الزّجر عن سبّ الموتى والوقوع فيهم والعلّة من ذلك
ينبغي للمسلم أن يمسك عن مساوئ الموتى، وأن يذكرهم بِمَا يَعْلَمُ مِنْ محاسنهم، قال النَّبِيُّ ﷺ : "إِذَا مَاتَ صَاحِبُكُمْ فَدَعُوهُ" (١).
والعلَّة الَّتي من أجلها أمر النَّبِيُّ ﷺ بالكفِّ عنهم بيِّنة في قوله ﷺ : "لا تَسُبُّوا الأَمْوَاتَ، فَإِنَّهُمْ قَدْ أَفْضَوْا إِلَى مَا قَدَّمُوا" (٢)، وقوله ﷺ : "لَا تَسُبُّوا الْأَمْوَاتَ فَتُؤْذُوا الْأَحْيَاءَ" (٣).
стр. 147
القسم الثامن
الحزن والبكاء
الحزن في القرآن منهيّ عنه أو منفيّ
ما جاء الْحُزْنُ فِي كتاب الله تعالى إِلَّا مَنْهِيًّا عَنْهُ، أَوْ مَنْفِيًّا، فمن المَنْهِيّ عَنْهُ قوله تَعَالَى: ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا ... ... (١٣٩)﴾ [آل عمران]، وَقَوْله: ﴿وَلَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ ... (١٧٦)﴾ [آل عمران]، وَقَوْله: ﴿فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ (٢٦)﴾ [المائدة]، وَقَوْله: ﴿فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (٦٨)﴾ [المائدة]، وَقَوْله: ﴿لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا ... (٤٠)﴾ [التّوبة]، وَقَوْله: ... ﴿وَلَا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ ... (٦٥)﴾ [يونس]، وَقَوْله: ﴿وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ (٨٨)﴾ [الحجر]، وَقَوْله: ﴿وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ (١٢٧)﴾ [النّحل]، وَقَوْله: ﴿وَلَا تَحْزَنْ إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ ... (٣٣)﴾ [العنكبوت]، وَقَوْله: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَلَا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ ... (٢٣)﴾ [لقمان]، وَقَوْله: ﴿فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ ... (٨)﴾ [فاطر]، وَقَوْله: ... ﴿فَلَا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ ... (٧٦)﴾ [يس].
ومن النَّهي أَيْضًا قوله تعالى: ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا (٦)﴾ [الكهف]، وقوله: ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (٣)﴾ [الشّعراء]، فقد جاءت (لعَلَّ) مُضَمَّنَةً مَعْنَى النَّهي عن الحزن عليهم كما يدلّ السّياق.
стр. 148
وَمن المَنْفِيّ قوله تعالى: ﴿فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٣٨)﴾ [البقرة]، وَقَوْله: ﴿لِكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ ... (١٥٣)﴾ [آل عمران] وَقَوْله: ﴿أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (١٧٠)﴾ [آل عمران]، وَقَوْله: ﴿لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢)﴾ [يونس]، وَقَوْله: ﴿لَا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦١)﴾ [الزّمر].
والحزن لا يقع باختيار الإنسان، فالنَّهي عن الحزن على الحقيقة المراد به النّهي عمَّا يورث الحزن ويجدّده ويعظّم شأنه، أي النّهي عن طلبه والإغراق فيه لما يسبّبه من ضرر.
وأكثر ما يبعث الحزن التَّذكُّر والتَّأسّف، فهذا سيّدنا يعقوب ﵇ ابيضَّت عيناه من تَجَدُّدِ الحزن ومعاودة الحنين، قال تعالى: ﴿وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَاأَسَفَا عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ (٨٤) قَالُوا تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ (٨٥)﴾ ... [يوسف].
فالحزن ليس محظورًا؛ لأنّه أَمْرٌ ليس اختيارًا، وهناك مواقف حزن فيها النَّبيُّ ﷺ وبكى، فلمَّا مات ابنه إبراهيم ﵇، قال ﷺ : "إِنَّ العَيْنَ تَدْمَعُ، وَالقَلْبَ يَحْزَنُ، وَلا نَقُولُ إِلَّا مَا يَرْضَى رَبُّنَا، وَإِنَّا بِفِرَاقِكَ يَا إِبْرَاهِيمُ لَمَحْزُونُونَ" (١). وقد صبر النَّبيُّ ﷺ على وفاة أبنائه، فقد ماتوا جميعًا في حياته عدا فاطمة ﵍، فإنّها توفيت بَعْدَه بِسِتَّةِ أَشْهُرٍ كما ثبت في الصَّحيح.
стр. 149
ولمّا ثَقُلَ النَّبِيُّ ﷺ ، قَالَتْ فَاطِمَةُ ﵍: "وَا كَرْبَ أَبَاهُ، فَقَالَ لَهَا: لَيْسَ عَلَى أَبِيكِ كَرْبٌ بَعْدَ اليَوْمِ" (١)، ولم ينكر عليها ذلك.
فَلَمَّا مَاتَ قَالَتْ: "يَا أَبَتَاهُ، أَجَابَ رَبًّا دَعَاهُ، يَا أَبَتَاهْ، مَنْ جَنَّةُ الفِرْدَوْسِ، مَأْوَاهْ يَا أَبَتَاهْ إِلَى جِبْرِيلَ نَنْعَاهْ، فَلَمَّا دُفِنَ، قَالَتْ فَاطِمَةُ ﵍: يَا أَنَسُ أَطَابَتْ أَنْفُسُكُمْ أَنْ تَحْثُوا عَلَى رَسُولِ الله ﷺ التُّرَابَ؟ ! " (٢)،
وقَالَ أنس ﵁: "مَا نَفَضْنَا عَنْ رَسُولِ الله ﷺ الْأَيْدِي حَتَّى أَنْكَرْنَا قُلُوبَنَا" (٣).
فإظهار الحزن والأسى والأسف على المصيبة جائز إذا لم يخرج عن معنى الرِّضا ويدخل في معنى السَّخط، وهذا نبيّ كريم يعقوب ﵇، يقول: ﴿يَاأَسَفَا عَلَى يُوسُفَ ... (٨٤)﴾ ... [يوسف].
والبكاء لا يضرُّ ما دام القلب راضيًا، بل إسبال الدَّمع يردُّ وطأة الأحزان، والدُّموع على الشّجو والأشجان أعوان، والدّموع الهوامع رحمة، لكن هناك صفة للبكاء يُعَذَّب عليها، وهي أن يقول العبد مَا لَا يُرْضِي الرَّبَّ، قال ﷺ : " أَلا تَسْمَعُونَ إِنَّ الله لا يُعَذِّبُ بِدَمْعِ العَيْنِ، وَلا بِحُزْنِ القَلْبِ، وَلَكِنْ يُعَذِّبُ بِهَذَا ... ـ وَأَشَارَ إِلَى لِسَانِهِ ـ " (٤).
стр. 150
والشّيطان همّه أن يوقع المؤمنين في الحزن والهمِّ، ليضعف تَعَلُّقَ هِمَم نفوسهم بِالْآخِرَةِ، قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا ... (١٠)﴾ [المجادلة].
والهمّ أخو الحزن فهما صنوان، ولعلَّ الفرق بينهما أنَّ الهمَّ يَرِدُ على القلب إذا كان هناك مكروه سيقع في المستقبل، والحزن يكون بسبب مكروه وقع.
والهمُّ والحزن من أمراض القلوب الَّتي توهن العزائم، ولذلك كان ﷺ يُكْثِرُ أَنْ يَقُولَ: "اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الهَمِّ وَالحَزَنِ" (١). وهذه الدَّار تَكْثُرُ فِيها الْهُمُومُ وَالأَحْزَانُ، ولذلك إذا دخل أهلُ الجنَّةِ الجنَّةَ، قالوا: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ ... (٣٤)﴾ [فاطر]، فدلَّ عَلَى أَنَّ حُزْنَ الدُّنْيَا غَيْرُ مَحْمُودٍ.
ولم يأت الحزن في مقام المدح في موضع، ولم يأمر الله تعالى به قطّ، أمّا قوله
تعالى: ﴿تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ (٩٢)﴾ [التّوبة]، فلم يمدحوا على الحزن، وإنّما على دلالته، فهو يكشف عن صدق إيمانهم، وحسن نيّاتهم، فقد بكوا لمّا قال لهم النَّبيُّ ﷺ : ﴿ ... لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ ... (٩٢)﴾ [التّوبة].
وأمّا قوله ﷺ : "مَا يُصِيبُ المُسْلِمَ، مِنْ نَصَبٍ وَلا وَصَبٍ، وَلا هَمٍّ وَلا حُزْنٍ وَلا أَذًى وَلا غَمٍّ، حَتَّى الشَّوْكَةِ يُشَاكُهَا، إِلَّا كَفَّرَ الله بِهَا مِنْ خَطَايَاهُ" (٢).
стр. 151
فالمدح ليس للحزن، وإنَّما للصَّبر، الَّذي به يثبت الأجر ويكفَّر الوزر، وهذا يعقوب ﵇ يعلِّمنا كيف يكون جميل الصَّبر على الأحزان، ﴿قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ ... (٨٦)﴾ [يوسف].
وأمّا حديث أنّ النَّبيَّ ﷺ : "كَانَ مُتَوَاصِلَ الْأَحْزَانِ" (١)، فهو ضعيف لا يحتجُّ به، ومثله حديث: "إِنَّ الله يُحِبُّ كُلَّ قَلْبٍ حَزِينٍ" (٢).
الزّجر عن النّياحة والنّدب على الميّت والرّخصة بالبكاء
زَجَرَ النَّبِيُّ ﷺ عَنِ الْبُكَاءِ الّذي معه صياح ونياحة لِلنِّسَاءِ عِنْدَ المَصَائِبِ إِذَا امْتُحِنَّ بِهَا، عن عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: "لمَّا جَاءَ النَّبِيَّ ﷺ قَتْلُ ابْنِ حَارِثَةَ، وَجَعْفَرٍ، وَابْنِ رَوَاحَةَ جَلَسَ يُعْرَفُ فِيهِ الحُزْنُ وَأَنَا أَنْظُرُ مِنْ صَائِرِ البَابِ شَقِّ البَابِ، فَأَتَاهُ رَجُلٌ فَقَالَ: إِنَّ نِسَاءَ جَعْفَرٍ وَذَكَرَ بُكَاءَهُنَّ، فَأَمَرَهُ أَنْ يَنْهَاهُنَّ، فَذَهَبَ، ثُمَّ أَتَاهُ الثَّانِيَةَ، لَمْ يُطِعْنَهُ، فَقَالَ: انْهَهُنَّ، فَأَتَاهُ الثَّالِثَةَ، قَالَ: والله لَقَدْ غَلَبْنَنَا يَا رَسُولَ الله، فَزَعَمَتْ أَنَّهُ قَالَ: فَاحْثُ فِي أَفْوَاهِهِنَّ التُّرَابَ، فَقُلْتُ: أَرْغَمَ الله أَنْفَكَ، لَمْ تَفْعَلْ مَا أَمَرَكَ رَسُولُ الله ﷺ ، وَلَمْ تَتْرُكْ رَسُولَ الله ﷺ مِنَ العَنَاءِ" (٣).
وفي قوله ﷺ : "احْثُ فِي أَفْوَاهِهِنَّ" دُونَ أَعْيُنِهِنَّ إشَارَة إِلَى أَنَّ النَّهْيَ لَمْ يَقَعْ بسبب الْبُكَاءِ وحده، بَلْ عَنْ قَدْرٍ زَائِدٍ عَلَيْهِ مِنْ عويل ونياحة، والله تعالى أعلم.
стр. 152
كما جاء النَّهي عن النَّدب (١) على الميِّت، عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ ﵄، قَالَ: أُغْمِيَ عَلَى عَبْدِ الله بْنِ رَوَاحَةَ، فَجَعَلَتْ أُخْتُهُ عَمْرَةُ تَبْكِي وَاجَبَلاهْ، وَاكَذَا وَاكَذَا، تُعَدِّدُ عَلَيْهِ، فَقَالَ حِينَ أَفَاقَ: "مَا قُلْتِ شَيْئًا إِلَّا قِيلَ لِي: آنتَ كَذَلِكَ؟ " (٢).
ولمّا مات خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ ﵁ سنة إحدى وعشرين في الشَّام، اجْتَمَعَ نِسْوَةُ بَنِي المُغِيرَةِ (بَنَاتُ عَمِّ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ) في دار خالد يَبْكِينَ عَلَيْهِ، فلمّا ذُكِر ذلك لعمر ﵁ أذِن أَنْ يُهْرِقْنَ مِنْ أَعْيُنِهِنَّ عليه، لكن نهى عن النِّياحة ورَفْعِ الصَّوْتِ بِالْبُكَاءِ ووضع التُّرَابِ على الرَّأْسِ، قالَ عُمَرُ ﵁: "دَعْهُنَّ يَبْكِينَ عَلَى أَبِي سُلَيْمَانَ مَا لَمْ يَكُنْ نَقْعٌ (٣) أَوْ لَقْلَقَةٌ" (٤)، فرَخَّص ﵁ بالبُكَاءِ فِي غَيْرِ نَوْحٍ.
وممَّا يستدلُّ به على الرُّخصة والإذن بالبكاء المُجَرَّدِ قول النَّبيِّ: "تَبْكِينَ أَوْ لا تَبْكِينَ مَا زَالَتِ المَلائِكَةُ تُظِلُّهُ بِأَجْنِحَتِهَا حَتَّى رَفَعْتُمُوهُ" (٥).
الزّجر عن مساعدة من نزلت بها مصيبة الموت في البكاء والنّوح والنّدب
لا يجوز أَنْ تُجَامِلَ المَرْأَةُ المَرْأَةَ بمُسَاعَدَتهَا في النِّيَاحَةِ، فالواجب أَنْ يُتَعَزَّى بِمَا أَمَرَ اللهُ تَعَالَى بِهِ مِنَ الصَّبْرِ وَالِاسْتِرْجَاعِ، وأن تذكِّر إحداهنَّ الأخرى بذلك.
стр. 153
قالت أمُّ سلمة لمَّا مَاتَ زوجها الأوَّل: غَرِيبٌ وَفِي أَرْضِ غُرْبَةٍ (أي أنَّه مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ وَمَاتَ بِالمَدِينَةِ)، لَأَبْكِيَنَّهُ بُكَاءً يُتَحَدَّثُ عَنْهُ، وكانت قَدْ تَهَيَّأْت لِلْبُكَاءِ عَلَيْهِ، إِذْ أَقَبَلَتِ امْرَأَةٌ مِنَ الصَّعِيدِ (من عَوَالِي المَدِينَةِ) تُرِيدُ أَنْ تُسْعِدَها ... (أي تُسَاعِدها في البكاء والنَّوح)، فَاسْتَقْبَلَهَا رَسُولُ الله ﷺ ، وَقَالَ: "أَتُرِيدِينَ أَنْ تُدْخِلِي الشَّيْطَانَ بَيْتًا أَخْرَجَهُ اللهُ مِنْهُ؟ " (١) مَرَّتَيْنِ، فلمّا سمعت أمُّ سلمة ذلك كَفَّت عَنِ الْبُكَاءِ على أبي سلمة ولَمْ تبكِه.
فلا يجوز أن تعين المرأة الشَّيطان على أختها إذا امتحنت بمصيبة الموت، بمساعدتها على النِّياحة والنَّدب، ولا أن تعينها على نفسها بالجزع.
وممّا يدلُّ على حظر ذلك ما أخرجه أحمد وغيره عَنْ أَنَسٍ ﵁، قَالَ: أَخَذَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى النِّسَاءِ حِينَ بَايَعَهُنَّ أَلَّا يَنُحْنَ، فَقُلْنَ: يَا رَسُولَ الله، إِنَّ نِسَاءً أَسْعَدْنَنَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ أَفَنُسْعِدُهُنَّ فِي الْإِسْلَامِ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "لَا إِسْعَادَ فِي الْإِسْلَامِ ... " (٢) الحديث. فلا يجوز لجارات المَرْأَة أن يسعدنها فِي مصيبتها؛ لأنَّ في ذلك تَسَخُّطًا على قدر الله تعالى.
رد دعوى أنّ عائشة ﵂ أقامت مجلس نوح على أبيها
لا تكفُّ ألسنةُ الشَّانِئِينَ لأمِّنا أمِّ المؤمنين ﵂، قالوا: إنَّ عائشة ﵂ الَّتِي هي أفقه نساء المسلمين وأعلمهنَّ بالدِّين، أقامت مجلس نوح على أبيها ... أبي بكر ﵁ لما توفِّي، وأنَّ هذا مخالف لما ثبت من تحريم النِّياحة لما فيها من تظلّم
стр. 154
وتسخّط من قضاء الله تعالى وقدره واعتراض على أحكامه، وأنَّها لم تنته عن ذلك حتَّى ضربها عمر ﵁ بِالدِّرَّةِ ضَرَبَاتٍ.
قلنا: الطَّاعنون في عائشة ﵂ هم المطعونون حقًّا، ويصدق فيهم قول العرب: "رَمَتْني بِدائِها وانْسَلَّتْ"؛ إذ قالوا بما فيهم.
وتعلَّلوا بما رواه ابنُ سعد عن يُونُس، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيّبِ قَالَ: "لمَّا تُوُفِّيَ أَبُو بَكْرٍ أَقَامَتْ عَلَيْهِ عَائِشَةُ النَّوْحَ، فَبَلَغَ عُمَرَ فَجَاءَ فَنَهَاهُنَّ عَنِ النَّوْحِ عَلَى أَبِي بَكْرٍ، فَأَبَيْنَ أَنْ يَنْتَهِينَ، فَقَالَ لِهِشَامِ بْنِ الْوَلِيدِ: أَخْرِجْ إِلَيَّ ابْنَةَ ... أَبِي قُحَافَةَ، فَعَلَاهَا بِالدِّرَّةِ ضَرَبَاتٍ، فَتَفَرَّقَ النَّوَائِحِ حِينَ سَمِعْنَ ذَلِكَ" (١).
قالوا: قال الحافظ في الفتح بعد أن ذكره البخاريّ تعليقًا: "وَقَدْ أَخْرَجَ عُمَرُ أُخْتَ أَبِي بَكْرٍ حِينَ ناحت وَصله ابن سَعْدٍ فِي الطَّبَقَاتِ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ مِنْ طَرِيقِ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيّبِ، قَالَ: لمَّا تُوُفِّيَ أَبُو بَكْرٍ أَقَامَتْ عَائِشَةُ عَلَيْهِ النَّوْحَ ... " (٢).
قلت: في البخاري: "وَقَدْ أَخْرَجَ عُمَرُ أُخْتَ أَبِي بَكْرٍ حِينَ نَاحَتْ" ذكره هكذا تعليقًا في كتاب الخصومات، وفي كتاب الأحكام، ولم يزد على أنَّ أخت ... أبي بكر (أمّ فَرْوَة ﵂) - لا عائشة ﵂ رفعت صوتها بالبكاء على أخيها فنهاها عمر ﵁ عن ذلك.
وأمَّا رواية ابن سعد في الطَّبقات، فإنَّ سَعِيدَ بْنَ المُسَيّب لَمْ يَسْمَعْ مِنْ
стр. 155
عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁، فالسَّند مرسل مُنْقَطِعٌ، وفيه علَّة غير إرسال سعيد، وهي رواية يونس بن يزيد بن أبي النِّجاد الأَيلي، قال عنه الحافظ: "ثقة إلَّا أنَّ في روايته عن الزّهري وهمًا قليلًا، وفي غير الزّهري خطأ" (١)، وقَالَ المَيْمُونِيّ: "سُئِلَ أَحْمد من أثبت فِي الزُّهْرِيّ؟ قَالَ: معمر، قيل: فيونس، قَالَ: روى أَحَادِيث مُنكرَة" (٢).
ولعلَّ هذه الرِّواية من منكراته؛ لأنَّ فيها زِرَايَة على عائشة ﵂، وعائشة أتقى لله تعالى من أن تقيم النّوح، وأكمل عقلًا مِنْ أن يقع لها مثل هذه القصَّة، وعمر أَتْقَى لله وَأَخْشَى من أن يضرب أمَّ المؤمنين ولا يعرف لها حرمة كما زعموا.
ويردُّ هذه الرِّواية أنْ تعلم أنَّ عائشة ﵂ ممَّن روى زجر النَّبيِّ ﷺ عن نياحة النِّساء على موتاهنَّ، فلمّا جاء نَعْيُ زيد وجعفر وابن رواحة، ناحت نساء جعفر عليه، فلمّا نَهَاهُنَّ ﷺ وَأَبَيْنَ، دعت عائشة، وقالت: "أَرْغَمَ الله بِآنَافِهِنَّ".
عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: "لمَّا جَاءَ نَعْيُ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ، وَجَعْفَرٍ، وَعَبْدِ الله بْنِ رَوَاحَةَ جَلَسَ رَسُولُ الله ﷺ ، يُعْرَفُ فِي وَجْهِهِ الْحُزْنُ، فَأَتَاهُ رَجُلٌ فَقَالَ: هَذِهِ نِسَاءُ جَعْفَرٍ يَنُحْنَ عَلَيْهِ، وَقَدْ أَكْثَرْنَ بُكَاءَهُنَّ، قَالَ: فَأَمَرَهُ أَنْ يَنْهَاهُنَّ، فَمَكَثَ شَيْئًا ثُمَّ رَجَعَ، فَذَكَرَ أَنَّهُ نَهَاهُنَّ، فَأَبَيْنَ أَنْ يُطِعْنَهُ، فَأَمَرَهُ الثَّانِيَةَ أَنْ يَنْهَاهُنَّ، قَالَ: فَذَكَرَ أَنَّهُ قَدْ غَلَبْنَهُ قَالَ: فَاحْثُ فِي وُجُوهِهِنَّ التُّرَابَ. قَالَتْ عَمْرَةُ: فَقَالَتْ عَائِشَةُ عِنْدَ ذَلِكَ: أَرْغَمَ الله بِآنَافِهِنَّ، والله مَا تَرَكْتَ رَسُولَ الله ﷺ ، وَمَا أَنْتَ بِفَاعِلٍ" (٣).
стр. 156
هذا والإجماع منعقد على عدالة الصَّحابة، ولم يندّ عن ذلك إلّا من لا يُعَدُّ خلافه خلافًا، ولم يعترض إلَّا من ليس له قدم راسخة في العلم أو باع في الفهم، ولا نترك كلام الله تعالى وكلامَ النَّبيِّ ﷺ في عدالة الصَّحابة لقول أحد، أيًّا كان هذا الأحد، وأين في النَّاس من يرتقي مرتقاهم، أو يبلغ ذراهم؟ !
أحاديث توهم أَنَّ مَنْ بكاه أهله أو نِيحَ عَلَيْه عُذِّبَ بَعْدَ مَوْتِهِ
فإن قال قائل: ولكنَّ النَّبيَّ ﷺ ، قال: "إِنَّ المَيِّتَ لَيُعَذَّبُ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ" (١)، وقال ﷺ : "إِنَّ المَيِّتَ لَيُعَذَّبُ بِبُكَاءِ الْحَيِّ" (٢)، وقال ﷺ : "إِنَّ المَيِّتَ يُعَذَّبُ بِبَعْضِ بُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ" (٣)، فكيف يرخِّص عمر ﵁ بالبكاء؟ !
فالجواب: هَذِهِ الرِّوَايَاتُ مِنْ رِوَايَةِ عُمَرَ وَابْنِهِ عَبْدِ الله ﵄، وهي ممّا استدركته عائشة ﵂ على الصَّحابة، وَاحْتَجَّتْ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ... (١٦٤)﴾ [الأنعام].
ذُكِرَ لَهَا ﵂ أَنَّ عَبْدَ الله بْنَ عُمَرَ ﵄، يَقُولُ: إِنَّ المَيِّتَ لَيُعَذَّبُ بِبُكَاءِ الْحَيِّ، فَقَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: "يَغْفِرُ اللهُ لِأَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَمَا إِنَّهُ لَمْ يَكْذِبْ، وَلَكِنَّهُ نَسِيَ أَوْ أَخْطَأَ، إِنَّمَا مَرَّ رَسُولُ الله ﷺ عَلَى يَهُودِيَّةٍ يُبْكَى عَلَيْهَا، فَقَالَ: إِنَّهُمْ لَيَبْكُونَ عَلَيْهَا، وَإِنَّهَا لَتُعَذَّبُ فِي قَبْرِهَا، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَلَمَّا مَاتَ عُمَرُ ذَكَرْتُ ذَلِكَ، لِعَائِشَةَ فَقَالَتْ: يَرْحَمُ اللهُ عُمَرَ، لَا وَالله مَا حَدَّثَ رَسُولُ الله ﷺ إِنَّ اللهَ يُعَذِّبُ
стр. 157
المُؤْمِنَ بِبُكَاءِ أَحَدٍ، وَلَكِنْ قَالَ: إِنَّ اللهَ يَزِيدُ الْكَافِرَ عَذَابًا بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ. قَالَ: وَقَالَتْ عَائِشَةُ: حَسْبُكُمُ الْقُرْآنُ: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ... (١٦٤)﴾ [الأنعام]، قَالَ: وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ عِنْدَ ذَلِكَ: وَاللهُ ﴿أَضْحَكَ وَأَبْكَى (٤٣)﴾ [النّجم]، قَالَ ... ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ: فَوَالله مَا قَالَ ابْنُ عُمَرَ مِنْ شَيْءٍ" (١).
وَاخْتُلِفَ فِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ، فَتَأَوَّلَهَا الْجُمْهُورُ عَلَى مَنْ وَصَّى بِأَنْ يُبْكَى وَيُنَاحَ عَلَيْهِ بَعْدَ مَوْتِهِ وعُمِل بوصيّته، فَهَذَا يُعَذَّبُ بِبُكَاءِ ونوح أَهْلِهِ عَلَيْهِ؛ لأنَّ ذلك مِنْ سعيه، أَمَّا مَنْ بَكَاه أَهْلُهُ وَنَاحُوا عليه مِنْ غَيْرِ وَصِيَّةٍ مِنْهُ فَلَا يُعَذَّبُ لِقَوْلِه تَعَالَى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ... (١٦٤)﴾ [الأنعام].
ولعلَّ ما يؤكِّد ذلك، وأنَّه إنَّما يُعَذَّب إذا رضي منهم النّوح عليه، أنَّ البخاري قيده في ترجمته للباب بقوله: "إِذَا كَانَ النَّوْحُ مِنْ سُنَّتِهِ" (٢).
قلت: وليس المراد مطلق البكاء، فقد جاء مقيّدًا، في قوله ﷺ : "المَيِّتُ يُعَذَّبُ فِي قَبْرِهِ بِمَا نِيحَ عَلَيْهِ" (٣)، فيحمل المطلق على المقيّد. وليس مطلق النّوح يعذّب الميّت عليه، وإنّما يعذَّب إذا أوصى النَّاس بالبكاء والعويل عليه بعد موته، لأنَّ وصيَّته مخالفة لِلسُّنَّةِ، أو لم يوص بترك البكاء والإِعْوال وهو يعلم أنَّ أهله قد يقع منهم ذلك إذا هلك.
فإذا لم يأمر به ولم يرضه ولم يهمل الوصيَّة ولم يفرِّط بالوصيَّة بتركه، فلا
стр. 158
شيء عليه، فإنَّ الله تعالى يقول: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ... (١٨)﴾ [فاطر].
ولعلَّ ما يؤكِّد أنَّه ليس كلّ ميِّت يُعَذَّب بالبكاء، وإنَّما ميِّت مخصوص، أنَّ كلمة (الميّت) دخلت عليها (أل) العهديَّة الَّتي تدخل على النكرة فتكسبها شيئًا من التَّعريف، فتجعل مدلولها فردًا معيّنًا بعد أن كان مبهمًا عامًّا.
وسمِّيت عهديَّة لأنَّها تدخل على كلِّ معهود بين المتكلم والمخاطب، فالمراد ميِّت معهود معيَّن. ومعلوم أنَّ ما عُرِّف بِـ (ألْ) العهديّةِ، فهو معرَّفٌ لفظًا لاقترانه بألْ، ومعنًى لدلالتِه على مُعَيّنٍ، فهو بحكم المقيَّد، فالمراد ميِّت بعينه، وليس مطلق ميِّت، أيّ ميِّت.
ولا يصحُّ أن يقال إنَّها (أل) الجنسيَّة؛ لأنَّ (أل) الجنسيَّة تدخل على اسم لا يراد به معيّن، بل كلّ فرد من أفراد الجنس، فهي تفيد الاستغراق والشّمول والإحاطة والعموم؛ فمصحوبها في حُكم النَّكرةِ من حيثُ معناهُ، فالمعرَّف بِـ (ألْ) الجنسيّةِ نكرةٌ معنًى، معرفةٌ لفظًا، فلا يجوز أن يقال كلمة (الميّت) نكرة معنى؛ لأنّ
النَّكرة تفيد العموم.
أو بعبارة أخرى ما تدخل عليه (أل) الجنسيّة يكون لفظه معرفة، لكنّ معناه معنى النَّكرة المسبوقة بكلمة: كلّ، فيشمل كلّ فرد من أفراد مدلولها، فأل الجنسيّة يصحّ أن يحلَّ محلّها لفظة (كلّ) فلو قلت: النّهر عذب، لكان المعنى: كلّ نهر عذب، ولو قلت: الميّت يعذّب، لكان المعنى: كلّ ميّت يعذّب، هكذا يخرج الكلام مطلقًا، وهذا لَيْسَ مُرَادًا من الحديث الشَّريف قَطْعًا، والمراد مَا بَيَّنَّاهُ جَزْمًا.
ومن الأخبار الَّتي توهم أَنَّ مَنْ نِيحَ عَلَيْهِ عُذِّبَ بَعْدَ مَوْتِهِ، ما رواه مسلم
стр. 159
عَنْ أَنَسٍ ﵁، أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁، لمَّا طُعِنَ عَوَّلَتْ عَلَيْهِ حَفْصَةُ ﵂، فَقَالَ: يَا حَفْصَةُ أَمَا سَمِعْتِ رَسُولَ الله ﷺ يَقُولُ: "المُعَوَّلُ عَلَيْهِ يُعَذَّبُ". وَعَوَّلَ عَلَيْهِ صُهَيْبٌ، فَقَالَ عُمَرُ: يَا صُهَيْبُ أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ المُعَوَّلَ عَلَيْهِ يُعَذَّبُ؟ (١).
والخلاصة أَنَّ المُعَوَّلَ عَلَيْهِ يُعَذَّبُ فِي قَبْرِهِ بِمَا نِيحَ عَلَيْهِ، إذا رضي بذلك وأوصى به في حياته، بذكر أوصافه وتعداد محاسنه الباعثة على تَهْيِيجِ الْحُزْنِ وَتَجْدِيدِ
البكاء والأسف عليه، كما فعل طَرَفَةُ بْنُ الْعَبْدِ حيث قال:
فإنْ مِتُّ فَانْعِيْني بِمَا أنا أهْلُهُ ... وَشُقِّي عَليَّ الجَيْبَ يا ابْنَةَ مَعْبدِ (٢)
حكم النّياحة
وحُكْمُ النَّدب والنِّيَاحَةِ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ التَّحْرِيمُ جملة لا تفصيلًا، فهناك تَفْصِيلاتٌ تَتَعَلَّقُ بِهَذَا الْحُكْمِ، فمن رغب في البسط والتَّفصيل رجع إلى كتب الفقه المقارن. والقول بالتَّحريم معزَّز بالأدلَّة، عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ ﵂، قَالَتْ: "أَخَذَ عَلَيْنَا النَّبِيُّ ﷺ عِنْدَ البَيْعَةِ أَنْ لا نَنُوحَ" (٣)، وعن أَسِيدِ بْنِ أَبِي أَسِيدٍ، عَنِ امْرَأَةٍ، مِنَ المُبَايِعَاتِ، قَالَتْ: كَانَ فِيمَا أَخَذَ عَلَيْنَا رَسُولُ الله ﷺ فِي المَعْرُوفِ الَّذِي أَخَذَ عَلَيْنَا أَنْ لَا نَعْصِيَهُ فِيهِ: "أَنْ لَا نَخْمُشَ وَجْهًا، وَلَا نَدْعُوَ وَيْلًا، وَلَا نَشُقَّ جَيْبًا، وَأَنْ لَا نَنْشُرَ شَعَرًا" (٤).
فالنّياحة تحرم على أهل الميّت، وهي نوعان: نياحة بالأقوال، ونياحة بالأعمال. فالنّياحة تكون قولًا وفعلًا، فمن القول: الصِّيَاح الَّذي لا يمكن دفعه، والعويل والولولة، والدُّعاء بِالْوَيْلِ وَالثُّبُورِ، والنَّدب بتعداد محاسن الميّت وفضائله بما يعظِّم المصاب.
ومن الفعل: اللَّطْم، وخمش الوجه وضربه، وشقّ الجيب، وحلق الشَّعر أو نتفه أو نفشه، وحثو التُّراب على الرَّأس وتعفيره، ونحو ذلك؛ لأنَّ هذا من النّياحة وَفيه تسَخُّط على قضاء الله تعالى وقدره.
وذكر البُخَارِيُّ فِي صَحِيحه تَعْلِيقًا فِي بَاب الْجَنَائِز، فَقَالَ: (بَابُ مَا يُكْرَهُ مِنَ النِّيَاحَةِ عَلَى المَيِّتِ) وقال عُمَرُ فِي نساءٍ اجْتَمَعْنَ يَبْكِينَ عَلَى خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ ﵁: "دَعْهُنَّ يَبْكِينَ عَلَى أَبِي سُلَيْمَانَ مَا لَمْ يَكُنْ نَقْعٌ أَوْ لَقْلَقَةٌ" (١)، أي بشرط ألّا يصاحبه وضع التّراب على الرّأس، أو رفع الصَّوت.
وَالمُرَادُ بِالْكَرَاهَةِ كَرَاهَةُ التَّحْرِيمِ، لأنَّ النَّبيَّ ﷺ نَهَى عَنْ ذَلِكَ وَتَوَعَّدَ عَلَيْهِ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَدِمَ يَوْمَ أُحُدٍ فَسَمِعَ نِسَاءً مِنْ بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ يَبْكِينَ عَلَى هَلْكَاهُنَّ، فَقَالَ: "لَكِنْ حَمْزَةُ لَا بَوَاكِيَ لَهُ، فَجِئْنَ نِسَاءُ الْأَنْصَارِ يَبْكِينَ عَلَى حَمْزَةَ عِنْدَهُ، فَاسْتَيْقَظَ رَسُولُ الله ﷺ وَهُنَّ يَبْكِينَ، فَقَالَ: يَا وَيْحَهُنَّ، أَنْتُنَّ هَاهُنَا تَبْكِينَ حَتَّى الْآنَ، مُرُوهُنَّ فَلْيَرْجِعْنَ وَلَا يَبْكِينَ عَلَى هَالِكٍ بَعْدَ الْيَوْمِ" (٢).
وظَاهِرُهُ النَّهي عن الْبُكَاءِ مُطْلَقًا بَعْدَ المَوْتِ، والمراد الْبُكَاء المُفْضِي إلَى
стр. 162
النَّوْحِ وَالصُّرَاخِ والإعوال، لأنَّ النَّبيَّ ﷺ أذن بالْبُكَاءِ بَعْدَ المَوْتِ.
النهي عن البكاء بعد الموت نهي تنزيه
يجوز الْبُكَاءِ بَعْدَ المَوْت، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁، قَالَ: "شَهِدْنَا بِنْتًا لِرَسُولِ الله ﷺ ، قَالَ: وَرَسُولُ الله ﷺ جَالِسٌ عَلَى القَبْرِ، قَالَ: فَرَأَيْتُ عَيْنَيْهِ تَدْمَعَانِ" (١).
والنَّهْي عَن الْبكاء بعد المَوْتِ مَحْمُول عَلَى التَّنْزِيه وَالْأولَى، وَلَيْسَ بِحرَام، كما في حديث جَابِر بْن عَتِيكٍ ﵁ أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ جَاءَ يَعُودُ عَبْدَ الله بْنَ ثَابِتٍ، فَوَجَدَهُ قَدْ غُلِبَ عَلَيْهِ فَصَاحَ بِهِ فَلَمْ يُجِبْهُ، فَاسْتَرْجَعَ رَسُولُ الله ﷺ ، وَقَالَ: "غُلِبْنَا عَلَيْكَ يَا أَبَا الرَّبِيعِ، فَصَاحَ النِّسْوَةُ وَبَكَيْنَ وجعل ابن عَتِيكٍ يُسَكِّتُهُنَّ، فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : دَعْهُنَّ، فَإِذَا وَجَبَ فَلَا تَبْكِيَنَّ بَاكِيَةٌ، فَقَالُوا: وَمَا الْوُجُوبُ يَا رَسُولَ الله؟ قَالَ: إِذَا مَاتَ" (٢).
فظاهر النَّهي في قوله ﷺ : "فَإِذَا وَجَبَ فَلَا تَبْكِيَنَّ بَاكِيَةٌ" النَّهي عن البكاء مُطْلَقًا بعد الموت، وهو محمول على البكاء المصحوب بالنِّياحة والنَّدب ونحو ذلك؛ لأنّ البكاء بدمع العين وحزن القلب جاءت السُّنَّةُ بإباحته قبل الموت وبعده، فهو رحمة بِالمَيِّتِ.
стр. 163
النّهي عن البكاء فوق ثَلَاث
لمّا اسْتُشْهِدَ جَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ﵁ رَخَّصَ النَّبيُّ ﷺ لآل جَعْفَر ... في البكاء ثلاث لَيَال، ثُمَّ نهاهم عن البكاء بعدها، فقد أَمْهَلَ النَّبيُّ ﷺ ... آلَ جَعْفَرٍ - ثَلاثًا - أَنْ يَأْتِيَهُمْ، ثُمَّ أَتَاهُمْ، فَقَالَ: "لَا تَبْكُوا عَلَى أَخِي بَعْدَ الْيَوْمِ" (١).
والنَّهي عن البكاء بعد ثلاث نَهْيُ تَنْزِيهٍ لَا نَهْي تَحْرِيمٍ، فالبكاء بعدها جائز، لكن الأولى تركه فلَا يُزَاد فِي الْبُكَاءِ والتَّحَزُّنِ وَالتَّوَجُّعِ على الميّت فَوْقَ ثَلاث لَيَالٍ.
هذا ومن النَّاس من له عبرات وحسرات مَا لَهُنَّ نفاد، فهل أغنى بكاء، أَمْ هل نفع عويل؟ ! قال أراكة الثّقفي يعزّي نفسه في ابنه عمرو: ...
تأمَّلْ فإنْ كَانَ البكا رَدَّ هالكًا ... على أَحَدٍ فاجهدْ بُكاك على عَمرو (٢)
ومن النّاس من يبكي ألمًا على مَنْ مات له مضيّعًا للصّلاة مُتوعَّدًا عليها، بقوله تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا (٥٩)﴾ [مريم].
أو على امرأة ماتت وقد ذمَّها النَّبيُّ ﷺ بقوله: "وَنِسَاءٌ كَاسِيَاتٌ ... عَارِيَاتٌ مُمِيلَاتٌ مَائِلَاتٌ، رُؤوسُهُنَّ كَأَسْنِمَةِ الْبُخْتِ المَائِلَةِ، لَا يَدْخُلْنَ الْجَنَّةَ،
стр. 164
وَلَا يَجِدْنَ رِيحَهَا" (١).
أو على رجل مات قاتلًا لأنفس حرَّم الله تعالى قتلها، قال الله تعالى فيه: ... ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا (٩٣)﴾ [النّساء] وهكذا، فمن كان له أخ مفرّط فليذكّره ربَّه.
الأمر بالتلبينة (٢) للمريض، وللمحزون على الهالك
عَنْ عَائِشَةَ ﵂، أَنَّهَا كَانَتْ إِذَا مَاتَ المَيِّتُ مِنْ أَهْلِهَا، فَاجْتَمَعَ لِذَلِكَ النِّسَاءُ، ثُمَّ تَفَرَّقْنَ إِلَّا أَهْلَهَا وَخَاصَّتَهَا، أَمَرَتْ بِبُرْمَةٍ مِنْ تَلْبِينَةٍ فَطُبِخَتْ، ثُمَّ صُنِعَ ثَرِيدٌ فَصُبَّتِ التَّلْبِينَةُ عَلَيْهَا، ثُمَّ قَالَتْ: كُلْنَ مِنْهَا، فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَقُولُ: "التَّلْبِينَةُ مَجَمَّةٌ (٣) لِفُؤَادِ المَرِيضِ، تَذْهَبُ بِبَعْضِ الحُزْنِ" (٤).
ما يذهب حرّ المصيبة ويطفئ جمرها
ممّا يعين على الصَّبر ويحمل على احتمال المصيبة ويبرد حرَّها: معرفة ثواب الصَّابرين، قال تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (١٥٥) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (١٥٦) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (١٥٧)﴾ [البقرة]. وقد دلَّت الأحاديثُ الشَّريفة على أنَّ الإنسان إذا احْتَسَبَ صَفِيَّهُ
стр. 165
إذا قبض، وصَبَرَ رَاضِيًا بِقَضَاءِ الله تعالى رَاجِيًا فَضْلَهُ فَلَيس له جزاء إِلَّا الْجَنَّة.
ويذهب حرّها: أن تعلم أن المؤمن يبتلى في الأموال والأنفس ويمتحن صبره على قدر دينه، وأنَّ شدَّة البلاء من شدَّة الدِّين.
ويذهب حرّها: أن تَتَسَلَّى عمَّن قضى بمن نجا، فتحمد الله تعالى على مَا أَخَذَ وعلى مَا أَبْقَى، وتحمده أن لم يَجْعَل مصيبتك أعظم مِمَّا هِيَ، ورزقك الصَّبر عليها، ووفقك للاسترجاع، وأنّك معزَّى لا معزّى بك.
ويذهب حرّها: أن تعلم أنَّ الله تعالى سيخلف لك خيرًا منها، قال النَّبيُّ ﷺ : "مَا مِنْ مُسْلِمٍ تُصِيبُهُ مُصِيبَةٌ، فَيَقُولُ مَا أَمَرَهُ اللهُ: ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (١٥٦)﴾ [البقرة]، اللَّهُمَّ أْجُرْنِي فِي مُصِيبَتِي، وَأَخْلِفْ لِي خَيْرًا مِنْهَا، إِلَّا أَخْلَفَ اللهُ لَهُ خَيْرًا مِنْهَا" (١). وقد وعد الله تعالى بجميل العوض وحسن الخلف عمَّا فات، فقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (٤١) الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٤٢)﴾ [النّحل].
ويذهب حرّها: العلم بتكفير المصيبة لِلسَّيِّئَاتِ، قال النَّبيُّ ﷺ : "مَا يُصِيبُ المُسْلِمَ، مِنْ نَصَبٍ وَلا وَصَبٍ، وَلا هَمٍّ وَلا حُزْنٍ وَلا أَذًى وَلا غَمٍّ، حَتَّى الشَّوْكَةِ يُشَاكُهَا، إِلَّا كَفَّرَ الله بِهَا مِنْ خَطَايَاهُ" (٢)، فالهمّ الَّذِي يعتري الإنسان، والحزن الَّذِي يصيبه بسبب فقد أصفيائه يترتَّب عليه تكفير الخطايا.
стр. 166
ويذهب حرّها أن تعلم بأنَّ كلّ مُقَدّر كَائِن، وأنَّ الرِّضا بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ حُلْوِهِ وَمُرِّهِ من أركان الإيمان، قَالَ النَّبيُّ ﷺ : "فَأَخْبِرْنِي عَنِ الْإِيمَانِ، قَالَ: أَنْ تُؤْمِنَ بِالله، وَمَلَائِكَتِهِ، وَكُتُبِهِ، وَرُسُلِهِ، وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ" (١)، وقال تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ ... (١١)﴾ [التّغابن]، وقال تعالى: ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا ... (٥١)﴾ [التّوبة]، ولم يقل: علينا؛ تنبيهًا أَنَّ كلَّ ما يصيبنا لَنَا لا علينا.
ويذهب حرّها: أن تعلم أنَّ الله تعالى يحبُّ أن ترضى بقضائه، قال أَبُو الدَّرْدَاءِ ﵁: "إِنَّ الله إِذَا قَضَى قَضَاءً أَحَبَّ أَنْ يُرْضَى بِهِ" (٢)، وقَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ﵀: "مَا لِيَ فِي الْأُمُورِ هَوىً سِوَى مَوَاقِعَ قَضَى الله فِيهَا" (٣). ولذلك كان من دعاء النَّبيِّ ﷺ : "وَأَسْأَلُكَ الرِّضَاءَ بِالْقَضَاءِ، وَبَرْدَ الْعَيْشِ بَعْدَ المَوْتِ" (٤).
ويذهب حرّها: معرفة حقّ الله تعالى في تلك المصيبة، وهو الحمد والاسترجاع والاحتساب، قال تعالى: ﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (١٥٦)﴾ [البقرة].
ويذهب حرّها: أن تعلم بأنَّ الخير قد يكون فيما تكره، فكم مِن نعمة في
стр. 167
طيّ المكاره كامنة، قال تعالى: ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ ... (٢١٦)﴾ [البقرة]، وقَال تعالى: ﴿فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا (١٩)﴾ [النّساء].
ويذهب حرّها: أنّك ترى في كلّ يوم مَنْ يوسّد في التّراب، فالعمر قصير وإلى الله تعالى المصير، قال ﷻ : ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ (٢٨)﴾ [آل عمران]، فلا بدَّ أن يترك العبد الدُّنيا ويرجع إلى الله تعالى، قال تعالى: ﴿اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (١١)﴾ [الرّوم].
ويذهب حرّها: أن تعلم بأنَّ الله تعالى سيجمع عليك شملك يوم القيامة، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ ... (٢١)﴾ [الطّور]، وأنّ الله تعالى سيجمع بينك وبين من هم خير لك مِنْ ذُرِّيَّتِك، قال تعالى: ... ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا (٦٩)﴾ [النّساء].
فلا تحزن وقِيْت الهمّ والغمّ؛ فإنّه راجع إلينا وصال بعد طول التَّقاطع، فلا تظنّ أنَّه لا سبيل إلى وصال، فبعد التَّنائي بيننا سيجمع الله تعالى في الجنَّة شملنا.
ويذهب حرّها: أن تعلم أنَّ الخسارة الكبيرة خسارة النَّفس والأهل يوم القيامة، حيث لا اجتماع للخاسرين أبدًا، ولهم عذاب مقيم، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ (١٥)﴾ [الزّمر]، وقال تعالى: ... ﴿ ... وَقَالَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ
стр. 168
وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا إِنَّ الظَّالِمِينَ فِي عَذَابٍ مُقِيمٍ (٤٥)﴾ [الشّورى].
ويذهب حرّها: استصغار المصيبة، فقد يَظُنُّ ظَانٌّ أنَّ المصيبة بالولد ونحوه أعظم المصائب، والحقيقة أنَّ مصابنا بفقد النَّبيِّ ﷺ أعظم من ذلك، قال ﷺ : "فَأَنَا فَرَطُ أُمَّتِي، لَمْ يُصَابُوا بِمِثْلِي" (١)، وصدق حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ ﵁:
وَمَا فَقَدَ المَاضُونَ مِثْلَ مُحَمَّدٍ ... وَلَا مِثْلُهُ حَتَّى الْقِيَامَةِ يُفْقَدُ (٢)
والمصيبة بالدِّين أعظم كذلك، ولذلك كان من دعاء النَّبيِّ ﷺ : "وَلَا تَجْعَلْ مُصِيبَتَنَا فِي دِينِنَا" (٣)، ولعلّ المصيبة بالعرض تفوق المصيبة بفقد الولد ونحوه، أَجَارَنَا الله تعالى مِنْ مُضِلَّاتِ الْفِتَنِ، ولا أنسانا المصيبة بأعظم منها حاشا مصابنا به ﷺ .
ويذهب حرّها: أَنْ تعلم أَنَّ ذهاب أجر الصَّبر على المصيبة أعظم من المصيبة نفسها، فالجزع لا يزيدك إلّا خسارًا وتبارًا، فضلًا عن أنَّ الجزع فيه مغضبة للرَّب، ومرضاة للشّيطان، ومسرَّة للحاقدين والأعداء، ومساءة لِلْأَقْرَبِينَ وَالْأَخِلَّاء.
إحداد المرأة على غير زوجها ثلاث ليال وعلى زوجها أربعة أشهر وعشرًا
لمَّا جَاءَ خبر موت أَبِي سُفْيَانَ (صخر بن حرب) والد أمّ حَبِيبَة ﵂، دعت أُمُّ حَبِيبَةَ ﵂ فِي اليَوْمِ الثَّالِثِ بِطِيبٍ، فَمَسَحَتْ جانبي وجهها وذِرَاعَيْهَا،
стр. 169
إيذانًا بانتهاء الحداد، فعَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أَبِي سَلَمَةَ، قَالَتْ: لمَّا جَاءَ نَعْيُ أَبِي سُفْيَانَ مِنَ الشَّأْمِ، دَعَتْ أُمُّ حَبِيبَةَ ﵂ بِصُفْرَةٍ فِي اليَوْمِ الثَّالِثِ، فَمَسَحَتْ عَارِضَيْهَا، وَذِرَاعَيْهَا، وَقَالَتْ: إِنِّي كُنْتُ عَنْ هَذَا لَغَنِيَّةً، لَوْلا أَنِّي سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ ، يَقُولُ: "لا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِالله وَاليَوْمِ الآخِرِ، أَنْ تُحِدَّ عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلاثٍ، إِلَّا عَلَى زَوْجٍ، فَإِنَّهَا تُحِدُّ عَلَيْهِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا" (١).
فالمرأةُ لا تُحِدُّ على هالك أكثر من ثلاث إلّا على زوجها، تُحِدُّ عَلَيْهِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا ... (٢٣٤)﴾ [البقرة].
وهذا في حقِّ المرأة غير الحامل، أما الحامل فإنها تعتدّ وتحدّ على زوجها إلى وضع الحمل، فإذا وضعت حملها خرجت من العدّة والإحداد ولو بعد موت زوجها بمدة يسيرة، لقوله تعالى: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ (٤)﴾ [الطّلاق]، والآية مخصّصة لعموم الآية السّابقة.
وَفِي الْبُخَارِيِّ أنَّ النَّبيَّ ﷺ أفتى سُبَيْعَةَ الأَسْلَمِيَّةَ إِذَا وَضَعَتْ حملها بعد وفاة زوجها أَنْ تَتَزَوَّجَ، لخروجها من العدّة، قَالَتْ سُبَيْعَةُ: "أَفْتَانِي إِذَا وَضَعْتُ أَنْ أَنْكِحَ" (٢).
وقَالَتْ أمّ سلمة ﵂: "قُتِلَ زَوْجُ سُبَيْعَةَ الأَسْلَمِيَّةِ وَهِيَ حُبْلَى، فَوَضَعَتْ
стр. 170
بَعْدَ مَوْتِهِ بِأَرْبَعِينَ لَيْلَةً، فَخُطِبَتْ فَأَنْكَحَهَا رَسُولُ الله ﷺ " (١)، فالمرأة المُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا تنقضي عدّتها وتخرج منها بِوَضْعِ الْحَمْلِ.
الحكمة في إحداد المرأة على زوجها أكثر من إحدادها على والديها
قد يقول قائل: ما الحكمة في أنّ المرأة لا تحدّ على أبيها وأمّها فَوْقَ ثَلَاثٍ، وتحدّ عَلَى زَوْجِهَا أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا؟
والجواب لعلّ الحكمة تكون في امتثال أمر الله تعالى القائل في محكم التّنزيل: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ... (٣٦)﴾ [الأحزاب]، كذلك لمعرفة براءة الرَّحم معرفة يقينيّة حماية لحرمات الله تعالى، فالحمل حقّ للزوج المتوفّى، فلو تزوّجت بآخر وكانت حاملًا لجعلت الآخر يَسْقِي مَاءَهُ زَرْعَ غَيْرِهِ، وهذا لا يحلّ لعموم قوله ﷺ : "لَا يَحِلُّ لِامْرِئ يُؤْمِنُ بِالله وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يَسْقِيَ مَاءَهُ زَرْعَ غَيْرِهِ" (٢).
والمرأة إذا وضعت بعد موت زوجها بِلَحْظَةٍ انْقَضَتْ عِدَّتُهَا وحلَّت للأزواج.
أيضاً تحدّ المرأة صيانة لحقّ الزَّوج المتوفَّى، ووفاء له، ومراعاة لشعور أهله.
صفة الإحداد في الإسلام
المُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا عليها أن تَجْتَنِب وتمتنع في عِدَّتِهَا عن خمسة: الخروج من البيت إلَّا لحاجة أو ضرورة، وتمتنع عن الجميل من الثِّياب، وعن الحليّ (الجواهر)،
стр. 171
والكحل، والطِّيب إلّا إذا طهرت من حيض فلا بأس أن تأخذ شيئًا من البخور لا لِلتَّطَيُّبِ، وإنَّما لتتبع به أثر الدَّم.
عنْ أُمِّ عَطِيَّةَ ﵂، أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: "لَا تُحِدُّ امْرَأَةٌ عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلَاثٍ، إِلَّا عَلَى زَوْجٍ، أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا، وَلَا تَلْبَسُ ثَوْبًا مَصْبُوغًا، إِلَّا ثَوْبَ عَصْبٍ، وَلَا تَكْتَحِلُ، وَلَا تَمَسُّ طِيبًا، إِلَّا إِذَا طَهُرَتْ، نُبْذَةً مِنْ قُسْطٍ (١) أَوْ أَظْفَارٍ" (٢).
وتلزم بيتها وتعتدّ به، بدليل أنّ أُخْت أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ (فُرَيْعَة بِنْت مَالِك) لمّا قُتِلَ زوجها سَأَلت النَّبيَّ ﷺ أن تَتَحَوَّلَ إِلَى أَهْلِها، فقال لها: "امْكُثِي فِي بَيْتِكِ الَّذِي أَتَاكِ فِيهِ نَعْيُ زَوْجِكِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ" (٣).
ولا تخرج منه إِلَّا للحاجة أو الضَّرورة، أخرج مسلم في كتاب الطَّلاق (باب جَوَازِ خُرُوجِ المُعْتَدَّةِ الْبَائِنِ، وَالمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا فِي النَّهَارِ لِحَاجَتِهَا) حديث جَابِر بْن عَبْدِ الله ﵄، يَقُولُ: طُلِّقَتْ خَالَتِي، فَأَرَادَتْ أَنْ تَجُدَّ نَخْلَهَا، فَزَجَرَهَا رَجُلٌ أَنْ تَخْرُجَ، فَأَتَتِ النَّبِيَّ ﷺ ، فَقَالَ: "بَلَى فَجُدِّي نَخْلَكِ، فَإِنَّكِ عَسَى أَنْ تَصَدَّقِي، أَوْ تَفْعَلِي مَعْرُوفًا" (٤)، والحديث في خروج المطلَّقة، لكنّ المصنّف أخذ منه حكم جواز خروج المتوفَّى عنها زوجها لحاجة.
стр. 172
صفة الإحداد في الجاهليّة
أمَّا صفة الإحداد في الجاهليّة فقد كانت المرأة تَشُقُّ الْجُيُوبَ، وَتلطم الْخُدُود، وَتحلق الشّعر، وتدعو بِالْوَيْلِ وَالثُّبُورِ ... تَسَخُّطًا لمقادير الله تعالى وعدم رضى بالقضاء، ثُمَّ إِنَّهَا تدخل أكره بيت، وتلبس شَرَّ ثِيَاب، ولا تتطيّب، وَلَا تَمَسُّ مَاءً، وَلَا تُقَلِّمُ ظُفْرًا، وتحبس نفسها سنة كاملة، ثمّ تُؤْتَى بِدَابَّةٍ تَمْسَحُ بِهِ جِلْدَهَا، ثُمَّ تخرج بِأَقْبَحِ مَنْظَرٍ وأبشع محضر، فَتُعْطَى بَعَرَةً من الأرض وترمي بها، كأنَّها تقول: إنّ هذه المدّة في جانب حقِّ الزّوج عليها هيّنة لا تساوي بَعَرَةً.
قَالَتْ زَيْنَبُ ﵂: "كَانَتِ المَرْأَةُ إِذَا تُوُفِّيَ عَنْهَا زَوْجُهَا، دَخَلَتْ حِفْشًا، وَلَبِسَتْ شَرَّ ثِيَابِهَا، وَلَمْ تَمَسَّ طِيبًا حَتَّى تَمُرَّ بِهَا سَنَةٌ، ثُمَّ تُؤْتَى بِدَابَّةٍ، حِمَارٍ أَوْ شَاةٍ أَوْ طَائِرٍ، فَتَفْتَضُّ بِهِ، فَقَلَّمَا تَفْتَضُّ بِشَيْءٍ إِلَّا مَاتَ، ثُمَّ تَخْرُجُ فَتُعْطَى بَعَرَةً، فَتَرْمِي، ثُمَّ تُرَاجِعُ بَعْدُ مَا شَاءَتْ مِنْ طِيبٍ أَوْ غَيْرِهِ" (١)، وفي آخر الحديث: سُئِلَ مَالِكٌ مَا تَفْتَضُّ بِهِ؟ قَالَ: «تَمْسَحُ بِهِ جِلْدَهَا».
وعن أُمِّ سَلَمَة، قالت: "جَاءَتْ امْرَأَةٌ إِلَى رَسُولِ الله ﷺ ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ ابْنَتِي تُوُفِّيَ عَنْهَا زَوْجُهَا، وَقَدِ اشْتَكَتْ عَيْنَهَا، أَفَتَكْحُلُهَا؟ فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : لا، مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلاثًا، كُلّ ذَلِكَ يَقُولُ: لا، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : إِنَّمَا هِيَ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشْرٌ، وَقَدْ كَانَتْ إِحْدَاكُنَّ فِي الجَاهِلِيَّةِ تَرْمِي بِالْبَعْرَةِ عَلَى رَأْسِ الحَوْلِ" (٢).
стр. 173
القسم التاسع
من قضى فبكاه المصطفى ﷺ -
صبره ﷺ على فقد الأخيار وتسليمه للأقدار
تعرَّض النَّبيُّ ﷺ لمصيبة فقد الأولاد وفرقة الأحباب كغيره من النَّاس، مات أولاده كلُّهم في حياته عدا فاطمة ﵂، مات له: القاسم، وعبد الله، وإبراهيم، ورقيّة، وزينب، وأمّ كلثوم، ومات أحفاده في حياته عدا الحسن والحسين ﵄، وماتت زوجه خديجة، واستشهد من أصحابه ... لكنَّ النَّبيَّ ﷺ كان قد وَطَّنَ نفسه على الاحتمال والرِّضا؛ فقد أخبره الله تعالى بما سينزل به وبالمؤمنين ليصبروا، فقال تعالى: ... ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (١٥٥)﴾ [البقرة].
وقد بَكَى النَّبِيُّ ﷺ لموت أصفيائه ـ كمَا سَيَأْتِي ـ وَلَمْ يَمْلِكْ عَيْنَيْهِ مِنَ الرَّحْمَةِ، ولذلك فإنَّ الإنسان يُعْذَر ولا يلام على حزن القلب وبكاء العين عند نزول المصيبة؛ لأنَّ ذلك ليس أمرًا اخْتِيَارِيًّا وإنّما هو بِالْجِبِلَّةِ والطَّبع. والأمر والنَّهي لا يتعلَّق في الشَّرع بالأمور الِاضْطِرَارِيَّةِ، والبكاء لَا يُخَالِفُ الصَّبر والرِّضَا طالما أنَّه بكاء رحمة وليس بكاء جزع وقلّة صبر.
وبكى ﷺ وهُوَ يُصَلِّي، وبكى عند سماع القرآن وغير ذلك، لكنَّه لم يكن يرفع صوته بالبكاء، وإنَّما كانت عيناه تدمعان، وكان يُسْمَعُ لِصَدْرِهِ أَزِيزٌ.
بكاء النبي ﷺ في زيارته قبر أمّه
بكى ﷺ وأبكى عند قبر أمِّه، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: زَارَ النَّبِيُّ ﷺ قَبْرَ
стр. 174
أُمِّهِ، فَبَكَى وَأَبْكَى مَنْ حَوْلَهُ، فَقَالَ: "اسْتَأْذَنْتُ رَبِّي فِي أَنْ أَسْتَغْفِرَ لَهَا فَلَمْ يُؤْذَنْ لِي، وَاسْتَأْذَنْتُهُ فِي أَنْ أَزُورَ قَبْرَهَا فَأُذِنَ لِي، فَزُورُوا الْقُبُورَ؛ فَإِنَّهَا تُذَكِّرُ المَوْتَ" (١).
بكاء النبي ﷺ لموت ولده إبراهيم ﵇ -
إِبْرَاهِيم ﵇ وَلَد النَّبِيِّ ﷺ مِنْ مَارِيَةَ ﵂، كان إبراهيم ﵇ عند ... أَبِي سَيْفٍ القَيْنِ (الحدّاد) زوج مُرْضِعَته، وَاسْمُهَا خَوْلَةُ بِنْتُ المُنْذِرِ، وكان النَّبِيُّ ﷺ يدخل عليه، فَيَأْخُذُهُ فَيُقَبِّلُهُ، ويشمّه، ثُمَّ يَرْجِعُ، ثم دخل عليه بعد ذلك وهو يموت فَضَمَّهُ إِلَيْهِ، وهو يجود بنفسه الزَّكِيَّةِ بَيْنَ يَدَيْه، فَدَمَعَتْ عَيْناه ﷺ .
عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁، قَالَ: دَخَلْنَا مَعَ رَسُولِ الله ﷺ عَلَى أَبِي سَيْفٍ القَيْنِ، وَكَانَ ظِئْرًا لِإِبْرَاهِيمَ ﵇ (زوج مرضعته)، فَأَخَذَ رَسُولُ الله ﷺ إِبْرَاهِيمَ، فَقَبَّلَهُ، وَشَمَّهُ، ثُمَّ دَخَلْنَا عَلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ وَإِبْرَاهِيمُ يَجُودُ بِنَفْسِهِ، فَجَعَلَتْ عَيْنَا رَسُولِ الله ﷺ تَذْرِفَانِ، فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ ﵁: وَأَنْتَ يَا رَسُولَ الله؟ فَقَالَ ﷺ : "يَا ابْنَ عَوْفٍ إِنَّهَا رَحْمَةٌ، ثُمَّ أَتْبَعَهَا بِأُخْرَى، فَقَالَ ﷺ : إِنَّ العَيْنَ تَدْمَعُ، وَالقَلْبَ يَحْزَنُ، وَلا نَقُولُ إِلَّا مَا يَرْضَى رَبُّنَا، وَإِنَّا بِفِرَاقِكَ يَا إِبْرَاهِيمُ لَمَحْزُونُونَ" (٢).
فأثبت الدَّمع للعين، والحزن للقلب، وبيّن أنَّ هذا لا ينافي الصَّبر، ولا يُعَدُّ
من الجزع. فإذا بكينا عزيزًا، أو انطوى فؤادنا على حزن لفراق حميم ووحشة لخلوِّ مكانه، فإنَّ لنا أسوة حسنة، فقد بكى لموت الأحبَّة وحزن لفقدهم نَبِيُّ الرَّحْمَةِ ﷺ ، فاسمح لقلبك أن يحزن، ودمع العين أن يجري؛ فلن تظلَّ عَيْنٌ على الدَّهر تدمع، ولا
стр. 175
قلب على الأيّام يوجع، قَالَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ ﵁: "مَا رَأَيْتُ أَحَدًا كَانَ أَرْحَمَ بِالعِيَالِ مِنْ رَسُولِ الله ﷺ " (١).
ومات إبراهيم ﵇ وهو يرضع قبل أن يتمَّ الحولين، ولذلك لمَّا تُوُفِّيَ إِبْرَاهِيمُ، قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "إِنَّ إِبْرَاهِيمَ ابْنِي، وَإِنَّهُ مَاتَ فِي الثَّدْيِ، وَإِنَّ لَهُ لَظِئْرَيْنِ (لمرْضِعَتَيْنِ) تُكَمِّلَانِ رَضَاعَهُ فِي الْجَنَّةِ" (٢).
بكاء النّبيّ ﷺ على ابنته أمّ كلثوم ﵂ حال دفنها
عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁، قَالَ: "شَهِدْنَا بِنْتًا لِرَسُولِ الله ﷺ ، قَالَ: وَرَسُولُ الله ﷺ جَالِسٌ عَلَى القَبْرِ، قَالَ: فَرَأَيْتُ عَيْنَيْهِ تَدْمَعَانِ" (٣).
بكاء النّبيّ ﷺ عند موت ابنة له أيضَا
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: جَاءَ النَّبِيُّ ﷺ ، إِلَى بَعْضِ بَنَاتِهِ وَهِيَ فِي السَّوْقِ (٤)، فَأَخَذَهَا وَوَضَعَهَا فِي حِجْرِهِ حَتَّى قُبِضَتْ، فَدَمَعَتْ عَيْنَاهُ، فَبَكَتْ ... أُمُّ أَيْمَن، فَقِيلَ لَهَا: أَتَبْكِينَ عِنْدَ رَسُولِ الله ﷺ ؟ فَقَالَتْ: أَلا أَبْكِي وَرَسُولُ الله ﷺ يَبْكِي؟ قَالَ: "إِنِّي لَمْ أَبْكِ، وَهَذِهِ رَحْمَةٌ" (٥).
стр. 176
بكاء النّبيّ ﷺ على ولد ابنته ﵂ -
وبكى المصطفى ﷺ على ابن ابنته (١)، فقد أرسلت إلى أبيها النَّبيِّ ﷺ رسولاً يخبره أنَّ ابنها في النّزْعِ وتطلب منه أن يأتيها، فأَرْسَلَ يقرئها السَّلام ويأمرها بالصَّبر والاحتساب، فأرسلت إليه تقسم عليه ليأتينَّها ترجو مواساته لها، فَقَامَ وَمَعَهُ رجال، فَرُفِعَ إِلَى رَسُولِ الله ﷺ ولدها، وهو في الموت، وَنَفْسُهُ تضطرب، فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ ﷺ .
عَنِ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ، ﵄، قَالَ: أَرْسَلَتِ ابْنَةُ النَّبِيِّ ﷺ إِلَيْهِ إِنَّ ابْنًا لِي قُبِضَ،
فَأْتِنَا، فَأَرْسَلَ يُقْرِئُ السَّلامَ، وَيَقُولُ: إِنَّ لله مَا أَخَذَ، وَلَهُ مَا أَعْطَى، وَكُلٌّ عِنْدَهُ بِأَجَلٍ مُسَمًّى، فَلْتَصْبِرْ، وَلْتَحْتَسِبْ، فَأَرْسَلَتْ إِلَيْهِ تُقْسِمُ عَلَيْهِ لَيَأْتِيَنَّهَا، فَقَامَ وَمَعَهُ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ، وَمَعَاذُ بْنُ جَبَلٍ، وَأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ وَرِجَالٌ، فَرُفِعَ إِلَى رَسُولِ الله ﷺ الصَّبِيُّ وَنَفْسُهُ تَتَقَعْقَعُ - قَالَ: حَسِبْتُهُ أَنَّهُ قَالَ كَأَنَّهَا شَنٌّ (قرْبَة خَلِقَة يَابِسَة) - فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ، فَقَالَ سَعْدٌ: يَا رَسُولَ الله، مَا هَذَا؟ فَقَالَ: هَذِهِ رَحْمَةٌ جَعَلَهَا الله فِي قُلُوبِ عِبَادِهِ، وَإِنَّمَا يَرْحَمُ الله مِنْ عِبَادِهِ الرُّحَمَاءَ" (٢).
ولعلّ سائلًا يسأل: لماذا امتنع ﷺ أوّلًا، وهو يعلم أنَّ الأمر جَلَل والمصابَ فادحٌ، وأنَّ رؤيتها له ووقوفه معها في هذه السَّاعة يدفع عنها شيئًا ممَّا هي فيه من الألم؟ والجواب، لاشك أنَّ مكانة ابنته عنده عظيمة، لكنّ النَّبيَّ ﷺ لم يكن مَقْصُورًا على أهل بيته، وإنَّما للنَّاس كافَّة، وربَّما كان عنده ساعتها مِن الْأُمُورِ
стр. 177
الْعِظَامِ الَّتي لو نيط واحد منها إلينا لشغلنا، ثُمَّ إِنَّه أرسل إليها من يقرئها السَّلام ويقول لها على لسانه: "إِنَّ لله مَا أَخَذَ، وَلَهُ مَا أَعْطَى، وَكُلٌّ عِنْدَهُ بِأَجَلٍ مُسَمًّى، فَلْتَصْبِرْ، وَلْتَحْتَسِبْ" ولمّا ذهب ﷺ لم يزد على ذلك، ولعلَّه أراد إظهار التَّسليم لأمر الله تعالى، وأن يبيّن أنَّ مَن دُعِي ليشهد المحتضر لم تجب عليه الإِجابة.
بكاء النّبيّ ﷺ على مصرع قادة مؤتة
عَنْ أَنَسٍ ﵁، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ، نَعَى زَيْدًا، وَجَعْفَرًا، وَابْنَ رَوَاحَةَ لِلنَّاسِ، قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَهُمْ خَبَرُهُمْ، فَقَالَ ﷺ : "أَخَذَ الرَّايَةَ زَيْدٌ، فَأُصِيبَ، ثُمَّ أَخَذَ جَعْفَرٌ فَأُصِيبَ، ثُمَّ أَخَذَ ابْنُ رَوَاحَةَ فَأُصِيبَ، وَعَيْنَاهُ تَذْرِفَانِ حَتَّى أَخَذَ سَيْفٌ مِنْ سُيُوفِ الله حَتَّى فَتَحَ الله عَلَيْهِمْ" (١).
стр. 178
القسم العاشر
ما يرتجى في مصيبة الموت
مَا يُرْجَى للعبد فِي مصيبة الموت إِذَا احْتَسَبَ أصفياءه
على المسلم أن يُوَطِّنَ على الصَّبر نفسه، فيعدّ الصَّبر لفواجع الأمور وتعاظم الشُّرُورِ، فمن يَعِشْ في هذه الحياة ويصحب الدَّهر لَا بُدَّ له من أَنْ يَسْتَعِدَّ فيها للنَّوازل قبل نزولها، وللحوادث قبل حدوثها، ولأحوال الدَّهر قبل حلولها، فيصبر على فراق الأصفياء من الآباء والأمهات، والأبناء والبنات، والإخوة والأخوات، والأحبَّاء وَالْأَخِلَّاء والقرناء.
فكلَّما مدَّ الإنسان في العمر وتراخت منيَّتُه وتقدَّم زمانُه وبعد أجله وأوانه، ولاحَ بياضُ الشَّيبِ فِي مفرقه؛ رأى الفجيعة في أحبَّته، وَالرَّزِيَّةَ في أعزَّته، وكان له من حوادث الدَّهر معتبر، ومن صُرُوف اللَّيَالِي مُزْدَجَرٌ، وفي إخوان له تتابعوا للمنايا واحدًا بعد واحدٍ فكرة إذا افتكر.
والابن لا شكَّ أنَّه من صفوة الصَّفوة، وموته رزء عظيم ومصاب جسيم، وفقده جرح في قلب والديه لَا يَبْرَأُ مِنْهُ إِلَى المَوْتِ، ولو برئ في بعض الغفلات، ولذلك رتَّب الله تعالى على احتسابه الأجر العظيم والخير العميم، قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "يَقُولُ الله تَعَالَى: مَا لِعَبْدِي المُؤْمِنِ عِنْدِي جَزَاءٌ، إِذَا قَبَضْتُ صَفِيَّهُ مِنْ أَهْلِ الدُّنْيَا ثُمَّ احْتَسَبَهُ، إِلَّا الجَنَّةُ" (١).
ولا ريب أنَّه بقدر حبور التَّلاقي تكون حرقة التَّنَائِي، كما قالوا في المثل:
стр. 179
"بِقَدْرِ سُرُورِ التَّوَاصُلِ، تَكُونُ حَسْرَةُ التَّفَاصُلِ" (١).
فإذا أُصِبْتَ بمن كان لك على المصائب معين، فاسترجع واصبر، وقل كما الله تعالى أَمَرَ، فلن يَرى الله تعالى لك ثوابًا دُونَ الْجَنَّةِ، قال رَسُولُ الله ﷺ : "بَخٍ بَخٍ، لَخَمْسٌ مَا أَثْقَلَهُنَّ فِي الْمِيزَانِ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَاللهُ أَكْبَرُ، وَسُبْحَانَ الله، وَالْحَمْدُ لله، وَالْوَلَدُ الصَّالِحُ يُتَوَفَّى فَيَحْتَسِبُهُ وَالِدَاهُ" (٢).
والميِّت كلَّما كان نفيسًا عند أهله عظمت الرَّزِيَّةُ به، فعظم الأجْرُ وكان الجزاءُ أنفس، قال ﷺ : "عِظَمُ الْجَزَاءِ مَعَ عِظَمِ الْبَلَاءِ، وَإِنَّ الله إِذَا أَحَبَّ قَوْمًا ابْتَلَاهُمْ، فَمَنْ رَضِيَ فَلَهُ الرِّضَا، وَمَنْ سَخِطَ فَلَهُ السُّخْطُ" (٣).
والنّاس يتفاوتون فضلًا، فمنهم إذا مات اغتمَّ بموته الأنام، وتألَّم له الْخَاصّ وَالْعَامّ، كما قال القائل: ...
يموتُ قومٌ وَلَا يأسى لَهُم أحد ... وواحدٌ مَوته همٌّ لأقوام
وقد قبض لي ولد بعد والديّ وأخي، فَقُلْتُ: يَا رَبِّي اشدد لكلِّ مُلِمَّة أزري، ولا تحبطنَّ في فرط لوعتي أجري، فلَأُوثِرَنَّ صبري فيهم ما حييت، فإنْ أمت ثَوَيْتُ وقد أبقيت حسن أثري في جميل الصَّبر ولم أعدم الأجر؛ ويا قلب تَسَلّ ولا تُحْزِنْك نائبةٌ، فالخير وَالشَّرُّ يتعاقبان تعاقب اللَّيل والنَّهار، فصبرًا عَلَى الأمر
стр. 180
المَقْدُورِ والأجل المسطور صبرًا يستوجب مثوبة الصَّابرين وجزاء الشَّاكرين، ... ويا عين شحّي ولا تسحّي؛ لعلَّ لي إلى أَجْرٍ لدى المليك سبيل، ويا نفس جِدِّي ليوم ﴿ ... لَا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئًا ... (٣٣)﴾ [لقمان].
نعم، لا شكَّ أنَّ الولد إذا غُيِّب في لحده تدمع له عيون، وتحزن له قلوب، فالولد يترك ذكرى تُهَيِّجهَا ذِكْرَى، كما قال القائل:
تولَّى وأَبْقَى بيننا طِيْبَ ذِكْرِهِ ... كباقي ضِيَاء الشَّمسِ حِيْنَ تغيب
لكن لعلَّ الصَّبر ومنع النَّفْس من السَّخط يجعل الولد وِجَاءً لوالديه من النّار، ولعلَّ الحمد والاسترجاع يبلِّغهما بيت الحمد عند الواحد القهَّار، ولعلَّ خير الله فيما نكره أكثر من خيره فيما نحبُّ، فطب أيُّها المبتلى نفسًا وقرَّ عينًا، فالمؤمن فِي كَنَفِ الله تعالى حَيًّا وَمَيِّتًا.
لا تفرح بموجود ولا تأس على مفقود
اعْلَم أنَّ مَنْ يَصْحَب الدَّهْرَ - والدَّهر قُلَّب- يرى القشيب والرّثيث، والسّمين والغثيث، ويذوق السَّمين والغثَّ، ويلبس الجديد والرَّثَّ، ولا يتلبّث إلّا قليلًا ليدعو لفوات الولد خير مجيب لشكوى الحزن والبثِّ، فكلٌّ إلى الله تعالى راجع وإنْ طالت سلامته، فالموت يأخذ كلَّ حيّ، ولا يترك أحدًا لأحد.
"والدّنيا كلّها إلى شتات، وكلّ حيّ إلى ممات" (١)، وكلّ نفس إلى فوات، كان لامْرَأَة من بني عَامر بَنُون عشرَة، فَخرج تِسْعَة مِنْهُم فِي بَعْض حَاجتهم، فَأَصَابَتْهُم السَّمَاء فابتدروا كهفًا فانطبق عليهم، فَمَكَثُوا فِيهِ لَا يقدرُونَ عَلَى الْخُرُوج