← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 151154

الصحيح المأثور في عالم البرزخ والقبور

أحمد محمود الشوابكة

Полный текст (344 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

فينبغي الإسراع بتجهيز الميّت وعدم التَّباطؤ به عَنِ الدَّفْنِ إلّا لضرورة، قال النَّبيُّ ﷺ : "أَسْرِعُوا بِالْجِنَازَةِ" (١). والإسراع يحتاج إلى الإسراع في غسله وتكفينه والخروج به للصَّلاة عليه ودفنه، والإسراع في قضاء دينه. صفة غسل الميت عزَّ في هذا الزَّمان مَنْ يَعْرِفُ أَحْكَامَ غسل الميِّت وتجهيزه فِقْهًا وَعَمَلًا، وكثير ممّنْ عرف الأحكام لَا يَعْرِفُ كَيْفِيَّةَ مُبَاشَرَةِ ذَلِكَ، ومنهم مَنْ يَهَابُ المَيِّتَ فيحجم عن غُسْلِه وتَجْهِيزِه. وغُسْلُ المَيِّتِ وتكفينه وحَمْلُهُ وَالصَّلَاةُ عَلَيْهِ وَدَفْنُهُ من فُرُوض الكِفَايَة، وينبغي ألّا يحضر غسل الميِّت إلَّا الْغَاسِلُ وَمَنْ يعينه حفظًا لحرمته وكرامته، وَتُسْتَر عَوْرَتُهُ بِمِئْزَرٍ، ثمّ يجرَّد من ثيابه، عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَت: "لمَّا أَرَادُوا، غُسْلَ رَسُولِ الله ﷺ اخْتَلَفُوا فِيهِ، فَقَالُوا: وَالله مَا نَدْرِي كَيْفَ نَصْنَعُ؟ أَنُجَرِّدُ رَسُولَ الله ﷺ كَمَا نُجَرِّدُ مَوْتَانَا أَمْ نُغَسِّلُهُ وَعَلَيْهِ ثِيَابُهُ؟ " (٢). وغسل الميّت لا يختلف كثيرًا عن غسل الحيّ، يستحضر الغاسل نيّة الغسل ويسمّي، ويبدأ بغسل يديه، ثمّ يرفع رأسه إلى قرب جلوسه ويمرّ بيده على بطنه برفق ولا يبالغ، ويصبّ عليه الماء، فهذا يُيَسِّر خروج الخارج، ثُمَّ يَلُفُّ عَلَى يَدِهِ خِرْقَةً يفضي بها إلى السَّبِيلَيْنِ يزيل الأذى وَيُنَجِّيهِ بها، وَيَصُبُّ المَاءَ فِي غَسْلِ مَخْرَجِهِ؛ فهذا أدعى للإنقاء، ويغضّ الطّرف ولا ينظر إلى عورته، ثمّ يوضّئه وضوء الصّلاة،

стр. 107

ولا يدخل الماء في فمه أو منخريه، ثمّ يغسل رأسه ولحيته، ثمّ يأخذ خِرْقَة أخرى أو ليفة لغسل سائر الجسد فذلك أدعى لإزالة درنه. ويُغَسِّلُهُ وِتْرًا ثَلَاثًا أَوْ خَمْسًا أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ إِنْ رَأَى الْغَاسِلُ لِلْإِنْقَاءِ، وذلك بِمَاءٍ وَسِدْرٍ أو ما يقوم مقامه كالأُشْنَان (شَجَر) أو الصَّابون، وَيُجْعَلُ فِي الْغَسْلَةِ الْأَخِيرَةِ الْكَافُورُ، وَيَبْدَأُ بِمَيَامِنِهِ وَمَوَاضِعِ الْوُضُوءِ مِنْهُ، فيضعه عَلَى جَنْبِهِ الْأَيْسَرِ ليغسل الْأَيْمَن، ثُمَّ عَلَى شقّه الْأَيْمَنِ ليغسل الْأَيْسَر وَذَلِكَ غَسْلَةٌ وَاحِدَةٌ، ثُمَّ يَفْعَلُ ذَلِكَ ثَلَاثًا، ويسرّح شعره، فإِنْ كَانَ المَيِّتُ امْرَأَةً تُنْقَض ضَفَائِرُهَا فِي الْغُسْلِ، ويُضَفَّرُ شَعْرُها ثَلَاثَةَ قُرُونٍ ويلقى خَلْفَهَا. وحديث أُمِّ عَطِيَّةَ الأَنْصَارِيَّة (نَسِيْبَة) أصل فِي غسل الميت، وهي الَّتي غَسَّلَتْ زَيْنَب بِنْت رَسُولِ الله ﷺ ، زوج أبي العَاصِي بْنِ الرَّبِيعِ، قَالَتْ ﵂: ... "دَخَلَ عَلَيْنَا رَسُولُ الله ﷺ وَنَحْنُ نَغْسِلُ ابْنَتَهُ (١)، فَقَالَ: اغْسِلْنَهَا ثَلاثًا، أَوْ خَمْسًا، أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ (٢)، بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَاجْعَلْنَ فِي الآخِرَةِ كَافُورًا، فَإِذَا فَرَغْتُنَّ فَآذِنَّنِي، فَلَمَّا فَرَغْنَا آذَنَّاهُ، فَأَلْقَى إِلَيْنَا حِقْوَهُ (إزاره)، فَقَالَ: أَشْعِرْنَهَا إِيَّاهُ" (٣). أي اجعلْنَ الإزار ممّا يلي الجسد.

стр. 108

وعَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ فِي غَسْلِ ابْنَتِهِ: "ابْدَأْنَ بِمَيَامِنِهَا، وَمَوَاضِعِ الوُضُوءِ مِنْهَا" (١). وعن أُمِّ عَطِيَّة: "أَنَّهُنَّ جَعَلْنَ رَأْسَ بِنْتِ رَسُولِ الله ﷺ ، ثَلاثَةَ قُرُونٍ نَقَضْنَهُ، ثُمَّ غَسَلْنَهُ، ثُمَّ جَعَلْنَهُ ثَلاثَةَ قُرُونٍ" (٢)، وفي رواية: "فَضَفَرْنَا شَعَرَهَا ثَلاثَةَ قُرُونٍ، وَأَلْقَيْنَاهَا خَلْفَهَا" (٣). ويفهم جواز غسل المرأة للمرأة ولو كانت أجنبية، وأنّ الذَّكَرَ يتولّى غسله الرِّجالُ، والأنثى يتولّى غسلها النِّساءُ، ويُسْتَثْنَى من ذلك الزَّوجان فإنَّه يجوز لأحدهما أن يغسّل الآخر. وتجدر الإشارة إلى أنَّ حديث "لِيُغَسِّلْ مَوْتَاكُمُ المَأْمُونُونَ" (٤) موضوع. الزوجان لكل واحد منهما غسل الآخر يجوز لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الزَّوْجَيْنِ غُسْلُ صَاحِبِهِ بعد الموت، فالزَّوْج له غُسْل امْرَأَتِهِ، وَالأَصْل فِي جَوَازِه مَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: "رَجَعَ إِلَيَّ رَسُولُ الله ﷺ ذَاتَ يَوْمٍ مِنْ جَنَازَةٍ بِالْبَقِيعِ، وَأَنَا أَجِدُ صُدَاعًا فِي رَأْسِي، وَأَنَا أَقُولُ: وَارَأْسَاهْ، قَالَ: بَلْ أَنَا وَارَأْسَاهْ، ثم قَالَ: مَا ضَرَّكِ لَوْ مِتِّ قَبْلِي، فَغَسَّلْتُكِ وَكَفَّنْتُكِ، ثُمَّ صَلَّيْتُ

стр. 109

عَلَيْكِ، وَدَفَنْتُكِ؟ " (١). ولِلْمَرْأَةِ تَغْسِيل زَوْجِهَا، قالت عائشة ﵂: "لَوْ اسْتَقْبَلْتُ مِنَ الْأَمْرِ مَا اسْتَدْبَرْتُ مَا غَسَّلَ رَسُولَ الله ﷺ إِلَّا نِسَاؤُهُ" (٢). الشّهيد لا يغسّل ولو كان جنبًا لَمْ يُشْرَعْ غسْلُ الشَّهِيدِ (قَتِيل المَعْرَكَةِ)، وإنّما يُدْفَنُ بِدِمَائِهِ وَثِيَابِهِ، فالنَّبيُّ ﷺ أمَرَ بِدَفْنِ قَتْلَى أُحُدٍ بِدِمَائِهِمْ، وَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِمْ، وَلَمْ يُغَسِّلْهُمْ، عن جابر ﵁ قال: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "ادْفِنُوهُمْ فِي دِمَائِهِمْ" (٣) ـ يَعْنِي يَوْمَ أُحُدٍ ـ وَلَمْ يُغَسِّلْهُمْ. وعن جَابِر ﵁ أنّ النَّبيَّ ﷺ ، قال: "أَنَا شَهِيدٌ عَلَى هَؤُلاءِ يَوْمَ القِيَامَةِ" (٤). وَأَمَرَ بِدَفْنِهِمْ بِدِمَائِهِمْ، وَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِمْ وَلَمْ يُغَسَّلُوا. ويترك غسل الشَّهيد، ولا تنزع ثيابه ويبقى عليه أثر الشَّهادة، لقوله ﷺ في شُهَدَاءِ أُحُدٍ: "زَمِّلُوهُمْ فِي ثِيَابِهِمْ" (٥)، ولقوله ﷺ : "مَا مِنْ مَكْلُومٍ يُكْلَمُ فِي سَبِيلِ الله إِلَّا جَاءَ يَوْمَ القِيَامَةِ وَكَلْمُهُ يَدْمَى، اللَّوْنُ لَوْنُ دَمٍ، وَالرِّيحُ رِيحُ مِسْكٍ" (٦). وعَنْ أَبِي بَرْزَةَ ﵁، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ فِي مَغْزًى لَهُ، فَأَفَاءَ اللهُ عَلَيْهِ، فَقَالَ ... لِأَصْحَابِهِ: "هَلْ تَفْقِدُونَ مِنْ أَحَدٍ؟ قَالُوا: نَعَمْ، فُلَانًا، وَفُلَانًا، وَفُلَانًا، ثُمَّ قَالَ:

стр. 110

هَلْ تَفْقِدُونَ مِنْ أَحَدٍ؟ قَالُوا: نَعَمْ، فُلَانًا، وَفُلَانًا، وَفُلَانًا، ثُمَّ قَالَ: هَلْ تَفْقِدُونَ مِنْ أَحَدٍ؟ قَالُوا: لَا، قَالَ: لَكِنِّي أَفْقِدُ جُلَيْبِيبًا، فَاطْلُبُوهُ. فَطُلِبَ فِي الْقَتْلَى، فَوَجَدُوهُ إِلَى جَنْبِ سَبْعَةٍ قَدْ قَتَلَهُمْ، ثُمَّ قَتَلُوهُ، فَأَتَى النَّبِيُّ ﷺ فَوَقَفَ عَلَيْهِ، فَقَالَ: قَتَلَ سَبْعَةً، ثُمَّ قَتَلُوهُ هَذَا مِنِّي وَأَنَا مِنْهُ، هَذَا مِنِّي وَأَنَا مِنْهُ. قَالَ: فَوَضَعَهُ عَلَى سَاعِدَيْهِ لَيْسَ لَهُ إِلَّا سَاعِدَا النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: فَحُفِرَ لَهُ وَوُضِعَ فِي قَبْرِهِ، وَلَمْ يَذْكُرْ غَسْلًا" (١). وفي أحد قتل شَدَّادُ بْنُ الْأَسْوَدِ حَنْظَلَة بْن أَبِي عَامِرٍ ﵁، فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "إِنَّ صَاحِبَكُمْ حَنْظَلَةَ تُغَسِّلُهُ المَلَائِكَةُ، فَسَلُوا صَاحِبَتَهُ، فَقَالَتْ: خَرَجَ وَهُوَ جُنُبٌ لمّا سَمِعَ الْهَائِعَةَ، فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : فَذَاكَ قَدْ غَسَّلَتْهُ المَلَائِكَةُ" (٢). ثواب من غسّل ميّتاً وكتم عليه وثواب من كفّنه قال النَّبِيُّ ﷺ : "مَنْ غَسَّلَ مَيِّتًا فَكَتَمَ عَلَيْهِ غُفِرَ لَهُ أَرْبَعِينَ مَرَّةً، وَمَنْ كَفَّنَ مَيِّتًا كَسَاهُ الله مِنَ السُّنْدُسِ، وَإِسْتَبْرَقِ الْجَنَّةِ" (٣)، وعن أبي رَافِعٍ، يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "مَنْ غَسَّلَ مَيِّتًا فَكَتَمَ عَلَيْهِ غُفِرَ لَهُ أَرْبَعِينَ كَبِيرَةً" (٤). فينبغي للمغسِّل أن

стр. 111

يَكْتُمَ شَيْنَ الميّت إن وجد، وأن يَسْتُرَ عيبه، ولا يحدّث بما يكره أهله. استحباب الغسل لمن غسّل الميت والوضوء لمن حمله يُسْتَحِبُّ الغُسْل مِنْ غُسْلِ المَيِّتِ، والْوُضُوء مِنْ حَمْلِه، قال النَّبيُّ ﷺ : "مَنْ غَسَّلَ مَيِّتًا فَلْيَغْتَسِلْ، وَمَنْ حَمَلَهُ فَلْيَتَوَضَّأْ" (١)، وقال ﷺ : "مِنْ غُسْلِهِ الغُسْلُ، وَمِنْ حَمْلِه الوُضُوءُ" (٢). وظاهر الأمر يدلُّ على الوجوب، لكن يحمل على الاستحباب، فلَيْسَ فِي غسْلِ المَيِّتِ غُسْلٌ واجب، لأنّ المَيِّتَ المؤمن طاهر لَا يَنْجَسُ بِالمَوْتِ، ولَوْ كَانَ نَجِسًا لَمْ يُطَهِّرْهُ المَاءُ. لمّا لقي النَّبيُّ ﷺ أبا هُرَيْرَة وهو جُنُبٌ، كَرِه أبو هريرة أَنْ يجالسه فبَادَرَ إِلَى الِاغْتِسَالِ، فقال له النَّبيُّ ﷺ : "سُبْحَانَ الله يَا أَبَا هِرٍّ، إِنَّ المُؤْمِنَ لا يَنْجُسُ" (٣). فالموت لا يسلب المؤمن صِفَةَ الْإِيمَانِ، وَلذلك ذَكَرَ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنِ ... ابن عَبَّاسٍ ﵄ تَعْلِيقًا: "المُسْلِمُ لا يَنْجُسُ حَيًّا وَلا مَيِّتًا" (٤). ويُؤَيِّدُ أَنَّ الْأَمْرَ لِلنَّدْبِ قول ابن عمر ﵄: "كُنَّا نُغَسِّلُ المَيِّتَ فَمِنَّا مَنْ يَغْتَسِلُ وَمِنَّا مَنْ لَا يَغْتَسِلُ" (٥).

стр. 112

هل يَعْرِفُ المَيِّتُ مَنْ يَحْمِلُهُ وَمَنْ يُغَسِّلُهُ وَمَنْ يُدَلِّيهِ فِي قَبْرِهِ ؟ قد يسأل سائل: هل يعرف المَيِّت من يُغَسِّلُهُ ويجهِّزه، وَمَنْ يُدَلِّيهِ فِي ... حفرته؟ والجواب أنّ الأخبار المرويّة بهذا المعنى ضعيفة، ومنها ما أخرجه أحمد والطَّبراني في الأوسط وابنُ أبي الدّنيا في المنامات، عن مُعَاوِيَة أَوْ ابْنِ مُعَاوِيَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ، قَالَ: "إِنَّ المَيِّتَ يَعْرِفُ مَنْ يَحْمِلُهُ وَمَنْ يُغَسِّلُهُ، وَمَنْ يُدَلِّيهِ فِي قَبْرِهِ" (١)، فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ وَهُوَ فِي المَجْلِسِ: مِمَّنْ سَمِعْتَ هَذَا؟ قَالَ: مِنْ أَبِي سَعِيدٍ، فَانْطَلَقَ ابْنُ عُمَرَ إِلَى أَبِي سَعِيدٍ، فَقَالَ: يَا أَبَا سَعِيدٍ مِمَّنْ سَمِعْتَ هَذَا؟ قَالَ: مِنَ النَّبِيِّ ﷺ . وللحديث أطراف أخرى كلّها ضعيفة، والضّعيف لا يحتجّ به في العقائد والأحكام. تبخير أكفان الميّت ثلاثا يُسْتَحَبُّ عِنْدَ الْجُمْهُورِ تَبْخِيرُ أَكْفَانِ المَيِّتِ بِالْعُودِ، فيُتْرَك الْعُودُ عَلَى النَّارِ فِي مِجْمَرٍ، ثُمَّ يُبَخَّر بِهِ الْكَفَنُ حَتَّى تَعْبَق رَائِحَتُهُ. وَتُجْمَر الْأَكْفَانُ ثَلَاثًا قَبْل أَنْ يُدْرَجَ (يُلَفّ) المَيِّتُ فِيهَا، وَالأَصْل فِيهِ قوله ﷺ : "إِذَا أَجْمَرْتُمُ المَيِّتَ، فَأَجْمِرُوهُ ثَلَاثًا" (٢).

стр. 113

تحسين الكفن أمر النَّبيُّ ﷺ بتحسين الكفن لمن وَلِي ذلك كرامة للميّت ولأهله، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ ... (٧٠)﴾ [الإسراء]، فالمؤمن مكرّم حيًّا وميّتًا، عن جَابِر ﵁، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَطَبَ يَوْمًا، فَذَكَرَ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِهِ قُبِضَ فَكُفِّنَ فِي كَفَنٍ غَيْرِ طَائِلٍ (١)، وَقُبِرَ لَيْلًا، فَزَجَرَ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يُقْبَرَ الرَّجُلُ بِاللَّيْلِ حَتَّى يُصَلَّى عَلَيْهِ، إِلَّا أَنْ يُضْطَرَّ إِنْسَانٌ إِلَى ذَلِكَ، وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "إِذَا كَفَّنَ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ، فَلْيُحَسِّنْ كَفَنَهُ" (٢)، والتّحسين يحمل على الصّفة بعيدًا عن المغالاة في الثّمن. صفة الكفن غُسْلُ المَيِّتِ وَكَفَنُهُ وَتَجْمِيرُهُ كلّ ذلك وِتْرٌ، وصفة الكفن ثلاثة أثواب بيض مِنْ قطن تُلَفّ على الميِّت، عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: "كُفِّنَ النَّبِيُّ ﷺ فِي ثَلاثَةِ أَثْوَابٍ سُحُولٍ (قرية باليمن) كُرْسُفٍ (قطن) لَيْسَ فِيهَا قَمِيصٌ وَلا عِمَامَةٌ" (٣). وكفن المرأة ككفن الرّجل، واستحبَّ كثير من أهل العلم أنْ تكفَّن المرأة في خمسة أثواب، واستدلّوا بحديث لَيْلَى ابْنَةِ قَانِفٍ الثَّقَفِيَّةِ (٤)، لكن في سنده ضعف.

стр. 114

لون الكفن السُّنَّة في الكفن أن يكون أبيض، فخَيْرُ الثّياب الْبَيَاض، ولذلك جاء الأمر للأحياء بِلبْسِ الْبِيضِ مِنَ الثِّيَابِ، وتكفين الموتى بها، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "البَسُوا مِنْ ثِيَابِكُم الْبَيَاضَ، فَإِنَّهَا مِنْ خَيْرِ ثِيَابِكُمْ، وَكَفِّنُوا فِيهَا مَوْتَاكُمْ" (١). هذا ولا يذهب الإنسان من متاع هذه الدُّنيا إلّا بالكفن ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ ... (٩٤)﴾ [الأنعام]. الدّليل على أنّ الكفن من رأس المال وأقلّه ثوب واحد ذهب جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إلى أَنَّ الكَفَنَ مِنْ رَأْسِ المَالِ والحجَّة الواضحة أنَّ مُصْعَبَ بْنَ عُمَيْرٍ ﵁، لَمْ يَتْرُكْ إِلَّا بردة قَصِيرَةً كَفَّنَهُ فِيهَا النَّبيُّ ﷺ وَلَمْ يَلْتَفِتْ إِلَى غَرِيمٍ وَلَا وَارِثٍ ولا وصيَّة، فدلَّ أنَّه مِنْ رَأْسِ مَالِ المَيِّتِ، فلمّا قُتِلَ مُصْعَب بْن عُمَيْرٍ ﵁ يَوْمَ أُحُدٍ، قال خَبَّابٌ ﵁: "فَلَمْ نَجِدْ مَا نُكَفِّنُهُ إِلَّا بُرْدَةً إِذَا غَطَّيْنَا بِهَا رَأْسَهُ خَرَجَتْ رِجْلاهُ، وَإِذَا غَطَّيْنَا رِجْلَيْهِ خَرَجَ رَأْسُهُ، فَأَمَرَنَا النَّبِيُّ ﷺ أَنْ نُغَطِّيَ رَأْسَهُ، وَأَنْ نَجْعَلَ عَلَى رِجْلَيْهِ مِنَ الإِذْخِر (٢) " (٣). والحديث دليل على جواز التَّكفين في ثوب واحد للضَّرُورَةِ، ولو لم يكن سابغًا، وأنّه مِنْ أَصْلِ المَالِ. وَلِأَحْمَدَ مِنْ طَرِيقِ خَبَّابٍ أَنَّ حَمْزَةَ لَمْ يُوجَدْ لَهُ كَفَنٌ إِلَّا

стр. 115

بُرْدَة، قَالَ خَبَّاب ﵁: "لَكِنَّ حَمْزَةَ لَمْ يُوجَدْ لَهُ كَفَنٌ إِلَّا بُرْدَةٌ مَلْحَاءُ، إِذَا جُعِلَتْ عَلَى رَأْسِهِ قَلَصَتْ عَنْ قَدَمَيْهِ، وَإِذَا جُعِلَتْ عَلَى قَدَمَيْهِ قَلَصَتْ عَنْ رَأْسِهِ، حَتَّى مُدَّتْ عَلَى رَأْسِهِ، وَجُعِلَ عَلَى قَدَمَيْهِ الْإِذْخِرُ" (١). وهناك دليل آخر على أنّ الكفن يكون مِنْ أَصْلِ مَالِ الميِّت، وهو قول النَّبيِّ ﷺ في الَّذي وَقَصَتْهُ نَاقَتُهُ وَهُوَ مُحْرِمٌ، فَمَاتَ: "اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَكَفِّنُوهُ فِي ثَوْبَيْهِ" (٢). كراهية المغالاة في الكفن عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أنّ أبا بكر ﵁ نَظَرَ إِلَى ثَوْبٍ عَلَيْهِ كَانَ يُمَرَّضُ فِيهِ، بِهِ رَدْعٌ (أَثَر) مِنْ زَعْفَرَانٍ، فَقَالَ: "اغْسِلُوا ثَوْبِي هَذَا وَزِيدُوا عَلَيْهِ ثَوْبَيْنِ، فَكَفِّنُونِي فِيهَا، قُلْتُ: إِنَّ هَذَا خَلَقٌ، قَالَ: إِنَّ الحَيَّ أَحَقُّ بِالْجَدِيدِ مِنَ المَيِّتِ، إِنَّمَا هُوَ لِلْمُهْلَةِ (٣) " (٤). وقال حُذَيْفَة بْن الْيَمَان ﵄: "يَكْفِينِي رَيْطَتَانِ بَيْضَاوَانِ لَيْسَ مَعَهُمَا قَمِيصٌ، وَإِنِّي لَا أَتْرُكُ إِلَّا قَلِيلًا حَتَّى أَنَالَ خَيْرًا مِنْهُمَا أَوْ شَرًّا مِنْهُمَا" (٥).

стр. 116

الدّخول على الميّت إذا أدرج في أكفانه والكشف عن وجهه وتقبيله والبكاء عليه بَعْدَمَا قُبِضَ النَّبيُّ ﷺ ، وأُدرج في أكفانه، جَاءَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ ﵁ على فَرَسِهِ مِنْ مَنْزِله بِالسُّنْحِ مِنْ عَوَالِي المَدِينَةِ، فدخل المسجد، ثمّ دخل على عائشة ﵂ في حجرتها، وقصد النَّبيَّ ﷺ وهو مُسَجًّى (مغطّى) بثوب يمانيّ، فَكَشَفَ الثّوب عن وجهه الشَّريف، وقَبَّلَهُ وَبَكَى. عن عَائِشَةَ ﵂: "أنّ أَبَا بَكْرٍ ﵁ أَقْبَلَ عَلَى فَرَسٍ مِنْ مَسْكَنِهِ بِالسُّنْحِ، حَتَّى نَزَلَ فَدَخَلَ المَسْجِدَ، فَلَمْ يُكَلِّمِ النَّاسَ حَتَّى دَخَلَ عَلَى عَائِشَةَ، فَتَيَمَّمَ رَسُولَ الله ﷺ وَهُوَ مُغَشًّى بِثَوْبِ حِبَرَةٍ، فَكَشَفَ عَنْ وَجْهِهِ ثُمَّ أَكَبَّ عَلَيْهِ فَقَبَّلَهُ وَبَكَى، ثُمَّ قَالَ: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي، والله لا يَجْمَعُ الله عَلَيْكَ مَوْتَتَيْنِ أَمَّا المَوْتَةُ الَّتِي كُتِبَتْ عَلَيْكَ، فَقَدْ مُتَّهَا" (١). فالدّخول على الميّت بعد إدراجه في كفنه، والكشف عن وجهه، وتقبيله والبكاء عليه جائز، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ الله ﵄، قَالَ: "لمَّا قُتِلَ أَبِي (يَوْمَ أُحُدٍ) جَعَلْتُ أَكْشِفُ الثَّوْبَ عَنْ وَجْهِهِ أَبْكِي، وَيَنْهَوْنِي عَنْهُ، وَالنَّبِيُّ ﷺ لا يَنْهَانِي، فَجَعَلَتْ عَمَّتِي فَاطِمَةُ تَبْكِي، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : تَبْكِينَ أَوْ لا تَبْكِينَ مَا زَالَتِ المَلائِكَةُ تُظِلُّهُ بِأَجْنِحَتِهَا حَتَّى رَفَعْتُمُوهُ" (٢). أين يقبّل من الميّت ؟ يقبَّل من الميِّت ما بَيْنَ عَيْنَيْهِ وجبهته، عَنْ عَائِشَةَ ﵂: "أَنَّ أَبَا بَكْرٍ دَخَلَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ بَعْدَ وَفَاتِهِ، فَوَضَعَ فَمَهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ، ووَضَعَ يَدَيْهِ عَلَى صُدْغَيْهِ، وَقَالَ:

стр. 117

وَانَبِيَّاهْ، واخَلِيلَاهْ، وَاصَفِيَّاهْ" (١). وعَنْ عَائِشَةَ ﵂: "ثُمَّ أَتَاهُ (أبو بكر) مِنْ قِبَلِ رَأْسِهِ فَحَدَرَ فَاهُ، وَقَبَّلَ جَبْهَتَهُ، ثُمَّ قَالَ: وَانَبِيَّاهْ ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ ثُمَّ حَدَرَ فَاهُ وَقَبَّلَ جَبْهَتَهُ، ثُمَّ قَالَ: وَاصَفِيَّاهْ ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ وَحَدَرَ فَاهُ وَقَبَّلَ جَبْهَتَهُ، وَقَالَ: وَاخَلِيلَاهْ مَاتَ رَسُولُ الله ﷺ " (٢). رابعًا: دفن الميّت في البلد الّذي مات فيه: ويدفن الميّت في الْبَلَدِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ؛ لأنّ نقله ينافي أمر النَّبيِّ ﷺ في الإسراع بالجنازة، وحديث جَابِرٍ ﵁: "أَنَّ قَتْلَى أُحُدٍ حُمِلُوا مِنْ مَكَانِهِمْ، فَنَادَى مُنَادِي رَسُولِ الله ﷺ : أَنْ رُدُّوا الْقَتْلَى إِلَى مَضَاجِعِهَا" (٣). ولمّا مَاتَ أَخٌ لِعَائِشَةَ ﵂ بِوَادِي الْحَبَشَةِ فَحُمِلَ مِنْ مَكَانِهِ، قَالَتْ: "مَا أَجِدُ فِي نَفْسِي، أَوْ يَحْزُنُنِي فِي نَفْسِي، إِلَّا أَنِّي وَدِدْتُ أَنَّهُ كَانَ دُفِنَ فِي مَكَانِهِ" (٤). تأخير الجنازة لغرض اجتماع الناس يجوز تأخير الجنازة إلى أن يجتمع النَّاس عليها، عن جَابِر ﵁: "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَطَبَ يَوْمًا، فَذَكَرَ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِهِ قُبِضَ فَكُفِّنَ فِي كَفَنٍ غَيْرِ طَائِلٍ، وَقُبِرَ لَيْلًا، فَزَجَرَ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يُقْبَرَ الرَّجُلُ بِاللَّيْلِ حَتَّى يُصَلَّى عَلَيْهِ، إِلَّا أَنْ يُضْطَرَّ إِنْسَانٌ

стр. 118

إِلَى ذَلِكَ" (١). فالدَّفن نهارًا يحضره كثير من النَّاس ويصلّون عليه، ولا يحضره في اللَّيْلِ إلا أفراد قليلون، فنهي النَّبِيِّ ﷺ عن الدَّفن ليلًا؛ لمظنّة قلَّة الحاضرين، فيفوته كثرة دعاء المسلمين المرغَّب فيه، وهذه الكثرة من مقاصد الشَّريعة، فهي أدعى لقبول شفاعتهم في الميّت. فلا حرج في تأخير الدَّفن لإعلام النّاس وتكثير المصلّين عليه، فليس هناك تضييق على المسلمين في مسألة الإسراع في الدَّفن أو الإبطاء به، فتأخير الدَّفن أو تعجيله يعود إلى مصلحة الميّت، فإذا كان في التَّأخير نفعٌ للميّت أُخِّر، كأن يشهد جنازته عدد كبير من المسلمين ليُشَفَّعوا فيه، وإن لم يكن هناك مصلحة تدعو إلى تأخيره قُدِّم إلى الدَّفن، والله أعلم. الصّحابيّ الّذي أَحْيَاهُ الله تعالى وكلمه مواجهة جِيءَ بوالد جابر (عَبْد الله بن عَمْرِو بْن حَرَام الأنصاريّ) ﵁ يَوْمَ أُحُدٍ قَدْ مُثِّلَ بِهِ، حَتَّى وُضِعَ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ الله ﷺ وَقَدْ سُجِّيَ ثَوْبًا، فجعل ابنه جابر يكشف الثّوب عن وجه أبيه ويبكي، فلمَّا رآه النَّبيُّ ﷺ مُنْكَسِرًا، بشَّره بأنّ الله تعالى أَحْيَا أَبَاه فكَلَّمَهُ كِفَاحًا مُوَاجَهَةً لَيْسَ بَيْنَهُمَا حجابٌ وَلَا رَسُولٌ، وهذه فَضِيلَة لم تُسْمَعْ لغيره من الشُّهَدَاءِ. عن جابر ﵁، قال: "لَقِيَنِي النَّبِيُّ ﷺ ، فَقَالَ لِي: يَا جَابِرُ، مَا لِي أَرَاكَ مُنْكَسِرًا؟ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ الله، اسْتُشْهِدَ أَبِي وَتَرَكَ عِيَالًا وَدَيْنًا، فَقَالَ: أَلَا أُبَشِّرُكَ بِمَا لَقِيَ الله بِهِ أَبَاكَ؟ قلت: بلى يا رسول الله، قَالَ: مَا كَلَّمَ الله أَحَدًا قَطُّ إلا من وراء

стр. 119

حجاب، وإنّ الله أحيا أَبَاكَ فَكَلَّمَهُ كِفَاحًا، فَقَالَ: يَا عَبْدِي، تَمَنَّ أُعْطِكَ، قَالَ: تُحْيِينِي فَأُقْتَلَ قِتْلَةً ثَانِيَةً، قَالَ الله: إِنِّي قَضَيْتُ أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ، وَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ... ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (١٦٩)﴾ ... [آل عمران] " (١). فإن قيل: كيف يكلمه الله تعالى مواجهة، وقد قال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ (٥١)﴾ [الشّورى]. فَالْجَوَاب أنَّ الْآيَة مَخْصُوصَة مُقَيَّدة بدار الدُّنْيَا، فالله تعالى لا يكلِّم فيها بشرًا مواجهة، والمراد أنَّ الله تعالى كلَّمه مواجهة بعدما أحياه حياة الشُّهداء، ... قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ (١٥٤)﴾ [البقرة]، وقال تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (١٦٩)﴾ [آل عمران]. فإن قيل كيف استحقّ هذه المنزلة عند الله تعالى، وقد تَرَكَ دَيْنًا وحقوقًا، والشّهادة لا تكَفِّرُ حُقُوقَ الْآدَمِيِّينَ؟ ! والجواب، أنّه ترك دينًا وترك وراءه وفاءً له كما بيَّنته أحاديث أخرى، وكان بنيّته الوفاء بدينه، فقد أوصى ابنه جابرًا ﵁ أن يقضي عنه دينه، قال: "فَإِنَّ عَلَيَّ دَيْنًا فَاقْضِ، وَاسْتَوْصِ بِأَخَوَاتِكَ خَيْرًا" (٢).

стр. 120

الشّهيد يغفر له كلّ ذنب إلا الدّين يَتَجَاوَزُ الله ﷻ عَمَّنْ قُتِلَ في سبيله خَطَايَاهُ كلّها إِلَّا الدَّيْنَ، قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "يُغْفَرُ لِلشَّهِيدِ كُلُّ ذَنْبٍ إِلَّا الدَّيْنَ" (١). ذلك أنّ الدَّين من حقوق العباد، وحقوق العباد مَبْنَاهَا على المُشَاحَّةِ، أمّا حقوق الله تعالى فمَبْنِيَّة عَلَى المُسَاهَلَةِ، قال تعالى: ﴿فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ (١٩٥)﴾ [آل عمران]. قَالَ رَجُلٌ: "يَا رَسُولَ الله، أَرَأَيْتَ إِنْ قُتِلْتُ فِي سَبِيلِ الله، تُكَفَّرُ عَنِّي خَطَايَايَ؟ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ الله ﷺ : نَعَمْ، إِنْ قُتِلْتَ فِي سَبِيلِ الله، وَأَنْتَ صَابِرٌ مُحْتَسِبٌ، مُقْبِلٌ غَيْرُ مُدْبِرٍ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : كَيْفَ قُلْتَ؟ قَالَ: أَرَأَيْتَ إِنْ قُتِلْتُ فِي سَبِيلِ الله أَتُكَفَّرُ عَنِّي خَطَايَايَ؟ فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : نَعَمْ، وَأَنْتَ صَابِرٌ مُحْتَسِبٌ، مُقْبِلٌ غَيْرُ مُدْبِرٍ، إِلَّا الدَّيْنَ، فَإِنَّ جِبْرِيلَ ﵇ قَالَ لِي ذَلِكَ" (٢). فالشَّهادة لا تكفّر حُقُوق الآدَمِيِّينَ وكذلك سائر الأعمال الصّالحة، فلا بدّ من إبْرَاءِ الذِّمَّةِ وأداء الدَّين والتَّوبة النَّصوح، أو أن تكون مسامحة. مَن يؤدّي الله تعالى عنه دينه لكن إذا كان المسلم يُرِيدُ قَضَاءَ دَيْنِهِ وفي نَفْسِهِ الوَفَاء، ومَاتَ قَبْلَ أن يَفِيَ بِهِ، وَلَمْ يُوَفَّ عَنْهُ فِي الدُّنْيَا، وَفَّاهُ اللهُ تعالى عَنْه، وأرضى خصماءَه، ولَا تَبِعَةَ عَلَيْهِ

стр. 121

إنْ شَاءَ الله تعالى، فالأمور بمقاصدها، عَنْ مَيْمُونَةَ بِنْتِ الْحَارِثِ ﵂، قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ ، يَقُولُ: "مَنْ اسْتَدَانَ دَيْنًا، يَعْلَمُ اللهُ مِنْهُ أَنَّهُ يُرِيدُ أَدَاءَهُ، أَدَّاهُ اللهُ عَنْهُ" (١). خامسًا: المبادرة إلى قضاء دين الميّت: أمر الله تعالى بأَدَاءِ ما يتعلّق بالذِّمَّة إلى أهلها، كالدُّيُونِ وغيرها، فقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا ... (٥٨)﴾ [النّساء]، ولذلك يجب الإِسراع والتَّعجيل في قضاء دين الميّت، سواء كان هذا الدَّين لله تعالى أو للعباد، قَالَ النَّبيُّ ﷺ : "لَا تَزَالُ نَفْسُ ابْنِ آدَمَ مُعَلَّقَةً بِدَيْنِهِ حَتَّى يُقْضَى عَنْهُ" (٢) والحديث فيه حثّ لِلْوَرَثَةِ عَلَى المبادرة إلى قَضَاءِ دَيْنِ المَيِّتِ. ومعنى معلّقة أَيْ مَحْبُوسَةٌ بِسَبَبِهِ، ولأحمد عَنْ سَمُرَةَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ ، قَالَ: ... "إِنَّ صَاحِبَكُمْ مُحْتَبَسٌ عَلَى بَابِ الْجَنَّةِ فِي دَيْنٍ عَلَيْهِ" (٣). انتفاع الميت بقضاء دينه عَنْ سَعْدِ بْنِ الْأَطْوَلِ، قَالَ: مَاتَ أَخِي وَتَرَكَ ثَلَاثَ مِئَةِ دِينَارٍ، وَتَرَكَ وَلَدًا صِغَارًا، فَأَرَدْتُ أَنْ أُنْفِقَ عَلَيْهِمْ، فَقَالَ لِي رَسُولُ الله ﷺ : "إِنَّ أَخَاكَ مَحْبُوسٌ بِدَيْنِهِ، فَاذْهَبْ، فَاقْضِ عَنْهُ" (٤). وعَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدبٍ، قَالَ: صَلَّى رَسُولُ الله ﷺ ذَاتَ

стр. 122

يَوْمٍ فَقَالَ: "هَا هُنَا أَحَدٌ مِنْ بَنِي فُلَانٍ؟ فَنَادَى ثَلَاثًا لَا يُجِيبُهُ أَحَدٌ، ثُمَّ قَالَ: إِنَّ الرَّجُلَ الَّذِي مَاتَ بَيْنَكُمْ قَدِ احْتُبِسَ عَنِ الْجَنَّةِ مِنْ أَجْلِ الدَّيْنِ الَّذِي عَلَيْهِ، فَإِنْ شِئْتُمْ فَافْدُوهُ، وَإِنْ شِئْتُمْ فَأَسْلِمُوهُ إِلَى عَذَابِ الله" (١). من مات وعليه دين ولم يقض عنه أخذ من حسناته على المسلم قَضَاءُ دينه متى حلَّ أجله قبل أن يحين أجله، فمَنْ أخَّر حقًّا للعباد ثمّ مات ولم يُقْض دينه ولم يكن بنيّته قضاؤه أُخِذَ يوم القيامة من حسناته، فَإِنْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ أُخِذَ مِنْ خَطَايَا صاحب الحقّ فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ، قَالَ النَّبيُّ ﷺ : ... "وَمَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ، فَلَيْسَ بِالدِّينَارِ وَلَا بِالدِّرْهَمِ، وَلَكِنَّهَا الْحَسَنَاتُ وَالسَّيِّئَاتُ" (٢). وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ ، قَالَ: "أَتَدْرُونَ مَا المُفْلِسُ؟ قَالُوا: المُفْلِسُ فِينَا مَنْ لَا دِرْهَمَ لَهُ وَلَا مَتَاعَ، فَقَالَ: إِنَّ المُفْلِسَ مِنْ أُمَّتِي يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِصَلَاةٍ، وَصِيَامٍ، وَزَكَاةٍ، وَيَأْتِي قَدْ شَتَمَ هَذَا، وَقَذَفَ هَذَا، وَأَكَلَ مَالَ هَذَا، وَسَفَكَ دَمَ هَذَا، وَضَرَبَ هَذَا، فَيُعْطَى هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، فَإِنْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ قَبْلَ أَنْ يُقْضَى مَا عَلَيْهِ أُخِذَ مِنْ خَطَايَاهُمْ فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ، ثُمَّ طُرِحَ فِي النَّارِ" (٣).

стр. 123

فمن اقترض من عِرْض أخيه المسلم شيئًا بِسَبٍّ أو غيبة أو حقّ أو غيره، أو كَانَتْ لأَخِيه عِنْدَهُ مَظْلمَةٌ مِنْ دمِهِ أو ماله أو عِرْضِهِ أو أرضه، فليسأله أن يجعله في حلٍّ منها، وليطلبه ببراءة ذمَّته مِنْ تَبِعَاتِها، وليقل لأخيه: بِعْنِي مَظْلَمَتَكَ، أو ردّها عليّ لتكون قِصَاصًا، فلا أريد أن ألقى الله ظالمًا. وإعادة الحقوق بأدائها إلى أهلها، أو استحلالهم منها، وطلب العفو والمغفرة أمر ممكن في الدّنيا، أمّا فِي الْآخِرَةِ فإنّ أهْلَ الحقوق أَشَدُّ تَقَاضِيًا؛ لما يرون من الأهوال، فلا يفرِّط أحد بحقّ له، وهو يعلم أنّه سيأخذ من الحسنات في ذلك اليوم، أو يتحلّل من السَّيِّئَاتِ؛ فمن أدّى أو أرضى في الدّنيا، فقد فاز فوزًا عظيمًا، ومن أعرض وأبى، فقد أودى بنفسه وهوى. فإذا علمت أنَّ التَّقاضي والتَّقَاصَّ في الدِّماء والأموال والأعراض يوم القيامة بالحسنات والسَّيِّئات، علمت لِمَ حذَّر النَّبيُّ ﷺ منها: "كُلُّ المُسْلِمِ عَلَى المُسْلِمِ حَرَامٌ، دَمُهُ، وَمَالُهُ، وَعِرْضُهُ" (١)، فإيّاك وحمل المظالم، قال تعالى: ﴿وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا (١١١)﴾ [طه]. وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "مَنْ كَانَتْ لَهُ مَظْلَمَةٌ لِأَخِيهِ مِنْ عِرْضِهِ أَوْ شَيْءٍ، فَلْيَتَحَلَّلْهُ مِنْهُ اليَوْمَ، قَبْلَ أَنْ لا يَكُونَ دِينَارٌ وَلا دِرْهَمٌ، إِنْ كَانَ لَهُ عَمَلٌ صَالِحٌ أُخِذَ مِنْهُ بِقَدْرِ مَظْلَمَتِهِ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ حَسَنَاتٌ أُخِذَ مِنْ سَيِّئَاتِ صَاحِبِهِ فَحُمِلَ عَلَيْهِ" (٢).

стр. 124

قصاص المظالم يوم القيامة على قنطرة بين الجنة والنّار مَظَالِمُ الْعِبَادِ لا يغفرها الله تعالى يوم القيامة، فلا بدَّ من القصاص، فالمظلوم يلقى ظالمه، ويأخذ منه حَقَّه وافِرًا، قال تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ (٣١)﴾ [الزّمر]. فالمؤمنون إِذَا خَلَصَوا مِنَ النَّارِ، وجَازُوا الصِّرَاط، فإنّه يحبس منهم ويوقف مَنْ كان عليه مظالم للمؤمنين على قنطرة بَين الْجَنَّةِ وَالنَّارِ، فَيَتَقَاصُّونَ ويأخذ كلُّ ذِي حَقٍّ حَقَّه، يعطي الظّالم من حسناته، أو يحمل عن المظلوم من أوزاره وسيّئاته. عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁، عَنْ رَسُولِ الله ﷺ قَالَ: "إِذَا خَلَصَ المُؤْمِنُونَ مِنَ النَّارِ حُبِسُوا بِقَنْطَرَةٍ بَيْنَ الجَنَّةِ وَالنَّارِ، فَيَتَقَاصُّونَ مَظَالِمَ كَانَتْ بَيْنَهُمْ فِي الدُّنْيَا حَتَّى إِذَا نُقُّوا وَهُذِّبُوا، أُذِنَ لَهُمْ بِدُخُولِ الجَنَّةِ، فَوَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَأَحَدُهُمْ بِمَسْكَنِهِ فِي الجَنَّةِ أَدَلُّ بِمَنْزِلِهِ كَانَ فِي الدُّنْيَا" (١). وَالمُرَادُ بِالمُؤْمِنِينَ بَعْضُهُمْ لا كلّهم، فهناك طَوَائِف مِنَ المؤمنين يدخلون الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ وَلَا عَذَابٍ. حكم إحالة دين الميّت والصّلاة عليه لا شَكَّ أنَّ إحالة دَيْن المَيِّتِ عَلَى رَجُلٍ تجوز، عَنْ جَابِرٍ ﵁، قَالَ: "تُوُفِّيَ رَجُلٌ فَغَسَّلْنَاهُ، وَحَنَّطْنَاهُ، وَكَفَّنَّاهُ، ثُمَّ أَتَيْنَا بِهِ رَسُولَ الله ﷺ يُصَلِّي عَلَيْهِ، فَقُلْنَا: تُصَلِّي عَلَيْهِ؟ فَخَطَا خُطىً، ثُمَّ قَالَ: أَعَلَيْهِ دَيْنٌ؟ قُلْنَا: دِينَارَانِ، فَانْصَرَفَ، فَتَحَمَّلَهُمَا أَبُو قَتَادَةَ، فَأَتَيْنَاهُ، فَقَالَ أَبُو قَتَادَةَ: الدِّينَارَانِ عَلَيَّ، فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : حَقُّ الْغَرِيمُ، وَبَرِئَ مِنْهُمَا المَيِّتُ؟ قَالَ: نَعَمْ، فَصَلَّى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ بِيَوْمٍ: مَا فَعَلَ

стр. 125

الدِّينَارَانِ؟ فَقَالَ: إِنَّمَا مَاتَ أَمْسِ، قَالَ: فَعَادَ إِلَيْهِ مِنَ الْغَدِ، فَقَالَ: لَقَدْ قَضَيْتُهُمَا، فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : الْآنَ بَرَدَتْ عَلَيْهِ جِلْدُهُ" (١). هذا وقد صَلَّى النَّبيُّ ﷺ عَلَى مَنْ مات وعَلَيْهِ دَيْنٌ وقضى عنه دينه بَعْدَ أَنْ كَانَ يَمْتَنِعُ مِن الصَّلَاةِ عليه، وذلك بعد أن فَتَحَ الله تعالى عَلَيْهِ الْبِلَادَ وَكَثُرَت الْأَمْوَالُ، فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: "أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ كَانَ يُؤْتَى بِالرَّجُلِ المُتَوَفَّى، عَلَيْهِ الدَّيْنُ، فَيَسْأَلُ: هَلْ تَرَكَ لِدَيْنِهِ فَضْلًا؟ فَإِنْ حُدِّثَ أَنَّهُ تَرَكَ لِدَيْنِهِ وَفَاءً صَلَّى، وَإِلَّا قَالَ لِلْمُسْلِمِينَ: صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ، فَلَمَّا فَتَحَ الله عَلَيْهِ الفُتُوحَ، قَالَ: أَنَا أَوْلَى بِالمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ، فَمَنْ تُوُفِّيَ مِنَ المُؤْمِنِينَ فَتَرَكَ دَيْنًا، فَعَلَيَّ قَضَاؤُهُ، وَمَنْ تَرَكَ مَالًا فَلِوَرَثَتِهِ" (٢). فمَنْ كان عليه دين مِنَ الصَّحابة ويُرِيدُ أَدَاءَهُ، فَمَاتَ وَلَمْ يُؤَدِّهِ قضى عنه دينه النَّبِيُّ ﷺ ؛ حرصًا منه ﷺ على إبراء ذمّته وحسن عاقبته، قال النَّبِيُّ ﷺ : "مَا مِنْ مُؤْمِنٍ إِلَّا وَأَنَا أَوْلَى بِهِ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، اقْرَؤوا إِنْ شِئْتُمْ: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ (٦)﴾ [الأحزاب]، فَأَيُّمَا مُؤْمِنٍ مَاتَ وَتَرَكَ مَالًا فَلْيَرِثْهُ عَصَبَتُهُ مَنْ كَانُوا، وَمَنْ تَرَكَ دَيْنًا أَوْ ضَيَاعًا، فَلْيَأْتنِي فَأَنَا مَوْلاهُ" (٣). وقال ﷺ : "مَنْ حَمَلَ مِنْ أُمَّتِي دَيْنًا، ثُمَّ جَهَدَ فِي قَضَائِهِ، ثُمَّ مَاتَ قَبْلَ أَنْ يَقْضِيَهُ، فَأَنَا وَلِيُّهُ" (٤).

стр. 126

ولذلك من مات وعليه دين، لزم ولي الأمر قضاء دينه إن كان قد جَدَّ في قضائه، فإن تطوَّع أهله أو من يتحرّون أمره وقضوا عنه دينه جاز. متى تبرأ ذمّة الميّت بعد إحالة الدّين عنه ؟ يصِحّ إحالة دَيْنِ المَيِّتِ كما تقدّم، لكن لا بدّ من موافقة صاحب الدَّين على الإحالة، ويستحبّ لصاحب الدَّين أن يقبل الإحالة إن لم يكن هناك مانع، كمعرفته بأنَّ الضَّامن لِدَيْن الميّت عاجز عن السَّداد، أو لا يفي بدينه، أمّا إذا كان الضَّامن قادرًا على قضاء الدَّين وصادقًا، فإنّه يستحبّ ألّا يردّه، قال النَّبيُّ ﷺ : ... "وَمَنْ أُتْبِعَ عَلَى مَلِيٍّ فَلْيَتَّبِعْ" (١). كما ويلزم مَنْ أحيل عليه الدَّين الوفاء بقضاء الدَّين عن الميّت، حتَّى تبرأ ذمَّة الميّت، فإنّما تبرأ ذمّة الميِّت بأداء دينه لا بمجرد ضمانه، لقوله ﷺ لأبي قَتَادَة بعد أن قضى عن الميّت دينه: "الْآنَ بَرَدَتْ عَلَيْهِ جِلْدُهُ". من الحقوق التي تعقب وفاة أحد الزوجين من هذه الحقوق مِيرَاثُ الرَّجُلِ مِن امْرَأَتِهِ وَالمَرْأَة مِنْ زَوْجِهَا، فالزَّوج يَسْتَحِقُّ النّصف من مال زوجته إذا توفّيت ولم يكن لها ولد منه أو من غيره، فإن كان لها ولد فله الرّبع، من بعد إخراج الوصيّة إن أوصت بثلث مالها أو بشيء من مالها، وسداد الدّين إن كان عليها دين، قال تعالى: ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ ... (١٢)﴾ [النّساء].

стр. 127

وأمّا الزّوجة فلها ربع مال زوجها إن مات ولم يترك أولادًا منها أو من غيرها، ولها الثّمن إن ترك أولادًا، قال تعالى: ﴿وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ ... (١٢)﴾ [النّساء]. هذا وإن كان له غير زوجة ولم يكن له ولد فلهنّ الرّبع يشتركْنَ فيه بالتّساوي، وإن كان له ولد فلهنّ الثّمن يشتركن فيه. ومن الحقوق أن تمكث المرأة في بيت زوجها بعد وفاته أربعة أشهر وعشر ليال لا تتزوج ولا تخطب، ولا تتزيّن، ولا تمسّ طيبًا، ولا تخرج في غير حاجة حتّى تنقضي عدتها، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا (٢٣٤)﴾ [البقرة]. إلا أن تكون حاملًا فإن عدّتها تنقضي بوضع حملها؛ لقوله تعالى: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ (٤)﴾ [الطّلاق]، ولحديث سُبَيْعَة ﵂: "أَنَّهَا كَانَتْ تَحْتَ سَعْدِ بْنِ خَوْلَةَ، وَكَانَ مِمَّنْ شَهِدَ بَدْرًا، فَتُوُفِّيَ عَنْهَا فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ وَهِيَ حَامِلٌ، فَلَمْ تَنْشَبْ أَنْ وَضَعَتْ حَمْلَهَا بَعْدَ وَفَاتِهِ، فَلَمَّا تَعَلَّتْ مِنْ نِفَاسِهَا، تَجَمَّلَتْ لِلْخُطَّابِ، فَدَخَلَ عَلَيْهَا أَبُو السَّنَابِلِ بْنُ بَعْكَكٍ - رَجُلٌ مِنْ بَنِي عَبْدِ الدَّارِ - فَقَالَ لَهَا: مَا لِي أَرَاكِ مُتَجَمِّلَةً؟ لَعَلَّكِ تَرْجِينَ النِّكَاحَ، إِنَّكِ وَالله، مَا أَنْتِ بِنَاكِحٍ حَتَّى تَمُرَّ عَلَيْكِ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشْرٌ، قَالَتْ سُبَيْعَةُ: فَلَمَّا قَالَ لِي ذَلِكَ، جَمَعْتُ عَلَيَّ ثِيَابِي حِينَ أَمْسَيْتُ، فَأَتَيْتُ رَسُولَ الله ﷺ ، فَسَأَلْتُهُ عَنْ ذَلِكَ، فَأَفْتَانِي بِأَنِّي قَدْ حَلَلْتُ حِينَ

стр. 128

وَضَعْتُ حَمْلِي، وَأَمَرَنِي بِالتَّزَوُّجِ إِنْ بَدَا لِي" (١). ومن الحقوق حفظ الجميل والعهد والودِّ حتَّى بعد الوفاة، وإكرام وصلة أصدقاء الزَّوج المتوفَّى وصدائق الزَّوجة المتوفّاة، ولنا في رسول الله ﷺ أسوة حسنة، عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: "مَا غِرْتُ عَلَى أَحَدٍ مِنْ نِسَاءِ النَّبِيِّ ﷺ ، مَا غِرْتُ عَلَى خَدِيجَةَ، وَمَا رَأَيْتُهَا، وَلَكِنْ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُكْثِرُ ذِكْرَهَا، وَرُبَّمَا ذَبَحَ الشَّاةَ ثُمَّ يُقَطِّعُهَا أَعْضَاءً، ثُمَّ يَبْعَثُهَا فِي صَدَائِقِ خَدِيجَةَ، فَرُبَّمَا قُلْتُ لَهُ: كَأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِي الدُّنْيَا امْرَأَةٌ إِلَّا خَدِيجَةُ، فَيَقُولُ: إِنَّهَا كَانَتْ، وَكَانَتْ، وَكَانَ لِي مِنْهَا وَلَدٌ" (٢).

стр. 129

القسم السابع رحلة الرّوح الفرق بين النّفس والرّوح الَّذِي عليه أكثر أهل العلم أنَّ النَّفْسَ وَالرُّوحَ شَيْءٌ وَاحِد؛ لما ورد من إطلاق أحدهما على الآخر، قال تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ ... (٩٣)﴾ [الأنعام]، والمراد بالأنفس الأرواح. وعَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: "قُبِضَ رَسُولُ الله ﷺ وَرَأْسُهُ بَيْنَ سَحْرِي وَنَحْرِي، قَالَتْ: فَلَمَّا خَرَجَتْ نَفْسُهُ، لَمْ أَجِدْ رِيحًا قَطُّ أَطْيَبَ مِنْهَا" (١)، تريد روحه. وعن أبي هُرَيْرَة ﵁، قال: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "أَلَمْ تَرَوُا الْإِنْسَانَ إِذَا مَاتَ شَخَصَ بَصَرُهُ؟ قَالُوا: بَلَى، قَالَ: فَذَلِكَ حِينَ يَتْبَعُ بَصَرُهُ نَفْسَهُ" (٢)، أي روحه. وممّا يحتجُّ به على أنَّ النَّفس وَالرّوح بِمَعْنىً قولُ بِلَال ﵁: "أَخَذَ بِنَفْسِي الَّذِي أَخَذَ - بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي يَا رَسُولَ الله- بِنَفْسِكَ" (٣). لكن المسألة لا تخلو من خلاف، فقد قَالَ آخَرُونَ النَّفْسُ غَيْرُ الرُّوحِ، والخلاف فيها شهير. سكرة الموت يمرُّ الإنسان في رحيله من الدُّنيا إلى عالم البرزخ بشدَّة تعقبها شدَّة، وأوَّلُ

стр. 130

هذه الشَّدائد سكرةُ الموت، قال تعالى: ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ (١٩)﴾ [ق]، فقد استعير لفظ السَّكرة لهول الموت وشدَّته. وهناك آيات أُخَر تصوِّر شدَّة الموت، قال تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ ... (٩٣)﴾ [الأنعام]، وقال تعالى: ﴿فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ (٨٣)﴾ [الواقعة]، وقال تعالى: ﴿ ... كَلَّا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ (٢٦)﴾ [القيامة]. وقال تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ... (٥٧)﴾ [العنكبوت]، أي كلّ نفس تحسُّ بشدَّة الموت عند الاحتضار. ولفظة (ذائقة) فيها استعارة تصْرِيحِيَّة تبَعِيَّة، فقد شبَّه طعم الموت المرّ عند الاحتضار، بطعم الشَّراب المرّ الّذي يتجرّعه الإنسان، واستخدم المشتقّ اسم الفاعل (ذائق)، وعدل عن الفعل (تذوق) للدَّلالة على التَّحقُّق. ولمّا مرض النَّبيُّ ﷺ مرض الموت كان عنده عُلْبَةٌ فِيهَا مَاءٌ، فَجَعَلَ يُدْخِلُ يَدَيْهِ فِي المَاءِ، فَيَمْسَحُ بِهِمَا وَجْهَهُ، وَيَقُولُ: "لا إِلَهَ إِلَّا الله، إِنَّ لِلْمَوْتِ سَكَرَاتٍ" (١). وهذا يدلّك على شدَّة كان يعالجها النَّبيُّ ﷺ ، فإذا كان هذا حاله ﷺ ؛ فاللَّهُمَّ أعنَّا على مَا بَين أَيْدِينَا، أَعِنَّا عَلَى سَكَرَات المَوْت يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ! وخير زاد نواجه به الشَّدَائِد أن نحفظ حدود الله تعالى، قال النَّبيُّ ﷺ ... لابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ يَوْمًا: "يَا غُلامُ، أَلا أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ يَنْفَعُكَ اللهُ بِهِنَّ؟ فَقُلْتُ: بَلَى. فَقَالَ: احْفَظِ اللهَ يَحْفَظْكَ، احْفَظِ اللهَ تَجِدْهُ أَمَامَكَ، تَعَرَّفْ إِلَيْهِ فِي الرَّخَاءِ،

стр. 131

يَعْرِفْكَ فِي الشِّدَّةِ ... " (١). فمن حفظ الله تعالى في صحته حفظه الله تعالى في مرضه، ومَنْ تعرَّف عليه سبحانه في الرَّخاء عرفه الله تعالى في الشِّدَّةِ. وخلاصة الخلاصة من أراد أن يكون في حفظ الله تعالى وأن يأتيَه بقلب منيب، فعليه أن يحفظ حدوده، وحفظ حدود الله تعالى يكون بامتثال أوامره واجتناب نواهيه، فمن فعل ذلك فَهُوَ مِنَ الْحَافِظِينَ لِحُدُودِ الله تعالى، الَّذِينَ مَدَحَهُمُ بقوله : ﴿هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ (٣٢) مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ (٣٣)﴾ [ق]. الموت راحة للمؤمن ممَّا يدلُّ على استراحة المؤمن بالموت أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ مُرَّ عَلَيْهِ بِجِنَازَةٍ، فَقَالَ: "مُسْتَرِيحٌ وَمُسْتَرَاحٌ مِنْهُ، قَالُوا: يَا رَسُولَ الله، مَا المُسْتَرِيحُ وَالمُسْتَرَاحُ مِنْهُ؟ قَالَ: العَبْدُ المُؤْمِنُ يَسْتَرِيحُ مِنْ نَصَبِ الدُّنْيَا وَأَذَاهَا إِلَى رَحْمَةِ الله ... " (٢) الحديث. ولذلك كان من دعاء النَّبِيِّ ﷺ : "وَاجْعَلِ المَوْتَ رَاحَةً لِي مِنْ كُلِّ شَرٍّ" (٣)، اللَّهُمَّ اجعل الموت راحة لنا، ولقِّنا منك رحمة ورضوانًا، وعفوًا وغفرانًا. وممّا يحتجُّ به ما جاء في روح المؤمن إذا فاضت إِلَى بَارِئِهَا، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : " حَتَّى يَأْتُونَ بِهِ أَرْوَاحَ المُؤْمِنِينَ فَلَهُمْ أَشَدُّ فَرَحًا بِهِ مِنْ أَهْلِ الْغَائِبِ بِغَائِبِهِمْ فَيَقُولُونَ: مَا فَعَلَ فُلَانٌ؟ فَيَقُولُونَ: دَعُوهُ حَتَّى يَسْتَرِيحَ فَإِنَّهُ كَانَ فِي غَمِّ

стр. 132

الدُّنْيَا ... " (١) الحديث. وممّا يستدلّ به على استراحة المؤمن بالموت، قول النَّبِيِّ ﷺ لفاطمة ﵍: "لَا كَرْبَ عَلَى أَبِيكِ بَعْدَ الْيَوْمِ، إِنَّهُ قَدْ حَضَرَ مِنْ أَبِيكِ مَا لَيْسَ بِتَارِكٍ مِنْهُ أَحَدًا، المُوَافَاةُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ" (٢). ساعة الموت وأنّ من مات قامت قيامته ساعةُ كلّ حيّ موته، فإذا مات قَامَتْ قِيَامَتُهُ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: كَانَ رِجَالٌ مِنَ الأَعْرَابِ جُفَاةً، يَأْتُونَ النَّبِيَّ ﷺ فَيَسْأَلُونَهُ: مَتَى السَّاعَةُ؟ فَكَانَ يَنْظُرُ إِلَى أَصْغَرِهِمْ فَيَقُولُ: "إِنْ يَعِشْ هَذَا لا يُدْرِكْهُ الهَرَمُ حَتَّى تَقُومَ عَلَيْكُمْ سَاعَتُكُمْ" (٣)، أي موتكم. فأرشدهم النَّبيُّ ﷺ إلى حسن الاستعداد وَالتَّزَوُّدِ ليوم المعاد، وأنّ مَنْ مات حان حينُه وقامت ساعتُه. الملائكة الموكلة بنزع الأرواح وَكَّلَ اللهُ تعالى ملكَ الموتِ بنزع الأرواح، قال تعالى: ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ (١١)﴾ [السّجدة]. ولملك الموت أعوان من الملائكة، قال تعالى: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ (٦١)﴾ [الأنعام]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ ... (٩٧)﴾ [النّساء]، وقال

стр. 133

تعالى: ﴿وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا (١) وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطًا (٢)﴾ [النَّازعات]. وإسناد التَّوَفِّي إلى ملك الموت وأعوانه يفسِّر اتَّفَاقَ مَوْت النّفوس فِي طَرْفَةِ عَيْنٍ في المشارق والمغارب، والأمر كلّه بمشيئة الله تعالى، ولذلك أَسْنَد التَّوَفِّي لنفسه، فقال تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ ... (٤٢)﴾ [الزّمر]. نزول الْمَلَائِكَةِ عِنْدَ الْمَوْتِ بالبشرى على المؤمنين والوعيد على الكافرين لأولياء الله تعالى المتَّقين بشائرُ من ربِّهم ولله الحمد، منها ما هو في الحياة الدُّنيا كالرُّؤيا الصَّالحة، سَأَل عُبَادَةُ بْن الصَّامِت ﵁ رَسُولَ الله ﷺ عَنْ قَوْلِهِ ﵎: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ ... (٦٤)﴾ [يونس]، فَقَالَ: "هِيَ الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ يَرَاهَا المُسْلِمُ أَوْ تُرَى لَهُ" (١). ومنها ما هو عِنْدَ المَوْتِ، فالملائكة تنزل على المؤمنين ساعة الاحتضار تبشّرهم بالجنَّة والرَّحْمَةِ وَالرِّضْوَانِ، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٣٠)﴾ [فصّلت]، وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٣٢)﴾ [النّحل]، وقَالَ تعالى: ﴿يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (٢٧) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً (٢٨) فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (٢٩) وَادْخُلِي جَنَّتِي (٣٠)﴾ [الفجر].

стр. 134

ومنها ما هو في الحياة الآخرة، فلهم البشرى من الله تعالى بحسن الثَّواب والنَّعيم المقيم في الجنَّة، ﴿يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ (٢١) خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (٢٢)﴾ [التّوبة]. ولهم البشرى من الملائكة، قال تعالى: ﴿يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٢)﴾ [الحديد]. فإذا دخلوا الجنَّة دخلت الملائكة عليهم من أبوابها الثَّمانية مبشِّرة بالسَّلامة، قال تعالى: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ (٢٣) سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ (٢٤)﴾ [الرّعد]. أمّا الكفَّار فلا بشرى لهم في لُجَجِ الموت وغمراته، قال تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ (٥٠)﴾ [الأنفال]، وقال تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ (٩٣)﴾ [الأنعام]، وقال تعالى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ (٢٧)﴾ [محمّد]. ولا بشرى لهم يوم القيامة، قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلَائِكَةَ لَا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ ... (٢٢)﴾ [الفرقان]. فاذكر يَوْمًا يَجِيئُكَ فيه الْبَشِيرُ مِنَ الله تعالى إِمَّا بِرِضَاه وَإِمَّا بِغضبه وسَخَطِهِ!

стр. 135

وقد يسأل سائل ويقول قائل: متى يَرَى المَلَائِكَةَ مَنْ مات فَجْأَةَ؟ وكيف يراهم مَنْ مات غريقًا أو حريقًا؟ والجواب أنَّ الله تعالى قادر لَا يعجزه شَيْء، وقدرته أعظم من هذا، وَلَسْنا مكلَّفين فِي الاطِّلاع على ذلك. المؤمن عند الوفاة إذا بشّر برضوان الله كان المَوت أحب إليه من الحَيَاة بخلاف الكافر عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "مَنْ أَحَبَّ لِقَاءَ الله، أَحَبَّ اللهُ لِقَاءَهُ، وَمَنْ كَرِهَ لِقَاءَ الله، كَرِهَ اللهُ لِقَاءَهُ، فَقُلْتُ: يَا نَبِيَّ الله أَكَرَاهِيَةُ المَوْتِ؟ فَكُلُّنَا نَكْرَهُ المَوْتَ، فَقَالَ: لَيْسَ كَذَلِكِ، وَلَكِنَّ المُؤْمِنَ إِذَا بُشِّرَ بِرَحْمَةِ الله وَرِضْوَانِهِ وَجَنَّتِهِ، أَحَبَّ لِقَاءَ الله، فَأَحَبَّ اللهُ لِقَاءَهُ، وَإِنَّ الْكَافِرَ إِذَا بُشِّرَ بِعَذَابِ الله وَسَخَطِهِ، كَرِهَ لِقَاءَ الله، وَكَرِهَ اللهُ لِقَاءَهُ" (١). المؤمن إذا فاضت روحه لا يسرها أن ترجع ولو أنّ لها الدنيا وما فيها إلا الشّهيد اعلم أنَّ نفس المؤمن إذا فاضت لَا تُحِبُّ الرُّجوع إلى الدُّنيا ومُلابَسَتها، وَلو أنَّ لَهَا الدُّنْيَا بِمَا فِيهَا لما ترى من الخير، إلاَّ الشَّهيد، فَإِنَّهُ يَتَمَنَّى أَنْ يَرْجِعَ إِلَى الدُّنْيَا فَيُقْتَلَ غير مرّة لمَا يَرَى مِنَ الكَرَامَةِ. قَالَ النَّبيُّ ﷺ : "مَا مِنْ نَفْسٍ تَمُوتُ، لَهَا عِنْدَ الله خَيْرٌ، يَسُرُّهَا أَنَّهَا تَرْجِعُ إِلَى الدُّنْيَا، وَلَا أَنَّ لَهَا الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا، إِلَّا الشَّهِيدُ، فَإِنَّهُ يَتَمَنَّى أَنْ يَرْجِعَ، فَيُقْتَلَ فِي الدُّنْيَا لِمَا يَرَى مِنْ فَضْلِ الشَّهَادَةِ" (٢). فالموت خير للمؤمن وإن كان في ظاهره شرًّا، قال عَبْد الله بن مَسْعُودٍ

стр. 136

- ﵁: "وَالَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، مَا مِنْ نَفْسٍ حَيَّةٍ إِلَّا المَوْتُ خَيْرٌ لَهَا إِنْ كَانَ بَرًّا؛ إِنَّ الله يَقُولُ: ﴿وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ (١٩٨)﴾ [آل عمران]. وَإِنْ كَانَ فَاجِرًا; فَإِنَّ الله يَقُولُ: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا ... (١٧٨)﴾ [آل عمران] " (١). تمنّي من غُفر له وأكرم أن يعلم قومه أخبر الله تعالى أنَّ الرَّجُلَ الَّذِي جَاءَ مِنْ أَقْصَى المَدِينَةِ تمنَّى بعد أن قُتِلَ وأدخل الجنَّة أَنْ يُعْلِمَ قَوْمَهُ بِمَا غفر الله تعالى له وأَكْرَمَهُ بِهِ: ﴿قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَالَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ (٢٦) بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ (٢٧)﴾ [يس]. تمني الكافر أن يرجع إلى الدّنيا إذا حضره الموت أمّا الكافر إذا حضرته الوفاة تمنّى أن يُرَدَّ إلى الدّنيا ليشهد أن لا إله إلّا الله، ويعمل غير الّذي كان يعمل، قال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ (٩٩) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (١٠٠)﴾ [المؤمنون]، فَطُوبَى لِمَنْ شرح الله تعالى بِالْإِسْلَامِ صَدْرَهُ، ثمَّ طوبى لِمَنْ دَانَ نَفْسَهُ قبل أفول شمسه، وتَأَهَّبَ قَبْلَ الْفَوْتِ بالموت.

стр. 137

تمنّي عصاة المؤمنين الرّجعة وليس سؤال الله تعالى الرّجعة يختصّ بالكافر، وإنّما يتعدَّاه إلى المؤمن المقصّر المفرِّط في جنب الله، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (٩) وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ (١٠) وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (١١)﴾ [المنافقون]. حَبَّذَا الْمَكْرُوهَانِ الموت وقلة المال قَالَ النَّبيُّ ﷺ : "اثْنَتَانِ يَكْرَهُهُمَا ابْنُ آدَمَ: المَوْتُ، وَالمَوْتُ خَيْرٌ لِلْمُؤْمِنِ مِنَ الفِتْنَةِ، وَيَكْرَهُ قِلَّةَ المَالِ، وَقِلَّةُ المَالِ أَقَلُّ لِلْحِسَابِ" (١). موت الفجأة موتُ الفجأة من آثار غضب الله تعالى في حَقِّ الكافر، قال تعالى: ... ﴿أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ (٤٤)﴾ [الأنعام]، وقال تعالى: ﴿فَأَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (٩٥)﴾ [الأعراف]، وعَنْ عُبَيْدِ بْنِ خَالِدٍ ﵁، وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: " مَوْتُ الْفَجْأَةِ أَخْذَةُ أَسَف"، وَحَدَّثَ بِهِ مَرَّةً عَنِ النَّبِيِّ ﷺ (٢). وقوله: "أخذةُ أسف" أي أخذةُ سخط وغضب، وهو مستفاد من قوله

стр. 138

تعالى: ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ ... (٥٥)﴾ [الزّخرف]. أمّا المؤمن فموته راحة على كُلِّ حَالٍ وَوَجْه إذا مات على الإيمان، عَنْ ... أَبِي قَتَادَةَ ﵁، أَنَّهُ كَانَ يُحَدِّثُ: أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ مُرَّ عَلَيْهِ بِجِنَازَةٍ، فَقَالَ: ... "مُسْتَرِيحٌ وَمُسْتَرَاحٌ مِنْهُ. قَالُوا: يَا رَسُولَ الله، مَا المُسْتَرِيحُ وَالمُسْتَرَاحُ مِنْهُ؟ قَالَ: العَبْدُ المُؤْمِنُ يَسْتَرِيحُ مِنْ نَصَبِ الدُّنْيَا وَأَذَاهَا إِلَى رَحْمَةِ الله، وَالعَبْدُ الفَاجِرُ يَسْتَرِيحُ مِنْهُ العِبَادُ وَالبِلادُ، وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ" (١). وهذا الحديث رواه الشَّيخان وغيرهما، والطَّريف أنَّ البيهقي رواه في كتاب الجنائز، وبوَّب عليه (باب في موت الفجاءة) ولعلَّه يستشهد به على أنَّ الموت رَاحَة للمؤمن بغتة كان أو غيره. وروى ابن أبي شيبة عَنْ عَبْدِ الله بن مسعود ﵁، وَعَائِشَةَ ﵂، بإسناد صحيح، قَالَا: "مَوْتُ الْفُجَاءَةِ رَأْفَةٌ بِالمُؤْمِنِ، وَأَسَفٌ عَلَى الْفَاجِرِ" (٢). ومّما يستدلُّ به على عدم كراهة موت الفجأة ما رواه البخاريّ عَنْ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ : "إِنَّ أُمِّي افْتُلِتَتْ نَفْسُهَا وَأُرَاهَا لَوْ تَكَلَّمَتْ تَصَدَّقَتْ، أَفَأَتَصَدَّقُ عَنْهَا؟ قَالَ: نَعَمْ تَصَدَّقْ عَنْهَا" (٣)، فلم يظهر منه ﷺ كراهة لمّا أخبره الرَّجل أنَّ أمَّه ماتت فجأة.

стр. 139

وَأَمَّا الْحَدِيث: "إِنَّ نَفْسَ المُؤْمِنِ تَخْرُجُ رَشْحًا، وَلَا أُحِبُّ مَوْتًا كَمَوْتِ الْحِمَارِ، قِيلَ: وَمَا مَوْتُ الْحِمَارِ؟ قَالَ: مَوْتُ الْفَجْأَةِ" (١) فَضَعِيف، بَيَّنَ الهيثمي وَغَيْرُهُ ضَعْفَهُ. قلت: وفي اللّسان "يُقَالُ لموتِ الفَجْأَةِ: الموتُ الأَبْيَضُ والجارِفُ، والفاتِلُ" (٢) ويُقَالُ له: "مَوْتُ الْعَافِيَةِ" (٣) لا مَوْت الْحِمَارِ. وأمّا حديث أنّ النَّبيَّ ﷺ مَرَّ بِجِدَارٍ أَوْ حَائِطٍ مَائِلٍ، فَأَسْرَعَ المشْيَ، فَقِيلَ لَهُ: فَقَالَ: "إِنِّي أَكْرَهُ مَوْتَ الْفَوَاتِ" (٤) أي الفجأة، فإسناده أضعف. أمّا حديث: "كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَتَعَوَّذُ مِنْ مَوْتِ الفَجْأَةِ، وَكَانَ يُعْجِبُهُ أَنْ يُمَرَّضَ قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ" (٥) فموضوع.

стр. 140

وما روي عَنْ عَبْدِ الله بْنِ عَمْرٍو ﵄: "أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ اسْتَعَاذَ مِنْ سَبْعِ مَوْتَاتٍ: مَوْتِ الفُجَاءَةِ ... " (١) فضعيف. هذا وظهور موت الفجأة يعدُّ من علامات اقتراب السَّاعة، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ ـ رَفَعَهُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ـ قَالَ: "مِنِ اقْتِرَابِ السَّاعَةِ أَنْ يُرَى الْهِلَالُ قَبَلًا، فَيُقَالُ: لِلَيْلَتَيْنِ (٢)، وَأَنْ تُتَّخَذَ المسَاجِدُ طُرُقًا، وَأَنْ يَظْهَرَ مَوْتُ الفُجَاءَةِ" (٣)، والمراد بالظّهور وقوعه بكثرة، وإلَّا فموت الفجأة كان في عهده ﷺ . وقَدْ كره مَوْتَ الْفَجْأَةِ بعض أهل العلم، وقال آخرون هو مَحْبُوبٌ لِلْمُرَاقِبِينَ، وهو كذلك؛ فمن الصَّالِحِينَ مَنْ مَات فجأة، ومنهم عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ ... أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ﵄، قال الحافظ: "وكان موته فجأة من نومة نامها بمكان على عشرة أميال من مكَّة، فحمل إلى مكَّة ودفن بها، ولما بلغ عائشة ﵂ خبره خرجت حاجَّة فوقفت على قبره فبكت، ثم قالت: لَوْ حَضَرْتُكَ دَفَنْتُكَ حَيْثُ مُتَّ، ولما بكيتك" (٤).

стр. 141

ورحم الله الإمام البخاري حيث قال: اغْتَنِمْ فِي الْفَرَاغِ فَضْلَ رُكُوعٍ ... فَعَسَى أَنْ يَكُونَ مَوْتُكَ بَغْتَةْ كَمْ صَحِيحٌ رَأَيْتُ مِنَ غَيْرِ سُقْمٍ ... ذَهَبَتْ نَفْسُهُ الصَّحِيحَةُ فَلْتَةْ قال الحافظ: "كَانَ من الْعَجَائِب أَنه هُوَ وَقع لَهُ ذَلِك أَو قَرِيبًا مِنْهُ" (١). صفة خروج نفس المؤمن والكافر عَنْ عَبْدِ الله بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ رَفَعَهُ، قَالَ: "لَقِّنُوا مَوْتَاكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ؛ فَإِنَّ نَفْسَ المُؤْمِنِ تَخْرُجُ رَشْحًا، وَنَفَسَ الْكَافِرِ تَخْرُجُ مِنْ شِدْقِهِ، كَمَا تَخْرُجُ نَفْسُ الْحِمَارِ" (٢). ما يُعْمَل بروح المؤمن إذا قبض وما يلقى من كرامة وطلبه قيام السّاعة ليرجع إلى أهله عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ ﵁، قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ، فِي جِنَازَةِ رَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ، فَانْتَهَيْنَا إِلَى الْقَبْرِ، وَلمَّا يُلْحَدْ، فَجَلَسَ رَسُولُ الله ﷺ ، وَجَلَسْنَا حَوْلَهُ، كَأَنَّ عَلَى رُؤوسِنَا الطَّيْرَ، وَفِي يَدِهِ عُودٌ يَنْكُتُ فِي الْأَرْضِ، فَرَفَعَ رَأْسَهُ، فَقَالَ: " اسْتَعِيذُوا بِالله مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ مَرَّتَيْنِ، أَوْ ثَلَاثًا، ثُمَّ قَالَ: إِنَّ الْعَبْدَ المُؤْمِنَ إِذَا كَانَ فِي انْقِطَاعٍ مِنَ الدُّنْيَا وَإِقْبَالٍ مِنَ الْآخِرَةِ، نَزَلَ إِلَيْهِ مَلَائِكَةٌ مِنَ السَّمَاءِ بِيضُ الْوُجُوهِ، كَأَنَّ وُجُوهَهُمُ الشَّمْسُ، مَعَهُمْ كَفَنٌ مِنْ أَكْفَانِ الْجَنَّةِ، وَحَنُوطٌ مِنْ حَنُوطِ

стр. 142

الْجَنَّةِ، حَتَّى يَجْلِسُوا مِنْهُ مَدَّ الْبَصَرِ، ثُمَّ يَجِيءُ مَلَكُ المَوْتِ ﵇ حَتَّى يَجْلِسَ عِنْدَ رَأْسِهِ، فَيَقُولُ: أَيَّتُهَا النَّفْسُ الطَّيِّبَةُ، اخْرُجِي إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنَ الله وَرِضْوَانٍ، قَالَ: فَتَخْرُجُ تَسِيلُ كَمَا تَسِيلُ الْقَطْرَةُ مِنْ فِي السِّقَاءِ، فَيَأْخُذُهَا، فَإِذَا أَخَذَهَا لَمْ يَدَعُوهَا فِي يَدِهِ طَرْفَةَ عَيْنٍ حَتَّى يَأْخُذُوهَا، فَيَجْعَلُوهَا فِي ذَلِكَ الْكَفَنِ، وَفِي ذَلِكَ الْحَنُوطِ، وَيَخْرُجُ مِنْهَا كَأَطْيَبِ نَفْحَةِ مِسْكٍ وُجِدَتْ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ، قَالَ: فَيَصْعَدُونَ بِهَا، فَلَا يَمُرُّونَ، يَعْنِي بِهَا، عَلَى مَلأ مِنَ المَلَائِكَةِ، إِلَّا قَالُوا: مَا هَذَا الرُّوحُ الطَّيِّبُ؟ فَيَقُولُونَ: فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ، بِأَحْسَنِ أَسْمَائِهِ الَّتِي كَانُوا يُسَمُّونَهُ بِهَا فِي الدُّنْيَا، حَتَّى يَنْتَهُوا بِهَا إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا، فَيَسْتَفْتِحُونَ لَهُ، فَيُفْتَحُ لَهُمْ فَيُشَيِّعُهُ مِنْ كُلِّ سَمَاءٍ مُقَرَّبُوهَا إِلَى السَّمَاءِ الَّتِي تَلِيهَا، حَتَّى يُنْتَهَى بِهِ إِلَى السَّمَاءِ السَّابِعَةِ، فَيَقُولُ اللهُ : اكْتُبُوا كِتَابَ عَبْدِي فِي عِلِّيِّينَ، وَأَعِيدُوهُ إِلَى الْأَرْضِ، فَإِنِّي مِنْهَا خَلَقْتُهُمْ، وَفِيهَا أُعِيدُهُمْ، وَمِنْهَا أُخْرِجُهُمْ تَارَةً أُخْرَى، قَالَ: فَتُعَادُ رُوحُهُ فِي جَسَدِهِ، فَيَأْتِيهِ مَلَكَانِ، فَيُجْلِسَانِهِ، فَيَقُولَانِ لَهُ: مَنْ رَبُّكَ؟ فَيَقُولُ: رَبِّيَ اللهُ، فَيَقُولَانِ لَهُ: مَا دِينُكَ؟ فَيَقُولُ: دِينِيَ الإِسْلَامُ، فَيَقُولَانِ لَهُ: مَا هَذَا الرَّجُلُ الَّذِي بُعِثَ فِيكُمْ؟ فَيَقُولُ: هُوَ رَسُولُ الله ﷺ ، فَيَقُولَانِ لَهُ: وَمَا عِلْمُكَ؟ فَيَقُولُ: قَرَأْتُ كِتَابَ الله، فَآمَنْتُ بِهِ وَصَدَّقْتُ، فَيُنَادِي مُنَادٍ فِي السَّمَاءِ: أَنْ صَدَقَ عَبْدِي، فَأَفْرِشُوهُ مِنَ الْجَنَّةِ، وَأَلْبِسُوهُ مِنَ الْجَنَّةِ، وَافْتَحُوا لَهُ بَابًا إِلَى الْجَنَّةِ، قَالَ: فَيَأْتِيهِ مِنْ رَوْحِهَا، وَطِيبِهَا، وَيُفْسَحُ لَهُ فِي قَبْرِهِ مَدَّ بَصَرِهِ، قَالَ: وَيَأْتِيهِ رَجُلٌ حَسَنُ الْوَجْهِ، حَسَنُ الثِّيَابِ، طَيِّبُ الرِّيحِ، فَيَقُولُ: أَبْشِرْ بِالَّذِي يَسُرُّكَ، هَذَا يَوْمُكَ الَّذِي كُنْتَ تُوعَدُ، فَيَقُولُ لَهُ: مَنْ أَنْتَ؟ فَوَجْهُكَ الْوَجْهُ يَجِيءُ بِالْخَيْرِ، فَيَقُولُ: أَنَا عَمَلُكَ الصَّالِحُ، فَيَقُولُ: رَبِّ أَقِمِ السَّاعَةَ حَتَّى أَرْجِعَ

стр. 143

إِلَى أَهْلِي، وَمَالِي" (١). ما يعمل بروح الكافر إذا قبض قَالَ: "وَإِنَّ الْعَبْدَ الكَافِرَ إِذَا كَانَ فِي انْقِطَاعٍ مِنَ الدُّنْيَا وَإِقْبَالٍ مِنَ الْآخِرَةِ، نَزَلَ إِلَيْهِ مِنَ السَّمَاءِ مَلَائِكَةٌ سُودُ الْوُجُوهِ، مَعَهُمُ المُسُوحُ، فَيَجْلِسُونَ مِنْهُ مَدَّ الْبَصَرِ، ثُمَّ يَجِيءُ مَلَكُ المَوْتِ، حَتَّى يَجْلِسَ عِنْدَ رَأْسِهِ، فَيَقُولُ: أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْخَبِيثَةُ، اخْرُجِي إِلَى سَخَطٍ مِنَ الله وَغَضَبٍ، قَالَ: فَتُفَرَّقُ فِي جَسَدِهِ، فَيَنْتَزِعُهَا كَمَا يُنْتَزَعُ السَّفُّودُ (٢) مِنَ الصُّوفِ المَبْلُولِ، فَيَأْخُذُهَا، فَإِذَا أَخَذَهَا لَمْ يَدَعُوهَا فِي يَدِهِ طَرْفَةَ عَيْنٍ حَتَّى يَجْعَلُوهَا فِي تِلْكَ المُسُوحِ، وَيَخْرُجُ مِنْهَا كَأَنْتَنِ رِيحِ جِيفَةٍ وُجِدَتْ عَلَى وَجْهِ الأَرْضِ، فَيَصْعَدُونَ بِهَا، فَلَا يَمُرُّونَ بِهَا عَلَى مَلَأٍ مِنَ الملَائِكَةِ، إِلَّا قَالُوا: مَا هَذَا الرُّوحُ الْخَبِيثُ؟ فَيَقُولُونَ: فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ بِأَقْبَحِ أَسْمَائِهِ الَّتِي كَانَ يُسَمَّى بِهَا فِي الدُّنْيَا، حَتَّى يُنْتَهَى بِهِ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا، فَيُسْتَفْتَحُ لَهُ، فَلَا يُفْتَحُ لَهُ، ثُمَّ قَرَأَ رَسُولُ الله ﷺ : ﴿لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ ... (٤٠)﴾ [الأعراف]، فَيَقُولُ اللهُ : اكْتُبُوا كِتَابَهُ فِي سِجِّينٍ فِي الْأَرْضِ السُّفْلَى، فَتُطْرَحُ رُوحُهُ طَرْحًا، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ (٣١)﴾ [الحج]. فَتُعَادُ رُوحُهُ فِي جَسَدِهِ، وَيَأْتِيهِ مَلَكَانِ، فَيُجْلِسَانِهِ، فَيَقُولَانِ لَهُ: مَنْ رَبُّكَ؟ فَيَقُولُ: هَاهْ هَاهْ لَا أَدْرِي، فَيَقُولَانِ لَهُ: مَا دِينُكَ؟ فَيَقُولُ: هَاهْ هَاهْ لَا أَدْرِي، فَيَقُولَانِ

стр. 144

لَهُ: مَا هَذَا الرَّجُلُ الَّذِي بُعِثَ فِيكُمْ؟ فَيَقُولُ: هَاهْ هَاهْ لَا أَدْرِي، فَيُنَادِي مُنَادٍ مِنَ السَّمَاءِ أَنْ كَذَبَ، فَافْرِشُوا لَهُ مِنَ النَّارِ، وَافْتَحُوا لَهُ بَابًا إِلَى النَّارِ، فَيَأْتِيهِ مِنْ حَرِّهَا، وَسَمُومِهَا، وَيُضَيَّقُ عَلَيْهِ قَبْرُهُ حَتَّى تَخْتَلِفَ فِيهِ أَضْلَاعُهُ، وَيَأْتِيهِ رَجُلٌ قَبِيحُ الْوَجْهِ، قَبِيحُ الثِّيَابِ، مُنْتِنُ الرِّيحِ، فَيَقُولُ: أَبْشِرْ بِالَّذِي يَسُوؤكَ، هَذَا يَوْمُكَ الَّذِي كُنْتَ تُوعَدُ، فَيَقُولُ: مَنْ أَنْتَ؟ فَوَجْهُكَ الْوَجْهُ يَجِيءُ بِالشَّرِّ، فَيَقُولُ: أَنَا عَمَلُكَ الخَبِيثُ، فَيَقُولُ: رَبِّ لَا تُقِمِ السَّاعَةَ" (١). في اجتماع الموتى إلى الميت وسؤالهم إياه عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ، قَالَ: "إِذَا حُضِرَ المُؤْمِنُ أَتَتْهُ مَلَائِكَةُ الرَّحْمَةِ بِحَرِيرَةٍ بَيْضَاءَ فَيَقُولُونَ: اخْرُجِي رَاضِيَةً مَرْضِيًّا عَنْكِ إِلَى رَوْحِ الله، وَرَيْحَانٍ، وَرَبٍّ غَيْرِ غَضْبَانَ، فَتَخْرُجُ كَأَطْيَبِ رِيحِ الْمِسْكِ، حَتَّى أَنَّهُ لَيُنَاوِلُهُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، حَتَّى يَأْتُونَ بِهِ بَابَ السَّمَاءِ فَيَقُولُونَ: مَا أَطْيَبَ هَذِهِ الرِّيحَ الَّتِي جَاءَتْكُمْ مِنَ الْأَرْضِ، فَيَأْتُونَ بِهِ أَرْوَاحَ المُؤْمِنِينَ فَلَهُمْ أَشَدُّ فَرَحًا بِهِ مِنْ أَحَدِكُمْ بِغَائِبِهِ يقْدمُ عَلَيْهِ، فَيَسْأَلُونَهُ: مَاذَا فَعَلَ فُلَانٌ؟ مَاذَا فَعَلَ فُلَانٌ؟ فَيَقُولُونَ: دَعُوهُ فَإِنَّهُ كَانَ فِي غَمِّ الدُّنْيَا، فَإِذَا قَالَ: أَمَا أَتَاكُمْ؟ قَالُوا: ذُهِبَ بِهِ إِلَى أُمِّهِ الْهَاوِيَةِ. وَإِنَّ الكَافِرَ إِذَا احْتُضِرَ أَتَتْهُ مَلَائِكَةُ الْعَذَابِ بِمِسْحٍ (٢) فَيَقُولُونَ: اخْرُجِي سَاخِطَةً مَسْخُوطًا عَلَيْكِ إِلَى عَذَابِ الله ، فَتَخْرُجُ كَأَنْتَنِ رِيحِ جِيفَةٍ، حَتَّى يَأْتُونَ

стр. 145

بِهِ بَابَ الْأَرْضِ، فَيَقُولُونَ: مَا أَنْتَنَ هَذِهِ الرِّيحَ حَتَّى يَأْتُونَ بِهِ أَرْوَاحَ الْكُفَّارِ" (١). وأخرج الحاكم وغيره من حديث أبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، في ذكر خروج الرّوح، وقال في روح المؤمن: "حَتَّى يَأْتُوا بِهِ أَرْوَاحَ المُؤْمِنِينَ. قَالَ: فَلَهُمْ أَفْرَحُ بِهِ مِنْ أَحَدِكُمْ بِغَائِبِهِ إِذَا قَدِمَ عَلَيْهِ. قَالَ: فَيَسْأَلُونَهُ مَا فَعَلَ فُلَانٌ؟ قَالَ: فَيَقُولُونَ: دَعُوهُ حَتَّى يَسْتَرِيحَ فَإِنَّهُ كَانَ فِي غَمِّ الدُّنْيَا، فَإِذَا قَالَ لَهُمْ: أَمَا أَتَاكُمْ؟ فَإِنَّهُ قَدْ مَاتَ ... " (٢) الحديث، فالأرواح تعرف بَعْضُهَا بَعْضًا بَعْدَ مَوْتِ أَجْسَامِهَا. رحلة الرّوح بعد نزعها عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ ، قَالَ: "إِذَا خَرَجَتْ رُوحُ المُؤْمِنِ تَلَقَّاهَا مَلَكَانِ يُصْعِدَانِهَا ـ قَالَ حَمَّادٌ: فَذَكَرَ مِنْ طِيبِ رِيحِهَا وَذَكَرَ الْمِسْكَ ـ قَالَ: وَيَقُولُ أَهْلُ السَّمَاءِ: رُوحٌ طَيِّبَةٌ جَاءَتْ مِنْ قِبَلِ الْأَرْضِ، صَلَّى الله عَلَيْكِ وَعَلَى جَسَدٍ كُنْتِ تَعْمُرِينَهُ، فَيُنْطَلَقُ بِهِ إِلَى رَبِّهِ ، ثُمَّ يَقُولُ: انْطَلِقُوا بِهِ إِلَى آخِرِ الْأَجَلِ. قَالَ: وَإِنَّ الْكَافِرَ إِذَا خَرَجَتْ رُوحُهُ ـ قَالَ حَمَّادٌ وَذَكَرَ مِنْ نَتْنِهَا، وَذَكَرَ لَعْنًا ـ وَيَقُولُ أَهْلُ السَّمَاءِ: رُوحٌ خَبِيثَةٌ جَاءَتْ مِنْ قِبَلِ الْأَرْضِ. قَالَ فَيُقَالُ: انْطَلِقُوا بِهِ إِلَى آخِرِ الْأَجَلِ، قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: فَرَدَّ رَسُولُ الله ﷺ رَيْطَةً كَانَتْ عَلَيْهِ، عَلَى أَنْفِهِ، هَكَذَا (٣) " (٤).
следующие страницы →