← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 151154

الصحيح المأثور في عالم البرزخ والقبور

أحمد محمود الشوابكة

Полный текст (344 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

بكاء النّبيّ ﷺ على ولد ابنته ﵂ - وبكى المصطفى ﷺ على ابن ابنته (١)، فقد أرسلت إلى أبيها النَّبيِّ ﷺ رسولاً يخبره أنَّ ابنها في النّزْعِ وتطلب منه أن يأتيها، فأَرْسَلَ يقرئها السَّلام ويأمرها بالصَّبر والاحتساب، فأرسلت إليه تقسم عليه ليأتينَّها ترجو مواساته لها، فَقَامَ وَمَعَهُ رجال، فَرُفِعَ إِلَى رَسُولِ الله ﷺ ولدها، وهو في الموت، وَنَفْسُهُ تضطرب، فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ ﷺ . عَنِ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ، ﵄، قَالَ: أَرْسَلَتِ ابْنَةُ النَّبِيِّ ﷺ إِلَيْهِ إِنَّ ابْنًا لِي قُبِضَ، فَأْتِنَا، فَأَرْسَلَ يُقْرِئُ السَّلامَ، وَيَقُولُ: إِنَّ لله مَا أَخَذَ، وَلَهُ مَا أَعْطَى، وَكُلٌّ عِنْدَهُ بِأَجَلٍ مُسَمًّى، فَلْتَصْبِرْ، وَلْتَحْتَسِبْ، فَأَرْسَلَتْ إِلَيْهِ تُقْسِمُ عَلَيْهِ لَيَأْتِيَنَّهَا، فَقَامَ وَمَعَهُ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ، وَمَعَاذُ بْنُ جَبَلٍ، وَأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ وَرِجَالٌ، فَرُفِعَ إِلَى رَسُولِ الله ﷺ الصَّبِيُّ وَنَفْسُهُ تَتَقَعْقَعُ - قَالَ: حَسِبْتُهُ أَنَّهُ قَالَ كَأَنَّهَا شَنٌّ (قرْبَة خَلِقَة يَابِسَة) - فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ، فَقَالَ سَعْدٌ: يَا رَسُولَ الله، مَا هَذَا؟ فَقَالَ: هَذِهِ رَحْمَةٌ جَعَلَهَا الله فِي قُلُوبِ عِبَادِهِ، وَإِنَّمَا يَرْحَمُ الله مِنْ عِبَادِهِ الرُّحَمَاءَ" (٢). ولعلّ سائلًا يسأل: لماذا امتنع ﷺ أوّلًا، وهو يعلم أنَّ الأمر جَلَل والمصابَ فادحٌ، وأنَّ رؤيتها له ووقوفه معها في هذه السَّاعة يدفع عنها شيئًا ممَّا هي فيه من الألم؟ والجواب، لاشك أنَّ مكانة ابنته عنده عظيمة، لكنّ النَّبيَّ ﷺ لم يكن مَقْصُورًا على أهل بيته، وإنَّما للنَّاس كافَّة، وربَّما كان عنده ساعتها مِن الْأُمُورِ

стр. 177

الْعِظَامِ الَّتي لو نيط واحد منها إلينا لشغلنا، ثُمَّ إِنَّه أرسل إليها من يقرئها السَّلام ويقول لها على لسانه: "إِنَّ لله مَا أَخَذَ، وَلَهُ مَا أَعْطَى، وَكُلٌّ عِنْدَهُ بِأَجَلٍ مُسَمًّى، فَلْتَصْبِرْ، وَلْتَحْتَسِبْ" ولمّا ذهب ﷺ لم يزد على ذلك، ولعلَّه أراد إظهار التَّسليم لأمر الله تعالى، وأن يبيّن أنَّ مَن دُعِي ليشهد المحتضر لم تجب عليه الإِجابة. بكاء النّبيّ ﷺ على مصرع قادة مؤتة عَنْ أَنَسٍ ﵁، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ، نَعَى زَيْدًا، وَجَعْفَرًا، وَابْنَ رَوَاحَةَ لِلنَّاسِ، قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَهُمْ خَبَرُهُمْ، فَقَالَ ﷺ : "أَخَذَ الرَّايَةَ زَيْدٌ، فَأُصِيبَ، ثُمَّ أَخَذَ جَعْفَرٌ فَأُصِيبَ، ثُمَّ أَخَذَ ابْنُ رَوَاحَةَ فَأُصِيبَ، وَعَيْنَاهُ تَذْرِفَانِ حَتَّى أَخَذَ سَيْفٌ مِنْ سُيُوفِ الله حَتَّى فَتَحَ الله عَلَيْهِمْ" (١).

стр. 178

القسم العاشر ما يرتجى في مصيبة الموت مَا يُرْجَى للعبد فِي مصيبة الموت إِذَا احْتَسَبَ أصفياءه على المسلم أن يُوَطِّنَ على الصَّبر نفسه، فيعدّ الصَّبر لفواجع الأمور وتعاظم الشُّرُورِ، فمن يَعِشْ في هذه الحياة ويصحب الدَّهر لَا بُدَّ له من أَنْ يَسْتَعِدَّ فيها للنَّوازل قبل نزولها، وللحوادث قبل حدوثها، ولأحوال الدَّهر قبل حلولها، فيصبر على فراق الأصفياء من الآباء والأمهات، والأبناء والبنات، والإخوة والأخوات، والأحبَّاء وَالْأَخِلَّاء والقرناء. فكلَّما مدَّ الإنسان في العمر وتراخت منيَّتُه وتقدَّم زمانُه وبعد أجله وأوانه، ولاحَ بياضُ الشَّيبِ فِي مفرقه؛ رأى الفجيعة في أحبَّته، وَالرَّزِيَّةَ في أعزَّته، وكان له من حوادث الدَّهر معتبر، ومن صُرُوف اللَّيَالِي مُزْدَجَرٌ، وفي إخوان له تتابعوا للمنايا واحدًا بعد واحدٍ فكرة إذا افتكر. والابن لا شكَّ أنَّه من صفوة الصَّفوة، وموته رزء عظيم ومصاب جسيم، وفقده جرح في قلب والديه لَا يَبْرَأُ مِنْهُ إِلَى المَوْتِ، ولو برئ في بعض الغفلات، ولذلك رتَّب الله تعالى على احتسابه الأجر العظيم والخير العميم، قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "يَقُولُ الله تَعَالَى: مَا لِعَبْدِي المُؤْمِنِ عِنْدِي جَزَاءٌ، إِذَا قَبَضْتُ صَفِيَّهُ مِنْ أَهْلِ الدُّنْيَا ثُمَّ احْتَسَبَهُ، إِلَّا الجَنَّةُ" (١). ولا ريب أنَّه بقدر حبور التَّلاقي تكون حرقة التَّنَائِي، كما قالوا في المثل:

стр. 179

"بِقَدْرِ سُرُورِ التَّوَاصُلِ، تَكُونُ حَسْرَةُ التَّفَاصُلِ" (١). فإذا أُصِبْتَ بمن كان لك على المصائب معين، فاسترجع واصبر، وقل كما الله تعالى أَمَرَ، فلن يَرى الله تعالى لك ثوابًا دُونَ الْجَنَّةِ، قال رَسُولُ الله ﷺ : "بَخٍ بَخٍ، لَخَمْسٌ مَا أَثْقَلَهُنَّ فِي الْمِيزَانِ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَاللهُ أَكْبَرُ، وَسُبْحَانَ الله، وَالْحَمْدُ لله، وَالْوَلَدُ الصَّالِحُ يُتَوَفَّى فَيَحْتَسِبُهُ وَالِدَاهُ" (٢). والميِّت كلَّما كان نفيسًا عند أهله عظمت الرَّزِيَّةُ به، فعظم الأجْرُ وكان الجزاءُ أنفس، قال ﷺ : "عِظَمُ الْجَزَاءِ مَعَ عِظَمِ الْبَلَاءِ، وَإِنَّ الله إِذَا أَحَبَّ قَوْمًا ابْتَلَاهُمْ، فَمَنْ رَضِيَ فَلَهُ الرِّضَا، وَمَنْ سَخِطَ فَلَهُ السُّخْطُ" (٣). والنّاس يتفاوتون فضلًا، فمنهم إذا مات اغتمَّ بموته الأنام، وتألَّم له الْخَاصّ وَالْعَامّ، كما قال القائل: ... يموتُ قومٌ وَلَا يأسى لَهُم أحد ... وواحدٌ مَوته همٌّ لأقوام وقد قبض لي ولد بعد والديّ وأخي، فَقُلْتُ: يَا رَبِّي اشدد لكلِّ مُلِمَّة أزري، ولا تحبطنَّ في فرط لوعتي أجري، فلَأُوثِرَنَّ صبري فيهم ما حييت، فإنْ أمت ثَوَيْتُ وقد أبقيت حسن أثري في جميل الصَّبر ولم أعدم الأجر؛ ويا قلب تَسَلّ ولا تُحْزِنْك نائبةٌ، فالخير وَالشَّرُّ يتعاقبان تعاقب اللَّيل والنَّهار، فصبرًا عَلَى الأمر

стр. 180

المَقْدُورِ والأجل المسطور صبرًا يستوجب مثوبة الصَّابرين وجزاء الشَّاكرين، ... ويا عين شحّي ولا تسحّي؛ لعلَّ لي إلى أَجْرٍ لدى المليك سبيل، ويا نفس جِدِّي ليوم ﴿ ... لَا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئًا ... (٣٣)﴾ [لقمان]. نعم، لا شكَّ أنَّ الولد إذا غُيِّب في لحده تدمع له عيون، وتحزن له قلوب، فالولد يترك ذكرى تُهَيِّجهَا ذِكْرَى، كما قال القائل: تولَّى وأَبْقَى بيننا طِيْبَ ذِكْرِهِ ... كباقي ضِيَاء الشَّمسِ حِيْنَ تغيب لكن لعلَّ الصَّبر ومنع النَّفْس من السَّخط يجعل الولد وِجَاءً لوالديه من النّار، ولعلَّ الحمد والاسترجاع يبلِّغهما بيت الحمد عند الواحد القهَّار، ولعلَّ خير الله فيما نكره أكثر من خيره فيما نحبُّ، فطب أيُّها المبتلى نفسًا وقرَّ عينًا، فالمؤمن فِي كَنَفِ الله تعالى حَيًّا وَمَيِّتًا. لا تفرح بموجود ولا تأس على مفقود اعْلَم أنَّ مَنْ يَصْحَب الدَّهْرَ - والدَّهر قُلَّب- يرى القشيب والرّثيث، والسّمين والغثيث، ويذوق السَّمين والغثَّ، ويلبس الجديد والرَّثَّ، ولا يتلبّث إلّا قليلًا ليدعو لفوات الولد خير مجيب لشكوى الحزن والبثِّ، فكلٌّ إلى الله تعالى راجع وإنْ طالت سلامته، فالموت يأخذ كلَّ حيّ، ولا يترك أحدًا لأحد. "والدّنيا كلّها إلى شتات، وكلّ حيّ إلى ممات" (١)، وكلّ نفس إلى فوات، كان لامْرَأَة من بني عَامر بَنُون عشرَة، فَخرج تِسْعَة مِنْهُم فِي بَعْض حَاجتهم، فَأَصَابَتْهُم السَّمَاء فابتدروا كهفًا فانطبق عليهم، فَمَكَثُوا فِيهِ لَا يقدرُونَ عَلَى الْخُرُوج

стр. 181

مِنْهُ، فَجَعَلَتْ تَسْمَعُ أَنِينَهُمْ حَتَّى مَاتُوا عَنْ آخِرهم، فقالت: وكلُّ أمٍّ وَإِنْ سُرَّتْ بِمَا ولدتْ ... يَوْمًا سَتَثْكِلُ مَا رَبَّتْ مِنَ الوَلَد ما يستحبّ للمرء من تقديم الفرط لنفسه مَنْ مات ولم يقدِّم من ولده شيئًا، فهو كمن لا وَلدَ لَهُ، عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "مَا تَعُدُّونَ الرَّقُوبَ فِيكُمْ؟ قَالَ قُلْنَا: الَّذِي لَا يُولَدُ لَهُ، قَالَ: لَيْسَ ذَاكَ بِالرَّقُوبِ، وَلَكِنَّهُ الرَّجُلُ الَّذِي لَمْ يُقَدِّمْ مِنْ وَلَدِهِ شَيْئًا" (١). فكأنّ ولد المسلم على الحقيقة مَنْ مات في حياته واحْتَسَبَه، أمّا مَنْ لم يمت مِنْ ولده أحد في حياته، فهو كالرَّقُوب الَّذي لَا وَلدَ لَهُ، لِمَا فَقَدَ من ثَوَاب فَقْد الولد فِي الْآخِرَة، ولِمَا فَاتَهُ مِنْ أَجْرِ تَقْدِيمِهِ والصَّبر عليه. إنّ فقد الولد في الدُّنيا وإن كان عظيمًا، لكنَّ فقد والده لثواب مصيبته به وصبره عليه واحتسابه أعظم! والمصاب على الحقيقة مَنْ حُرِمَ الثَّوابُ. الولد الصّالح ينفع أبويه حيّا وميّتا الْوَلَد الصّالح ينفع أَبَوَيْهِ إن عاش بعدهما، أو مات قبلهما، فإن عاش بعدهما دعا لهما، فانتفعا بدعائه، قال ﷺ : "إِذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثَةٍ: إِلَّا مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ" (٢). وإن مات قبلهما وصبرا عليه رِضًا بِقَضَاءِ الله تعالى رجاء فضله أعظم الله تعالى لهما الزّلفى، وكان لهما أَجْرًا وسَلَفًا.

стр. 182

النبي ﷺ فرط مَن لا فرط له مَنْ كَانَ لَهُ فَرَط (١) مِنْ أُمَّة النَّبيِّ ﷺ فاحتسب أَدْخَلَهُ الله بِهِ الجَنَّةَ، ومَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ فَرَطٌ فالنَّبيُّ ﷺ له فَرَط، قَالَ ﷺ : "مَنْ كَانَ لَهُ فَرَطَانِ مِنْ أُمَّتِي، دَخَلَ الْجَنَّةَ، فَقَالَتْ عَائِشَةُ: بِأَبِي، فَمَنْ كَانَ لَهُ فَرَطٌ؟ فَقَالَ: وَمَنْ كَانَ لَهُ فَرَطٌ يَا مُوَفَّقَةُ، قَالَتْ: فَمَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ فَرَطٌ مِنْ أُمَّتِكَ؟ قَالَ: فَأَنَا فَرَطُ أُمَّتِي، لَمْ يُصَابُوا بِمِثْلِي" (٢). ثواب من يموت له ولد إذا حمد واسترجع إنَّ ظاهر الموت أمر مكروه، خاصّة إذا أصاب ثمرة الفؤاد، لكنّ باطنه أمر محبوب؛ فكم من مكروه ضارّ أسْفر عمّا هو سَارّ، فقد رتَّب الله تعالى عليه الأجر العظيم والخير العميم، قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "إِذَا مَاتَ وَلَدُ العَبْدِ قَالَ الله لِمَلَائِكَتِهِ: قَبَضْتُمْ وَلَدَ عَبْدِي، فَيَقُولُونَ: نَعَمْ، فَيَقُولُ: قَبَضْتُمْ ثَمَرَةَ فُؤَادِهِ، فَيَقُولُونَ: نَعَمْ، فَيَقُولُ: مَاذَا قَالَ عَبْدِي؟ فَيَقُولُونَ: حَمِدَكَ وَاسْتَرْجَعَ، فَيَقُولُ الله: ابْنُوا لِعَبْدِي بَيْتًا فِي الجَنَّةِ، وَسَمُّوهُ بَيْتَ الحَمْدِ" (٣)، والْولد يَشْمَل الذَّكر وَالْأُنْثَى. من مات له ولد فاحتسبه لم يأت بابًا من أبواب الجنّة إلا وجده ينتظره بيّن النَّبِيُّ ﷺ في غير حديث ثَوَاب الْوَلَدِ يُقَدِّمُهُ الوالد، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ قُرَّةَ، عَنْ أَبِيهِ: أَنَّ رَجُلًا كَانَ يَأْتِي النَّبِيَّ ﷺ وَمَعَهُ ابْنٌ لَهُ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ :

стр. 183

"أَتُحِبُّهُ؟ فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله، أَحَبَّكَ اللهُ كَمَا أُحِبُّهُ، فَفَقَدَهُ النَّبِيُّ ﷺ ، فَقَالَ: مَا فَعَلَ ابْنُ فُلَانٍ؟ قَالُوا: يَا رَسُولَ الله، مَاتَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِأَبِيهِ: أَمَا تُحِبُّ أَنْ لَا تَأْتِيَ بَابًا مِنْ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ، إِلَّا وَجَدْتَهُ يَنْتَظِرُكَ؟ فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ الله، أَلَهُ خَاصَّةً أَمْ لِكُلِّنَا؟ قَالَ: بَلْ لِكُلِّكُمْ" (١). ثواب من قدّم اثنين من أولاده عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ ، قَالَ لِنِسْوَةٍ مِنَ الْأَنْصَارِ: "لَا يَمُوتُ لِإِحْدَاكُنَّ ثَلَاثَةٌ مِنَ الْوَلَدِ فَتَحْتَسِبَهُ، إِلَّا دَخَلَتِ الْجَنَّةَ، فَقَالَتِ امْرَأَةٌ مِنْهُنَّ: أَوِ اثْنَيْنِ يَا رَسُولَ الله؟ قَالَ: أَوِ اثْنَيْنِ" (٢). ثواب من مات له ثلاثة من الولد عنْ أَبِي سَعِيدٍ ﵁، قال: "جَاءَتِ امْرَأَةٌ إِلَى رَسُولِ الله ﷺ ، فَقَالَتْ: ... يَا رَسُولَ الله، ذَهَبَ الرِّجَالُ بِحَدِيثِكَ، فَاجْعَلْ لَنَا مِنْ نَفْسِكَ يَوْمًا نَأْتِيكَ فِيهِ تُعَلِّمُنَا مِمَّا عَلَّمَكَ الله، فَقَالَ: اجْتَمِعْنَ فِي يَوْمِ كَذَا وَكَذَا فِي مَكَانِ كَذَا وَكَذَا، فَاجْتَمَعْنَ، فَأَتَاهُنَّ رَسُولُ الله ﷺ ، فَعَلَّمَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَهُ الله، ثُمَّ قَالَ: مَا مِنْكُنَّ امْرَأَةٌ تُقَدِّمُ بَيْنَ يَدَيْهَا مِنْ وَلَدِهَا ثَلاثَةً، إِلَّا كَانَ لَهَا حِجَابًا مِنَ النَّارِ، فَقَالَتِ امْرَأَةٌ مِنْهُنَّ: يَا رَسُولَ الله، أَوِ اثْنَيْنِ؟ قَالَ: فَأَعَادَتْهَا مَرَّتَيْنِ، ثُمَّ قَالَ: وَاثْنَيْنِ وَاثْنَيْنِ وَاثْنَيْنِ" (٣). وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: أَتَتِ امْرَأَةٌ النَّبِيَّ ﷺ بِصَبِيٍّ لَهَا، فَقَالَتْ: يَا نَبِيَّ

стр. 184

الله ادْعُ اللهَ لَهُ، فَلَقَدْ دَفَنْتُ ثَلَاثَةً، قَالَ: "دَفَنْتِ ثَلَاثَةً؟ قَالَتْ: نَعَمْ، قَالَ: لَقَدِ احْتَظَرْتِ بِحِظَارٍ شَدِيدٍ مِنَ النَّارِ" (١). وقالَ النَّبيُّ ﷺ : "لا يَمُوتُ لِمُسْلِمٍ ثَلاثَةٌ مِنَ الوَلَدِ، فَيَلِجَ النَّارَ، إِلَّا تَحِلَّةَ القَسَمِ" (٢). قَالَ البُخَارِيّ: قال تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا ... (٧١)﴾ [مريم]. وقالَ النَّبيُّ ﷺ : "مَا مِنَ النَّاسِ مُسْلِمٌ، يَمُوتُ لَهُ ثَلاثَةٌ مِنَ الوَلَدِ لَمْ يَبْلُغُوا الحِنْثَ، إِلَّا أَدْخَلَهُ الله الجَنَّةَ بِفَضْلِ رَحْمَتِهِ إِيَّاهُمْ" (٣). والمراد أنَّهم ماتوا صغارًا وسلموا من الإثم، ولم يبلغوا مَبْلَغًا يجري عَلَيْهِ القَلَم بِالطَّاعَةِ والمعصِية. والحاصل مَنْ قَدَّم واحدًا فَمَا فَوْقَهُ دخل الجنَّة، وغفر الله تعالى له بِفَضْلِ رَحْمَتِهِ لِلْأَبْنَاءِ. أطفال المؤمنين يدخلون الجنّة بلا سعي ويتلقون آباءهم من أبوابها عَنْ أَبِي حَسَّان، قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي هُرَيْرَةَ: إِنَّهُ قَدْ مَاتَ لِيَ ابْنَانِ، فَمَا أَنْتَ مُحَدِّثِي عَنْ رَسُولِ الله ﷺ بِحَدِيثٍ تُطَيِّبُ بِهِ أَنْفُسَنَا عَنْ مَوْتَانَا؟ قَالَ: قَالَ: نَعَمْ "صِغَارُهُمْ دَعَامِيصُ الْجَنَّةِ يَتَلَقَّى أَحَدُهُمْ أَبَاهُ ـ أَوْ قَالَ أَبَوَيْهِ ـ، فَيَأْخُذُ بِثَوْبِهِ ـ أَوْ قَالَ بِيَدِهِ ـ، كَمَا آخُذُ أَنَا بِصَنِفَةِ (بطرف) ثَوْبِكَ هَذَا، فَلَا يَتَنَاهَى ـ أَوْ قَالَ فَلَا يَنْتَهِي ـ حَتَّى يُدْخِلَهُ اللهُ وَأَبَاهُ الْجَنَّةَ" (٤).

стр. 185

شفاعة الولدان لآبائهم قال النَّبيُّ ﷺ : "إِنَّهُ يُقَالُ لِلْوِلْدَانِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: ادْخُلُوا الْجَنَّةَ، قَالَ: فَيَقُولُونَ: يَا رَبِّ حَتَّى يَدْخُلَ آبَاؤُنَا وَأُمَّهَاتُنَا، قَالَ: فَيَأْتُونَ، قَالَ: فَيَقُولُ اللهُ : مَا لِي أَرَاهُمْ مُحْبَنْطِئِينَ (١)، ادْخُلُوا الْجَنَّةَ، قَالَ: فَيَقُولُونَ: يَا رَبِّ آبَاؤُنَا، قَالَ: فَيَقُولُ: ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ" (٢). السّقط يصلّى عليه ويدعى لوالديه قَال النَّبيُّ ﷺ : "وَالسِّقْطُ يُصَلَّى عَلَيْهِ وَيُدْعَى لِوَالِدَيْهِ بِالمَغْفِرَةِ وَالرَّحْمَةِ" (٣). والظّاهر أنَّ السِّقْط يصلَّى عليه ويدعى لوالديه إِذَا كان لأَرْبَعَة أَشْهُرٍ، لِأَنَّهُ يُنْفَخُ فِيهِ الرُّوحُ، قال ﷺ : "إِنَّ أَحَدَكُمْ يُجْمَعُ خَلْقُهُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، ثُمَّ يَكُونُ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَبْعَثُ الله مَلَكًا فَيُؤْمَرُ بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ، وَيُقَالُ لَهُ: اكْتُبْ عَمَلَهُ، وَرِزْقَهُ، وَأَجَلَهُ، وَشَقِيٌّ أَوْ سَعِيدٌ، ثُمَّ يُنْفَخُ فِيهِ الرُّوحُ" (٤). فحمل المرأة إذا سقط ميّتًا وقد تمَّ له أربعة أشهر فأكثر، صُلِّي عليه، وإن كان دون أربعة أشهر؛ لم يصلَّ عليه. لا نقطع لأحد بالجنّة ولا بالشّهادة عنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: دُعِيَ رَسُولُ الله ﷺ إِلَى جَنَازَةِ صَبِيٍّ مِنَ الْأَنْصَارِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ الله، طُوبَى لِهَذَا، عُصْفُورٌ مِنْ عَصَافِيرِ الْجَنَّةِ لَمْ يَعْمَلِ

стр. 186

السُّوءَ وَلَمْ يُدْرِكْهُ، قَالَ: "أَوَ غَيْرَ ذَلِكَ، يَا عَائِشَةُ إِنَّ اللهَ خَلَقَ لِلْجَنَّةِ أَهْلًا، خَلَقَهُمْ لَهَا وَهُمْ فِي أَصْلَابِ آبَائِهِمْ، وَخَلَقَ لِلنَّارِ أَهْلًا، خَلَقَهُمْ لَهَا وَهُمْ فِي أَصْلَابِ آبَائِهِمْ" (١). أراد النَّبيُّ ﷺ أن يمنع كلَّ أحد أن يفتح أبواب الجنَّة لمن يشاء، ونحن نسمع من يقطع بالجنَّة لفلان من النَّاس ويزعم أنّه مع المبشرين بالجنَّة ﵃! كذلك لا نقطع بالشّهادة لأحد، قالَ النَّبيُّ ﷺ : "الله أَعْلَمُ بِمَنْ يُجَاهِدُ فِي سَبِيلِهِ، والله أَعْلَمُ بِمَنْ يُكْلَمُ فِي سَبِيلِهِ" (٢). ولكن نقول كَمَا قَالَ النَّبيُّ ﷺ : "مَنْ قُتِلَ فِي سَبِيلِ الله فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ مَاتَ فِي سَبِيلِ الله فَهُوَ شَهِيدٌ ... " (٣) ولا نقطع بالشّهادة إلّا لمن قطع له النَّبيُّ ﷺ بها كما في قوله ﷺ : "اثْبُتْ أُحُدُ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ نَبِيٌّ، وَصِدِّيقٌ، وَشَهِيدَانِ" (٤). كيف تصل والدك في قبره ؟ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، قَالَ: قَدِمْتُ المَدِينَةَ، فَأَتَانِي عَبْدُ الله بْنُ عُمَرَ ﵄، فقَالَ: أَتَدْرِي لِمَ أَتَيْتُكَ؟ قَالَ: قُلْتُ: لَا، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ ، يَقُولُ: "مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَصِلَ أَبَاهُ فِي قَبْرِهِ، فَلْيَصِلْ إِخْوَانَ أَبِيهِ بَعْدَهُ" (٥)، وَإِنَّهُ كَانَ بَيْنَ أَبِي (عُمَرَ) وَبَيْنَ أَبِيكَ إِخَاءٌ وَوُدٌّ، فَأَحْبَبْتُ أَنْ أَصِلَ ذَاكَ. فيستحبُّ للإنسان أَنْ يَصِلَ ويكرم أصدقاء أَبِيهِ وأمّه ونحوهما رَجَاءَ برّ

стр. 187

والديه بَعْدَ مَمَاتِهِما، كَانَ ابْن عُمَر ﵄ إِذَا خَرَجَ إِلَى مَكَّةَ، كَانَ لَهُ حِمَارٌ يَتَرَوَّحُ عَلَيْهِ، إِذَا مَلَّ رُكُوبَ الرَّاحِلَةِ وَعِمَامَةٌ يَشُدُّ بِهَا رَأْسَهُ، فَبَيْنَا هُوَ يَوْمًا عَلَى ذَلِكَ الْحِمَارِ، إِذْ مَرَّ بِهِ أَعْرَابِيٌّ، فَقَالَ: أَلَسْتَ ابْنَ فُلَانِ بْنِ فُلَانٍ، قَالَ: بَلَى، فَأَعْطَاهُ الْحِمَارَ، وَقَالَ: ارْكَبْ هَذَا وَالْعِمَامَةَ، قَالَ: اشْدُدْ بِهَا رَأْسَكَ، فَقَالَ لَهُ: بَعْضُ أَصْحَابِهِ غَفَرَ اللهُ لَكَ أَعْطَيْتَ هَذَا الْأَعْرَابِيَّ حِمَارًا كُنْتَ تَرَوَّحُ عَلَيْهِ، وَعِمَامَةً كُنْتَ تَشُدُّ بِهَا رَأْسَكَ، فَقَالَ: إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَقُولُ: "إِنَّ مِنْ أَبَرِّ الْبِرِّ صِلَةَ الرَّجُلِ أَهْلَ وُدِّ أَبِيهِ بَعْدَ أَنْ يُوَلِّيَ" (١) وَإِنَّ أَبَاهُ كَانَ صَدِيقًا لِعُمَرَ. ما يفقده الإنسان بفقد والديه ؟ ! اعلم أنّ الإنسان يفقد بفقد والديه دعاء مستجابًا، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "ثَلَاثُ دَعَوَاتٍ يُسْتَجَابُ لَهُنَّ، لَا شَكَّ فِيهِنَّ: دَعْوَةُ المَظْلُومِ، وَدَعْوَةُ المُسَافِرِ، وَدَعْوَةُ الْوَالِدِ لِوَلَدِهِ" (٢). ويفقد بابًا من أبواب الجنَّة، عن أبي الدَّرْدَاءِ ﵁، قال: سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ ، يَقُولُ: "الْوَالِدُ أَوْسَطُ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ، فَاحْفَظْ ذَلِكَ الْبَابَ أَوْ دَعْهُ" (٣). فمراعاة جانب الوالد وحفظ حقوقه سبب من أسباب دخول الجنَّة، فإذا مات الوالد يغلق هذا الباب دونك. وإذا كان المُرَادُ بِالْوَالِدِ الْجِنْس، فكيف بالوالدة، فهي بالاعتبار أولى، وبالمكانة أعلى، لكثرة الحثِّ على برِّها.

стр. 188

ويفقد الأجر بفقد صحبتهما والإحسان إليهما، عَنْ عَبْدِ الله بْنِ عَمْرِو ﵄، قَالَ: "أَقْبَلَ رَجُلٌ إِلَى نَبِيِّ الله ﷺ ، فَقَالَ: أُبَايِعُكَ عَلَى الْهِجْرَةِ وَالْجِهَادِ، أَبْتَغِي الْأَجْرَ مِنَ الله، قَالَ: فَهَلْ مِنْ وَالِدَيْكَ أَحَدٌ حَيٌّ؟ قَالَ: نَعَمْ، بَلْ كِلَاهُمَا، قَالَ: فَتَبْتَغِي الْأَجْرَ مِنَ الله؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَارْجِعْ إِلَى وَالِدَيْكَ فَأَحْسِنْ صُحْبَتَهُمَا" (١). ويفقد رِضى والديه الَّذي فيه رضى الله تعالى، عَنْ عَبْدِ الله بْنِ عَمْرٍو ﵄، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: "رِضَى الرَّبِّ فِي رِضَى الوَالِدِ، وَسَخَطُ الرَّبِّ فِي سَخَطِ الْوَالِدِ" (٢). ويفقد عملًا من أحبِّ الأعمال إلى الله تعالى: عَنْ عَبْدِ الله بْنِ مَسْعُودٍ ﵁، قَالَ: "سَأَلْتُ رَسُولَ الله ﷺ أَيُّ الْعَمَلِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: الصَّلَاةُ لِوَقْتِهَا، قَالَ: قُلْتُ ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: بِرُّ الْوَالِدَيْنِ ... " (٣). واعلم أنَّ رتبة عقوق الوالدين من الكبائر في الدَّرجة الثَّانية، أي بعد الإشراك بالله، فاحذر، عَنْ أَبِي بَكْرَة ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "أَلا أُنَبِّئُكُمْ بِأَكْبَرِ الكَبَائِرِ؟ قُلْنَا: بَلَى يَا رَسُولَ الله، قَالَ: الإِشْرَاكُ بالله، وَعُقُوقُ الوَالِدَيْنِ ... " (٤). هذا ومِنَ النَّاس مَنْ إذا مات والداه بكى بحُرْقَةٍ لا تبرد وَعَبْرَة تتجدَّد، لا لموتهما، ولكن لأنَّه كان جَبَّارًا شَقِيًّا، كان عَاقًّا لهما، ومقصّرًا في حقِّهما.

стр. 189

القسم الحادي عشر أحكام الجنازة طلب المخبر من النّاس الاستغفار للميّت ولو كان شهيدا يستحبُّ للمخبر عن الوفاة أن يطلب من النَّاس الاسْتِغْفارَ للميِّت؛ اقتداءً بالنَّبيِّ ﷺ وعملًا بسنَّته، قال ﷺ لأصحابه ﵃: "إِنَّ أَخَاكُمُ النَّجَاشِيَّ قَدْ مَاتَ، فَاسْتَغْفِرُوا لَهُ" (١). ويستحبُّ أن يطلب من النَّاس الاسْتِغْفارَ للميِّت ولو كان شهيدًا؛ ففي غزوة مؤتة صَعِدَ النَّبيُّ ﷺ الْمِنْبَرَ، وَأَمَرَ أَنْ يُنَادَى الصَّلَاةُ جَامِعَةٌ، وأخبرهم عن جَيْشِ الْأُمَرَاءِ، وقال ﷺ : "أَلَا أُخْبِرُكُمْ عَنْ جَيْشِكُمْ هَذَا الْغَازِي؟ إِنَّهُمْ انْطَلَقُوا حَتَّى لَقُوا الْعَدُوَّ، فَأُصِيبَ زَيْدٌ شَهِيدًا، فَاسْتَغْفِرُوا لَهُ ـ فَاسْتَغْفَرَ لَهُ النَّاسُ ـ ثُمَّ أَخَذَ اللِّوَاءَ جَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ فَشَدَّ عَلَى الْقَوْمِ حَتَّى قُتِلَ شَهِيدًا، أَشْهَدُ لَهُ بِالشَّهَادَةِ، ... فَاسْتَغْفِرُوا لَهُ، ثُمَّ أَخَذَ اللِّوَاءَ عَبْدُ الله بْنُ رَوَاحَةَ فَأَثْبَتَ قَدَمَيْهِ حَتَّى أُصِيبَ شَهِيدًا، فَاسْتَغْفِرُوا لَهُ ... " (٢). الصّلاة على الجنازة في المسجد وخارجه يجوز الصَّلاة على الجنازة في المسجد، لما روي عن عائشة ﵂، قالت:

стр. 190

"عَابُوا عَلَيْنَا أَنْ يُمَرَّ بِجَنَازَةٍ فِي المَسْجِدِ، وَمَا صَلَّى رَسُولُ الله ﷺ عَلَى ... سُهَيْلِ ابْنِ بَيْضَاءَ إِلَّا فِي جَوْفِ المَسْجِدِ" (١). كما تجوز الصَّلاة على الجنازة في مصلَّى الجنائز، أي فِي مَوْضِعٍ مُعَدٍّ للصَّلاة عليها، كأن يكون بفناء المسجد أو مصلَّى مخصَّص نحو مصلَّى العيد، وكان العمل على ذلك في عهد النَّبيِّ ﷺ أيضًا، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: "أَنَّ اليَهُودَ جَاؤوا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ بِرَجُلٍ وَامْرَأَةٍ زَنَيَا، فَأَمَرَ بِهِمَا فَرُجِمَا، قَرِيبًا مِنْ حَيْثُ تُوضَعُ الجَنَائِزُ عِنْدَ المَسْجِدِ" (٢). هل يُصلّى على الجنازة في المقبرة ؟ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِ الصَّلاةِ عَلَى الْجِنَازَةِ فِي المَقْبَرَةِ ووَسَطَ الْقُبُورِ، والّذي أختاره أنَّ الصَّلَاةَ تُكْرَهُ عَلَى الْجِنَازَةِ فِي المَقْبَرَةِ، وهو قول جُمْهُور الْعُلَمَاءِ، لأنّها خلاف السُّنَّة الَّتي لم تأتِ إلَّا بصلاتها في المسجد والمصلَّى. وقد جاء النَّهي صريحًا عن الصَّلاة على الجنازة بين القبور، عنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ : "نَهَى أَنْ يُصَلَّى عَلَى الْجَنَائِزِ بَيْنَ الْقُبُورِ" (٣). لكنّه نهيٌ غير جازم، فقد صلَّى أبو هريرة وعبد الله بن عمر على عائشة وأمِّ سلمة في وسط البقيع مدفن أهل المدينة، ولم ينكر أحد من الصَّحابة ذلك، عن نَافِع قَالَ: "صَلَّيْنَا عَلَى عَائِشَةَ وَأُمِّ سَلَمَةَ وَسَطَ الْبَقِيعِ بَيْنَ الْقُبُورِ، قَالَ: وَالْإِمَامُ يَوْمَ صَلَّيْنَا عَلَى عَائِشَةَ

стр. 191

أَبُو هُرَيْرَةَ، وَحَضَرَ ذَلِكَ ابْنُ عُمَرَ" (١). والخلاصة، الأفضل في الصَّلاة على الجنازة أن يكون في مصلّى الجنائز؛ لفعله ﷺ ، أو في المسجد، أمَّا في المقبرة فالصَّلاة على الميِّت قبل الدَّفن فيه خلاف. الصلاة على الميت وهو في قبره الصَّلاة عَلَى المَيِّتِ بَعْدَ مَا يُدفن لمن لم يُصَلِّ عَلَيْهِ جائزة إذا كان العهد قريبًا، عن الشَّعْبِيّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي مَنْ مَرَّ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى قَبْرٍ مَنْبُوذٍ "فَأَمَّهُمْ وَصَلَّوْا خَلْفَهُ" (٢). وعَنِ الشَّعْبِيِّ: "أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ صَلَّى عَلَى قَبْرٍ بَعْدَمَا دُفِنَ، فَكَبَّرَ عَلَيْهِ أَرْبَعًا" (٣)، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ نُمَيْرٍ، قَالَ: "انْتَهَى رَسُولُ الله ﷺ إِلَى قَبْرٍ رَطْبٍ، فَصَلَّى عَلَيْهِ، وَصَفُّوا خَلْفَهُ" (٤)، وفي الصَّحيحين عن عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ﵁: "أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ خَرَجَ يَوْمًا فَصَلَّى عَلَى أَهْلِ أُحُدٍ صَلَاتَهُ عَلَى المَيِّتِ" (٥). وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ ، مَرَّ بِقَبْرٍ قَدْ دُفِنَ لَيْلًا، فَقَالَ: "مَتَى دُفِنَ هَذَا؟ قَالُوا: البَارِحَةَ، قَالَ: أَفَلا آذَنْتُمُونِي؟ قَالُوا: دَفَنَّاهُ فِي ظُلْمَةِ اللَّيْلِ

стр. 192

فَكَرِهْنَا أَنْ نُوقِظَكَ، فَقَامَ، فَصَفَفْنَا خَلْفَهُ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَأَنَا فِيهِمْ فَصَلَّى عَلَيْهِ" (١). وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَجُلًا أَسْوَدَ أَوِ امْرَأَةً سَوْدَاءَ كَانَ يَقُمُّ (يكنس) المَسْجِدَ فَمَاتَ، فَسَأَلَ النَّبِيُّ ﷺ ، فَقَالُوا: مَاتَ، قَالَ: أَفَلا كُنْتُمْ آذَنْتُمُونِي بِهِ دُلُّونِي عَلَى قَبْرِهِ ... ـ أَوْ قَالَ قَبْرِهَا ـ فَأَتَى قَبْرَهَا فَصَلَّى عَلَيْهَا" (٢). والأحاديث فيها دليل على جواز الصَّلاة على الميت وهو في قبره، وأن ذلك لا يشمله نهيه ﷺ عن الصَّلاة إلى القبور، والجواز لا يقيَّد بيوم وليلة. ومن أهل العلم من يرى أنَّ الصَّلاة على القبر من وقائع العَيْنٍ يَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ من خصائص النَّبِيِّ ﷺ ، وَاسْتَدَلُّوا بقوله ﷺ : "وَإِنَّ اللهَ يُنَوِّرُهَا لَهُمْ بِصَلَاتِي عَلَيْهِمْ" (٣). وفيه نظر، فلو كان من خصائصه ﷺ ما أَمَّ النَّاس وصلّوا خلفه، ولزجرهم عن ذلك، والله أعلم. وفي الأحاديث ندْب إلى الإِعْلَام بِالْجِنَازَةِ لِيُصَلَّى عَلَيْهَا، لقوله: "أَفَلَا كُنْتُمْ آذَنْتُمُونِي" أيْ أَخْبَرْتُمُونِي. واخْتُلِفَ فِي أَمَدِ ذَلِكَ، وأَشْهَر ما سُمِع عنه ﷺ في المدَّة الّتي يُصَلَّى عليه فيها أنَّها شهر، أخرج البيهقي عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى عَلَى قَبْرٍ بَعْدَ شَهْرٍ" (٤). أمَّا كيفيَّة الصَّلاة على الميِّت، وهو في قبره، فكما هو الحال فيما إذا صلَّيت

стр. 193

عليه قبل الدَّفن، تجعله بينك وبين القبلة وتكَبِّر عَلَيْهِ أَرْبَعًا. النّهي عن صلاة الفريضة أو النافلة عند القبور المَقْبَرَةُ لَيْسَتْ موضعًا للصَّلَاةِ، وقد نهى النَّبيُّ ﷺ عن الصَّلَاةِ فِي المَقَابِرِ سَوَاء كَانَت الصّلاة بِجَنْبِ الْقَبْرِ أَوْ عَلَيْهِ أَوْ إِلَيْهِ؛ وسَوَاء كان القبر أمام المصلِّي أو خلفه أو عن يمينه أو عن شماله، لأنّ النّهي مُطلق، والمطلق يجري على إِطلاقه حتَّى يأتي ما يُقيِّده، قَالَ النَّبيُّ ﷺ : "اجْعَلُوا فِي بُيُوتِكُمْ مِنْ صَلاتِكُمْ وَلا تَتَّخِذُوهَا قُبُورًا" (١)، وبوّب البخاريّ على هذا الحديث (باب كَرَاهِيَةِ الصَّلَاةِ فِي المَقَابِرِ). فصلاة الفريضة أو النَّافلة تكره في المقبرة، لعمومِ النَّهي عن الصَّلاةِ في المقبرةِ. وعلى من حضرته الصَّلاة وهو في المقبرة الصَّلاة خارجها، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "الْأَرْضُ كُلُّهَا مَسْجِدٌ إِلَّا الْحَمَّامَ وَالمَقْبَرَةَ" (٢)، وعَنْ أَبِي مَرْثَدٍ ﵁، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَقُولُ: "لَا تُصَلُّوا إِلَى القُبُورِ، وَلَا تَجْلِسُوا عَلَيْهَا" (٣)، وعَنْ أَنَس ﵁: "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنِ الصَّلاةِ بَيْنَ القُبُورِ" (٤). ولعلَّ علَّة النَّهي سَدُّ الذَّرَائِعِ إلى المحرَّمات، لما في الصِّلاة بين القبور من الفتنة، والخوف من أن يفضي ذلك إلى الغلوِّ فيها وتعظيمها، واتّخاذها أوثانًا تُدعى

стр. 194

وتعبد من دون الله تعالى، ولذلك قال ﷺ : "اللهُمَّ لَا تَجْعَلْ قَبْرِي وَثَنًا، لَعَنَ اللهُ قَوْمًا اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ" (١). كراهة اتِّخَاذِ المَسَاجِد عَلَى القُبُورِ عَنِ الْبُخَارِيِّ تَعْلِيقًا، قَالَ: "لمّا مَاتَ الحَسَنُ بْنُ الحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ، ضَرَبَتِ امْرَأَتُهُ (فَاطِمَةُ بِنْتُ الْحُسَيْنِ ابْنَةُ عَمِّهِ) القُبَّةَ عَلَى قَبْرِهِ سَنَةً، ثُمَّ رُفِعَتْ، فَسَمِعُوا صَائِحًا - لعلّه مِنَ المَلَائِكَةِ أَوْ مِنْ مُؤْمِنِي الْجِنِّ- يَقُولُ: أَلَا هَلْ وَجَدُوا مَا فَقَدُوا؟ فَأَجَابَهُ الآخَرُ: بَلْ يَئِسُوا فَانْقَلَبُوا" (٢). وَبَوَّبَ الْبُخَارِيُّ على هَذَا الْأَثَرِ (مَا يُكْرَهُ مِن اتِّخَاذِ المَسَاجِدِ عَلَى القُبُورِ) لأنّ ضرب القبّة (الْخَيْمَة) سنة يقتضي الإقامة ومن ثمّ الصّلاة، فتصير كالمسجد، وأورده البخاريّ لموافقته الأدلّة على الْكَرَاهَة. وتُكْرَهُ الْخَيْمَةُ وَالْفُسْطَاطُ على القبر؛ فقد رَأَى ابْنُ عُمَرَ فُسْطَاطًا عَلَى قَبْرِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، فَقَالَ: "انْزِعْهُ يَا غُلامُ، فَإِنَّمَا يُظِلُّهُ عَمَلُهُ" (٣) ولمّا حضر أبا هريرة الموتُ، قال: "إِذَا مُتُّ فَلَا تَضْرِبُوا عَلَيَّ فُسْطَاطًا، وَلَا تَتْبَعُونِي بِنَارٍ، وَأَسْرِعُوا بِي إِلَى رَبِّي" (٤). من لا تجب عليه صلاة الجنازة اثنان لا تجب الصَّلاة عليهما: الطِّفل والشَّهيد. فلا تجب صلاة الجنازة على الطّفل الَّذي لم يبلغ؛ لأنَّ النَّبِيَّ ﷺ لم يصلِّ على ابنه إبراهيم ﵇، عَنْ عَائِشَة ﵂،

стр. 195

قَالَتْ: "لَقَدْ تُوُفِّيَ إِبْرَاهِيمُ ابْنُ رَسُولِ الله وَهُوَ ابْنُ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ شَهْرًا فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِ" (١). وهذا لا ينفي جواز الصَّلاة عليه، لقول النَّبِيِّ ﷺ : "وَالطِّفْلُ يُصَلَّى عَلَيْهِ" (٢)، وقوله ﷺ : "وَالسِّقْطُ يُصَلَّى عَلَيْهِ، وَيُدْعَى لِوَالِدَيْهِ بِالمَغْفِرَةِ وَالرَّحْمَةِ" (٣) ولكن ليس على الوجوب. والشَّهيد لا تجب الصَّلاة عليه، لأنَّ النَّبِيَّ ﷺ لم يصل على شهداء أحد عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ الله ﵄، أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قال: "أَنَا شَهِيدٌ عَلَى هَؤُلاءِ يَوْمَ القِيَامَةِ. وَأَمَرَ بِدَفْنِهِمْ بِدِمَائِهِمْ، وَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِمْ وَلَمْ يُغَسَّلُوا" (٤). وهذا لا يمنع من الصّلاة على الشَّهيد، عَنْ أَنَسٍ ﵁: "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَرَّ بِحَمْزَةَ، وَقَدْ مُثِّلَ بِهِ وَلَمْ يُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنَ الشُّهَدَاءِ غَيْرِهِ" (٥). أين يقوم الإمام من الميت في صلاة الجنازة ؟ يقوم الإمام في صلاة الجنازة عند رأس الرَّجل ووسط المرأة، عَنْ ... أَبِي غَالِبٍ، قَالَ: " صَلَّيْتُ مَعَ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ عَلَى جَنَازَةِ رَجُلٍ، فَقَامَ حِيَالَ رَأْسِهِ، ثُمَّ جَاؤوا بِجَنَازَةِ امْرَأَةٍ مِنْ قُرَيْشٍ، فَقَالُوا: يَا أَبَا حَمْزَةَ صَلِّ عَلَيْهَا، فَقَامَ حِيَالَ وَسَطِ السَّرِيرِ، فَقَالَ لَهُ العَلَاءُ بْنُ زِيَادٍ: هَكَذَا رَأَيْتَ النَّبِيَّ ﷺ قَامَ عَلَى الجَنَازَةِ مُقَامَكَ مِنْهَا

стр. 196

وَمِنَ الرَّجُلِ مُقَامَكَ مِنْهُ؟ قَالَ: نَعَمْ. فَلَمَّا فَرَغَ قَالَ: احْفَظُوا" (١). وعَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ ﵁، قَالَ: "صَلَّيْتُ خَلْفَ النَّبِيِّ ﷺ ، وَصَلَّى عَلَى ... أُمِّ كَعْبٍ، مَاتَتْ وَهِيَ نُفَسَاءُ، فَقَامَ رَسُولُ الله ﷺ لِلصَّلَاةِ عَلَيْهَا وَسَطَهَا" (٢). صفة الصّلاة على الميت يُكَبِّرُ الإمام ثُمَّ يَقْرَأُ فَاتِحَةَ الكتاب مُخَافَتَةً، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: "السُّنَّةُ فِي الصَّلَاةِ عَلَى الْجَنَازَةِ أَنْ يَقْرَأَ فِي التَّكْبِيرَةِ الْأُولَى بِأُمِّ الْقُرْآنِ مُخَافَتَةً، ثُمَّ يُكَبِّرَ ثَلَاثًا، وَالتَّسْلِيمُ عِنْدَ الْآخِرَةِ" (٣). ثم يكبّر التّكبيرة الثّانية ويصلِّي على النَّبيِّ ﷺ ، عن أبي أُمَامَةَ بْن سَهْلِ ﵁، وَكَانَ مِنْ كُبَرَاءِ الْأَنْصَارِ وَعُلَمَائِهِمْ، وَأَبْنَاءِ الَّذِينَ شَهِدُوا بَدْرًا مَعَ رَسُولِ الله ﷺ أَخْبَرَهُ رِجَالٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ الله ﷺ فِي الصَّلَاةِ عَلَى الْجِنَازَةِ: "أَنْ يُكَبِّرَ الْإِمَامُ، ثُمَّ يُصَلِّيَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ، وَيُخْلِصَ الصَّلَاةَ (٤) فِي التَّكْبِيرَاتِ الثَّلَاثِ، ثُمَّ يُسَلِّمُ تَسْلِيمًا خَفِيًّا حِينَ يَنْصَرِفُ، وَالسُّنَّةُ أَنْ يَفْعَلَ مَنْ وَرَاءَهُ مِثْلَ مَا فَعَلَ إِمَامُهُ" (٥).

стр. 197

ثمّ يكبر التَّكبيرة الثَّالثة ويدعو للميِّت بما ثبت من الدُّعاء المأثور، عَنْ ... أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ كَانَ إِذَا صَلَّى عَلَى جِنَازَةٍ، قَالَ: "اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِحَيِّنَا وَمَيِّتِنَا، وَشَاهِدِنَا وَغَائِبِنَا، وَصَغِيرِنَا وَكَبِيرِنَا، وَذَكَرِنَا وَأُنْثَانَا، اللَّهُمَّ مَنْ أَحْيَيْتَهُ مِنَّا فَأَحْيِهِ عَلَى الْإِسْلَامِ، وَمَنْ تَوَفَّيْتَهُ مِنَّا فَتَوَفَّهُ عَلَى الْإِيمَانِ" (١). فإذا كان طفلًا فيدعو الله لِوَالِدَيْهِ أَنْ يَجْعَلَهُ لَهُما فَرَطًا وَأَجْرًا، قال الحَسَنُ: ... " يَقْرَأُ عَلَى الطِّفْلِ بِفَاتِحَةِ الكِتَابِ وَيَقُولُ: اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ لَنَا فَرَطًا وَسَلَفًا وَأَجْرًا" (٢). يكبِّر الرَّابعة (٣) ويُسَلِّمُ تَسْلِيمَةً وَاحِدَةً عن يمينه، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: "أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ صَلَّى عَلَى جِنَازَةٍ فَكَبَّرَ عَلَيْهَا أَرْبَعًا، وَسَلَّمَ تَسْلِيمَةً" (٤)، وفيه جواز الاقتصار على التّسليمة الأولى. اجتماع جنائز الرّجال والنّساء والصّلاة عليها إذا اجتمعت جَنَائِزُ رِجَالٍ وَنِسَاءٍ، فمن السُّنَّة جَعْل الرِّجَال مِمَّا يلي الإمام، وَالنِّسَاء مِمَّا يَلِي الْقِبْلَة، والصَّلاة عليها صلاة واحدة، عن مَوْلَى الْحَارِثِ: "أَنَّهُ شَهِدَ جَنَازَةَ أُمِّ كُلْثُومٍ، وَابْنِهَا، فَجُعِلَ الْغُلَامُ مِمَّا يَلِي الْإِمَامَ، فَأَنْكَرْتُ ذَلِكَ، وَفِي الْقَوْمِ

стр. 198

ابْنُ عَبَّاسٍ، وَأَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ، وَأَبُو قَتَادَةَ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ، فَقَالُوا: هَذِهِ السُّنَّةُ" (١). فإن اجتمعت جنازة رجل، وصبيّ، وأنثى، وخنثى (٢)، صلّي عليها صلاة واحدة، وجُعِل الرّجل مِمَّا يلي الإمام، ثم الصبيّ، ثم الخنثى، ثم الأنثى. عن نَافِع: "أَنَّ ابْنَ عُمَرَ، صَلَّى عَلَى تِسْعِ جَنَائِزَ جَمِيعًا فَجَعَلَ الرِّجَالَ يَلُونَ الْإِمَامَ وَالنِّسَاءَ يَلِينَ الْقِبْلَةَ فَصَفَّهُنَّ صَفًّا وَاحِدًا ... " (٣). مَا يُرْتجَى لِلْمَيِّتِ فِي كَثْرَةِ مَنْ يُصَلِّي عَلَيْهِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ الله ﵄، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "إِنَّ أَخًا لَكُمْ قَدْ مَاتَ، فَقُومُوا فَصَلُّوا عَلَيْهِ" (٤)، قَالَ: فَقُمْنَا فَصَفَّنَا صَفَّيْنِ. هذا ومَنْ صَلَّى عَلَيْهِ أَرْبَعُونَ شُفِّعُوا فِيهِ، قال ﷺ : "مَا مِنْ رَجُلٍ مُسْلِمٍ يَمُوتُ، فَيَقُومُ عَلَى جَنَازَتِهِ أَرْبَعُونَ رَجُلًا، لَا يُشْرِكُونَ بِالله شَيْئًا، إِلَّا شَفَّعَهُمُ اللهُ فِيهِ" (٥). الأمر لمن صلى على ميت بإخلاص الدّعاء له على الّذين يصلّون على جنازة أن يدعوا لصاحبها بإخلاص وحضور قلب،

стр. 199

إذ المقصد من هذه الصَّلاة الدُّعاء والاستغفار للميِّت؛ لعلَّ الله تعالى أن يطِّلع على قلوبهم فيجد الإخلاص فيشفّعهم فيه، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: "إِذَا صَلَّيْتُمْ عَلَى المَيِّتِ فَأَخْلِصُوا لَهُ الدُّعَاءَ" (١)، والحديث حجّة جليّة على أنّ الميّت ينتفع بدعاء الحيّ، ولو لم يكن من سعيه. دعَاء النَّبِيّ ﷺ للميت فِي صَلَاةِ الْجِنَازَةِ مَقْصُودُ الصَّلَاةِ عَلَى المَيِّتِ الدُّعَاءُ له والشَّفاعة فيه، والدُّعَاءُ ممَّا يَلْحَقُ المَيِّتَ مِنَ بَعْدَ مَوْتِهِ. فممَّا يقوله المصلِّي على الجنازة من دعائه ﷺ ما أخرجه مسلم عَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ الْأَشْجَعِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ ـ وَصَلَّى عَلَى جَنَازَةٍ ـ يَقُولُ: "اللهُمَّ، اغْفِرْ لَهُ وَارْحَمْهُ، وَاعْفُ عَنْهُ وَعَافِهِ، وَأَكْرِمْ نُزُلَهُ، وَوَسِّعْ مُدْخَلَهُ، وَاغْسِلْهُ بِمَاءٍ وَثَلْجٍ وَبَرَدٍ، وَنَقِّهِ مِنَ الْخَطَايَا كَمَا يُنَقَّى الثَّوْبُ الْأَبْيَضُ مِنَ الدَّنَسِ، وَأَبْدِلْهُ دَارًا خَيْرًا مِنْ دَارِهِ، وَأَهْلًا خَيْرًا مِنْ أَهْلِهِ، وَزَوْجًا خَيْرًا مِنْ زَوْجِهِ، وَقِهِ فِتْنَةَ الْقَبْرِ وَعَذَابَ النَّارِ" (٢). قَالَ عَوْفٌ: فَتَمَنَّيْتُ أَنْ لَوْ كُنْتُ أَنَا المَيِّتَ، لِدُعَاءِ رَسُولِ الله ﷺ عَلَى ذَلِكَ المَيِّتِ. وكَانَ ﷺ إِذَا صَلَّى عَلَى الْجِنَازَةِ، قَالَ: "اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِحَيِّنَا وَمَيِّتِنَا، وَشَاهِدِنَا وَغَائِبِنَا، وَصَغِيرِنَا وَكَبِيرِنَا، وَذَكَرِنَا وَأُنْثَانَا، اللَّهُمَّ مَنْ أَحْيَيْتَهُ مِنَّا فَأَحْيِهِ عَلَى الْإِسْلَامِ، وَمَنْ تَوَفَّيْتَهُ مِنَّا فَتَوَفَّهُ عَلَى الْإِيمَانِ" (٣).

стр. 200

وكان من دعائه ﷺ إذا صلَّى على رجل، قال: "أَلَا إِنَّ فُلَانَ بْنَ فُلَانٍ فِي ذِمَّتِكَ، وحَبْلِ جِوَارِكَ فَقِهِ فِتْنَةَ الْقَبْرِ، وَعَذَابَ النَّارِ، أَنْتَ أَهْلُ الْوَفَاءِ، وَالْحَقِّ، اللَّهُمَّ فَاغْفِرْ لَهُ وَارْحَمْهُ، فَإِنَّكَ أَنْتَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (١). وكَانَ ﷺ إِذَا قَامَ لِلْجِنَازَةِ لِيُصَلِّيَ عَلَيْهَا، قَالَ: "اللَّهُمَّ عَبْدُكَ، وَابْنُ أَمَتِكَ احْتَاجَ إِلَى رَحْمَتِكَ، وَأَنْتَ غَنِيٌّ عَنْ عَذَابِهِ إِنْ كَانَ مُحْسِنًا فَزِدْ فِي إِحْسَانِهِ، وَإِنْ كَانَ مُسِيئًا فَتَجَاوَزَ عَنْهُ" (٢). الدُّعَاءُ لِلْفَرَطِ فِي الصَّلاةِ عَلَيْهِ عنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ, قَالَ: سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ المُسَيَّبِ يَقُولُ: صَلَّيْتُ وَرَاءَ ... أَبِي هُرَيْرَةَ عَلَى صَبِيٍّ لَمْ يَعْمَلْ خَطِيئَةً قَطُّ, فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: "اللَّهُمَّ أَعِذْهُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ" (٣). أجر الصّلاة على الجنازة واتّباعها عن أَبَي هُرَيْرَة ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "مَنْ شَهِدَ الجَنَازَةَ حَتَّى يُصَلِّيَ، فَلَهُ قِيرَاطٌ، وَمَنْ شَهِدَ حَتَّى تُدْفَنَ كَانَ لَهُ قِيرَاطَانِ، قِيلَ: وَمَا القِيرَاطَانِ؟ قَالَ: مِثْلُ الجَبَلَيْنِ العَظِيمَيْنِ" (٤)، وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ ﵄، يُصَلِّي عَلَيْهَا ثُمَّ يَنْصَرِفُ،

стр. 201

فَلَمَّا بَلَغَهُ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: "لَقَدْ ضَيَّعْنَا قَرَارِيطَ كَثِيرَةً" (١). استحباب الإسراع بالجنازة وَالْعلَّة فِي ذَلِك إذا وضعت الجنازة على الأكتاف، وحملها الرِّجال، فَإِنَّهُ يُسَنُّ الإسراع بها، لحديث أَبِي هُرَيْرَة ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "أَسْرِعُوا بِالْجِنَازَةِ، فَإِنْ تَكُ صَالِحَةً فَخَيْرٌ تُقَدِّمُونَهَا، وَإِنْ يَكُ سِوَى ذَلِكَ، فَشَرٌّ تَضَعُونَهُ عَنْ رِقَابِكُمْ" (٢). والمراد الإسراع في المشي بالجنازة، ويدخل ضمنًا الإسراع في تجهيزها والصَّلاة عليها، فظاهر الحديث يعمُّ كلَّ ذلك. وصفة الإسراع في السّير فوق المشي المعتاد ودون الرَّمَل (الْهَرْوَلَة)، عن عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْن جَوْشَن، قال: "خرَجْتُ فِي جَنَازَةِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ، قَالَ: فَجَعَلَ رِجَالٌ مِنْ أَهْلِهِ يَسْتَقْبِلُونَ الْجِنَازَةَ فَيَمْشُونَ عَلَى أَعْقَابِهِمْ، وَيَقُولُونَ: رُوَيْدًا بَارَكَ اللهُ فِيكُمْ، قَالَ: فَلَحِقَنَا أَبُو بَكَرَةَ مِنْ طَرِيقِ المِرْبَدِ، فَلَمَّا رَأَى أُولَئِكَ، وَمَا يَصْنَعُونَ حَمَلَ عَلَيْهِمْ بِبَغْلَتِهِ، وَأَهْوَى لَهُمْ بِالسَّوْطِ، وَقَالَ: "خَلُّوا، فَوَالَّذِي كَرَّمَ وَجْهَ أَبِي الْقَاسِمِ ﷺ ، لَقَدْ رَأَيْتُنَا مَعَ رَسُولِ الله ﷺ وَإِنَّا لَنَكَادُ أَنْ نَرْمُلَ بِهَا" (٣). والمراد من الإسراع بالجنازة التَّعجيل بصاحبها إلى الخير، أو ليستراح منه، فالإنسان إذا كَانَ صَالِحًا يبشّر بالجنّة، فيشتاق إليها ويرغب أن يقدّم إلى الدّفن، ليقدم عَلَى مَا أَعَدَّ الله تعالى له وينعم بما أنعم عليه, ولذلك فإنَّ الإسراع في تَقْدِيمه

стр. 202

خَيْرٌ لَهُ، وإن كان غير صالح وضعوا شرًّا عن رقابهم، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَقُولُ: "أَسْرِعُوا بِالْجَنَازَةِ، فَإِنْ كَانَتْ صَالِحَةً قَرَّبْتُمُوهَا إِلَى الْخَيْرِ، وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ ذَلِكَ كَانَ شَرًّا تَضَعُونَهُ عَنْ رِقَابِكُمْ" (١). أين يكون الماشي والراكب من الجنازة ؟ يباح للمسلم المشي أمام الجنازة وَخَلْفهَا وَعَن يَمِينهَا وَعَنْ شِمَالِهَا قريبًا منها، أمَّا الرَّاكب فيسير خلفها، أَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ عَنِ المُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ، قال: "الرَّاكِبُ يَسِيرُ خَلْفَ الْجَنَازَةِ، وَالمَاشِي يَمْشِي خَلْفَهَا، وَأَمَامَهَا، وَعَنْ يَمِينِهَا، وَعَنْ يَسَارِهَا قَرِيبًا مِنْهَا" (٢)، وفي رواية أحمد عن المُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "الرَّاكِبُ خَلْفَ الْجِنَازَةِ، وَالمَاشِي حَيْثُ شَاءَ مِنْهَا" (٣). القول بكراهية الرّكوب خلف الجنازة رَوَى التِّرْمِذِيُّ موقوفًا عن ثوبان ﵁، قالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ الله ﷺ فِي جَنَازَةٍ فَرَأَى نَاسًا رُكْبَانًا، فَقَالَ: "أَلَا تَسْتَحْيُونَ إِنَّ مَلَائِكَةَ الله عَلَى أَقْدَامِهِمْ وَأَنْتُمْ عَلَى ظُهُورِ الدَّوَابِّ" (٤). وبوَّب عليه أبو عيسى (بَاب مَا جَاءَ فِي كَرَاهِيَةِ الرُّكُوبِ خَلْفَ الجَنَازَةِ).

стр. 203

فذهب بعضهم إلى القول بكراهة الرّكوب في الذَّهاب مع الجنازة من غير عذر، مع أنَّ الحديث ضعيف، فيه أَبُو بَكْر بْن أَبِي مريم. وَيُعَارِضُهُ مَا أَخْرَجَ ... أَبُو دَاوُد عَنِ المُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ، قال: "الرَّاكِبُ يَسِيرُ خَلْفَ الْجَنَازَةِ" (١). فإذا تقرَّر ذلك، فالقول بكراهة الرُّكُوبِ عند الذّهاب على الإطلاق، فيه نظر؛ لأنَّ القول بالكراهة حكم، والضّعيف لا تقام به الأحكام، والنَّبيُّ ﷺ رخّص بالرّكوب خلف الجنازة، كما تقدَّم، فالأمر واسع، وهناك من وجَّه الحديث ولا حاجة لتوجيهه لضعفه. ولعلّ في هذه الأيّام يكون الرّكوب ضروريًّا فِي بَعْضِ الْأَحَايِينِ؛ لبعد المقابر، والنّاس فيهم الْكَبِير وَالصَّغِير والسّقيم، ولأنّ الجنائز تكون غالبًا في سيّارة نقل الموتى. المشي خلف الجنازة أفضل من الركوب لكن نقول المشي خلف الجنازة أفضل من الرُّكُوبِ، والرُّكُوب بعد الفراغ منها لا بأس به، لما روي عَنْ ثَوْبَانَ ﵁ بسند صحيح، أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ ، أُتِيَ بِدَابَّةٍ وَهُوَ مَعَ الْجَنَازَةِ فَأَبَى أَنْ يَرْكَبَهَا، فَلَمَّا انْصَرَفَ أُتِيَ بِدَابَّةٍ فَرَكِبَ، فَقِيلَ لَهُ، فَقَالَ: "إِنَّ المَلَائِكَةَ كَانَتْ تَمْشِي، فَلَمْ أَكُنْ لِأَرْكَبَ وَهُمْ يَمْشُونَ، فَلَمَّا ذَهَبُوا رَكِبْتُ" (٢).

стр. 204

القيام للجنازة وتركه ندب النَّبيُّ ﷺ أوّل الأمر إلى القيام للجنازة، عَنْ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: "إِذَا رَأَى أَحَدُكُمْ جِنَازَةً، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَاشِيًا مَعَهَا، فَلْيَقُمْ حَتَّى يَخْلُفَهَا أَوْ تُخَلِّفَهُ أَوْ تُوضَعَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُخَلِّفَهُ" (١). وعن جَابِر بْن عَبْد الله ﵄، قَالَ: مَرَّ بِنَا جَنَازَةٌ، فَقَامَ لَهَا النَّبِيُّ ﷺ وَقُمْنَا بِهِ، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ الله إِنَّهَا جِنَازَةُ يَهُودِيٍّ، قَالَ: "إِذَا رَأَيْتُمُ الجِنَازَةَ، فَقُومُوا" (٢). ثمّ جَاءَ عَنِ النَّبِيِّ آخر الأمر تَرْكُ القيام، فَعِنْدَ مُسْلِمٍ عن عَلِيٍّ ﵁، قَالَ: ... "رَأَيْنَا رَسُولَ الله ﷺ قَامَ فَقُمْنَا وَقَعَدَ فَقَعَدْنَا يَعْنِي فِي الْجَنَازَةِ" (٣)، وبوّب عليه (بَاب نَسْخِ الْقِيَامِ لِلْجَنَازَةِ). وقال عَلِيٌّ ﵁ فِي شَأْنِ الْجَنَائِزِ: "إِنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَامَ، ثُمَّ قَعَدَ" (٤)، وعَنْ ... أَبِي مَعْمَرٍ، قَالَ: كُنَّا عِنْدَ عَلِيٍّ فَمَرَّتْ بِهِ جَنَازَةٌ فَقَامُوا لَهَا، فَقَالَ عَلِيٌّ: مَا هَذَا؟ قَالُوا: أَمْرُ أَبِي مُوسَى، فَقَالَ: "إِنَّمَا قَامَ رَسُولُ الله ﷺ لِجَنَازَةِ يَهُودِيَّةٍ وَلَمْ يَعُدْ بَعْدَ ذَلِكَ" (٥). العلّة من وراء القيام للجنازة تعددت الرِّوايات في علّة القيام للجنازة، فقد سَأَلَ رَجُلٌ رَسُولَ الله ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله تَمُرُّ بِنَا جَنَازَةُ الْكَافِرِ أَفَنَقُومُ لَهَا؟ قَالَ: " نَعَمْ فَقُومُوا لَهَا، فَإِنَّكُمْ

стр. 205

لَسْتُمْ تَقُومُونَ لَهَا، إِنَّمَا تَقُومُونَ إِعْظَامًا لِلَّذِي يَقْبِضُ الْأَرْوَاحَ" (١). وفي الصَّحيح أنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَرَّتْ بِهِ جِنَازَةٌ فَقَامَ، فَقِيلَ لَهُ: إِنَّهَا جِنَازَةُ يَهُودِيٍّ، فَقَالَ: "أَلَيْسَتْ نَفْسًا" (٢). وعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁، أَنَّ جِنَازَةَ يَهُودِيٍّ مَرَّتْ بِرَسُولِ الله ﷺ فَقَامَ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ الله، إِنَّهَا جِنَازَةُ يَهُودِيٍّ، فَقَالَ: "إِنَّمَا قُمْتُ لِلْمَلَائِكَةِ" (٣). وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ مَرَّتْ بِهِ جَنَازَةُ يَهُودِيٍّ، فَقَامَ: فَقِيلَ لَهُ: يَا رَسُولَ الله، إِنَّهَا جَنَازَةُ يَهُودِيٍّ، فَقَالَ: "إِنَّ لِلْمَوْتِ فَزَعًا" (٤). وجمع الحافظ ابن حجر بينها، فقال: "لِأَنَّ الْقِيَامَ لِلْفَزَعِ مِنَ المَوْتِ فِيهِ تَعْظِيمٌ لِأَمْرِ الله، وَتَعْظِيمٌ لِلْقَائِمِينَ بِأَمْرِهِ فِي ذَلِكَ، وَهُمُ المَلَائِكَةُ" (٥). نهي النَّبيّ ﷺ النّساء عن اتّباع الجنائز جاءَ النّهْي عَنِ اتِّبَاعِ النِّسَاءِ للْجَنَائِزِ، عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ ﵂، قَالَتْ: "نُهِينَا عَنِ اتِّبَاعِ الجَنَائِزِ، وَلَمْ يُعْزَمْ عَلَيْنَا" (٦)، أي لمْ يُؤَكَّدْ عَلَيْنَا فِي المَنْعِ، ولَمْ يُشدَّد في النَّهي كَمَا يُشدَّدُ في المُحَرَّمَات، فالنَّبيُّ ﷺ كَرِهَ للنِّساء اتِّبَاعَ الْجَنَائِزِ مِنْ غَيْرِ تَحْرِيمٍ، فهو نهي

стр. 206

كَرَاهَة تَنْزِيه لا تحريم؛ لقولها: "وَلَمْ يُعْزَمْ عَلَيْنَا". على كلّ حال المرأة لا تخرج مع النّاس حتّى لو كان الميِّت من خاصّة أهلها؛ وذلك لقلَّة صبرها، فذلك أسلم لها. أمّا الحديث: خَرَجَ رَسُولُ الله ﷺ فَإِذَا نِسْوَةٌ جُلُوسٌ، فقَالَ: "مَا يُجْلِسُكُنَّ؟ قُلْنَ: نَنْتَظِرُ الْجِنَازَةَ، قَالَ: هَلْ تَغْسِلْنَ؟ قُلْنَ: لَا، قَالَ: هَلْ تَحْمِلْنَ؟ قُلْنَ: لَا، قَالَ: هَلْ تُدْلِينَ فِيمَنْ يُدْلِي؟ قُلْنَ: لَا، قَالَ: فَارْجِعْنَ مَأْزُورَاتٍ غَيْرَ مَأْجُورَاتٍ" (١)، فهو ضعيف. ومثله قوله لفاطمة ﵍: "لَعَلَّكِ بَلَغْتِ مَعَهُمُ الْكُدَى (المقابر)؟ قَالَتْ: مَعَاذَ الله أَنْ أَكُونَ بَلَغْتُهَا مَعَهُمْ، وَقَدْ سَمِعْتُكَ تَذْكُرُ فِي ذَلِكَ مَا تَذْكُرُ قَالَ: لَوْ بَلَغْتِهَا مَعَهُمْ مَا رَأَيْتِ الْجَنَّةَ حَتَّى يَرَاهَا جَدُّ أَبِيكِ" (٢)، فالحديث ضعيف بجميع طرقه. معرفة الميت ما يحل به من ثواب أو عقاب قبل أن يدخل حفرته قَالَ النَّبيُّ ﷺ : "إذَا وُضِعَتِ الجِنَازَةُ، فَاحْتَمَلَهَا الرِّجَالُ عَلَى أَعْنَاقِهِمْ، فَإِنْ كَانَتْ صَالِحَةً قَالَتْ: قَدِّمُونِي، قَدِّمُونِي، وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ صَالِحَةٍ قَالَتْ: يَا وَيْلَهَا، أَيْنَ يَذْهَبُونَ بِهَا؟ يَسْمَعُ صَوْتَهَا كُلُّ شَيْءٍ إِلَّا الإِنْسَانَ، وَلَوْ سَمِعَهَا الإِنْسَانُ لَصَعِقَ" (٣). حمل الرّجال للجنازة دون النّساء قوله ﷺ : "فَاحْتَمَلَهَا الرِّجَالُ" دليل أنَّ النِّساء سقط عَنْهُنَّ حملها كما سقط عنهنَّ كثير مِن الأحكام، فقد عذرهنَّ الله تعالى بضعفهنَّ، قال تعالى: ... ﴿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ ... ... (٩٨)﴾ [النّساء].

стр. 207

التزاحم عَلَى النّعْشِ لا يجوز التَّزَاحُمُ عَلَى النَّعْشِ، عن عَطَاء، قَالَ: حَضَرْنَا مَعَ ابْنِ عَبَّاسٍ جَنَازَةَ مَيْمُونَةَ ﵂ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ بِسَرِفَ (مكان قرب مكّة)، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: "هَذِهِ زَوْجُ النَّبِيِّ ﷺ ، فَإِذَا رَفَعْتُمْ نَعْشَهَا، فَلَا تُزَعْزِعُوا، وَلَا تُزَلْزِلُوا، وَارْفُقُوا" (١). وعَنْ قَتَادَةَ، قَالَ: "شَهِدْت جِنَازَةً فِيهَا أَبُو السِّوَارِ (حُرَيْثُ بْنُ حَسَّانَ) فَازْدَحَمُوا عَلَى السَّرِيرِ، فَقَالَ أَبُو السِّوَارِ: أَتَرَوْنَ هَؤُلَاءِ أَفْضَلَ أَوْ أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ ﷺ ؟ كَانَ الرَّجُلُ مِنْهُمْ إذَا رَأَى مَحْمَلًا حَمَلَ، وَإِلَّا اعْتَزَلَ وَلَمْ يُؤْذِ أَحَدًا" (٢). كراهية رفع الصّوت في الجنازة إذا تبع المسلم جنازة عليه بالصَّمت والسّكون والوقار في حال السَّير معها؛ فذلك أدعى لأن يعتبر ويتَّعظ ويتفكَّر في حاله ومآله، عَنْ قَيْسِ بْنِ عَبَّادٍ، قَالَ: "كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ الله ﷺ يَكْرَهُونَ رَفْعَ الصَّوْتِ عِنْدَ الْجَنَائِزِ، وَعِنْدَ الْقِتَالِ، وَعِنْدَ الذِّكْرِ" (٣). فلا ترفع عند الجنازة الصَّوت؛ تعظيمًا لهول الموت، وفي الموت ما يشغل الإنسان عن الكلام والأنام، ويزهِّد في الدُّنيا ويرغِّب في الآخرة. وعَن الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ ﵁، قَالَ: "خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ الله ﷺ فِي جِنَازَةٍ، فَانْتَهَيْنَا إِلَى الْقَبْرِ، فَجَلَسَ وَجَلَسْنَا كَأَنَّ عَلَى رُؤوسِنَا الطَّيْرَ" (٤)، كِنَايَة عَن السُّكُونِ، فلا تغترّ بكثرة الَّذِينَ يسيرون خلف الجنائز يُهَلِّلُونَ.

стр. 208

القسم الثاني عشر أحكام الدفن دفن الميت تفضَّل الله تعالى على عباده أن جَعَلَ لهم مَنْ يقبرهم، ولم يجعلهم ممَّن يُلَقى بوجه الأرض كالحيوان البهيم، فيستقذر، قال تعالى: ﴿ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ (٢١)﴾ [عبس]، وقال تعالى: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا (٢٥) أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا (٢٦)﴾ [المرسلات]. ودفن الميِّت فَرْضُ كِفَايَةٍ إِذَا قَامَ بِهِ بَعْضُ النَّاسِ سَقَطَ عَنِ البَاقِينَ. وأخصّ النّاس بتجهيزه ودفنه وأولاهم بِهِ الْأَقْرَبُونَ، ثمّ جيرانه وأَهْل مَحَلَّتِهِ، ثمّ سائر المسلمين. ويجب دفن الميّت ولو كان كافرًا، لأمر النَّبيِّ ﷺ بذلك: عَنْ أَبِي طَلْحَةَ ﵁: "أَنَّ نَبِيَّ الله ﷺ أَمَرَ يَوْمَ بَدْرٍ بِأَرْبَعَةٍ وَعِشْرِينَ رَجُلًا مِنْ صَنَادِيدِ قُرَيْشٍ، فَقُذِفُوا فِي طَوِيٍّ مِنْ أَطْوَاءِ بَدْرٍ خَبِيثٍ مُخْبِثٍ" (١). ما يُقال عند دخول المقابر والدعاء لأهلها إذا جئت المقبرة، فعليك بالسَّلام على أهلها، عَنْ عَائِشَةَ ﵂، أَنَّهَا قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ الله ﷺ كُلَّمَا كَانَ لَيْلَتُهَا مِنْ رَسُولِ الله ﷺ يَخْرُجُ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ إِلَى الْبَقِيعِ، فَيَقُولُ: "السَّلَامُ عَلَيْكُمْ دَارَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ، وَأَتَاكُمْ مَا تُوعَدُونَ غَدًا، مُؤَجَّلُونَ، وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللهُ بِكُمْ لَاحِقُونَ، اللهُمَّ، اغْفِرْ لِأَهْلِ بَقِيعِ الْغَرْقَدِ" (٢). وعنها ﵂، قَالَتْ: قُلْتُ: كَيْفَ أَقُولُ لَهُمْ يَا رَسُولَ الله؟ قَالَ: "قُولِي:

стр. 209

السَّلَامُ عَلَى أَهْلِ الدِّيَارِ مِنَ المُؤْمِنِينَ وَالمُسْلِمِينَ، وَيَرْحَمُ اللهُ المُسْتَقْدِمِينَ مِنَّا وَالمُسْتَأْخِرِينَ، وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللهُ بِكُمْ لَلَاحِقُونَ" (١)، وعن بُرَيْدَةَ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ الله ﷺ يُعَلِّمُهُمْ إِذَا خَرَجُوا إِلَى المَقَابِرِ، فَكَانَ قَائِلُهُمْ يَقُولُ: "السَّلَامُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الدِّيَارِ مِنَ المُؤْمِنِينَ وَالمُسْلِمِينَ، وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللهُ لَلَاحِقُونَ، أَسْأَلُ اللهَ لَنَا وَلَكُمُ الْعَافِيَةَ" (٢). كراهية دخول المقابر بالنّعال زَجَرَ النَّبيُّ ﷺ عن المشي بَيْنَ الْقُبُورِ بالنِّعالِ، فمن أراد دخول المقابر فإنَّه يستحبُّ له أن يخلع نعليه، لحديث بَشِيرِ ابْنِ الْخَصَاصِيَةِ ﵁، قَالَ: فَبَصُرَ بِرَجُلٍ يَمْشِي بَيْنَ المَقَابِرِ فِي نَعْلَيْهِ، فَقَالَ ﷺ : "وَيْحَكَ يَا صَاحِبَ السِّبْتِيَّتَيْنِ، أَلْقِ سِبْتِيَّتَيْكَ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا، فَنَظَرَ الرَّجُلُ، فَلَمَّا رَأَى رَسُولَ الله ﷺ خَلَعَ نَعْلَيْهِ" (٣). وكان الإمام أحمد يعمل بهذا الحديث، قال أبو داود: "رَأَيْتُ أَحْمَدَ إِذَا تَبِعَ جِنَازَةً فَقَرِبَ مِنَ المَقَابِرِ خَلَعَ نَعْلَيْهِ" (٤). لكن إذا كان يُخْشَى مِنَ الأذى كالشَّوك والطِّين والرَّمضاء ونحو ذلك فلا بأس من الانتعال لِلْعُذْرِ وتوقّي الأذى، فمن العلماء من لا يرى بأسًا بدليل قول النَّبيِّ ﷺ : "إِنَّ المَيِّتَ إِذَا وُضِعَ فِي قَبْرِهِ، إِنَّهُ لَيَسْمَعُ خَفْقَ نِعَالِهِمْ إِذَا انْصَرَفُوا" (٥).

стр. 210

النّهي عن الجلوس على القبور عندما يخرج النَّاس إلى المقبرة لدفن ميِّت، ترى منهم مَنْ يجلس عَلَى الْقَبْرِ، وقد نهى النَّبيُّ ﷺ عن الْجُلُوسِ، وَممَّا وَرَدَ فِيه مِنْ صَحِيحِ الْحَدِيثِ مَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "لَأَنْ يَجْلِسَ أَحَدُكُمْ عَلَى جَمْرَةٍ فَتُحْرِقَ ثِيَابَهُ، فَتَخْلُصَ إِلَى جِلْدِهِ، خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَجْلِسَ عَلَى قَبْرٍ" (١). وعَنْ أَبِي مَرْثَدٍ الْغَنَوِيِّ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "لَا تَجْلِسُوا عَلَى القُبُورِ، وَلَا تُصَلُّوا إِلَيْهَا" (٢). وأَخْرَجَ أَحْمَدُ مِنْ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ ﵁، ... قَالَ: رَآنِي رَسُولُ الله ﷺ مُتَّكِئًا عَلَى قَبْرٍ، فَقَالَ: "لَا تُؤْذِ صَاحِبَ هَذَا الْقَبْرِ - أَوْ لَا تُؤْذِهِ - " (٣). وَاخْتُلِفَ فِي أَنَّهُ نَهْيُ تَحْرِيمٍ أَوْ تَنْزِيهٍ، وَبَحْثُهُ طَوِيلُ الذَّيْلِ سَهْلُ النَّيْلِ، ومَحَلُّهُ كُتُبُ أصول الفقه. جَوَاز الْجُلُوسِ عَلَى شَفِيرِ الْقَبْرِ عِنْدَ الدَّفْنِ أَمَّا الْجُلُوسُ عَلَى شَفِيرِ الْقَبْرِ عِنْدَ الدَّفْنِ إِلَى أَنْ يُفْرَغَ مِنْ دَفْنِ المَيِّتِ فجائز، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁، قَالَ: "شَهِدْنَا بِنْتًا لِرَسُولِ الله ﷺ ، قَالَ: وَرَسُولُ الله ﷺ جَالِسٌ عَلَى القَبْرِ" (٤). وعَنِ الْبَرَاءِ ﵁، قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ الله ﷺ فِي جِنَازَةٍ، فَجَلَسَ عَلَى شَفِيرِ

стр. 211

الْقَبْرِ، فَبَكَى، حَتَّى بَلَّ الثَّرَى، ثُمَّ قَالَ: "يَا إِخْوَانِي لِمِثْلِ هَذَا فَأَعِدُّوا" (١). استحباب توسيع القبر وإعماقه جَلَسَ رَسُولُ الله ﷺ عَلَى حُفَيْرَةِ قَبْر رَجُل مِنَ الْأَنْصَارِ، فَجَعَلَ يُوصِي الْحَافِرَ وَيَقُولُ: "أَوْسِعْ مِنْ قِبَلِ الرَّأْسِ، وَأَوْسِعْ مِنْ قِبَلِ الرِّجْلَيْنِ، لَرُبَّ عَذْقٍ (نخلة) لَهُ فِي الْجَنَّةِ" (٢)، وقَالَ ﷺ يَوْمَ أُحُدٍ: "احْفِرُوا وَأَوْسِعُوا وَأَحْسِنُوا" (٣)، وفي رواية: "وَأَعْمِقُوا" (٤) والتَّوسيع والإعماق كرامة للميّت. جواز اللّحد والشقّ يجوز اللّحد (٥) والشَّقُّ في القبر، واللّحد أفضل، قَالَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ ﵁ فِي مَرَضِهِ الَّذِي هَلَكَ فِيهِ: "الْحَدُوا لِي لَحْدًا، وَانْصِبُوا عَلَيَّ اللَّبِنَ نَصْبًا، كَمَا صُنِعَ بِرَسُولِ الله ﷺ " (٦). الأمر بالتّسمية لمن وضع ميّتا في قبره تُسَنُّ التَّسمية لمن يُدْخِل الميّت القبر لثبوت ذلك عن النَّبِيِّ ﷺ قولًا وفعلًا،

стр. 212

قال النَّبِيُّ ﷺ : "إِذَا وَضَعْتُمْ مَوْتَاكُمْ فِي الْقَبْرِ، فَقُولُوا: بِسْمِ الله، وَعَلَى مِلَّةِ رَسُولِ الله ﷺ " (١)، وعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، أَنَّهُ كَانَ إِذَا وَضَعَ المَيِّتَ فِي الْقَبْرِ قَالَ: "بِسْمِ الله وَعَلَى مِلَّةِ رَسُولِ الله" (٢). إدخال الميت القبر من قبل رجليه ومن السُّنَّة إدخال الميّت من مؤخَّر القبر من قبل رجليه، عَنْ أَبِي إِسْحَاق، قَالَ: "أَوْصَى الْحَارِثُ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهِ عَبْدُ الله بْنُ يَزِيدَ، فَصَلَّى عَلَيْهِ، ثُمَّ أَدْخَلَهُ القَبْرَ مِنْ قِبَلِ رِجْلَيِ القَبْرِ، وَقَالَ: هَذَا مِنَ السُّنَّةِ" (٣). فَالسُّنَّةُ أَنْ يُدْخَل المَيِّتُ في قَبْرِه مِنْ عِنْدِ رِجْلِ الْقَبْرِ، عَنْ مُحَمَّد بن سيرين، قَالَ: "كُنْتُ مَعَ أَنَسٍ فِي جِنَازَةٍ فَأَمَرَ بِالمَيِّتِ فَسُلَّ، مِنْ قِبَلِ رِجْلِ الْقَبْرِ" (٤). كم يدخل القبر؟ ومن أولى بإنزاله ؟ يدخل قبر الميِّت مَنْ يُحتاج إليه، وليس لذلك حدّ مِنْ شفْع أو وتر، فقد يدخل اثنان أو ثلاثة أو أربعة، على مَا تَقْتَضِيه الحاجة، وتستدعيه المصلحة. ويُقَدَّم في دفن الرَّجُل وإنزاله حفرته مَنْ يُقَدَّم في غسله، وأولياء الميّت

стр. 213

أولى النّاس بذلك إنْ تيسَّر، عَنْ عَامِرٍ، قَالَ: "غَسَّلَ رَسُولَ الله ﷺ عَلِيٌّ، ... وَالْفَضْلُ، وَأُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُرَحَّبٌ أَوْ أَبُو مُرَحَّبٍ، أَنَّهُمْ أَدْخَلُوا مَعَهُمْ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ، وَهُمْ أَدْخَلُوهُ قَبْرَهُ، فَلَمَّا فَرَغَ عَلِيٌّ قَالَ: إِنَّمَا يَلي الرَّجُلَ أَهْلُهُ" (١)، وقَالَ عَلِيّ ﵁: "وَلِيَ دَفْنَهُ، وَإِجْنَانَهُ (وسَتْرَه) دُونَ النَّاسِ أَرْبَعَةٌ: عَلِيٌّ، وَالْعَبَّاسُ، وَالْفَضْلُ، وَصَالِحٌ مَوْلَى رَسُولِ الله ﷺ " (٢). ويستحبُّ أن يقدَّم في دفن المرأة محارمها الرِّجال وزوجها إن أمكن، لعموم قوله تعالى: ﴿ ... وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ ... (٧٥)﴾ [الأنفال]. هل يَدْخُل قَبْرَ الْمَرْأَةِ غير محارمها وزوجها ؟ لا يشترط فيمن ينزل المرأة في قبرها أن يكون محرمًا لها، بل يجوز للأجنبي ممّن حضر من المسلمين أن يتولّى إنزال المرأة للّحد، فإنَّ أبا طلحة ﵁ نزل في قبر بنت رسول الله ﷺ وَقَبَرَها وليس مَحْرمًا، وإنّما أجنبيّ على بنت رسول الله ﷺ . عَنْ أَنَسٍ ﵁، قَالَ: شَهِدْنَا بِنْتَ رَسُولِ الله ﷺ وَرَسُولُ الله ﷺ جَالِسٌ عَلَى القَبْرِ، فَرَأَيْتُ عَيْنَيْهِ تَدْمَعَانِ، فَقَالَ: "هَلْ فِيكُمْ مِنْ أَحَدٍ لَمْ يُقَارِفِ اللَّيْلَةَ؟ فَقَالَ أَبُو طَلْحَةَ: أَنَا، قَالَ: فَانْزِلْ فِي قَبْرِهَا، فَنَزَلَ فِي قَبْرِهَا فَقَبَرَهَا" (٣).

стр. 214

وقوله: "لَمْ يُقَارِفِ اللَّيْلَةَ" فهموا أنَّ مراده ﷺ لم يقترف ذنبًا تِلْكَ اللَّيْلَةَ، ولذلك زَاد ابن مُبَارَكٍ عَنْ فُلَيْحٍ، قَالَ: "أُرَاهُ يَعْنِي الذَّنْبَ" (١)، قَالَ أَبُو عَبْدِ الله (البخاريّ): ﴿وَلِيَقْتَرِفُوا ... (١١٣)﴾ [الأنعام]: أَيْ لِيَكْتَسِبُوا. ويلاحظ أنّ البخاريّ أتى بالمفردة القرآنية ليؤيّد كلام ابن المبارك، والله أعلم. وفهم آخرون من قوله ﷺ : "لَمْ يُقَارِفِ اللَّيْلَةَ" أنّ مراده ﷺ أن يكون ممّن لم يَقْرَبْ أَهْلَهُ اللّيلة، بِدَلِيلِ أَنَّهُ ذَكَرَ اللَّيْلَ، وهذا الفعل يقع غالبًا ليلًا، ويشهد لذلك قول النَّبِيِّ ﷺ : "لَا يَدْخُلِ الْقَبْرَ رَجُلٌ قَارَفَ أَهْلَهُ اللَّيْلَةَ" (٢)، وعلى ذلك فلا ينبغي لمن وطئ أهله تلك اللّيلة أن يتولَّى الدَّفن. على كلّ هذا الحديث يُحْتَجُّ به في كون الرِّجال هم الذين يتولّون الدَّفن دون النِّساء، وإن كان الميِّت امرأة، وأنَّه يتولَّى دفن المرأة من كان أعرف بطريقة الدَّفن سواء كان من محارمها أو لم يكن، وأنَّ نزول مَنْ لم يقارف القبر سنَّة غائبة. توجيه الميت في قبره إلى القبلة يوجَّه الميّت على جهته اليمنى، ويستقبل به القبلة، أي يوضع على جنبه الأيمن، ووجهه نحو القبلة، قال ﷺ في البَيْتِ الْحَرَامِ: "قِبْلَتكُمْ أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا" (٣).

стр. 215

فالبيت قِبْلَة أحيائنا وَوجهة أمواتنا، وتعظيم القبلة بتوجيه الميّت نحوها من مقاصد الشّريعة. دَفْن الرَّجُلَيْن وَالثَّلَاثَة في قبر واحد من ضرورة وتقديم الأكثر قرآنا لَا ضَرَرَ عَلَى المَيِّتِ فِي دَفْنِ مَيِّتٍ آخَرَ مَعَهُ، فَيَوْم أُحُدٍ اشْتَدَّ عَلَى المُسْلِمِينَ حَفْرُ الْقُبُورِ لِكَثْرَةِ الْقَتْلَى، واستبدَّ بهم التَّعَبُ، فقَالَ لهم النَّبيُّ ﷺ : "احْفِرُوا وَأَوْسِعُوا، وَأَحْسِنُوا وَادْفِنُوا الِاثْنَيْنِ وَالثَّلَاثَةَ فِي الْقَبْرِ، وَقَدِّمُوا أَكْثَرَهُمْ قُرْآنًا" (١). وَفِيهِ إِرْشَادٌ إِلَى تقديم الأَكْثَر أَخْذًا لِلْقُرْآنِ فِي اللَّحْدِ، فيجعل مِمَّا يَلِي الْقِبْلَةَ، وَإِنْ كَانَ أَصْغَرَ سِنًّا، فَيَكُونُ الأكثر جَمْعًا لِلْقُرْآنِ إِمَامًا وَأَمَامًا حَيًّا وَمَيِّتًا، عَنْ ... جَابِرِ بْنِ عَبْدِ الله ﵄، قَالَ: "كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَجْمَعُ بَيْنَ رَجُلَيْنِ مِنْ قَتْلَى أُحُدٍ، ثُمَّ يَقُولُ: أَيُّهُمْ أَكْثَرُ أَخْذًا لِلْقُرْآنِ؟ فَإِذَا أُشِيرَ لَهُ إِلَى أَحَدِهِمَا، قَدَّمَهُ فِي اللَّحْدِ" (٢). لا يدفن مسلم مع كافر لا يدفن مسلم مع كافر، ولا كافر مع مسلم، لحديث عَنْ بَشِير ﵁، قَالَ: "كُنْتُ أُمَاشِي رَسُولَ الله ﷺ آخِذًا بِيَدِهِ ... قَالَ: فَأَتَيْنَا عَلَى قُبُورِ المُشْرِكِينَ، فَقَالَ: لَقَدْ سَبَقَ هَؤُلَاءِ خَيْرًا كَثِيرًا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ أَتَيْنَا عَلَى قُبُورِ المُسْلِمِينَ، فَقَالَ: لَقَدْ أَدْرَكَ هَؤُلَاءِ خَيْرًا كَثِيرًا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، يَقُولُهَا" (٣).
следующие страницы →