتفسخ، المسمى في عصرنا بِاسم: السفور، وأن هذا البلاء حادث لم يحصل إلا في بدايات القرن الرابع عشر للهجرة على يد عدد من نصارى العرب والمستغربين من المسلمين، ومن تنصر منهم بعد الإسلام .. إلى أن قال: لهذا فيجب على المؤمنين الذي مسَّ نساءهم طائف من السفور أو الحسور أو التكشف أن يتقوا الله، فيُحجبوا نساءهم بما أمر الله به بالجلباب -العباءة- والخمار، وأن يأخذوا بالأسباب اللازمة لأطرهنَّ وتثبيتهن عليه، لما أوجبه الله على أوليائهن من القيام الذي أساسه: الغيرة الإسلامية، والحميَّة الدينية، ويجب على نساء المؤمنين الاستجابة للحجاب -العباءة- والخمار، طواعية لله ولرسوله ﷺ وتأسيًا بأمهات المؤمنين ونسائه، والله ولي الصالحين من عباده وإمائه، وأما التنبيه والتحذير: فيجب على كل مؤمن ومؤمنة بهذا الدين الحذر الشديد من دعوات أعدائه من داخل الصف أو خارجه الرامية إلى التغريب، وإخراج نساء المؤمنين من حجابهن تاجِ العفة والحصانة إلى السفور والتكشف والحسور، ورميهنّ في أحضان الرجال الأجانب عنهن، وأن لا يغتروا ببعض الأقاويل الشاذة، التي تخترق النصوص، وتهدم الأصول، وتنابذ المقاصد الشرعية من طلب العفة والحصانة وحفظهما، وصد عاديات التبرج والسفور والاختلاط، الذي حلَّ بديار القائلين بهذا الشذوذ" (١). انتهى كلامه.

стр. 358

أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم. الخطبة الثانية: الحمد لله .. فإذا كانت شريعةُ الإسلام تضع كل هذه الضمانات التي تحفظ للإنسان عِرْضَه وشرَفه، فجدير بنا أن نتمسك بالإسلام قولاً وعملاً، عبادة وخُلقًا، عقيدةً وشريعة، لأن واقعَ المجتمعاتِ غيرِ الإسلامية من حيث الأخلاق واقع سيئ تستباحُ فيه الأعراضُ، ويُنتهك فيه الشرف، وتتعدد فيه العلاقات غير المشروعة، وتَشيع فيه الفواحشُ والمنكَرات، حتى أصبحت المتعةُ الجنسية هناك مباحةً كمتعة الطعام والشراب، وكانت النتيجة لذلك هي زيادة عدد المواليد غير الشرعيين، وارتفاع نسبة الطلاق، وشيوع كل أنواع الشذوذ الجنسي، والمتاجرة في الأعراض، وانتشار الأمراض (١). عباد الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (٢). * * *

стр. 359

ماذا فَهِم عُمَرُ ﵁ من زلزلة المدينة في عهده ؟ ! الْحَمْدُ لِلَّهِ، نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا، وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولَهُ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ (١). ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ (٢). ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ (٣). أَمَّا بَعْدُ:

стр. 360

فَإِنَّ أَصْدَقَ الْحَدِيثِ كَلَامُ اللَّهِ، وَخَيْرَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ ﷺ وَشَّرَّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَكُلَّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ. أَيُّهَا الأخوة: إنّ على المؤمن أن يقرأ الأحداث الكونية من زاويةٍ أخرى، كالكسوف والخسوف والزلازل والبراكين والفياضات، وجميع ما يُقدِّره الخالق من أحداثٍ كونيةٍ جسام عظام! ! إنّ ما وقع من زلازل ما بين العراق وإيران خلال الأيام الماضية، والذي مات فيه خلقٌ يُقَدّر عددهم بالمئات والجرحى بالآلاف، وأحسّ به أهل الخليج وشعروا به، ليستدعي وقفة تأمل واعتبار من المؤمن الموحد، وأن لا يمرَّ دون محاسبة ومراجعة، وما هو المنهج الشرعي إذا وقعت مثل هذه الأحداث الكونية؟ ، وكيف كان تعامل السلف ﵏ معها؟ ورد عن عبيد الله بن عمر عَنْ نَافِعٍ، عَنْ صَفِيَّةَ ابْنَةِ أَبِي عُبَيْدٍ، قَالَتْ: "زُلْزِلَتِ الْمَدِينَةُ عَلَى عَهْدِ عُمَرَ ﵁ فَقَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ، مَا هَذَا؟ مَا أَسْرَعَ مَا أَحْدَثْتُمْ، لَئِنْ عَادَتْ لَا أُسَاكِنُكُمْ فِيهَا» (١). فمن الأمور التي ينبغي الوقوف عندها في هذه الحادثة الكونية العظيمة ما يلي:

стр. 361

أولًا: هذه الأرض التي نعيش عليها من نعم الله الكبرى علينا، فإن الله قد مكننا منها، نعيش على ظهرها، وندفن موتانا في باطنها، قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الأَرْضَ كِفَاتًا أَحْيَاء وَأَمْواتًا﴾ (١). وقال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ في الأرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَاايِشَ قَلِيلًا مَّا تَشْكُرُونَ﴾ (٢). نعمةٌ كبرى من الله، ورحمةٌ عظيمة، أن تستيقظ صباحًا وترى الأرض مستقرَّة، لا تعرف هذه النعمة إلا إذا شاهدت زلزالًا أو انفجر بركان، فلولا أنها مستقرة، لم يبقَ بناءٌ على وجهها. قال ابن القيم: "ثمَّ تَأمل خلق الأرض على مَا هِيَ عَلَيْهِ حِين خلقهَا واقفة سَاكِنة؛ لتَكون مهادًا ومستقرًا للحيوان والنبات والأمتعة، ويتمكن الْحَيَوَان وَالنَّاس من السَّعْي عَلَيْهَا فِي مآربهم وَالْجُلُوس لراحاتهم، وَالنَّوْم لهدوئهم، والتمكن من أعمالهم، وَلَو كَانَ رجراجة متكفئة لم يستطيعوا على ظهرهَا قراراً وَلَا هُدُوا وَلَا ثَبت لَهُم عَلَيْهَا بِنَاء، وَلَا أمكنهم عَلَيْهَا صناعَة، لَا تِجَارَة وَلَا حراثة وَلَا مصلحَة، وَكَيف كَانُوا يتهنون بالعيش والأرض ترتج من تَحْتهم؟ وَاعْتبر ذَلِك بِمَا يصيبهم من الزلازل على قلَّة مكثها، كَيفَ تُصيرّهم إلى ترك مَنَازِلهمْ والهرب عَنْهَا، وَقد نبه الله تَعَالَى على ذَلِك بقوله: ﴿وَأَلْقَى فِي الأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ﴾ (٣).

стр. 362

وَقَوله تَعَالَى: ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ قَرَارًا﴾ (١) (٢). أَيُّهَا الأخوة: هذه النعمة تجب المحافظة عليها بشتى الوسائل، والتي من أهمها: شكرها، قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ (٣). ثانيًا: قولُه ﵁ عندما أحسّ بالزلزلة «مَا أَسْرَعَ مَا أَحْدَثْتُمْ»، ليعطي دلالةً واضحةً أنّه مَا كَثُرَتِ المَعَاصِي وَارتُكِبَتِ الكَبَائِرُ وَالمُوبِقَاتُ، وَلا شَاعَتِ الفَوَاحِشُ وَاستُسِيغَتِ المُخَالَفَاتُ وَالمُنكَرَاتُ، وَلا انتَشَرَ الظُّلمُ وَالقَتلُ وَعَمَّ الطُّغيَانُ، إِلاَّ نَزَلَتِ العُقُوبَاتُ وَكَثُرَتِ المَصَائِبُ العَامَّةُ، مِنَ الأَعَاصِيرِ المُهلِكَةِ وَالفَيَضَانَاتِ المُغرِقَةِ، وَالزَّلازِلِ المُدَمِّرَةِ وَالبَرَاكِينِ المُحرِقَةِ، وَالحُرُوبِ الطَّاحِنَةِ وَالأَمرَاضِ الفَتَّاكَةِ، وَالطَّوَاعِينِ العَامَّةِ وَالآفَاتِ القَاضِيَةِ، وَالنَّقصِ في النُّفُوسِ وَفَسَادِ الزُّرُوعِ وَالثِّمَارِ، مِمَّا يُخَوِّفُ اللهُ بِهِ العِبَادَ وَيُذَكِّرُهُم بِقُوَّتِهِ وَسَطوَتِهِ: ﴿ظَهَرَ الفَسَادُ في البَرِّ وَالبَحرِ بما كَسَبَت أَيدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُم يَرجِعُونَ﴾ (٤). ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الفُقَرَاءُ إِلى اللهِ وَاللهُ هُوَ الغَنيُّ الحَمِيدُ (١٥) إِن يَشَأْ يُذهِبْكُم وَيَأتِ بِخَلقٍ جَدِيدٍ (١٦) وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللهِ بِعَزِيزٍ (١٧) وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزرَ أُخرَىَ وَإِنْ تَدعُ مُثقَلَةٌ إِلىَ حِملِهَا لا يُحمَلْ مِنهُ شَيءٌ وَلَو كَانَ ذَا قُربىَ إِنَّمَا تُنذِرُ الَّذِينَ

стр. 363

يَخشَونَ رَبَّهُم بِالغَيبِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَمَن تَزَكَّى فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفسِهِ وَإِلى اللهِ المَصِيرُ﴾ (١). إنَّ الله سبحانه توعد الذين لا يتعظون بالمصائب، ولا تؤثر فيهم النوازل فيتوبون من ذنوبهم، توعدهم بعاجل العقوبة في الدنيا، وهذه الزلازل والفيضانات والأوبئة المنتشرة لا شك أنها عقوبات على ما يرتكبه العباد من الكفر والمعاصي والمخالفات: ﴿أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئَاتِ أَن يَخْسِفَ اللهُ بِهِمُ الأَرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ (٤٥) أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ فَمَا هُم بِمُعْجِزِينَ (٤٦) أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرؤُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ (٢). قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَنتُمْ بِمُعْجِزِينَ في الأرْضِ وَلا في السَّمَاء وَمَا لَكُمْ مِّن دُونِ اللَّهِ مِن وَلِىّ وَلا نَصِيرٍ﴾ (٣). وكما أنها عقوبات للكفار والعصاة والظلمة والفساق فهي ابتلاءٌ ورفعةُ درجاتٍ للمؤمنين: ﴿اللهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ يَرزُقُ مَن يَشَاءُ وَهُوَ القَوِيُّ العَزِيزُ﴾ (٤). ﴿مَا يَفعَلُ اللهُ بِعَذَابِكُم إِن شَكَرتُم وَآمَنتُم وَكَانَ اللهُ شَاكِرًا عَلِيمًا﴾ (٥).

стр. 364

ثالثًا: إِنَّ المُؤمِنَ وَقَد أُوتيَ قَلبًا حَيًّا وَحِسًّا مُرهَفًا لِيَتَأَثَّرُ بمِثلِ هَذِهِ الأَحوَالِ المُخِيفَةِ مُقتَدِيًا بِنَبِيِّهِ ﷺ الَّذِي كَانَ إِذَا رَأَىَ رِيحًا أَو غَيمًا عُرِفَ ذَلِكَ في وَجهِهِ فَأَقبَلَ وَأَدبَرَ، وَدَخَلَ وَخَرَجَ خَوفًا مِن نُزُولِ عَذَابٍ، وَيَخرُجُ في الكُسُوفِ فَزِعًا يَجُرُّ رِدَاءَهُ مُستَعجِلًا، يَخشَى أَن تَكُونَ السَّاعَةُ، يَفعَلُ ذَلِكَ لِرُؤيَةِ غَيمٍ غَالِبُ مَا يَأتي فِيهِ المَطَرُ وَالغَيثُ، أَو لِكُسُوفِ الشَّمسِ وَذَهَابِ بَعضِ ضَوئِهَا، فَكَيفَ لَو أحسَّ بزلزلة أو ارتجت الأرض به، أو رأى تساقط البنيان وتشقق الأرض من حوله؟ إِنَّهَا لَمِن قَسوَةِ القُلُوبِ وَعَمَى البَصَائِرِ، أَن يَسمَعَ النَّاسُ وَيَرَونَ القَوَارِعَ الَّتي تَشِيبُ لها مَفَارِقُ الوِلدَانِ، وَتَتَوَالى عَلَيهِمُ الزَّوَاجِرُ الَّتي تَخشَعُ لها صُمُّ الجِبَالِ، ثُمَّ يَستَمِرُّوا عَلَىَ تَمَرُّدِهِم وَطُغيَانِهِم وَيَتَمَادَوا في غَيِّهِم وَعِصيَانِهِم، ويَظَلُّوا عَاكِفِينَ عَلَىَ شَهَوَاتِهِم مُتَّبِعِينَ أَهوَاءَهُم، غَيرَ عَابِئِينَ بِوَعِيدٍ وَلا مُنَصَاعِينَ لِتَهدِيدٍ، مُقتَصِرِينَ في تَفسِيرِ مَا حَدَثَ عَلَى أَنَّهُ مُجَرَّدُ أَمَرٍ طَبَعِيٍّ وَحَدَثٍ اعتِيَادِيٍّ: ﴿مَا قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدرِهِ إِنَّ اللهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ (١). رابعًا: إِذَا كَانَ زلزالٌ وَاحِدٌ أحدث في دُنيَا النَّاسِ مِنَ الفَزَعِ مَا أحدِثُ، فَكَيفَ بِزَلزَلَةِ الأَرضِ كُلِّهَا يوم لا ينفع مال ولا بنون ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ (١) يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ (٢).

стр. 365

إِنَّهُ لَيُذَكِّرُنَا بِعَجزِ الإِنسَانِ عِندَ قِيَامِ السَّاعَةِ: ﴿إِذَا زُلزِلَتِ الأَرضُ زِلزَالَهَا (١) وَأَخرَجَتِ الأَرضُ أَثقَالَهَا (٢) وَقَالَ الإِنسَانُ مَا لَهَا﴾ (١). والزلزلةُ - أَيُّهَا الأخوة - من علامات الساعة وقد أخرج البخاري في "صحيحه" أن رسولَ الله ﷺ قال: «لا تقومُ الساعةُ حتى يُقبَضَ العلمُ، وتكثُر الزلازِلُ، ويتقارَبُ الزمانُ .. » الحديث (٢). ولم تقَع الزلزلة في عهد النبي ﷺ ، وإنما سمِعوا بها في كتاب الله وسُنَّة نبيِّه ﷺ ، فآمَنوا بها، وصدَّقوا أنها آيةٌ من آيات الله، يُرسِلُها الله على من يشاءُ من عباده، وإنما وقعت في عهد عمر ﵁. وكثرتُها في زماننا هذا هو من الإعجاز الغيبيِّ والعلميِّ في سُنَّة النبي ﷺ حيث ذكرَ كثرتَها في آخر الزمان. وقد أقسم الله سبحانه بالأرض ذات الصَّدع، ولم يكُ هذا الصَّدعُ معلومًا أربعة عشر قرنًا من الزمان، حتى اكتُشِفَ جيولوجيًّا في القرن الماضي، فوجدَ العلماءُ صدعًا ضخمًا في باطنِ الأرض في قاع المُحيط، وأن مُعظمَ الزلازِلِ في العالمِ تتركَّزُ في هذا الصَّدع. فدلَّ قسمُ الباري بالأرض ذات الصَّدع على الإعجاز؛ ليستَبينَ المُلحِدون سبيلَهم المُنحرِف، وأن ما اكتشَفُوه قد ذكرَه الله قبلَهم بأربعة عشر قرنًا من الزمن،

стр. 366

وأن ما يأتي به النبي الأُمِّي إنما هو وحيٌ يُوحَى، لا ينطقٌ عن الهوَى: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ (١). خامسًا: في قوله ﵁ : «مَا أَسْرَعَ مَا أَحْدَثْتُمْ، لَئِنْ عَادَتْ لَا أُسَاكِنُكُمْ فِيهَا» إشعارٌ بأهمية ترك المنكر بل وإنكاره، وأمرٍ بالمعروف وإعذارٍ إلى الله تعالى، وفي الحديث: «إِنَّ النَّاسَ إِذَا رَأَوُا الظَّالِمَ فَلَمْ يَأْخُذُوا عَلَى يَدَيْهِ، أَوْشَكَ أَنْ يَعُمَّهُمُ اللَّهُ بِعِقَابٍ» (٢) رواه أبو داود وصححه الألباني. وعن النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ ﵄، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَثَلُ القَائِمِ عَلَى حُدُودِ اللَّهِ وَالوَاقِعِ فِيهَا، كَمَثَلِ قَوْمٍ اسْتَهَمُوا عَلَى سَفِينَةٍ، فَأَصَابَ بَعْضُهُمْ أَعْلاهَا وَبَعْضُهُمْ أَسْفَلَهَا، فَكَانَ الَّذِينَ فِي أَسْفَلِهَا إِذَا اسْتَقَوْا مِنَ المَاءِ مَرُّوا عَلَى مَنْ فَوْقَهُمْ، فَقَالُوا: لَوْ أَنَّا خَرَقْنَا فِي نَصِيبِنَا خَرْقًا وَلَمْ نُؤْذِ مَنْ فَوْقَنَا، فَإِنْ يَتْرُكُوهُمْ وَمَا أَرَادُوا هَلَكُوا جَمِيعًا، وَإِنْ أَخَذُوا عَلَى أَيْدِيهِمْ نَجَوْا، وَنَجَوْا جَمِيعًا» (٣) رواه البخاري. أقول قولي هذا وأستغفر الله. الخطبة الثانية: أَمَّا بَعدُ: فَاتَّقُوا اللهَ تَعَالى.

стр. 367

أَيُّهَا الأخوة: لنحذر المعاصي، والتساهل فيها، والترف والفسق، فالله تعالى يقول: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا﴾ (١). فاتقوا الله ولنبادر للتوبة والاستغفار، فإنّ الله تعالى يقول: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ (٢). وفي الصحيحين: أنه لما خسفت الشمس زمن النبي ﷺ قام فصلى طويلًا، ثم خَطَبَ النَّاسَ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ، لَا يَخْسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ، فَإِذَا رَأَيْتُمْ ذَلِكَ فَادْعُوا اللَّهَ وَكَبِّرُوا وَصَلُّوا وَتَصَدَّقُوا»، ثُمَّ قَالَ: «يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ، وَاللَّهِ مَا مِنْ أَحَدٍ أَغْيَرُ مِنْ اللَّهِ أَنْ يَزْنِيَ عَبْدُهُ أَوْ تَزْنِيَ أَمَتُهُ» (٣). قال ابن القيم: بعدما ذكر أثر الزلزلة في عهد عمر ﵁ قال: "قال كعب إنما زلزلت الأرض إذا عمل فيها بالمعاصي، فترعدُ فرقًا من الرب أن يطلع عليها، وكتب عمر بن عبد العزيز إلى الأمصار أما بعد: فإنّ هذا الرجف شيء يعاتب الله به العباد، وقد كتبت إلى سائر الأمصار يخرجوا في يوم كذا وكذا في شهر كذا وكذا، فمن كان عنده شيء فليتصدق به

стр. 368

فإنّ الله قال: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّى (١٤) وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾ (١). وقولوا كما قال آدم: ﴿قَالا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِين﴾ (٢). وقولوا كما قال نوح ﴿وَإِلاَّ تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُن مِّنَ الْخَاسِرِين﴾ (٣). وقولوا كما قال يونس: ﴿لاَّ إِلَهَ إِلاَّ أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِين﴾ (٤) (٥) (٦). * * *

стр. 369

أثر وسائل التواصل في هدم الأسرة والمجتمع إنَّ الحمد لله .. أَيُّهَا الأخوة: نَشَرت بعضُ المجلاتِ المعتمدةِ عالميًّا دراساتٍ تُفيد أنَّ وسائلَ التواصلِ الاجتماعي أصبَحت أقصرَ الطرقِ إلى الطلاقِ والانفصالِ بين الزوجين وتشتتِ الأسر، هذا ما خلصَ إليه عددٌ من الدراساتِ الحديثة. ولا غرابة فإنّ وَسَائِلَ التَّوَاصُلِ الاجْتِمَاعِيِّ كَشَفَتْ أثرَها فِي بعض مجتمعاتنا أيضاً للأسف الشديد؛ فتسبَّبت بخللٍ في التَّدَيّنِ، وَضَعْفٍ فِي التَّرْبِيَةِ، وَانْحِطَاطٍ فِي الأَخْلاقِ. فَكثيرٌ من أبناء المسلمين وبناتِهم مَا كانوا يعرفون الفواحشَ والممارسات الأخلاقيةَ المنحطةَ حَتَّى تَعَلَّمُوهَا مِنْ هَذِهِ الوَسَائِلِ؛ فَالفُضُولُ قَادَهُمْ لِمَعْرِفَتِهَا، وَضَعْفُ الوَازِعِ جَرَّأَهُمْ عَلَيْهَا، وَحُبُّ التَّجْرِبَةِ جَرَّهُمْ إِلَيْهَا، فَمِنْهُمْ مَنْ غَرِقَ فِي الرَّذَائِلِ بِسَبَبِهَا، وَتَأَمَّلُوا الوَصْفَ القُرْآنِيَّ لِلْمُؤْمِنَاتِ بِالغَفْلَةِ؛ ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ (١)، أَيْ: غَافِلاتٍ عَنِ الفَوَاحِشِ وَمُقَدِّمَاتِهَا، بَلْ تَسْتَحِيِ الغَافِلَةُ مِنْ عَرْضِ الزَّوَاجِ عَلَيْهَا وَهُوَ حَلالٌ؛

стр. 370

وَلِذَا كَانَ إِذْنُ البِكْرِ فِي الزَّوَاجِ صُمَاتَهَا؛ مُرَاعَاةً مِنَ الشَّارِعِ الحَكِيمِ سُبْحَانَهُ لَهَا لِحَيَائِهَا. هَذَا الحَيَاءُ وَهَذِهِ الغَفْلَةُ قَضَتْ عَلَى كَثِيرٍ مِنْهَا وَسَائِلُ التَّوَاصُلِ الاجْتِمَاعِيِّ، فَصَارَ الكَلامُ الفَاحِشُ البَذِيءُ يَتَنَاقَلُهُ كَثِيرٌ مِنَ الشَّبَابِ وَالفَتَيَاتِ، بَلْ رُبَّمَا الأَطْفَالُ، نَاهِيكُمْ عَنِ الصُّوَرِ الفَاضِحَةِ، وَالمَقَاطِعِ الفَاحِشَةِ، وَالتَّبَاهِي بِانْتِهَاكِ الحُرُمَاتِ، وَالمُجَاهَرَةِ بِالسُّوءِ، فَيَحْكِي بَعْضُهُمْ مَا عَمِلَ البَارِحَةَ مِنْ فَوَاحِشَ وَقَدْ بَاتَ يَسْتُرُهُ رَبُّهُ سُبْحَانَهُ، فَيُصْبِحُ يَكْشِفُ سِتْرَ اللهِ تَعَالَى عَلَيْهِ عَلَى المَلَأِ مِنَ النَّاسِ، بَلْ عَلَى أُلُوفٍ وَمَلايِينَ، وَهَذَا مُجَاهَرَةٌ بِالإثْمِ، وَلَوْ كَانَ كَاذِبًا فِيمَا قَالَ، وَلَوْ تَخَفَّى خَلْفَ أَسْمَاءَ وَهْمِيَّةٍ؛ فَإِنَّهُ لَنْ يَخْرُجَ مِنْ دَائِرَةِ المُجَاهِرِينَ الَّذِينَ لا يُعَافُونَ، وَمِنْ يَشِيعُونَ الفَاحِشَةَ فِي النَّاسِ. وَأَخْطَرُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ هَذِهِ الوَسَائِلَ فَتَحَتْ عُيونَ مَنْ فِيهِمْ ضَعْفٌ عَلَى أَنْوَاعٍ مِنَ الفَوَاحِشِ غَلِيظَةِ الحُرْمَةِ؛ كَالنَّظَرِ إِلَى المَحَارِمِ، وَالسّحَاقِ، وَعَمَلِ قَوْمِ لُوطٍ، وَبِنَاءِ عَلاقَاتٍ مُحَرَّمَةٍ فِي هَذِهِ المَجَالاتِ بِوَاسِطَةِ التَّوَاصُلِ وَالمُرَاسَلَةِ وَتَبَادُلِ الصُّوَرِ وَالمَقَاطِعِ؛ مِمَّا يُحَتِّمُ العِنَايَةَ البَالِغَةَ بِشَحْنِ الأَوْلادِ كُلَّ فَتْرَةٍ بِجُرْعَاتٍ إِيمَانِيَّةٍ وَأَخْلَاقِيَّةٍ تُحَصِّنُهُمْ ضِدَّ هَذَا البَلاءِ المُسْتَطِيرِ، وَتَخْوِيفِهِمْ مِنْ عَذَابِ اللهِ تَعَالَى، وَبَيَانِ عَاقِبَةِ التَّسَاهُلِ فِي ذَلِكَ، وَإِيْضَاحِ آثَارِهِ الدِّينِيَّةِ وَالأَخْلَاقِيَّةِ وَالاجْتِمَاعِيَّةِ وَالصِّحِّيَّةِ. وَمِنَ الآثَارِ الخَبِيثَةِ لوَسَائِلِ التَّوَاصُلِ الاجْتِمَاعِيِّ أَنَّهَا جَرَّأَتِ الفُسَّاقَ وَالفَاسِقَاتِ عَلَى الشَّرْعِ الحَكِيمِ بِالخَوْضِ فِيهِ بِلا عِلْمٍ، وَرَدِّ النُّصُوصِ أَوْ تَأْوِيلِهَا، وَتَهْوِينِ الوَاجِبَاتِ وَالمُحَرَّمَاتِ، وَبَثِّ الشُّبُهَاتِ لِإِسْقَاطِ كَثِيرٍ مِنَ الأَحْكَامِ كَمَا هِيَ طَرِيقَةُ أَهْلِ الأَهْوَاءِ، وَيَتَلَقَّفُ ذَلِكَ العَامَّةُ؛ فَيُصَابُونَ بِالشَّك فِي بَعْضِ أَحْكَامِ دِينِهِمْ، وَتَكْثُرُ البَلْبَلَةُ وَالجِدَالُ فِي أَوْسَاطِهِمْ، وَمَجَالِسُ النَّاسِ شَاهِدَةٌ عَلَى تَفَشِّي هَذِهِ الظَّاهِرَةِ

стр. 371

بَعْدَ انْتِشَارِ هَذِهِ الوَسَائِلِ، حَتَّى صَارَ الانْقِسَامُ بَيْنَ النَّاسِ، وَاخْتِلافُهُمْ عَلَى دِينِهِمْ ظَاهِرًا فِي مُجْتَمَعَاتِ المُسْلِمِينَ. وَأَخْطَرُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ الزَّنَادِقَةَ وَالمُلْحِدِينَ اسْتَغَلُّوا وَسَائِلَ التَّوَاصُلِ الاجْتِمَاعِيِّ لِكَسْرِ المُقَدَّسَاتِ فِي نُفُوسِ المُسْلِمِينَ، وَتَهْوِينِهَا فِي قُلُوبِهِمْ بِالتَّسَمِّي بِأَسْمَاءِ اللهِ تَعَالَى، أَوْ الاتَّصْاِفِ بِأَوْصَافِهِ سُبْحَانَهُ، أَوِ السُّخْرِيَةِ بِهِ ، أَوِ الطَّعْنِ فِي رُسُلِهِ وَكُتُبِهِ وَشَرَائِعِهِ، وَمَعَ إِلْفِ النَّاسِ لِذَلِكَ تَهُونُ المُقَدَّسَاتُ فِي قُلُوبِهِمْ، وَتَضْعُفُ غِيرَتُهُمْ عَلَى دِينِهِمْ، وَيَتَلَاشَى غَضَبُهُمْ للهِ تَعَالَى، وهَذَا هُوَ مَقْصِدُ المَلاحِدَةِ: أَنْ يَعْتَادَ المُسْلِمُونَ عَلَى الطَّعْنِ فِي رَبِّهِمْ وَنَبِيِّهِمْ وَكِتَابِهِمْ وَدِينِهِمْ، وَتُنْتَزَعُ الحَمِيَّةُ لِذَلِكَ مِنْ قُلُوبِهِمْ، وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ لا يُمْكِنُ رَدْعُ هَؤُلاءِ المَلاحِدَةِ لِاسْتِتَارِهِمْ خَلْفَ أَسْمَاءَ مُسْتَعَارَةً، وَبَثِّ فِكْرِهِمُ الإِلْحَادِيِّ بوَسَائِلِ التَّوَاصُلِ الاجْتِمَاعِيِّ، وَرُبَّمَا أَشَاعَ بَعْضُ النَّاصِحِينَ فِكْرَهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَدْرِي، وَذَلِكَ بِنَشْرِ كَلامِهِمْ عَلَى وَجْهِ الإِنْكَارِ لَهُ، وَهُمْ يَفْرَحُونَ بِنَشْرِهِ؛ لِأَنَّ النَّاسَ إِنْ أَنْكَرُوهُ الْيَوْمَ بِشِدَّةِ خَفَّ إِنْكَارُهُمْ لَهُ مَعَ كَثْرَةِ تَدَاوُلِهِ حَتَّى يَأْلَفُوهُ؛ وَالوَاجِبُ حِمَايَةُ القُلُوبِ مِنَ المُيُوعَةِ وَاللُّيُونَةِ فِي هَذِهِ الجَوَانِبِ؛ وَذَلِكَ بِتَجَنُّبِ الاطِّلاعِ عَلَى كَلامِ الزَّنَادِقَةِ وَالمُلْحِدِينَ، وَحَظْرِ حِسَابَاتِهِمْ، وَحَذْفِ قَوَائِمِهِمْ، وَتَنْبِيهِ مَنْ يَصِلُهُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ إِلَى حَذْفِهِ مُبَاشَرَةً وَعَدَمِ الالْتِفَاتِ إِلَيْهِ، وَلا إِرْسَالِهِ لِغَيْرِهِ حَتَّى يَمُوتُوا بِغَيْظِهِمْ، وَيُحَصَّنَ المُؤْمِنُونَ عَنْ إِلْحَادِهِمْ وَتَجْدِيفِهِمْ. وَكَمْ مِنْ مُرِيدٍ لِلْخَيْرِ لا يَبْلُغُهُ! وَكَمْ مِنْ نَاصِحٍ يَنْشُرُ الإِثْمَ بِجَهْلِهِ! فَإِنَّ أَهْلَ البِدَعِ يَنْشُرُونَ بِدَعَهُمْ عَبْرَ وَسَائِلِ التَّوَاصُلِ الاجْتِمَاعِيِّ فِي صُوَرِ مَنْ يَدْعُونَ إِلَى الخَيْرِ، فَيُشِيعُوَن أَحَادِيَثَ مَوْضُوعَةً، وَقَصَصًا مَكْذُوبَةً، وَأَعْمَالًا غَيْرَ مَشْرُوعَةٍ، فَيَتَلَقَّفُهَا جَهَلَةُ النَّاسِ، وَيَتَبَرَّعُونَ بِنَشْرِهَا مُحْتَسِبِينَ أَجْرَهَا، وَالوَاجِبُ عَلَى مَنْ بَلَغَهُ شَيْءٌ مِنْ

стр. 372

ذَلِكَ أَنْ يَتَثَبَّتَ بِسُؤَالِ أَهْلِ العِلْمِ عَنْ صِحَّتِهِ قَبْلَ نَشْرِهِ، فَإِنْ تَبَيَّنَ خَطَؤُهُ نَبَّهَ مُرْسِلَهُ إِلَيْهِ وَوَعَظَهُ؛ فَإِنَّ اللهَ تعالى يقول: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ (١)، والنَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ: «إِنَّ كَذِبًا عَلَيَّ لَيْسَ كَكَذِبٍ عَلَى أَحَدٍ، مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ»؛ مُتَّفِقٌ عَلَيْهِ (٢). وَقَالَ ﷺ : «مَنْ حَدَّثَ عَنِّي بِحَدِيثٍ يُرَى أَنَّهُ كَذِبٌ فَهُوَ أَحَدُ الْكَاذِبِينَ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٣). وأمَّا بخصوص آثار وسائل الجانب التربوي والنفسي والجنائي، فهناك أيضًا مجموعة من الآثار الخطيرة، منها: إعظامُ شأنِ الرويبضات من فتيانٍ وفتياتٍ وكهول وجعلهم قدواتٍ يسيِّرون المجتمعَ فيما يريدون بسفاهاتٍ لا حدَّ لها، وأعجب منهم من يتابعهم ويستقي منهم! ! ، ومنها: تنمية الرُّوح السَّلبية لدى المتلقِّي، خصوصًا الأطفال الذين يتقبَّلون جميع الأفكار دون نقدٍ، أو تفكير؛ ولهذا استغلتهم بعضُ المنظماتِ المجرمةِ عن طريق الألعاب الالكترونية، والاتصالِ المباشر بها، فحَصلَ ما حصلَ من حوادثَ يندى لها الجبين.

стр. 373

بل لو لم يحصلْ منها إلاّ التأثيرُ على حياةِ الأطفال الاجتماعيَّة، وعلاقاتِهم بالأسرة، حتى يَقِلُّ اكتسابهم للمعارفِ والخبراتِ من المُربين والأهل والأصدقاء، واللعب مع الأقران لكان كافياً. بل إنها أصبَحت وسيلةً لنشرِ خُصوصياتِ الأُسرِ وما يصاحبُ ذلك من التباهي والتفاخرِ بين الشبابِ والفتياتِ والنساءِ، وعرضِ ما يدورُ في داخلِ المنزل، حيث أنّ بعضَ هذه الوسائل تُستخدمُ لتصويرِ الشخصِ نفسَه ويومياتِه ونشرِها للأصدقاء، ولا يخفى خطرُ ذلك! ! وخصوصاً من جانبِ النساء والأطفالِ، لا سيما أنَّ هذه البيانات عرضةً للاختراق، والنشر ومن ثمّ الابتزاز. وإن سَلِم ناشرُها من ذلك فهو مُعَّرَّضٌ أيضاً لكسرِ قلوبِ الضعفاءِ، والفقراءِ الذين لا يجدونَ ما يجدُ، ولربما أصابتْهُ عينٌ هلكَ بسببها فالعين حق! ! أقول قولي هذا وأستغفر الله. الخطبة الثانية: الحمد لله: أَيُّهَا الأخوة: ولسائلٍ أنْ يسألَ: ومع هذا الأثرِ الخطرِ لوسائلِ التواصلِ كيف العملُ؟ أولاً: الالتجاءُ إلى اللهِ تعالى بالدعاءِ والذكرِ والورد بأن يصرفَ اللهُ جل وعلا عنّا بلاءَها، ويعطينَا خيرَهَا، ويكفينا شرَّها، فإنَّ الالتجاء إليه سبحانه من أعظمِ أسبابِ صرفِ الشرور، وكذا مزاحمةُ صرفِ الوقتِ فيها بالإكثارِ من العملِ الصالح وحثِّ أفرادِ الأسرةِ على ذلك، فإنَّ اللهَ تعالى بيّن لنا سببَ حفظِه لحقِّ الغلامين

стр. 374

بقولِه: ﴿وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا﴾ (١)، ومن أجّلَّ الأعمالِ الصالحة: الصدقةُ فإنها تدفع البلاء. ثانياً: تنميةُ الرقابةِ الذاتيةِ والخوفِ من اللهِ تعالى داخلَ النفسِ وفي الولدِ، فاللهُ سبحانه: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ (٢)، ومتى استحضر العبد أنَّ خالقَه يراه فإنّ ذلك كافٍ لردعِه عن فعل ما يشين! ، وإذا أحسَّ العبدُ بهوان ذلك في نفسه فليتذكرْ من قضى نحْبَه وهو على معصيةٍ فإنّ المرءَ يُبعث على ما مات عليه. ثالثاً: الحزمُ مع النفسِ، والولد، وضَبطُ الراعي لمن يعول، وتحديدُ أوقاتِ الدخول والخروج من تلك الوسائل قدر الاستطاعةِ، وعدم التساهل، واستمرار نصحهم وإرشادهم وتحذيرهم مع عدم تخوينهم، فكلُّ راعٍ مسؤولٌ عن رعيته. رابعاً: ملءُ أوقات الفراغ بما يفيد. خامساً: عند استخدام الأجهزة خاصة للأطفال يجب أن لا يكون ذلك في خلوة بل أمام الأسرة في مكان عام فإنّ هذا مما يخفف الارتباط بها كثيراً بإذن الله. سادساً: استشارةُ أهل الخبرة عندَ حصول أي طارئ -لا قدَّر الله- حتى لا يتفاقم الأثرُ ويعظُم.

стр. 375

عباد الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (١). * * *

стр. 376

كيف صبر شيخ الإسلام على الأذى؟ لكل من أوذي من الناس دعوة للتأمل ! ! الحمد لله ... جاء بعضُ المشايخ التدامرة إلى شيخ الإسلام ابنِ تيمية في محبسه في القاهرة في محنته الأولى (٧٠٥ - ٧٠٧ هـ) وقالوا له - محذّرين -: هم - أي الخصوم - عاملون على قتلك، أو نفيك، أو حبسك، فقال لهم: "أنا إن قُتِلت كانت لي شهادة، وإن نفوني كانت لي هجرة، ولو نفوني إلى قبرص لدعوت أهلها إلى الله وأجابوني، وإن حبسوني كان لي معبدًا، وأنا مثل الغنمة كيفما تقلَّبَت تقلبت على صوف" (١). وينقل تلميذه ابن القيّم عنه أنه قال له: "ما يصنع أعدائي بي؟ أنا جنَّتِي وبستاني في صدري، إن رحت فهي معي لا تفارِقُني، إن حبسي خلوة، وقتلي شهادة، وإخراجي من بلدي سياحة" (٢).

стр. 377

ابتلي وأوذي في سبيل إظهار الحق وبيانه، ونصيحة المسلمين، فصبر، فقد وُشي به لدى السلطان، واتهم بالباطل زورًا وبهتانًا، وسُجن بسبب ذلك مرارًا، ليُثنى عن منهجه، ويُحال بينه وبين الناس، ولكنه قابل ذلك كله بالصبر على قَدَر الله، والرضا بقضائه، والحِلْم على من آذاه، والعفو عنهم، ولا أدلّ على ذلك من رسالته التي بعثها من مصر إلى أهله وأنصاره في دمشق، يدعوهم فيها إلى تأليف القلوب وجمع الكلمة، وإصلاح ذات البين، ويحذرهم فيها من أذية من آذاه أو إهانتهم، يقول فيها: "تعلمون رضي الله عنكم، أني لا أحب أن يُؤذى أحدٌ من عموم المسلمين فضلاً عن أصحابنا بشيء أصلاً، بل لهم عندي من الكرامة والإجلال والمحبة والتعظيم، أضعاف أضعاف ما كان، كل بحسبه، ولا يخلو الرجل إما أن يكون مجتهدًا مصيبًا أو مخطئًا أو مذنبًا، فالأول مشكور، والثاني مع أجره على الاجتهاد فمعفو عنه، مغفور له، والثالث فالله يغفر لنا وله ولسائر المسلمين، فنطوي بساط الكلام لهذا الأصل، كقول القائل: فلان قصر، فلان ما عمل، فلان أوذي الشيخ بسببه، فلان كان سبب هذه القضية، فلان يتكلم في كيد فلان، ونحو هذه الكلامات التي فيها مذمة لبعض الأصحاب والإخوان، فإني لا أسامح من آذاهم من هذا الباب، ولا حول ولا قوة إلا بالله ... اتصف بسلامة النفس، والبراءة من التشفي والانتقام حتى ممن كاده، ذُكر أن الناصر بن قلاوون لما رجع إلى الحكم في مصر بعد خلعه، جلس معه، "وأخرج من جيبه فتاوى لبعض المشايخ من خصومه في قتله، واستفتاه في قتل بعضهم، قال: ففهمت مقصوده، وأن عنده حنقًا شديدًا عليهم لما خلعوه، وبايعوا الملك المظفر ركن الدين بيبرس الجاشنكير، فشرعتُ في مدحهم والثناء عليهم وشكرهم، وأن هؤلاء لو ذهبوا لم تجد مثلهم في دولتك، أما أنا فهم في حِلٍّ من حقي ومن جهتي، وسَكَّنْتُ

стр. 378

ما عنده عليهم، قال: فكان قاضي المالكية زين الدين بن مخلو فيقول بعد ذلك: ما رأينا أتقى من ابن تيمية، لم نُبق ممكنًا في السعي فيه، ولما قَدِرَ علينا عفا عنا" (١). فيا ترى كيف صبر شيخ الإسلام على هذا الأذى وخرج بهذه النفس الزكيّة الطيبة الطاهرة وهذا الانشراح المبهر، وهي دعوة لكل من أحس بأذى من غيره من المسلمين أن يطبق هذه القواعد، فممّا قال: يعِينُ العبدَ على هذا الصبر عدّةُ أشياءَ: أحدها: أن يشهدَ أن الله خالقُ أفعالِ العباد، حركاتهم وسكناتهم وإراداتهم، فما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، فلا يتحرك العالم في العلوي والسفلي ذرة إلا بإذنه ومشيئته، فالعباد آلة، فانظر إلى الذي سَلَّطَهم عليك، ولا تَنظُرْ إلى فِعلِهم بكَ، تَسْتَرِحْ من الهمّ والغَمِّ. الثاني: أن يَشْهَد ذنوبه، وأنّ الله إنما سلطهم عليه بذنبه، كما قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ (٢). فإذا شهد العبد أن جميع ما يناله من المكروه فسببه ذنوبه، اشتغلَ بالتوبة والاستغفار من الذنوب التي سلَّطهم عليه بسببها، عن ذَمِّهم ولَومِهم والوقيعةِ فيهم.

стр. 379

وإذا رأيت العبدَ يقع في الناس إذا آذوه، ولا يرجع إلى نفسه باللوم والاستغفار، فاعلم أن مصيبته مصيبة عظيمة حقيقة. قال علي بن أبي طالب ﵁: كلمة من جواهر الكلام: «لا يرجون عبد إلا ربه ولا يخافن عبد إلا ذنبه». وروي عنه وعن غيره: «ما نزلَ بلاءٌ إلاّ بذنبٍ، ولا رُفِع إلاّ بتوبة». الثالث: أن يشهد العبدُ حُسْنَ الثواب الذي وعده الله لمن عَفَا وصَبَر، كما قال الله تعالى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ (١). ولمّا كان الناسُ عند مقابلة الأذى ثلاثة أقسام: ظالم يأخذ فوق حقّه، ومقتصدٌ يأخذ بقدرِ حقِّه، ومحسنٌ يعفو ويترك حقَّه، ذَكَر الأقسامَ الثلاثة في هذه الآية، فأولها للمقتصدين، ووسطها للسابقين، وآخرها للظالمين. ويشهد نداءَ المنادي يوم القيامة: «ألا لِيَقُم مَن وَجَب أجرُه على الله»، فلا يَقُمْ إلاّ من عفا وأصلح، وإذا شهِدَ مع ذلك فوتَ الأجر بالانتقام والاستيفاء، سَهُلَ علمُه الصبر والعفو. الرابع: أن يشهد أنه إذا عَفا وأحسنَ أورثَه ذلك من سلامةِ القلب لإخوانه، ونَقائِه من الغِشّ والغِلّ وطلبِ الانتقام وإرادةِ الشرّ، وحصَلَ له من حلاوة العفو ما يزيد لذّتَه ومنفعتَه عاجلاً وآجلاً، على المنفعة الحاصلة له بالانتقام أضعافًا مضاعفةً،

стр. 380

ويدخل في قوله تعالى: ﴿والله يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ (١)، فيصير محبوبًا لله، ويصير حالُه حالَ من أُخِذَ منه درهمٌ فعُوضَ عليه ألوفًا من الدنانير، فحينئذٍ يَفرحُ بما منَّ الله عليه أعظمَ فرحًا يكون. الخامس: أن يعلم أنه ما انتقم أحد قَطُّ لنفسه إلاّ أورثَه ذلك ذُلاًّ يجده في نفسه، فإذا عَفا أعزَّه الله تعالى، وهذا مما أخبر به الصادق المصدوق حيث يقول: «مَا زَادَ اللهُ عَبْدًا بِعَفْوٍ، إِلَّا عِزًّا» (٢) فالعز الحاصل له بالعفو أحب إليه وأنفع له من العز الحاصل له بالانتقام، فإن هذا عزُّ في الظاهر، وهو يورث في الباطن ذلاً، والعفو ذلُّ في الباطن، وهو يورث العز باطناً وظاهراً. السادس: وهي من أعظم الفوائد: أن يَشهدَ أن الجزاء من جنس العمل، وأنه نفسه ظالمٌ مذنب، وأنّ من عَفا عن الناس عَفَا الله عنه، ومن غَفَر لهم غَفَر الله له. فإذا شَهِدَ أن عفوه عنهم وصفحَه وإحسانَه مع إساءتِهم إليه سببٌ لأن يجزيه الله كذلك من جنس عمله، فيعفو عنه ويصفح، ويُحسِن إليه على ذنوبه، ويَسْهُل عليه عفوُه وصبرُه، ويكفي العاقلَ هذه الفائدةُ. السابع: أن يَعلم أنه إذا اشتغلتْ نفسُه بالانتقام وطلب المقابلة ضاعَ عليه زمانُه، وتفرَّقَ عليه قلبُه، وفاتَه من مصالحِه مالا يُمَكِن استدراكُهُ، ولعلّ هذا أعظم

стр. 381

عليه من المصيبة التي نالتْه من جهتهم، فإذا عفا وصَفحَ فَرغَ قلبُه وجسمُه لمصالحه التي هي أهمُّ عنده من الانتقام. الثامن: أن يعلم أن رسول الله ﷺ ما انتقمَ لنفسِه قَطُّ، فإذا كان هذا خيرَ خلق الله وأكرمَهم على الله لم يَنتقِمْ لنفسِه، مع أن أَذَاه أَذَى الله، ويتعلّقُ به حقوق الدين، ونفسه أشرف الأنفُس فكيف يَنتقِمُ أحدنا لنفسِه التي هو أعلم بها وبما فيها من الشرور والعيوب. التاسع: إن أُوذِيَ على ما فعلَه لله، أو على ما أُمِرَ به من طاعتِه ونُهِي عنه من معصيتِه، وجبَ عليه الصبرُ، ولم يكن له الانتقام، فإنّه قد أوذِي في الله فأجرُه على الله. ولهذا لمّا كان المجاهدون في سبيل الله ذهبتْ دماؤهم وأموالُهم في الله لم تكن مضمونةً، فإن الله اشترى منهم أنفسهم وأموالهم، فالثمن على الله لا على الخلق ... العاشر: أن يشهد معية الله معه إذا صبر، ومحبة الله له إذا صبر ورضاه، ومن كان الله معه دفع عنه أنواع الأذى والمضرات ما لا يدفعه عنه أحد من خلقه، قال الله تعالى: ﴿وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ (١). أقول قولي هذا وأستغفر الله .. الخطبة الثانية: الحمد لله ..

стр. 382

أَيُّهَا الأخوة: العلماء هم ورثة الأنبياء، والعلماء إنما يقتدون بهم وبمنهجهم ﵈ .. فيوسف ﵇ قال لأخوته وقد أوذي وصبر حتى أظفره الله تعالى: ﴿قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ (١). ﴿قَالَ﴾ لهم يوسف ﵇، كرماً وجوداً: ﴿لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ فسمح لهم سماحاً تاماً، من غير تعيير لهم على ذكر الذنب السابق، ودعا لهم بالمغفرة والرحمة، وهذا نهاية الإحسان، الذي لا يتأتى إلا من خواص الخلق وخيار المصطفين (٢). ومحمد ﷺ وقف يوم فتح مكة، حينما دخلها منتصرًا، وجلس في المسجد والناس حوله والعيون شاخصة إليه ينتظرون ماذا سيفعل ﷺ بمن آذاه وحاربه وأخرجه من بلده، فيظهر تمثله بخلقه وشفقته وعدم انتصاره لنفسه؛ فيقول لهم ﷺ : «يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، مَا تُرَوْنَ أَنِّي فَاعِلٌ فِيكُمْ؟ قَالُوا: خَيْرًا، أَخٌ كَرِيمٌ، وَابْنُ أَخٍ كَرِيمٍ، قَالَ: اذْهَبُوا فَأَنْتُمْ الطُّلَقَاءُ» (٣).

стр. 383

أَيُّهَا الأحبة: وإذا كان هذا العفو الجميل من البشر فما ظنّكم برّب البشر .. اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عنا .. * * *

стр. 384

نماذج من سير العلماء والصالحين (١) بَقِيُّ بْنُ مَخْلَدِ الْحَمْدُ لِلَّهِ، نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا، وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولَهُ؛ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ (١). ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ (٢). ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ (٣).

стр. 385

أَمَّا بَعْدُ: فَإِنَّ أَصْدَقَ الْحَدِيثِ كَلَامُ اللَّهِ، وَخَيْرَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ ﷺ وَشَّرَّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَكُلَّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ. أَيُّهَا الأخوة: سِيَرُ العلماءِ والصالحينَ مدارسُ نَنْهَلُ من مَعِينَهَا الصَّافي العَذْبِ الزُلالِ طريقَ الحياة، وكيفيةَ عُمْرانِها بالصلاحِ والتقوى، وهي الدروبُ التي تدُّل على النجاحِ الدنيوي والأخروي، وما أجملَ طالبَ العلم حين يقرأُ ويحتذي حذوهم بالجدِ والتحصيلِ، وما أروعَ العابدَ حين يسمعُ ثمّ يُطَبِّقُ أفعالهَم، وقد قال الإمامُ أبو حنيفةَ: (الحكاياتُ عن العلماءِ ومحاسنِهم أحبُّ إليَّ من كثيرٍ من الفقه، لأنها آدابُ القوم) وشاهدُه من كتاب الله تعالى قوله سبحانه: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُوْلِي الأَلْبَابِ﴾ (١) (٢). ومن السيرِ المؤثرةِ والحوادثِ التاريخية الشخصيّة التي لاتُنسى، والتي لا بُدَّ وأن تترك أثراً عظيماً في نفس متأملها سيرةُ الْإِمَامِ، الْقُدْوَةِ، شَيْخِ الْإِسْلَامِ أَبي عَبْدِ الرَّحْمَنِ بَقِيِّ بْنُ مَخْلَدِ الْأَنْدَلُسِيّ الْقُرْطُبِيّ، الْحَافِظِ، صَاحِبِ " التَّفْسِيرِ " و" الْمُسْنَدِ " اللَّذَيْنِ لَا نَظِيرَ لَهُمَا. (٣) ما يقولُ الذهبي تعالى. وُلِدَ فِي حُدُودِ سَنَةِ مِائَتَيْنِ أَوْ قَبْلَهَا بِقَلِيلٍ، درَس وتفّقه وأخذ الحديثَ عن كبارِ علماءِ عصره، ومن شيوخه إمامُ أهل السنّة أحمدُ بنُ حنبل، وكان بَقِيُّ

стр. 386

إِمَامًا مُجْتَهِدًا صَالِحًا، رَبَّانِيًّا صَادِقًا مُخْلِصًا، رَأْسًا فِي الْعِلْمِ وَالْعَمَلِ، عَدِيمَ الْمِثْلِ، مُنْقَطِعَ الْقَرِينِ، يُفْتِي بِالْأَثَرِ، وَلَا يُقَلِّدُ أَحَدًا. وكان العلماءُ يَعْجَبون من كثرةِ حديثِه وعلمِه حتى قَالَ طَاهِرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْأَنْدَلُسِيُّ: حَمَلْتُ مَعِي جُزْءً مِنْ " مُسْنَدِ " بَقِيِّ بْنِ مَخْلَدٍ إِلَى الْمَشْرِقِ، فَأَرَيْتُهُ مُحَمَّدَ بْنَ إِسْمَاعِيلَ الصَّائِغَ، فَقَالَ: مَا اغْتَرَفَ هَذَا إِلَّا مِنْ بَحْرٍ. وَعَجِبَ مِنْ كَثْرَةِ عِلْمِهِ. وقَالَ الْإِمَامُ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ حَزْمٍ الظَّاهِرِيُّ: أَقْطَعُ أَنَّهُ لَمْ يُؤَلَّفْ فِي الْإِسْلَامِ مِثْلُ " تَفْسِيرِ " بَقِيٍّ، لَا " تَفْسِيرُ مُحَمَّدِ بْنِ جَرِيرٍ، وَلَا غَيْرُهُ. (١) وَكَانَ وَرِعًا فَاضِلًا زَاهِدًا ... ومن روائعِ قصةِ لقْيَاهُ بالإمامِ أحمدَ حينما كان شاباً، وسارَ من الأندلسِ إلى العراقِ على قدميه مانقلَه بَعْضُ الْعُلَمَاءِ عن حفيدِ بَقِيٍّ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَحْمَدَ: سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ: رَحَلَ أَبِي -يعني بقيّ- مِنْ مَكَّةَ إِلَى بَغْدَادَ، وَكَانَ رَجُلًا بُغْيَتُهُ مُلَاقَاةُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ. قَالَ: فَلَمَّا قَرُبْتُ بَلَغَتْنِي الْمِحْنَةُ، وَأَنَّهُ مَمْنُوعٌ، فَاغْتَمَمْتُ غَمًّا شَدِيدًا، فَاحْتَلَلْتُ بَغْدَادَ، وَاكْتَرَيْتُ بَيْتًا فِي فُنْدُقٍ، ثُمَّ أَتَيْتُ الْجَامِعَ وَأَنَا أُرِيدُ أَنْ أَجْلِسَ إِلَى النَّاسِ، فَدُفِعْتُ إِلَى حَلْقَةٍ نَبِيلَةٍ، فَإِذَا بِرَجُلٍ يَتَكَلَّمُ فِي الرِّجَالِ، فَقِيلَ لِي: هَذَا يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ. فَفُرِجَتْ لي فُرْجَةٌ، فَقُمْتُ إِلَيْهِ، فَقُلْتُ: يَا أَبَا زَكَرِيَّا: -رَحِمَكَ اللَّهُ- رَجُلٌ غَرِيبٌ نَاءٍ عَنْ وَطَنِهِ، يُحِبُّ السُّؤَالَ، فَلَا تَسْتَجْفِنِي، فَقَالَ: قُلْ. فَسَأَلْتُ عَنْ بَعْضِ مَنْ لَقِيتُهُ، فَبَعْضًا زَكَّى، وَبَعْضًا جَرَحَ، فَسَأَلْتُهُ عَنْ هِشَامِ بْنِ عَمَّارٍ، فَقَالَ

стр. 387

لِي: أَبُو الْوَلِيدِ، صَاحِبُ صَلَاةِ دِمَشْقَ، ثِقَةٌ، وَفَوْقَ الثِّقَةِ، لَوْ كَانَ تَحْتَ رِدَائِهِ كِبْرٌ، أَوْ مُتَقَلِّدًا كِبْرًا، مَا ضَرَّهُ شَيْئًا لِخَيْرِهِ وَفَضْلِهِ، فَصَاحَ أَصْحَابُ الْحَلْقَةِ: يَكْفِيكَ -رَحِمَكَ اللَّهُ- غَيْرُكَ لَهُ سُؤَالٌ. فَقُلْتُ -وَأَنَا وَاقِفٌ عَلَى قَدَمٍ: اكْشِفْ عَنْ رَجُلٍ وَاحِدٍ: أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، فَنَظَرَ إِلَيَّ كَالْمُتَعَجِّبِ، فَقَالَ لِي: وَمِثْلُنَا، نَحْنُ نَكْشِفُ عَنْ أَحْمَدَ؟ ! ذَاكَ إِمَامُ الْمُسْلِمِينَ، وَخَيْرُهُمْ وَفَاضِلُهُمْ، فَخَرَجْتُ أَسْتَدِلُّ عَلَى مَنْزِلِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، فَدُلِلْتُ عَلَيْهِ، فَقَرَعْتُ بَابَهُ، فَخَرَجَ إِلَيَّ. فَقُلْتُ: يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ: رَجُلٌ غَرِيبٌ، نَائِي الدَّارِ، هَذَا أَوَّلُ دُخُولِي هَذَا الْبَلَدَ، وَأَنَا طَالِبُ حَدِيثٍ وَمُقَيَّدُ سُنَّةٍ، وَلَمْ تَكُنْ رِحْلَتِي إِلَّا إِلَيْكَ، فَقَالَ: ادْخُلِ الْأُصْطُوَانَ وَلَا يَقَعْ عَلَيْكَ عَيْنٌ. فَدَخَلْتُ، فَقَالَ لِي: وَأَيْنَ مَوْضِعُكَ؟ قُلْتُ: الْمَغْرِبُ الْأَقْصَى. فَقَالَ: إِفْرِيقِيَّةُ؟ قُلْتُ: أَبْعَدُ مِنْ إِفْرِيقِيَّةَ، أَجُوزُ مِنْ بَلَدِي الْبَحْرَ إِلَى إِفْرِيقِيَّةَ، بَلَدِي الْأَنْدَلُسُ، قَالَ: إِنَّ مَوْضِعَكَ لَبَعِيدٌ، وَمَا كَانَ شَيْءٌ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أُحْسِنَ عَوْنَ مَثْلِكَ، غَيْرَ أَنِّي مُمْتَحَنٌ بِمَا لَعَلَّهُ قَدْ بَلَغَكَ. فَقُلْتُ: بَلَى، قَدْ بَلَغَنِي، وَهَذَا أَوَّلُ دُخُولِي، وَأَنَا مَجْهُولُ الْعَيْنِ عِنْدَكُمْ، فَإِنْ أَذِنْتَ لِي أَنْ آتِيَ كُلَّ يَوْمٍ فِي زِيِّ السُّؤَّالِ، فَأَقُولُ عِنْدَ الْبَابِ مَا يَقُولُهُ السُّؤَّالُ، فَتَخْرُجُ إِلَى هَذَا الْمَوْضِعِ، فَلَوْ لَمْ تُحَدِّثْنِي كُلَّ يَوْمٍ إِلَّا بِحَدِيثٍ وَاحِدٍ، لَكَانَ لِي فِيهِ كِفَايَةٌ. فَقَالَ لِي: نَعَمْ، عَلَى شَرْطِ أَنْ لَا تَظْهَرَ فِي الْخَلْقِ، وَلَا عِنْدَ الْمُحَدِّثِينَ. فَقُلْتُ: لَكَ شَرْطُكَ، فَكُنْتُ آخُذُ عَصًا بِيَدِي، وَأَلُفُّ رَأْسِي بِخِرْقَةٍ مُدَنَّسَةٍ، وَآتِي بَابَهُ فَأَصِيحُ: الْأَجْرَ -رَحِمَكَ اللَّهُ- وَالسُّؤَّالُ هُنَاكَ كَذَلِكَ، فَيَخْرُجُ إِلَيَّ، وَيُغْلِقُ، وَيُحَدِّثُنِي بِالْحَدِيثِينَ وَالثَّلَاثَةِ وَالْأَكْثَرِ، فَالْتَزَمْتُ ذَلِكَ حَتَّى مَاتَ الْمُمْتَحِنُ لَهُ، وَوَلِيَ

стр. 388

بَعْدَهُ مَنْ كَانَ عَلَى مَذْهَبِ السُّنَّةِ، فَظَهَرَ أَحْمَدُ، وَعَلَتْ إِمَامَتُهُ، وَكَانَتْ تُضْرَبُ إِلَيْهِ آبَاطُ الْإِبِلِ، فَكَانَ يَعْرِفُ لِي حَقَّ صَبْرِي، فَكُنْتُ إِذَا أَتَيْتُ حَلْقَتَهُ فَسَحَ لِي، وَيَقُصُّ عَلَى أَصْحَابِ الْحَدِيثِ قِصَّتِي مَعَهُ، فَكَانَ يُنَاوِلُنِي الْحَدِيثَ مُنَاوَلَةً وَيَقْرَؤُهُ عَلَيَّ وَأَقْرَؤُهُ عَلَيْهِ (١). ومن عجيبِ تَقواه ما قَالَه عنه الإمامُ الذهبيُّ: قَدْ ظَهَرَتْ لَهُ إِجَابَاتُ الدَّعْوَةِ فِي غَيْرِ مَا شَيْءٍ. قال: وَذَكَرَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَحْمَدَ، عَنْ أَبِيهِ: أَنَّ امْرَأَةً جَاءَتْ إِلَى بَقِيٍّ، فَقَالَتْ: إِنَّ ابْنِي فِي الْأَسْرِ، وَلَا حِيلَةَ لِي، فَلَوْ أَشَرْتَ إِلَى مَنْ يَفْدِيهِ، فَإِنَّنِي وَالِهَةٌ. قَالَ: نَعَمْ، انْصَرِفِي حَتَّى أَنْظُرَ فِي أَمْرِهِ. ثُمَّ أَطْرَقَ، وَحَرَّكَ شَفَتَيْهِ، ثُمَّ بَعْدَ مُدَّةٍ جَاءَتِ الْمَرْأَةُ بِابْنِهَا، فَقَالَ: كُنْتُ فِي يَدِ مَلِكٍ، فَبَيْنًا أَنَا فِي الْعَمَلِ، سَقَطَ قَيْدِي، قَالَ: فَذَكَرَ الْيَوْمَ وَالسَّاعَةَ، فَوَافَقَ وَقْتَ دُعَاءِ الشَّيْخِ. قَالَ: فَصَاحَ عَلَى الْمَرْسَمِ بِنَا، ثُمَّ نَظَرَ وَتَحَيَّرَ، ثُمَّ أَحْضَرَ الْحَدَّادَ وَقَيَّدَنِي، فَلَمَّا فَرَّغَهُ وَمَشَيْتُ سَقَطَ الْقَيْدُ، فَبُهِتُوا، وَدَعَوْا رُهْبَانَهُمْ، فَقَالُوا: أَلَكَ وَالِدَةٌ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، قَالُوا: وَافَقَ دُعَاءَهَا الْإِجَابَةُ إلى أن قال: ثُمَّ قَالُوا: قَدْ أَطْلَقَكَ اللَّهُ، فَلَا يُمْكِنُنَا أَنْ نُقَيِّدَكَ. فَزَوَّدُونِي، وَبَعَثُوا بِي .. وقد ابتلي عندَ السلطانِ في وقتِه، قَالَ أَبُو الْوَلِيدِ بْنُ الْفَرَضِيِّ فِي " تَارِيخِهِ ": مَلَأَ بَقِيُّ بْنُ مَخْلَدٍ الْأَنْدَلُسَ حَدِيثًا، فَأَنْكَرَ عَلَيْهِ أَصْحَابُهُ الْأَنْدَلُسِيُّونَ: أَحْمَدُ بْنُ خَالِدٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَارِثِ، وَأَبُو زَيْدٍ، مَا أَدْخَلَهُ مِنْ كُتُبِ الِاخْتِلَافِ، وَغَرَائِبِ الْحَدِيثِ، فَأَغْرَوْا بِهِ السُّلْطَانَ وَأَخَافُوهُ بِهِ، ثُمَّ إِنَّ اللَّهَ أَظْهَرَهُ عَلَيْهِمْ، وَعَصَمَهُ مِنْهُمْ،

стр. 389

فَنَشَرَ حَدِيثَهُ وَقَرَأَ لِلنَّاسِ رِوَايَتَهُ، ثُمَّ تَلَاهُ ابْنُ وَضَّاحٍ، فَصَارَتِ، الْأَنْدَلُسُ دَارَ حَدِيثٍ وَإِسْنَادٍ (١). وَقَالَ أَبُو عَبْدِ الْمَلِكِ الْمَذْكُورُ فِي " تَارِيخِهِ ": كَانَ بَقِيٌّ طُوَالًا أَقْنَى (٢) ذَا لِحْيَةٍ مُضَبَّرًا (٣) قَوِيًّا جَلْدًا عَلَى الْمَشْيِ، لَمْ يُرِ رَاكِبًا دَابَّةً قَطُّ، وَكَانَ مُلَازِمًا لِحُضُورِ الْجَنَائِزِ، مُتَوَاضِعًا، وَكَانَ يَقُولُ إِنِّي لَأَعْرِفُ رَجُلًا، كَانَ تَمْضِي عَلَيْهِ الْأَيَّامُ فِي وَقْتِ طَلَبِهِ الْعِلْمَ، لَيْسَ لَهُ عَيْشٌ إِلَّا وَرَقُ الْكُرُنْبِ الَّذِي يُرْمَى، وَسَمِعْتُ مِنْ كُلِّ مَنْ سَمِعْتُ مِنْهُ فِي الْبُلْدَانِ مَاشِيًا إِلَيْهِمْ عَلَى قَدَمِي (٤). قَالَ ابْنُ لُبَابَةَ الْحَافِظُ: كَانَ بَقِيٌّ مِنْ عُقَلَاءِ النَّاسِ وَأَفَاضِلِهِمْ، وَكَانَ أَسْلَمُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ يُقَدِّمُهُ عَلَى جَمِيعِ مَنْ لَقِيَهُ بِالْمَشْرِقِ، وَيَصِفُ زُهْدَهُ، وَيَقُولُ: رُبَّمَا كُنْتُ أَمْشِي مَعَهُ فِي أَزِقَّةِ قُرْطُبَةَ، فَإِذَا نَظَرَ فِي مَوْضِعٍ خَالٍ إِلَى ضَعِيفٍ مُحْتَاجٍ أَعْطَاهُ أَحَدَ ثَوْبَيْهِ. وكان برنامجه اليومي حَسْبَ روايةِ حفيدِه عبدَالرحمن ﵏ يُقسِّم أَيَّامَهُ عَلَى أَعْمَالِ الْبِرِّ: فَكَانَ إِذَا صَلَّى الصُّبْحَ قَرَأَ حِزْبَهُ مِنَ الْقُرْآنِ فِي الْمُصْحَفِ، سُدُسَ الْقُرْآنِ، وَكَانَ أَيْضًا يَخْتِمُ الْقُرْآنَ فِي الصَّلَاةِ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، وَيَخْرُجُ كُلَّ لَيْلَةٍ فِي الثُّلُثِ الْأَخِيرِ إِلَى مَسْجِدِهِ، فَيَخْتِمُ قُرْبَ انْصِدَاعِ الْفَجْرِ.

стр. 390

وَكَانَ يُصَلِّي بَعْدَ حِزْبِهِ مِنَ الْمُصْحَفِ صَلَاةً طَوِيلَةً جِدًّا، ثُمَّ يَنْقَلِبُ إِلَى دَارِهِ -وَقَدِ اجْتَمَعَ فِي مَسْجِدِهِ الطَّلَبَةُ- فَيُجَدِّدُ الْوُضُوءَ، وَيَخْرُجُ إِلَيْهِمْ، فَإِذَا انْقَضَتِ الدُّوَلُ، صَارَ إِلَى صَوْمَعَةِ الْمَسْجِدِ، فَيُصَلِّي إِلَى الظُّهْرِ، ثُمَّ يَكُونُ هُوَ الْمُبْتَدِئَ بِالْأَذَانِ، ثُمَّ يَهْبِطُ ثُمَّ يَسْمَعُ إِلَى الْعَصْرِ، وَيُصَلِّي وَيَسْمَعُ، وَرُبَّمَا خَرَجَ فِي بَقِيَّةِ النَّهَارِ، فَيَقْعُدُ بَيْنَ الْقُبُورِ يَبْكِي وَيَعْتَبِرُ. فَإِذَا غَرَبَتِ الشَّمْسُ أَتَى مَسْجِدَهُ، ثُمَّ يُصَلِّي، وَيَرْجِعُ إِلَى بَيْتِهِ فَيُفْطِرُ، وَكَانَ يَسْرُدُ الصَّوْمَ إِلَّا يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَيَخْرُجُ إِلَى الْمَسْجِدِ، فَيَخْرُجُ إِلَيْهِ جِيرَانُهُ، فَيَتَكَلَّمُ مَعَهُمْ فِي دِينِهِمْ وَدُنْيَاهُمْ، ثُمَّ يُصَلِّي الْعِشَاءَ، وَيَدْخُلُ بَيْتَهُ، فَيُحَدِّثُ أَهْلَهُ، ثُمَّ يَنَامُ نَوْمَةً قَدْ أَخَذَتْهَا نَفْسُهُ، ثُمَّ يَقُومُ. هَذَا دَأْبُهُ إِلَى أَنْ تُوُفِّيَ. وَكَانَ جَلْدًا، قَوِيًّا عَلَى الْمَشْيِ، قَدْ مَشَى مَعَ ضَعِيفٍ فِي مَظْلَمَةٍ إِلَى إِشْبِيلِيَّةَ، وَمَشَى مَعَ آخَرَ إِلَى إِلْبِيرَةَ، وَمَعَ امْرَأَةٍ ضَعِيفَةٍ إِلَى جَيَّانَ (١). تُوُفِّيَ لِلَيْلَتَيْنِ بَقِيَتَا مِنْ جُمَادَى الْآخِرَةِ، سَنَةَ سِتٍّ وَسَبْعِينَ وَمِائَتَيْنِ. رحمةً واسعة. أقول قولي هذا وأستغفر الله. الخطبة الثانية: الحمد لله ..
следующие страницы →