إِلَى ذَلِكَ" (١).
فالدَّفن نهارًا يحضره كثير من النَّاس ويصلّون عليه، ولا يحضره في اللَّيْلِ إلا أفراد قليلون، فنهي النَّبِيِّ ﷺ عن الدَّفن ليلًا؛ لمظنّة قلَّة الحاضرين، فيفوته كثرة دعاء المسلمين المرغَّب فيه، وهذه الكثرة من مقاصد الشَّريعة، فهي أدعى لقبول شفاعتهم في الميّت. فلا حرج في تأخير الدَّفن لإعلام النّاس وتكثير المصلّين عليه، فليس هناك تضييق على المسلمين في مسألة الإسراع في الدَّفن أو الإبطاء به، فتأخير الدَّفن أو تعجيله يعود إلى مصلحة الميّت، فإذا كان في التَّأخير نفعٌ للميّت أُخِّر، كأن يشهد جنازته عدد كبير من المسلمين ليُشَفَّعوا فيه، وإن لم يكن هناك مصلحة تدعو إلى تأخيره قُدِّم إلى الدَّفن، والله أعلم.
الصّحابيّ الّذي أَحْيَاهُ الله تعالى وكلمه مواجهة
جِيءَ بوالد جابر (عَبْد الله بن عَمْرِو بْن حَرَام الأنصاريّ) ﵁ يَوْمَ أُحُدٍ قَدْ مُثِّلَ بِهِ، حَتَّى وُضِعَ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ الله ﷺ وَقَدْ سُجِّيَ ثَوْبًا، فجعل ابنه جابر يكشف الثّوب عن وجه أبيه ويبكي، فلمَّا رآه النَّبيُّ ﷺ مُنْكَسِرًا، بشَّره بأنّ الله تعالى أَحْيَا أَبَاه فكَلَّمَهُ كِفَاحًا مُوَاجَهَةً لَيْسَ بَيْنَهُمَا حجابٌ وَلَا رَسُولٌ، وهذه فَضِيلَة لم تُسْمَعْ لغيره من الشُّهَدَاءِ.
عن جابر ﵁، قال: "لَقِيَنِي النَّبِيُّ ﷺ ، فَقَالَ لِي: يَا جَابِرُ، مَا لِي أَرَاكَ مُنْكَسِرًا؟ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ الله، اسْتُشْهِدَ أَبِي وَتَرَكَ عِيَالًا وَدَيْنًا، فَقَالَ: أَلَا أُبَشِّرُكَ بِمَا لَقِيَ الله بِهِ أَبَاكَ؟ قلت: بلى يا رسول الله، قَالَ: مَا كَلَّمَ الله أَحَدًا قَطُّ إلا من وراء
стр. 119
حجاب، وإنّ الله أحيا أَبَاكَ فَكَلَّمَهُ كِفَاحًا، فَقَالَ: يَا عَبْدِي، تَمَنَّ أُعْطِكَ، قَالَ: تُحْيِينِي فَأُقْتَلَ قِتْلَةً ثَانِيَةً، قَالَ الله: إِنِّي قَضَيْتُ أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ، وَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ... ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (١٦٩)﴾ ... [آل عمران] " (١).
فإن قيل: كيف يكلمه الله تعالى مواجهة، وقد قال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ (٥١)﴾ [الشّورى].
فَالْجَوَاب أنَّ الْآيَة مَخْصُوصَة مُقَيَّدة بدار الدُّنْيَا، فالله تعالى لا يكلِّم فيها بشرًا مواجهة، والمراد أنَّ الله تعالى كلَّمه مواجهة بعدما أحياه حياة الشُّهداء، ... قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ (١٥٤)﴾ [البقرة]، وقال تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (١٦٩)﴾ [آل عمران].
فإن قيل كيف استحقّ هذه المنزلة عند الله تعالى، وقد تَرَكَ دَيْنًا وحقوقًا، والشّهادة لا تكَفِّرُ حُقُوقَ الْآدَمِيِّينَ؟ ! والجواب، أنّه ترك دينًا وترك وراءه وفاءً له كما بيَّنته أحاديث أخرى، وكان بنيّته الوفاء بدينه، فقد أوصى ابنه جابرًا ﵁ أن يقضي عنه دينه، قال: "فَإِنَّ عَلَيَّ دَيْنًا فَاقْضِ، وَاسْتَوْصِ بِأَخَوَاتِكَ خَيْرًا" (٢).
стр. 120
الشّهيد يغفر له كلّ ذنب إلا الدّين
يَتَجَاوَزُ الله ﷻ عَمَّنْ قُتِلَ في سبيله خَطَايَاهُ كلّها إِلَّا الدَّيْنَ، قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "يُغْفَرُ لِلشَّهِيدِ كُلُّ ذَنْبٍ إِلَّا الدَّيْنَ" (١). ذلك أنّ الدَّين من حقوق العباد، وحقوق العباد مَبْنَاهَا على المُشَاحَّةِ، أمّا حقوق الله تعالى فمَبْنِيَّة عَلَى المُسَاهَلَةِ، قال تعالى: ﴿فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ (١٩٥)﴾ [آل عمران].
قَالَ رَجُلٌ: "يَا رَسُولَ الله، أَرَأَيْتَ إِنْ قُتِلْتُ فِي سَبِيلِ الله، تُكَفَّرُ عَنِّي خَطَايَايَ؟ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ الله ﷺ : نَعَمْ، إِنْ قُتِلْتَ فِي سَبِيلِ الله، وَأَنْتَ صَابِرٌ مُحْتَسِبٌ، مُقْبِلٌ غَيْرُ مُدْبِرٍ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : كَيْفَ قُلْتَ؟ قَالَ: أَرَأَيْتَ إِنْ قُتِلْتُ فِي سَبِيلِ الله أَتُكَفَّرُ عَنِّي خَطَايَايَ؟ فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : نَعَمْ، وَأَنْتَ صَابِرٌ مُحْتَسِبٌ، مُقْبِلٌ غَيْرُ مُدْبِرٍ، إِلَّا الدَّيْنَ، فَإِنَّ جِبْرِيلَ ﵇ قَالَ لِي ذَلِكَ" (٢).
فالشَّهادة لا تكفّر حُقُوق الآدَمِيِّينَ وكذلك سائر الأعمال الصّالحة، فلا بدّ من إبْرَاءِ الذِّمَّةِ وأداء الدَّين والتَّوبة النَّصوح، أو أن تكون مسامحة.
مَن يؤدّي الله تعالى عنه دينه
لكن إذا كان المسلم يُرِيدُ قَضَاءَ دَيْنِهِ وفي نَفْسِهِ الوَفَاء، ومَاتَ قَبْلَ أن يَفِيَ بِهِ، وَلَمْ يُوَفَّ عَنْهُ فِي الدُّنْيَا، وَفَّاهُ اللهُ تعالى عَنْه، وأرضى خصماءَه، ولَا تَبِعَةَ عَلَيْهِ
стр. 121
إنْ شَاءَ الله تعالى، فالأمور بمقاصدها، عَنْ مَيْمُونَةَ بِنْتِ الْحَارِثِ ﵂، قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ ، يَقُولُ: "مَنْ اسْتَدَانَ دَيْنًا، يَعْلَمُ اللهُ مِنْهُ أَنَّهُ يُرِيدُ أَدَاءَهُ، أَدَّاهُ اللهُ عَنْهُ" (١).
خامسًا: المبادرة إلى قضاء دين الميّت:
أمر الله تعالى بأَدَاءِ ما يتعلّق بالذِّمَّة إلى أهلها، كالدُّيُونِ وغيرها، فقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا ... (٥٨)﴾ [النّساء]، ولذلك يجب الإِسراع والتَّعجيل في قضاء دين الميّت، سواء كان هذا الدَّين لله تعالى أو للعباد، قَالَ النَّبيُّ ﷺ : "لَا تَزَالُ نَفْسُ ابْنِ آدَمَ مُعَلَّقَةً بِدَيْنِهِ حَتَّى يُقْضَى عَنْهُ" (٢) والحديث فيه حثّ لِلْوَرَثَةِ عَلَى المبادرة إلى قَضَاءِ دَيْنِ المَيِّتِ.
ومعنى معلّقة أَيْ مَحْبُوسَةٌ بِسَبَبِهِ، ولأحمد عَنْ سَمُرَةَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ ، قَالَ: ... "إِنَّ صَاحِبَكُمْ مُحْتَبَسٌ عَلَى بَابِ الْجَنَّةِ فِي دَيْنٍ عَلَيْهِ" (٣).
انتفاع الميت بقضاء دينه
عَنْ سَعْدِ بْنِ الْأَطْوَلِ، قَالَ: مَاتَ أَخِي وَتَرَكَ ثَلَاثَ مِئَةِ دِينَارٍ، وَتَرَكَ وَلَدًا صِغَارًا، فَأَرَدْتُ أَنْ أُنْفِقَ عَلَيْهِمْ، فَقَالَ لِي رَسُولُ الله ﷺ : "إِنَّ أَخَاكَ مَحْبُوسٌ بِدَيْنِهِ، فَاذْهَبْ، فَاقْضِ عَنْهُ" (٤). وعَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدبٍ، قَالَ: صَلَّى رَسُولُ الله ﷺ ذَاتَ
стр. 122
يَوْمٍ فَقَالَ: "هَا هُنَا أَحَدٌ مِنْ بَنِي فُلَانٍ؟ فَنَادَى ثَلَاثًا لَا يُجِيبُهُ أَحَدٌ، ثُمَّ قَالَ: إِنَّ الرَّجُلَ الَّذِي مَاتَ بَيْنَكُمْ قَدِ احْتُبِسَ عَنِ الْجَنَّةِ مِنْ أَجْلِ الدَّيْنِ الَّذِي عَلَيْهِ، فَإِنْ شِئْتُمْ فَافْدُوهُ، وَإِنْ شِئْتُمْ فَأَسْلِمُوهُ إِلَى عَذَابِ الله" (١).
من مات وعليه دين ولم يقض عنه أخذ من حسناته
على المسلم قَضَاءُ دينه متى حلَّ أجله قبل أن يحين أجله، فمَنْ أخَّر حقًّا للعباد ثمّ مات ولم يُقْض دينه ولم يكن بنيّته قضاؤه أُخِذَ يوم القيامة من حسناته، فَإِنْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ أُخِذَ مِنْ خَطَايَا صاحب الحقّ فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ، قَالَ النَّبيُّ ﷺ : ... "وَمَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ، فَلَيْسَ بِالدِّينَارِ وَلَا بِالدِّرْهَمِ، وَلَكِنَّهَا الْحَسَنَاتُ وَالسَّيِّئَاتُ" (٢).
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ ، قَالَ: "أَتَدْرُونَ مَا المُفْلِسُ؟ قَالُوا: المُفْلِسُ فِينَا مَنْ لَا دِرْهَمَ لَهُ وَلَا مَتَاعَ، فَقَالَ: إِنَّ المُفْلِسَ مِنْ أُمَّتِي يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِصَلَاةٍ، وَصِيَامٍ، وَزَكَاةٍ، وَيَأْتِي قَدْ شَتَمَ هَذَا، وَقَذَفَ هَذَا، وَأَكَلَ مَالَ هَذَا، وَسَفَكَ دَمَ هَذَا، وَضَرَبَ هَذَا، فَيُعْطَى هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، فَإِنْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ قَبْلَ أَنْ يُقْضَى مَا عَلَيْهِ أُخِذَ مِنْ خَطَايَاهُمْ فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ، ثُمَّ طُرِحَ فِي النَّارِ" (٣).
стр. 123
فمن اقترض من عِرْض أخيه المسلم شيئًا بِسَبٍّ أو غيبة أو حقّ أو غيره، أو كَانَتْ لأَخِيه عِنْدَهُ مَظْلمَةٌ مِنْ دمِهِ أو ماله أو عِرْضِهِ أو أرضه، فليسأله أن يجعله في حلٍّ منها، وليطلبه ببراءة ذمَّته مِنْ تَبِعَاتِها، وليقل لأخيه: بِعْنِي مَظْلَمَتَكَ، أو ردّها عليّ لتكون قِصَاصًا، فلا أريد أن ألقى الله ظالمًا.
وإعادة الحقوق بأدائها إلى أهلها، أو استحلالهم منها، وطلب العفو والمغفرة أمر ممكن في الدّنيا، أمّا فِي الْآخِرَةِ فإنّ أهْلَ الحقوق أَشَدُّ تَقَاضِيًا؛ لما يرون من الأهوال، فلا يفرِّط أحد بحقّ له، وهو يعلم أنّه سيأخذ من الحسنات في ذلك اليوم، أو يتحلّل من السَّيِّئَاتِ؛ فمن أدّى أو أرضى في الدّنيا، فقد فاز فوزًا عظيمًا، ومن أعرض وأبى، فقد أودى بنفسه وهوى.
فإذا علمت أنَّ التَّقاضي والتَّقَاصَّ في الدِّماء والأموال والأعراض يوم القيامة بالحسنات والسَّيِّئات، علمت لِمَ حذَّر النَّبيُّ ﷺ منها: "كُلُّ المُسْلِمِ عَلَى المُسْلِمِ حَرَامٌ، دَمُهُ، وَمَالُهُ، وَعِرْضُهُ" (١)، فإيّاك وحمل المظالم، قال تعالى: ﴿وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا (١١١)﴾ [طه].
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "مَنْ كَانَتْ لَهُ مَظْلَمَةٌ لِأَخِيهِ مِنْ عِرْضِهِ أَوْ شَيْءٍ، فَلْيَتَحَلَّلْهُ مِنْهُ اليَوْمَ، قَبْلَ أَنْ لا يَكُونَ دِينَارٌ وَلا دِرْهَمٌ، إِنْ كَانَ لَهُ عَمَلٌ صَالِحٌ أُخِذَ مِنْهُ بِقَدْرِ مَظْلَمَتِهِ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ حَسَنَاتٌ أُخِذَ مِنْ سَيِّئَاتِ صَاحِبِهِ فَحُمِلَ عَلَيْهِ" (٢).
стр. 124
قصاص المظالم يوم القيامة على قنطرة بين الجنة والنّار
مَظَالِمُ الْعِبَادِ لا يغفرها الله تعالى يوم القيامة، فلا بدَّ من القصاص، فالمظلوم يلقى ظالمه، ويأخذ منه حَقَّه وافِرًا، قال تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ (٣١)﴾ [الزّمر]. فالمؤمنون إِذَا خَلَصَوا مِنَ النَّارِ، وجَازُوا الصِّرَاط، فإنّه يحبس منهم ويوقف مَنْ كان عليه مظالم للمؤمنين على قنطرة بَين الْجَنَّةِ وَالنَّارِ، فَيَتَقَاصُّونَ ويأخذ كلُّ ذِي حَقٍّ حَقَّه، يعطي الظّالم من حسناته، أو يحمل عن المظلوم من أوزاره وسيّئاته.
عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁، عَنْ رَسُولِ الله ﷺ قَالَ: "إِذَا خَلَصَ المُؤْمِنُونَ مِنَ النَّارِ حُبِسُوا بِقَنْطَرَةٍ بَيْنَ الجَنَّةِ وَالنَّارِ، فَيَتَقَاصُّونَ مَظَالِمَ كَانَتْ بَيْنَهُمْ فِي الدُّنْيَا حَتَّى إِذَا نُقُّوا وَهُذِّبُوا، أُذِنَ لَهُمْ بِدُخُولِ الجَنَّةِ، فَوَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَأَحَدُهُمْ بِمَسْكَنِهِ فِي الجَنَّةِ أَدَلُّ بِمَنْزِلِهِ كَانَ فِي الدُّنْيَا" (١). وَالمُرَادُ بِالمُؤْمِنِينَ بَعْضُهُمْ لا كلّهم، فهناك طَوَائِف مِنَ المؤمنين يدخلون الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ وَلَا عَذَابٍ.
حكم إحالة دين الميّت والصّلاة عليه
لا شَكَّ أنَّ إحالة دَيْن المَيِّتِ عَلَى رَجُلٍ تجوز، عَنْ جَابِرٍ ﵁، قَالَ: "تُوُفِّيَ رَجُلٌ فَغَسَّلْنَاهُ، وَحَنَّطْنَاهُ، وَكَفَّنَّاهُ، ثُمَّ أَتَيْنَا بِهِ رَسُولَ الله ﷺ يُصَلِّي عَلَيْهِ، فَقُلْنَا: تُصَلِّي عَلَيْهِ؟ فَخَطَا خُطىً، ثُمَّ قَالَ: أَعَلَيْهِ دَيْنٌ؟ قُلْنَا: دِينَارَانِ، فَانْصَرَفَ، فَتَحَمَّلَهُمَا أَبُو قَتَادَةَ، فَأَتَيْنَاهُ، فَقَالَ أَبُو قَتَادَةَ: الدِّينَارَانِ عَلَيَّ، فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : حَقُّ الْغَرِيمُ، وَبَرِئَ مِنْهُمَا المَيِّتُ؟ قَالَ: نَعَمْ، فَصَلَّى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ بِيَوْمٍ: مَا فَعَلَ
стр. 125
الدِّينَارَانِ؟ فَقَالَ: إِنَّمَا مَاتَ أَمْسِ، قَالَ: فَعَادَ إِلَيْهِ مِنَ الْغَدِ، فَقَالَ: لَقَدْ قَضَيْتُهُمَا، فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : الْآنَ بَرَدَتْ عَلَيْهِ جِلْدُهُ" (١).
هذا وقد صَلَّى النَّبيُّ ﷺ عَلَى مَنْ مات وعَلَيْهِ دَيْنٌ وقضى عنه دينه بَعْدَ أَنْ كَانَ يَمْتَنِعُ مِن الصَّلَاةِ عليه، وذلك بعد أن فَتَحَ الله تعالى عَلَيْهِ الْبِلَادَ وَكَثُرَت الْأَمْوَالُ، فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: "أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ كَانَ يُؤْتَى بِالرَّجُلِ المُتَوَفَّى، عَلَيْهِ الدَّيْنُ، فَيَسْأَلُ: هَلْ تَرَكَ لِدَيْنِهِ فَضْلًا؟ فَإِنْ حُدِّثَ أَنَّهُ تَرَكَ لِدَيْنِهِ وَفَاءً صَلَّى، وَإِلَّا قَالَ لِلْمُسْلِمِينَ: صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ، فَلَمَّا فَتَحَ الله عَلَيْهِ الفُتُوحَ، قَالَ: أَنَا أَوْلَى بِالمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ، فَمَنْ تُوُفِّيَ مِنَ المُؤْمِنِينَ فَتَرَكَ دَيْنًا، فَعَلَيَّ قَضَاؤُهُ، وَمَنْ تَرَكَ مَالًا فَلِوَرَثَتِهِ" (٢).
فمَنْ كان عليه دين مِنَ الصَّحابة ويُرِيدُ أَدَاءَهُ، فَمَاتَ وَلَمْ يُؤَدِّهِ قضى عنه دينه النَّبِيُّ ﷺ ؛ حرصًا منه ﷺ على إبراء ذمّته وحسن عاقبته، قال النَّبِيُّ ﷺ : "مَا مِنْ مُؤْمِنٍ إِلَّا وَأَنَا أَوْلَى بِهِ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، اقْرَؤوا إِنْ شِئْتُمْ: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ (٦)﴾ [الأحزاب]، فَأَيُّمَا مُؤْمِنٍ مَاتَ وَتَرَكَ مَالًا فَلْيَرِثْهُ عَصَبَتُهُ مَنْ كَانُوا، وَمَنْ تَرَكَ دَيْنًا أَوْ ضَيَاعًا، فَلْيَأْتنِي فَأَنَا مَوْلاهُ" (٣). وقال ﷺ : "مَنْ حَمَلَ مِنْ أُمَّتِي دَيْنًا، ثُمَّ جَهَدَ فِي قَضَائِهِ، ثُمَّ مَاتَ قَبْلَ أَنْ يَقْضِيَهُ، فَأَنَا وَلِيُّهُ" (٤).
стр. 126
ولذلك من مات وعليه دين، لزم ولي الأمر قضاء دينه إن كان قد جَدَّ في قضائه، فإن تطوَّع أهله أو من يتحرّون أمره وقضوا عنه دينه جاز.
متى تبرأ ذمّة الميّت بعد إحالة الدّين عنه ؟
يصِحّ إحالة دَيْنِ المَيِّتِ كما تقدّم، لكن لا بدّ من موافقة صاحب الدَّين على الإحالة، ويستحبّ لصاحب الدَّين أن يقبل الإحالة إن لم يكن هناك مانع، كمعرفته بأنَّ الضَّامن لِدَيْن الميّت عاجز عن السَّداد، أو لا يفي بدينه، أمّا إذا كان الضَّامن قادرًا على قضاء الدَّين وصادقًا، فإنّه يستحبّ ألّا يردّه، قال النَّبيُّ ﷺ : ... "وَمَنْ أُتْبِعَ عَلَى مَلِيٍّ فَلْيَتَّبِعْ" (١).
كما ويلزم مَنْ أحيل عليه الدَّين الوفاء بقضاء الدَّين عن الميّت، حتَّى تبرأ ذمَّة الميّت، فإنّما تبرأ ذمّة الميِّت بأداء دينه لا بمجرد ضمانه، لقوله ﷺ لأبي قَتَادَة بعد
أن قضى عن الميّت دينه: "الْآنَ بَرَدَتْ عَلَيْهِ جِلْدُهُ".
من الحقوق التي تعقب وفاة أحد الزوجين
من هذه الحقوق مِيرَاثُ الرَّجُلِ مِن امْرَأَتِهِ وَالمَرْأَة مِنْ زَوْجِهَا، فالزَّوج يَسْتَحِقُّ النّصف من مال زوجته إذا توفّيت ولم يكن لها ولد منه أو من غيره، فإن كان لها ولد فله الرّبع، من بعد إخراج الوصيّة إن أوصت بثلث مالها أو بشيء من مالها، وسداد الدّين إن كان عليها دين، قال تعالى: ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ ... (١٢)﴾ [النّساء].
стр. 127
وأمّا الزّوجة فلها ربع مال زوجها إن مات ولم يترك أولادًا منها أو من غيرها، ولها الثّمن إن ترك أولادًا، قال تعالى: ﴿وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ ... (١٢)﴾ [النّساء].
هذا وإن كان له غير زوجة ولم يكن له ولد فلهنّ الرّبع يشتركْنَ فيه بالتّساوي، وإن كان له ولد فلهنّ الثّمن يشتركن فيه.
ومن الحقوق أن تمكث المرأة في بيت زوجها بعد وفاته أربعة أشهر وعشر ليال لا تتزوج ولا تخطب، ولا تتزيّن، ولا تمسّ طيبًا، ولا تخرج في غير حاجة حتّى تنقضي عدتها، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا (٢٣٤)﴾ [البقرة].
إلا أن تكون حاملًا فإن عدّتها تنقضي بوضع حملها؛ لقوله تعالى: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ (٤)﴾ [الطّلاق]، ولحديث سُبَيْعَة ﵂: "أَنَّهَا كَانَتْ تَحْتَ سَعْدِ بْنِ خَوْلَةَ، وَكَانَ مِمَّنْ شَهِدَ بَدْرًا، فَتُوُفِّيَ عَنْهَا فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ وَهِيَ حَامِلٌ، فَلَمْ تَنْشَبْ أَنْ وَضَعَتْ حَمْلَهَا بَعْدَ وَفَاتِهِ، فَلَمَّا تَعَلَّتْ مِنْ نِفَاسِهَا، تَجَمَّلَتْ لِلْخُطَّابِ، فَدَخَلَ عَلَيْهَا أَبُو السَّنَابِلِ بْنُ بَعْكَكٍ - رَجُلٌ مِنْ بَنِي عَبْدِ الدَّارِ - فَقَالَ لَهَا: مَا لِي أَرَاكِ مُتَجَمِّلَةً؟ لَعَلَّكِ تَرْجِينَ النِّكَاحَ، إِنَّكِ وَالله، مَا أَنْتِ بِنَاكِحٍ حَتَّى تَمُرَّ عَلَيْكِ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشْرٌ، قَالَتْ سُبَيْعَةُ: فَلَمَّا قَالَ لِي ذَلِكَ، جَمَعْتُ عَلَيَّ ثِيَابِي حِينَ أَمْسَيْتُ، فَأَتَيْتُ رَسُولَ الله ﷺ ، فَسَأَلْتُهُ عَنْ ذَلِكَ، فَأَفْتَانِي بِأَنِّي قَدْ حَلَلْتُ حِينَ
القسم السابع
رحلة الرّوح
الفرق بين النّفس والرّوح
الَّذِي عليه أكثر أهل العلم أنَّ النَّفْسَ وَالرُّوحَ شَيْءٌ وَاحِد؛ لما ورد من إطلاق أحدهما على الآخر، قال تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ ... (٩٣)﴾ [الأنعام]، والمراد بالأنفس الأرواح.
وعَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: "قُبِضَ رَسُولُ الله ﷺ وَرَأْسُهُ بَيْنَ سَحْرِي وَنَحْرِي، قَالَتْ: فَلَمَّا خَرَجَتْ نَفْسُهُ، لَمْ أَجِدْ رِيحًا قَطُّ أَطْيَبَ مِنْهَا" (١)، تريد روحه.
وعن أبي هُرَيْرَة ﵁، قال: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "أَلَمْ تَرَوُا الْإِنْسَانَ إِذَا مَاتَ شَخَصَ بَصَرُهُ؟ قَالُوا: بَلَى، قَالَ: فَذَلِكَ حِينَ يَتْبَعُ بَصَرُهُ نَفْسَهُ" (٢)، أي روحه.
وممّا يحتجُّ به على أنَّ النَّفس وَالرّوح بِمَعْنىً قولُ بِلَال ﵁: "أَخَذَ بِنَفْسِي الَّذِي أَخَذَ - بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي يَا رَسُولَ الله- بِنَفْسِكَ" (٣).
لكن المسألة لا تخلو من خلاف، فقد قَالَ آخَرُونَ النَّفْسُ غَيْرُ الرُّوحِ، والخلاف فيها شهير.
سكرة الموت
يمرُّ الإنسان في رحيله من الدُّنيا إلى عالم البرزخ بشدَّة تعقبها شدَّة، وأوَّلُ
стр. 130
هذه الشَّدائد سكرةُ الموت، قال تعالى: ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ (١٩)﴾ [ق]، فقد استعير لفظ السَّكرة لهول الموت وشدَّته. وهناك آيات أُخَر تصوِّر شدَّة الموت، قال تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ ... (٩٣)﴾ [الأنعام]، وقال تعالى: ﴿فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ (٨٣)﴾ [الواقعة]، وقال تعالى: ﴿ ... كَلَّا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ (٢٦)﴾ [القيامة].
وقال تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ... (٥٧)﴾ [العنكبوت]، أي كلّ نفس تحسُّ بشدَّة الموت عند الاحتضار. ولفظة (ذائقة) فيها استعارة تصْرِيحِيَّة تبَعِيَّة، فقد شبَّه طعم الموت المرّ عند الاحتضار، بطعم الشَّراب المرّ الّذي يتجرّعه الإنسان، واستخدم المشتقّ اسم الفاعل (ذائق)، وعدل عن الفعل (تذوق) للدَّلالة على التَّحقُّق.
ولمّا مرض النَّبيُّ ﷺ مرض الموت كان عنده عُلْبَةٌ فِيهَا مَاءٌ، فَجَعَلَ يُدْخِلُ يَدَيْهِ فِي المَاءِ، فَيَمْسَحُ بِهِمَا وَجْهَهُ، وَيَقُولُ: "لا إِلَهَ إِلَّا الله، إِنَّ لِلْمَوْتِ سَكَرَاتٍ" (١).
وهذا يدلّك على شدَّة كان يعالجها النَّبيُّ ﷺ ، فإذا كان هذا حاله ﷺ ؛ فاللَّهُمَّ أعنَّا على مَا بَين أَيْدِينَا، أَعِنَّا عَلَى سَكَرَات المَوْت يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ!
وخير زاد نواجه به الشَّدَائِد أن نحفظ حدود الله تعالى، قال النَّبيُّ ﷺ ... لابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ يَوْمًا: "يَا غُلامُ، أَلا أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ يَنْفَعُكَ اللهُ بِهِنَّ؟ فَقُلْتُ: بَلَى. فَقَالَ: احْفَظِ اللهَ يَحْفَظْكَ، احْفَظِ اللهَ تَجِدْهُ أَمَامَكَ، تَعَرَّفْ إِلَيْهِ فِي الرَّخَاءِ،
стр. 131
يَعْرِفْكَ فِي الشِّدَّةِ ... " (١).
فمن حفظ الله تعالى في صحته حفظه الله تعالى في مرضه، ومَنْ تعرَّف عليه سبحانه في الرَّخاء عرفه الله تعالى في الشِّدَّةِ. وخلاصة الخلاصة من أراد أن يكون في حفظ الله تعالى وأن يأتيَه بقلب منيب، فعليه أن يحفظ حدوده، وحفظ حدود الله تعالى يكون بامتثال أوامره واجتناب نواهيه، فمن فعل ذلك فَهُوَ مِنَ الْحَافِظِينَ لِحُدُودِ الله تعالى، الَّذِينَ مَدَحَهُمُ بقوله : ﴿هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ (٣٢) مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ (٣٣)﴾ [ق].
الموت راحة للمؤمن
ممَّا يدلُّ على استراحة المؤمن بالموت أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ مُرَّ عَلَيْهِ بِجِنَازَةٍ، فَقَالَ: "مُسْتَرِيحٌ وَمُسْتَرَاحٌ مِنْهُ، قَالُوا: يَا رَسُولَ الله، مَا المُسْتَرِيحُ وَالمُسْتَرَاحُ مِنْهُ؟ قَالَ: العَبْدُ المُؤْمِنُ يَسْتَرِيحُ مِنْ نَصَبِ الدُّنْيَا وَأَذَاهَا إِلَى رَحْمَةِ الله ... " (٢) الحديث.
ولذلك كان من دعاء النَّبِيِّ ﷺ : "وَاجْعَلِ المَوْتَ رَاحَةً لِي مِنْ كُلِّ شَرٍّ" (٣)، اللَّهُمَّ اجعل الموت راحة لنا، ولقِّنا منك رحمة ورضوانًا، وعفوًا وغفرانًا.
وممّا يحتجُّ به ما جاء في روح المؤمن إذا فاضت إِلَى بَارِئِهَا، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : " حَتَّى يَأْتُونَ بِهِ أَرْوَاحَ المُؤْمِنِينَ فَلَهُمْ أَشَدُّ فَرَحًا بِهِ مِنْ أَهْلِ الْغَائِبِ بِغَائِبِهِمْ فَيَقُولُونَ: مَا فَعَلَ فُلَانٌ؟ فَيَقُولُونَ: دَعُوهُ حَتَّى يَسْتَرِيحَ فَإِنَّهُ كَانَ فِي غَمِّ
стр. 132
الدُّنْيَا ... " (١) الحديث. وممّا يستدلّ به على استراحة المؤمن بالموت، قول النَّبِيِّ ﷺ لفاطمة ﵍: "لَا كَرْبَ عَلَى أَبِيكِ بَعْدَ الْيَوْمِ، إِنَّهُ قَدْ حَضَرَ مِنْ أَبِيكِ مَا لَيْسَ بِتَارِكٍ مِنْهُ أَحَدًا، المُوَافَاةُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ" (٢).
ساعة الموت وأنّ من مات قامت قيامته
ساعةُ كلّ حيّ موته، فإذا مات قَامَتْ قِيَامَتُهُ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: كَانَ رِجَالٌ مِنَ الأَعْرَابِ جُفَاةً، يَأْتُونَ النَّبِيَّ ﷺ فَيَسْأَلُونَهُ: مَتَى السَّاعَةُ؟ فَكَانَ يَنْظُرُ إِلَى أَصْغَرِهِمْ فَيَقُولُ: "إِنْ يَعِشْ هَذَا لا يُدْرِكْهُ الهَرَمُ حَتَّى تَقُومَ عَلَيْكُمْ سَاعَتُكُمْ" (٣)، أي موتكم. فأرشدهم النَّبيُّ ﷺ إلى حسن الاستعداد وَالتَّزَوُّدِ ليوم المعاد، وأنّ مَنْ مات حان حينُه وقامت ساعتُه.
الملائكة الموكلة بنزع الأرواح
وَكَّلَ اللهُ تعالى ملكَ الموتِ بنزع الأرواح، قال تعالى: ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ (١١)﴾ [السّجدة]. ولملك الموت أعوان من الملائكة، قال تعالى: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ (٦١)﴾ [الأنعام]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ ... (٩٧)﴾ [النّساء]، وقال
стр. 133
تعالى: ﴿وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا (١) وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطًا (٢)﴾ [النَّازعات].
وإسناد التَّوَفِّي إلى ملك الموت وأعوانه يفسِّر اتَّفَاقَ مَوْت النّفوس فِي طَرْفَةِ عَيْنٍ في المشارق والمغارب، والأمر كلّه بمشيئة الله تعالى، ولذلك أَسْنَد التَّوَفِّي لنفسه، فقال تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ ... (٤٢)﴾ [الزّمر].
نزول الْمَلَائِكَةِ عِنْدَ الْمَوْتِ بالبشرى على المؤمنين والوعيد على الكافرين
لأولياء الله تعالى المتَّقين بشائرُ من ربِّهم ولله الحمد، منها ما هو في الحياة الدُّنيا كالرُّؤيا الصَّالحة، سَأَل عُبَادَةُ بْن الصَّامِت ﵁ رَسُولَ الله ﷺ عَنْ قَوْلِهِ ﵎: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ ... (٦٤)﴾ [يونس]، فَقَالَ: "هِيَ الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ يَرَاهَا المُسْلِمُ أَوْ تُرَى لَهُ" (١).
ومنها ما هو عِنْدَ المَوْتِ، فالملائكة تنزل على المؤمنين ساعة الاحتضار تبشّرهم بالجنَّة والرَّحْمَةِ وَالرِّضْوَانِ، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٣٠)﴾ [فصّلت]، وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٣٢)﴾ [النّحل]، وقَالَ تعالى: ﴿يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (٢٧) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً (٢٨) فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (٢٩) وَادْخُلِي جَنَّتِي (٣٠)﴾ [الفجر].
стр. 134
ومنها ما هو في الحياة الآخرة، فلهم البشرى من الله تعالى بحسن الثَّواب والنَّعيم المقيم في الجنَّة، ﴿يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ (٢١) خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (٢٢)﴾ [التّوبة].
ولهم البشرى من الملائكة، قال تعالى: ﴿يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٢)﴾ [الحديد].
فإذا دخلوا الجنَّة دخلت الملائكة عليهم من أبوابها الثَّمانية مبشِّرة بالسَّلامة، قال تعالى: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ (٢٣) سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ (٢٤)﴾ [الرّعد]. أمّا الكفَّار فلا بشرى لهم في لُجَجِ الموت وغمراته، قال تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى
إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ (٥٠)﴾ [الأنفال]، وقال تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ (٩٣)﴾ [الأنعام]، وقال تعالى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ (٢٧)﴾ [محمّد]. ولا بشرى لهم يوم القيامة، قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلَائِكَةَ لَا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ ... (٢٢)﴾ [الفرقان]. فاذكر يَوْمًا يَجِيئُكَ فيه الْبَشِيرُ مِنَ الله تعالى إِمَّا بِرِضَاه وَإِمَّا بِغضبه وسَخَطِهِ!
стр. 135
وقد يسأل سائل ويقول قائل: متى يَرَى المَلَائِكَةَ مَنْ مات فَجْأَةَ؟ وكيف يراهم مَنْ مات غريقًا أو حريقًا؟ والجواب أنَّ الله تعالى قادر لَا يعجزه شَيْء، وقدرته أعظم من هذا، وَلَسْنا مكلَّفين فِي الاطِّلاع على ذلك.
المؤمن عند الوفاة إذا بشّر برضوان الله كان المَوت أحب إليه من الحَيَاة بخلاف الكافر
عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "مَنْ أَحَبَّ لِقَاءَ الله، أَحَبَّ اللهُ لِقَاءَهُ، وَمَنْ كَرِهَ لِقَاءَ الله، كَرِهَ اللهُ لِقَاءَهُ، فَقُلْتُ: يَا نَبِيَّ الله أَكَرَاهِيَةُ المَوْتِ؟ فَكُلُّنَا نَكْرَهُ المَوْتَ، فَقَالَ: لَيْسَ كَذَلِكِ، وَلَكِنَّ المُؤْمِنَ إِذَا بُشِّرَ بِرَحْمَةِ الله وَرِضْوَانِهِ وَجَنَّتِهِ، أَحَبَّ لِقَاءَ الله، فَأَحَبَّ اللهُ لِقَاءَهُ، وَإِنَّ الْكَافِرَ إِذَا بُشِّرَ بِعَذَابِ الله وَسَخَطِهِ، كَرِهَ لِقَاءَ الله، وَكَرِهَ اللهُ لِقَاءَهُ" (١).
المؤمن إذا فاضت روحه لا يسرها أن ترجع ولو أنّ لها الدنيا وما فيها إلا الشّهيد
اعلم أنَّ نفس المؤمن إذا فاضت لَا تُحِبُّ الرُّجوع إلى الدُّنيا ومُلابَسَتها، وَلو أنَّ لَهَا الدُّنْيَا بِمَا فِيهَا لما ترى من الخير، إلاَّ الشَّهيد، فَإِنَّهُ يَتَمَنَّى أَنْ يَرْجِعَ إِلَى الدُّنْيَا فَيُقْتَلَ غير مرّة لمَا يَرَى مِنَ الكَرَامَةِ.
قَالَ النَّبيُّ ﷺ : "مَا مِنْ نَفْسٍ تَمُوتُ، لَهَا عِنْدَ الله خَيْرٌ، يَسُرُّهَا أَنَّهَا تَرْجِعُ إِلَى الدُّنْيَا، وَلَا أَنَّ لَهَا الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا، إِلَّا الشَّهِيدُ، فَإِنَّهُ يَتَمَنَّى أَنْ يَرْجِعَ، فَيُقْتَلَ فِي الدُّنْيَا لِمَا يَرَى مِنْ فَضْلِ الشَّهَادَةِ" (٢).
فالموت خير للمؤمن وإن كان في ظاهره شرًّا، قال عَبْد الله بن مَسْعُودٍ
стр. 136
- ﵁: "وَالَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، مَا مِنْ نَفْسٍ حَيَّةٍ إِلَّا المَوْتُ خَيْرٌ لَهَا إِنْ كَانَ بَرًّا؛ إِنَّ الله يَقُولُ: ﴿وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ (١٩٨)﴾ [آل عمران]. وَإِنْ كَانَ فَاجِرًا; فَإِنَّ الله يَقُولُ: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا ... (١٧٨)﴾ [آل عمران] " (١).
تمنّي من غُفر له وأكرم أن يعلم قومه
أخبر الله تعالى أنَّ الرَّجُلَ الَّذِي جَاءَ مِنْ أَقْصَى المَدِينَةِ تمنَّى بعد أن قُتِلَ وأدخل الجنَّة أَنْ يُعْلِمَ قَوْمَهُ بِمَا غفر الله تعالى له وأَكْرَمَهُ بِهِ: ﴿قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَالَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ (٢٦) بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ (٢٧)﴾ [يس].
تمني الكافر أن يرجع إلى الدّنيا إذا حضره الموت
أمّا الكافر إذا حضرته الوفاة تمنّى أن يُرَدَّ إلى الدّنيا ليشهد أن لا إله إلّا الله، ويعمل غير الّذي كان يعمل، قال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ (٩٩) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (١٠٠)﴾ [المؤمنون]، فَطُوبَى لِمَنْ شرح الله تعالى بِالْإِسْلَامِ صَدْرَهُ، ثمَّ طوبى لِمَنْ دَانَ نَفْسَهُ قبل أفول شمسه، وتَأَهَّبَ قَبْلَ الْفَوْتِ بالموت.
стр. 137
تمنّي عصاة المؤمنين الرّجعة
وليس سؤال الله تعالى الرّجعة يختصّ بالكافر، وإنّما يتعدَّاه إلى المؤمن المقصّر المفرِّط في جنب الله، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (٩) وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ (١٠) وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (١١)﴾ [المنافقون].
حَبَّذَا الْمَكْرُوهَانِ الموت وقلة المال
قَالَ النَّبيُّ ﷺ : "اثْنَتَانِ يَكْرَهُهُمَا ابْنُ آدَمَ: المَوْتُ، وَالمَوْتُ خَيْرٌ لِلْمُؤْمِنِ مِنَ الفِتْنَةِ، وَيَكْرَهُ قِلَّةَ المَالِ، وَقِلَّةُ المَالِ أَقَلُّ لِلْحِسَابِ" (١).
موت الفجأة
موتُ الفجأة من آثار غضب الله تعالى في حَقِّ الكافر، قال تعالى: ... ﴿أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ (٤٤)﴾ [الأنعام]، وقال تعالى: ﴿فَأَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (٩٥)﴾ [الأعراف]، وعَنْ عُبَيْدِ بْنِ خَالِدٍ ﵁، وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: " مَوْتُ الْفَجْأَةِ أَخْذَةُ أَسَف"، وَحَدَّثَ بِهِ مَرَّةً عَنِ النَّبِيِّ ﷺ (٢). وقوله: "أخذةُ أسف" أي أخذةُ سخط وغضب، وهو مستفاد من قوله
стр. 138
تعالى: ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ ... (٥٥)﴾ [الزّخرف].
أمّا المؤمن فموته راحة على كُلِّ حَالٍ وَوَجْه إذا مات على الإيمان، عَنْ ... أَبِي قَتَادَةَ ﵁، أَنَّهُ كَانَ يُحَدِّثُ: أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ مُرَّ عَلَيْهِ بِجِنَازَةٍ، فَقَالَ: ... "مُسْتَرِيحٌ وَمُسْتَرَاحٌ مِنْهُ. قَالُوا: يَا رَسُولَ الله، مَا المُسْتَرِيحُ وَالمُسْتَرَاحُ مِنْهُ؟ قَالَ: العَبْدُ المُؤْمِنُ يَسْتَرِيحُ مِنْ نَصَبِ الدُّنْيَا وَأَذَاهَا إِلَى رَحْمَةِ الله، وَالعَبْدُ الفَاجِرُ يَسْتَرِيحُ مِنْهُ العِبَادُ وَالبِلادُ، وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ" (١).
وهذا الحديث رواه الشَّيخان وغيرهما، والطَّريف أنَّ البيهقي رواه في كتاب الجنائز، وبوَّب عليه (باب في موت الفجاءة) ولعلَّه يستشهد به على أنَّ الموت رَاحَة للمؤمن بغتة كان أو غيره.
وروى ابن أبي شيبة عَنْ عَبْدِ الله بن مسعود ﵁، وَعَائِشَةَ ﵂، بإسناد صحيح، قَالَا: "مَوْتُ الْفُجَاءَةِ رَأْفَةٌ بِالمُؤْمِنِ، وَأَسَفٌ عَلَى الْفَاجِرِ" (٢).
ومّما يستدلُّ به على عدم كراهة موت الفجأة ما رواه البخاريّ عَنْ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ : "إِنَّ أُمِّي افْتُلِتَتْ نَفْسُهَا وَأُرَاهَا لَوْ تَكَلَّمَتْ تَصَدَّقَتْ، أَفَأَتَصَدَّقُ عَنْهَا؟ قَالَ: نَعَمْ تَصَدَّقْ عَنْهَا" (٣)، فلم يظهر منه ﷺ كراهة لمّا أخبره الرَّجل أنَّ أمَّه ماتت فجأة.
وما روي عَنْ عَبْدِ الله بْنِ عَمْرٍو ﵄: "أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ اسْتَعَاذَ مِنْ سَبْعِ مَوْتَاتٍ: مَوْتِ الفُجَاءَةِ ... " (١) فضعيف.
هذا وظهور موت الفجأة يعدُّ من علامات اقتراب السَّاعة، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ ـ رَفَعَهُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ـ قَالَ: "مِنِ اقْتِرَابِ السَّاعَةِ أَنْ يُرَى الْهِلَالُ قَبَلًا، فَيُقَالُ: لِلَيْلَتَيْنِ (٢)، وَأَنْ تُتَّخَذَ المسَاجِدُ طُرُقًا، وَأَنْ يَظْهَرَ مَوْتُ الفُجَاءَةِ" (٣)، والمراد بالظّهور وقوعه بكثرة، وإلَّا فموت الفجأة كان في عهده ﷺ .
وقَدْ كره مَوْتَ الْفَجْأَةِ بعض أهل العلم، وقال آخرون هو مَحْبُوبٌ لِلْمُرَاقِبِينَ، وهو كذلك؛ فمن الصَّالِحِينَ مَنْ مَات فجأة، ومنهم عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ ... أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ﵄، قال الحافظ: "وكان موته فجأة من نومة نامها بمكان على عشرة أميال من مكَّة، فحمل إلى مكَّة ودفن بها، ولما بلغ عائشة ﵂ خبره خرجت حاجَّة فوقفت على قبره فبكت، ثم قالت: لَوْ حَضَرْتُكَ دَفَنْتُكَ حَيْثُ مُتَّ، ولما بكيتك" (٤).