أَيُّهَا الأخوة: تلك هي قُطُوفٌ وشذرات من سيرةِ هذا العالمِ العابدِ الجليلِ، والتي تجعلُ المرءُ يَخْجلُ من نفسهِ حينَ يُقارِنُ سيرتَه بتقصيرِه، ويَعْجَبُ من تخليدِ الله تعالى لها فها نحن نتذاكرُها بعد ألفٍ ومائتي عامٍ تقريباً، ومِنْ ألْمَعِ العِبَرِ فيها: تلك السنّةُ الكونيةُ والحكمةُ الربانيّة في تقلب أحوال الناسِ والزمانِ مِنْ رفْعٍ وخَفْضٍ وعزٍ وذلْ ﴿وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ (١)، لكن العاقبةَ في النهاية للمتقين.
وكذلكَ من المواعظِ الناطقةِ من سيرته الصبرُ على الطلب، ومع أنهم ﵏ يقطعون الفيافيَ والمسافاتِ الطويلةَ مشياً على الأقدامِ مع قلةِ المؤونةِ وشظف العيشِ إلاّ أنهم يتلذذونَ في التحصيلِ والتحلّقِ على العلماء والمزاحمةِ بالرُّكَبِ، وهنا درسٌ عظيمٌ جداً أنّ العبادةَ والانقطاعَ لله تعالى سبيلٌ من سبلِ النجاة وقتَ الفتن، قال ﷺ : «العبادةُ في الهرْجِ كهجرة إليّ» رواه مسلم (٢).
وكذلكَ من العبرِ والفوائدِ أنّ علمَهم وتعلمَهم لم يُنْسهم قضاءَ حوائجِ الناسِ بل والسفرِ معهم على الأقدامِ لقضائها، وكذلك من الدروس صفاءُ قلوبِهم ونقاءُ نفوسهم، والطاعة بالمعروف لولاة المسلمين .. وغيرُ ذلك كثير.
فاللهم اغفر لهم وارحمهم واجمعنا بهم في جناتك، واجعلنا ممن سار على نهجهم مقتفينَ سيرةَ أفضل الخلقِ ﷺ .
* * *
стр. 392
نماذج من سير الصالحين (٢)
أسماء بنت أبي بكر ﵂ -
إنَّ الحمد لله ..
أَيُّهَا الأخوة: ولا زال الحديث عن السِيَرِ أخّاّذاً، يستضيء المسلمُ بنورها في حياته وأحداثه، وتخفف عليه الحمل الثقيل في نوائب الدهور، وسير الصالحات ومجدهُن ليست بأنقصَ من سير الصالحين، فكيف إن كنّ صحابيات جليلات؟ ! ، بل كيف إن كنّ من المهاجرات؟ ! ، بل ومن السابقين والسابقات للإسلام، وحديثنا اليوم عن امرأة - وأيُّ امرأة؟ ! - جمعت المجد والعز من أطرافه كلها، علمٌ وورعٌ وزهدٌ وسخاء نفس وعبادةٌ وبر والد وطاعة زوج وإحسان وجهاد، وتذلل لله وانكسار، وتفيض منها حكمة وشجاعة وصبر جميل وحياءٌ وعفه وتمسك بالحجاب، وطول عمر وحسن عمل وخاتمة طيبة، دروس في سيرتها لا تدري معها من أين تبدأ ولا كيف تبدأ؟
فأبوها صحابيٌّ، وجدُّها صحابيٌّ، وأختها صحابيَّةٌ، وزوجها صحابيٌّ، وابنها صحابيٌّ .. وحسبُها بذلك شرفًا وفخرًا، إنها ذات النطاقين: أسماءُ بنت أبي بكر عبد الله بن أبي قحافة عثمان ﵃ أجمعين أم عبد الله القرشية، التيمية، المكية، ثم المدنية.
أمَّا أبوها فالصِّدِّيق خليل الرَّسول الكريم ﷺ في حياته، وخليفته من بعد مماته، وأما جدُّها فأبو عتيقٍ والد أبي بكرٍ، وأمَّا أختها فأمُّ المؤمنين عائشة الطَّاهرة
стр. 393
المبرَّأة، وأمَّا زوجها فحواريُّ رسول الله ﷺ الزُّبير بن العوَّام، وأمَّا ابنها فالخليفة عبد الله بن الزُّبير ﵁ وعنهم أجمعين ...
كانَتْ أَسَنَّ مِنْ إمّنا عَائِشَةَ ﵄ بِبِضْعَ عَشْرَةَ سَنَةً، وهي من السابقات للإسلام كانت هي السابعة عشر في الإسلام، وحين اشتد أذى المشركين لرسول الله ﷺ وأذن الله تعالى له بالهجرة، كانت ممن نصر رسول الله ﷺ مع أبيها ﵄ فلقِّبت بذات النِّطاقين لأنَّها صنعت للرَّسول صلوات الله عليه ولأبيها يوم هاجرا إلى المدينة زادًا، وأعدت لهما سقاءً، فلمَّا لم تجد ما تربطهما به شقَّت نطاقها شقَّين، فربطت بأحدهما المزود وبالثَّاني السِّقاء، فدعا لها النَّبيُّ ﵊ أن يبدلها الله منهما نطاقين في الجنَّة، فلقبت لذلك بذات النِّطاقين، ولقد آذاها المشركون فصبرت وتحملت، قَالَتْ ﵂: أَتَى أَبُو جَهْلٍ فِي نَفَرٍ فَخَرَجتُ إِلَيْهِمْ فَقَالُوا: أَيْنَ أَبُوْكِ؟ قُلْتُ: لا أَدْرِي وَاللهِ أَيْنَ هُوَ؟ فَرَفَعَ أَبُو جَهْلٍ يَدَهُ وَلَطَمَ خَدِّي لَطْمَةً خَرَّ مِنْهَا قُرْطِي، ثُمَّ انْصرفُوا، فَمَضَتْ ثَلاثٌ لا نَدْرِي أَيْنَ تَوَجَّهَ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ إِذْ أَقْبَلَ رَجُلٌ مِنَ الجِنِّ يَسْمَعُوْنَ صَوْتَهُ بِأَعْلَى مَكَّةَ يَقُوْلُ:
جَزَى اللهُ رَبُّ النَّاسِ خَيْرَ جَزَائِهِ ... رَفِيْقَيْنِ قَالا خَيْمَتَيْ أُمِّ مَعَبْدِ.
قَالَ ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ: كَانَتْ أَسْمَاءُ تَصْدَعُ فَتَضَعُ يَدَهَا عَلَى رَأْسِهَا وَتَقُوْلُ: بِذَنْبِي وَمَا يَغْفِرُهُ اللهُ أَكْثَرُ.
يا الله هكذا يكون حال المؤمن الصابر تذلل وانكسار واستغفار، تزوج بها الزُّبير بن العوام، وكان شابًا فقيراً ليس له خادمٌ ينهض بخدمته، أو مالٌ يوسِّع به على عياله غير فرس اقتناها.
стр. 394
فكانت له نعم الزَّوجة الصالحة، تخدمه وتسوس فرسه وترعاه وتطحن النَّوى لعلفه، حتَّى فتح الله عليه فغدا من أغنى أغنياء الصحابة ﵃ .
ولما أتيح لها أن تهاجر إلى المدينة فرارًا بدينها إلى الله ورسوله، كانت قد أتمَّت حملها بابنها عبد الله بن الزُّبير فلم يمنعها ذلك من تحمل مشاقِّ الرِّحلة الطَّويلة، فما إن بلغت «قُباء» حتَّى وضعت وليدها، فكبَّر المسلمون وهلَّلوا، لأنه كان أوَّل مولود يولد للمهاجرين في المدينة.
فحملته إلى رسول الله ﷺ ووضعته في حجره، فأخذ شيئًا من ريقه وجعله في فم الصَّبيِّ، ثمَّ حنَّكه ودعا له، فكان أوَّل ما دخل في جوفه ريق رسول الله ﷺ وهكذا حال المرأة الصالحة تهتم بزوجها ونشأة أبنائها، لأنه جنتها ونارها، ولأنهم عمادها وبقاء أثرها بعد موتها، لا كما يروجه الجهلة أو المغرضين لنساء المسلمين من الدعوات المفسدة للعلاقات الزوجية كمن يقول: اهتمي بنفسك ولن ينفعك زوج ولا ولد، المرأة - أَيُّهَا الأخوة - حين تطيع زوجها وتهتم بنشأة أبنائها فهذا من طاعة الله عز وجبل وهو سر نجاح الحياة.
ومن برِّها وإحسانها لوالديها أنها قالت ﵂ ذات مرَّة: لَمَّا تَوَجَّهَ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ مَكَّةَ حَمَلَ أَبُو بَكْرٍ مَعَهُ جَمِيْعَ مَالِهِ خَمْسَةَ آلافٍ أَوْ سِتَّةَ آلافٍ فَأَتَانِي جَدِّي أَبُو قُحَافَةَ وَقَدْ عَمِيَ فَقَالَ: إِنَّ هَذَا قَدْ فَجَعَكُمْ بِمَالِهِ وَنَفْسِهِ. قالت فَقُلْتُ: كَلاَّ قَدْ تَرَكَ لَنَا خَيْراً كَثِيْراً.
قالت: فَعَمَدْتُ إِلَى أَحْجَارٍ فَجَعَلْتُهُنَّ فِي كُوَّةِ البَيْتِ وَغَطَّيْتُ عَلَيْهَا بِثَوْبٍ ثُمَّ أَخَذْتُ بِيَدِهِ وَوَضَعْتُهَا عَلَى الثَّوْبِ فَقُلْتُ: هَذَا تَرَكَهُ لَنَا فَقَالَ: أَمَا إِذْ تَرَكَ لَكُم هَذَا
стр. 395
فَنَعَمْ، تريد ﵂ أن تسكن نفس الشيخ، وهذا يعطينا درساً أنّه من البر للوالد أن ينتقي الابن الأقوال ويفعل الأمور التي يراعي فيها خاطره ومشاعره.
ومن برِّها أيضاً ﵂ ما جاء عن ابْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِي أَسْمَاءَ وَكَانَتْ أُمُّهَا يُقَالُ لَهَا: قُتَيْلَةُ جَاءتْهَا بِهَدَايَا فَلَمْ تَقْبَلْهَا حَتَّى سَأَلَتِ النَّبِيَّ ﷺ فَنَزَلَتْ: ﴿لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ﴾ (١)
وَفِي الصَّحِيْحِ: قَالَتْ أَسْمَاءُ: يَا رَسُوْلَ اللهِ إِنَّ أُمِي قَدِمَتْ وَهِيَ رَاغِبَةٌ يعني مشركة- أَفَأَصِلُهَا؟ قَالَ: «نَعَمْ، صِلِي أُمَّكِ» (٢).
وهذا مع البر والزهد والتأكد من الحلال والحرام، فإنّ فيه درساً تربوياً أيضاً وهو ما نصت عليه الآية: ﴿لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ﴾ (٣).
ثم تعال أحدثك - أيها الأخ المبارك - عن حيائها وعفتها وطهرها، فقد روَى عُرْوَةُ عَنْهَا قَالَتْ: تَزَوَّجَنِي الزُّبَيْرُ وَمَا لَهُ شَيْءٌ غَيْرُ فرسه فكنت أسوسه وأعلفه وأدق لناضجه النوى وأستقي وأعجن وكنت أنقل النوى من أرض الزبير الَّتِي أَقْطَعَهُ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ عَلَى رَأْسِي وَهِيَ عَلَى ثُلُثَيْ فَرْسَخٍ فَجِئْتُ يَوْماً وَالنَّوَى عَلَى رَأْسِي فَلَقِيْتُ رَسُوْلَ اللهِ ﷺ وَمَعَهُ نَفَرٌ فَدَعَانِي فَقَالَ: «إِخّ إِخّ» لِيَحْمِلَنِي فَاسْتَحْيَيْتُ وَذَكَرْتُ الزُّبَيْرَ وَغَيْرَتَهُ. قَالَتْ: فَمَضَى.
стр. 396
فَلَمَّا أَتَيْتُ أَخْبَرْتُ الزُّبَيْرَ فَقَالَ: وَاللهِ لَحَمْلُكِ النَّوَى كَانَ أَشَدَّ عَلَيَّ مِنْ رُكُوْبِكِ مَعَهُ قَالَتْ: حَتَّى أَرْسَلَ إِلَيَّ أَبُو بَكْرٍ بَعْدُ بِخَادِمٍ فَكَفَتْنِي سِيَاسَةَ الفَرَسِ فَكَأَنَّمَا أَعْتَقَنِي.
ومع درس الحياء والعفة درس تربوي آخر للآباء في مراعاة بناتهم حتى بعد الزواج، مثل ما فعل أبوبكر ﵁ مع ابنته.
ولقد كانت ﵂ مفتية عالمة ومعبّرة للرؤى، روي عَنْ مُسْلِمٍ القُرِّيِّ قَالَ: "دَخَلْنَا عَلَى أُمِّ ابْنِ الزُّبَيْرِ فَإِذَا هِيَ امْرَأَةٌ ضَخْمَةٌ عَمْيَاءُ نَسْأَلُهَا، عَنْ مُتْعَةِ الحَجِّ. فَقَالَتْ: قَدْ رَخَّصَ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ فِيْهَا" (١)، وقَالَ الوَاقِدِيُّ: كَانَ سَعِيْدُ بنُ المُسَيِّبِ مِنْ أَعْبَرِ النَّاسِ لِلْرُّؤْيَا أَخَذَ ذَلِكَ، عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ وَأَخَذَتْ، عَنْ أَبِيْهَا.
وأمّا جودها وسخاؤها فحدث ولا حرج، قال ابْنَ الزُّبَيْرِ: مَا رَأَيْتُ امْرَأَةً قَطُّ أَجْوَدَ مِنْ عَائِشَةَ وَأَسْمَاءَ وَجُوْدُهُمَا مُخْتَلِفٌ: أَمَّا عَائِشَةُ فَكَانَتْ تَجْمَعُ الشَّيْءَ إِلَى الشَّيْءِ حَتَّى إِذَا اجْتَمَعَ عِنْدَهَا وَضَعَتْهُ مَوَاضِعَهَ، وَأَمَّا أَسْمَاءُ فَكَانَتْ لا تَدَّخِرُ شَيْئاً لِغَدٍ، وقَالَ مُحَمَّدُ بنُ المُنْكَدِرِ: كَانَتْ أَسْمَاءُ بِنْتُ أَبِي بَكْرٍ سَخِيَّةَ النَّفْسِ.
وكَانَتْ ﵂ تَمْرَضُ المَرْضَةَ فَتَعْتِقُ كُلَّ مَمْلُوْكٍ لَهَا. فهي موقنةٌ أن الصدقة والسخاء بطيب نفس يدفع البلاء.
ومن شجاعتها جهادها في سبيل الله: فقد شهدت معركة اليرموك مع ابنها وزوجها ﵃ التي كانت وقعت عام ١٥ هـ، بعد وفاة النبي ﷺ بأربع سنوات، بين
стр. 397
المسلمين والروم (الإمبراطورية البيزنطية)، ويعتبرها بعض المؤرخين من أهم المعارك في تاريخ العالم لأنها كانت بداية أول موجة انتصارات للمسلمين خارج جزيرة العرب، وآذنت لتقدم الإسلام السريع في بلاد الشام.
ومن شجاعتها ﵂: ما قاله هشام بنُ عُرْوَةَ: كَثُرَ اللُّصُوْصُ بِالمَدِيْنَةِ فَاتَّخَذَتْ أَسْمَاءُ خِنْجَراً زَمَنَ سَعِيْدِ بنِ العَاصِ: كَانَتْ تَجْعَلُهُ تَحْتَ رَأْسِهَا.
ومن الأمور المهمة في سيرتها التي تحتاج إلى وقفة: حكمتها ورجاحة عقلها وعزَّتُها: فقد قالت لابنها عبد الله عندما حاصره الحجاج وانفض القوم عنه: يَا بُنَيَّ عِشْ كَرِيْماً وَمُتْ كَرِيْماً لا يَأْخُذْكَ القَوْمُ أَسِيْراً.
قَالَ عُرْوَةُ: دَخَلْتُ أَنَا وَأَخِي - قَبْلَ أَنْ يُقْتَلَ بِعَشْرِ لَيَالٍ - عَلَى أُمِّنَا وَهِيَ وَجِعَةٌ فَقَالَ عَبْدُ اللهِ: كَيْفَ تَجِدِيْنَكِ؟ قَالَتْ: وَجِعَةٌ، قَالَ: إِنَّ فِي المَوْتِ لَعَافِيَةً، قَالَتْ: لَعَلَّكَ تَشْتَهِي مَوْتِي فَلا تَفْعَلْ وَضَحِكَتْ، وَقَالَتْ: وَاللهِ مَا أَشْتَهِي أَنْ أَمُوْتَ حَتَّى تَأْتِيَ عَلَى أَحَدِ طَرَفَيْكَ: إِمَّا أَنْ تُقْتَلَ فَأَحْتَسِبُكَ، وَإِمَّا أَنْ تَظْفَرَ فَتَقَرَّ عَيْنِي، إِيَّاكَ أَنْ تُعْرَضَ عَلَى خُطَّةٍ فَلا تُوَافِقَ فَتَقْبَلُهَا كَرَاهِيَةَ المَوْتِ، قَالَ: وَإِنَّمَا عَنَى أَخِي أَنْ يُقْتَلَ فَيَحْزُنُهَا ذَلِكَ.
قال ابن الأثير: وخبرها مع ابنها لما استشارها في قبول الأمان لما حصره الحجاج، يدل على عقل كبير، ودين متين، وقلب صبور قوي على احتمال الشدائد.
وَكَانَ عمرها في ذلك الوقت حوالي مائة سنة.
وقيل: لَمَّا قَتَلَ الحَجَّاجُ ابْنَها عبدالله بن الزُّبَيْرِ دَخَلَ عليها وَقَالَ لَهَا: يَا أُمَّه إِنَّ أَمِيْرَ المُؤْمِنِيْنَ وَصَّانِي بِكِ فَهَلْ لَكِ مِنْ حَاجَةٍ؟ قَالَتْ: لَسْتُ لَكَ بِأُمٍّ وَلَكِنِّي أُمُّ المَصْلُوْبِ عَلَى رَأْسِ الثَّنِيَّةِ، وَمَا لِي مِنْ حَاجَةٍ وَلَكِنْ أُحَدِّثُكَ: سَمِعْتُ رَسُوْلَ اللهِ ﷺ -
стр. 398
يقول: «يخرج في ثقيف كَذَّابٌ وَمُبِيْرٌ». فَأَمَّا الكَذَّابُ فَقَدْ رَأَيْنَاهُ -تَعْنِي المختار- وأما المبير فأنت (١).
﵂ وعن جميع صحابة رسول الله ﷺ ولعن الله من لعنهم وآذاهم، أقول قولي هذا وأستغفر الله.
الخطبة الثانية:
الحمد لله:
أَيُّهَا الأخوة: رضي الله عن أسماء بنت أبي بكر، بدأت حياتها بشجاعة وصبر وثبات عندما كانت في مكة، وختمت حياتها في شجاعة وصبر وثبات في مكة أيضاً، فقد دخل ابن عمر المسجد الحرام وَذَلِكَ حِيْنَ صُلِبَ ابنها عبدالله بنُ الزُّبَيْرِ ﵃ فقيل له: إِنَّ أَسْمَاءَ فِي نَاحِيَةِ المِسْجِدِ فَمَالَ إِلَيْهَا فَقَالَ مواسيًا: إنَّ هَذِهِ الجُثَثَ لَيْسَتْ بِشَيْءٍ وَإِنَّمَا الأَرْوَاحُ عِنْدَ اللهِ فَاتَّقِي الله واصبري، فَقَالَتْ: وَمَا يَمْنَعُنِي وَقَدْ أُهْدِيَ رَأْسُ يَحْيَى بن زَكَرِيَّا إِلَى بَغِيٍّ مِنْ بَغَايَا بَنِي إِسْرَائِيْلَ.
وكانت ﵂ مستجابةَ الدعوة، فعن ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى أَسْمَاءَ بَعْدَ مَا أُصِيْبَ ابْنُ الزُّبَيْرِ، فَقَالَتْ: بَلَغَنِي أَنَّ هَذَا صَلَبَ عَبْدَ اللهِ اللَّهُمَّ لا تُمِتْنِي حَتَّى أُوتَى بِهِ فَأُحَنِّطَهُ وَأُكَفِّنَهُ، فَأُتِيَتْ بِهِ بَعْدُ فَجَعَلَتْ تُحَنِّطُهُ بِيَدِهَا وَتُكَفِّنُهُ بَعْدَ مَا ذَهَبَ بَصَرُهَا.
стр. 399
قَالَ ابْنُ سَعْدٍ: مَاتَتْ بَعْدَ ابْنِهَا بِلَيَالٍ، وَكَانَ قَتْلُهُ لِسَبْعَ عَشْرَةَ خَلَتْ مِنْ جُمَادَى الأُوْلَى سَنَةَ ثَلاثٍ وَسَبْعِيْنَ، وكَانَتْ خَاتِمَةُ المُهَاجِرِيْنَ وَالمُهَاجِرَاتِ (١).
فاللهم إنّا حُرِمنا صحبةَ نبيك ﷺ وأصحابه في الدنيا، فلا تحرمنا منها في الآخرة في جناتك جنات النعيم نحن ووالدينا والمسلمين.
* * *
стр. 400
نماذج من سير العلماء والصالحين (٣)
الإمام النووي
الحمد لله:
أيها الأخ المبارك: كلما ضعفت الهمّة، وتواردت أفكار الإحباط، وتصادمت الأوقات بين الفراغ والأولويات، ويئست القلوب، فتش في كتب تراجم أعلام الإسلام، فإن سِيَرهم والله رفعة وأي رفعة؟ ! ، إنها مدارس وأي مدارس؟ ! .. يكفيك والله فخراً أنّك تنتمي لأمةٍ عجز كُتَّاب التاريخ عن إعطاء أعلامها أصدق أوصافهم من كثرتهم وبهائهم وسمّوهم، فلا أمة غيرَ أمةِ الإسلام تمتلك أمثال أولئك الرجال، بل إنّ التاريخ يتحدى أن يشُّك الإنسان في ذلك، ومعنا اليوم علمٌ من أولئك الأعلام النبلاء الذين سطّر التاريخ شيئاً من حياتهم بمداد من ذهب قبل حوالي ثمانية قرون، علمٌ عالمٌ بالحديثِ والفقه والتفسير، والعِبادة والزهد والوَرَع، والرِّجال واللغة، وهو صاحِب الكلمات النُّورانيَّة الأخَّاذة والقلم السيَّال؛ فهو إمامُ سنَّة، وقامِعُ بدعة، فكم من أُلُوفِ الآلاف من المسلمين تعلَّموا السُّنَّة منه عبْر العصور، وهو رأسٌ في التعبُّد، والأدب الجم مع العُلَماء والمخالِفين، إنّه شيخُ الإسلام الإمامُ أبو زكريا يحيى بن شرف النَّوَوِيُّ، زاهِدُ العُلَماء وعالِم الزُّهَّاد، حتى إنَّ صدْق نيَّة هذا الإمام وإخلاصَه قد ظهر من خِلال سِيرته العَطِرة، ومن استِفادة كافَّة العُلَماء - فضلاً عن طلبة العلم - على تعدُّد مشاربهم من مؤلَّفات هذا الإمام العِملاق؛
стр. 401
فكتبه: كـ"رياض الصالحين"، و"التبيان"، و"المجموع"، وغيرها تُقرَأ في الدروس العلميَّة، وتُنثَر دُرَرُها بين العُلَماء وطلَبَة العلم والعامَّة في كلِّ حين، وإنه لَيَجْدُرُ بنا أن نقول في حقِّه: إنَّه ما جاء بعدَه من عالمٍ ولا متعلِّم إلا وللإمام النَّوَوِيِّ في عنقه منَّة نحسبه كذلك، ولا نزكِّي على الله أحدًا.
هذا، وقد بارَك الله له في عمره؛ لأنَّ هذه الخيرات التي ترَكَها الواحِد مِنَّا يَعجِز - إلا من رحم الله تعالى - عن قراءَتها فكيف بتأليفها؟ ! وقد وفَّقه الله - تعالى - في تأليفها وعمره لم يَتجاوَز الخامسة والأربعين سنة؛ إذ إنَّ ميلاده كان عام ستمائة وإحدى وثلاثين للهجرة، ووفاته كانت عام ستمائة وست وسبعين للهجرة، ولكن فضل الله - تعالى - يُؤتِيه من يشاء .. لقُّب بـ: محيي الدين وكان يكره أنْ يُلَقَّب به. وكنيته: أبو زكريا .. ولم يتزوج لانشغاله بالعلم.
عاش الإمام النووي في كنف أبيه ورعايته، وكان أبوه في دنياه مستور الحال مبارَكاً له في رزقه، فنشأ الإمام النووي في ستر وخير.
قال الشيخ ياسين الدمشقي: رأيتُ الشيخ محي الدين النووي، وهو ابن عشر سنين، بنوى، والصبيان يُكرِهونه على اللعب معهم، وهو يهرب منهم ويبكي لإكراههم، ويقرأ القرآن في تلك الحال، فوقع في قلبي محبته، وجعله أبوه في دكان، فجعل لا يشتغل بالبيع والشراء عن القرآن.
ولما بلغ العاشرة من عمره حفظ القران وبدأ بالتفقه على بعض أهل العلم، وفي سنة ستمائة وتسع وأربعين للهجرة قَدِمَ مع أبيه إلى دمشق لطلب العلم في مدرسة دار الحديث، وسكنَ المدرسة الرواحية، وهي ملاصقة للمسجد الأموي، ثم حج بعد سنتين مع أبيه ثم رجع إلى دمشق، وهناك أكب على علمائها ينهل منهم.
стр. 402
كان الإمام النووي مهيبًا، قليل الضحك، عديم اللعب، يقول الحق وإن كان مرًّا، لا يخاف في الله لومة لائم، وكان الزهد والورع أهم ملامح شخصيته؛ حيث أجمعَ أصحابُ كتب التراجم أنه كان رأسًا في الزهد، قدوة في الورع، عديم النظير في مناصحة الحكام، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ وكان لا يأكل في اليوم والليلة إلا أكلة واحدة بعد العشاء الآخرة، وكان لا يأخذ من أحد شيئاً، وكان كثيرًا ما يكاتب الأمراء والوزراء، وينصحهم لما فيه خير البلاد والعباد.
وقال الشيخ شمس الدين بن الفخر الحنبلي: كان إمامًا بارعًا حافظًا متقنًا علومًا جمة، وصنف التصانيف الجمة، وكان شديد الورع والزهد تاركًا لجميع الرغائب من المأكول إلا ما يأتيه به أبوه من كعك وتين، وكان يلبس الثياب الرثة المرقعة ولا يدخل الحمام، وترك الفواكه جميعها ولم يتناول من الجهات درهمًا، .
كان النووي لا يضيع وقتًا في ليل أو نهار إلا في الاشتغال بالعلم، حتى في ذهابه في الطريق ومجيئه كان يشتغل في تكرار أو مطالعة، وبقي على التحصيل على هذا الوجه نحو ست سنين، ثم اشتغل بالتصنيف والمناصحة للمسلمين وولاتهم كما هي رسائله إلى الملك الظاهر، مع ما هو عليه من المجاهدة لنفسه، والعمل بدقائق الفقه والاجتهاد على الخروج من خلاف العلماء، وكان سريع الحفظ؛ حفظ عدة كتب في مُدَدٍ وجيزة، فنال إعجاب وحبَّ أستاذه أبي إبراهيم إسحاق بن أحمد المغربي، فجعلَه مُعيد الدرس في حلقته؟ ، ثم درَّسَ بدار الحديث الأشرفية، وغيرها.
وقد حدَّثَ تلميذُه علاء الدين بن العطار - على لسان النووي - عن فترة التحصيل والطلب، أنه كان يقرأ كلَّ يوم اثني عشر درسًا على المشايخ شرحًا وتصحيحًا، درسين في الوسيط، وثالثًا في المهذب، ودرسًا في الجمع بين الصحيحين،
стр. 403
وخامسًا في صحيح مسلم، ودرسًا في اللمع لابن جنّي في النحو، ودرسًا في إصلاح المنطق في اللغة، ودرسًا في الصرف، ودرسًا في أصول الفقه، ودرسًا في أسماء الرجال، ودرسًا في أصول الدين، وكان يكتبُ جميعَ ما يتعلق بهذه الدروس من شرح مشكل وإيضاح عبارة وضبط لغة.
وسمع منه خلق كثير من الفقهاء، وسار علمه في الآفاق، وانتفع الناس في سائر البلاد الإسلامية بتصانيفه، وأكبوا على تحصيل مؤلفاته.
تولى النووي دار الحديث الأشرفية على صغر سنّه حوالي عشر سنين، وهي أشهر دار في بلاد الشام لعلم الحديث، والمتعارف عليه ألا يلي مشيختها إلا عظيم وقته في العلم، وخصوصًا علم الحديث، ومن لقب بشيخ دار الحديث، نال في العلم أجل الألقاب، وقد وليها قبل النووي: تقي الدين بن الصلاح، وشهاب الدين أبو شامة المقدسي.
وقال التاج السبكي: "قال والدي: إنه ما دخلها - أي دار الحديث الأشرفية - أعلم ولا أحفظ من المزي، ولا أورع من النووي وابن الصلاح".
ومن عجيب سيرته أنه قال مرة "وخطر لي الاشتغال بعلم الطب، فاشتريت القانون (لابن سينا) وعزمت على الاشتغال فيه، فأظلم عليَّ قلبي، وبقيت أيَّامًا لا أقدر على الاشتغال بشيء، ففكرت في أمري: من أين دخل عليَّ الداخل، فألهمني الله أن اشتغالي بالطب سببه، فبعت في الحال الكتاب المذكور، وأخرجت من بيتي كل ما يتعلق بعلم الطب فاستنار قلبي ورجع إلى حالي، وعدت لما كنت عليه أولاً"؛ ولعلَّ الظلمة التي أصابت قلبه مرجعها إلى أنه لم يألف الطب، أو لعلَّه استغلقت
стр. 404
عليه مسائله، ويجوز أن يكون النووي قد تأثر - في رغبته دراسة الطب - بمقولة إمامه الشافعي: "لا أعلم علمًا - بعد الحلال والحرام - أنبلَ من الطب".
ومن أعاجيبه أنّه قال مرة وهو يحكي عن أوائل طلبه للعلم: وبقيت سنتين لم أضع جنبي على الأرض، يعني: كان ينام وهو جالس، ثم لا يلبث أن يستيقظ للاستمرار في طلب العلم.
وحكى البدر بن جماعة أنه سأله عن نومه فقال الإمام النووي: "إذا غلبني النوم استندت إلى الكتب لحظة وأنتبه".
وقال البدر: وكنت إذا أتيته أزوره يضع بعض الكتب على بعض ليوسع لي مكاناً أجلس فيه.
فما كان الزائر يجد مكاناً يجلس فيه من كثرة الكتب التي يطالعها.
بعد هذه المسيرة الحافلة يترجل الفارس، ففي سنة ستمائة وست وسبعين للهجرة رجع الإمام النووي إلى نَوى، وردَّ الكتب المستعارة من الأوقاف، وزار مقبرة شيوخه، فدعا لهم وبكى، وزار أصحابه الأحياء وودّعهم، وزار والدَه وزار بيت المقدس والخليل، ثم عاد إلى نوى؛ فمرض بها، ومات في الرابع والعشرين من رجب؛ ف رحمةً واسعة، وجزاه عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ (١).
стр. 405
أقول قولي هذا وأستغفر الله.
الخطبة الثانية:
الحمد لله:
أيها الأخ المبارك: لتعرف قدر هؤلاء الأفذاذ، وسيرهم العطرة، وقدر نفسك يكفيك أن تتأمل قولَه تعالى: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ (١).
هذه مقابلة بين العامل بطاعة الله وغيره، وبين العالم والجاهل، وأن هذا من الأمور التي تقرر في العقول تباينُها، وعُلِمَ علماً يقينا تفاوتها، فليس المعرض عن طاعة ربه، المتبع لهواه، كمن هو قانت أي: مطيع لله بأفضل العبادات وهي الصلاة، وأفضل الأوقات وهو أوقات الليل، فوصفه بكثرة العمل وأفضله، ثم وصفه بالخوف والرجاء، وذكر أن متعلق الخوف عذاب الآخرة، على ما سلف من الذنوب، وأن متعلق الرجاء، رحمة الله، فوصفه بالعمل الظاهر والباطن.
﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ﴾ ربهم ويعلمون دينه الشرعي ودينه الجزائي، وما له في ذلك من الأسرار والحكم ﴿وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ شيئا من ذلك؟ لا يستوي هؤلاء ولا هؤلاء، كما لا يستوي الليل والنهار، والضياء والظلام، والماء والنار، ﴿إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ﴾ إذا ذكروا ﴿أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ أي: أهل العقول الزكية الذكية، فهم الذين
стр. 406
يؤثرون الأعلى على الأدنى، فيؤثرون العلم على الجهل، وطاعة الله على مخالفته، لأن لهم عقولاً ترشدهم للنظر في العواقب، بخلاف من لا لب له ولا عقل، فإنه يتخذ إلهه هواه (١)(٢).
فَإِنَّ أَصْدَقَ الْحَدِيثِ كَلَامُ اللَّهِ، وَخَيْرَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ ﷺ وَشَّرَّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَكُلَّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ.
أَيُّهَا الأخوة: لا يزال الحديث عن سير العلماء كالطِّيب، من أصلهِ يفوح شذاه، يضفي على المسلم انشراحاً، بل وثباتاً حقًّا، ومعنا اليوم عالمٌ نطُّل على سيرته إطلالة سريعة، إنه وحدَه جامعةٌ تخرَّج منها: أمثالُ الإمام مسلم، والإمامِ الترمذي، والإمامِ النسائي، والإمامِ أبي حاتم، والإمامِ أبي زرعة، وابن خزيمة، وخلقٌ كثير.
قال الإمامُ ابن كثير: وروى الخطيب البغدادي عن محمد بن يوسف الفِرَبْرِي، أحد أكبر تلاميذ البخاري، أنه قال: «سمع الصحيح من البخاري معي نحوٌ من سبعين ألفًا» (١)، ولم يكد يشتهر بين الناس بسعة حفظه وتثبُّته وإتقانه حتى أقبل طلاب الحديث يسعون إليه ويتحلّقون حوله طلباً للرواية عنه والسماع منه.
قال محمد بن أبي حاتم ورّاق البخاري: «كان أهل المعرفة يَعْدون خلفه في طلب الحديث وهو شاب حتى يغلبوه على نفسه، ويجلسوه في بعض الطريق فيجتمع عليه ألوف أكثرهم ممن يكتب عنه وكان شاباً لم يخرج وجهه» (٢).
إنه الإمام محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة بن بَرْدِزبَه الجعفي البخاري، صاحب كتاب الجامع الصحيح، المشهور باسم صحيح البخاري، الذي
стр. 410
أجمع علماءُ أهل السنة والجماعة أنه أصح الكتب بعد القرآن الكريم وتلقته الأمة بالقبول (١).
وقد أمضى في جمعه وتصنيفه ستة عشر عاماً. قال: «ما وضعت في كتابي الصحيح حديثاً إلا اغتسلت قبل ذلك وصليت ركعتين» (٢).
وُلِدَ الْبُخَارِيُّ فِي لَيْلَةِ الْجُمُعَةِ الثَّالِثَ عَشَرَ مِنْ شَوَّالٍ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَتِسْعِينَ وَمِائَةٍ، وَمَاتَ أَبُوهُ وَهُوَ صَغِيرٌ، فَنَشَأَ فِي حِجْرِ أُمِّهِ، فَأَلْهَمَهُ اللَّهُ حِفْظَ الْحَدِيثِ وَهُوَ صغير، وَقَرَأَ الْكُتُبَ الْمَشْهُورَةَ وَهُوَ ابْنُ سِتَّ عَشْرَةَ سَنَةً حَتَّى قِيلَ: إِنَّهُ كَانَ يَحْفَظُ وَهُوَ صَبِيٌّ سَبْعِينَ أَلْفَ حَدِيثٍ سَرْدًا، وَحَجَّ وَعَمُرُهُ ثَمَانِي عَشْرَةَ سَنَةً، فَأَقَامَ بِمَكَّةَ يَطْلُبُ بِهَا الْحَدِيثَ، ثُمَّ ارْتَحَلَ بَعْدَ ذَلِكَ إِلَى سَائِرِ مَشَايِخِ الْحَدِيثِ فِي الْبُلْدَانِ الَّتِي أَمْكَنَهُ الرِّحْلَةُ إِلَيْهَا، وَكَتَبَ عَنْ أَكْثَرَ مِنْ أَلْفِ شَيْخٍ، وَرَوَى عَنْهُ خَلَائِقُ وَأُمَمٌ.
وَقَدْ دَخَلَ الإمام البخاري بَغْدَادَ ثَمَان مَرَّاتٍ، وَفِي كُلٍّ مِنْهَا يَجْتَمِعُ بِالْإِمَامِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ.
كَانَ الْبُخَارِيُّ يَسْتَيْقِظُ فِي اللَّيْلَةِ الْوَاحِدَةِ مِنْ نَوْمِهِ فَيُورِي السِّرَاجَ، وَيَكْتُبُ الْفَائِدَةَ تَمُرُّ بِخَاطِرِهِ ثُمَّ يُطْفِئُ سِرَاجَهُ، ثُمَّ يَقُومُ مَرَّةً أُخْرَى حَتَّى كَانَ يَتَعَدَّدُ ذَلِكَ مِنْهُ قَرِيبًا مِنْ عِشْرِينَ مَرَّةً.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ (١).
أقول قولي هذا وأستغفر الله ...
الخطبة الثانية:
الحمد لله ..
أَيُّهَا الأخوة: تلك هي قُطُوفٌ وشذرات من سيرةِ هذا العالمِ العابدِ الجليلِ، والتي تجعلُ المرءُ يَخْجلُ من نفسهِ حينَ يُقارِنُ سيرتَه بتقصيرِه، ويَعْجَبُ من تخليدِ الله تعالى لها، فها نحن نتذاكرُها بعد ألفٍ ومائتي عامٍ تقريباً، ومِنْ ألْمَعِ العِبَرِ فيها: تلك السنّةُ الكونيةُ والحكمةُ الربانيّة في تقلب أحوال الناس والزمانِ مِنْ رفْعٍ وخَفْضٍ وعز وذل، ﴿وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ (٢)، لكن العاقبةَ في النهاية للمتقين.
وكذلكَ من المواعظِ الناطقةِ من سيرته: الصبرُ على الطلب، ومع أنهم ﵏ يقطعون الفيافيَ والمسافاتِ الطويلةَ مشياً على الأقدامِ مع قلةِ المؤونةِ وشظف العيشِ، إلاّ أنهم يتلذذونَ في التحصيلِ والتحلّقِ على العلماء والمزاحمةِ بالرُّكَبِ، وهنا
стр. 415
درسٌ عظيمٌ جداً: أنّ العبادةَ والانقطاعَ لله تعالى سبيلٌ من سبلِ النجاة وقتَ الفتن، قال ﷺ : «العبادةُ في الهرْجِ كهجرة إليّ» رواه مسلم (١).
ومن أبرز العبر والمواعظ: بقاء هذا العلَم واعتماد الأمة بعد الله تعالى على كتابة خلال هذه القرون الطويلة، فلله دره كم خلدّ علمُه ذكرَه، وكم من الأجور تضاعفَ عنده بسبب إخلاصه!
قال ابن كثير: وَقَدْ تَرَكَ بَعْدَهُ عِلْمًا نَافِعًا لِجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ، فَعَمَلُهُ فِيهِ لَمْ يَنْقَطِعْ بَلْ هُوَ مَوْصُولٌ بِمَا أَسْدَاهُ مِنَ الصَّالِحَاتِ فِي الْحَيَاةِ، وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِذَا مَاتَ ابْنُ آدَمَ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثٍ، مِنْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ» الْحَدِيثَ رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٢)(٣).
فاللهم اغفر لهم وارحمهم واجمعنا بهم في جناتك، واجعلنا ممن سار على نهجهم مقتفينَ سيرةَ أفضل الخلق ﷺ .
* * *
стр. 416
ثانياً: المقالات
حتى تكون عبادتك مقبولةً عند الله تعالى
ما الحكمة من خلق الإنسان والجان؟ هذا السؤال قديمًا كان لا يخلو منه درسٌ أو حلقة علمٍ، أو فصل مدرسة، ويتكرر باستمرار حتى تشرَّبت أذهانُ تلك الأجيال بالجواب العلمي والعملي الذي نصَّ عليه قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (١)، إنها العبادة، نعم العبادة، أنت لم توجد على هذه البسيطة إلا لعبادة الله التي هي: اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة (٢).
إذا تقرَّر هذا، فمتى تكون العبادة مقبولة عند الله تعالى؟ إذ العملُ غير المقبول من الهباء المنثور، ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ (٣).
إنها آيةٌ مخيفة حقًّا أن يعمل ويَجتهد ويكدح، ثم يكون عملُه هباءً منثورًا، أخوف منها قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ (٢) عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ (٣) تَصْلَى نَارًا
стр. 417
حَامِيَةً﴾ (١)، فهي تعمَل بل تتعب وتنصب، وفي النهاية خسارةٌ، بل عقاب شديدٌ؛ لأنها افتقرت إلى شروط صحة العبادة.
يُشترط كما قرَّر أهل العلم لصحة العبادة شرطان أساسيان:
الأول: الإخلاص لله تعالى:
وهو مقتضى لا إله إلا الله، فيعمَل العمل لا يعمله إلا لله وحده: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ (٢).
قال شيخ الإسلام: وجماع الدين "أصلان" ألا نعبد إلا الله، ولا نعبده إلا بما شرَع لا نعبده بالبدع؛ كما قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ " (٣)(٤).
روى أبو سعيد ﵁ قال: خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ وَنَحْنُ نَتَذَاكَرُ الْمَسِيحَ الدَّجَّالَ، فَقَالَ: أَلا أُخْبِرُكُمْ بِمَا هُوَ أَخْوَفُ عَلَيْكُمْ عِنْدِي مِنَ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ؟ قَالَ: قُلْنَا: بَلَى، فَقَالَ: «الشِّرْكُ الْخَفِيُّ، أَنْ يَقُومَ الرَّجُلُ يُصَلِّي فَيُزَيِّنُ صَلاتَهُ لِمَا يَرَى مِنْ نَظَرِ رَجُلٍ» (٥).
стр. 418
الثاني: المتابعة لرسول الله ﷺ :
وهو مقتضى شهادة أن محمدًا رسول الله، فيجب أن يكون العمل موافقًا لما جاء في سنة المصطفى ﷺ في حديث عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : «مَن عمِل عملًا ليس عليه أمرُنا، فهو رَدٌّ» (١)، ومعنى رد: أي مردود عليه غير مَقبول.
قال ابن رجب: "هذا الحديث أصلٌ عظيم من أصول الإسلام، وهو كالميزان للأعمال في ظاهرها، كما أن حديث: «إنما الأعمال بالنيَّات» (٢) ميزان للأعمال في باطنها، فكما أن كلَّ عملٍ لا يُراد به وجه الله تعالى، فليس لعامله فيه ثوابٌ، فكذلك كل عمل لا يكون عليه أمرُ الله ورسوله، فهو مَردودٌ على عامله، وكل من أحدث في الدين ما لم يأذن به اللهُ ورسوله، فليس من الدين في شيءٍ" (٣).
فانظُر يا رعاك إلى كل عبادةٍ تعملها هل تحقَّق هذان الشرطان فيها أم لا؟
فمتى ما تخلَّف الشرط الأول "شرط الإخلاص"، وقع المتعبد بالشرك أصغرَ كان أم أكبرَ على حسب مخالفته! ومتى ما تَخلَّف الشرط الثاني "شرط المتابعة"، وقَع المتعبد بالبدعة مُكفرة كانت أم مُفسِّقة على حسب مخالفته! .
* * *
стр. 419
قناديل رمضان
حمداً لله حمداً كثيراً مباركاً .. لم يبق إلا أيامٌ وتُضَاءُ قناديل رمضان ..
هاك شيئاً منها:
إضاءة قنديل: "إذا دعوت الله أن يبلغك رمضان فلا تنس أن تدعوه أن يبارك لك فيه، فليس الشأن في بلوغه، وإنما الشأن في ماذا ستعمل فيه" ابن سعدي.
إضاءة قنديل: "كان النبي ﷺ يبشر برمضان يقول:
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَتَاكُمْ رَمَضَانُ شَهْرٌ مُبَارَكٌ فَرَضَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ صِيَامَهُ، تُفْتَحُ فِيهِ أَبْوَابُ السَّمَاءِ، وَتُغْلَقُ فِيهِ أَبْوَابُ الْجَحِيمِ، وَتُغَلُّ فِيهِ مَرَدَةُ الشَّيَاطِينِ، لِلَّهِ فِيهِ لَيْلَةٌ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ، مَنْ حُرِمَ خَيْرَهَا فَقَدْ حُرِمَ» أخرجه النسائي وصححه الألباني (١).
إضاءة قنديل: " الزمن يتسارع .. والأذهان شاردة .. والمادة طاغية .. والروحانية للعبادة تتلاشى إلا ما شاء الله .. كثيرٌ منا ملأ الأسواق ضجيجاً استعداداً
стр. 420
لأيام وليالي الشهر، وللعيد السعيد .. حسناً! وهل ملأتَ النفسَ اشتياقاً للساعات الرمضانية كما يخطط المحب للقاء حبيبه .. ! ! "
إضاءة قنديل: " آهٍ رمضان كم تمنى ويتمنى محبون تحت الثرى إدراكه .. !
رحم الله أحبابنا جميعاً .. لهم حقٌ علينا في أن نجعلهم يشاركونا رمضان وهم هناك! ! .. دعوة .. صدقة .. عمرة .. ! "
إضاءة قنديل: " جرّب مع بداية رمضان أن تَقْلب شاشة التلفاز على الجدار، وتُغْلق وسائل التواصل الالكترونية المضيعة للوقت .. واعمر أوقاتك بالطاعات .. وأخبرنا يوم العيد بالنتيجة .. ! (وتذّكر أن رمضان شهر واحد فقط) "
إضاءة قنديل: "بعض السلف في رمضان يترك التحديث ويعمر وقته بالقران؟ ! !
ونحن للأسف نعجز عن ترك قنوات ونت ووسائل تواصل! !
بعض الصالحين ﵏ يختم كل ثلاث في رمضان، وبعضهم كل يومين، بل نُقل عن الشافعي ستون ختمة في رمضان واحدة في الليل وواحدة في النهار، وقيل كان الإمام ابن عساكر يحاول اللحاق بالشافعي -رحمهما الله- فاعتكف بالمنارة البيضاء فلم يستطع أن يختم إلا تسعاً خمسين ختمة! !
القران يسير على من يسرّه الله عليه، من المعاصرين من أصحاب الهمم العالية يختم حدراً في حوالي ست ساعات في الأوقات الفاضلة.
وورود النهي عن قراءة القرآن في أقل من ثلاث (ليال) المقصود به المداومة على ذلك، فأما في الأوقات والأزمان الفاضلة فيستحب الإكثار وهذا قول أحمد وإسحاق ..
стр. 421
عموماً: لا يكلف الله نفساً إلا وسعها، وفضل الله واسع، وتُذْكر مثل هذه لشحذ الهمم .. "
إضاءة قنديل: " فرصتك! أيها المذنب المفرط الظالم لنفسه - وكلنا ذاك المقصر- فرصتك اسكب عبراتك، ورتّب أوراقك، فأنت على أبواب شهر الغفران! "
إضاءة قنديل: " يسأل عن الغبار هل يفطر؟ !
وصحفه مليئة بالغيبة والنميمة، والنظر والسماع المحرم، والنوم وترك الصلاة في نهار رمضان! ! ! "
إضاءة قنديل:
إذَا هَبَّتْ رِياحكُ فاغتنمها * * * فَعُقْبَى كُلّ خَافِقَةٍ سكونُ
وَلا تَغْفلْ عَنِ الإحسان فِيهَا * * * فَلا تَدْرِي السُّكُونُ مَتَى يَكُونُ
إضاءة قنديل: " إذا أرادَ الله بعبده خيرًا، فَتَحَ له أبوابَ التوبة والندم، والانكسار والذل، والافتِقار، والاستعانة به، وصِدْق اللجوء إليه، ودوام التضرُّع والدعاء والتقرُّب إليه بما أمكنَ من الحسنات." ابن القيم.
إضاءة قنديل: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَجْوَدَ النَّاسِ، وَكَانَ أَجْوَدُ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ، وَكَانَ يَلْقَاهُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ فَيُدَارِسُهُ القُرْآنَ، فَلَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَجْوَدُ بِالخَيْرِ مِنَ الرِّيحِ المُرْسَلَةِ» متفق عليه (١).
стр. 422
إضاءة قنديل:
"رمضان ..
ها هو طرق بابك ..
تهيأ للعبادة ..
تجاوز ..
اكظم ..
انس الخلافات.
أحسن الظن ..
تذكر العمر قصير.
لا تضيعه بترهات لن تنفعك".
إضاءة قنديل: «إِنَّ لِلَّهِ عُتَقَاءَ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، لِكُلِّ عَبْدٍ مِنْهُمْ دَعْوَةٌ مُسْتَجَابَةٌ» رواه أحمد وصححه الألباني (١).
اللهم بلغنا رمضان وبارك لنا فيه واستعملنا في طاعتك يا رب، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.
* * *
стр. 423
كيف يغيّر الشكر اليومي حياتك ؟
نِعَمٌ تتوالى علينا بحمد الله .. وقد أصيب أقوامٌ بالخوف والقلق والقتال، نِعَمٌ وأرزاقٌ تأتينا رغدًا من كل مكان وإخوانٌ لنا لا يجدون لقمة العيش إلا بتعب وعناء، وربما ماتوا من الجوع والإقلال، وإن لم يكن فالقتال وتسلط الضُّلال.
فالحمد لله على نعمة التوحيد والحمد لله على نعمة الأمن والإيمان والرزق والصحة.
كثيراً ما يتحدث علماء التنمية البشرية عن أنّ: ممارسة عبادة الحمد والشكر لله في الحياة اليومية له تأثير عجيب يبعث طمأنينة وسعادة وسكينة وتوفيقاً (١)، والحقيقة أنّ الكتاب والسنة سبقتهم في ذلك، بل الأمر أعم وأشمل من هذا، فالله تعالى يقول: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ (٢).
стр. 424
فالشكر يزيد النعم .. كما أن الكفر يذهبها، هكذا كانت نصوص المفسرين إنها صريحة الدلالة ... إنها عامة .. إن الزيادة في كل شيء .. في الصحة ... في المال .. في الجاه .. في النصر .. في العز والرفعة .. في كل شيء.
قال ابن القيم:
"قرن سبحانه الشكر بالإيمان وأخبر أنه لا غرض له في عذاب خلقه إن شكروا وآمنوا به فقال: ﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا﴾ (١) ..
إلى أن قال: وعلق سبحانه المزيد بالشكر، والمزيد منه لا نهاية له كما لا نهاية لشكره"
﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ (٢)(٣) انتهى كلامه.
كثيرةٌ هي آيات الشكر في القرآن تزيد على الخمسين آية، ويكفي أن الله تعالى وصف العظماء من خلقه بأنهم من الشاكرين، فنوح ﵇: ﴿ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا﴾ (٤).
стр. 425
وإبراهيم ﵇: ﴿شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (١).
وأوصى الله موسى ﵇ بقوله: ﴿قَالَ يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ (٢).
ومحمد ﷺ كان يقوم من الليل حتى تتفطر قدماه قالت عَائِشَةَ ﵂: لِمَ تَصْنَعُ هَذَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَقَدْ غَفَرَ اللَّهُ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ؟ قَالَ: «أَفَلا أُحِبُّ أَنْ أَكُونَ عَبْدًا شَكُورًا» (٣).
أيها الأخ المبارك:
بعد المحافظة على الفرائض والواجبات تكون ممارسة الشكر اليومية بما يلي: :
أولاً: أذكار الصباح والمساء، وأدبار الصلوات، وأذكار النوم:
والتي منها التسبيح بحمد الله، كما جاء في حديث جُوَيْرِيَةَ بِنْتِ الحَارِثِ أم المؤمنين ﵂، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَرَجَ مِنْ عِنْدِهَا بُكْرَةً حِينَ صَلَّى الصُّبْحَ، وَهِيَ فِي مَسْجِدِهَا، ثُمَّ رَجَعَ بَعْدَ أَنْ أَضْحَى، وَهِيَ جَالِسَةٌ، فَقَالَ: «مَا زِلْتِ عَلَى الْحَالِ الَّتِي فَارَقْتُكِ عَلَيْهَا؟ » قَالَتْ: نَعَمْ، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «لَقَدْ قُلْتُ بَعْدَكِ أَرْبَعَ كَلِمَاتٍ، ثَلَاثَ مَرَّاتٍ،