← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 151154

الصحيح المأثور في عالم البرزخ والقبور

أحمد محمود الشوابكة

Полный текст (344 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

أنَّهم صلُّوا مقتدين به ﷺ لَيْلَةَ الإسراء، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "الْأَنْبِيَاءُ أَحْيَاءٌ فِي قُبُورِهِمْ يُصَلُّونَ" (١). وفي لَيْلَةِ الإسراء رأى النَّبيُّ ﷺ مُوسَى ﵇ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي قَبْرِهِ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁، أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: "أَتَيْتُ - وَفِي رِوَايَةِ هَدَّابٍ: مَرَرْتُ - عَلَى مُوسَى لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي عِنْدَ الْكَثِيبِ الْأَحْمَرِ، وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي قَبْرِهِ" (٢). وهذا لَيْسَ خَاصًّا بِمُوسَى ﵇ وحده، أَخْرَجَ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الله بْنِ الفَضْلِ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ رَفَعَهُ: "لَقَدْ رَأَيْتُنِي فِي الْحِجْرِ وَقُرَيْشٌ تَسْأَلُنِي عَنْ مَسْرَايَ" الْحَدِيث، وفيه: "وَقَدْ رَأَيْتُنِي فِي جَمَاعَةٍ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ، فَإِذَا مُوسَى قَائِمٌ يُصَلِّي، فَإِذَا رَجُلٌ ضَرْبٌ، جَعْدٌ كَأَنَّهُ مِنْ رِجَالِ شَنُوءَةَ، وَإِذَا عِيسَى ... ابْنُ مَرْيَمَ ﵇ قَائِمٌ يُصَلِّي، أَقْرَبُ النَّاسِ بِهِ شَبَهًا عُرْوَةُ بْنُ مَسْعُودٍ الثَّقَفِيُّ، وَإِذَا إِبْرَاهِيمُ ﵇ قَائِمٌ يُصَلِّي، أَشْبَهُ النَّاسِ بِهِ صَاحِبُكُمْ - يَعْنِي نَفْسَهُ - فَحَانَتِ الصَّلَاةُ فَأَمَمْتُهُمْ، فَلَمَّا فَرَغْتُ مِنَ الصَّلَاةِ قَالَ قَائِلٌ: يَا مُحَمَّدُ، هَذَا مَالِكٌ صَاحِبُ النَّارِ، فَسَلِّمْ عَلَيْهِ، فَالْتَفَتُّ إِلَيْهِ، فَبَدَأَنِي بِالسَّلَامِ" (٣).

стр. 282

وجاء عن النَّبيِّ ﷺ ما هو أعمُّ من ذلك، قَالَ ﷺ في المَيِّت إِذَا وُضِعَ فِي قَبْرِهِ: "فَيُقَالُ لَهُ: أَرَأَيْتَكَ هَذَا الرَّجُلَ الَّذِي كَانَ فِيكُمْ مَا تَقُولُ فِيهِ، وَمَاذَا تَشَهَّدُ بِهِ عَلَيْهِ؟ فَيَقُولُ: دَعُونِي حَتَّى أُصَلِّيَ، فَيَقُولُونَ: إِنَّكَ سَتَفْعَلُ" (١). ولعلّ سؤال الميِّت الصَّلاة يكون أثناء فتنة القبر، ويفهم ذلك من سَابِقِ الْحَدِيثِ وَلَاحِقِهِ: "فَيُقَالُ لَهُ: أَرَأَيْتَكَ هَذَا الرَّجُلَ الَّذِي كَانَ فِيكُمْ مَا تَقُولُ فِيهِ، وَمَاذَا تَشَهَّدُ بِهِ عَلَيْهِ؟ فَيَقُولُ: دَعُونِي حَتَّى أُصَلِّيَ، فَيَقُولُونَ: إِنَّكَ سَتَفْعَلُ، أَخْبِرْنِي عَمَّا نَسْأَلُكُ عَنْهُ، أَرَأَيْتَكَ هَذَا الرَّجُلَ الَّذِي كَانَ فِيكُمْ مَا تَقُولُ فِيهِ، وَمَاذَا تَشَهَّدُ عَلَيْهِ؟ قَالَ: فَيَقُولُ: مُحَمَّدٌ أَشْهَدُ أَنَّهُ رَسُولُ الله، وَأَنَّهُ جَاءَ بِالْحَقِّ مِنْ عِنْدِ الله، فَيُقَالُ لَهُ: عَلَى ذَلِكَ حَيِيتَ وَعَلَى ذَلِكَ مِتَّ، وَعَلَى ذَلِكَ تُبْعَثُ إِنْ شَاءَ الله، ثُمَّ يُفْتَحُ لَهُ بَابٌ مِنْ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ، فَيُقَالُ لَهُ: هَذَا مَقْعَدُكَ مِنْهَا، وَمَا أَعَدَّ الله لَكَ فِيهَا، فَيَزْدَادُ غِبْطَةً وَسُرُورًا ... " (٢). المؤمن في قبره في روضة خضراء ينوّر له فيها إذا أجاب العبد المؤمن عن سؤال الملكين، فإنَّه في قبره في روضة خضراء، وإِنّه لَفِي غَضْراءِ عَيْشٍ وخير، قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "إِنَّ المُؤْمِنَ فِي قَبْرِهِ لَفِي رَوْضَةٍ خَضْرَاءَ، وَيُرْحَبُ لَهُ قَبْرُهُ سَبْعُونَ ذِرَاعًا، وَيُنَوَّرُ لَهُ كَالْقَمَرِ لَيْلَةَ البَدْرِ" (٣).

стр. 283

أمّا حديث: "إِنَّمَا القَبْرُ رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الجَنَّةِ أَوْ حُفْرَةٌ مِنْ حُفَرِ النَّارِ" (١). للتِّرْمِذِيّ والطَّبراني فَسَنَد كل مِنْهُمَا ضَعِيف جدًّا، لكن معنى الحديث صحيح. ما ينير ظلمة القبر أخبر النَّبيُّ ﷺ أنَّ القبر مملوء ظلمة، وأنَّ الله تعالى ينوِّره بصلاته، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "إِنَّ هَذِهِ الْقُبُورَ مَمْلُوءَةٌ ظُلْمَةً عَلَى أَهْلِهَا، وَإِنَّ اللهَ يُنَوِّرُهَا لَهُمْ بِصَلَاتِي عَلَيْهِمْ" (٢). وأرشدنا إلى الدُّعاء للميِّت أن ينوِّر له الله تعالى في قبره، فقال ﷺ في دعائه: "وَافْسَحْ لَهُ فِي قَبْرِهِ، وَنَوِّرْ لَهُ فِيهِ" (٣). فالدُّعاء المستجاب قد يعود على الميِّت بالنُّور التَّام في قبره. كما ثبت أنّ الله تعالى ينير ظلمة القبر إذا أجاب العبد عن سؤال الملكين، فالمَيِّتُ إِذَا قُبِرَ جاءه ملكان (مُنْكَر ونَكِير) فَيَقُولَانِ لَهُ: "مَا كُنْتَ تَقُولُ فِي هَذَا الرَّجُلِ مُحَمَّدٍ؟ فَهُوَ قَائِلٌ مَا كَانَ يَقُولُ فَإِنْ كَانَ مُؤْمِنًا، قَالَ: هُوَ عَبْدُ الله وَرَسُولُهُ أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا الله وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، فَيَقُولَانِ لَهُ: إِنْ كُنَّا لنَعْلَمُ إِنَّكَ

стр. 284

لَتَقُولُ ذَلِكَ ثم يفسح له في قبره سبعون ذِرَاعًا فِي سَبْعِينَ ذِرَاعًا ويُنَوَّر لَهُ فِيهِ" (١). هذا والله تعالى هو من أمر بسؤاله، وهو من يثبّته بفضله ورضوانه، وينير قبره بإحسانه، اللَّهُمَّ نوِّر قبورنا وألحقنا بنبيِّنا ﷺ . هل الأموات على علم بحال الأحياء؟ وهل تعرض أعمال الأحياء على الأموات ؟ أَخْرَجَ الْحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ في نوادره أنَّ النَّبيَّ ﷺ ، قال: "تعرض الْأَعْمَال يَوْم الِاثْنَيْنِ وَيَوْم الْخَمِيس على الله تَعَالَى وَتعرض على الْأَنْبِيَاء وعَلى الْآبَاء والأمهات يَوْم الْجُمُعَة فيفرحون بحسناتهم ... " (٢)، وهذا الحديث موضوع. وهناك أحاديث أخرى في عرض أَعمال الْأَحْيَاء على المَوْتَى لا يحتجُّ بشيء منها، مثل الحديث الَّذي تفرَّد به أحمد عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁، يَقُولُ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "إِنَّ أَعْمَالَكُمْ تُعْرَضُ عَلَى أَقَارِبِكُمْ وَعَشَائِرِكُمْ مِنَ الْأَمْوَاتِ، فَإِنْ كَانَ خَيْرًا اسْتَبْشَرُوا بِهِ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ ذَلِكَ، قَالُوا: اللَّهُمَّ لَا تُمِتْهُمْ، حَتَّى تَهْدِيَهُمْ كَمَا هَدَيْتَنَا" (٣). وما أخرجه ابن أبي الدّنيا في المنامات بسند ضعيف عنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁،

стр. 285

قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "لَا تَفْضَحُوا مَوْتَاكُمْ بِسَيِّئَاتِ أَعْمَالِكُمْ فَإِنَّهَا تُعْرَضُ عَلَى أَوْلِيَائِكُمْ مِنْ أَهْلِ الْقُبُورِ" (١). ونحو ذلك روى الطَّيَالِسِيُّ في مسنده من حديث جَابِرِ بْنِ عَبْدِ الله ﵄، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "إِنَّ أَعْمَالَكُمْ تُعْرَضُ عَلَى عَشَائِرِكُمْ وَأَقْرِبَائِكُمْ فِي قُبُورِهِمْ، فَإِنْ كَانَ خَيْرًا اسْتَبْشَرُوا بِهِ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ ذَلِكَ قَالُوا: اللَّهُمَّ أَلْهِمْهُمْ أَنْ يَعْمَلُوا بِطَاعَتِكَ" (٢)، قلت: وفي سنده الصَّلْتُ بْنُ دِينَارٍ وهو متروك. وما أخرجه الحاكم عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ ﵄ أنّه سَمِع رَسُولَ الله ﷺ يَقُولُ: " ... فَالله الله فِي إِخْوَانِكُمْ مِنْ أَهْلِ الْقُبُورِ، فَإِنَّ أَعْمَالَكُمْ تُعْرَضُ عَلَيْهِمْ" (٣). وممّا يشير إلى عدم عرض الأعمال عليهم، ما أخرجه الحاكم وغيره بسند صحيح من حديث أبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قال في روح المؤمن: "حَتَّى

стр. 286

يَأْتُوا بِهِ أَرْوَاحَ المُؤْمِنِينَ. قَالَ: فَلَهُمْ أَفْرَحُ بِهِ مِنْ أَحَدِكُمْ بِغَائِبِهِ إِذَا قَدِمَ عَلَيْهِ. قَالَ: فَيَسْأَلُونَهُ مَا فَعَلَ فُلَانٌ؟ قَالَ: فَيَقُولُونَ: دَعُوهُ حَتَّى يَسْتَرِيحَ فَإِنَّهُ كَانَ فِي غَمِّ الدُّنْيَا، فَإِذَا قَالَ لَهُمْ: أَمَا أَتَاكُمْ؟ فَإِنَّهُ قَدْ مَاتَ ... " (١)، فلو كانوا على علم بالأعمال ما سألوا عنها؟ وما أخرجه البخاريّ في صحيحه عن ابن عبَّاس ﵄، قَالَ: خَطَبَ رَسُولُ الله ﷺ ، فَقَالَ: " ... أَلا وَإِنَّهُ يُجَاءُ بِرِجَالٍ مِنْ أُمَّتِي فَيُؤْخَذُ بِهِمْ ذَاتَ الشِّمَالِ، فَأَقُولُ: يَا رَبِّ أُصَيْحَابِي، فَيُقَالُ: إِنَّكَ لا تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ، فَأَقُولُ كَمَا قَالَ العَبْدُ الصَّالِحُ: ﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (١١٧)﴾ [المائدة] " (٢)، فلو كان الميِّت يعلم وتعرض عليه الأعمال لكان النَّبيُّ ﷺ أولى بذلك. هل يعرف الميّت الحيّ إذا سلّم عليه ويسمعه ويأنس به ؟ هناك أحاديث واهية رواها مجروحون وضعفاء ومتروكون يتداولها عامَّة النَّاس في احتجاجهم ومناظراتهم، وساعد في انتشار هذه الأحاديث المشكلة أنَّها مَبْثُوثَةٌ في ثنايا بعض كتب التَّفسير وكتب التّاريخ وكتب العقائد وغيرها، وهناك من صحَّحها بغير علم، وتناقل المشتغلون في تحقيق هذه الكتب واختصارها ذلك، دون نقدها، فذاعت وشاعت، منها أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "مَا مِنْ عَبْدٍ يَمُرُّ بِقَبْرِ رَجُلٍ

стр. 287

كَانَ يَعْرِفُهُ فِي الدُّنْيَا فَيُسَلِّمُ عَلَيْهِ إِلا عَرَفَهُ وَرَدَّ ﵇" (١). ومنها ما رواه الحاكم وصحَّحه عنْ عَبْدِ الْأَعْلَى، عَنْ قَطَنِ بْنِ وَهْبٍ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ ... أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ حِينَ انْصَرَفَ مِنْ أُحُدٍ مَرَّ عَلَى مُصْعَبِ بْنِ عُمَيْرٍ ﵁ وَهُوَ مَقْتُولٌ عَلَى طَرِيقِهِ، فَوَقَفَ عَلَيْهِ رَسُولُ الله ﷺ وَدَعَا لَهُ ... ثُمَّ قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "أَشْهَدُ أَنَّ هَؤُلَاءِ شُهَدَاءُ عِنْدَ الله يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَأْتُوهُمْ وَزُورُوهُمْ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا يُسَلِّمُ عَلَيْهِمْ أَحَدٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ إِلَّا ردُّوا عَلَيْهِ" (٢).

стр. 288

ومنها ما روي عن مُحَمَّد بن عون، عن يحيى بن يمَان، عَن عبد الله بن سمْعَان، عَن زيد بن أسلم عَن عَائِشَة حي على الفلاح، قَالَت: قَالَ رَسُول الله ﷺ : "مَا من رجل يزور قبر أَخِيه وَيجْلس عِنْده إِلَّا استأنس بِهِ ورد عَلَيْهِ حَتَّى يقوم" (١). قلت: وقد تظاهرت الأدلَّة على عدم سماع الأموات كلام الأحياء، وأظهرها قوله تعالى خطابًا لنبيِّه: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى ... (٨٠)﴾ [النّمل]، وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ (٢٢)﴾ [فاطر]. وعنْ عَبْدِ الله بْنِ مَسْعُودٍ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "إِنَّ لله مَلَائِكَةً سَيَّاحِينَ فِي الْأَرْضِ، يُبَلِّغُونِي مِنْ أُمَّتِي السَّلَامَ" (٢)، فالنَّبيُّ ﷺ لا يسمع السّلام، وإنَّما تبلِّغه إيَّاه ملائكة سيَّارون في الأرض، فإذا كان النَّبيُّ ﷺ لا يسمع سلام مَنْ سَلَّمَ عليه مِنْ أمَّته، فغيره من الموتى أحرى بعدم السَّماع، وهذا يبيّن لك ضلال مَنْ يستغيث بالموتى ليس لأنَّهم لا يسمعون فحسب، وإنَّما لأنَّهم لا يملكون

стр. 289

ضرًّا ولا نفعًا وهم أحياء فكيف وهم أموات؟ ! فهناك من يشدُّ الرِّحال إلى أصحاب القبور هُنَا وَهُنَاكَ يدعونهم من دون الله تعالى، وقد أخبر الله أكبر أنَّ المدعوَّ من دونه من أصنام وأموات ليس من شأنهم السَّماع، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ (١٣) إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ ... (١٤)﴾ [فاطر]. وقد يعترض معترض، فيقول: إنَّ المراد بالَّذين لا يسمعون الأصنام، فالله تعالى نفى السَّمع عن الجمادات، ولم ينفِ السَّمع عن الأموات؟ ! والجواب: أنَّ كلمة من دونه تحتمل الجمادات والأموات وكلّ ما يُدْعَى من دونه الله تعالى، بدليل قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ ... (١٤)﴾ [فاطر]، فالّذي يقع منه الكفر بهذا الشِّرك يوم القيامة هم العقلاء من الأموات الَّذين كانوا يدعونهم من دون الله تعالى، وصدق الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ (٥)﴾ [الأحقاف]. ويدلك أنَّ الموتى لا يسمعون ولا يستجيبون، قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ (٣٦)﴾ [الأنعام]، فقد شبَّه الله تعالى الكفَّار بالموتى في عدم السَّماع، وهذا فيه أنَّ المشبَّه به - وهم الموتى- لا يسمعون؛ ولذلك وضعت علامة الوقف اللَّازم على كلمة (يسمعون)، ولم توضع على كلمة (الموتى)، فَافْهَم هَذَا.

стр. 290

ومن أظهر الأدلَّة قوله ﷺ : "فَيُقَالُ: إِنَّكَ لا تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ" (١)، فالنَّبيُّ ﷺ لا يدري ما أحدث رجال من أمَّته بعد موته ﷺ ، فلو كان الميِّت يسمع أو يرى أو يعلم لكان النَّبيُّ ﷺ أولى بذلك. ومع أنَّ الموتى ليس من شأنهم السَّماع، لكن إذا شَاءَ الله تعالى أن يسمعهم لم يمتنع، فالله تعالى يسمع مَنْ يشاء، كما أسمع أَهْلَ الْقَلِيبِ مِنْ بَدْرٍ كَلَامَ النَّبيِّ ﷺ : "فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا؟ فَقَالَ عُمَرُ: يَا رَسُولَ الله، مَا تُكَلِّمُ مِنْ أَجْسَادٍ لا أَرْوَاحَ لَهَا؟ فَقَالَ ﷺ : وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، مَا أَنْتُمْ بِأَسْمَعَ لِمَا أَقُولُ مِنْهُمْ" (٢). وهذه حادثة أو وَاقِعَةُ عَيْنٍ، وحوادث الأعيان لا يستدلّ بها على عموم الأحكام، فهي لا تشمل غيرهم من الموتى، ليس لها حكم العموم، ولا تدلُّ على أنَّهم يسمعون دائمًا وأبدًا، فسماعهم خاص بذلك الوقت وبما قاله لهم النَّبيُّ ﷺ ، ويدلّك على ذلك قول قتادة في آخر الحديث: "أَحْيَاهُمُ الله حَتَّى أَسْمَعَهُمْ قَوْلَهُ؛ تَوْبِيخًا وَتَصْغِيرًا وَنَقِيمَةً وَحَسْرَةً وَنَدَمًا". ويدلّك على ذلك فهم عائشة ﵂، قَالَتْ: إِنَّمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "إِنَّهُمْ لَيَعْلَمُونَ الآنَ أَنَّ مَا كُنْتُ أَقُولُ لَهُمْ حَقٌّ، وَقَدْ قَالَ الله تَعَالَى: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى ... (٨٠)﴾ [النّمل] " (٣)، فعائشة ﵂ تنكر سماع الموتى إلَّا ما ثبت لهم، مثل: حديث القليب هذا، لكنَّها تشير إلى أنَّ سماعهم مقيَّد بالسَّماع له ﷺ ، وفي

стр. 291

الوقت الَّذي ناجاهم فيه، وكما في حديث خفق النِّعال. هل كلام الْقَبْر للْمَيت حقّ ؟ وردت أحاديث معلولة في خطاب القبر للميِّت، منها ما أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ أنَّ النَّبيَّ ﷺ ، قال: "لَمْ يَأْتِ عَلَى القَبْرِ يَوْمٌ إِلَّا تَكَلَّمَ فِيهِ فَيَقُولُ: أَنَا بَيْتُ الغُرْبَةِ وَأَنَا بَيْتُ الوَحْدَةِ، وَأَنَا بَيْتُ التُّرَابِ، وَأَنَا بَيْتُ الدُّودِ، فَإِذَا دُفِنَ العَبْدُ المُؤْمِنُ قَالَ لَهُ القَبْرُ: مَرْحَبًا وَأَهْلًا أَمَا إِنْ كُنْتَ لَأَحَبَّ مَنْ يَمْشِي عَلَى ظَهْرِي إِلَيَّ، فَإِذْ وُلِّيتُكَ اليَوْمَ وَصِرْتَ إِلَيَّ فَسَتَرَى صَنِيعِيَ بِكَ، قَالَ: فَيَتَّسِعُ لَهُ مَدَّ بَصَرِهِ وَيُفْتَحُ لَهُ بَابٌ إِلَى الجَنَّةِ. وَإِذَا دُفِنَ العَبْدُ الفَاجِرُ أَوِ الكَافِرُ قَالَ لَهُ القَبْرُ: لَا مَرْحَبًا وَلَا أَهْلًا أَمَا إِنْ كُنْتَ لَأَبْغَضَ مَنْ يَمْشِي عَلَى ظَهْرِي إِلَيَّ، فَإِذْ وُلِّيتُكَ اليَوْمَ وَصِرْتَ إِلَيَّ فَسَتَرَى صَنِيعِيَ بِكَ" (١)، وردَّه التِّرْمِذِيُّ، فقال: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ هَذَا الوَجْهِ. أي ضعيف، لأنّ في سنده الْوَصَّافِيُّ وعَطِيَّة الْعَوْفِيّ وكلاهما ضعيف. ومنها حديث: "مَا يَأْتِي عَلَى هَذَا الْقَبْرِ مِنْ يَوْمٍ إِلَّا وَهُوَ يُنَادِي بِصَوْتٍ طَلْقٍ ذَلْقٍ: يَا ابْنَ آدَمَ، كَيْفَ نَسِيتَنِي؟ أَلَمْ تَعْلَمْ أَنِّي بَيْتُ الْوَحْدَةِ، وَبَيْتُ الْغُرْبَةِ، وَبَيْتُ الْوَحْشَةِ، وَبَيْتُ الدُّودِ، وَبَيْتُ الضِّيقِ، إِلَّا مَنْ وَسَّعَنِي الله عَلَيْهِ" (٢).

стр. 292

ومنها حديث: "يَقُولُ الْقَبْرُ لِلْمَيِّتِ حِينَ يُوضَعُ فِيهِ: وَيْحَكَ ابْنَ آدَمَ، مَا غَرَّكَ بِي؟ أَلَمْ تَعْلَمْ أَنِّي بَيْتُ الْفِتْنَةِ وَبَيْتُ الظُّلْمَةِ وَبَيْتُ الْوَحْدَةِ وَبَيْتُ الدُّودِ؟ " (١)، وهناك أحاديث أخرى في هذا الباب لا يَصِحُّ منها شيء. هل الموتى يتزاورون في أكفانهم ؟ وردت أحاديث معلولة تنصُّ على تزاور المَوْتَى فِي أكفانهم، والأمر بتحسين الكفن لأجل هذا، منها عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : "إِذَا وَلِيَ أَحَدُكُمْ أَخَاهْ فَلْيُحْسِنْ كَفَنَهُ، فَإِنَّهُمْ يُبْعَثُونَ فِي أَكْفَانِهِمْ وَيَتَزَاوَرُونَ فِي أَكْفَانِهِمْ" (٢) وهذا الحديث اخْتُلِفَ عَلَيْهِ، لكن صدره صحيح كما في صحيح مسلم وغيره. ويدلّك على ضعفه، مخالفة متنه لما ثبت من أنّنا نبعث حفاة عراة، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "يَبْعَثُ اللهُ النَّاسَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلًا" (٣). قلت: والكفن

стр. 293

"لِلْمُهْلَةِ" كما قال أَبُو بَكْرٍ ﵁، وسرعان ما يُسْلَبُ، فينال خيرًا منه أو شرًّا منه. ومنها عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "حَسِّنُوا أَكْفَانَ مَوْتَاكُمْ فَإِنَّهُمْ يَتَزَاوَرُونَ فِي أكفانهم" (١)، وأعلَّه ابن الجوزيّ وغيره. وروى البيهقيّ بإسناد فيه نظر، عن مُسْلِم بْن إِبْرَاهِيم الْوَرَّاق، عن ... عِكْرِمَة بْن عَمَّارٍ، عن هِشَام بْن حَسَّان، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي قَتَادَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: "مَنْ وَلِيَ أَخَاهُ فَلْيُحْسِنْ كَفَنَهُ، فَإِنَّهُمْ يَتَزَاوَرُونَ فِيهَ" (٢)، ومُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْوَرَّاقُ ضعّفه الحافظ. وَعَلَى كُلِّ حَالٍ هذه ليست مسألة نتعبَّد الله تعالى بها حتَّى يتعيَّن علينا معرفتها، لكن الَّذي لا ريب فيه أنَّ البرزخ فيه حياة يعلمها الله تعالى، فحياة الشُّهداء ثابتة بِنَصِّ القُرْآنِ، قال تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ (١٥٤)﴾ [البقرة]، وقال تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (١٦٩)﴾ [آل عمران]. أَنَتَزَاوَرُ إِذَا مِتْنَا وَيَرَى بَعْضُنا بَعْضًا ؟ عَنْ أُمِّ هَانِئٍ ﵂، أَنَّهَا سَأَلَتْ رَسُولَ الله ﷺ أَنَتَزَاوَرُ إِذَا مِتْنَا وَيَرَى بَعْضُنَا بَعْضًا؟ فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "تَكُونُ النَّسَمُ طَيْرًا تَعْلُقُ بِالشَّجَرِ، حَتَّى إِذَا كَانَ يَوْمُ

стр. 294

الْقِيَامَةِ دَخَلَتْ كُلُّ نَفْسٍ فِي جَسَدِهَا" (١). ويشهد لمعناه ما رواه أحمد بسند صحيح من حديث كَعْب بن مَالِك الْأَنْصَارِيّ ﵁ وَهُوَ أَحَدُ الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ تِيبَ عَلَيْهِمْ ﵃ كَانَ يُحَدِّثُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: " إِنَّمَا نَسَمَةُ المُؤْمِنِ طَائِرٌ يَعْلُقُ فِي شَجَرِ الْجَنَّةِ حَتَّى يُرْجِعَهَا اللهُ ﵎ إِلَى جَسَدِهِ يَوْمَ يَبْعَثُهُ" (٢). وقوله: "نَسَمَةُ المُؤْمِنِ طَائِرٌ" تَعُمُّ الشَّهِيدَ وَغَيْرَهُ؛ فالحديث فيه كرامة لعموم المؤمنين، لأنَّ اللَّفظ جاء مطلقًا بصيغة العموم، ويحتمل أنَّ هذه الكرامة للشُّهداء خاصَّة دون غيرهم، لأن الكتاب والسُّنَّة ينصَّان على ذلك، فَيُحْمَلُ المُطْلَقُ عَلَى المُقَيَّدِ. ولعلَّ المعنى أنَّ روح المؤمن كهيئة طائر، وأنّها فِي نَعِيمٍ مقيم. ولا نستطيع الجزم بأنَّ النَّبيَّ ﷺ أجاب عن سؤال أُمِّ هَانِئٍ ﵂ بالنَّفي أو الإثبات، فقد اختلف الشُّرَّاح في ذلك. ولمّا اشتكى كعب بن مالك ﵁ مَرَضَ الموْتِ وحضرته الْوَفَاةُ، دَخَلَتْ عَلَيْهِ أُمُّ مُبَشِّرٍ بِنْتُ الْبَرَاءِ بْنِ مَعْرُورٍ، وطلبت منه إنْ لَقِي ابنها بعد موته أن يقرئه مِنها السَّلَامَ، أخرج أحمد من طريق مَعْمَر، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ ... كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: قَالَتْ أُمُّ مُبَشِّرٍ لِكَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، وَهُوَ شَاكٍ: اقْرَأْ عَلَى ابْنِي

стр. 295

السَّلَامَ، تَعْنِي مُبَشِّرًا، فَقَالَ: يَغْفِرُ اللهُ لَكِ يَا أُمَّ مُبَشِّرٍ، أَوَلَمْ تَسْمَعِي مَا قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "إِنَّمَا نَسَمَةُ المُسْلِمِ طَيْرٌ تَعْلُقُ فِي شَجَرِ الْجَنَّةِ حَتَّى يُرْجِعَهَا اللهُ إِلَى جَسَدِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ" (١) قَالَتْ: صَدَقْتَ، فَأَسْتَغْفِرُ اللهَ. قلت: وظاهر الحديث أنَّ كعب بن مالك ﵁ أقام الحجَّة عليها، ولعلَّ المعنى أنَّ روح المسلم في شغل عن ذلك بنعيم الجنَّة، وما طلبته أُمُّ مُبَشِّرٍ ليس العمل عليه. لكنَّنا نجزم باجتماع الموتى إلى الميِّت وسؤالهم إياه أوَّل ما يُصْعَدُ بِرُوحِه إِلَى السَّمَاءِ، فَالمُعْتَمَدُ مَا وَرَدَ بِهِ النَّصُّ صَرِيحًا. هل تتلاقى أرواح الأموات وتتذاكر؟ ثبت أنّ أَرْوَاح المؤمنين تتلاقى وتتحادث وتتذاكر في البرزخ أوَّل ما يُصْعَدُ بِرُوحِ المؤمن إِلَى السَّمَاءِ، وثبت أَنَّهُمْ يَجْتَمِعُونَ وَيَتَلَقَّوْنَ المَيِّتَ ثُمَّ يَسْأَلُونَهُ عَنْ مَعَارِفِهِمْ، أخرج البزَّار من حديث أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ مرفوعًا: "وَإِنَّ المُؤْمِنَ يُصْعَدُ بِرُوحِهِ إِلَى السَّمَاءِ، فَتَأْتِيهِ أَرْوَاحُ المُؤْمِنِينَ فَيَسْتَخْبِرُونَهُ عَنْ مَعَارِفِهِمْ مِنْ أَهْلِ الأَرْضِ، فَإِذَا قَالَ: تَرَكْتُ فُلانًا فِي الدُّنْيَا، أَعْجَبَهُمْ ذَلِكَ، وَإِذَا قَالَ: إِنَّ فُلانًا قَدْ مَاتَ، قَالُوا: مَا جِيءَ بِهِ إِلَيْنَا" (٢).

стр. 296

وقد خرّج النّسائي الحديث بسنده عن أبي هريرة ﵁، وفيه: " ... فَيَأْتُونَ بِهِ أَرْوَاحَ المُؤْمِنِينَ فَلَهُمْ أَشَدُّ فَرَحًا بِهِ مِنْ أَحَدِكُمْ بِغَائِبِهِ يَقْدَمُ عَلَيْهِ، فَيَسْأَلُونَهُ: مَاذَا فَعَلَ فُلَانٌ؟ مَاذَا فَعَلَ فُلَانٌ؟ فَيَقُولُونَ: دَعُوهُ فَإِنَّهُ كَانَ فِي غَمِّ الدُّنْيَا، فَإِذَا قَالَ: أَمَا أَتَاكُمْ؟ قَالُوا: ذُهِبَ بِهِ إِلَى أُمِّهِ الْهَاوِيَةِ" (١). فأرواح المؤمنين تلتقي بالجملة، عَنْ عَبْدِ الله بْنِ عَمْرِو ﵄، عَنْ رَسُولِ الله ﷺ ، قَالَ: "إِنَّ أَرْوَاحَ المُؤْمِنِينَ تَلْتَقِي عَلَى مَسِيرَةِ يَوْمٍ، مَا رَأَى أَحَدُهُمْ صَاحِبَهُ قَطُّ" (٢). نَتن الميّت وبلاء جسده إلا الأنبياء وَمن ألحق بهم قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "إِنَّ أَوَّلَ مَا يُنْتِنُ مِنَ الإِنْسَانِ بَطْنُهُ، فَمَنِ اسْتَطَاعَ أَنْ لا يَأْكُلَ إِلَّا طَيِّبًا فَلْيَفْعَلْ" (٣). لكن أجساد الأنبياء لا تصبح رميمًا كسائر النَّاس، قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : ... "مِنْ أَفْضَلِ أَيَّامِكُمْ يَوْمُ الْجُمُعَةِ، فِيهِ خُلِقَ آدَمُ، وَفِيهِ قُبِضَ، وَفِيهِ النَّفْخَةُ، وَفِيهِ الصَّعْقَةُ، فَأَكْثِرُوا عَلَيَّ مِنَ الصَّلَاةِ فِيهِ، فَإِنَّ صَلَاتَكُمْ مَعْرُوضَةٌ عَلَيَّ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ الله، وَكَيْفَ تُعْرَضُ عَلَيْكَ صَلَاتُنَا وَقَدْ أَرِمْتَ؟ ـ يَعْنِي: وَقَدْ بَلِيتَ ـ قَالَ: إِنَّ اللهَ حَرَّمَ عَلَى الْأَرْضِ أَنْ تَأْكُلَ أَجْسَادَ الْأَنْبِيَاءِ" (٤).

стр. 297

ويلحق بهم من يتفضَّل الله تعالى عليه، عَنْ عُرْوَة، لمّا سَقَطَ عَلَيْهِمُ الحَائِطُ فِي زَمَانِ الوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ المَلِكِ، أَخَذُوا فِي بِنَائِهِ فَبَدَتْ لَهُمْ قَدَمٌ، فَفَزِعُوا وَظَنُّوا أَنَّهَا قَدَمُ النَّبِيِّ ﷺ ، فَمَا وَجَدُوا أَحَدًا يَعْلَمُ ذَلِكَ حَتَّى قَالَ لَهُمْ عُرْوَةُ: "لا والله مَا هِيَ قَدَمُ النَّبِيُّ ﷺ ، مَا هِيَ إِلَّا قَدَمُ عُمَرَ ﵁ " (١). بَيَانُ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ: "وَاسْتَخْرِجُوا عِظَامَ يُوسُفَ ﵇ - " كيف الجمع بين قول النَّبِيِّ ﷺ : "إِنَّ اللهَ حَرَّمَ عَلَى الْأَرْضِ أَنْ تَأْكُلَ أَجْسَادَ الْأَنْبِيَاءِ" (٢)، ومَا رُوِيَ: "وَاسْتَخْرِجُوا عِظَامَ يُوسُفَ ﵇ " ففي الحديث، قال النَّبِيُّ ﷺ : "عَجَزْتُمْ أَنْ تَكُونُوا مِثْلَ عَجُوزِ بَنِي إِسْرَائِيلَ؟ قَالَ: إِنَّ مُوسَى لمَّا سَارَ ... بِبَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ مِصْرَ ضَلُّوا الطَّرِيقَ، فَقَالَ: مَا هَذَا؟ فَقَالَ عُلَمَاؤُهُمْ: إِنَّ يُوسُفَ لمَّا حَضَرَهُ المَوْتُ أَخَذَ عَلَيْنَا مَوْثِقًا مِنَ الله أَنْ لَا نَخْرُجَ مِنْ مِصْرَ حَتَّى نَنْقُلَ عِظَامَهُ مَعَنَا، قَالَ: فَمَنْ يَعْلَمُ مَوْضِعَ قَبْرِهِ؟ قَالَ: عَجُوزٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَبَعَثَ إِلَيْهَا فَأَتَتْهُ، فَقَالَ: دُلِّينِي عَلَى قَبْرِ يُوسُفَ، قَالَتْ: حَتَّى تُعْطِيَنِي حُكْمِي، قَالَ: مَا حُكْمُكِ؟ قَالَتْ: أَكُونُ مَعَكَ فِي الْجَنَّةِ، فَكَرِهَ أَنْ يُعْطِيَهَا ذَلِكَ، فَأَوْحَى الله إِلَيْهِ: أَنْ أَعْطِهَا حُكْمَهَا، فَانْطَلَقَتْ بِهِمْ إِلَى بُحَيْرَةٍ: مَوْضِعِ مُسْتَنْقَعِ مَاءٍ، فَقَالَتْ: أَنْضِبُوا هَذَا المَاءَ، فَأَنْضَبُوا، قَالَتِ: احْتَفِرُوا وَاسْتَخْرِجُوا عِظَامَ يُوسُفَ، فَلَمَّا أَقَلُّوهَا إِلَى الْأَرْضِ

стр. 298

إِذَا الطَّرِيقُ مِثْلُ ضَوْءِ النَّهَارِ" (١). فقد يبدو تعارض بين جملة: "عظام يوسف ﵇ "، و"أنّ الله حَرَّمَ عَلَى الْأَرْضِ أَنْ تَأْكُلَ أَجْسَادَ الْأَنْبِيَاءِ". ويزول الإشكال إذا عرفت أن المراد بكلمة عظام الجسد كلّه، من باب إطلاق الجزء وإرادة الكلّ، ويؤكِّد هذا ما روي عَنِ ... ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لمَّا بَدَّنَ قَالَ لَهُ تَمِيمٌ الدَّارِيُّ ﵁: "أَلَا أَتَّخِذُ لَكَ مِنْبَرًا يَا رَسُولَ الله، يَجْمَعُ -أَوْ يَحْمِلُ- عِظَامَكَ؟ قَالَ: بَلَى، فَاتَّخَذَ لَهُ مِنْبَرًا مِرْقَاتَيْنِ" (٢). النَّاس يبْلوْنَ فِي قُبُورِهُمْ إِلَّا عَجْب الذَّنَبِ مِنْهُمْ الإنسان إذا مات بلي منه كل شيء إِلَّا عَجْب الذَّنَبِ وهُوَ رَأْسُ الْعُصْعُصِ مثل حَبَّة الْخَرْدَل، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ ، قَالَ: "كُلُّ ابْنِ آدَمَ يَأْكُلُهُ التُّرَابُ، إِلَّا عَجْبَ الذَّنَبِ مِنْهُ خُلِقَ وَفِيهِ يُرَكَّبُ" (٣). وَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : ... "إِنَّ فِي الْإِنْسَانِ عَظْمًا لَا تَأْكُلُهُ الْأَرْضُ أَبَدًا، فِيهِ يُرَكَّبُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، قَالُوا أَيُّ عَظْمٍ هُوَ يَا رَسُولَ الله؟ قَالَ: عَجْبُ الذَّنَبِ" (٤). وهذا لَفْظُ مُسْلِمٍ، وَلَفْظُ الْبُخَارِيِّ:

стр. 299

"لَيْسَ مِنَ الإِنْسَانِ شَيْءٌ إِلَّا يَبْلَى، إِلَّا عَظْمًا وَاحِدًا وَهُوَ عَجْبُ الذَّنَبِ، وَمِنْهُ يُرَكَّبُ الخَلْقُ يَوْمَ القِيَامَةِ" (١). وظاهر اللَّفظ في الأحاديث العموم، أيّ أنَّ كلَّ ابن آدم أجسادهم تبلى وتأكلهم الأرض خلا عَجْب الذَّنَب منهم، وأنّهم سواء في ذلك، إِلَّا أَنَّهُ قَدْ ثبت أنَّ أَجْسَاد الْأَنْبِيَاءِ لَا تَبْلَى كما تقدّم. هل يشعر الميّت ببلاء جسده؟ وكيف ينعم بعد ذلك ؟ هل يشعر الميّت ببلاء جسده؟ وهل يؤلمه ذلك إن كان عبدًا تقيًّا؟ وكيف يفرش له من الجنَّة ويلبس منها، وقد بلي وأضحى في التّراب رميمًا؟ المؤمن ليس يضرُّه بلاء جسده شيئًا، قال ابن عُمَرَ ﵄ يومًا لأَسْمَاء بنت أبي بكر ﵄ (ذَاتِ النِّطَاقَيْنِ) وهي فِي نَاحِيَةِ المَسْجِدِ - حِيْنَ بلغه قتل ابْنُ الزُّبَيْرِ ﵁: "إِنَّ هَذِهِ الجُثَثَ لَيْسَتْ بِشَيْءٍ، وَإِنَّمَا الأَرْوَاحُ عِنْدَ الله؛ فَاتَّقِي اللهَ، وَاصْبِرِي" (٢). قلت: ونعيم القبر حقّ بلي الجسد أم لم يبل، ورُؤْيَتُنَا لأجساد بالية لا يعني انتفاء النَّعيم أو العذاب عن أصحابها، ولو رأينا شيئًا من النَّعيم أو العذاب الَّذي أخبر الله تعالى ورسوله ﷺ عنه لَارْتَفَعَ الْإِيمَانُ بِالْغَيْبِ. هذا وعالم الغيب لا يقاس على عالم الشّهادة، ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ

стр. 300

شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا (٤٤)﴾ [فاطر]. فإن قيل: كم من ميّت شاهده النَّاس على حاله بعد نبش قبره بفترة وجيزة من دفنه، فَكَيْفَ يضمّه القبر، أو ينعّم، أو يعذّب ويضرب بمطارق من حديد، ولا يظهر لَهُ أَثَرٌ؟ ! فَالْجَوَابُ أَنَّ ذَلِكَ غَيْرُ مُمْتَنِعٍ ولا مستَنْكَر كالنَّائِم أو الْيَقْظَان فإنّه يجد لَذَّةً أو أَلَمًا لما يراه ويسمعه، ولا يشاهد ذلك جليسه ولا يحسُّ وَلَا يَشْعُرُ بِهِ ولا يعرفه. ومن رحمة الله تعالى بالنَّاس أَنْ سَتَرَ عنهم عذاب القبر ولم يكشفه لهم، وصرف أبصارهم وأسماعهم عَنْ مُشَاهَدَته وسماعه؛ فلو رأى النّاس بعض العذاب أو سمعوه لانخلعت له قلوبهم، ولتركوا التَّدَافُن حذر العذاب، وخشية الفضيحة في الأحباب، لئلا يطّلع على أحوالهم، قَالَ ﷺ : "لَوْلَا أَنْ لَا تَدَافَنُوا، لَدَعَوْتُ اللهَ أَنْ يُسْمِعَكُمْ عَذَابَ الْقَبْرِ" (١). هل أجساد الشّهداء تبلى ؟ يظنُّ كثير من النَّاس أنَّ أجساد الشُّهداء لا تبلى كأجساد الأنبياء، وهذا لا دليل عليه، والثَّابت أنّ الله تعالى "حَرَّمَ عَلَى الْأَرْضِ أَنْ تَأْكُلَ أَجْسَادَ الْأَنْبِيَاءِ"، ولا نعلم أنَّه حرّم عليها غير أجسادهم، فغير الأنبياء لم يأت دليل يدلُّ على أن الأرض لا تأكل أجسادهم. فإن قيل: فقد ثبت أنَّ بعض أجساد الشُّهداء والصَّالحين لم تأكلها الأرض

стр. 301

ولم تتغيّر ولم تبدّل؟ قلنا نعم، وَلَكِنْ هَذَا لَيْسَ دَلِيلًا على أنَّ كلَّ شهيد لا يبلى، وإنّما هي كرامة من الله تعالى لذلك الإنسان شهيدًا كان أو صالحًا، وعلى ذلك إذا بلي جسد الشَّهيد وتغيَّر فهذا لا ينفي عنه الشّهادة، ولله الحمد. الرّوح لا تفنى بفناء الجسد المَيِّتُ يُعْرَضُ عَلَيْهِ مَقْعَدُهُ بِالْغَدَاةِ وَالعَشِيِّ حَتَّى يَبْعَثَه الله إِلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، عَنْ عَبْدِ الله بْنِ عُمَرَ ﵄: أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ ، قَالَ: "إِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا مَاتَ عُرِضَ عَلَيْهِ مَقْعَدُهُ بِالْغَدَاةِ وَالعَشِيِّ، إِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ فَمِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ، وَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ فَمِنْ أَهْلِ النَّارِ، فَيُقَالُ: هَذَا مَقْعَدُكَ حَتَّى يَبْعَثَكَ الله يَوْمَ القِيَامَةِ" (١)، أي هذا مكانك الذي تبعث إليه وتصله يوم القيامة. والْحَدِيثُ فيه أَنَّ الرُّوحَ لَا تَفْنَى بِفِنَاءِ الْجَسَدِ، وأنّها تنعَّم أو تعذَّب. وَعَنْ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ كَانَ يُحَدِّثُ: أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ ، قَالَ: "إِنَّمَا نَسَمَةُ (روح) المُؤْمِنِ طَائِرٌ يَعْلُقُ فِي شَجَرِ الْجَنَّةِ حَتَّى يُرْجِعَهُ اللهُ ﵎ إِلَى جَسَدِهِ يَوْمَ يَبْعَثُهُ" (٢). أمّا ما خرّجه ابْنُ السُّنِّيِّ عَنْ عَبْدِ الله بْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ الله ﷺ إِذَا دَخَلَ الْجَبَّانَةَ يَقُولُ: "السَّلَامُ عَلَيْكُمْ أَيَّتُهَا الْأَرْوَاحُ الْفَانِيَةُ ... " (٣)، فالحديث

стр. 302

ضعيف، والرّوح لا تفنى وإنَّما تَبْلَى وتفنى أجسادها. دخول الرّوح الجنّة قبل يوم القيامة مِنَ النُّصُوصِ الصَّرِيحَةِ فِي دُخُولِ الرُّوحِ الْجَنَّة قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، قوله تعالى: ﴿يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (٢٧) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً (٢٨) فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (٢٩) وَادْخُلِي جَنَّتِي (٣٠)﴾ [الفجر]، وقولُ النَّبيِّ ﷺ : "إِنَّمَا نَسَمَةُ المُؤْمِنِ طَائِرٌ يَعْلُقُ فِي شَجَرِ الْجَنَّةِ ... " الحديث. الأرواح فِي الْبَرْزَخِ أَيْنَ تَكُون ؟ الْكَلَامُ فِي الرُّوحِ مِمَّا يخفى ويَغْمُضُ، فالرّوح مِمَّا اسْتَأْثَرَ الله تعالى بِعِلْمِهِ، قال تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا (٨٥)﴾ [الإسراء]. وما نعلمه أنَّ الرّوح لها أَنْوَاع مختلفة من التّعَلُّقَات بِالبَدَن، فالنُّطْفَة بعد أن تقع فِي الرَّحِمِ وتمكث أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ يُنْفَخُ فِيهَا الرُّوحُ، ثمّ تتعلّق الرّوح بالبدن يوم يخرج الإنسان من رحم أمّه إلى هذه الدَّار، وتتعلَّق به يوم يخرج منها إلى دار البرزخ، وتتعلّق به يوم البعث، فهي باقية لا تموت كما تموت الأجساد. والَّذي يعنينا مستقرّ الأرواح بعد مفارقتها البدن إلى يوم القيامة، وفي مستقرِّها خِلَافٌ كَبِيرٌ لأهل العلم، وَلَكِنَّ الدَّلِيلَ قَائِمٌ عَلَى مَا سنذكر، وإن كانت المسألة لا تقف عنده. فالظَّاهر أنَّ أرواح الأنبياء في خير المنازل في أَعْلَى عَلِيِّينَ، فلمّا مَرِضَ ... النَّبِيُّ ﷺ المَرَضَ الَّذِي مَاتَ فِيهِ، قال ﷺ : "اللهُمَّ اغْفِرْ لِي وَاجْعَلْنِي مَعَ الرَّفِيقِ

стр. 303

الْأَعْلَى" (١)، وعَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: "وَكَانَ فِي شَكْوَاهُ الَّذِي قُبِضَ فِيهِ، أَخَذَتْهُ بُحَّةٌ شَدِيدَةٌ، فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: ﴿مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ ... (٦٩)﴾ [النّساء] " (٢)، وعَنْها ﵂، قَالَتْ: "أُغْمِيَ عَلَى رَسُولِ الله ﷺ وَرَأْسُهُ فِي حِجْرِي، فَجَعَلْتُ أَمْسَحُهُ وَأَدْعُو لَهُ بِالشِّفَاءِ، فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ ﷺ : "لَا بَلْ أَسْأَلُ الله الرَّفِيقَ الْأَعْلَى مَعَ جِبْرِيلَ، وَمِيكَائِيلَ، وإِسْرَافِيلَ" (٣). أمّا أَرْوَاح الشُّهَدَاءِ ففِي الْجَنَّةِ، وهم أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ، أَخْرَجَ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ مَسْرُوقٍ قَالَ: سَأَلْنَا عَبْدَ الله بْنَ مَسْعُودٍ عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (١٦٩)﴾ [آل عمران]، قَالَ: أَمَا إِنَّا قَدْ سَأَلْنَا عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: أَرْوَاحُهُمْ فِي جَوْفِ طَيْرٍ خُضْرٍ، لَهَا قَنَادِيلُ مُعَلَّقَةٌ بِالْعَرْشِ، تَسْرَحُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ شَاءَتْ، ثُمَّ تَأْوِي إِلَى تِلْكَ الْقَنَادِيلِ، فَاطَّلَعَ إِلَيْهِمْ رَبُّهُمُ اطِّلَاعَةً، فَقَالَ: هَلْ تَشْتَهُونَ شَيْئًا؟ قَالُوا: أَيَّ شَيْءٍ نَشْتَهِي وَنَحْنُ نَسْرَحُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ شِئْنَا، فَفَعَلَ ذَلِكَ بِهِمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، فَلَمَّا رَأَوْا أَنَّهُمْ لَنْ يُتْرَكُوا مِنْ أَنْ يُسْأَلُوا، قَالُوا: يَا رَبِّ، نُرِيدُ أَنْ تَرُدَّ أَرْوَاحَنَا فِي أَجْسَادِنَا حَتَّى نُقْتَلَ فِي سَبِيلِكَ مَرَّةً أُخْرَى، فَلَمَّا رَأَى أَنْ لَيْسَ لَهُمْ حَاجَةٌ تُرِكُوا" (٤).

стр. 304

والظَّاهر أنَّ هذا ليس لكلِّ الشُّهداء، عَنْ جَابِرٍ ﵁، قَالَ: "جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ الله ﷺ ، فَقَالَ: أَرَأَيْتَ إِنْ جَاهَدْتُ فِي سَبِيلِ الله بِنَفْسِي وَمَالِي حَتَّى أُقْتَلَ صَابِرًا مُحْتَسِبًا، مُقْبِلًا غَيْرَ مُدْبِرٍ، أَأَدْخُلُ الْجَنَّةَ؟ قَالَ: نَعَمْ، فَلَمَّا وَلَّى دَعَاهُ، فَقَالَ: إِلَّا أَنْ يَكُونَ عَلَيْكَ دَيْنٌ، لَيْسَ لَهُ عِنْدَكَ وَفَاءٌ " (١). ومن الشُّهداء من يبلغ الفردوس الأعلى، عَنْ أَنَسٍ ﵁: "أَنَّ أُمَّ حَارِثَةَ ﵂ أَتَتْ رَسُولَ الله ﷺ ، وَقَدْ هَلَكَ حَارِثَةُ يَوْمَ بَدْرٍ، أَصَابَهُ غَرْبُ سَهْمٍ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ الله، قَدْ عَلِمْتَ مَوْقِعَ حَارِثَةَ مِنْ قَلْبِي، فَإِنْ كَانَ فِي الجَنَّةِ لَمْ أَبْكِ عَلَيْهِ، وَإِلَّا سَوْفَ تَرَى مَا أَصْنَعُ؟ فَقَالَ لَهَا: هَبِلْتِ، أَجَنَّةٌ وَاحِدَةٌ هِيَ؟ إِنَّهَا جِنَانٌ كَثِيرَةٌ، وَإِنَّهُ فِي الفِرْدَوْسِ الأَعْلَى" (٢). أمَّا أرواح المسلمين فتكون طيورًا تعلق في شجر الجنَّة، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "إِنَّمَا نَسَمَةُ المُسْلِمِ طَيْرٌ يَعْلُقُ بِشَجَرِ الْجَنَّةِ حَتَّى يُرْجِعَهُ اللهُ ﵎ إِلَى جَسَدِهِ يَوْمَ يَبْعَثُهُ " (٣). وهذا ليس لكلِّ المسلمين، فهناك من هو مُحْتَبَسٌ عَلَى بَابِ الْجَنَّةِ لدين عليه، عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ ﵁، قَالَ: صَلَّى النَّبِيُّ ﷺ الصُّبْحَ، فَقَالَ: "هَاهُنَا أَحَدٌ مِنْ بَنِي فُلَانٍ، قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: إِنَّ صَاحِبَكُمْ مُحْتَبَسٌ عَلَى بَابِ الْجَنَّةِ فِي دَيْنٍ عَلَيْهِ" (٤).

стр. 305

أمّا أرواح العصاة فتلقى من العذاب ما شَاءَ الله تعالى، وأمَّا مَنِ اسْتَوَتْ حَسَنَاتُهُ وَسَيِّئَاتُه فقد يَتَجَاوَز الله تعالى عنهم، فهناك نصوص تبيِّن ما يلاقيه العصاة من العذاب، على رفض القرآن والنَّوم عن الصَّلاة المفروضة، وتعمّد الكذب، والزِّنا، والرِّبا ... ففي حديث الرّؤيا الَّتي رآها النَّبيُّ ﷺ ـ ورؤيا الأنبياء وحيّ وحقّ ـ، قَالَ ﷺ : "قُلْتُ لَهُما: فَإِنِّي قَدْ رَأَيْتُ مُنْذُ اللَّيْلَةِ عَجَبًا، فَمَا هَذَا الَّذِي رَأَيْتُ؟ قَالَ: قَالا لِي: أَمَا إِنَّا سَنُخْبِرُكَ، أَمَّا الرَّجُلُ الأَوَّلُ الَّذِي أَتَيْتَ عَلَيْهِ يُثْلَغُ رَأْسُهُ بِالحَجَرِ، فَإِنَّهُ الرَّجُلُ يَأْخُذُ القُرْآنَ فَيَرْفُضُهُ وَيَنَامُ عَنِ الصَّلاةِ المَكْتُوبَةِ، وَأَمَّا الرَّجُلُ الَّذِي أَتَيْتَ عَلَيْهِ، يُشَرْشَرُ شِدْقُهُ إِلَى قَفَاهُ، وَمَنْخِرُهُ إِلَى قَفَاهُ، وَعَيْنُهُ إِلَى قَفَاهُ، فَإِنَّهُ الرَّجُلُ يَغْدُو مِنْ بَيْتِهِ، فَيَكْذِبُ الكَذْبَةَ تَبْلُغُ الآفَاقَ، وَأَمَّا الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ العُرَاةُ الَّذِينَ فِي مِثْلِ بِنَاءِ التَّنُّورِ، فَإِنَّهُمُ الزُّنَاةُ وَالزَّوَانِي، وَأَمَّا الرَّجُلُ الَّذِي أَتَيْتَ عَلَيْهِ يَسْبَحُ فِي النَّهَرِ وَيُلْقَمُ الحَجَرَ، فَإِنَّهُ آكِلُ الرِّبَا، وَأَمَّا الرَّجُلُ الكَرِيهُ المَرْآةِ، الَّذِي عِنْدَ النَّارِ يَحُشُّهَا وَيَسْعَى حَوْلَهَا، فَإِنَّهُ مَالِكٌ خَازِنُ جَهَنَّمَ، وَأَمَّا الرَّجُلُ الطَّوِيلُ الَّذِي فِي الرَّوْضَةِ فَإِنَّهُ إِبْرَاهِيمُ ﷺ ، وَأَمَّا الوِلْدَانُ الَّذِينَ حَوْلَهُ فَكُلُّ مَوْلُودٍ مَاتَ عَلَى الفِطْرَةِ. قَالَ: فَقَالَ بَعْضُ المُسْلِمِينَ: يَا رَسُولَ الله، وَأَوْلادُ المُشْرِكِينَ؟ فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : وَأَوْلادُ المُشْرِكِينَ، وَأَمَّا القَوْمُ الَّذِينَ كَانُوا شَطْرٌ مِنْهُمْ حَسَنًا وَشَطْرٌ قَبِيحًا، فَإِنَّهُمْ قَوْمٌ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا، تَجَاوَزَ الله عَنْهُمْ" (١). فهذا الحديث صريح أَنَّ بَعْضَ الْعُصَاةِ يُعَذَّبُونَ فِي الْبَرْزَخ، وأَنَّ مَنِ اسْتَوَتْ

стр. 306

حَسَنَاتُهُ وَسَيِّئَاتُه يَتَجَاوَز الله تعالى عَنْهُمْ بفضله، عن سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ لَنَا: " أَتَانِي اللَّيْلَةَ آتِيَانِ فَابْتَعَثَانِي، فَانْتَهَيْنَا إِلَى مَدِينَةٍ مَبْنِيَّةٍ بِلَبِنِ ذَهَبٍ، وَلَبِنِ فِضَّةٍ، فَتَلَقَّانَا رِجَالٌ شَطْرٌ مِنْ خَلْقِهِمْ كَأَحْسَنِ مَا أَنْتَ رَاءٍ، وَشَطْرٌ كَأَقْبَحِ مَا أَنْتَ رَاءٍ، قَالا لَهُمْ: اذْهَبُوا فَقَعُوا فِي ذَلِكَ النَّهْرِ، فَوَقَعُوا فِيهِ، ثُمَّ رَجَعُوا إِلَيْنَا، قَدْ ذَهَبَ ذَلِكَ السُّوءُ عَنْهُمْ، فَصَارُوا فِي أَحْسَنِ صُورَةٍ، قَالا لِي: هَذِهِ جَنَّةُ عَدْنٍ، وَهَذَاكَ مَنْزِلُكَ، قَالا: أَمَّا القَوْمُ الَّذِينَ كَانُوا شَطْرٌ مِنْهُمْ حَسَنٌ، وَشَطْرٌ مِنْهُمْ قَبِيحٌ، فَإِنَّهُمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا، تَجَاوَزَ الله عَنْهُمْ" (١). أمّا أرواح الكفّار فلا تفتح لها أبواب السّماء، والظَّاهر أنَّها فِي سِجِّينٍ فِي الْأَرْضِ السُّفْلَى، فهناك أحاديث تبيّن ما يعمل بروح الكافر إذا قبض، ففي حديث الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ ﵁، قال: قَالَ ﷺ : "وَإِنَّ الْعَبْدَ الْكَافِرَ إِذَا كَانَ فِي انْقِطَاعٍ مِنَ الدُّنْيَا وَإِقْبَالٍ مِنَ الْآخِرَةِ، نَزَلَ إِلَيْهِ مِنَ السَّمَاءِ مَلَائِكَةٌ سُودُ الْوُجُوهِ، مَعَهُمُ المُسُوحُ، فَيَجْلِسُونَ مِنْهُ مَدَّ الْبَصَرِ، ثُمَّ يَجِيءُ مَلَكُ المَوْتِ، حَتَّى يَجْلِسَ عِنْدَ رَأْسِهِ، فَيَقُولُ: أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْخَبِيثَةُ، اخْرُجِي إِلَى سَخَطٍ مِنَ الله وَغَضَبٍ. قَالَ: فَتُفَرَّقُ فِي جَسَدِهِ، فَيَنْتَزِعُهَا كَمَا يُنْتَزَعُ السَّفُّودُ مِنَ الصُّوفِ المَبْلُولِ، فَيَأْخُذُهَا، فَإِذَا أَخَذَهَا لَمْ يَدَعُوهَا فِي يَدِهِ طَرْفَةَ عَيْنٍ حَتَّى يَجْعَلُوهَا فِي تِلْكَ المُسُوحِ، وَيَخْرُجُ مِنْهَا كَأَنْتَنِ رِيحِ جِيفَةٍ وُجِدَتْ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ، فَيَصْعَدُونَ بِهَا، فَلَا يَمُرُّونَ بِهَا عَلَى مَلَأٍ مِنَ المَلَائِكَةِ، إِلَّا قَالُوا: مَا هَذَا الرُّوحُ الْخَبِيثُ؟ فَيَقُولُونَ: فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ بِأَقْبَحِ أَسْمَائِهِ الَّتِي كَانَ يُسَمَّى بِهَا فِي الدُّنْيَا، حَتَّى يُنْتَهَى بِهِ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا، فَيُسْتَفْتَحُ لَهُ، فَلَا يُفْتَحُ لَهُ، ثُمَّ قَرَأَ

стр. 307

رَسُولُ الله ﷺ : ﴿لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ ... (٤٠)﴾ [الأعراف]. فَيَقُولُ اللهُ : اكْتُبُوا كِتَابَهُ فِي سِجِّينٍ فِي الْأَرْضِ السُّفْلَى، فَتُطْرَحُ رُوحُهُ طَرْحًا. ثُمَّ قَرَأَ: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ (٣١)﴾ [الحجّ] ... " (١) الحديث. وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أنَّ رَسُولَ الله ﷺ ، قال: " ... وَأَمَّا الْكَافِرُ فَإِذَا قُبِضَتْ نَفْسُهُ وَذُهِبَ بِهَا إِلَى بَابِ الْأَرْضِ يَقُولُ خَزَنَةُ الْأَرْضِ: مَا وَجَدْنَا رِيحًا أَنْتَنَ مِنْ هَذِهِ، فَتَبْلُغُ بِهَا إِلَى الْأَرْضِ السُّفْلَى" (٢). وفي سورة الواقعة ذكر الله أكبر مصائر الأرواح ـ عقب ذكر خروج الرّوح من البدن بالموت ـ وجعلها على منازل ثلاث، فالإنسان إذا حضر: ﴿فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٨٨) فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ (٨٩) وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ (٩٠) فَسَلَامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ (٩١) وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ (٩٢) فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ (٩٣) وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ (٩٤)﴾ [الواقعة]. هل يشعر الميّت بتطاول الزّمن في قبره ؟ هل يحسُّ الميِّت بالزَّمن وهو في قبره؟ هل يشعر بامتداد الزَّمن وتطاوله؟ هذا الزّمن الّذي قد يمتدُّ آلاف السّنين!

стр. 308

لا نملك إجابة، ولكن في القرآن الكريم ما يشير إلى أنَّ الميِّت لا يشعر بالزَّمن إلَّا ما شاء الله تعالى له، مثل الَّذي مَرَّ على قرية وهي خاوية، فتعجَّب من قدرة الله تعالى على الإحياء، فأماته الله تعالى مائة عام ثم بعثه، فلما سئل كم لبثت؟ ظنَّ أنَّه لم يلبث إلا يومًا أو بعض يوم، قال تعالى: ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ ... (٢٥٩)﴾ [البقرة]. وأهل الكهف لم يحسّوا بالزَّمن إلَّا ما شاء الله تعالى لهم، قال تعالى: ... ﴿وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا (٢٥)﴾ [الكهف]، وقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ ... (١٩)﴾ [الكهف]. تغبيط أهل القبور آخر الزّمان خشية ذهاب الدّين من اشتداد الفتن عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا تَذْهَبُ الدُّنْيَا حَتَّى يَمُرَّ الرَّجُلُ عَلَى الْقَبْرِ فَيَتَمَرَّغُ عَلَيْهِ، وَيَقُولُ: يَا لَيْتَنِي كُنْتُ مَكَانَ صَاحِبِ هَذَا الْقَبْرِ، وَلَيْسَ بِهِ الدِّينُ إِلَّا الْبَلَاءُ" (١).

стр. 309

القسم الخامس عشر ما ينتفع به الميت ما ينتفع به الميت من عمله وسعيه عمل الميِّت ينقطع بموته وينقطع تجدد الثَّواب له، ولا يلحقه من الثَّواب بعد وفاته من عمله وكسبه إلَّا ما ثَبَتَ، ومن ذلك ثلاثة نصَّ عليها الحديث عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ ، قَالَ: "إِذَا مَاتَ الإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثَةٍ: إِلَّا مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ" (١). والصَّدَقَةُ الْجَارِيَةُ محمولة عَلَى الْوَقْف في وجوه الخير إن أوقف شيئًا في حياته، أمّا العلم الَّذي يُنْتَفَعُ بِهِ، فهو ما خَلَّفَهُ مِنْ تَعْلِيمٍ أَوْ تأليف وتَصْنِيفٍ، قال تعالى: ... ﴿وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ ... (١٢)﴾ [يس]، وَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : ... "مَنْ عَلَّمَ آيَةً مِنْ كِتَابِ الله كَانَ لَهُ ثَوَابُهَا مَا تُلِيَتْ" (٢)، وقال ﷺ : "خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ القُرْآنَ وَعَلَّمَهُ" (٣). أمّا الولد فهو من كسب أبيه؛ ولذلك ينتفع به، عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "إِنَّ أَطْيَبَ مَا أَكَلَ الرَّجُلُ مِنْ كَسْبِهِ، وَإِنَّ وَلَدَهُ مِنْ كَسْبِهِ" (٤). وَقُيِّد الولد بالصَّالح؛ لأنَّ الله تعالى يتقبَّل من المتَّقين الصَّالحين، والدّعاء ليس

стр. 310

مقيّدًا، فالثَّواب يقع للوالد من دعاء ولده ومن غيره من أعماله الصَّالحة، وكذلك الأمّ، وإنّما ذكر الدّعاء تحريضًا للولد على الدُّعاء لوالديه؛ لأنَّ الدُّعاء لهما بالرَّحمة والمغفرة أعظم أَنْوَاعِ الْبِرِّ بهما، ولذلك تجد في القرآن الكريم الأمر به: ﴿وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا (٢٤)﴾ [الإسراء]، ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ (٤١)﴾ [إبراهيم]. هذا ولا يلحق الوالد من سَيِّئِ عمل ولده لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ... (١٦٤)﴾ [الأنعام]. فهذه الثّلاثة يجري أجرها بعد الموت، ويلحق ثوابها الميّت، ويبقى الثّواب ما بقيت، ولعلّ أدومها وأطولها مكثًا العلم الَّذي ينتفع به. ولمّا كان الولد من سعي أبيه وأمِّه، فإنَّ له أنْ يتصدَّق ويصوم ويحجّ ويقضي الدَّين عن والديه، ويلحق ثواب ذلك والديه، فهو داخل في عموم قوله تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (٣٩)﴾ [النّجم]، والولد من سعي والديه. ومن الأدلَّة على أنَّ الصَّدقة والصَّوم تلحق الوالدين من الولد الصَّالح بعد موتهما إذا كانا موحّدين، قول النَّبيِّ ﷺ : "أَمَّا أَبُوكَ، فَلَوْ كَانَ أَقَرَّ بِالتَّوْحِيدِ، فَصُمْتَ، وَتَصَدَّقْتَ عَنْهُ، نَفَعَهُ ذَلِكَ" (١). وعن ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: أَنَّ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ ﵁ تُوُفِّيَتْ أُمُّهُ وَهُوَ غَائِبٌ عَنْهَا، فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله، إِنَّ أُمِّي تُوُفِّيَتْ وَأَنَا غَائِبٌ عَنْهَا، أَيَنْفَعُهَا شَيْءٌ إِنْ

стр. 311

تَصَدَّقْتُ بِهِ عَنْهَا؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَإِنِّي أُشْهِدُكَ أَنَّ حَائِطِيَ المِخْرَافَ (١) صَدَقَةٌ عَلَيْهَا" (٢). وعَنْ عَائِشَةَ ﵂: "أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ : إِنَّ أُمِّي افْتُلِتَتْ نَفْسُهَا، وَأَظُنُّهَا لَوْ تَكَلَّمَتْ تَصَدَّقَتْ، فَهَلْ لَهَا أَجْرٌ إِنْ تَصَدَّقْتُ عَنْهَا؟ قَالَ: نَعَمْ" (٣). وحجّ الولد عن والديه ينفعهما، كذلك الصّوم عنهما، لحديث عَبْدِ الله بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ ﵁، قَالَ: "بَيْنَا أَنَا جَالِسٌ عِنْدَ رَسُولِ الله ﷺ ، إِذْ أَتَتْهُ امْرَأَةٌ، فَقَالَتْ: إِنِّي تَصَدَّقْتُ عَلَى أُمِّي بِجَارِيَةٍ، وَإِنَّهَا مَاتَتْ، قَالَ: فَقَالَ: وَجَبَ أَجْرُكِ، وَرَدَّهَا عَلَيْكِ الْمِيرَاثُ، قَالَتْ: يَا رَسُولَ الله، إِنَّهُ كَانَ عَلَيْهَا صَوْمُ شَهْرٍ، أَفَأَصُومُ عَنْهَا؟ قَالَ: صُومِي عَنْهَا، قَالَتْ: إِنَّهَا لَمْ تَحُجَّ قَطُّ، أَفَأَحُجُّ عَنْهَا؟ قَالَ: حُجِّي عَنْهَا" (٤). ولذلك مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صَوْمٌ وَاجِبٌ مِنْ رَمَضَانَ أَوْ قَضَاء أو نَذْر، فإنَّه يُسْتَحَبُّ لِوَلِيِّهِ قَضَاء الصِّيَامِ عَنْهُ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂، أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ ، قَالَ: "مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صِيَامٌ صَامَ عَنْهُ وَلِيُّهُ" (٥). وكذلك قضاء الدَّين، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: "جَاءَتِ امْرَأَةٌ إِلَى

стр. 312

رَسُولِ الله ﷺ ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ الله، إِنَّ أُمِّي مَاتَتْ وَعَلَيْهَا صَوْمُ نَذْرٍ، أَفَأَصُومُ عَنْهَا؟ قَالَ: أَرَأَيْتِ لَوْ كَانَ عَلَى أُمِّكِ دَيْنٌ فَقَضَيْتِيهِ، أَكَانَ يُؤَدِّي ذَلِكِ عَنْهَا؟ قَالَتْ: نَعَمْ، قَالَ: فَصُومِي عَنْ أُمِّكِ" (١). وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله، إِنَّ أُمِّي مَاتَتْ وَعَلَيْهَا صَوْمُ شَهْرٍ، أَفَأَقْضِيهِ عَنْهَا؟ فَقَالَ: لَوْ كَانَ عَلَى أُمِّكَ دَيْنٌ، أَكُنْتَ قَاضِيَهُ عَنْهَا؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَدَيْنُ الله أَحَقُّ أَنْ يُقْضَى" (٢). والحديث فيه دليل على أنَّ دين الله تعالى مقدَّم في القضاء على دين ابن آدم إذا ضاق ماله. وزِيدَ عَلَى الثَّلَاثَةِ الّتي تلحق بالميِّت من عَمَلِهِ وَحَسَنَاتِهِ ويجري أجرها عليه ويتجدَّد ثوابها، ما جاء في حديث أَبِي هُرَيْرَةَ عند ابن ماجة، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "إِنَّ مِمَّا يَلْحَقُ المُؤْمِنَ مِنْ عَمَلِهِ وَحَسَنَاتِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ: عِلْمًا نَشَرَهُ، وَوَلَدًا صَالِحًا تَرَكَهُ، وَمُصْحَفًا وَرَّثَهُ، أَوْ مَسْجِدًا بَنَاهُ، أَوْ بَيْتًا لِابْنِ السَّبِيلِ بَنَاهُ، أَوْ نَهْرًا أَجْرَاهُ، أَوْ صَدَقَةً أَخْرَجَهَا مِنْ مَالِهِ فِي صِحَّتِهِ وَحَيَاتِهِ، تلْحَقُهُ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهِ" (٣). ولا تنافي هذه الخصال السّبع الحصر في الحديث السّابق "إِلَّا مِنْ ثَلَاثَةٍ"

стр. 313

لأنّها ترجع إليه؛ فالصَّدَقَة الْجَارِيَة تَشْمَل وَقْف المُصْحَف وَالمَسْجِد والبيت وَالنّهر. وعَنْ جَابِرٍ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَغْرِسُ غَرْسًا إِلَّا كَانَ مَا أُكِلَ مِنْهُ لَهُ صَدَقَةً، وَمَا سُرِقَ مِنْهُ لَهُ صَدَقَةٌ، وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ مِنْهُ فَهُوَ لَهُ صَدَقَةٌ، وَمَا أَكَلَتِ الطَّيْرُ فَهُوَ لَهُ صَدَقَةٌ، وَلَا يَرْزَؤُهُ (١) أَحَدٌ إِلَّا كَانَ لَهُ صَدَقَةٌ" (٢). ومن كرم الله تعالى أنَّ الثَّواب يقع لصاحب الغرس في حياته وبعد مماته حتّى فيما عجز عن جمعه أو حمايته وفيما لم ينو التَّصدُّق به، دَخَلَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى ... أُمِّ مَعْبَدٍ ﵂ حَائِطًا، فَقَالَ: "يَا أُمَّ مَعْبَدٍ، مَنْ غَرَسَ هَذَا النَّخْلَ؟ أَمُسْلِمٌ أَمْ كَافِرٌ؟ فَقَالَتْ: بَلْ مُسْلِمٌ، قَالَ: فَلَا يَغْرِسُ المُسْلِمُ غَرْسًا، فَيَأْكُلَ مِنْهُ إِنْسَانٌ، وَلَا دَابَّةٌ، وَلَا طَيْرٌ، إِلَّا كَانَ لَهُ صَدَقَةً إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ" (٣). ويجري أجر العبد وينمو ثوابه إلى يوم القيامة إذا مات مرابطًا فِي سَبِيلِ الله؛ لقول النَّبِيِّ ﷺ : "كُلُّ مَيِّتٍ يُخْتَمُ عَلَى عَمَلِهِ إِلَّا الَّذِي مَاتَ مُرَابِطًا فِي سَبِيلِ الله، فَإِنَّهُ يَنْمُو عَمَلُهُ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ، وَيَأْمَنُ فِتْنَةَ القَبْرِ" (٤). كذلك إذا سَنَّ في حياته سُنَّةً حَسَنَةً صَالِحَةً يُعْمَلُ بِهَا بَعْدَهُ وَيُتَّبَع عَلَيْهَا، فإنَّه يصله ثوابها، ولَهُ مِثْلُ أُجُورِ من تبعه، عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ الله ﵁، قَالَ: جَاءَ نَاسٌ مِنَ الْأَعْرَابِ إِلَى رَسُولِ الله ﷺ عَلَيْهِمِ الصُّوفُ فَرَأَى سُوءَ حَالِهِمْ قَدْ أَصَابَتْهُمْ

стр. 314

حَاجَةٌ، فَحَثَّ النَّاسَ عَلَى الصَّدَقَةِ، فَأَبْطَؤوا عَنْهُ حَتَّى رُئِيَ ذَلِكَ فِي وَجْهِهِ. قَالَ: ثُمَّ إِنَّ رَجُلًا مِنَ الْأَنْصَارِ جَاءَ بِصُرَّةٍ مِنْ وَرِقٍ، ثُمَّ جَاءَ آخَرُ، ثُمَّ تَتَابَعُوا حَتَّى عُرِفَ السُّرُورُ فِي وَجْهِهِ، فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "مَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً حَسَنَةً، فَعُمِلَ بِهَا بَعْدَهُ، كُتِبَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِ مَنْ عَمِلَ بِهَا، وَلَا يَنْقُصُ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْءٌ ... " (١). والسُّنَّة المذكورة المراد بها سُنَّة السَّبق إلى الصَّدقة الَّتي حثَّ عليها النَّبيُّ ﷺ ، فالرَّجل الأنصاريّ أَوَّل مَنْ سَنَّ هذه السُّنَّة الصَّالحة، وهي المبادرة إلى الصَّدقة والاستجابة إلى الرَّسول ﷺ ، ثمَّ تتابع النَّاس واقتدوا به، فكان له مثل أجورهم. فمن ابتدأ فعل طاعة واقتدى به غيره وتابعه عليها فقد سَنَّ سُنَّة حسنة، ولذلك فإنَّ خديجة ﵂ لمّا سَبْقَت نِسَاءَ هَذِهِ الْأُمَّةِ إِلَى الْإِيمَانِ سَنَّتْ ذَلِكَ لِكُلِّ مَنْ آمَنَتْ بَعْدَهَا، فتكون قد سَنَّتْ سنّة حسنة لَهَا بها مِثْلُ أَجْرِهِنَّ، وَقَدْ شَارَكَهَا فِي ذَلِكَ الصِّدِّيقُ ﵁ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الرِّجَالِ. وَجَمْعُ أبي بكر ﵁ للقرآن الكريم الّذي كان مكتوبًا سنّة حسنة تعدُّ في مناقبه ... ومَنْ دَعَا إِلَى هُدىً فله مِثْلُ أجر مَنْ تَبِعَهُ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ ، قَالَ: "مَنْ دَعَا إِلَى هُدًى، كَانَ لَهُ مِنَ الْأَجْرِ مِثْلُ أُجُورِ مَنْ تَبِعَهُ، لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا" (٢). وما ورد في الأحاديث هو مضمون ومدلول قوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ ... (١٢)﴾ [يس].

стр. 315

ما ينتفع به الميت من سعي غيره المَيِّتُ لَا يَلْحَقُهُ بَعْدَ مَوْتِهِ ثَوَابٌ من عمل غيره إلّا ما جاء مخصِّصًا لعموم قوله تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (٣٩)﴾ [النّجم]، وقوله تعالى: ... ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨)﴾ [الزّلزلة]، وقوله تعالى: ﴿لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى (١٥)﴾ [طه]، وما لم يُخَصَّص يبقى حكم العموم مهيمنًا عليه شاملًا له. وقوله تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (٣٩)﴾ [النّجم] ليس فيه نفي لانتفاع الميِّت بسعي غيره، وإنَّما فيه نفي ملكه لِغَيْرِ سَعْيِهِ، فمن شاء مِن الأحياء أن يبذل سعيه لميِّت في حدود ما ورد الشَّرع به، فإنَّه يصل إليه إن شاء الله تعالى. ومثل ذلك قول النَّبيِّ ﷺ : "إِذَا مَاتَ الإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ ... " (١) فلم يقل ﷺ : انقطع انتفاعه، وإنّما أخبر عن انقطاع عمله، أمَّا عمل غيره، فهو لعامله إنْ شَاءَ بذله. فَلَيْسَ كُلُّ مَا يَنْتَفِعُ بِهِ المَيِّتُ ويُرْحَمُ بِهِ يشترط أن يكون من سعيه، فقد قَامَ الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ الميّت يَنْتَفِعُ مِنْ غَيْرِ سَعْيِهِ، وممّا ينتفع به دُعَاءُ المُؤْمِنِينَ له بالمغفرة والرّحمة، إذا توفرت شروط قَبُول الدُّعاء، دلّ على ذلك قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٠)﴾ [الحشر]. وَدُعَاء المسلمين للميِّت في الصَّلاة على الجنازة يشهد لذلك، وَكَذَا دعاء

стр. 316

الحيّ للميّت بعد الدّفن، أخرج أبو داود من حديث عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ ﵁، قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ ، إِذَا فَرَغَ مِنْ دَفْنِ المَيِّتِ وَقَفَ عَلَيْهِ، فَقَالَ: "اسْتَغْفِرُوا لِأَخِيكُمْ، وَسَلُوا لَهُ بِالتَّثْبِيتِ، فَإِنَّهُ الْآنَ يُسْأَلُ" (١)، وَكَذَا الدّعاء للميِّت عند زيارة القبور، أخرج مسلم من حديث عائشة قوله ﷺ : "اللَّهُمَّ، اغْفِرْ لِأَهْلِ بَقِيعِ الْغَرْقَدِ" (٢). ولذلك فإنّ مَشْرُوعِيَّة دُعَاءِ الْأَحْيَاءِ لِلْأَمْوَاتِ دليل على أنَّ الميِّت ينتفع بدعاء الحيّ. والدُّعاء للمؤمنين والاستغفار لهم من مقتضيات الأخوَّة الإيمانيّة الصَّادقة، قال تعالى: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ... (١٩)﴾ [محمّد]، ولذلك تجد من دعاء إبراهيم ﵇: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ (٤١)﴾ [إبراهيم]، ومن دعاء نوح ﵇: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ... (٢٨)﴾ [نوح]. وعَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ ﵁، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَقُولُ: "مَنِ اسْتَغْفَرَ لِلْمُؤْمِنِينَ وَالمُؤْمِنَاتِ كَتَبَ الله لَهُ بِكُلِّ مُؤْمِنٍ وَمُؤْمِنَةٍ حَسَنَةً" (٣). ومن الأمور الّتي ينتفع بها الميِّت من عمل غيره قضاء الدَّين، فقضاء الدَّين

стр. 317

عن الميِّت يجوز من أيّ أحد من وليّ وغير وليّ ويرفع الله تعالى به العذاب؛ دَلَّ عَلَى ذَلِكَ حَدِيثُ أبي قتادة ﵁، حيث ضمن الدِّينارين عن رجل هَلَكَ، فَلَمَّا قَضَاهُمَا قَالَ له النَّبِيُّ ﷺ : "الْآنَ بَرَدَتْ عَلَيْهِ جِلْدُهُ" (١)، فهذا من السَّعي الَّذي ينفع به المؤمن أخاه المؤمن. هذا وقضاء الدَّين عن الميِّت ولو من غير ولده شيء، وَالتَّصَدُّق عنه شيء آخر؛ فالأحاديث الَّتي وردت في التَّصَدُّقِ عنه مردّها إلى صدقة الولد عن والديه؛ وهو من كسبهما كما ثبت، فما ينتفع به الميّت من غير ولده يجب أن يثبت بنصّ. على كلّ، قوله تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (٣٩)﴾ [النّجم]، ظَاهِرُهُ لَيْسَ للإنسان إِلَّا أَجْرُ سَعْيِهِ وَجَزَاءُ عَمَلِهِ، وليس له شَيْءٌ بغير سَعْيِهِ، لكن لا يفهم من الآية أنّه لَا يَنْفَعُ أَحَدًا عَمَلُ أَحَدٍ، فهَذَا الْعُمُومُ في الآية مَخْصُوصٌ بمثل ما ورد من شفاعة النَّبيِّ ﷺ للعباد، ومشروعيَّة الدُّعاء للأموات، وقضاء الدَّين عنهم ونحو ذلك، فمَا خُصَّ بِدَلِيلٍ كان مخصّصًا لما في الآية من عموم. دخول الأبناء الجنّة بصلاح الآباء دليل على انتفاع الإنسان بسعي غيره قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ ... (٢١)﴾ [الطّور]، دليل على أنَّ الإنسان يستفيد بصلاح غيره، فالآية فيها أنَّ الله تعالى يلحق الأبناء إذا كانوا على الإيمان بالآباء تفضّلًا على الأبناء وإكرامًا للآباء، فكما أنَّ الآباء يستفيدون من صلاح الأبناء، فكذلك الأبناء

стр. 318

يستفيدون من صلاح الآباء، كما قال تعالى: ﴿وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا ... (٨٢)﴾ [الكهف]. هل يعرف الميّت من تصدّق عنه أو استغفر له ؟ هناك من يستدلّ على معرفة الميِّت بمن تصدَّق عنه أو استغفر له بما أخرجه أحمد من حديث أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "إِنَّ اللهَ لَيَرْفَعُ الدَّرَجَةَ لِلْعَبْدِ الصَّالِحِ فِي الْجَنَّةِ، فَيَقُولُ: يَا رَبِّ، أَنَّى لِي هَذِهِ؟ فَيَقُولُ: بِاسْتِغْفَارِ وَلَدِكَ لَكَ" (١). قلنا: الحديث حسن، لكن لا يَنْهَضُ دَلِيلًا على معرفة الميّت بمن تصدّق عنه أو استغفر له، فليس فيه ما يدلّ على ذلك، وإنّما المعنى أنَّ الله تعالى يرفع منزلة الوالد يوم القيامة في الجنّة بدعاء ولده الصَّالح مِنْ بَعْدِهِ واستغفاره له، وهو مصداق لقول النَّبيِّ ﷺ : "إِذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثَةٍ: إِلَّا مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ" (٢). فالحديث يبيِّن فضل الله تعالى على الآباء يوم القيامة حيث يدخلهم الجنَّة، فيرفع لهم الدَّرجات بدعاء واستغفار من صلح من الأبناء. وعلى هذا المعنى يحمل ما أخرجه البخاري من حديث أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: "تُرْفَعُ لِلْمَيِّتِ بَعْدَ مَوْتِهِ دَرَجَتُهُ. فَيَقُولُ: أَيْ رَبِّ! أَيُّ شَيْءٍ هَذِهِ؟ فيقال:

стр. 319

ولدك استغفر لك" (١)، فالله تعالى يرفع درجة الآباء بدعاء الأبناء، والحديث فيه فَضْلُ بِرِّ الْوَالِدَيْنِ بعد موتهما. هذا ولا نعلم دليلًا في الكتاب أو السُّنَّة على أنَّ الله تعالى يُعْلِم الميّت بمن دعا له أو تصدَّق عنه، والله تعالى قادر على كلِّ شيء.

стр. 320

القسم السادس عشر البعث والنّشور الإيمان بالبعث والنّشور بَعْثُ النّاس وإخراجهم من قبورهم أَخْبَرَ الله تعالى بِهِ مِنْ حِينِ أُهْبِطَ آدَمُ ﵇، قال تعالى: ﴿قَالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ (٢٤) قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ (٢٥)﴾ [الأعراف]. والْإِيمَانُ بِالْبَعْثِ وَالنُّشُورِ يَدْخُلُ فِي الْإِيمَانِ بِالْيَوْمِ الْآخِرِ، الّذي هو أحد أركان الإيمان السِّتَّة، والمعاد يكون للأجسام والأرواح معًا، قال تعالى: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (٧٨) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ (٧٩)﴾ [يس]. فنحن نؤمن بالبعث والجزاء: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨)﴾ [الزّلزلة]. والنّاس في غفلة عن لقاء ربِّهم، صحَّت أبدانهم وسقمت قلوبهم، فأكثرهم يضرب في غمرة اللَّهْو واللَّعب، شُغِلوا بالنَّظر إلى الدُّنيا الَّتي ليس لهم بدار عن النَّظر إلى دار القرار، قال تعالى: ﴿بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِنْ هَذَا وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ (٦٣)﴾ [المؤمنون]. إنكار المشركين البعث من أهمِّ ما يجب أن نؤمن به من أمر الآخرة الإيمان بالبعث والنُّشور، لأنَّ البعث هو ما أنكره المنكرون من عهود، وقد نقل لنا القرآن الكريم إنكارهم من
следующие страницы →