قال النَّبِيُّ ﷺ : "إِذَا وَضَعْتُمْ مَوْتَاكُمْ فِي الْقَبْرِ، فَقُولُوا: بِسْمِ الله، وَعَلَى مِلَّةِ رَسُولِ الله ﷺ " (١)، وعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، أَنَّهُ كَانَ إِذَا وَضَعَ المَيِّتَ فِي الْقَبْرِ قَالَ: "بِسْمِ الله وَعَلَى مِلَّةِ رَسُولِ الله" (٢).
إدخال الميت القبر من قبل رجليه
ومن السُّنَّة إدخال الميّت من مؤخَّر القبر من قبل رجليه، عَنْ أَبِي إِسْحَاق، قَالَ: "أَوْصَى الْحَارِثُ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهِ عَبْدُ الله بْنُ يَزِيدَ، فَصَلَّى عَلَيْهِ، ثُمَّ أَدْخَلَهُ القَبْرَ مِنْ قِبَلِ رِجْلَيِ القَبْرِ، وَقَالَ: هَذَا مِنَ السُّنَّةِ" (٣).
فَالسُّنَّةُ أَنْ يُدْخَل المَيِّتُ في قَبْرِه مِنْ عِنْدِ رِجْلِ الْقَبْرِ، عَنْ مُحَمَّد بن سيرين، قَالَ: "كُنْتُ مَعَ أَنَسٍ فِي جِنَازَةٍ فَأَمَرَ بِالمَيِّتِ فَسُلَّ، مِنْ قِبَلِ رِجْلِ الْقَبْرِ" (٤).
كم يدخل القبر؟ ومن أولى بإنزاله ؟
يدخل قبر الميِّت مَنْ يُحتاج إليه، وليس لذلك حدّ مِنْ شفْع أو وتر، فقد يدخل اثنان أو ثلاثة أو أربعة، على مَا تَقْتَضِيه الحاجة، وتستدعيه المصلحة.
ويُقَدَّم في دفن الرَّجُل وإنزاله حفرته مَنْ يُقَدَّم في غسله، وأولياء الميّت
стр. 213
أولى النّاس بذلك إنْ تيسَّر، عَنْ عَامِرٍ، قَالَ: "غَسَّلَ رَسُولَ الله ﷺ عَلِيٌّ، ... وَالْفَضْلُ، وَأُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُرَحَّبٌ أَوْ أَبُو مُرَحَّبٍ، أَنَّهُمْ أَدْخَلُوا مَعَهُمْ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ، وَهُمْ أَدْخَلُوهُ قَبْرَهُ، فَلَمَّا فَرَغَ عَلِيٌّ قَالَ: إِنَّمَا يَلي الرَّجُلَ أَهْلُهُ" (١)، وقَالَ عَلِيّ ﵁: "وَلِيَ دَفْنَهُ، وَإِجْنَانَهُ (وسَتْرَه) دُونَ النَّاسِ أَرْبَعَةٌ: عَلِيٌّ، وَالْعَبَّاسُ، وَالْفَضْلُ، وَصَالِحٌ مَوْلَى رَسُولِ الله ﷺ " (٢).
ويستحبُّ أن يقدَّم في دفن المرأة محارمها الرِّجال وزوجها إن أمكن، لعموم قوله تعالى: ﴿ ... وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ ... (٧٥)﴾ [الأنفال]. هل يَدْخُل قَبْرَ الْمَرْأَةِ غير محارمها وزوجها ؟
لا يشترط فيمن ينزل المرأة في قبرها أن يكون محرمًا لها، بل يجوز للأجنبي ممّن حضر من المسلمين أن يتولّى إنزال المرأة للّحد، فإنَّ أبا طلحة ﵁ نزل في قبر بنت رسول الله ﷺ وَقَبَرَها وليس مَحْرمًا، وإنّما أجنبيّ على بنت رسول الله ﷺ .
عَنْ أَنَسٍ ﵁، قَالَ: شَهِدْنَا بِنْتَ رَسُولِ الله ﷺ وَرَسُولُ الله ﷺ جَالِسٌ عَلَى القَبْرِ، فَرَأَيْتُ عَيْنَيْهِ تَدْمَعَانِ، فَقَالَ: "هَلْ فِيكُمْ مِنْ أَحَدٍ لَمْ يُقَارِفِ اللَّيْلَةَ؟ فَقَالَ أَبُو طَلْحَةَ: أَنَا، قَالَ: فَانْزِلْ فِي قَبْرِهَا، فَنَزَلَ فِي قَبْرِهَا فَقَبَرَهَا" (٣).
стр. 214
وقوله: "لَمْ يُقَارِفِ اللَّيْلَةَ" فهموا أنَّ مراده ﷺ لم يقترف ذنبًا تِلْكَ اللَّيْلَةَ، ولذلك زَاد ابن مُبَارَكٍ عَنْ فُلَيْحٍ، قَالَ: "أُرَاهُ يَعْنِي الذَّنْبَ" (١)، قَالَ أَبُو عَبْدِ الله (البخاريّ): ﴿وَلِيَقْتَرِفُوا ... (١١٣)﴾ [الأنعام]: أَيْ لِيَكْتَسِبُوا. ويلاحظ أنّ البخاريّ أتى بالمفردة القرآنية ليؤيّد كلام ابن المبارك، والله أعلم.
وفهم آخرون من قوله ﷺ : "لَمْ يُقَارِفِ اللَّيْلَةَ" أنّ مراده ﷺ أن يكون ممّن لم يَقْرَبْ أَهْلَهُ اللّيلة، بِدَلِيلِ أَنَّهُ ذَكَرَ اللَّيْلَ، وهذا الفعل يقع غالبًا ليلًا، ويشهد لذلك قول النَّبِيِّ ﷺ : "لَا يَدْخُلِ الْقَبْرَ رَجُلٌ قَارَفَ أَهْلَهُ اللَّيْلَةَ" (٢)، وعلى ذلك فلا ينبغي لمن وطئ أهله تلك اللّيلة أن يتولَّى الدَّفن.
على كلّ هذا الحديث يُحْتَجُّ به في كون الرِّجال هم الذين يتولّون الدَّفن دون النِّساء، وإن كان الميِّت امرأة، وأنَّه يتولَّى دفن المرأة من كان أعرف بطريقة الدَّفن سواء كان من محارمها أو لم يكن، وأنَّ نزول مَنْ لم يقارف القبر سنَّة غائبة.
توجيه الميت في قبره إلى القبلة
يوجَّه الميّت على جهته اليمنى، ويستقبل به القبلة، أي يوضع على جنبه الأيمن، ووجهه نحو القبلة، قال ﷺ في البَيْتِ الْحَرَامِ: "قِبْلَتكُمْ أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا" (٣).
стр. 215
فالبيت قِبْلَة أحيائنا وَوجهة أمواتنا، وتعظيم القبلة بتوجيه الميّت نحوها من مقاصد الشّريعة.
دَفْن الرَّجُلَيْن وَالثَّلَاثَة في قبر واحد من ضرورة وتقديم الأكثر قرآنا
لَا ضَرَرَ عَلَى المَيِّتِ فِي دَفْنِ مَيِّتٍ آخَرَ مَعَهُ، فَيَوْم أُحُدٍ اشْتَدَّ عَلَى المُسْلِمِينَ حَفْرُ الْقُبُورِ لِكَثْرَةِ الْقَتْلَى، واستبدَّ بهم التَّعَبُ، فقَالَ لهم النَّبيُّ ﷺ : "احْفِرُوا وَأَوْسِعُوا، وَأَحْسِنُوا وَادْفِنُوا الِاثْنَيْنِ وَالثَّلَاثَةَ فِي الْقَبْرِ، وَقَدِّمُوا أَكْثَرَهُمْ قُرْآنًا" (١).
وَفِيهِ إِرْشَادٌ إِلَى تقديم الأَكْثَر أَخْذًا لِلْقُرْآنِ فِي اللَّحْدِ، فيجعل مِمَّا يَلِي الْقِبْلَةَ،
وَإِنْ كَانَ أَصْغَرَ سِنًّا، فَيَكُونُ الأكثر جَمْعًا لِلْقُرْآنِ إِمَامًا وَأَمَامًا حَيًّا وَمَيِّتًا، عَنْ ... جَابِرِ بْنِ عَبْدِ الله ﵄، قَالَ: "كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَجْمَعُ بَيْنَ رَجُلَيْنِ مِنْ قَتْلَى أُحُدٍ، ثُمَّ يَقُولُ: أَيُّهُمْ أَكْثَرُ أَخْذًا لِلْقُرْآنِ؟ فَإِذَا أُشِيرَ لَهُ إِلَى أَحَدِهِمَا، قَدَّمَهُ فِي اللَّحْدِ" (٢).
لا يدفن مسلم مع كافر
لا يدفن مسلم مع كافر، ولا كافر مع مسلم، لحديث عَنْ بَشِير ﵁، قَالَ: "كُنْتُ أُمَاشِي رَسُولَ الله ﷺ آخِذًا بِيَدِهِ ... قَالَ: فَأَتَيْنَا عَلَى قُبُورِ المُشْرِكِينَ، فَقَالَ: لَقَدْ سَبَقَ هَؤُلَاءِ خَيْرًا كَثِيرًا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ أَتَيْنَا عَلَى قُبُورِ المُسْلِمِينَ، فَقَالَ: لَقَدْ أَدْرَكَ هَؤُلَاءِ خَيْرًا كَثِيرًا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، يَقُولُهَا" (٣).
стр. 216
تَبْشِير الْكَافِر باِلنَّار عِندَ الْمُرُورِ عَلَى قَبْرِهِ
قال النَّبيُّ ﷺ : "حَيْثُ مَا مَرَرْتَ بِقَبْرِ كَافِرٍ فَبَشِّرْهُ بِالنَّارِ" (١)، فطوبى لمن هدى الله تعالى به نفسًا وأَنْقَذَها من النَّار.
تسوية القبر
السُّنَّةُ أَنَّ الْقَبْرَ لَا يُرْفَعُ عَلَى الْأَرْضِ عاليًا، لحديث ثُمَامَةَ بْنِ شَفِيٍّ، قَالَ: كُنَّا
مَعَ فَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ بِأَرْضِ الرُّومِ بِرُودِسَ، فَتُوُفِّيَ صَاحِبٌ لَنَا، فَأَمَرَ فَضَالَةُ بْنُ عُبَيْدٍ بِقَبْرِهِ فَسُوِّيَ، ثُمَّ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ : "يَأْمُرُ بِتَسْوِيَتِهَا" (٢).
وتعلية القبور بالبناء عليها خلاف السُّنَّة، قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ﵁ لأَبِي الْهَيَّاجِ الْأَسَدِيِّ: أَلَا أَبْعَثُكَ عَلَى مَا بَعَثَنِي عَلَيْهِ رَسُولُ الله ﷺ ؟ "أَنْ لَا تَدَعَ تِمْثَالًا إِلَّا طَمَسْتَهُ وَلَا قَبْرًا مُشْرِفًا إِلَّا سَوَّيْتَهُ" (٣).
وظاهر الحديث أنْ يسوَّى القبر بالأرض، بحيث لا يرفع أبدًا، وليس ذلك مقصودًا، بدليل أنَّ السُّنَّة أن يرفع قدر شبر، والظَّاهر أنَّ كلامه ﷺ خرج على
وجه التّغليظ، فإنّ الوثنيين كانوا يتَّخذون من القبور والتّماثيل الماثلة ذكرى لأهل
стр. 217
الصّلاح من رجالهم، ويجعلونهم أولياء لهم ويدعونهم من دون الله تعالى، فجاء الأمر بطمسها وتسويتها بصيغة التَّغليظ قطعًا لِلذَّرَائِعِ الموصلة إلى الشِّرك.
وكم نشأ عن رفع سمك القبور من مفاسد في كلِّ مصر وعصر! فالجهلة في كلِّ زمان ومكان يعتقدون ما اعتقده الجاهليّون في أنَّ أصحاب القبور أولياء يملكون جلب النَّفع وكشف الضُّرِّ، فاتّخذوا على هذه القبور المساجد، وجعلوها قبلتهم، وشدُّوا الرِّحال إليها، واستغاثوا بها ودعوا أهلها من دون الله تعالى ...
والسُّنَّة أن يُرْفَعَ القبر نَحْوَ شِبْرٍ ليَتَمَيَّز مِنْ سَائِرِ الأرض، ويُعْلَم أنّه قبر فيزار ويصان ولا يهجر ويهان، فَعَنْ ثُمَامَةَ، قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ فَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ إِلَى أَرْضِ الرُّومِ، وَكَانَ عَامِلًا لِمُعَاوِيَةَ عَلَى الدَّرْبِ، فَأُصِيبَ ابْنُ عَمٍّ لَنَا فَصَلَّى عَلَيْهِ فَضَالَةُ، وَقَامَ عَلَى حُفْرَتِهِ حَتَّى وَارَاهُ، فَلَمَّا سَوَّيْنَا عَلَيْهِ حُفْرَتَهُ قَالَ: أَخِفُّوا عَنْهُ فَإِنَّ رَسُولَ الله ﷺ كَانَ "يَأْمُرُنَا بِتَسْوِيَةِ الْقُبُورِ" (١).
فمن قول فضالة "أَخِفُّوا عَنْهُ" يفهم أنَّ المراد تخفيف التّراب عن قبره وكراهية رفعه، وليس إزالته بالكليَّة، ويؤيّده حديث جَابِر: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ "رُفِعَ قَبْرُهُ
مِنَ الْأَرْضِ نَحْوًا مِنْ شِبْرٍ" (٢).
أمَّا مَنْ ذَهَبَ إلى أنَّ أمر النَّبيِّ ﷺ بِتَسْوِيَةِ الْقُبُورِ المراد منه أن تسوَّى القبور بالأرض بحيث تَدْرس ولا يبقى لها أَثَرٌ بعد عَيْنٍ، بدليل الحديث: "خَيْرُ
стр. 218
القُبُور الدَّوارِس" فهذا ليس حديثًا وإن اشتهر على الألسن، وَيَرُدُّهُ ما أخرجه ... أبو داود من حديث المُطَّلِبِ بْنِ أَبِي وَدَاعَةَ ﵁ من أنَّ النَّبيَّ ﷺ وضع حجرًا عِنْدَ رَأْسِ عُثْمَان بْن مَظْعُون ﵁، وَقَالَ: "أَتَعَلَّمُ بِهَا قَبْرَ أَخِي" (١). فظاهر حديث الدّوارس خِلَافُ السُّنَّةِ؛ لِأَنَّهُ يسنُّ أن يجعل على القبر علامة ليعرف، فيزار، لا أن يدرس القبر ويندثر.
ومثله حديث "إِنَّ الله تَعَالَى يَطَّلِعُ عَلَى الْقُبُورِ الدَّوَارِسِ، فيقول : امَّحَتْ آثَارُهُمْ وَاضْمَحَلَّتْ صُوَرُهُمْ وَبَقِيَ عَلَيْهِمُ الْعَذَابُ وَأَنَا اللَّطِيفُ وَأَنَا أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ خَفِّفُوا عَنْهُمُ الْعَذَابَ، فَيُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابَ" (٢)، قلت: ذكره القرطبيّ في تفسيره دون سند، ولا أعلم لَهُ أَصْلًا فِي كُتُبِ الْحَدِيثِ.
تسنيم القبر
وَيُسْتَحَبُّ تسنيم القبر، أي على صورة سنام البعير؛ حتى يعرف وَيُعْلَم أنَّه قبر، وحتّى لا يستقرّ عليه الماء، وهو مذهب الجماهير أَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ وَأَحْمَدَ وَالمُزَنِيِّ وغيرهم، لحديث سُفْيَانَ التَّمَّارِ، قال: "أَنَّهُ رَأَى قَبْرَ النَّبِيِّ ﷺ مُسَنَّمًا" (٣).
واستحبّ غيرهم تسطيح (تسوية) القبر لا تسنيمه، وَهو مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَمَنْ وَافَقَهُ، ويشهد لهم مَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ فَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ أَنَّهُ أَمَرَ بِقَبْر
стр. 219
فَسُوِّي، ثُمَّ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ : "يَأْمُرُ بِتَسْوِيَتِهَا" (١)، والتّسوية خِلافُ التَّسْنِيمِ، فالمسألة لا تخلو من خلاف.
رفع القبر من الأرض قدر شبر
روى ابن حبّان في صحيحه عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ الله ﵄ ": أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أُلحِدَ ونُصِبَ عَلَيْهِ اللَّبِنُ نَصْبًا، ورُفِعَ قبرُهُ مِنَ الأرض نحوًا مِنْ شِبْرٍ" (٢).
استحباب حثو التّراب على القبر من قبل رأس الميّت
ويستحب لمن عند القبر أن يَحْثُوَ بِيَدَيْهِ من التّراب ثَلَاثَ حَثَوَاتٍ بعد الفراغ من سَدِّ اللَّحْدِ عَلَى المَيِّتِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ : "صَلَّى عَلَى جِنَازَةٍ، ثُمَّ أَتَى قَبْرَ المَيِّتِ، فَحَثَى عَلَيْهِ مِنْ قِبَلِ رَأْسِهِ ثَلَاثًا" (٣).
стр. 220
رش الماء على القبر
ويُرَشُّ الماءُ على تراب القبر بَعْدَ الدَّفْنِ ويوضع عليه الْحَصْبَاءُ (صغَار الْحِجَارَة) ليشتَدَّ ويتماسك، فذلك أثبت له وأبعد لِدُرُوسِهِ، وأمنع من أن تذروه الرِّيح وتزيل أثره، عنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيه: "أَنَّ الرَّشَّ عَلَى الْقَبْرِ كَانَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ الله ﷺ " (١).
وعَنْ عَائِشَة ﵂ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ : "رَشَّ (الماء) عَلَى قَبْرِ ابْنِهِ إِبْرَاهِيمَ" (٢). وعَنْ جَعْفَر عَنْ أَبِيهِ: "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رُشَّ عَلَى قَبْرِهِ المَاءُ، وَوُضِعَ عَلَيْهِ حَصْبَاءُ مِنْ حَصْبَاءِ الْعَرْصَةِ (٣)، وَرُفِعَ قَبْرُهُ قَدْرَ شِبْرٍ" (٤)، وفيه حجَّة لمن استحبَّ تسطيح القبر لا تسنيمه؛ قال الشَّافِعِيُّ: "وَالْحَصْبَاءُ لَا تَثْبُتُ إلَّا عَلَى قَبْرٍ مُسَطَّحٍ" (٥).
стр. 221
الإقامة حول القبر مقدار ما تنحر جزور ويقسم لحمها
قال عمرو بن العاص ﵁ لِابْنِهِ وَهُوَ فِي سِيَاقِ المَوْتِ: "إِذَا دَفَنْتُمُونِي فَشُنُّوا (١) عَلَيَّ التُّرَابَ شَنًّا، ثُمَّ أَقِيمُوا حَوْلَ قَبْرِي قَدْرَ مَا تُنْحَرُ جَزُورٌ وَيُقْسَمُ لَحْمُهَا، حَتَّى أَسْتَأْنِسَ بِكُمْ، وَأَنْظُرَ مَاذَا أُرَاجِعُ بِهِ رُسُلَ رَبِّي" (٢). وهو اجتهاد منه ﵁، ولم ينسبه إلى النَّبيِّ ﷺ ، ولم يُحِلْه عَلَى السُّنَّةِ.
ثواب من حفر لميّت قبرًا ودفنه
قال النَّبِيُّ ﷺ : "وَمَنْ حَفَرَ لِمَيِّتٍ قَبْرًا فَأَجَنَّهُ فِيهِ أُجْرِيَ لَهُ مِنَ الْأَجْرِ كَأَجْرِ مَسْكَنٍ أُسْكِنَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ" (٣)، وعن أبي رَافِعٍ ﵁، قال: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "وَمَنْ حَفَرَ لِأَخِيهِ قَبْرًا حَتَّى يَجُنَّهُ فَكَأَنَّمَا أَسْكَنَهُ مَسْكَنًا مَرَّةً حَتَّى يُبْعَثَ" (٤).
أي أنَّ مَنْ حفر لميِّت قبرًا، ودفنه فيه وستره، كأنّه أَجَّرَ له منزلًا إلى يوم القيامة، ووقع أجره على الله تعالى.
السّاعات الّتي نهي عن دفن الموتى فيهنّ إلّا لضرورة
هناك ثلاثة أوقات لا يجوز الدَّفن فيها إلا لضرورة: عند شروق الشَّمس،
стр. 222
وعند استوائها، وعندما تميل للغروب، قال عُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ الْجُهَنِيّ ﵁: "ثَلَاثُ سَاعَاتٍ كَانَ رَسُولُ الله ﷺ يَنْهَانَا أَنْ نُصَلِّيَ فِيهِنَّ، أَوْ أَنْ نَقْبُرَ فِيهِنَّ مَوْتَانَا: حِينَ تَطْلُعُ الشَّمْسُ بَازِغَةً حَتَّى تَرْتَفِعَ، وَحِينَ يَقُومُ قَائِمُ الظَّهِيرَةِ حَتَّى تَمِيلَ الشَّمْسُ، وَحِينَ تَضَيَّفُ الشَّمْسُ لِلْغُرُوبِ حَتَّى تَغْرُبَ" (١).
جواز الدفن ليلا
يجوز الدَّفن ليلًا إذا دعت إليه الحال، على أن لا يفوت بالدَّفن ليلًا شيء من حقوق الميِّت، مثل: تحسين الكفن والصَّلاة عليه. ولعلَّ الدَّفن بالنَّهار أفضل لما يلتمس فيه من كثرة المصلِّين، وحُضُور مَنْ يُرْجَى دُعَاؤُهُ، عَنْ جَابِر ﵁: "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَطَبَ يَوْمًا، فَذَكَرَ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِهِ قُبِضَ فَكُفِّنَ فِي كَفَنٍ غَيْرِ طَائِلٍ، وَقُبِرَ لَيْلًا، فَزَجَرَ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يُقْبَرَ الرَّجُلُ بِاللَّيْلِ حَتَّى يُصَلَّى عَلَيْهِ، إِلَّا أَنْ يُضْطَرَّ إِنْسَانٌ إِلَى ذَلِكَ، وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : إِذَا كَفَّنَ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ، فَلْيُحَسِّنْ كَفَنَهُ" (٢).
والخلاصة لا مانع أَنْ يُقْبَرَ الرَّجُلُ ليلًا إذا لم يحصل تقصير في حقِّ الميِّت، وقد دُفِنَ النَّبِيُّ ﷺ لَيْلًا عنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: "مَا عَلِمْنَا بِدَفْنِ رَسُولِ الله ﷺ حَتَّى سَمِعْنَا صَوْتَ المَسَاحِي (٣) مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ، لَيْلَةَ الْأَرْبِعَاءِ" (٤).
وممّن دُفِنَ لَيْلًا أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ ﵁، فَفِي الْبُخَارِيِّ مِن حَدِيث
стр. 223
أمّ المؤمنين عائشة ﵂: "فَلَمْ يُتَوَفَّ حَتَّى أَمْسَى مِنْ لَيْلَةِ الثُّلاثَاءِ، وَدُفِنَ قَبْلَ أَنْ يُصْبِحَ" (١).
وممّن دُفِنَ لَيْلًا عائشة ﵂، ففي المسند بإسناد صحيح: "فَمَاتَ (أبو بكر) لَيْلَةَ الثُّلَاثَاءِ، وَدُفِنَ لَيْلًا وَمَاتَتْ عَائِشَةُ، فَدَفَنَهَا عَبْدُ الله بْنُ الزُّبَيْرِ لَيْلًا" (٢).
وممّن دُفِنَ لَيْلًا فاطمة ﵂، فعن عائشة ﵂ أنَّ فاطمة "عَاشَتْ بَعْدَ رَسُولِ الله ﷺ سِتَّةَ أَشْهُرٍ، فَلَمَّا تُوُفِّيَتْ دَفَنَهَا زَوْجُهَا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ لَيْلًا" (٣).
إخراج الميت من القبر بعد أن يدفن فيه لعلّة
يجوز إخراج الميِّت بعد ما يدفن إذا كان لذلك سبب ومعنى، عَنْ جَابِرٍ ﵁، قَالَ: "دُفِنَ مَعَ أَبِي رَجُلٌ، فَلَمْ تَطِبْ نَفْسِي حَتَّى أَخْرَجْتُهُ، فَجَعَلْتُهُ فِي قَبْرٍ عَلَى حِدَةٍ" (٤). وكان جابر ﵁ أَخْرَجَ أَبَاهُ ﵁ مِنْ قَبْرِهِ بَعْدَ سِتَّةِ أَشْهُرٍ من دفنه، ليَكُونَ فِي قَبْرِهِ وَاحِدًا، فوجده كَيَوْمِ دَفَنهُ، عنْ جَابِرٍ، قَالَ: "لمَّا حَضَرَ أُحُدٌ دَعَانِي أَبِي مِنَ اللَّيْلِ، فَقَالَ: مَا أُرَانِي إِلَّا مَقْتُولًا فِي أَوَّلِ مَنْ يُقْتَلُ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَإِنِّي لا أَتْرُكُ بَعْدِي أَعَزَّ عَلَيَّ مِنْكَ، غَيْرَ نَفْسِ رَسُولِ الله ﷺ ، فَإِنَّ عَلَيَّ دَيْنًا فَاقْضِ، وَاسْتَوْصِ بِأَخَوَاتِكَ خَيْرًا، فَأَصْبَحْنَا، فَكَانَ أَوَّلَ قَتِيلٍ وَدُفِنَ مَعَهُ آخَرُ فِي قَبْرٍ، ثُمَّ لَمْ تَطِبْ نَفْسِي أَنْ أَتْرُكَهُ مَعَ الآخَرِ، فَاسْتَخْرَجْتُهُ بَعْدَ سِتَّةِ أَشْهُرٍ، فَإِذَا هُوَ كَيَوْمِ وَضَعْتُهُ
стр. 224
هُنَيَّةً غَيْرَ (١) أُذُنِهِ" (٢).
الِاسْتِغْفَار لِلْمَيِّتِ عِنْدَ الْفَرَاغِ مِنْ دَفْنِهِ وَسُؤَال التَّثْبِيت لَهُ
ويشرع بعد الفراغ من دفن الميّت أن يقف أحد النَّاس على قبره يستغفر له، ويدعو له بالتَّثبيت، ويأمر الحاضرين بذلك، عنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ ﵁، قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ ، إِذَا فَرَغَ مِنْ دَفْنِ المَيِّتِ وَقَفَ عَلَيْهِ، فَقَالَ: "اسْتَغْفِرُوا لِأَخِيكُمْ، وَسَلُوا لَهُ بِالتَّثْبِيتِ، فَإِنَّهُ الْآنَ يُسْأَلُ" (٣). فينبغي الاستغفار والدّعاء له بعد الفراغ من الدّفن مباشرة، كَأَنْ يُقَالَ: (اللَّهُمَّ اغفر له، اللَّهُمَّ ثبّته بالقول الثّابت) ثلاث مرّات؛ لأنّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا دَعَا دَعَا ثَلَاثًا.
الدعاء جماعة عند القبر والتأمين
وليس من هدي النَّبِيِّ ﷺ أن يقوم أحدهم على القبر يدعو وَيُؤَمِّن الجميع، ولا من سُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ المَهْدِيِّينَ من بَعْده، وإنَّما كان ﷺ يأمرهم بالاستغفار للميِّت والدُّعاء له بالتّثبيت كلٌّ وحده، وليس جماعة كما تقدَّم في الحديث آنفًا.
موعظة المحدّث عند الدّفن وقعود أصحابه عنده
ويجوز للمحدِّث أن يعظ النَّاس أثناء الدَّفن، فيجلس مستقبلًا القبلةَ، ويجلس أصحابه معه، ويذكِّرهم بالموت وما بعده؛ لحديث الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ ﵁، قَالَ: "خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ الله ﷺ فِي جَنَازَةِ رَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ فَانْتَهَيْنَا إِلَى الْقَبْرِ، وَلَمْ
الموعظة عند الدَّفن لم يثبت أنَّه فعلها في كلِّ جنازة شهدها، فلم تكن سنَّة مطَّردة، وحديثه ﷺ من باب التَّعْلِيم منه ﷺ لِأَصْحَابِهِ? .
أمّا أن يقوم المحدِّث خطيبًا بعد الدَّفن ويُطِيلُ بِالنَّاسِ حديثه، فَالسُّنَّةُ خلافه، فالنَّبِيُّ ﷺ كان إِذَا فَرَغَ مِنْ دَفْنِ المَيِّتِ وَقَفَ عَلَيْهِ، وأمر بالاستغفار له، وسؤال الله تعالى له بالتّثبيت، فالميّت إذا سُوِّي عليه التّراب، فهو أحوج إلى الاستغفار وسؤال الله تعالى له بالتّثبيت؛ لأنّه في هذه اللَّحظة يُسْأَل، وليس بحاجة إلى الخطب والمواعظ، أمّا النّاس فكفى بما هم فيه واعظًا!
حكم تلقين الميت بعد الفراغ من دفنه
أمَّا تلقين الميّت بعد الفراغ من دفنه كما يفعله بعض النَّاس اليوم فلا يصحُّ، وحديث أبي أُمَامَة ﵁ في التَّلقين ضعيف، أخرجه الطَّبراني في "الكبير" بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ، وَلَفْظُهُ عَنْ سَعِيد، قَالَ: شَهِدْتُ أَبَا أُمَامَةَ وَهُوَ فِي النَّزْعِ، فَقَالَ: إِذَا أَنَا مُتُّ، فَاصْنَعُوا بِي كَمَا أَمَرَنَا رَسُولُ الله ﷺ أَنْ نصْنَعَ بِمَوْتَانَا، أَمَرَنَا رَسُولُ الله ﷺ ، فَقَالَ: "إِذَا مَاتَ أَحَدٌ مِنْ إِخْوَانِكُمْ، فَسَوَّيْتُم التُّرَابَ عَلَى قَبْرِهِ، فَلْيَقُمْ أَحَدُكُمْ عَلَى رَأْسِ قَبْرِهِ، ثُمَّ لِيَقُلْ: يَا فُلَانَ بْنَ فُلَانَة، فَإِنَّهُ يَسْمَعُهُ وَلَا يُجِيبُ، ثُمَّ يَقُولُ: يَا فُلَانَ بْنَ فُلَانَة، فَإِنَّهُ يَسْتَوِي قَاعِدًا، ثُمَّ يَقُولُ: يَا فُلَانَ بْنَ فُلَانَة، فَإِنَّهُ يَقُولُ: أَرْشِدْنَا رَحِمَكَ اللهُ، وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ. فَلْيَقُلْ: اذْكُرْ مَا خَرَجْتَ عَلَيْهِ مِنَ الدُّنْيَا شَهَادَةَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَأَنَّكَ رَضِيتَ بِالله رَبًّا، وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا، وَبِمُحَمَّدٍ نَبِيًّا، وَبِالْقُرْآنِ إِمَامًا، فَإِنَّ مُنْكَرًا وَنَكِيرًا يَأْخُذُ وَاحِدٌ مِنْهُمْا بِيَدِ صَاحِبِهِ وَيَقُولُ: انْطَلِقْ بِنَا مَا نَقْعُدُ عِنْدَ مَنْ قَدْ لُقِّنَ حُجَّتَهُ، فَيَكُونُ اللهُ حَجِيجَهُ دُونَهُمَا. فَقَالَ رَجُلٌ:
стр. 227
يَا رَسُولَ الله، فَإِنْ لَمْ يَعْرِفْ أُمَّهُ؟ قَالَ: فَيَنْسُبُهُ إِلَى حَوَّاءَ، يَا فُلَانَ بْنَ حَوَّاءَ" (١).
ويدلّك على ضعفه مخالفة متنه لما ثبت في الصَّحيح، من أنَّ الميِّت لا يسمع إلّا بعد أن يتولَّى عنه أصحابه يسمع قَرْعَ نِعَالِهِمْ، وما ثبت من أنَّ النَّاس يدعون بآبائهم لا بأمَّهاتهم، قال تعالى: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ ... (٥)﴾ [الأحزاب]، وهذا عام في الحياة وبعد الممات، وفي الصَّحيح عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: "إِنَّ الغَادِرَ يُرْفَعُ لَهُ لِوَاءٌ يَوْمَ القِيَامَةِ، يُقَالُ: هَذِهِ غَدْرَةُ فُلانِ بْنِ فُلانٍ" (٢). وبوّب عليه البخاريّ: (بَاب مَا يُدْعَى النَّاسُ بِآبَائِهِمْ).
ومن النّاس من يعمل بهذا الحديث مع علمه بضعفه وعدم ثبوته. واستمرار الْعَمَل بِهِ فِي الْأَمْصَار والأعصار لا يجيز العمل به؛ فالحديث لم يثبت، فَلَا تَغْتَرَّ بما جرى عليه عمل كثير من النَّاس، والثّابت بعد الفراغ من الدّفن سؤال الله تعالى له بالمغفرة والتّثبيت، فقد كَانَ النَّبِيُّ ﷺ ، إِذَا فَرَغَ مِنْ دَفْنِ المَيِّتِ وَقَفَ
стр. 228
عَلَيْهِ، فَقَالَ: "اسْتَغْفِرُوا لِأَخِيكُمْ، وَسَلُوا لَهُ بِالتَّثْبِيتِ، فَإِنَّهُ الْآنَ يُسْأَلُ" (١)
هذا ولا يُنْكَر على مَنْ عمل به أمام الملأ؛ لما يترتَّب على ذلك مِنْ شرور، وَدَرْءُ المَفْسَدَةِ مُقَدَّمٌ عَلَى جَلْبِ المَصْلَحَةِ، وإنّما يُعَرَّف في الزَّمان والمكان المناسبين ... ﴿بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ... (١٢٥)﴾ [النّحل].
والتّلقين المشروع يكون لمَنْ حَضَرَهُ المَوْتُ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "لَقِّنُوا مَوْتَاكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ" (٢)، وَالمُرَادُ ذَكِّرُوهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الله عِنْدَ المَوْتِ لَا بعد الدَّفن، لِتَكُونَ آخِرَ كَلَامِهِ كَمَا فِي الْحَدِيثِ: "مَنْ كَانَ آخِرُ كَلَامِهِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ" (٣).
علامة القبر وجمع الرّجل موتاه في موضع
يُسْتَحَبُّ أَنْ يُجْعَلَ عَلَى الْقَبْرِ عَلَامَةٌ يُعْرَفُ بِهَا فَيُزار، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُجْمَعَ الْأَقَارِبُ الموتى فِي مَوْضِعٍ، فذلك أسهل لزيارتهم، قَالَ المُطَّلِبُ ﵁: "لمَّا مَاتَ عُثْمَانُ بْنُ مَظْعُونٍ، أُخْرِجَ بِجَنَازَتِهِ فَدُفِنَ، فَأَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ رَجُلًا أَنْ يَأْتِيَهُ بِحَجَرٍ، فَلَمْ يَسْتَطِعْ حَمْلَهُ، فَقَامَ إِلَيْهَا رَسُولُ الله ﷺ ، وَحَسَرَ عَنْ ذِرَاعَيْهِ، قَالَ كَثِيرٌ: قَالَ المُطَّلِبُ: قَالَ الَّذِي يُخْبِرُنِي ذَلِكَ: عَنْ رَسُولِ الله ﷺ ، قَالَ: كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى بَيَاضِ ذِرَاعَيْ رَسُولِ الله ﷺ ، حِينَ حَسَرَ عَنْهُمَا ثُمَّ حَمَلَهَا فَوَضَعَهَا عِنْدَ رَأْسِهِ، وَقَالَ: أَتَعَلَّمُ بِهَا قَبْرَ
стр. 229
أَخِي، وَأَدْفِنُ إِلَيْهِ مَنْ مَاتَ مِنْ أَهْلِي" (١).
كَرَاهِيَّة تَجصِيص الْقَبْر وَالكتابة عليه
يَتَسَاءلُ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ، هل يجوز تجصيص (بناء) القبر؟ وهل يجوز كتابة اسم الميِّت وتاريخ وفاته على القبر أو على حجر يثبَّت فوق القبر أو بجواره؛ لضرورة معرفة القبر عِنْدَ تَطَاوُلِ السِّنِينَ وكثرة القبور؟
والجواب يُكْرَهُ تَجْصِيصُ الْقُبُورِ وَالْبِنَاءُ عَلَيْهَا، وَكَذَا تُكْرَهُ الْكِتَابَةُ عَلَى الْقَبْرِ، وَقَدْ وَضَعَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى قَبْرِ ابْنِ مَظْعُونٍ ﵁ حَجَرًا لِيُعْرَفَ فَيُزَارَ ويدفن إليه مَنْ مَاتَ مِنْ أهله. وقد ورد النَّهي صريحًا عن تجصيص القبور والكتابة عليها، عَنْ جَابِرٍ ﵁، قَالَ: "نَهَى النَّبِيُّ ﷺ أَنْ تُجَصَّصَ القُبُورُ، وَأَنْ يُكْتَبَ عَلَيْهَا، وَأَنْ يُبْنَى عَلَيْهَا، وَأَنْ تُوطَأَ" (٢).
وروى ابن أبي شيبة بسند صحيح عَنْ مُحَمَّد بن سيرين، أَنَّهُ: "كَرِهَ أَنْ يُعَلَّمَ الْقَبْرُ" (٣). ولعلّ الكراهة كَرَاهَة تَنْزِيه، فبعد أن أخرج الحاكم النَّهي من طرائق، قال: "هَذِهِ الْأَسَانِيدُ صَحِيحَةٌ وَلَيْسَ الْعَمَلُ عَلَيْهَا، فَإِنَّ أَئِمَّةَ المُسْلِمِينَ مِنَ الشَّرْقِ
стр. 230
إِلَى الْغَرْبِ مَكْتُوبٌ عَلَى قُبُورِهِمْ، وَهُوَ عَمَلٌ أَخَذَ بِهِ الْخَلَفُ عَنِ السَّلَفِ" (١). لكن تعقّبه الذّهبي في "التّلخيص" بأنَّه محدث ولم يبلغهم النَّهي، فقال: "ما قلتَ طائلًا، ولا نعلم صحابيًّا فعل ذلك، وإنّما هو شيء أحدثه بعض التَّابعين فمن بعدهم، ولم يبلغهم النّهي".
وكراهة الكتابة تشمل الكتابة على القبر عينه وكذا الأحجار المنصوبة علامة عليه، قَالَ النّووي: "قال أَصْحَابُنَا وَسَوَاءٌ كَانَ المَكْتُوبُ عَلَى الْقَبْرِ فِي لَوْحٍ عِنْدَ رَأْسِهِ كَمَا جَرَتْ عَادَةُ بَعْضِ النَّاسِ أَمْ فِي غَيْرِهِ فَكُلُّهُ مَكْرُوهٌ لِعُمُومِ الْحَدِيثِ" (٢). قلت: ويضاف إلى هذه العلَّة أنَّ النَّبيَّ ﷺ كان بمقدوره أن يفعل ذلك ولم يفعله، ولعلَّ ذلك يرجع إلى ما كان عليه أهل الجاهلية من كتابة الأشعار والأخبار الّتي تعظّم صاحب القبر، وتجعل منه فتنة للنَّاس.
وذهب الألباني إلى جواز الكتابة بتقييد، فقال: "إذا كان الحجر لا يحقِّق الغاية التي من أجلها وضع رسول الله ﷺ الحجر، ألا وهي التَّعرف عليه، وذلك بسبب كثرة القبور مثلًا وكثرة الأحجار المعرفة، فحينئذ يجوز كتابة الاسم بقدر ما تتحقَّق به الغاية المذكورة، والله أعلم" (٣).
أي أنَّه يرى أنَّ كتابة شطر من الاسم أدعى لمعرفة صاحب القبر، وأقرب إلى تحقّق الغاية الَّتي يتعلَّم القبر لأجلها.
стр. 231
مشروعية التّعزية وثواب من عزّى مصابًا
التَّعزية سُنَّةٌ سَنِيَّةٌ، عن عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "مَا مِنْ مُؤْمِنٍ يُعَزِّي أَخَاهُ بِمُصِيبَةٍ، إِلَّا كَسَاهُ الله سُبْحَانَهُ مِنْ حُلَلِ الكَرَامَةِ يَوْمَ القِيَامَةِ" (١).
وعن قُرَّة المُزَنِيّ ﵁: "قَالُوا: يَا رَسُولَ الله، بُنَيُّهُ الَّذِي رَأَيْتَهُ هَلَكَ، فَلَقِيَهُ النَّبِيُّ ﷺ فَسَأَلَهُ عَنْ بُنَيِّهِ، فَأَخْبَرَهُ أَنَّهُ هَلَكَ، فَعَزَّاهُ عَلَيْهِ" (٢).
والجمهور على أنَّ التَّعزية تكون بعد الدَّفن لانشغال أهل الميت بتجهيزه، وتكون قبله كذلك إن ظهر منهم شدَّة حزن.
استحباب صنع الطّعام لأهل الميّت وَكَرَاهَته مِنْهُمْ لِلنَّاسِ
يسنُّ ويُسْتَحَبُّ لأقارب الميِّت وجيرانه وأصدقائه أن يصنعوا لِأَهْلِ المَيِّتِ طعامًا؛ وأن يحملوهم على أكله، لاشتغالهم بالمصيبة عن إعداده لأنفسهم، ولأنَّ نفوسهم تعاف صنع الطَّعام ويشقّ عليها أكله، وليس السُّنَّة أن يصنع أهل الميِّت الطّعام إلى غيرهم، فَلَمَّا جَاءَ نَعْيُ جَعْفَرٍ ﵁ حِينَ قُتِلَ، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "اصْنَعُوا لِآلِ جَعْفَرٍ طَعَامًا، فَقَدْ أَتَاهُمْ أمْرٌ يَشْغَلُهُمْ - أَوْ أتَاهُمْ مَا يَشْغَلُهُمْ" (٣).
فَالسُّنَّةُ أنَّ الطَّعام يصنعه النَّاس لأهل الميِّت، والأصل أن يقدَّم لهم ويبعث
стр. 232
به إليهم لا أن يدعو إليه.
ويكره لأهل الميِّت صنع الطَّعام للنَّاس؛ لأنَّه خلاف السُّنَّة، ولأن الضّيافة حقُّها أن تكون للسُّرور لا للأحزان والشُّرُورِ، ولأنَّ صنع الطَّعام مشغلة لهم ويضاعف عليهم مصيبتهم، والأصل أن نخفِّف عنهم، لا أن نزيد عليهم.
فلا يجوز لهم أن يجمعوا النَّاس على وليمة، عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ الله ... الْبَجَلِيِّ ﵁، قَالَ: "كُنَّا نَعُدُّ الِاجْتِمَاعَ إِلَى أَهْلِ المَيِّتِ وَصَنِيعَةَ الطَّعَامِ بَعْدَ دَفْنِهِ مِنَ
النِّيَاحَةِ" (١)، لكن إن نزل بهم ضيف من خارج البلد ودعت الحاجة جاز إطعامه.
لا تخص التعزية في مكان ولا تحد بزمان
الاجتماع للتَّعزية في مكان مخصوص خلاف السُّنَّة، لحديث جَرِيرِ الْبَجَلِيِّ، قَالَ: "كُنَّا نَعُدُّ الِاجْتِمَاعَ إِلَى أَهْلِ المَيِّتِ وَصَنِيعَةَ الطَّعَامِ بَعْدَ دَفْنِهِ مِنَ النِّيَاحَةِ" (٢).
وَلَا تُحَدُّ التَّعزية بثلاث ليال لا يتعدَّاها، فقد عزَّى النَّبِيُّ ﷺ بعد ثلاث، حيث تَرَكَ أَهْلَ جَعْفَرٍ بَعْدَ وَفَاتِهِ يَبْكُونَ وَيَحْزَنُونَ عَلَيْهِ ثَلَاثًا، ثمّ أتاهم مُسَلِّيًا لَهُمْ، ففي حديث عَبْدِ الله بْنِ جَعْفَرٍ ﵄ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ : "أَمْهَلَ آلَ جَعْفَرٍ - ثَلاثًا - أَنْ يَأْتِيَهُمْ، ثُمَّ أَتَاهُمْ، فَقَالَ: لَا تَبْكُوا عَلَى أَخِي بَعْدَ الْيَوْمِ ... " (٣) الحديث.
أمّا حديث: "لا عزاء بعد ثلاثة" فليس حديثًا مرويًّا، وإنَّما هو مِنْ كَلَامِ العَامَّةِ.
стр. 233
صيغة التّعزية
لعلّ أفضل ألفاظ التَّعزية ما قاله النَّبِيُّ ﷺ معزّيًا ابنته لما مات ولدها: "إِنَّ
لله مَا أَخَذَ، وَلَهُ مَا أَعْطَى، وَكُلٌّ عِنْدَهُ بِأَجَلٍ مُسَمًّى، فَلْتَصْبِرْ، وَلْتَحْتَسِبْ" (١).
ولك أن تقول: اتَّق الله واصبر؛ فلمّا مَاتَ ابْنٌ لامْرَأَة مِنَ الْأَنْصَارِ لَيْسَ لَهَا
غَيْرُهُ وحَزِنَتْ عَلَيْهِ دخل عَلَيْهَا النَّبِيُّ ﷺ يُعَزِّيهَا: "فَأَمَرَهَا بِتَقْوَى الله وَبِالصَّبْرِ" (٢).
ولك أن تدعو بما دعا به النَّبِيُّ ﷺ ، فلمَّا دَخَلَ رَسُولُ الله ﷺ عَلَى أَبِي سَلَمَةَ عَقِبَ مَوْتِهِ ﵁، ذكرت أمّ سلمة ﵂ أنَّه قال: "اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِأَبِي سَلَمَةَ وَارْفَعْ دَرَجَتَهُ فِي المَهْدِيِّينَ، وَاخْلُفْهُ فِي عَقِبِهِ فِي الْغَابِرِينَ، وَاغْفِرْ لَنَا وَلَهُ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ، وَافْسَحْ لَهُ فِي قَبْرِهِ، وَنَوِّرْ لَهُ فِيهِ" (٣).
وقال النَّبِيُّ ﷺ في تعزية عبد الله بن جعفر ﵄ في أبيه: "اللَّهُمَّ اخْلُفْ جَعْفَرًا فِي أَهْلِهِ، وَبَارِكْ لِعَبْدِ الله فِي صَفْقَةِ يَمِينِهِ" (٤) قَالَهَا ثَلاثَ مِرَارٍ.
стр. 234
القسم الثالث عشر
القبر: ضمته فتنته نعيمه وعذابه
القبر أوَّل منازل الآخرة
كَانَ عُثْمَانُ ﵁ إِذَا وَقَفَ عَلَى قَبْرٍ بَكَى، حَتَّى يَبُلَّ لِحْيَتَهُ، فَقِيلَ لَهُ: تَذْكُرُ الْجَنَّةَ وَالنَّارَ فَلا تَبْكِي، وَتَبْكِي مِنْ هَذَا؟ فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ الله ﷺ ، قَالَ: "الْقَبْرُ أَوَّلُ مَنَازِلِ الْآخِرَةِ، فَإِنْ يَنْجُ مِنْهُ فَمَا بَعْدَهُ أَيْسَرُ مِنْهُ، وَإِنْ لَمْ يَنْجُ مِنْهُ، فَمَا بَعْدَهُ أَشَدُّ مِنْهُ. قَالَ: وَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : مَا رَأَيْتُ مَنْظَرًا قَطُّ إِلَّا وَالْقَبْرُ أَفْظَعُ مِنْهُ" (١).
البرزخ
مَا بَيْنَ المَوْتِ وَالْبَعْثِ فترة سمِّيت في القرآن الكريم بالبرزخ، قال تعالى: ﴿وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (١٠٠)﴾ [المؤمنون]، أي حاجز وحاجب بَين الدُّنْيَا وَالْآخِرَة، فكلّ شَيْء يحجز بَين شَيْئَيْنِ يسمَّى برزخًا، وَمِنْه قوله تعالى: ... ﴿بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيَانِ (٢٠)﴾ [الرّحمن]، وقوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَحْجُورًا (٥٣)﴾ [الفرقان]. والبرزخ مقدّمة الآخرة، وفيه ضغطة، وفتنة، ونعيم أو عذاب، وهو عالم بين الدُّنيا والآخرة، وله تعلّق بهما.
ضغطة القبر
قَالَ النَّبيُّ ﷺ : "إِنَّ لِلْقَبْرِ ضَغْطَةً، لَوْ كَانَ أَحَدٌ نَاجِيًا مِنْهَا نَجَا سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ" (٢). وَسَعْدٌ ﵁ ممَّن شهد بدرًا، والخندق ورمي ذلك اليوم بسهم فعاش بعد
стр. 235
ذلك شهرًا، حتى حكم في بني قريظة، ومناقبه في الصِّحاح سائرة، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁، أَنَّ أُنَاسًا نَزَلُوا عَلَى حُكْمِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ فَجَاءَ عَلَى حِمَارٍ، فَلَمَّا بَلَغَ قَرِيبًا مِنَ المَسْجِدِ، قَالَ ﷺ : "قُومُوا إِلَى خَيْرِكُمْ، أَوْ سَيِّدِكُمْ. فَقَالَ: ... يَا سَعْدُ إِنَّ هَؤُلاءِ نَزَلُوا عَلَى حُكْمِكَ ... " (١) الحديث، وفيه منقبة واضحة لسعد.
ومن مناقبه ﵁ ما أخرجه مسلم وغيره عن البَرَاء ﵁، يَقُولُ: أُهْدِيَتْ لِرَسُولِ الله ﷺ حُلَّةُ حَرِيرٍ، فَجَعَلَ أَصْحَابُهُ يَلْمِسُونَهَا وَيَعْجَبُونَ مِنْ لِينِهَا، فَقَالَ: "أَتَعْجَبُونَ مِنْ لِينِ هَذِهِ؟ لَمَنَادِيلُ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ فِي الْجَنَّةِ، خَيْرٌ مِنْهَا وَأَلْيَنُ" (٢).
ولمّا مات سعد ﵁ اهتزَّ له العرش فرحًا، وما علمنا عرْشَ الرَّحمنِ اهتزَّ لموت أحد إلا لِمَوْتِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ! عَنْ جَابِرٍ ﵁، قال: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ ، يَقُولُ: "اهْتَزَّ عَرْشُ الرَّحْمَنِ لِمَوْتِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ" (٣).
ولمَّا حُمِلَ سعد عَلَى أَعْنَاقِ الرِّجَالِ ليقبر طعن المنافقون في جنازته لخفَّتها، وما علموا أنَّ الملائكة اشتركت في حملها، عَنْ أَنَسٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ، قَالَ ... - وَجِنَازَةُ سَعْدٍ مَوْضُوعَةٌ -: "اهْتَزَّ لَهَا عَرْشُ الرَّحْمَنِ" فَطَفِقَ المُنَافِقُونَ فِي جِنَازَتِهِ، وَقَالُوا: مَا أَخَفَّهَا! فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ ﷺ ، فَقَالَ: "إِنَّمَا كَانَتْ تَحْمِلُهُ المَلَائِكَةُ مَعَهُمْ" (٤).
ومِن شمائله ﵁ ما أخرجه ابنُ حبَّان عَن ابْنِ عُمَرَ ﵄، عَنْ
стр. 236
رَسُولِ الله ﷺ قَالَ: "هَذَا الَّذِي تَحَرَّكَ لَهُ الْعَرْشُ، وَفُتِحَتْ لَهُ أَبْوَابُ السَّمَاءِ، وَشَهِدَهُ سَبْعُونَ أَلْفًا مِنَ المَلَائِكَةِ، لَقَدْ ضُمَّ ضَمَّةً، ثُمَّ فُرِّجَ عَنْهُ" (١).
وقد يَتَعَجَّبُ مُتَعَجِّبٌ، ويقول: لِمَ لَمْ يَنْجُ سعد من ضمَّة القبر، وهو مَنْ ... هو؟ ! وهل له سَبْقُ ذَنْب استحقَّ عليه تلك الضَّمَّة؟ وكيف لم تشفع له سوابقه؟ !
والجواب أنَّ ضمَّة القبر لا ينجو منها أحد بعمل، ولا تستدعي سبق ذنب، ولا يُعْفَى منها أحد، ولا يفلت منها كبير ولا صغير، ولا مؤمن ولا كافر، عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ ﵁، عَنْ أَبِي أَيُّوب ﵁، أَنَّ صَبِيًّا دُفِنَ فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : " لَوْ أَفْلَتَ أَحَدٌ مِنْ ضَمَّةِ الْقَبْرِ لَأَفْلَتَ هَذَا الصَّبِيُّ" (٢).
ولو انفلت منها أحدٌ لصلاحه لانفلت منها سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ ﵁، قال النَّبيُّ ﷺ حِينَ دُفِنَ سعد: "سُبْحَانَ الله! لَوِ انْفَلَتَ أَحَدٌ مِنْ ضَغْطَةِ الْقَبْرِ لانْفَلَتَ منها سَعْدٌ" (٣).
وعَنْ جَابِر ﵁، قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ الله ﷺ يَوْمًا إِلَى سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ
стр. 237
حِينَ تُوُفِّيَ، قَالَ: فَلَمَّا صَلَّى عَلَيْهِ رَسُولُ الله ﷺ وَوُضِعَ فِي قَبْرِهِ وَسُوِّيَ عَلَيْهِ، سَبَّحَ رَسُولُ الله ﷺ ، فَسَبَّحْنَا طَوِيلًا، ثُمَّ كَبَّرَ فَكَبَّرْنَا، فَقِيلَ: يَا رَسُولَ الله، لِمَ سَبَّحْتَ؟ ثُمَّ كَبَّرْتَ؟ قَالَ: "لَقَدْ تَضَايَقَ عَلَى هَذَا الْعَبْدِ الصَّالِحِ قَبْرُهُ حَتَّى فَرَّجَهُ اللهُ عَنْهُ" (١).
لكن الّذي لا ريب فيه أنَّ المسيئين والمحسنين لا يَسْتَوُونَ محيًا ولا مماتًا، لا
في ضمَّة القبر ولا في غيرها، قال تعالى: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (٢١)﴾ [الجاثية].
وَقد أنكر الله تَعَالَى على من نَسَبَ إِلَى حكمته التَّسْوِيَة بَيْنَ المسلمين والمجرمين، والمصلحين والمفسدين، والمتَّقين والفجَّار، فقال تعالى: ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ (٣٥) مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (٣٦)﴾ [القلم]، وقال تعالى: ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ (٢٨)﴾ [ص]، وقال تعالى: ﴿أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْدًا حَسَنًا فَهُوَ لَاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ (٦١)﴾ [القصص].
ومعيَّة الله تعالى للمتَّقين والمحسنين، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ (١٢٨)﴾ [النّحل]، فمن يتق الله فإنَّ الله تعالى معه في يومه وغده، وأُولَاهُ وَأُخْرَاهُ.
بقي أن ننبّه إلى ما أخرجه ابن سعد مرسلًا من حديث سَعِيدٍ المقْبُرِيِّ بزيادة
стр. 238
له منكرة، قَالَ: لمَّا دَفَنَ رَسُولُ الله ﷺ سَعْدًا قَالَ: "لَوْ نَجَا أَحَدٌ مِنْ ضَغْطَةِ الْقَبْرِ
لَنَجَا سَعْدٌ. وَلَقَدْ ضُمَّ ضَمَّةً اخْتَلَفَتْ مِنْهَا أَضْلاعُهُ مِنْ أَثَرِ الْبَوْلِ" (١)، فجملة اخْتَلَفَتْ مِنْهَا أَضْلاعُهُ مِنْ أَثَرِ الْبَوْلِ لَا تَصِحُّ.
أحاديث واهية في ضمّة القبر
وهناك أحاديث أخرى معلولة في ضمّة القبر سِوَى مَا تَقَدَّمَ، منها ما أخرجه هنّاد عن الحسن أنّ النَّبيَّ ﷺ قال - حين دفن سعد -: "إِنَّهُ ضُمَّ فِي الْقَبْرِ ضَمَّةً حَتَّى صَارَ مِثْلَ الشَّعْرَةِ , فَدَعَوْتُ الله أَنْ يُرَفَّهَ عَنْهُ ذَلِكَ , وَذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ لَا يَسْتَبْرِئُ مِنَ الْبَوْلِ" (٢).
ومنها ما روي عَنْ مُعَاذ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "الضَّمَّةُ فِي الْقَبْرِ كَفَّارَةٌ لِكُلِّ مُؤْمِنٍ، لِكُلِّ ذَنْبٍ بَقِيَ عَلَيْهِ لَمْ يُغْفَرْ لَهُ " (٣).
ومنها حديث: "مَنْ قَرَأَ: قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ فِي مَرَضِهِ الَّذِي يَمُوتُ فِيهِ لَمْ يُفْتَنْ فِي قَبْرِهِ، وَأَمِنَ مِنْ ضَغْطَة الْقَبْرِ، وَحَمَلَتْهُ المَلَائِكَةُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِأَكُفّهَا حَتَّى تُجِيزَهُ الصِّرَاطَ إِلَى الْجَنَّةِ" (٤).
стр. 239
ومنها حديث: "ذَكَرْتُ ضَعْفَ ابْنَتِي (زينب ﵂) وَشِدَّةَ عَذَابِ الْقَبْرِ فَأُتِيتُ فَأُخْبِرْتُ أَنَّهُ قَدْ خُفِّفَ عَنْهَا، وَلَقَدْ ضُغِطَتْ ضَغْطَةً سَمِعَ صَوتهَا مَا بَين الْخَافِقين" (١).
ومنها حديث: "يُضْغَطُ المُؤْمِنُ فِيهِ ضَغْطَةً تَزُولُ مِنْهَا حَمَائِلُهُ، وَيُمْلَأُ عَلَى الْكَافِرِ نَارًا" (٢).
هل ضغطة القبر على المؤمن كضمّة الأمّ الشَّفِيقَةِ ؟
اشتهر عند كثير من الخلق أنَّ ضمَّة القبر على المؤمن تكون برفق كضمَّة الأُمِّ الشَّفِيقَةِ إِذَا غَابَ عَنْهَا وَلَدُهَا؛ وذلك لما رواه البيهقيّ بسند فيه ضعيفان، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيّبِ، أَنَّ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: "يَا رَسُولَ الله، إِنَّكَ مُنْذُ يَوْمِ حَدَّثْتَنِي بِصَوْتِ مُنْكَرٍ وَنَكِيرٍ وَضَغْطَةِ الْقَبْرِ لَيْسَ يَنْفَعُنِي شَيْءٌ قَالَ: يَا عَائِشَةُ إِنَّ أَصْوَاتَ مُنْكَرٍ وَنَكِيرٍ فِي أَسْمَاعِ المُؤْمِنِينَ كَالْإِثْمِدِ فِي الْعَيْنِ وَإِنَّ ضَغْطَةَ الْقَبْرِ عَلَى المُؤْمِنِ كَالْأُمِّ الشَّفِيقَةِ يَشْكُو إِلَيْهَا ابْنُهَا الصُّدَاعَ؛ فَتَغْمِزُ رَأْسَهُ غَمْزًا رَفِيقًا، وَلَكِنْ يَا عَائِشَةُ وَيْلٌ لِلشَّاكِّينَ فِي الله، كَيْفَ يُضْغَطُونَ فِي
стр. 240
قُبُورِهِمْ كَضَغْطَةِ الْبَيْضَةِ عَلَى الصَّخْرَةِ" (١).
لكن الَّذي لا شكَّ فيه أنَّ العبد المحسن لا يستوي مع المسيء: ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٥٦)﴾ [الأعراف].
أيهما يسبق ضمة القبر أم فتنة القبر (سؤال الملكين) ؟
الظّاهر أنَّ ضمَّةَ القبرِ أوَّلُ ما يلاقيه الميِّتُ في عالم البرزخ؛ بدليل أنَّ العبد المؤمن إذا أجاب عن سؤال الملكين، فإنَّه يفسح له في قبره كما ثبت في الأحاديث الشَّريفة.
صحوة الميّت
عَنْ جَابِرٍ ﵁، عَن النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: "إِذَا دَخَلَ المَيِّتُ الْقَبْرَ مُثِّلَتْ له الشَّمْسُ عِنْدَ غُرُوبِهَا، فَيَجْلِسُ يَمْسَحُ عَيْنَيْهِ وَيَقُولُ: دَعُونِي أُصَلِّي" (٢)، وهذا فِي حَقِّ المُؤْمِنِ قسرًا، وطلبه الصَّلاة يدلُّ على حضورها في ذهنه.
اجتماع أعمال الميت عليه ودفاعها عنه إن كان مؤمنًا
إذا أُدْخِل المؤمن القبر وتولّى عنه أصحابه أَحَفَّ بِهِ عَمَلُهُ: الصَّلاةُ وَالصِّيَامُ
والزَّكَاةُ والصَّدَقَةُ وَالصِّلَةُ وَالمَعْرُوفُ وَالْإِحْسَانُ إِلَى النَّاسِ، وأحاط به عمله وذاد عنه، فإذا أتى المَلَكُ مِنْ نَحْوِ واحِدٍ منها ردَّه عنه.
стр. 241
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: "إِنَّ المَيِّتَ إِذَا وُضِعَ فِي قَبْرِهِ إِنَّهُ يَسْمَعُ خَفْقَ نِعَالِهِمْ حِينَ يُوَلُّونَ عَنْهُ، فَإِنْ كَانَ مُؤْمِنًا، كَانَتِ الصَّلَاةُ عِنْدَ رَأْسِهِ، وَكَانَ الصِّيَامُ عَنْ يَمِينِهِ، وَكَانَتِ الزَّكَاةُ عَنْ شِمَالِهِ، وَكَانَ فِعْلُ الْخَيْرَاتِ مِنَ الصَّدَقَةِ وَالصِّلَةِ وَالمَعْرُوفِ وَالْإِحْسَانِ إِلَى النَّاسِ عِنْدَ رِجْلَيْهِ، فَيُؤْتَى مِنْ قِبَلِ رَأْسِهِ، فَتَقُولُ الصَّلَاةُ: مَا قِبَلِي مَدْخَلٌ، ثُمَّ يُؤْتَى عَنْ يَمِينِهِ، فَيَقُولُ الصِّيَامُ: مَا قِبَلِي مَدْخَلٌ، ثُمَّ يُؤْتَى عَنْ يَسَارِهِ، فَتَقُولُ الزَّكَاةُ: مَا قِبَلِي مَدْخَلٌ، ثُمَّ يُؤْتَى مِنْ قِبَلِ رِجْلَيْهِ، فَتَقُولُ فعلُ الْخَيْرَاتِ مِنَ الصَّدَقَةِ وَالصِّلَةِ وَالمَعْرُوفِ وَالْإِحْسَانِ إِلَى النَّاسِ: مَا قِبَلِي مَدْخَلٌ، فَيُقَالُ لَهُ: اجْلِسْ فَيَجْلِسُ ... " (١) الحديث.
أتعاد إلينا أرواحنا وتردّ إلينا عقولنا قبل أن نُسأل ؟
هل تُعَادُ روح الميّت إِلَى جسده فِي الْقَبْرِ عند السُّؤال؟ وهل يُسْأَلُ فِي قبره وعقله ثابت مَعَهُ، أم يَرْغَبُ عَنْهُ عقله؟
روح الميِّت تُعَادُ إليه في جسده عند السُّؤال في القبر، فقد ثبت في حديث الْبَرَاءِ ﵁ الَّذي رواه أحمد وغيره وفيه أنَّ النَّبيَّ ﷺ ، قال: "فَتُعَادُ رُوحُهُ فِي جَسَدِهِ، فَيَأْتِيهِ مَلَكَانِ، فَيُجْلِسَانِهِ، فَيَقُولَانِ لَهُ: مَنْ رَبُّكَ؟ فَيَقُولُ: رَبِّيَ اللهُ ... " (٢) الحديث.
وعقله يُردّ إليه قبل أن يُسْأَل، عَنْ عَبْدِ الله بْنِ عَمْرٍو ﵄، أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ ، ذَكَرَ فَتَّانَيِ الْقَبْرِ، فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁: "أَتُرَدُّ عَلَيْنَا عُقُولُنَا يَا رَسُولَ