← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 151154

الصحيح المأثور في عالم البرزخ والقبور

أحمد محمود الشوابكة

Полный текст (344 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

ولا شكَّ أنَّ الْجَزَاء بِالْخَيْرِ وَالشَّرِّ في الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ يترتَّب على الْأَسْبَابِ وَالْأَعْمَالِ، ولذلك كلَّما كان العبد أقوم فِعْلًا كَانَ أَعْظَمَ تَثْبِيتًا، فانظر كيف جعل الله تعالى الْعَمَل سَببًا للتّثبيت: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا (٦٦)﴾ [النّساء]. فرؤية المؤمن للملائكة لا تفزعه، ولا تمنعه من الإجابة، كما لم تمنعه من طلب الصَّلاة قبل السُّؤال، ولا من تبشير أهله بعده. عَرْض مَقْعَد الميّت مِنَ الْجَنَّةِ أَوِ النَّارِ عَلَيْهِ بعد السّؤال وبَعْدَ السُّؤَالِ يُعْرَضُ عَلَى الميّت مَقْعَدُهُ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "إِذَا مَاتَ أَحَدُكُمْ عُرِضَ عَلَيْهِ مَقْعَدُهُ، غُدْوَةً وَعَشِيًّا، إِمَّا النَّارُ وَإِمَّا الجَنَّةُ، فَيُقَالُ: هَذَا مَقْعَدُكَ حَتَّى تُبْعَثَ إِلَيْهِ" (١). سؤال الميّت بعد سؤال الملك أن يرجع فيبشر أهله أخرج أحمد من حديث أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ، قَالَ: "إِنَّ هَذِهِ الْأُمَّةَ تُبْتَلَى فِي قُبُورِهَا، فَإِنَّ المُؤْمِنَ إِذَا وُضِعَ فِي قَبْرِهِ أَتَاهُ مَلَكٌ، فَسَأَلَهُ: مَا كُنْتَ تَعْبُدُ؟ فَإِنِ اللهُ هَدَاهُ، قَالَ: كُنْتُ أَعْبُدُ اللهَ، فَيُقَالُ لَهُ: مَا كُنْتَ تَقُولُ فِي هَذَا الرَّجُلِ؟ قَالَ: فَيَقُولُ هُوَ عَبْدُ الله وَرَسُولُهُ، قَالَ: فَمَا يُسْأَلُ عَنْ شَيْءٍ غَيْرِهَا، فَيُنْطَلَقُ بِهِ إِلَى بَيْتٍ كَانَ لَهُ فِي النَّارِ، فَيُقَالُ لَهُ: هَذَا بَيْتُكَ كَانَ فِي النَّارِ، وَلَكِنَّ اللهَ عَصَمَكَ ... وَرَحِمَكَ، فَأَبْدَلَكَ بِهِ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ، فَيَقُولُ: دَعُونِي حَتَّى أَذْهَبَ فَأُبَشِّرَ أَهْلِي، فَيُقَالُ لَهُ:

стр. 247

اسْكُنْ" (١). وفي حديث أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ الَّذِي أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ: "ثُمَّ يُقَالُ لَهُ: نَمْ، فَيَقُولُ: أَرْجِعُ إِلَى أَهْلِي فَأُخْبِرُهُمْ، فَيَقُولَانِ: نَمْ كَنَوْمَةِ العَرُوسِ الَّذِي لَا يُوقِظُهُ إِلَّا أَحَبُّ أَهْلِهِ إِلَيْهِ، حَتَّى يَبْعَثَهُ الله مِنْ مَضْجَعِهِ ذَلِكَ" (٢). مَن يأمن مِن فتنة القبر اعلم أنَّ الشَّهيد لا يفتن في قبره، قَالَ رجلٌ: يَا رَسُولَ الله، مَا بَالُ المُؤْمِنِينَ يُفْتَنُونَ فِي قُبُورِهِمْ إِلَّا الشَّهِيدَ؟ قَالَ: "كَفَى بِبَارِقَةِ السُّيُوفِ عَلَى رَأْسِهِ فِتْنَةً" (٣). فأغناه الله تعالى بذلك عن أنْ يُسْأَلَ في قبره؛ لظهور صدق إيمانه بجهاده. كذلك من مات مرابطًا يرجى له الأمان من فتنة القبر، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "مَنْ مَاتَ مُرَابِطًا، وُقِيَ فِتْنَةَ الْقَبْرِ، وَأُومِنَ مِنَ الْفَزَعِ الْأَكْبَرِ، وَغُدِيَ عَلَيْهِ، وَرِيحَ بِرِزْقِهِ مِنَ الْجَنَّةِ، وَكُتِبَ لَهُ أَجْرُ المُرَابِطِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ" (٤). وعَنْ فَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ ﵁، عَنْ رَسُولِ الله ﷺ ، قال: "كُلُّ مَيِّتٍ يُخْتَمُ عَلَى عَمَلِهِ إِلَّا الَّذِي مَاتَ مُرَابِطًا فِي سَبِيلِ الله فَإِنَّهُ يَنْمُو لَهُ عَمَلُهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَيَأْمَنُ

стр. 248

فِتْنَةَ الْقَبْرِ" (١). وعَنْ سَلْمَانَ ﵁، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَقُولُ: "رِبَاطُ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ خَيْرٌ مِنْ صِيَامِ شَهْرٍ وَقِيَامِهِ، وَإِنْ مَاتَ جَرَى عَلَيْهِ عَمَلُهُ الَّذِي كَانَ يَعْمَلُهُ، وَأُجْرِيَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ (٢)، وَأَمِنَ الْفَتَّانَ" (٣). هذا والأنبياء وَالصِّدِّيقُونَ لا تشملهم الفتنة ولا يسألون في قبورهم؛ لأنّهم أفضل من الشُّهداء والمرابطين، ويدلّك على أنَّ الأنبياء لا يُسْأَلون، أنّنا نُسأَل عنهم، قال ﷺ : "فَبِي تُفْتَنُونَ، وَعَنِّي تُسْأَلُونَ" (٤). ويدلّك على أنَّ الصِّدِّيقِينَ أفضل من الشُّهداء والمرابطين، أنَّ منزلة الصِّدِّيقِينَ تالية لمنزلة الأنبياء، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا (٦٩)﴾ [النّساء]. وهناك أحاديث ضعيفة فيمن يأمن من فتنة القبر، منها حديث: "مَنْ مَاتَ

стр. 249

يَوْمَ الْجُمُعَةِ أَوْ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ وُقِيَ فِتْنَةَ الْقَبْرِ" (١). ومنها: "مَنْ قَرَأَ: قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ فِي مَرَضِهِ الَّذِي يَمُوتُ فِيهِ لَمْ يُفْتَنْ فِي قَبْرِهِ، وَأَمِنَ مِنْ ضَغْطَة الْقَبْرِ ... " (٢). ومنها ما روي عَنْ عَبْدِ الله بْنِ عَمْرٍو ﵄، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَمُوتُ يَوْمَ الجُمُعَةِ أَوْ لَيْلَةَ الجُمُعَةِ إِلَّا وَقَاهُ الله فِتْنَةَ القَبْرِ" (٣). صفة نعيم القبر من صور نعيم القبر للعبد المؤمن أنَّه إذا أجاب الملكين فإنَّه: يفرش له مِنَ الْجَنَّةِ، ويُلْبس من لباس الْجَنَّةِ، ويُفْتَح له بابٌ إلى الجنَّة فيأتيه من نسيمها وطيبها، كما يُفْسَحُ لَهُ فِي قَبْرِهِ، ثُمَّ يُنَوَّرُ لَهُ فِيهِ، ثمَّ يقال له: نَمْ كَنَوْمَةِ العَرُوسِ ... ويشهد لذلك ما أخرجه أحمد من حديث البراء بن عازب ﵁ في قصَّة فتنة القبر أنَّ النَّبيَّ ﷺ ، قال: "فَيُنَادِي مُنَادٍ فِي السَّمَاءِ: أَنْ صَدَقَ عَبْدِي، فَأَفْرِشُوهُ مِنَ الْجَنَّةِ، وَأَلْبِسُوهُ مِنَ الْجَنَّةِ، وَافْتَحُوا لَهُ بَابًا إِلَى الْجَنَّةِ، قَالَ: فَيَأْتِيهِ مِنْ رَوْحِهَا، وَطِيبِهَا، وَيُفْسَحُ لَهُ فِي قَبْرِهِ مَدَّ بَصَرِهِ" (٤).

стр. 250

وما أخرجه التِّرمذيُّ من حديث أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "فَيَقُولَانِ: قَدْ كُنَّا نَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُولُ هَذَا، ثُمَّ يُفْسَحُ لَهُ فِي قَبْرِهِ سَبْعُونَ ذِرَاعًا فِي سَبْعِينَ، ثُمَّ يُنَوَّرُ لَهُ فِيهِ، ثُمَّ يُقَالُ لَهُ: نَمْ، فَيَقُولُ: أَرْجِعُ إِلَى أَهْلِي فَأُخْبِرُهُمْ، فَيَقُولَانِ: نَمْ كَنَوْمَةِ العَرُوسِ الَّذِي لَا يُوقِظُهُ إِلَّا أَحَبُّ أَهْلِهِ إِلَيْهِ، حَتَّى يَبْعَثَهُ الله مِنْ مَضْجَعِهِ ذَلِكَ" (١). هذه بعض صور النَّعيم الذي ينعم به المؤمن في قبره، واللهَ نسأل أن نكون أهلًا لذلك. رزق الشهداء أين يكون ؟ قوله تعالى في الشُّهداء: ﴿بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (١٦٩)﴾ [آل عمران]، من قوله: (عِنْدَ) يفهم أنَّ رزق الشُّهداء المذكور في الآية لا يكون في القبر، وإنَّما في الجنّة، وَجَاءَ ذَلِكَ صَرِيحًا في حديث مَسْرُوقٍ، قَالَ: سَأَلْنَا عَبْدَ الله عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ: ... ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (١٦٩)﴾ ... [آل عمران]، قَالَ: أَمَا إِنَّا قَدْ سَأَلْنَا عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ ﷺ : "أَرْوَاحُهُمْ فِي جَوْفِ طَيْرٍ خُضْرٍ، لَهَا قَنَادِيلُ مُعَلَّقَةٌ بِالْعَرْشِ، تَسْرَحُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ شَاءَتْ، ثُمَّ تَأْوِي إِلَى تِلْكَ الْقَنَادِيلِ، فَاطَّلَعَ إِلَيْهِمْ رَبُّهُمُ اطِّلَاعَةً، فَقَالَ: هَلْ تَشْتَهُونَ شَيْئًا؟ قَالُوا: أَيَّ شَيْءٍ نَشْتَهِي وَنَحْنُ نَسْرَحُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ شِئْنَا، فَفَعَلَ

стр. 251

ذَلِكَ بِهِمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، فَلَمَّا رَأَوْا أَنَّهُمْ لَنْ يُتْرَكُوا مِنْ أَنْ يُسْأَلُوا، قَالُوا: يَا رَبِّ، نُرِيدُ أَنْ تَرُدَّ أَرْوَاحَنَا فِي أَجْسَادِنَا حَتَّى نُقْتَلَ فِي سَبِيلِكَ مَرَّةً أُخْرَى، فَلَمَّا رَأَى أَنْ لَيْسَ لَهُمْ حَاجَةٌ تُرِكُوا" (١). والحياة، والرِّزق، ودخول الأرواح الجنَّة لا ينفرد به الشَّهيد وحده دُونَ النَّاسِ، فقد دلَّت الأحاديث على أنَّ المؤمن تدخل روحه الجنَّة، قَالَ النَّبيُّ ﷺ : ... "إِنَّمَا نَسَمَةُ المُؤْمِنِ طَائِرٌ يَعْلُقُ فِي شَجَرِ الْجَنَّةِ حَتَّى يُرْجِعَهَا اللهُ ﵎ إِلَى جَسَدِهِ يَوْمَ يَبْعَثُهُ" (٢). وهذا الحديث فيه بشارة لكلِّ مؤمن بأنَّ روحه تُنَعَّمُ فِي الْجَنَّةِ إِنْ شَاءَ الله تَعَالَى. إثبات عذاب القبر من الكتاب والسّنّة عَذَابُ القَبْرِ حَقٌّ والإيمان به واجب، ولذلك بوَّب أبو عبد الله (البخاريّ) في صحيحه (بَاب مَا جَاءَ فِي عَذَابِ القَبْرِ) وذكر قوله تعالى: ﴿سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ (١٠١)﴾ [التّوبة]، وقوله تعالى: ﴿وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ (٤٥) النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ (٤٦)﴾ [غافر]؛ لِيُنَبِّهَ عَلَى ثُبُوتِ ذكر عَذَابِ القَبْرِ فِي الْقُرْآنِ خِلَافًا لِمَنْ زَعَمَ أَنَّهُ لَمْ يَرِدْ ذِكْرُهُ إِلَّا مِنْ أَخْبَارِ الْآحَادِ.

стр. 252

فقوله تعالى: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾ العرض على النَّار يَكُونُ فِي الْبَرْزَخِ؛ لأنّه لا غدوة ولا عشيّ في الآخرة، ولهذا قال تعالى بعد ذلك: ... ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ﴾ فدلّ على أنَّ النَّار الَّتي يعرضون عليها تكون قبل قيام السَّاعة. وقد تواترت الأحاديث عن النَّبيِّ ﷺ في عذاب القبر والتَّعوذ منه، ... عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي قَوْلِهِ جَلَّ وَعَلَا: ﴿فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا ... (١٢٤)﴾ [طه]، قال: "عذاب القبر" (١). وعنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنْ رَسُولِ الله ﷺ ، قَالَ: "أَتَدْرُونَ فِيمَا أُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (١٢٤)﴾ [طه] أَتَدْرُونَ مَا المَعِيشَةُ الضَّنْكَةُ؟ قَالُوا: الله وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: عَذَابُ الْكَافِرِ فِي قَبْرِهِ" (٢). وعَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: " ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ ... (٢٧)﴾ [إبراهيم]، قَالَ: نَزَلَتْ فِي عَذَابِ الْقَبْرِ ... " (٣) الحديث. وحديث عَائِشَة ﵂ أنّها سألت رَسُولَ الله ﷺ عَنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، فَقَالَ: "نَعَمْ، عَذَابُ الْقَبْرِ حَقٌّ. قَالَتْ عَائِشَةُ: فَمَا رَأَيْتُ رَسُولَ الله ﷺ يُصَلِّي صَلَاةً بَعْدُ إِلَّا

стр. 253

تَعَوَّذَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ" (١). وعنها ﵂ أنَّها قالت: يا رَسُولَ الله إِنَّ عَجُوزَيْنِ مِنْ عُجُزِ يَهُودِ المَدِينَةِ دَخَلَتَا عَلَيَّ، فَزَعَمَتَا أَنَّ أَهْلَ الْقُبُورِ يُعَذَّبُونَ فِي قُبُورِهِمْ، فَقَالَ: "صَدَقَتَا، إِنَّهُمْ يُعَذَّبُونَ عَذَابًا تَسْمَعُهُ الْبَهَائِمُ" (٢). قَالَتْ: فَمَا رَأَيْتُهُ، بَعْدُ فِي صَلَاةٍ إِلَّا يَتَعَوَّذُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ. فَيُسْتَحَبُّ الدُّعاء والتَّعَوُّذ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وتلك سنَّة غائبة عند الكثير، قَالَ أبو هُرَيْرَةَ ﵁: كَانَ رَسُولُ الله ﷺ يَدْعُو وَيَقُولُ: "اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ القَبْرِ، وَمِنْ عَذَابِ النَّارِ" (٣). وعَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ خَالَتِهِ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَتَعَوَّذُ: "اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ النَّارِ وَمِنْ عَذَابِ النَّارِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ القَبْرِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ القَبْرِ" (٤). ويكفي في إثبات نعيم القبر وعذابه، قوله ﷺ : "إِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا مَاتَ عُرِضَ عَلَيْهِ مَقْعَدُهُ بِالْغَدَاةِ وَالعَشِيِّ، إِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ فَمِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ، وَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ فَمِنْ أَهْلِ النَّارِ، فَيُقَالُ: هَذَا مَقْعَدُكَ حَتَّى يَبْعَثَكَ الله يَوْمَ القِيَامَةِ" (٥).

стр. 254

وقوله ﷺ : "إِنَّ أَحَدَكُمْ" جاء عَلَى صيغة الْعُمُومِ فِي المُؤْمِنِ وَالْكَافِرِ، فالمؤمن يرى مَقْعَدَهُ مِنَ الْجَنَّةِ الَّتِي سَيَصِيرُ إِلَيْهَا بِالْغَدَاةِ وَالعَشِيِّ، والكافر يرى مكانه من النَّار، فمن مات كُشِفَ له بعض ما له عند الله تعالى. فالْأَخْبَارُ عَن النَّبيِّ ﷺ فِي ثُبُوتِ عَذَابِ الْقَبْرِ وَنَعِيمِهِ متواترة، ولذلك نؤمن بضمة القبر وفتنته ونعيمه وعذابه، وَلَا نَتَكَلَّمُ فِي كَيْفِيَّتِهِ، لأنّه مَحْجُوبٌ عنَّا الآن، ومن مات رأى ما لم ير: ﴿فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ (٢٢)﴾ [ق]. وإخبار الله تعالى لنا عن عذاب القبر وعذاب الآخرة من أجلِّ النِّعم؛ فمن حذَّرك من العذاب قبل وقوعه فقد أنعم عليك. سماع النّبيّ ﷺ عذاب القبر عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: بَيْنَمَا نَبِيُّ الله ﷺ فِي نَخْلٍ لَنَا ـ نَخْل لِأَبِي طَلْحَةَ ـ يَتَبَرَّزُ لِحَاجَتِهِ، قَالَ: وَبِلَالٌ يَمْشِي وَرَاءَهُ، يُكَرِّمُ نَبِيَّ الله ﷺ أَنْ يَمْشِيَ إِلَى جَنْبِهِ، فَمَرَّ نَبِيُّ الله ﷺ بِقَبْرٍ، فَقَامَ حَتَّى تَمَّ إِلَيْهِ بِلَالٌ، فَقَالَ: "وَيْحَكَ يَا بِلَالُ هَلْ تَسْمَعُ مَا أَسْمَعُ؟ قَالَ: مَا أَسْمَعُ شَيْئًا. قَالَ: صَاحِبُ الْقَبْرِ يُعَذَّبُ. قَالَ: فَسُئِلَ عَنْهُ، فَوُجِدَ يَهُودِيًّا" (١). وقال جَابِر بْن عَبْد الله ﵄: "دخَلَ النَّبِيُّ ﷺ يَوْمًا نَخْلًا لِبَنِي النَّجَّارِ،

стр. 255

فَسَمِعَ أَصْوَاتَ رِجَالٍ مِنْ بَنِي النَّجَّارِ مَاتُوا فِي الْجَاهِلِيَّةِ يُعَذَّبُونَ فِي قُبُورِهِمْ، فَخَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ فَزِعًا، فَأَمَرَ أَصْحَابَهُ أَنْ يَتَعَوَّذُوا مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ" (١). وعَنْ أَنَسٍ ﵁: "أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ مَرَّ عَلَى بَغْلَتِهِ الشَّهْبَاءِ بِحَائِطٍ لِبَنِي النَّجَّارِ، فَسَمِعَ أَصْوَاتَ قَوْمٍ يُعَذَّبُونَ فِي قُبُورِهِمْ، فَحَاصَتِ الْبَغْلَةُ ... " (٢). وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: مَرَّ رَسُولُ الله ﷺ عَلَى قَبْرَيْنِ، فَقَالَ: "إِنَّهُمَا لَيُعَذَّبَانِ، وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ ... " (٣)، فما بالك بعذاب من يعذب في كبير! اللَّهُمَّ إنّا نَرْغَبُ إليك أَنْ تُجِيرَنَا من عذاب القبر. العلّة الّتي من أجلها لم يَدْعُ المصطفى ﷺ ربّه أن يُسمع أمّته عذاب القبر عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁، أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ ، قَالَ: "لَوْلَا أَنْ لَا تَدَافَنُوا، لَدَعَوْتُ اللهَ أَنْ يُسْمِعَكُمْ عَذَابَ الْقَبْرِ" (٤). هل العذاب على الرّوح أم على الرّوح والجسد معًا ؟ بوَّب البخاريُّ في كتاب الجنائز (بَاب مَا جَاءَ فِي عَذَابِ القَبْرِ)، وفهم الحافظ ابن حجر من تَبْوِيبِهِ أنَّ البخاريَّ ترك مسألة أنَّ عَذَاب الْقَبْرِ يَقَعُ عَلَى الرُّوحِ فَقَطْ أَوْ عَلَيْهَا وَعَلَى الْجَسَدِ مُجْتَمعين، فَلَمْ يَتَقَلَّدِ الْحُكْمَ فِي ذَلِكَ. والّذي عليه أكثر أهل العلم أنَّ النَّعيم والعذاب على الرّوح والجسد؛ عن

стр. 256

سَمُرَةَ بْنِ جُنْدَبٍ ﵁، قَالَ: "كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا صَلَّى صَلاةً أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ فَقَالَ: مَنْ رَأَى مِنْكُمُ اللَّيْلَةَ رُؤْيَا؟ قَالَ: فَإِنْ رَأَى أَحَدٌ قَصَّهَا، فَيَقُولُ: مَا شَاءَ الله فَسَأَلَنَا يَوْمًا فَقَالَ: هَلْ رَأَى أَحَدٌ مِنْكُمْ رُؤْيَا؟ قُلْنَا: لا، قَالَ: لَكِنِّي رَأَيْتُ اللَّيْلَةَ رَجُلَيْنِ أَتَيَانِي فَأَخَذَا بِيَدِي، فَأَخْرَجَانِي إِلَى الأَرْضِ المُقَدَّسَةِ (١)، فَإِذَا رَجُلٌ جَالِسٌ، وَرَجُلٌ قَائِمٌ، بِيَدِهِ كَلُّوبٌ مِنْ حَدِيدٍ، قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا عَنْ مُوسَى: إِنَّهُ يُدْخِلُ ذَلِكَ الكَلُّوبَ فِي شِدْقِهِ حَتَّى يَبْلُغَ قَفَاهُ، ثُمَّ يَفْعَلُ بِشِدْقِهِ الآخَرِ مِثْلَ ذَلِكَ، وَيَلْتَئِمُ شِدْقُهُ هَذَا، فَيَعُودُ فَيَصْنَعُ مِثْلَهُ، قُلْتُ: مَا هَذَا؟ قَالا: انْطَلِقْ، فَانْطَلَقْنَا حَتَّى أَتَيْنَا عَلَى رَجُلٍ مُضْطَجِعٍ عَلَى قَفَاهُ وَرَجُلٌ قَائِمٌ عَلَى رَأْسِهِ بِفِهْرٍ - أَوْ صَخْرَةٍ - فَيَشْدَخُ بِهِ رَأْسَهُ، فَإِذَا ضَرَبَهُ تَدَهْدَهَ الحَجَرُ، فَانْطَلَقَ إِلَيْهِ لِيَأْخُذَهُ، فَلا يَرْجِعُ إِلَى هَذَا حَتَّى يَلْتَئِمَ رَأْسُهُ وَعَادَ رَأْسُهُ كَمَا هُوَ، فَعَادَ إِلَيْهِ، فَضَرَبَهُ، قُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ قَالا: انْطَلِقْ فَانْطَلَقْنَا إِلَى ثَقْبٍ مِثْلِ التَّنُّورِ، أَعْلاهُ ضَيِّقٌ وَأَسْفَلُهُ وَاسِعٌ يَتَوَقَّدُ تَحْتَهُ نَارًا، فَإِذَا اقْتَرَبَ ارْتَفَعُوا حَتَّى كَادَ أَنْ يَخْرُجُوا، فَإِذَا خَمَدَتْ رَجَعُوا فِيهَا، وَفِيهَا رِجَالٌ وَنِسَاءٌ عُرَاةٌ، فَقُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ قَالا: انْطَلِقْ، فَانْطَلَقْنَا حَتَّى أَتَيْنَا عَلَى نَهَرٍ مِنْ دَمٍ فِيهِ رَجُلٌ قَائِمٌ عَلَى وَسَطِ النَّهَرِ - قَالَ يَزِيدُ، وَوَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ: عَنْ جَرِيرِ بْنِ حَازِمٍ - وَعَلَى شَطِّ النَّهَرِ رَجُلٌ بَيْنَ يَدَيْهِ حِجَارَةٌ، فَأَقْبَلَ الرَّجُلُ الَّذِي فِي النَّهَرِ، فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ رَمَى الرَّجُلُ بِحَجَرٍ فِي فِيهِ، فَرَدَّهُ حَيْثُ كَانَ، فَجَعَلَ كُلَّمَا جَاءَ لِيَخْرُجَ رَمَى فِي فِيهِ بِحَجَرٍ، فَيَرْجِعُ كَمَا كَانَ ... " (٢).

стр. 257

وفي آخر الحديث: "قُلْتُ: طَوَّفْتُمَانِي اللَّيْلَةَ، فَأَخْبِرَانِي عَمَّا رَأَيْتُ، قَالا: نَعَمْ، أَمَّا الَّذِي رَأَيْتَهُ يُشَقُّ شِدْقُهُ، فَكَذَّابٌ يُحَدِّثُ بِالكَذْبَةِ، فَتُحْمَلُ عَنْهُ حَتَّى تَبْلُغَ الآفَاقَ، فَيُصْنَعُ بِهِ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ، وَالَّذِي رَأَيْتَهُ يُشْدَخُ رَأْسُهُ، فَرَجُلٌ عَلَّمَهُ الله القُرْآنَ، فَنَامَ عَنْهُ بِاللَّيْلِ وَلَمْ يَعْمَلْ فِيهِ بِالنَّهَارِ، يُفْعَلُ بِهِ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ، وَالَّذِي رَأَيْتَهُ فِي الثَّقْبِ فَهُمُ الزُّنَاةُ، وَالَّذِي رَأَيْتَهُ فِي النَّهَرِ آكِلُوا الرِّبَا ... " (١). وقوله: "يُفْعَلُ بِهِ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ" دليل على أنّه عذاب القبر، لا عذاب جهنَّم وأنّه إلى يوم القيامة في حقِّ هؤلاء، وقوله: "يُدْخِلُ ذَلِكَ الكَلُّوبَ فِي شِدْقِهِ"، وقوله: "فَيَشْدَخُ بِهِ رَأْسَهُ" يفهم منه أنَّ العذاب يقع أيضًا على الجسد. فالنَّعيم والعذاب يقع على الرّوح والجسد معًا في القبر، وقد تنفرد الرّوح بهذا أحيانًا. ودليل أنَّ البدنَ ينالُه شيءٌ ابتداءً ما جَاءَ في ضمَّة القبر الَّتي لَا يَنْجُوَ مِنْهَا أَحَدٌ، وليس بمنأى عنها الجسد. ودليل وقوع النَّعيم أو العذاب على الرّوح والجسد أيضًا، ما جاء في حديث البراء الطَّويل: "فَتُعَادُ رُوحُهُ فِي جَسَدِهِ، فَيَأْتِيهِ مَلَكَانِ، فَيُجْلِسَانِهِ ... " الحديث، وفيه أنّه إذا أجاب الملكين فإنّه يُنَادِي مُنَادٍ فِي السَّمَاءِ: "أَنْ صَدَقَ عَبْدِي، فَأَفْرِشُوهُ مِنَ الْجَنَّةِ، وَأَلْبِسُوهُ مِنَ الْجَنَّةِ، وَافْتَحُوا لَهُ بَابًا إِلَى الْجَنَّةِ، قَالَ: فَيَأْتِيهِ مِنْ رَوْحِهَا، وَطِيبِهَا، وَيُفْسَحُ لَهُ فِي قَبْرِهِ مَدَّ بَصَرِهِ". وفيه وأمَّا العبد الكافر: "فَتُعَادُ رُوحُهُ فِي جَسَدِهِ، وَيَأْتِيهِ مَلَكَانِ، فَيُجْلِسَانِهِ، فَيَقُولَانِ لَهُ: مَنْ رَبُّكَ؟ فَيَقُولُ: هَاهْ هَاهْ لَا أَدْرِي، فَيَقُولَانِ لَهُ: مَا دِينُكَ؟ فَيَقُولُ: هَاهْ هَاهْ لَا أَدْرِي، فَيَقُولَانِ لَهُ: مَا هَذَا

стр. 258

الرَّجُلُ الَّذِي بُعِثَ فِيكُمْ؟ فَيَقُولُ: هَاهْ هَاهْ لَا أَدْرِي، فَيُنَادِي مُنَادٍ مِنَ السَّمَاءِ أَنْ كَذَبَ، فَافْرِشُوا لَهُ مِنَ النَّارِ، وَافْتَحُوا لَهُ بَابًا إِلَى النَّارِ، فَيَأْتِيهِ مِنْ حَرِّهَا، وَسَمُومِهَا، وَيُضَيَّقُ عَلَيْهِ قَبْرُهُ حَتَّى تَخْتَلِفَ فِيهِ أَضْلَاعُهُ" (١). فالحديث فيه ألفاظ وعبارات تدلُّ على وقوع النَّعيم والعذاب على الرّوح والجسد جميعًا، مثل: فَتُعَادُ رُوحُهُ فِي جَسَدِهِ، فَيُجْلِسَانِهِ، فَأَفْرِشُوهُ، وَأَلْبِسُوهُ، وَيُضَيَّقُ عَلَيْهِ قَبْرُهُ حَتَّى تَخْتَلِفَ فِيهِ أَضْلَاعُهُ ... وهناك أحاديث أخرى فيها ألفاظ تؤكِّد ذلك. هذا وقد جاء ما يفيد أنَّ الرّوح قد تنفرد بالنَّعيم أو العذاب في بعض الأحوال، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "لمّا أُصِيبَ إِخْوَانُكُمْ بِأُحُدٍ، جَعَلَ اللهُ أَرْوَاحَهُمْ فِي أَجْوَافِ طَيْرٍ خُضْرٍ تَرِدُ أَنْهَارَ الْجَنَّةِ، تَأْكُلُ مِنْ ثِمَارِهَا، وَتَأْوِي إِلَى قَنَادِيلَ مِنْ ذَهَبٍ فِي ظِلِّ الْعَرْشِ" (٢). وقوع العذاب على الميّت ولو لم يدفن لا شكَّ أنَّ العذاب يقع على الميِّت إن كان مستحقًّا له ولو لم يُدْفَنْ، فهناك مَنْ يموت ويتأخَّر دفنه، وهذا لا يمنع من وقوع العذاب عليه، بدليل قوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ (٩٣)﴾ [الأنعام]، فهذا العذاب يقع على الظَّالمين ويبدأ من

стр. 259

سكرات الموت، ولذلك فهو بعد الموت من باب أولى؛ فمن مات قَامَتْ عَلَيْهِ قِيَامَتُهُ. وَيَشْهَدُ لَهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ (٥٠)﴾ [الأنفال]، وَهَذَا العذاب قَبْلَ الدَّفْنِ، وهُوَ مِنْ جُمْلَةِ الْعَذَابِ الْوَاقِعِ قَبْلَ يوم القيامة. والْعَذَابُ يضاف إِلَى الْقَبْرِ من باب التَّغليب لأنَّ جلَّه يَقَعُ فِيهِ، ولأنَّ الْغَالِبَ عَلَى المَوْتَى أَنْ يُقْبَرُوا وَإِلَّا فمن استحقَّ العذابَ عُذِّب دُفِنَ أو لم يُدْفَنْ، ولكن ذلك مَحْجُوبٌ عَنِ الْخَلْقِ إِلَّا مَنْ شَاءَ الله تعالى أن يطلعه. التّنّين الّذي يسلّط على الكافر في قبره أعدَّ الله تعالى للكافر في قبره حيَّات تلسعه وتخدشه إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنْ رَسُولِ الله ﷺ ، قَالَ: "أَتَدْرُونَ فِيمَا أُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (١٢٤)﴾ [طه]، أَتَدْرُونَ مَا المَعِيشَةُ الضَّنْكَةُ؟ قَالُوا: الله وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ قَالَ: عَذَابُ الكَافِرِ فِي قَبْرِهِ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنَّهُ يُسَلَّطَ عَلَيْهِ تِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ تِنِّينًا أَتَدْرُونَ مَا التِّنِّينُ؟ سَبْعُونَ حَيَّةً، لِكُلِّ حَيَّةٍ سَبْعُ رُؤوسٍ يِلْسَعُونَهُ، وَيَخْدِشُونَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ" (١).

стр. 260

حديث مركّب في عقوبة من تهاون بصلاته شَاعَ عِنْد كَثِير مِن الْعَامَّة حديث ظاهر البطلان في عقوبة من تهاون بصلاته، ففي كتاب "الكبائر" المنسوب للذّهبي و"الزّواجر" للهيثميّ، قَالَ بَعْضُهُمْ: وَوَرَدَ فِي الْحَدِيثِ: "وَمَنْ تَهَاوَنَ عَن الصَّلَاةِ عَاقَبَهُ الله بِخَمْسَ عَشْرَةَ عُقُوبَةً: خَمْس فِي الدُّنْيَا، وَثَلَاث عِنْدَ المَوْتِ، وَثَلَاث فِي قَبْرِهِ، وَثَلَاث عِنْدَ خُرُوجِهِ مِن الْقَبْرِ ... وَأَمَّا الَّتِي تُصِيبُهُ فِي قَبْرِهِ: فَالْأُولَى يَضِيقُ عَلَيْهِ الْقَبْرُ حَتَّى تَخْتَلِفَ فِيهِ أَضْلَاعُهُ، وَالثَّانِيَةُ يُوقَدُ عَلَيْهِ الْقَبْرُ نَارًا فيتقلب عَلَى الْجَمْرِ لَيْلًا وَنَهَارًا، وَالثَّالِثَةُ يُسَلَّطُ عَلَيْهِ فِي قَبْرِهِ ثُعْبَانٌ اسْمُهُ الشُّجَاعُ الْأَقْرَعُ، عَيْنَاهُ مِنْ نَارٍ وَأَظْفَارُهُ مِنْ حَدِيدٍ طُولُ كُلِّ ظُفْرٍ مَسِيرَةُ يَوْمٍ يُكَلِّمُ المَيِّتَ فَيَقُولُ: أَنَا الشُّجَاعُ الْأَقْرَعُ، وَصَوْتُهُ مِثْلُ الرَّعْدِ الْقَاصِفِ يَقُولُ أَمَرَنِي رَبِّي أَنْ أَضْرِبَك عَلَى تَضْيِيعِ صَلَاةِ الصُّبْحِ إلَى طُلُوعِ الشَّمْسِ، وَأَضْرِبَك عَلَى تَضْيِيعِ صَلَاةِ الظُّهْرِ إلَى الْعَصْرِ، وَأَضْرِبَك عَلَى تَضْيِيعِ صَلَاةِ الْعَصْرِ إلَى المَغْرِبِ، وَأَضْرِبَك عَلَى تَضْيِيعِ صَلَاةِ المَغْرِبِ إلَى الْعِشَاءِ، وَأَضْرِبَك عَلَى تَضْيِيعِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ إلَى الصُّبْح، فَكُلَّمَا ضَرَبَهُ ضَرْبَةً يَغُوصُ فِي الْأَرْضِ سَبْعِينَ ذِرَاعًا فَلَا يَزَالُ فِي الْقَبْرِ مُعَذَّبًا إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ" (١). وهذا الحديث باطل، قال الحافظ في "اللّسان" والذَّهبيُّ في "الميزان" ـ هو من تركيب: "مُحَمَّد بن عَليّ بن الْعَبَّاس الْبَغْدَادِيّ الْعَطَّار ـ ركَّب على أبي بكر بن زياد النَّيْسَابُورِي حديثًا باطلًا في تارك الصَّلاة، روى عنه محمَّد بن علي الموازيني

стр. 261

شيخ لأبي زعم المذكور أنَّ ابن زياد أخذه عن الرَّبيع عن الشَّافعي عن مالك عن سمي عن أبي صالح عن أبي هريرة ﵁ رفعه من تهاون بصلاته عاقبه الله بخمس عشرة خصلة ... الحديث، وهو ظاهر البطلان من أحاديث الطُّرُقِيَّة" (١). ومن نظر في الحديث علم أنّه تحدّث عن خَمْسَ عَشْرَةَ عُقُوبَةً، والمُفَصَّل في الحديث أَرْبَعَ عَشْرَةَ، فهو لا يطابق جملة ما ذكر! وأورد الخلّال في الأمالي من حديث عليّ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "مَنْ تَهَاوَنَ بِصَلَاتِهِ، فَإِنَّ الله يُعَاقِبْهُ بِخَمْسَ عَشْرَةَ خَصْلَةً: سِتٌّ مِنْهَا فِي الدُّنْيَا، وَثَلَاثٌ عِنْدَ المَوْتِ، وَثَلَاثٌ فِي الْقَبْرِ وَثَلَاثٌ عِنْدَ خُرُوجِهِ مِنَ الْقَبْرِ ... وَالثَّلَاثُ الَّتِي فِي الْقَبْرِ فَأَوَّلُهَا: يُظْلِمُ عَلَيْهِ الْقَبْرُ، وَالثَّانِيَةُ: يَضِيقُ عَلَيْهِ قَبْرُهُ، وَالثَّالِثَةُ: تَسِيلُ عَيْنَاهُ بِمَاءٍ كِرَاءٍ ... " (٢). وكُتُبُ الأمالي ليست ممّا يُؤَلَّف ليتعبَّد به النَّاس؛ فقد غَضَّ المؤلِّفُ الطَّرف عن انتقاء النُّصوص الثَّابتة؛ لأنَّها ليست المقصودة بالتّأليف. وفي سنده عمر بن أحمد بن عثمان الواعظ (ابن شاهين)، قَالَ الدَّاوُدِيُّ: ... "كان ابن شاهين شيخًا ثقة يشبه الشّيوخ إلّا أنّه كان لحّانًا وكان لا يعرف من الفقه قليلًا ولا كثيرًا، وقال: ورأيته يومًا اجتمع مع أبي الحسن الدّارقطنيّ فلم ينطق بكلمة واحدة خوفًا أن يخطئ بحضرة أبي الحسن" (٣)، فلعلَّ ابن شاهين أخطأ به.

стр. 262

الْبَهَائِم تَسْمَع أَصْوَاتَ مَنْ عُذِّبَ فِي قَبْرِهِ مِنَ النَّاسِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: دَخَلَتْ عَلَيَّ عَجُوزَانِ مِنْ عُجُزِ يَهُودِ المَدِينَةِ، فَقَالَتَا لِي: إِنَّ أَهْلَ القُبُورِ يُعَذَّبُونَ فِي قُبُورِهِمْ، فَكَذَّبْتُهُمَا، وَلَمْ أُنْعِمْ أَنْ أُصَدِّقَهُمَا، فَخَرَجَتَا، وَدَخَلَ عَلَيَّ النَّبِيُّ ﷺ ، فَقُلْتُ لَهُ: يَا رَسُولَ الله، إِنَّ عَجُوزَيْنِ، وَذَكَرْتُ لَهُ، فَقَالَ: "صَدَقَتَا، إِنَّهُمْ يُعَذَّبُونَ عَذَابًا تَسْمَعُهُ البَهَائِمُ كُلُّهَا" (١)، تقول عائشة ﵂: فَمَا رَأَيْتُهُ بَعْدُ فِي صَلاةٍ إِلَّا تَعَوَّذَ مِنْ عَذَابِ القَبْرِ. وعَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: دَخَلَتْ عَلَيْهَا يَهُودِيَّةٌ اسْتَوْهَبَتْهَا طِيبًا، فَوَهَبَتْ لَهَا عَائِشَةُ ﵂، فَقَالَتْ: أَجَارَكِ اللهُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، قَالَتْ ﵂: فَوَقَعَ فِي نَفْسِي مِنْ ذَلِكَ، حَتَّى جَاءَ رَسُولُ الله ﷺ ، قَالَتْ: فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله، إِنَّ لِلْقَبْرِ عَذَابًا؟ قَالَ: " نَعَمْ، إِنَّهُمْ لَيُعَذَّبُونَ فِي قُبُورِهِمْ عَذَابًا تَسْمَعُهُ الْبَهَائِمُ" (٢). وعَنْ أُمِّ مُبَشِّرٍ ﵂، قَالَتْ: دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ الله ﷺ ، وَأَنَا فِي حَائِطٍ مِنْ حَوَائِطِ بَنِي النَّجَّارِ، فِيهِ قُبُورٌ مِنْهُمْ، قَدْ مُوِّتُوا فِي الجَاهِلِيَّةِ، فَسَمِعَهُمْ وَهُمْ يُعَذَّبُونَ، فَخَرَجَ وَهُوَ يَقُولُ: "اسْتَعِيذُوا بِالله مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله، وَإِنَّهُمْ لَيُعَذَّبُونَ فِي قُبُورِهِمْ؟ قَالَ: نَعَمْ، عَذَابًا تَسْمَعُهُ الْبَهَائِمُ" (٣). سماع الميّت قرع النّعال وقد ثبت أنَّ الله تعالى يُسْمِعُ المَيِّت خَفْقَ نعال أصحابه إِذَا انْصَرَفُوا، عَنْ

стр. 263

أَنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: "العَبْدُ إِذَا وُضِعَ فِي قَبْرِهِ، وَتُوُلِّيَ وَذَهَبَ أَصْحَابُهُ حَتَّى إِنَّهُ لَيَسْمَعُ قَرْعَ نِعَالِهِمْ" (١). والسّمع مقيَّد بأوَّل دخول الميِّت القبر، وتولِّي الأصحاب عنه، لأنَّ الرّوح تعود إليه للسّؤال، وليس المراد أنّه يظلُّ يسمع قرع نعال من تولّى عنه إلى يوم القيامة، وليس في الحديث حجَّة لمن ذهب إلى مطلق السَّماع، لأنَّ السَّماع مقيَّد ومخصوص في وقت مخصوص. من أسباب عذاب القبر ثبت أنَّ أكثر عَذَاب القَبْرِ مِنَ الغِيبَةِ وَالبَوْلِ، عنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: "إِنَّ أَكْثَرَ عَذَابِ الْقَبْرِ مِنَ الْبَوْلِ" (٢). وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: مَرَّ رَسُولُ الله ﷺ عَلَى قَبْرَيْنِ، فَقَالَ: "إِنَّهُمَا لَيُعَذَّبَانِ، وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ، أَمَّا هَذَا: فَكَانَ لا يَسْتَتِرُ مِنْ بَوْلِهِ (٣)، وَأَمَّا هَذَا: فَكَانَ يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ، ثُمَّ دَعَا بِعَسِيبٍ رَطْبٍ فَشَقَّهُ بِاثْنَيْنِ، فَغَرَسَ عَلَى هَذَا وَاحِدًا، وَعَلَى هَذَا وَاحِدًا، ثُمَّ قَالَ: لَعَلَّهُ يُخَفَّفُ عَنْهُمَا مَا لَمْ يَيْبَسَا" (٤). والْعِلَّةُ المُوجِبَةُ لِلتَّخْفِيفِ من عذاب القبر لم تكن بسبب الغصنين، وإنَّما كانت بسبب شفاعته ﷺ ، ويؤيِّد ذلك قوله ﷺ : "إِنِّي مَرَرْتُ بِقَبْرَيْنِ يُعَذَّبَانِ،

стр. 264

فَأَحْبَبْتُ، بِشَفَاعَتِي، أَنْ يُرَفَّهَ عَنْهُمَا، مَا دَامَ الْغُصْنَانِ رَطْبَيْنِ" (١). فجعل مدَّة بقاء الغصنين رطبين حدًّا للتَّخفيف عنهما، وليس سببًا لِلتَّخْفِيفِ. ولذلك لا يكون لأحد أنْ يأتي بعسيب فيغرسه على قبر؛ لأنّه لم يُكشف له أن هذا الميِّت يُعذَّب، بخلاف النَّبيِّ ﷺ الّذي كُشِفَ له، فالاطّلاع على عذاب القبر من الغيب الَّذي لا يظهره الله تعالى إلَّا على رسول: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (٢٦) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ ... (٢٧)﴾ [الجنّ]، فَفِعْل ذلك يفهم منه أنَّه يعذب في قبره، وهذا فيه ادِّعاء بمعرفة الغيب، واتِّهام لصاحب القبر أنَّه يعذَّب، ثمّ إنّ النَّبيَّ ﷺ لم يداوم على فعل ذلك، ولم يجعله على كلِّ قبر، ولم يتابعه أحد من الصّحابة? . ومن العلماء من يرى جواز وضع الجريد، وأنّ الحديث عَلَى عُمُومِهِ، واستدلّوا بالأثر عند البخاريّ وَأَوْصَى بُرَيْدَةُ الأَسْلَمِيُّ: «أَنْ يُجْعَلَ فِي قَبْرِهِ جَرِيدَانِ» (٢). ولا حجّة فيه؛ لأنّه رأي، ولا نعلم أحدًا من الصحابة ﵃ وافقه، ولذلك فإنّ البخاري ﵀ عقَّبه قول ابن عمر ﵄: «انْزِعْهُ يَا غُلامُ، فَإِنَّمَا يُظِلُّهُ عَمَلُهُ» وذلك لمّا رأى فُسْطَاطًا عَلَى قَبْرِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ. فكأنّه يرى أنّ ما ينتفع به الميّت عمله الصّالح. ويدلّك على رجحان المنع أنّ النَّبيَّ ﷺ وضع الجريد بسبب أنّهما يعذبان، وهذا السّبب مجهول بِالنِّسْبَةِ إِلَيْنَا ولا يمكن معرفته، فمن أراد أن يحمل الحديث على العموم، يلزمه أن يفعل ذلك لِلسَّبَبِ نَفْسِهِ.

стр. 265

كذلك يُعَذَّبُ الميِّت في قبره بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ إذا أمر به في حياته، أو إذا لم يوص أهله بتركه، وهو يعلم أنّه سيقع منهم بعد موته نياحة، وضَرْب خدود، وَشَقّ جيوب، ودعوى جاهِلِيَّة ورضي بذلك، عَن عمر ﵁، عن النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: "المَيِّتُ يُعَذَّبُ فِي قَبْرِهِ بِمَا نِيحَ عَلَيْهِ" (١). أمّا إذا نهاهم في حياته، ولم يرض منهم ذلك، ووقع منهم شيء بعد وفاته، لم يكن عليه شيء إنْ شاء الله تعالى. ومن الأمور الَّتي تقتضي عذاب القبر ما وقع في الرّؤيا الَّتي رآها النَّبيُّ ﷺ ـ ورؤيا الأنبياء وحيٌ ـ رأى أنَّ بَعْضَ الْعُصَاةِ يُعَذَّبُونَ فِي الْبَرْزَخِ على ذنوب وقعت منهم: كرفض القرآن، والنّوم عَنِ الصَّلاةِ المَكْتُوبَةِ، والكذب، والزِّنا، وأكل الرِّبَا، ففي حديث سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ ﵁، قَالَ: قَالَ النَّبيُّ ﷺ ذَاتَ غَدَاةٍ: "إِنَّهُ أَتَانِي اللَّيْلَةَ آتِيَانِ، وَإِنَّهُمَا ابْتَعَثَانِي، وَإِنَّهُمَا قَالا لِي انْطَلِقْ، وَإِنِّي انْطَلَقْتُ مَعَهُمَا ... قَالَ: قُلْتُ لَهُما: فَإِنِّي قَدْ رَأَيْتُ مُنْذُ اللَّيْلَةِ عَجَبًا، فَمَا هَذَا الَّذِي رَأَيْتُ؟ قَالَ: قَالا لِي: أَمَا إِنَّا سَنُخْبِرُكَ، أَمَّا الرَّجُلُ الأَوَّلُ الَّذِي أَتَيْتَ عَلَيْهِ يُثْلَغُ رَأْسُهُ بِالحَجَرِ، فَإِنَّهُ الرَّجُلُ يَأْخُذُ القُرْآنَ فَيَرْفُضُهُ وَيَنَامُ عَنِ الصَّلاةِ المَكْتُوبَةِ، وَأَمَّا الرَّجُلُ الَّذِي أَتَيْتَ عَلَيْهِ، يُشَرْشَرُ شِدْقُهُ إِلَى قَفَاهُ، وَمَنْخِرُهُ إِلَى قَفَاهُ، وَعَيْنُهُ إِلَى قَفَاهُ، فَإِنَّهُ الرَّجُلُ يَغْدُو مِنْ بَيْتِهِ، فَيَكْذِبُ الكَذْبَةَ تَبْلُغُ الآفَاقَ، وَأَمَّا الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ العُرَاةُ الَّذِينَ فِي مِثْلِ بِنَاءِ التَّنُّورِ، فَإِنَّهُمُ الزُّنَاةُ وَالزَّوَانِي، وَأَمَّا الرَّجُلُ الَّذِي أَتَيْتَ عَلَيْهِ يَسْبَحُ فِي النَّهَرِ وَيُلْقَمُ الحَجَرَ، فَإِنَّهُ آكِلُ الرِّبَا، وَأَمَّا الرَّجُلُ الكَرِيهُ المَرْآةِ، الَّذِي عِنْدَ النَّارِ يَحُشُّهَا

стр. 266

وَيَسْعَى حَوْلَهَا، فَإِنَّهُ مَالِكٌ خَازِنُ جَهَنَّمَ، وَأَمَّا الرَّجُلُ الطَّوِيلُ الَّذِي فِي الرَّوْضَةِ فَإِنَّهُ إِبْرَاهِيمُ ﷺ ، وَأَمَّا الوِلْدَانُ الَّذِينَ حَوْلَهُ فَكُلُّ مَوْلُودٍ مَاتَ عَلَى الفِطْرَةِ، قَالَ: فَقَالَ بَعْضُ المُسْلِمِينَ: يَا رَسُولَ الله، وَأَوْلادُ المُشْرِكِينَ؟ فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : وَأَوْلادُ المُشْرِكِينَ، وَأَمَّا القَوْمُ الَّذِينَ كَانُوا شَطْرٌ مِنْهُمْ حَسَنًا وَشَطْرٌ قَبِيحًا، فَإِنَّهُمْ قَوْمٌ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا، تَجَاوَزَ الله عَنْهُمْ" (١). ومن أسباب عذاب القبر الكفر والنِّفاق، عَنْ أَنَسٍ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: " ... وَأَمَّا الكَافِرُ - أَوِ المُنَافِقُ - فَيَقُولُ: لا أَدْرِي، كُنْتُ أَقُولُ مَا يَقُولُ النَّاسُ، فَيُقَالُ: لا دَرَيْتَ وَلا تَلَيْتَ، ثُمَّ يُضْرَبُ بِمِطْرَقَةٍ مِنْ حَدِيدٍ ضَرْبَةً بَيْنَ أُذُنَيْهِ، فَيَصِيحُ صَيْحَةً يَسْمَعُهَا مَنْ يَلِيهِ إِلَّا الثَّقَلَيْنِ" (٢). وعند أحمد وغيره من حديث البراء ﵁، قال النَّبيُّ ﷺ في حقِّ الكافر: " ... فَيُنَادِي مُنَادٍ مِنَ السَّمَاءِ أَنْ كَذَبَ، فَافْرِشُوا لَهُ مِنَ النَّارِ، وَافْتَحُوا لَهُ بَابًا إِلَى النَّارِ، فَيَأْتِيهِ مِنْ حَرِّهَا، وَسَمُومِهَا، وَيُضَيَّقُ عَلَيْهِ قَبْرُهُ حَتَّى تَخْتَلِفَ فِيهِ أَضْلَاعُهُ، وَيَأْتِيهِ رَجُلٌ قَبِيحُ الْوَجْهِ، قَبِيحُ الثِّيَابِ، مُنْتِنُ الرِّيحِ، فَيَقُولُ: أَبْشِرْ بِالَّذِي يَسُوؤكَ، هَذَا يَوْمُكَ الَّذِي كُنْتَ تُوعَدُ، فَيَقُولُ: مَنْ أَنْتَ؟ فَوَجْهُكَ الْوَجْهُ يَجِيءُ بِالشَّرِّ، فَيَقُولُ: أَنَا عَمَلُكَ الْخَبِيثُ، فَيَقُولُ: رَبِّ لَا تُقِمِ السَّاعَةَ" (٣). كذلك يُخَافُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ فِي الدَّيْنِ، لقول النَّبيِّ ﷺ لأبي قَتَادَة بعد أن

стр. 267

قضى الدِّينارين عن رجل: "الْآنَ بَرَدَتْ عَلَيْهِ جِلْدُهُ " (١). ما ينجي من عذاب القبر من الأسباب المنجيَّة من عذاب القبر: الشّهادة، قال النَّبيُّ ﷺ : "لِلشَّهِيدِ عِنْدَ الله سِتُّ خِصَالٍ: يُغْفَرُ لَهُ فِي أَوَّلِ دَفْعَةٍ، وَيَرَى مَقْعَدَهُ مِنَ الجَنَّةِ، وَيُجَارُ مِنْ عَذَابِ القَبْرِ ... " (٢) الحديث. ومن الأسباب المنجيَّة: الموت فِي حَال الرِّبَاط، عَنْ سَلْمَانَ ﵁، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ ، يَقُولُ: "رِبَاطُ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ خَيْرٌ مِنْ صِيَامِ شَهْرٍ وَقِيَامِهِ، وَإِنْ مَاتَ جَرَى عَلَيْهِ عَمَلُهُ الَّذِي كَانَ يَعْمَلُهُ، وَأُجْرِيَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ، وَأَمِنَ الْفَتَّانَ" (٣). وعَنْ فَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ ، يَقُولُ: "كُلُّ مَيِّتٍ يُخْتَمُ عَلَى عَمَلِهِ إِلَّا الَّذِي مَاتَ مُرَابِطًا فِي سَبِيلِ الله، فَإِنَّهُ يَنْمُو عَمَلُهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَيَأْمَنُ فِتْنَةَ الْقَبْرِ" (٤). ومن الأسباب المنجيَّة من عذاب القبر: الإِكْثَارُ مِنْ قِرَاءَةِ سُورَةِ الملك، عن عبد الله بن مسعود مرفوعًا، قال: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "سُورَةُ تَبَارَكَ هِيَ المَانِعَةُ مِنْ

стр. 268

عَذَابِ الْقَبْرِ" (١)، وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: "إِنَّ سُورَةً فِي الْقُرْآنِ ثَلَاثُونَ آيَةً شَفَعَتْ لِصَاحِبِهَا حَتَّى غُفِرَ لَهُ: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ (١)﴾ [الملك] " (٢). ومن الأسباب المنجية: الأعمالُ الصّالحةُ: الصَّلاةُ والصِّيامُ والزَّكاةُ، وفعل الخيرات: الصَّدَقَة وَالصِّلَة وَالمَعْرُوف وَالْإِحْسَان إِلَى النَّاسِ، عن أَسْمَاء ﵂ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: "إِذَا دَخَلَ الإِنْسَانُ قَبْرَهُ، فَإِنْ كَانَ مُؤْمِنًا أَحَفَّ بِهِ عَمَلُهُ الصَّلاةُ وَالصِّيَامُ، قَالَ: فَيَأْتِيهِ المَلَكُ مِنْ نَحْوِ الصَّلاةِ، فَتَرُدُّهُ، وَمِنْ نَحْوِ الصِّيَامِ فَيَرُدُّهُ" (٣). وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: "إِنَّ المَيِّتَ إِذَا وُضِعَ فِي قَبْرِهِ إِنَّهُ يَسْمَعُ خَفْقَ نِعَالِهِمْ حِينَ يُوَلُّونَ عَنْهُ، فَإِنْ كَانَ مُؤْمِنًا، كَانَتِ الصَّلَاةُ عِنْدَ رَأْسِهِ، وَكَانَ الصِّيَامُ عَنْ يَمِينِهِ، وَكَانَتِ الزَّكَاةُ عَنْ شِمَالِهِ، وَكَانَ فِعْلُ الْخَيْرَاتِ مِنَ الصَّدَقَةِ وَالصِّلَةِ وَالمَعْرُوفِ وَالْإِحْسَانِ إِلَى النَّاسِ عِنْدَ رِجْلَيْهِ، فَيُؤْتَى مِنْ قِبَلِ رَأْسِهِ، فَتَقُولُ الصَّلَاةُ: مَا قِبَلِي مَدْخَلٌ، ثُمَّ يُؤْتَى عَنْ يَمِينِهِ، فَيَقُولُ الصِّيَامُ: مَا قِبَلِي مَدْخَلٌ، ثُمَّ يُؤْتَى عَنْ يَسَارِهِ، فَتَقُولُ الزَّكَاةُ: مَا قِبَلِي مَدْخَلٌ، ثُمَّ يُؤْتَى مِنْ قِبَلِ رِجْلَيْهِ، ... فَتَقُولُ فعلُ الْخَيْرَاتِ مِنَ الصَّدَقَةِ وَالصِّلَةِ وَالمَعْرُوفِ وَالْإِحْسَانِ إِلَى النَّاسِ: مَا قِبَلِي

стр. 269

مَدْخَلٌ ... " (١). ومن الأسباب المنجيّة: الموت في البطن، فقد نَفَى النَّبِيُّ ﷺ عَذَابَ الْقَبْرِ عَمَّنْ قتله بطنه، روى أحمد وغيره عَنْ عَبْدِ الله بْنِ يَسَارٍ، قَالَ: كُنْتُ جَالِسًا مَعَ سُلَيْمَانَ بْنِ صُرَدٍ، وَخَالِدِ بْنِ عُرْفُطَةَ وَهُمَا يُرِيدَانِ أَنْ يَتْبَعَا جِنَازَةَ مَبْطُونٍ، فَقَالَ: أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ، أَلَمْ يَقُلْ رَسُولُ الله ﷺ : "مَنْ يَقْتُلُهُ بَطْنُهُ، فَلَنْ يُعَذَّبَ فِي قَبْرِهِ" (٢)؟ فَقَالَ: بَلَى. ذلك أنَّ المبطون شهيد، وهو الَّذي يموت بسبب علَّة تصيبه في بطنه، عَنْأَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "وَمَنْ مَاتَ فِي الْبَطْنِ فَهُوَ شَهِيدٌ" (٣). وعَنْه ﵁ أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ ، قَالَ: "الشُّهَدَاءُ خَمْسَةٌ: المَطْعُونُ، وَالمَبْطُونُ، وَالغَرِقُ، وَصَاحِبُ الهَدْمِ، وَالشَّهِيدُ فِي سَبِيلِ الله" (٤). والمبطون: مَنْ مات بداء بَطْنه، ومنه المرأة تموت فِي نِفَاسِهَا، لحديث ... سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ ﵁: "أَنَّ امْرَأَةً مَاتَتْ فِي بَطْنٍ، فَصَلَّى عَلَيْهَا النَّبِيُّ ﷺ ، ... فَقَامَ وَسَطَهَا" (٥). وترْجَمَ عَلَيْهِ الْبُخَارِيُّ (بَاب الصَّلَاةِ عَلَى النُّفَساء)، والمرأة هي

стр. 270

أُمُّ كَعْبٍ ﵂ كما صرَّح مُسْلِمٌ فِي رِوَايَتِهِ. عذاب القبر دائم أم منقطع ؟ عذاب القبر: دائم، ومنقطع. فالدّائم عذاب الكافرين والمنافقين، ويشهد لذلك قوله تعالى: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ (٤٦)﴾ [غافر]، وقوله تعالى: ﴿لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (١٠٠)﴾ [المؤمنون]، فلعلّ المراد من قوله: ﴿إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ ... أنَّ العذاب يستمرّ بهؤلاء إلى يوم البعث، كما في الحديث: "فَلَا يَزَالُ فِيهَا مُعَذَّبًا حَتَّى يَبْعَثَهُ الله مِنْ مَضْجَعِهِ ذَلِكَ" (١). ويشهد للعذاب الدّائم حديث سمرة الذي رواه البخاريّ في رؤيا النَّبيِّ ﷺ ، وفيه: "فَيُصْنَعُ بِهِ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ" (٢). وقصّة الَّذي أَعْجَبَتْهُ نَفْسُهُ بِمَا أُوتِيَ مِنْ هَذِهِ الدُّنْيَا الْفَانِيَةِ وَتَبَخْتُره الَّتي رواها مسلم وغيره من حديث أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ ، قَالَ: "بَيْنَمَا رَجُلٌ يَتَبَخْتَرُ، يَمْشِي فِي بُرْدَيْهِ قَدْ أَعْجَبَتْهُ نَفْسُهُ، فَخَسَفَ اللهُ بِهِ الْأَرْضَ، فَهُوَ يَتَجَلْجَلُ فِيهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ" (٣).

стр. 271

وما أخرجه التّرمذي من حديث أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : " ... وَإِنْ كَانَ مُنَافِقًا قَالَ: سَمِعْتُ النَّاسَ يَقُولُونَ، فَقُلْتُ مِثْلَهُ، لَا أَدْرِي، فَيَقُولَانِ: قَدْ كُنَّا نَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُولُ ذَلِكَ، فَيُقَالُ لِلأَرْضِ: التَئِمِي عَلَيْهِ، فَتَلْتَئِمُ عَلَيْهِ، فَتَخْتَلِفُ فِيهَا أَضْلَاعُهُ، فَلَا يَزَالُ فِيهَا مُعَذَّبًا حَتَّى يَبْعَثَهُ الله مِنْ مَضْجَعِهِ ذَلِكَ" (١). والحديث المتّفق عليه، الَّذي فيه أَنَّ الميِّت يُعْرَضُ عَلَيْهِ مَقْعَدُهُ الّذي يَسْكُنُه بِالْغَدَاةِ وَالعَشِيِّ، عن ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ ، قَالَ: "إِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا مَاتَ عُرِضَ عَلَيْهِ مَقْعَدُهُ بِالْغَدَاةِ وَالعَشِيِّ، إِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ فَمِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ، وَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ فَمِنْ أَهْلِ النَّارِ، فَيُقَالُ: هَذَا مَقْعَدُكَ حَتَّى يَبْعَثَكَ الله يَوْمَ القِيَامَةِ" (٢). فإن قيل: يَحْتَمِلُ أَنَّ المراد بالعرض غَدَاة وَاحِدَة وَعَشِيَّة وَاحِدَة، قلنا: ويَحْتَمِلُ كُلّ غَدَاةٍ وَكُلّ عَشِيٍّ ما دامت الدُّنيا. فإن قيل: هل هَذَا الْعَرْضُ عَلَى الرُّوحِ، أم على الرُّوحِ وجزء من البدن، أم غير ذلك؟ قلنا: ليس هذا محلّ البحث، وهو مبسوط في كتب الشُّروح. أمّا العذاب المنقطع فهو عذاب بعض العصاة من المؤمنين، فيعذَّب بذنبه، ثمَّ يُخَفّف عنه، فمقتضى عدله ﷻ يقضي بأن يعذب العبد بقدر ذنبه، وقد يمنُّ الله

стр. 272

تعالى عليه فيَنْقَطِع عَنْهُ الْعَذَاب تفضّلًا، أو يرتفع بِدُعَاء صالح أَو صَدَقَة أَو اسْتِغْفَار أَو حجّ أو خير تركه يجري عليه أجره. وقد سمعت خلقًا كثيرًا يسألون: هل من العدل أن يكون العذاب مستمرًّا على إنسان مات من مئات السِّنين، بينما يموت إنسان قبل قيام السَّاعة بساعة، فكيف يستويان؟ ! وَالْجَوَابُ أَنَّ الله تعالى قال فِي كِتَابِهِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ ... (٤٠)﴾ [النّساء]، وقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا ... (٤٤)﴾ [يونس]، وقال: ... ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (٤٦)﴾ [فصّلت]، والآيات في هذا المعنى كثيرة، فمن عذَّبه الله تعالى فبعدله، ﴿إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٦)﴾ [هود]. والله تعالى قَادر لَا يعجزه شيء وَلَا يفوتهُ أمر أزلًا وأبدًا، قال تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ (٤٩) وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ (٥٠)﴾ [القمر]، وعِلْمُهُ ﵎ مُحِيطٌ بِكُلِّ شَيْءٍ: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ (٥)﴾ ... [آل عمران]، ولله درّ القحطاني إذ يقول: وَالقَبرُ صَحَّ نَعيمُهُ وَعَذابُهُ ... وَكِلاهُما لِلنّاسِ مُدَّخَران وَالبَعْثُ بَعْدَ المَوْتِ وَعْدٌ صادِقٌ ... بِإِعادةِ الأَرْواحِ في الأَبْدانِ (١) ما يطفئ من حرّ القبور عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "إِنَّ الصَّدَقَةَ لَتُطْفِئُ

стр. 273

عَنْ أَهْلِهَا حَرَّ الْقُبُورِ" (١). والحديث فيه تحريض على صَدَقَةِ التَّطَوُّعِ، وأنّها هديّة من الحيِّ إلى الميِّت تصل إليه وينتفع بها. ما يلحق الميت وما يبقى معه بعد أن يلج قبره قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "يَتْبَعُ المَيِّتَ ثَلاثَةٌ، فَيَرْجِعُ اثْنَانِ وَيَبْقَى مَعَهُ وَاحِدٌ: يَتْبَعُهُ أَهْلُهُ وَمَالُهُ وَعَمَلُهُ، فَيَرْجِعُ أَهْلُهُ وَمَالُهُ وَيَبْقَى عَمَلُهُ " (٢). ما المقابر إلا زيارة ! قال تعالى: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (١) حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ (٢)﴾ [التّكاثر]، هذه الآية تشعرك بقصر الحياة وطول لهو الإنسان فيها، فحياة الإنسان تبدأ بالتَّكاثر وسرعان ما تنتهي به إلى المقابر، فالأمر قصير. والآية فيها مجاز استعاريّ حيث شبَّه قصر مدَّة لبثهم في القبور بالزِّيارة، فالمقابر لن يلبث الإنسان فيها آمادًا لا تنتهي وآبادًا لا تنقضي، وإنَّما هي زيارة، والزّائر سرعان ما يظعن ويرتحل. والمستقرّ والمقام: الجنَّة أو النَّار، ربَّنا اجعلنا من أصحاب الجنَّة: ... ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا (٢٤)﴾ [الفرقان]، ﴿رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا (٦٥) إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا (٦٦)﴾ [الفرقان].

стр. 274

مشروعيّة زيارة المقابر والعلّة الّتي من أجلها شرعت هذه الزّيارة تشرع زيارة القبور للعبرة والاتِّعاظ بها، ولأنَّها ترقُّ القلب، وتذكِّر الموت، وتُزَهِّدُ فِي الدُّنْيَا، وَتُذَكِّرُ الْآخِرَةَ، شريطة ألَّا يُقَال سُوءٌ أو فحش أو باطل من ندب ونحوه، أو ما يُسْخِط الله كدعاء المقبور والاستغاثة به، فهذا كلُّه من الهجر الَّذي نهى عنه ﷺ . وقد روي فِي الْإِبَاحَة في زيارتها وبيان العلَّة الَّتي من أجلها شرعت هذه الزّيارة أَحَادِيث كَثِيرَة، عَنْ أَنَس ﵁، قَالَ: قَالَ رسول الله ﷺ : "كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ أَلَا فَزُورُوهَا، فَإِنَّهُ يُرِقُّ الْقَلْبَ، وَتُدْمِعُ الْعَيْنَ، وَتُذَكِّرُ الْآخِرَةَ، وَلَا تَقُولُوا هُجْرًا" (١). وعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "إِنِّي نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ فَزُورُوهَا، فَإِنَّ فِيهَا عِبْرَةً" (٢). وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: زَارَ النَّبِيُّ ﷺ قَبْرَ أُمِّهِ، فَبَكَى وَأَبْكَى مَنْ حَوْلَهُ، فَقَالَ: "اسْتَأْذَنْتُ رَبِّي فِي أَنْ أَسْتَغْفِرَ لَهَا فَلَمْ يُؤْذَنْ لِي، وَاسْتَأْذَنْتُهُ فِي أَنْ أَزُورَ قَبْرَهَا فَأُذِنَ لِي، فَزُورُوا الْقُبُورَ فَإِنَّهَا تُذَكِّرُ المَوْتَ" (٣). والحديث فيه جواز زِيَارَة قَبْر مَنْ لَمْ يُدْرِك الْإِسْلَامَ، والنَّهي عَنِ الِاسْتِغْفَارِ له، وأنَّ الزِّيارة تعود بالنَّفع على الحيِّ بِتَذكّر المَوْت وَالْبِلَى.

стр. 275

أمّا زيارة قبر المسلم فتعود بالنَّفع على الحيّ والميّت؛ وذلك بالسَّلام عليه والدُّعاء والاستغفار له، فقد أُمِرَ النَّبيُّ ﷺ أن يأتي أهل البقيع فيستغفر لهم، فقد أتاه جبريل ﵇، وقال له: "إِنَّ رَبَّكَ يَأْمُرُكَ أَنْ تَأْتِيَ أَهْلَ الْبَقِيعِ فَتَسْتَغْفِرَ لَهُمْ" (١). وقَالَتْ عَائِشَة ﵂: كَانَ رَسُولُ الله ﷺ كُلَّمَا كَانَ لَيْلَتُهَا مِنْ رَسُولِ الله ﷺ يَخْرُجُ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ إِلَى الْبَقِيعِ، فَيَقُولُ: "السَّلَامُ عَلَيْكُمْ دَارَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ، وَأَتَاكُمْ مَا تُوعَدُونَ غَدًا، مُؤَجَّلُونَ، وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللهُ، بِكُمْ لَاحِقُونَ، اللَّهُمَّ، اغْفِرْ لِأَهْلِ بَقِيعِ الْغَرْقَدِ" (٢)، وكان من دعائه ﷺ لهم: "أَسْأَلُ اللهَ لَنَا وَلَكُمُ الْعَافِيَةَ" (٣). حكم زيارة المقابر للنّساء وحكم زيارتها للجنب والحائض والنّفساء اخْتُلِفَ فِي زيارة النِّسَاءِ، فجوَّزها الجمهور ومنعها آخرون سدًّا للذَّرائع، لما يترتَّب على خُرُوجِهنّ من فِتْنَة لَهُنَّ وَلِغَيْرِهِنَّ، والأكثر على دخولهنَّ في عُمُومِ الْإِذْنِ بالزِّيَارَةِ، فالنِّسَاء كَالرِّجَالِ فِي حُكْمِ الزِّيَارَةِ، وَمَحَلُّ ذَلِكَ إِذَا أُمِنَت الْفِتْنَةُ وَالمَفْسَدَةُ، لعموم قول النَّبيِّ ﷺ : "فَزُورُوا الْقُبُورَ فَإِنَّهَا تُذَكِّرُ المَوْتَ" (٤)، فصيغة الأمر في الخطاب تعمُّ النِّساء والرِّجال. ويؤيِّد أنَّ الْإِذْنَ عَلَى عُمُومِهِ لِلرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ أنَّ عائشة ﵂ سألت النَّبيَّ ﷺ كيف تقول عِنْدَ دُخُولِ الْقُبُورِ، قَالَتْ: قُلْتُ: كَيْفَ أَقُولُ لَهُمْ يَا رَسُولَ الله؟

стр. 276

قَالَ: "قُولِي: السَّلَامُ عَلَى أَهْلِ الدِّيَارِ مِنَ المُؤْمِنِينَ وَالمُسْلِمِينَ، وَيَرْحَمُ اللهُ المُسْتَقْدِمِينَ مِنَّا وَالمُسْتَأْخِرِينَ، وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللهُ بِكُمْ لَلَاحِقُونَ" (١)، وترجم عليه مسلم: (بَاب مَا يُقَالُ عِنْدَ دُخُولِ الْقُبُورِ وَالدُّعَاء لِأَهْلِهَا). وقد زَارَتْ عَائِشَةُ ﵂ قَبْرَ أَخِيهَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَبْدِ الله بْنِ ... أَبِي مُلَيْكَةَ: "أَنَّ عَائِشَةَ أَقْبَلَتْ ذَاتَ يَوْمٍ مِنَ المَقَابِرِ، فَقُلْتُ لَهَا: يَا أُمَّ المُؤْمِنِينَ، مِنْ أَيْنَ أَقْبَلْتِ؟ قَالَتْ: مِنْ قَبْرِ أَخِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، فَقُلْتُ لَهَا: أَلَيْسَ كَانَ رَسُولُ الله ﷺ نَهَى عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ؟ قَالَتْ: نَعَمْ، كَانَ قَدْ نَهَى، ثُمَّ أُمِرَ بِزِيَارَتِهَا" (٢). ويؤيِّد رجحان الجواز حديث أَنَس ﵁، قَالَ: مَرَّ النَّبِيُّ ﷺ بِامْرَأَةٍ تَبْكِي عِنْدَ قَبْرٍ، فَقَالَ: "اتَّقِي الله وَاصْبِرِي" (٣). وموضع الدَّلالة أنَّه ﷺ أمرها بتقوى الله والصَّبر، ولم ينكر عليها قعودها عند القبر، ولم ينهها عن الزِّيارة، وإنّما نهاها عن الجزع. وَتَقْرِيرُهُ ﷺ بَيِّنة وحجَّة، ولذلك ترجم عليه البخاريّ (بَاب زِيَارَةِ القُبُورِ). ثمّ إنَّ العلَّة الَّتي من أجلها شرعت الزِّيارة - وهي التَّذكير بالآخرة -تشترك فيها النِّساء مع الرِّجال. وأمّا الإكثار من الزّيارة فهو المنهيُّ عنه، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، أَنَّ رَسُولَ

стр. 277

الله ﷺ : "لَعَنَ زَوَّارَاتِ الْقُبُورِ" (١)، فاللَّعن محمول على مَنْ تكثر الزِّيارة كما هو واضح من صيغة المبالغة زَوَّارَاتِ. أما الحائض والجنب فلا يختلف حكمهما عن غيرهما، فلا فرق بين أن تكون المرأة على طهر أو على غير طهر في شأن زيارة القبور عند من يقول بجواز الزّيارة لأنَّه لم يرد دليل للتَّفرقة. والَّذي نعلمه أنَّ مَنْ بها عذر لا تدخل المسجد للمكث فيه، أمَّا العبور فلا حرج فيه، لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا ... (٤٣)﴾ [النّساء]، هذا ولا تمنع من دخول شيء إلَّا بدليل. حكم تخصيص يوم الجمعة أو يوم العيد لزيارة القبور زيارة القبور لَا تَخْتَصُّ بِوَقْتٍ، قال النَّبيُّ ﷺ : "نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ فَزُورُوهَا" (٢)، فقوله ﷺ : "فَزُورُوهَا" ظَاهِرُهُ الْإِطْلَاقُ، فالنَّبيُّ ﷺ أطلق الزِّيارة وَلَمْ يُقَيِّدْها بِوَقْتٍ ولا زمان، وَحُكم المُطلق أَن يجْرِي على إِطْلَاقه وَعُمُومِهِ حَتَّى يظهر نَصٌّ يقيِّده، ولذلك فإنَّ تخصيص يوم الخميس أو الجمعة أو العيدين بزيارة القبور واعتقاد فضلها على سائر الأيّام، يكون مِنْ تَقْيِيدِ المُطْلَقِ وَتَخْصِيصِ الْعَامِّ بِغَيْرِ دَلِيلٍ شَرْعِيٍّ.

стр. 278

أمَّا ما روي في الحديث: "مَنْ زَارَ قَبْرَ أَبَوَيْهِ أَوْ أَحَدِهِمَا فِي كُلِّ جُمُعَةٍ غُفِرَ لَهُ، وَكُتِبَ بَرًّا" (١)، فهو موضوع. ومثله: "مَنْ زَارَ قَبْرَ وَالِدَيْهِ فِي كُلِّ جُمُعَةٍ فَقَرَأَ عِنْدَهُمَا، أَوْ عِنْدَهُ يس، غُفِرَ لَهُ بِعَدَدِ كُلِّ آيَةٍ أَوْ حَرْفٍ" (٢). ويوم العيد على المسلم أن يُظْهر الفرح والجَذَل، ويدخل على أهله السّرور والحبور، وزيارة القبور في هذا اليوم مدعاة للحزن والأسف على فراق مَنْ سَلَف. حكم قراءة القرآن عند القبور قراءة القرآن عند زيارة المقابر غير مشروعة، فلم يفعل ذلك النَّبيُّ ﷺ ولم يأمر بها أصحابه ﵃، ولو كان شيء من ذلك لنقل إلينا، وقد قال الله تعالى: ... ﴿لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا (٧٠)﴾ [يس]. ويؤكِّد عدم مشروعيَّة القراءة قَوْلُ النَّبيِّ ﷺ : "لَا تَجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ مَقَابِرَ، إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْفِرُ مِنَ الْبَيْتِ الَّذِي تُقْرَأُ فِيهِ سُورَةُ الْبَقَرَةِ" (٣)، وقوله ﷺ : "اجْعَلُوا فِي

стр. 279

بُيُوتِكُمْ مِنْ صَلاتِكُمْ وَلا تَتَّخِذُوهَا قُبُورًا" (١)، فالقبور ليست موضعًا للقراءة ولا للصَّلاة. عدم استقبال القبر عند الدّعاء لصاحبه لا يستقبل القبر عند الدُّعاء لصاحبه وتستدبر القبلة؛ فلا يستقبل بالدُّعاء إلا ما يستقبل بالصَّلاة، وقد سمَّى الله تعالى الدُّعَاءَ صَلَاةً، قال تعالى: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ ... (١٠٣)﴾ [التّوبة]، فالمراد الدُّعاء لهم، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٥٦)﴾ [الأحزاب]. فإذا سلَّمت على ميّت فسلِّمْ عليه من تلقاء وجهه، أي أقبل عليه بوجهك، وإذا أردت الدُّعاء فاستقبل قِبْلَةَ الله تعالى في وقت الدُّعاء.

стр. 280

القسم الرابع عشر ذكر بعض أحوال الموتى وما يلقونه في قبورهم تمثيل غروب الشمس للميت يجلس المؤمن في قبره عِنْدَ السُّؤَالِ يَمْسَحُ عَيْنَيْهِ، فيتصوَّر أنَّ الشَّمس قد دنت للغروب، فيطلب أداء الصَّلاة قبل خروج وقتها؛ لحضورها في ذهنه، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ الله ﵄، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: "إِذَا دَخَلَ المَيِّتُ الْقَبْرَ، مُثِّلَتِ الشَّمْسُ عِنْدَ غُرُوبِهَا، فَيَجْلِسُ يَمْسَحُ عَيْنَيْهِ، وَيَقُولُ: دَعُونِي أُصَلِّي" (١). وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبيِّ ﷺ ، قَالَ: "فَيُقَالُ لَهُ: اجْلِسْ فَيَجْلِسُ، وَقَدْ مُثِّلَتْ لَهُ الشَّمْسُ وَقَدْ أُدْنِيَتْ لِلْغُرُوبِ" (٢). التعبّد في القبر وسؤال الميّت الصّلاة فَهِمَ بعضهم من قول النَّبيِّ ﷺ : "لَا تَجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ مَقَابِرَ" (٣) أنَّ الموتى لا يُصَلُّونَ إطلاقًا، وليس بصحيح، ولعلَّ المراد بقوله ﷺ أنَّ المقبرة ليست موضعًا للصَّلاة. فهناك صلاة في حياة البرزخ ليست على وجه التَّكليف، صلاة غيبيَّة لا نعرف كيفيتها ولا ماهيّتها، ولكن نسلك سبيل الورع فنثبت ما أثبته النَّبيُّ ﷺ ، ونؤمِن به، سواء أدركته عقولنا أم لا، فقد ثبت أنَّ الأنبياءَ? يُصَلُّونَ، وثبت

стр. 281

أنَّهم صلُّوا مقتدين به ﷺ لَيْلَةَ الإسراء، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "الْأَنْبِيَاءُ أَحْيَاءٌ فِي قُبُورِهِمْ يُصَلُّونَ" (١). وفي لَيْلَةِ الإسراء رأى النَّبيُّ ﷺ مُوسَى ﵇ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي قَبْرِهِ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁، أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: "أَتَيْتُ - وَفِي رِوَايَةِ هَدَّابٍ: مَرَرْتُ - عَلَى مُوسَى لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي عِنْدَ الْكَثِيبِ الْأَحْمَرِ، وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي قَبْرِهِ" (٢). وهذا لَيْسَ خَاصًّا بِمُوسَى ﵇ وحده، أَخْرَجَ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الله بْنِ الفَضْلِ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ رَفَعَهُ: "لَقَدْ رَأَيْتُنِي فِي الْحِجْرِ وَقُرَيْشٌ تَسْأَلُنِي عَنْ مَسْرَايَ" الْحَدِيث، وفيه: "وَقَدْ رَأَيْتُنِي فِي جَمَاعَةٍ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ، فَإِذَا مُوسَى قَائِمٌ يُصَلِّي، فَإِذَا رَجُلٌ ضَرْبٌ، جَعْدٌ كَأَنَّهُ مِنْ رِجَالِ شَنُوءَةَ، وَإِذَا عِيسَى ... ابْنُ مَرْيَمَ ﵇ قَائِمٌ يُصَلِّي، أَقْرَبُ النَّاسِ بِهِ شَبَهًا عُرْوَةُ بْنُ مَسْعُودٍ الثَّقَفِيُّ، وَإِذَا إِبْرَاهِيمُ ﵇ قَائِمٌ يُصَلِّي، أَشْبَهُ النَّاسِ بِهِ صَاحِبُكُمْ - يَعْنِي نَفْسَهُ - فَحَانَتِ الصَّلَاةُ فَأَمَمْتُهُمْ، فَلَمَّا فَرَغْتُ مِنَ الصَّلَاةِ قَالَ قَائِلٌ: يَا مُحَمَّدُ، هَذَا مَالِكٌ صَاحِبُ النَّارِ، فَسَلِّمْ عَلَيْهِ، فَالْتَفَتُّ إِلَيْهِ، فَبَدَأَنِي بِالسَّلَامِ" (٣).

стр. 282

وجاء عن النَّبيِّ ﷺ ما هو أعمُّ من ذلك، قَالَ ﷺ في المَيِّت إِذَا وُضِعَ فِي قَبْرِهِ: "فَيُقَالُ لَهُ: أَرَأَيْتَكَ هَذَا الرَّجُلَ الَّذِي كَانَ فِيكُمْ مَا تَقُولُ فِيهِ، وَمَاذَا تَشَهَّدُ بِهِ عَلَيْهِ؟ فَيَقُولُ: دَعُونِي حَتَّى أُصَلِّيَ، فَيَقُولُونَ: إِنَّكَ سَتَفْعَلُ" (١). ولعلّ سؤال الميِّت الصَّلاة يكون أثناء فتنة القبر، ويفهم ذلك من سَابِقِ الْحَدِيثِ وَلَاحِقِهِ: "فَيُقَالُ لَهُ: أَرَأَيْتَكَ هَذَا الرَّجُلَ الَّذِي كَانَ فِيكُمْ مَا تَقُولُ فِيهِ، وَمَاذَا تَشَهَّدُ بِهِ عَلَيْهِ؟ فَيَقُولُ: دَعُونِي حَتَّى أُصَلِّيَ، فَيَقُولُونَ: إِنَّكَ سَتَفْعَلُ، أَخْبِرْنِي عَمَّا نَسْأَلُكُ عَنْهُ، أَرَأَيْتَكَ هَذَا الرَّجُلَ الَّذِي كَانَ فِيكُمْ مَا تَقُولُ فِيهِ، وَمَاذَا تَشَهَّدُ عَلَيْهِ؟ قَالَ: فَيَقُولُ: مُحَمَّدٌ أَشْهَدُ أَنَّهُ رَسُولُ الله، وَأَنَّهُ جَاءَ بِالْحَقِّ مِنْ عِنْدِ الله، فَيُقَالُ لَهُ: عَلَى ذَلِكَ حَيِيتَ وَعَلَى ذَلِكَ مِتَّ، وَعَلَى ذَلِكَ تُبْعَثُ إِنْ شَاءَ الله، ثُمَّ يُفْتَحُ لَهُ بَابٌ مِنْ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ، فَيُقَالُ لَهُ: هَذَا مَقْعَدُكَ مِنْهَا، وَمَا أَعَدَّ الله لَكَ فِيهَا، فَيَزْدَادُ غِبْطَةً وَسُرُورًا ... " (٢). المؤمن في قبره في روضة خضراء ينوّر له فيها إذا أجاب العبد المؤمن عن سؤال الملكين، فإنَّه في قبره في روضة خضراء، وإِنّه لَفِي غَضْراءِ عَيْشٍ وخير، قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "إِنَّ المُؤْمِنَ فِي قَبْرِهِ لَفِي رَوْضَةٍ خَضْرَاءَ، وَيُرْحَبُ لَهُ قَبْرُهُ سَبْعُونَ ذِرَاعًا، وَيُنَوَّرُ لَهُ كَالْقَمَرِ لَيْلَةَ البَدْرِ" (٣).

стр. 283

أمّا حديث: "إِنَّمَا القَبْرُ رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الجَنَّةِ أَوْ حُفْرَةٌ مِنْ حُفَرِ النَّارِ" (١). للتِّرْمِذِيّ والطَّبراني فَسَنَد كل مِنْهُمَا ضَعِيف جدًّا، لكن معنى الحديث صحيح. ما ينير ظلمة القبر أخبر النَّبيُّ ﷺ أنَّ القبر مملوء ظلمة، وأنَّ الله تعالى ينوِّره بصلاته، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "إِنَّ هَذِهِ الْقُبُورَ مَمْلُوءَةٌ ظُلْمَةً عَلَى أَهْلِهَا، وَإِنَّ اللهَ يُنَوِّرُهَا لَهُمْ بِصَلَاتِي عَلَيْهِمْ" (٢). وأرشدنا إلى الدُّعاء للميِّت أن ينوِّر له الله تعالى في قبره، فقال ﷺ في دعائه: "وَافْسَحْ لَهُ فِي قَبْرِهِ، وَنَوِّرْ لَهُ فِيهِ" (٣). فالدُّعاء المستجاب قد يعود على الميِّت بالنُّور التَّام في قبره. كما ثبت أنّ الله تعالى ينير ظلمة القبر إذا أجاب العبد عن سؤال الملكين، فالمَيِّتُ إِذَا قُبِرَ جاءه ملكان (مُنْكَر ونَكِير) فَيَقُولَانِ لَهُ: "مَا كُنْتَ تَقُولُ فِي هَذَا الرَّجُلِ مُحَمَّدٍ؟ فَهُوَ قَائِلٌ مَا كَانَ يَقُولُ فَإِنْ كَانَ مُؤْمِنًا، قَالَ: هُوَ عَبْدُ الله وَرَسُولُهُ أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا الله وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، فَيَقُولَانِ لَهُ: إِنْ كُنَّا لنَعْلَمُ إِنَّكَ

стр. 284

لَتَقُولُ ذَلِكَ ثم يفسح له في قبره سبعون ذِرَاعًا فِي سَبْعِينَ ذِرَاعًا ويُنَوَّر لَهُ فِيهِ" (١). هذا والله تعالى هو من أمر بسؤاله، وهو من يثبّته بفضله ورضوانه، وينير قبره بإحسانه، اللَّهُمَّ نوِّر قبورنا وألحقنا بنبيِّنا ﷺ . هل الأموات على علم بحال الأحياء؟ وهل تعرض أعمال الأحياء على الأموات ؟ أَخْرَجَ الْحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ في نوادره أنَّ النَّبيَّ ﷺ ، قال: "تعرض الْأَعْمَال يَوْم الِاثْنَيْنِ وَيَوْم الْخَمِيس على الله تَعَالَى وَتعرض على الْأَنْبِيَاء وعَلى الْآبَاء والأمهات يَوْم الْجُمُعَة فيفرحون بحسناتهم ... " (٢)، وهذا الحديث موضوع. وهناك أحاديث أخرى في عرض أَعمال الْأَحْيَاء على المَوْتَى لا يحتجُّ بشيء منها، مثل الحديث الَّذي تفرَّد به أحمد عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁، يَقُولُ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "إِنَّ أَعْمَالَكُمْ تُعْرَضُ عَلَى أَقَارِبِكُمْ وَعَشَائِرِكُمْ مِنَ الْأَمْوَاتِ، فَإِنْ كَانَ خَيْرًا اسْتَبْشَرُوا بِهِ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ ذَلِكَ، قَالُوا: اللَّهُمَّ لَا تُمِتْهُمْ، حَتَّى تَهْدِيَهُمْ كَمَا هَدَيْتَنَا" (٣). وما أخرجه ابن أبي الدّنيا في المنامات بسند ضعيف عنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁،

стр. 285

قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "لَا تَفْضَحُوا مَوْتَاكُمْ بِسَيِّئَاتِ أَعْمَالِكُمْ فَإِنَّهَا تُعْرَضُ عَلَى أَوْلِيَائِكُمْ مِنْ أَهْلِ الْقُبُورِ" (١). ونحو ذلك روى الطَّيَالِسِيُّ في مسنده من حديث جَابِرِ بْنِ عَبْدِ الله ﵄، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "إِنَّ أَعْمَالَكُمْ تُعْرَضُ عَلَى عَشَائِرِكُمْ وَأَقْرِبَائِكُمْ فِي قُبُورِهِمْ، فَإِنْ كَانَ خَيْرًا اسْتَبْشَرُوا بِهِ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ ذَلِكَ قَالُوا: اللَّهُمَّ أَلْهِمْهُمْ أَنْ يَعْمَلُوا بِطَاعَتِكَ" (٢)، قلت: وفي سنده الصَّلْتُ بْنُ دِينَارٍ وهو متروك. وما أخرجه الحاكم عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ ﵄ أنّه سَمِع رَسُولَ الله ﷺ يَقُولُ: " ... فَالله الله فِي إِخْوَانِكُمْ مِنْ أَهْلِ الْقُبُورِ، فَإِنَّ أَعْمَالَكُمْ تُعْرَضُ عَلَيْهِمْ" (٣). وممّا يشير إلى عدم عرض الأعمال عليهم، ما أخرجه الحاكم وغيره بسند صحيح من حديث أبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قال في روح المؤمن: "حَتَّى
следующие страницы →