← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 151155

المساجد بيوت الله

أيمن إسماعيل

Полный текст (204 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

حكمة هذا النهي: وَحكمة هذا النهي - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - أَنَّ الْمَسْجِدَ بَيْتُ الْمَلَائِكَةِ وَالْمَلَائِكَةُ لَا تَدْخُلُ بَيْتًا فِيهِ جُنُبٌ كَمَا جَاءَ ذَلِكَ فِي السُّنَنِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ وَلِهَذَا نَهَى النَّبِيُّ ﷺ الْجُنُبَ أَنْ يَنَامَ حَتَّى يتوضأ، وعَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا كَانَتْ تَقُولُ: إذَا أَصَابَ أَحَدُكُمْ الْمَرْأَةَ ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يَنَامَ فَلَا يَنَامُ حَتَّى يَتَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي لَعَلَّ نَفْسَهُ تُصَابُ فِي نَوْمِهِ. وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ فَإِنَّهُ إذَا مَاتَ لَمْ تَشْهَدْ الْمَلَائِكَةُ جِنَازَتَهُ﴾ وَقَدْ أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ الْجُنُبَ بِالْوُضُوءِ عِنْدَ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَالْمُعَاوَدَةِ، وَهَذَا دَلِيلٌ أَنَّهُ إذَا تَوَضَّأَ ذَهَبَتْ الْجَنَابَةُ عَنْ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ فَلَا تَبْقَى جَنَابَتُهُ تَامَّةً وَإِنْ كَانَ قَدْ بَقِيَ عَلَيْهِ بَعْضُ الْحَدَثِ كَمَا أَنَّ الْمُحْدِثَ الْحَدَثِ الْأَصْغَرِ عَلَيْهِ حَدَثٌ دُونَ الْجَنَابَةِ وَإِنْ كَانَ حَدَثُهُ فَوْقَ الْحَدَثِ الْأَصْغَرِ فَهُوَ دُونُ الْجُنُبِ فَلَا تَمْتَنِعُ الْمَلَائِكَةُ عَنْ شُهُودِهِ فَلِهَذَا يَنَامُ وَيَلْبَثُ فِي الْمَسْجِدِ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْجَنَابَةَ تَتَبَعَّضُ فَتَزُولُ عَنْ بَعْضِ الْبَدَنِ دُونَ بَعْضٍ كَمَا عَلَيْهِ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ. (١)

стр. 107

ولكن: إذا توضأ الجنب جاز له المكث في المسجد: وهو قول أحمد واسحاق وابن تيميه، وهو الراجح - والله أعلم - والدليل على ذلك ما يلي: ١ - عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَار ﵀ قَالَ: رَأَيْتُ رِجَالًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَجْلِسُونَ فِي الْمَسْجِدِ وَهُمْ مُجْنِبُون؛ إِذَا تَوَضَّئُوا وُضُوءَ الصَّلَاةِ. (١) فقد كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَتَحَدَّثُونَ فِي الْمَسْجِدِ إِذَا تَوَضَّئُوا وَهُمْ جُنُبٌ، وَلَوْلَا أَنَّ الْجَنَابَةَ تَنْقُصُ بِالْوُضُوءِ لَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ فَائِدَةٌ، كما أنَّ هذا الوضوء يرفع الحدثين عن أعضاء الوضوء ,لهذا أُمر الجنب اذا أراد النوم أن يتوضأ, ففي وضوء الجنب تخفيف لجنابته. ا. هـ (٢) قال ابن القيم: جوَّز الإمام أحمد للجنب أن يتوضأ ويلبث في المسجد كما كان الصحابة يفعلونه وإذا ثبت تخفيف الحدث الأكبر في بعض البدن فكذلك الأصغر. (٣) وبناءَ على ما سبق نقول: إذا أصبح المعتكف جنباً لزمه المسارعة والمبادرة إلى الاغتسال فور علمه بجنابته. فصل: إنشاد الضاَّلة في المسجد: ومن جملة المخالفات التي نراها في مساجدنا، والتي قد نهى الشرع عنه، بل وأمر بالدعاء على فاعلها، ألا وهي إنشاد الضاَّلة فى المسجد ,وذلك حينما يفقد الرجل شيئاً فى المسجد , فيقف على رؤوس الناس فيقول: من وجد الشيء كذا كذا؟ ؟ ؟

стр. 108

وهذا ممَّا نهى عنه الشرع , وذلك لما ثبت من حديث أبي هريرة - رضى الله عنه - قال: قال رسول الله ﷺ : مَنْ سَمِعَ رَجُلًا يَنْشُدُ ضَالَّةً فِي الْمَسْجِدِ، فَلْيَقُلْ: لَا أَدَّاهَا اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنَّ الْمَسَاجِدَ لَمْ تُبْنَ لِهَذَا " (١) وعن بريدة ﵁ أنَّ رجلاً نشد في المسجد ,فقال: من دعا إلى الجمل الأحمر ,فقال النبي ﷺ : لَا وَجَدْتَ، إِنَّمَا بُنِيَتِ الْمَسَاجِدُ لَمَّا بُنِيَتْ لَهُ- (٢) - حكم إنشاد الضاَّلة في المسجد: - الراجح الصحيح - والله أعلم - هو حرمة إنشاد الضاَّلة في المسجد؛ وذلك لأنَّ النبي ﷺ أمر أن يقال لمن أنشدها: لا ردَّها الله عليك, وهذا دعاء عليه ,ومثل هذا لا يكون إلا لمن فعل محرماً، وممَّن قال بالتحريم مالك وابن حزم والصنعاني. (٣) فإن قيل: وما علة النهي عن انشاد الضوال في المساجد والدعاء على من فعل ذلك؟ فالجواب: أنَّ ذلك ذريعة إلى أنْ تُتخذ المساجد أماكن للأمور الدنيوية، فترتفع فيها الأصوات ويكثر فيها اللغط الذي ينافي احترامها، وحيث إنَّ الضوال قد تكثر فيتوسع أصحابها في السؤال عنها في المساجد وقت اجتماع المصلّين، مما ينافي العبادة، لذلك يُدعى على من سأل عن ضاَّلة: لا وجدت ضالَّتك، فإنَّ المساجد أعدت للعبادة. (٤) وإذا كان النبي ﷺ -قد نهى عن التشويش على المصلين والقارئين، حتى ولو كان هذا التشويش بصوت قارىء القرآن، فكيف إذا كان هذا التشويش بأمر من أمور الدنيا؟ ! !

стр. 109

أما العلة التي من أجلها أمر الشرع بالدعاء على من فعل ذلك: فهذه عقوبة له على مخالفته وعصيانه، وفعله ما نُهي عنه من ذلك. (١) ومن الفوائد التي تتعلق بهذا الباب: - ١ - قد ذهب الشافعية إلى عدم كراهة إنشاد الضاَّلة في المسجد الحرام خاصة؛ لأنه مجمع الناس. (٢) قلت: - وهذا التخصيص للمسجد الحرام دون غيره ممَّا لا دليل عليه من كتاب ولا سنة , والله أعلم. ٢ - تعريف الضاَّلة لمن وجدها في المسجد: - يدخل في النهي عن انشاد الضاَّلة في المسجد , من وجد شيئاً في المسجد، فليس له أن يعلن بذلك على رؤوس الناس ليعرف صاحبها؛ وذلك أنَّ العلة التي من أجلها نهى عن إنشاد الضاَّلة في المسجد متحققة في تعريف الضالة ,والقاعدة تنص أنَّ: "الأحكام تدور مع علتها حيث دارت، وجوداً وعدماً " يؤيده: أنَّ النهى عن إنشاد الضاَّلة يشمل المعنيين , يقال: نشدت الضاَّلة فأنا ناشد إذا طلبتها، وأنشدتها إذا عرَّفتها ,وهو من النشيد الذي هو رفع الصوت. (٣) فتبين بذلك أنَّ علة النهي متحققة في الأمرين ,لذا يُنهى عنها. قال المناوى: - وألحق جمع - منهم الحافظ العراقي - بإنشاد الضاَّلة تعريفها ,لذا قال الشافعية: يعرفها على باب المسجد. (٤) - فإن قيل: - إذا كان محرَّماً على المرء أنْ ينشد الضاَّلة فى المسجد، وأنْ يعرفها، فماذا يفعل من فقد أو وجد في المسجد شيئاً؟ ؟ الجواب: - ١ - يقف على باب المسجد ويعلن عمَّا فقده أو وجده. ٢ - أنْ تعلِّق ورقة على باب المسجد يعلن فيها عمَّا فقده المرء أو وجده. ٣ - يتم تعليق ورقة في المسجد مفادها أن الأشياء التي يعثر عليها أحد فإنها تُسلَّم للأخ /فلان، مع وضع رقم هاتفه، وكذلك الأشياء التي يفقدها أحد يرجع إليها عند نفس الأخ. قال النووي: لِيَكُنِ التَّعْرِيفُ فِي الْأَسْوَاقِ وَمَجَامِعِ النَّاسِ، وَأَبْوَابِ الْمَسَاجِدِ عِنْدَ خُرُوجِ النَّاسِ مِنَ الْجَمَاعَاتِ، وَلَا يُعَرِّفْ فِي الْمَسَاجِدِ، كَمَا لَا تُطْلَبُ اللُّقَطَةُ فِيها. (٥)

стр. 110

فائدة: - كذلك من الظاهرات التي انتشرت في مساجد المسلمين، والتي لها علاقة بإنشاد الضاَّلة , ما تراه من قيام أحد المصلِّين - عقب تسليم الإمام - بسؤال الصدقات. ومع كثرة المتسولين الذين يتكفَّفون الناس، فقد أصبحت المساجد أماكن للتكفف، وحصل بذلك تشويش ورفع أصوات، وقد كثر هؤلاء وظهروا بصفة الضعف والذل والهوان، يرتدون ثيابًا دنسة، ولا شك أنَّ من بينهم من هو بحاجة وفاقة، ولكنَّ الكثير منهم من المحتالين على جمع المال من غير حاجة؛ ومع ذلك فلا مانع من الصدقة فى المسجد للمحتاج، فقد ترجم أبو داود في سننه (باب المسألة في المسجد) ثم روى عن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق ﵄ -قال: «قال رسول الله ﷺ : (هل منكم أحد أطعم اليوم مسكينا؟ فقال أبو بكر: دخلت المسجد فإذا أنا بسائل يسأل، فوجدت كسرة خبز في يد عبد الرحمن فأخذتها فدفعتها إليه» (١). فهذا السائل ذو حاجة، حيث قنع بكسرة رغيف ليسد بها جوعته، وقد بوَّب البخاري في صحيحه: (باب: القسمة وتعليق القنو في المسجد) ثم ذكر حديث أنس ﵁ -قال: «أتي النبي- ﷺ -بمال من البحرين، فقال: (انثروه في المسجد) وكان أكثر مال أُتِيَ به رسول الله ﷺ فخرج رسول الله- ﷺ -ولم يلتفت إليه، فلما قضى الصلاة جاء فجلس إليه، فما كان يرى أحدًا إلا أعطاه، فما قام رسول الله ﷺ وثم منه درهم» (٢) ففي هذا الحديث جواز تفريق المال في المسجد، بشرط ألاَّ يشغل المصلِّين، ولا يحصل فيه ازدحام وهيشات أصوات، فإن تيسَّر تفريقه في غير المسجد فهو أولى، ومثله تفريق الزكوات وصدقة الفطر، يجوز في المساجد عند الحاجة. (٣)

стр. 111

قال الخطابي: كره بعض السلف المسألة في المسجد، وكان بعضهم لا يرى أن يتصدق أحد على السائل المعترض في المسجد. ا. هـ (٢) بل يقال: إذا مُنع الرجل أن ينشد ضالته في المسجد ,رغم كونه يبحث عن شيء هو يملكه؛ لئلا يشوِّش على المصلِّين، فإنه يُمنع من المسألة في المسجد؛ لأنها مثله وأولى. (٣) وممَّا يتعلق بهذه الفائدة: سؤال الصدقات وقت خطبة الجمعة: حيث ترى خادم المسجد يمر بالصندوق وقت الخطبة على الناس ليتصدقوا , وهذا بلا شك يشوِّش على الناس حال سماع الخطبة، كما أنه يتسبب في إبطال جمعة من يمر بهذا الصندوق، فقد قال النبي ﷺ : "مَنْ مَسَّ الْحَصَى فَقَدْ لَغَا". (٤)، وقال النبي ﷺ "وَمَنْ لَغَا وَتَخَطَّى رِقَابَ النَّاسِ كَانَتْ لَهُ ظُهْرًا" (٥)

стр. 112

فصل: يشرع صلاة الجنازة في المسجد، وَقد أَجَازَ ذَلِكَ أَبُو يُوسُفَ والشَّافِعِيُّ وَأَصْحَابُهُ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَإِسْحَاقُ وَأَبُو ثَوْرٍ وَدَاوُدُ، قالوا لا بَأْسَ أَنْ يُصَلَّى ... عَلَى الْجَنَائِزِ فِي الْمَسْجِدِ مِنْ ضِيقٍ وَغَيْرِ ضِيقٍ عَلَى كُلِّ حَالٍ، وَهُوَ قَوْلُ عَامَّةِ أَهْلِ الْحَدِيثِ، وهو قول أبي بكر وعمر وعائشة ﵃، (١) فقد ثبت من حديث عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهَا أَمَرَتْ أَنْ يُمَرَّ عَلَيْهَا بِسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ فِي الْمَسْجِدِ، حِينَ مَاتَ، لِتَدْعُوَ لَهُ. فَأَنْكَرَ ذَلِكَ النَّاسُ عَلَيْهَا. فَقَالَتْ عَائِشَةُ- رضى الله عنها-: مَا أَسْرَعَ النَّاسَ! مَا صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى سُهَيْلِ بْنِ بَيْضَاءَ إِلَّا فِي الْمَسْجِدِ. (٢)

стр. 113

يؤيده: عن ابن عمر - رضى الله عنهما - قال: صُلِّي على عمر بن الخطاب في المسجد. (١) وفعله عمر - رضى الله عنه - في صلاته على أبي بكر - رضى الله عنه- وذلك بمحضر الصحابة من غير نكير , فيكون إجماعاً سكوتياً. (٢) قال ابن المنذر: وَفِي صَلَاةِ مَنْ حَضَرَ، فَصَلَّى عَلَى أَبِي بَكْرٍ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ، قُدْوَةٌ لِمَنْ أَرَادَ الِاقْتِدَاءَ بِهِمْ، وَحُجَّةٌ، وَكَذَلِكَ صَلَاتُهُمْ عَلَى عُمَرَ فِي الْمَسْجِدِ، وَقَدْ رُوِّينَا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ صَلَّى عَلَى سُهَيْلِ بْنِ بَيْضَاءَ فِي الْمَسْجِدِ. (٣) يؤيده: - عن نافع أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ- رضى الله عنهما - بَالَ بِالسُّوقِ. ثُمَّ تَوَضَّأَ، وَغَسَلَ وَجْهَهُ، وَيَدَيْهِ، وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ. ثُمَّ دُعِيَ لِجَنَازَةٍ لِيُصَلِّيَ عَلَيْهَا حِينَ , دَخَلَ الْمَسْجِدَ، فَمَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ، ثُمَّ صَلَّى عَلَيْهَا. (٤)

стр. 114

قَالَ الرَّبِيعُ: قُلْتُ لِلْشَافِعِيِّ: فَإِنَّا نَكْرَهُ الصَّلَاةَ عَلَى الْمَيِّتِ فِي الْمَسْجِدِ، فَقَالَ الشَّافِعِيُّ: أَرُوِّيتُمْ هَذَا - يقصد حديث سهيل بن البيضاء - وَرُوِّيتُمْ أَنَّهُ، صلَّى عَلَى عُمَرَ فِي الْمَسْجِدِ، فَكَيْفَ كَرِهْتُمُ الْأَمْرَ بِهِ؟ ! ! وَهو عِنْدَكُمْ عَمَلٌ مُجْتَمَعٌ عَلَيْهِ لَأَنَّا لَا نَرَى مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ أَحَدًا حَضَرَ مَوْتَ عُمَرَ فَتَخَلَّفَ عَنْ جِنَازَتِهِ فَتَرَكْتُمْ هَذَا لِغَيْرِ شَيْءٍ. (١) قال أبو داود: رأيت أحمد ما لا أُحصي يصلي على الجنائز في المسجد. (٢) فليس هناك نهي عن النبي ﷺ عن صلاة الجنازة في المسجد , ولا يصح في هذا الباب شيء. (٣) ولكن لم يكن من هديه الراتب الصلاة على الجنازة في المسجد. قال ابن القيم: وَلَمْ يَكُنْ مِنْ هَدْيِهِ الرَّاتِبِ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ فِي الْمَسْجِدِ، وَإِنَّمَا كَانَ يُصَلِّي عَلَى الْجِنَازَةِ خَارِجَ الْمَسْجِدِ، وَرُبَّمَا كَانَ يُصَلِّي أَحْيَانًا عَلَى الْمَيِّتِ فِي الْمَسْجِدِ كَمَا «صَلَّى عَلَى سُهَيْلِ بْنِ بَيْضَاءَ وَأَخِيهِ فِي الْمَسْجِدِ» وَلَكِنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ سُنَّتَهُ وَعَادَتَه. ا. هـ (٤)

стр. 115

فائدة: - أما ما رُوي من قوله ﷺ : (من صلى على جنازة في المسجد فلا شيء له) فهذا ممَّا اختلف فيه العلماء ,فضعَّفه بعض العلماء وصححه آخرون، وعلى فرض صحة هذا الحديث- وهو الراجح والله أعلم- (١)، فقد تأوَّله العلماء على وجوه: ١ - قوله ﷺ (فلا شيء له): أى فلا شيء عليه ,كما فى قوله تعالى (إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا) (الإسراء/٧) أي فعليها، والمعنى: أنه لا حرج لمن صلى الجنازة في المسجد، فلا نهي عن ذلك. (٢) ٢ - قوله ﷺ (فلا شيء له) أي لا أجر كامل له؛ لأَنَّ الْغَالِبَ أَنَّهُ من صَلَّى الجنازة فِي الْمَسْجِدِ يَنْصَرِفُ، فَلا يَشْهَدُ دَفْنَها، وَمَنْ صَلَّى عَلَيْهَا فِي الصَّحَرَاءِ بِحَضْرَةِ الْقُبُورِ يَشْهَدُ دَفْنَها، فَيَسْتَكْمِلُ أَجْرَ الْقِيرَاطَيْنِ. (٣) ٣ - أنَّ الحديث لبيان أنَّ صلاة الجنازة في المسجد ليس لها أجر لأجل كونها في المسجد كما في المكتوبات، فأجر أصل الصلاة باق، وإنما الحديث لإفادة سلب الأجر بواسطة ما يتوهم من أنها في المسجد، فيكون الحديث مفيداً لإباحة الصلاة في المسجد من غير أن يكون لها بذلك فضيلة زائدة على كونها خارجة نَعَمْ يَنْبَغِى أَنْ يَكُونَ الْأَفْضَلُ خَارِجَ الْمَسْجِدِ بِنَاءً عَلَى الْغَالِبِ أَنَّهُ ﷺ كَانَ يُصَلِّي خَارِجَ الْمَسْجِدِ وَفِعْلُهُ فِي الْمَسْجِدِ كَانَ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (٤) ٤ - أنَّ النسخة المحققة المشهورة المسموعة من سنن أبي داود (من صلى على جنازة في المسجد فلا شيء عليه) (٥)

стр. 116

فرع: - وإذا كان الراجح هو مشروعية صلاة الجنازة في المسجد ,فإنَّ الأفضل في ذلك هو أداؤها في الخلاء خارج المسجد. وأدلة ذلك أنَّ أكثر فعل النبي ﷺ أنه كان يصلِّيها خارج المسجد ,بدلالة أنَّه ﷺ جعل للجنائز موضعاً مخصصاً لذلك , كما في حديث البخاري أنَّ النبي ﷺ أمر برجم اللذَين زنيا قريباً من موضع الجنائز. (١) فوائد: ١ - إذا أُدخلت الجنازة إلى المسجد للصلاة عليها فإنها لا توضع في مقدمة المسجد عند صلاة الفريضة، قال علي القاري عند شرحه لقول النبي ﷺ (وَلَا تُصَلُّوا إِلَى القبور) وَفِي مَعْنَاهُ، بَلْ أَوْلَى مِنْهُ الْجَنَازَةُ الْمَوْضُوعَةُ، وَهُوَ مِمَّا ابْتُلِيَ بِهِ أَهْلُ مَكَّةَ حَيْثُ يَضَعُونَ الْجَنَازَةَ عِنْدَ الْكَعْبَةِ ثُمَّ يَسْتَقْبِلُونَ إِلَيْهَا. (٢) ٢ - يشرع لمن فاتته صلاه الجنازة مع الناس أن يصليها على الميت بعد دفنه , وذلك لما صح من حديث أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَجُلًا كَانَ يَقُمُّ المَسْجِدَ، فَمَاتَ وَلَمْ يَعلَم النَّبِيُّ ﷺ بِمَوْتِهِ، فَذَكَرَهُ ذَاتَ يَوْمٍ، فقَالُوا: مَاتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: «أَفَلا آذَنْتُمُونِي؟ » فَقَالُوا: إِنَّهُ كَانَ كَذَا وَكَذَا - قِصَّتُهُ - قَالَ: «فَدُلُّونِي عَلَى قَبْرِهِ» فَأَتَى قَبْرَهُ فَصَلَّى عَلَيْهِ. (٣)

стр. 117

قال ابن القيم: وفعله ﷺ ,حين صلَّى على جنازة بين المقابر لا يناقض نهيه عن الصلاة إلى المقابر فَإِنَّ الصَّلَاةَ الْمَنْهِيَّ عَنْهَا إلَى الْقَبْرِ غَيْرُ الصَّلَاةِ الَّتِي عَلَى الْقَبْرِ؛ فَهَذِهِ صَلَاةُ الْجِنَازَةِ عَلَى الْمَيِّتِ الَّتِي لَا تَخْتَصُّ بِمَكَانٍ، بَلْ فِعْلُهَا فِي غَيْرِ الْمَسْجِدِ أَفْضَلُ مِنْ فِعْلِهَا فِيهِ؛ فَالصَّلَاةُ عَلَيْهِ عَلَى قَبْرِهِ مِنْ جِنْسِ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ عَلَى نَعْشِهِ فَإِنَّهُ الْمَقْصُودُ بِالصَّلَاةِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ كَوْنِهِ عَلَى النَّعْشِ وَعَلَى الْأَرْضِ وَبَيْنَ كَوْنِهِ فِي بَطْنِهَا، بِخِلَافِ سَائِرِ الصَّلَوَاتِ؛ فَإِنَّهَا لَمْ تُشْرَعْ فِي الْقُبُورِ وَلَا إلَيْهَا؛ لِأَنَّهَا ذَرِيعَةٌ إلَى اتِّخَاذِهَا مَسَاجِدَ، وَقَدْ لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ، فَأَيْنَ مَا لَعَنَ فَاعِلَهُ وَحَذَّرَ مِنْهُ وَأَخْبَرَ أَنَّ أَهْلَهُ شِرَارُ الْخَلْقِ كَمَا قَالَ: «إنَّ مِنْ شِرَارِ الْخَلْقِ مَنْ تُدْرِكُهُمْ السَّاعَةُ وَهُمْ أَحْيَاءٌ، وَالَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْقُبُورَ مَسَاجِدَ» إلَى مَا فَعَلَهُ ﷺ مِرَارًا مُتَكَرِّرًا؟ ! وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ. (١)

стр. 118

فصل في أحكام السترة: ومن الأحكام التي تتعلق بأحكام المساجد حكم هام لا بد من التنبيه عليه وهو اتخاذ السترة لمن كان يصلي في المسجد، أو غير المسجد. نقول أولاً: قد وردت جملة من الآثار في مشروعية اتخاذ السترة للمصلِّي نذكر من ذلك ما يلي: - ١ - عن ابن عمر ﵄ قال: كان رسول الله ﷺ إذا خرج يوم العيد يأمر بالحربة، فتوضع بين يديه، فيصلي إليها، والناس وراءه، وكان يفعل ذلك في السفر. (١) ٢ - عن طلحه بن عبيد الله - رضى الله عنه - قال: كنا نصلِّي والدواب تمر بين أيدينا، فذكرنا ذلك للنبي ﷺ فقال: " مثل مؤخرة الرحل تكون بين يدي أحدكم، ثم لا يضره ما مر بين يديه. (٢)

стр. 119

٣ - وعن ابْنِ عُمَرَ- رضى الله عنهما - عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ كَانَ يُعَرِّضُ رَاحِلَتَهُ، فَيُصَلِّي إِلَيْهَا»، قُلْتُ: أَفَرَأَيْتَ إِذَا هَبَّتِ الرِّكَابُ؟ قَالَ: كَانَ يَأْخُذُ هَذَا الرَّحْلَ فَيُعَدِّلُهُ، فَيُصَلِّي إِلَى آخِرَتِهِ " (١) ٤ - قال أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ كَانَ الْمُؤَذِّنُ إِذَا أَذَّنَ، قَامَ أَصْحَابُ الرَسُولِ- ﷺ -يَبْتَدِرُونَ السَّوَارِي، حَتَّى يَخْرُجَ الرَسُولُ ﷺ . (٢) التعريف بالسترة: والسترة هي الشىء يجعله المصلِّى أمامه، كالجدار أو الإسطوانة أو عصا تغرز في الأرض؛ وذلك لمنع مرور أحد بين يديه. وأما الحكمة منها: قال النَّبِيَّ ﷺ : "إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ إِلَى سُتْرَةٍ فَلْيَدْنُ مِنْهَا لَا يَقْطَعِ الشَّيْطَانُ عَلَيْهِ صَلَاتَهُ" (٣) والمعنى: أَيْ لَا يُفَوِّتُ الشيطانُ عَلَيْهِ حُضُورَه الصلاة بِالوَسوَسَةِ، فالسُّتْرَة تَمْنَعُ اسْتِيلَاء الشَّيْطَانِ عَلَى الْمُصَلِّي وَتَمَكُّنَهُ مِنْ قَلْبِهِ بِالْوَسْوَسَةِ، وَأَنَّ عَدَمَهَا يُمَكِّنُ الشيطَانَ مِنْ اقصاءه عَمَّا هُوَ بِصَدَدِهِ مِنَ الْخُشُوعِ وَالْخُضُوعِ. (٤)

стр. 120

سؤال: ما حكم اتخاذ السترة ؟ جواب: الراجح - والله أعلم - هو وجوب اتخاذ السترة لكل مصلِّي , وهو رواية عن أحمد ومالك، وهو مذهب البخاري وقول الظاهرية وابن حزم وابن خزيمة والشوكاني والألباني. (١) ودليل ذلك في قوله ﷺ (إذا صلَّى أحدكم فليصلِّ إلى سترة) (٢) ولقوله ﷺ : (لاتصلِّ إلا إلى سترة) (٣).

стр. 121

ويؤيد وجوب السترة: ١ - أنها سبب شرعي لعدم بطلان الصلاة بمرور المرأة البالغة والحمار والكلب الأسود، كما صح ذلك في الحديث. ٢ - قوله ﷺ إذا صلَّى أحدكم فليستتر لصلاته، ولو بسهم ". (١) يؤيده: قوله ﷺ "صلُّوا كما رأيتموني أُصلِّي " ولم يرد أنه ﷺ صلَّى إلى غير سترة. ـ وعن سهل بن أبي حثمة ﵁ -مرفوعاً: [إذا صلَّى أحدكم إلى سترة, فليدن منها, لا يقطع الشيطان عليه صلاته] (٢) وجه الدلالة: لمَّا كانت السترة وسيلة لحفظ صلاة المرء من قطع الشيطان لها، وكذلك عدم قطعها، أي بطلانها، بمرور المرأة والكلب والحمار، صارت السترة واجبة؛ وذلك للقاعدة: "ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب " - وعن قرّة بن إياس قال: رآني عمر، وأنا أُصلي بين اسطوانتين، فأخذ بقفائي فأدناني إلى سترة، فقال: صلَّ إليها. (٣) وجه الدلالة: - فعل عمر بن الخطاب - رضى الله عنه - حين دفع الرجل وهو يصلي ليدنيه من السارية - ممَّا يخرج الرجل عن خشوعه - يدل على وجوب اتخاذ السترة, فمثل هذا الفعل لا يكون إلا لما كان واجباً، والله أعلم.

стр. 122

وعَنْ نَافِعٍ، قَالَ: كَانَ ابْنُ عُمَرَ، إِذَا لَمْ يَجِدْ سَبِيلًا إِلَى سَارِيَةٍ مِنْ سَوَارِي الْمَسْجِدِ، قَالَ لِي: «وَلِّنِي ظَهْرَكَ» (١) قال عَبْدُ اللَّهِ بن مسعود ﵁: أَرْبَعٌ مِنَ الْجَفَاءِ: أَنْ يُصَلِّيَ الرَّجُلُ إِلَى غَيْرِ سُتْرَةٍ وَأَنْ يَمْسَحَ جَبْهَتَهُ قَبْلَ أَنْ يَنْصَرِفَ أَوْ يَبُولَ قَائِمًا أَوْ يَسْمَعَ الْمُنَادِيَ ثُمَّ لَا يُجِيبَهُ. (٢) وعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ- ﵁ قَالَ: لَقَدْ رَأَيْتُ كِبَارَ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ يَبْتَدِرُونَ السَّوَارِيَ عِنْدَ المَغْرِبِ»، وَزَادَ شُعْبَةُ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ أَنَسٍ، حَتَّى يَخْرُجَ النَّبِيُّ ﷺ . (٣)

стр. 123

ممَّا دل أنَّ هذا الأمر كان سُنة الصحابة ﵃. قال ابن هانىء: رآني أبوعبد الله (يعني أحمد بن حنبل) يوماً وأنا أصلِّي وليس بين يدي سترة، فقال لي: استتر بشيء، فاستترت برجل. (١)

стр. 124

وهنا تفصيل هام: ١ - إذا كان المصلِّي في صلاة جماعة فليعلم أنَّ سترة الإمام سترة هي للمأمومين خلفه , فالإمام يكون سترة لجميع المأمومين، فلا يضرهم مَن مر أمامهم مِن الناس؛ وذلك لحديث ابن عباس - رضى الله عنهما-قَالَ: «أَقْبَلْتُ رَاكِبًا عَلَى حِمَارٍ أَتَانٍ، وَأَنَا يَوْمَئِذٍ قَدْ نَاهَزْتُ الِاحْتِلامَ، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي بِمِنًى إِلَى غَيْرِ جِدَارٍ، فَمَرَرْتُ بَيْنَ يَدَيْ بَعْضِ الصَّفِّ، وَأَرْسَلْتُ الأَتَانَ تَرْتَعُ، فَدَخَلْتُ فِي الصَّفِّ، فَلَمْ يُنْكَرْ ذَلِكَ عَلَيَّ» (١) قال النووي: فيه أنَّ سترة الإمام سترة لمن خلفه. (٢)

стр. 125

يؤيده: الإجماع على ذلك: قال ابن حزم: الْإِجْمَاعُ مُتَيَقَّنُ أَنَّ سُتْرَةَ الْإِمَامِ لَا يُكَلَّفُ أَحَدٌ مِنْ الْمَأْمُومِينَ اتِّخَاذَ سُتْرَةٍ أُخْرَى؛ بَلْ اكْتَفَى الْجَمِيعُ بِالْعَنَزَةِ الَّتِي كَانَ ﵇ يُصَلِّي إلَيْهَا، فَلَمْ تَدْخُلْ أَتَانُ ابْنِ عَبَّاسٍ بَيْنَ النَّاسِ وَبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَلَا بَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَبَيْنَ سُتْرَتِهِ. (١) سئل شيخ الاسلام: عَنْ الْمُرُورِ بَيْنَ يَدَيْ الْمَأْمُومِ: هَلْ هُوَ فِي النَّهْيِ كَغَيْرِهِ مِثْلَ الْإِمَامِ وَالْمُنْفَرِدِ أَمْ لَا؟ فَأَجَابَ: الْمَنْهِيُّ عَنْهُ إنَّمَا هُوَ بَيْنَ يَدَيْ الْإِمَامِ وَالْمُنْفَرِدِ، وَاسْتَدَلُّوا بِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (٢) ١ - أما من كان يصلِّى إماماً أو منفرداً فإنه يلزمه أنْ يتخذ سترة ,وكذلك المسبوق فإنه يلزمه أن يتقدم إلى أقرب سترة. فوائد هامة تتعلق بالسترة: - ١ - يسن الدنو من السترة لقوله ﷺ : إذا صلَّى أحدكم فليصلِّ إلى سترة ,وليدن منها. (٣)

стр. 126

فيستحب الدنو من السترة بحيث يكون بينه وبينها قدر إمكان السجود ,وهو قول الجمهور، قالوا أنَّ المصلِّي يقرب من سترته قدر ثلاثة أذرع فأقل من ابتداء قدميه. (١) وقد ورد في السنة قدر المسافة بين المصلِّي وسترته كما في حديث بلال - رضى الله عنه - أنَّ النبي ﷺ دخل الكعبة فصلى وبينه وبين الجدار نحو من ثلاثة أذرع. (٢) أما عن قدر ارتفاع السترة: - فعن طلحه بن عبيد الله ﵁ مرفوعاً (مثل مؤخرة الرَحل يكون بين يدي أحدكم ثم لا يضره ما مر بين يديه.) (٣) سؤال: هل يجزىء في ذلك أنْ يخط المرء خطَّاً على الأرض يجعله سترة له؟ ؟

стр. 127

الجواب: قد ورد في ذلك حديث رُوى مرفوعاً (فإنْ لم يكن معه عصاً فليخط خطَّاً) وهو حديث ضعيف ,لا يصح عن النبي ﷺ . (١)

стр. 128

ومن الفوائد في هذا الباب: ١ - حرمة المرور بين المصلِّي - الذي يتخد سترة - وبين سترته , لقوله ﷺ : لو يعلم المار بين يدي المصلي ماذا عليه، لكان أنْ يقف أربعين، خيرا له من أن يمر بين يديه" قال أبو النضر: "لا أدري أقال أربعين يوماً، أو أربعين شهر سنة" (١) قال الشوكاني: والحديث يدل أنَّ المرور بين يدي المصلِّي من الكبائر الموجبة للنار. ا. هـ

стр. 129

قال ابن القيم: وَمِنْهَا_ أي ومن الكبائر - الْمُرُورُ بَيْنَ يَدَيْ الْمُصَلِّي، وَلَوْ كَانَ صَغِيرَةً لَمْ يَأْمُرْ النَّبِيُّ ﷺ بِقِتَالِ فَاعِلِهِ، وَلَمْ يَجْعَلْ وُقُوفَهُ عَنْ حَوَائِجِهِ وَمَصَالِحِهِ أَرْبَعِينَ عَامًا خَيْرًا لَهُ مِنْ مُرُورِهِ بَيْنَ يَدَيْهِ كَمَا فِي مُسْنَدِ الْبَزَّارِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ا. هـ وكذا عدَّ ابن حجر الهيتمي أنَّ المرور بين يدي المصلِّي الذي يتخذ سترة من الكبائر، وقوله ﷺ : " لكان أن يقف أربعين " هَذَا مُشْعِرٌ بِأَنَّ إِطْلَاقَ الْأَرْبَعِينَ لِلْمُبَالَغَةِ فِي تَعْظِيمِ الْأَمْرِ لَا لِخُصُوصِ عَدَدٍ مُعَيَّنٍ ". (١) ٢ - الفائدة الثانية: عن أبي هريرة- ﵁ مرفوعاً (يَقْطَعُ الصَّلَاةَ الْمَرْأَةُ وَالْحِمَارُ وَالْكَلْبُ، وَيَقِي ذَلِكَ مِثْلُ مُؤْخِرَةِ الرَّحْل) (٢)

стр. 130

والمراد - والله أعلم - بقطع الصلاة في هذا الحديث هو إبطالها , وقد ذهب إلى هذا من الصحابة أبو هريرة وأنس وابن عباس في رواية عنه، وابن عمر وأبو ذر ﵃ وهو رواية عن أحمد، وهو قول ابن تيمية وأهل الظاهر والصنعاني وابن حزم وابن العربي والشوكاني، وهوا ختيار ابن باز وابن العثيمين والألباني، وعليه فتوى اللجنة الدائمة. . (١) قال شيخ الاسلام ابن تيمية: وَالَّذِينَ خَالَفُوا أَحَادِيثَ الْقَطْعِ لِلصَّلَاةِ لَمْ يُعَارِضُوهَا إِلَّا بِتَضْعِيفِ بَعْضِهِمْ، وَهُوَ تَضْعِيفُ مَنْ لَمْ يَعْرِفِ الْحَدِيثَ كَمَا ذَكَرَ أَصْحَابُهُ، أَوْ بِأَنْ عَارَضُوهَا بِرِوَايَاتٍ ضَعِيفَةٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «لَا يَقْطَعُ الصَّلَاةَ شَيْءٌ»، أَوْ بِمَا رُوِيَ فِي ذَلِكَ عَنِ الصَّحَابَةِ وَقَدْ كَانَ الصَّحَابَةُ مُخْتَلِفِينَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، أَوْ بِرَأْيٍ ضَعِيفٍ لَوْ صَحَّ لَمْ يُقَاوِمْ هَذِهِ الْحُجَّةَ. ا. هـ (٢).

стр. 131

قلت: ويؤيد أنَّ معنى القطع بطلان الصلاة: عَنْ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمُزَنِيِّ قَالَ: كُنْت أُصَلِّي إلَى جَنْبِ ابْنِ عُمَرَ فَدَخَلَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ - يُرِيدُ جَرْوًا - فَمَرَّ بَيْنَ يَدَيَّ فَقَالَ لِي ابْنُ عُمَرَ: أَمَّا أَنْتَ فَأَعِدْ الصَّلَاةَ؛ وَأَمَّا أَنَا فَلَا أُعِيدُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَمُرَّ بَيْنَ يَدَيَّ. (١)

стр. 132

فإن قيل: قد رُوى مرفوعاً (لا يقطع الصلاة شيء) فالجواب: أنه حديث ضعيف، لا يصح رفعه إلى النبي ﷺ . (١) فإن قيل: ما الحكمة في أنَّ المرأة تقطع صلاة الرجل؟ ؟ الحمد لله أولاً: الواجب على المسلم التسليم لأحكام الشرع، سواء فهم الحكمة منها أم لم يفهمها. ثانياً: المرأة ليست نجسة، ولكن قد التمس بعض العلماء علة لقطع المرأة للصلاة، وهي: أن المرأة تفتن الرجل، فيحصل بذلك التشويش وانشغال القلب من المصلِّي. (٢) فإن قيل: هل تقطع المرأة صلاة المرأة؟ الصحيح -والله أعلم- أنَّ مرور المرأة أمام المرأة لا يقطع صلاتها؛ لقوله ﷺ : يَقْطَعُ صَلَاةَ الرَّجُلِ: الْحِمَارُ وَالْكَلْبُ الْأَسْوَدُ وَالْمَرْأَةُ» فخص الحكم بقطع صلاة الرجل دون المرأة، قال قتادة: لا تقطع المرأة صلاة المرأة " (٣)، وهو قول ابن حزم. ومن الفوائد المهمة: عن أبي سعيد الخدري ﵁ أنَّ رسول الله ﷺ قال: إذا صلَّى أحدكم إلى شيء يستره من الناس فأراد أحد أن يجتاز بين يديه، فليدفع في نحره، فإنْ أبى فليقاتله، فإنما هو شيطان. (٤)

стр. 133

وفى الحديث فوائد: - ١ - أنَّ الذي لا يصلِّي إلى سترة , وأراد المار أن يمر بين يديه فليس له دفعه، فإنَّ التحريم المذكور في المرور بين يدي المصلِّي حديث إنما هو لمن صلى إلى سترة، فأما إذا لم يصل إلى سترة , فلا يحرم المرور بين يديه. واتفق العلماء على أنَّ منع المار بين يدي المصلِّي إنما هو لمن لم يفرط في صلاته، فصلى إلى سترة. (١) قال النووي: وَالصحيح أنه لَيْسَ لَمن صلَّى إلى غير سترة دفْعُ من مر أمامه؛ لِتَقْصِيرِهِ بِتَرْكِ السُّتْرَةِ؛ وَلِمَفْهُومِ قَوْلِهِ ﷺ " إذَا صَلَّى أحدكم إلى شيء يَسْتُرُهُ .... " وَلَا يَحْرُمُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ الْمُرُورُ بَيْنَ يَدَيْهِ وَلَكِنْ يُكْرَهُ. ا. هـ (٢) لكن نقول: من أرد المرور بين يدي المصلِّي الذي لا سترة له، فلا يمر إلا بعد مسافة ثلاثة أذرع من موضع قدمي المصلِّي، وهو المذهب عند الحنابلة.

стр. 134

٢ - أنَّ الذي يصلِّي إلى سترة وأراد أحد أن يمر بينه وبين سترته فله أن يمنعه من ذلك ,كما ورد ذلك في حديث أبي سعيد الخدري ﵁ -عندما كان يُصَلِّي يَوْمَ الْجُمُعَةِ إِلَى شَيْءٍ يَسْتُرُهُ مِنَ النَّاسِ، إِذْ جَاءَ رَجُلٌ شَابٌّ مِنْ بَنِي أَبِي مُعَيْطٍ أَرَادَ أَنْ يَجْتَازَ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَدَفَعَ فِي نَحْرِهِ فَنَظَرَ فَلَمْ يَجِدْ مَسَاغًا، إِلَّا بَيْنَ يَدَيْ أَبِي سَعِيدٍ فَعَادَ، فَدَفَعَ فِي نَحْرِهِ أَشَدَّ مِنَ الدَّفْعَةِ الْأُولَى، فَمَثَلَ قَائِمًا، فَنَالَ مِنْ أَبِي سَعِيدٍ، ثُمَّ زَاحَمَ النَّاسَ، فَخَرَجَ فَدَخَلَ عَلَى مَرْوَانَ فَشَكَا إِلَيْهِ مَا لَقِيَ، قَالَ: وَدَخَلَ أَبُو سَعِيدٍ عَلَى مَرْوَانَ، فَقَالَ لَهُ مَرْوَانُ: مَا لَكَ وَلِابْنِ أَخِيكَ جَاءَ يَشْكُوكَ. فَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ إِلَى شَيْءٍ يَسْتُرُهُ مِنَ النَّاسِ، فَأَرَادَ أَحَدٌ أَنْ يَجْتَازَ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَلْيَدْفَعْ فِي نَحْرِهِ فَإِنْ أَبَى فَلْيُقَاتِلْهُ، فَإِنَّمَا هُوَ شَيْطَانٌ» (١) ٣ - وقوله "فإنما هو شيطان": قد يكون أَرَادَ بالشيطان الْمَار بَين يَدَيْهِ نَفسه؛ وَذَلِكَ أَن الشَّيْطَان هُوَ المارد الْخَبيث من الْجِنّ وَالْإِنْس، وقيل معناه أنَّ الشيطان يحمله على ذلك وأنه من فعل الشيطان وتسويله، والصحيح - والله أعلم - هو المعنى الثاني؛ وذلك لما ورد عند مسلم من طريق ابن عمر مرفوعاً "فليقاتله فإنَّ معه القرين " يريد الشيطان (٢).

стр. 135

سؤال: ما حكم المرور بين يدي المصلِّي في الحرم؟ الجواب: جوَّز جمهور العلماء المرور بين يدى المصلِّي فى الحرم خاصه؛ ذلك للمشقة الشديدة في التحرز من ذلك؛ حيث أنَّ ازدحام الحرم بالمصلِّين يصعب معه التحزر من عدم المرور بين يدى المصلِّين. والراجح - والله أعلم - هو عدم جواز المرور بين يدىِّ المصلي في الحرم وغيره, ويدل على ذلك: ١ - عن أبي جُحَيْفَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ بِمَكَّةَ وَهُوَ بِالْأَبْطَحِ قَالَ: فَخَرَجَ بِلَالٌ بِوَضُوئِهِ، فَمِنْ نَائِلٍ وَنَاضِحٍ، قَالَ: «فَخَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَيْهِ حُلَّةٌ حَمْرَاءُ قَالَ: «فَتَوَضَّأَ» وَأَذَّنَ بِلَالٌ، قَالَ: «ثُمَّ رُكِزَتْ لَهُ عَنَزَةٌ، فَتَقَدَّمَ فَصَلَّى الظُّهْرَ رَكْعَتَيْنِ، يَمُرُّ بَيْنَ يَدَيْهِ الْحِمَارُ وَالْكَلْبُ، لَا يُمْنَعُ ثُمَّ صَلَّى الْعَصْرَ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ لَمْ يَزَلْ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ حَتَّى رَجَعَ إِلَى الْمَدِينَةِ (١). ففي هذا الحديث قد اتخذ النَّبِيُّ ﷺ سترة في الأبطح، وهي من الحرم. ٢ - عموم قوله ﷺ (لو يعلم المار بين يدي المصلِّي ماذاعليه، لكان أنْ يقف أربعين، خيراً له من أن يمر بين يديه) " (٢)

стр. 136

٣ - وعن صالح بن كيسان قال: رأيت ابن عمر ﵁ يصلِّي في الكعبة، ولا يدع أحدًا يمر بين يديه. (١) ٤ - وعن يحيى بن أبي كثير قال: رأيت أنس بن مالك-﵁ في المسجد الحرام قد نصب عصاً يصلِّي إليها. (٢) قال ابن العثيمين: والسترة تُتخذ في الحرم لفعله ﷺ حين صلَّى بالأبطح - وهي من الحرم - إلى سترة. ا. هـ قال الألباني: وعلى العلماء أنْ ينبهوا الناس إلى السترة، ويحثوهم عليها، ويبينوا لهم أحكامها، وأنها تشمل الحرمين الشريفين أيضاً. (٣)

стр. 137

فهذه نصوص صحيحة صريحة أنَّ السترة تتخذ في المسجد الحرام. وعلى هذا فلا يجوز الصلاة لغير سترة في الحرم، ولا المرور بين يدي المصلِّي عامة، في الحرم وغيره، ولا أعلم دليلًا يستثني المسجد الحرام عن غيره، والوعيد في الأحاديث عام يستحقه كل من يمر بين يدي مصلٍّ في أي مكان. (١) فصل ومن الأمور التي يحرم فعلها في المساجد والتي حذَّر الشرع منها: التشويش على المصلين بكل ما هو من شأنه أنْ يُخرجهم من الخشوع الذي هو روح الصلاة.

стр. 138

عن أبي سعيد الخدري ﵁ -قال: اعتكف رسول الله ﷺ -في المسجد، فسمعهم يجهرون بالقراءة وهو في قبة له، فكشف الستور، وقال: إنَّ كلكم مناج ربه فلا يؤذين بعضكم بعضاً، ولا يرفعنَّ بعضكم على بعض بالقراءة " (١) فتأمل في هذه الواقعة: فإنَّ النبي ﷺ قد نهى أصحابه ﵃ عن التشويش على أهل المسجد من المصلِّين والعاكفين، ولو كان ذلك بعلو أصواتهم بقراءة القرآن، فكيف بمن يشوِّش على المصلِّين بالأحاديث الجانبية والضحكات المرتفعة وما شابه ذلك؟ ! ! (٢) قَالَ أَشْهَبُ: سُئِلَ مَالِكٌ عَنْ رَفْعِ الصَّوْتِ فِي الْمَسْجِد بالعلم وغيره؟ قَالَ: لَا خَيْرَ فِي ذَلِكَ فِي الْعِلْمِ وَلَا فِي غَيْرِهِ، وَلَقَدْ أَدْرَكْت النَّاسَ قَدِيمًا يَعِيبُونَ ذَلِكَ عَلَى مَنْ يَكُونُ بِمَجْلِسِهِ، وَمَنْ كَانَ يَكُونُ ذَلِكَ فِي مَجْلِسِهِ كَانَ يُعْتَذَرُ مِنْهُ، وَأَنَا أَكْرَهُ ذَلِكَ، وَلَا أَرَى فِيهِ خَيْرًا. ا. هـ (٣)

стр. 139

سُئِلَ شيخ الإسلام ابن تيمية- ﵀: عَنْ مَسْجِدٍ يُقْرَأُ فِيهِ الْقُرْآنُ وعَلَى بَابِ الْمَسْجِدِ شُهُودٌ يُكْثِرُونَ الْكَلَامَ وَيَقَعُ التَّشْوِيشُ عَلَى الْقُرَّاءِ، فَهَلْ يَجُوزُ ذَلِكَ؟ . فَأَجَابَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ، لَيْسَ لِأَحَد أَنْ يُؤْذِيَ أَهْلَ الْمَسْجِدِ: أَهْلَ الصَّلَاةِ أَوْ الْقِرَاءَةِ أَوْ الذِّكْرِ أَوْ الدُّعَاءِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا بُنِيَتْ الْمَسَاجِدُ لَهُ، ويُشَوِّشُ عَلَى هَؤُلَاءِ. بَلْ قَدْ خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى أَصْحَابِهِ وَهُمْ يُصَلُّونَ وَيَجْهَرُونَ بِالْقِرَاءَةِ. فَقَالَ: ﴿أَيُّهَا النَّاسُ كُلُّكُمْ يُنَاجِي رَبَّهُ فَلَا يَجْهَرُ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الْقِرَاءَةِ﴾. فَإِذَا كَانَ قَدْ نَهَى الْمُصَلِّيَ أَنْ يَجْهَرَ عَلَى الْمُصَلِّي فَكَيْفَ بِغَيْرِهِ، وَمَنْ فَعَلَ مَا يُشَوِّشُ بِهِ عَلَى أَهْلِ الْمَسْجِدِ أَوْ فَعَلَ مَا يُفْضِي إلَى ذَلِكَ مُنِعَ مِنْ ذَلِكَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ا. هـ (١) وتأمل فيما قاله العلامة الألباني- ﵀: ما يقع اليوم في أكثر المساجد وما يسمع من الصوت الشديد من أثر اندفاع الماء من (الحنفيات) واصطدامه بالبلاط مما يحصل منه ضوضاء وتشويش على المصلين فيه؛ ولذلك نرى أنه من الضروري جعل الميضأة في مكان بجنب المساجد لا داخلها. (٢) أقول: لقد وضع الشرع سياجاً حصيناً يضمن للمرء خشوعه في الصلاة، ويمنع عنه كل ما يشوِّش عليه: ومن ذلك ما رواه أنس ﵁ أنِّ النبي ﷺ قال: إِذَا قُدِّمَ العَشَاءُ، فَابْدَءُوا بِهِ قَبْلَ أَنْ تُصَلُّوا صَلاةَ المَغْرِبِ، وَلا تَعْجَلُوا عَنْ عَشَائِكُمْ» (٣)

стр. 140

ومن ذلك حديث أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ- رضى الله عنه- قال: كَانَ قِرَامٌ لِعَائِشَةَ ﵂ -سَتَرَتْ بِهِ جَانِبَ بَيْتِهَا، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «أَمِيطِي عَنَّا قِرَامَكِ هَذَا، فَإِنَّهُ لا تَزَالُ تَصَاوِيرُهُ تَعْرِضُ فِي صَلاتِي» (١) ففِي الْحَدِيثِ دَلَالَةٌ عَلَى إزَالَةِ مَا يُشَوِّشُ عَلَى الْمُصَلِّي صَلَاتَهُ مِمَّا فِي مَنْزِلِهِ، أَوْ فِي مَحَلِّ صَلَاتِهِ. (٢) ومن الأمور التي حرَّمها الشرع، والتي من شأنها التشويش على المصلِّين: - ما يؤذى الآذان من النغمات التي تحملها أجهزة الهاتف الجوال " المحمول" الذي يحمله المصلُّون في المساجد، فهي لعمر الله لمن أشد الأذى الذي تسرب إلى المساجد، فهذه الهواتف التي تحمل " النغمات الموسيقية "التي حرَّمها رسول الله ﷺ ، والتي تضيِّع الخشوع وتذهب به عن قلوب المصلين، لم نكن نتصور يوماً أنَّ مثل هذه الأغاني تدخل إلى مساجدنا.

стр. 141

وهذه النغمات التي نسمعها أثناء الصلاة تجمع بين جملة من المساوىء منها: - ١ - إذهاب خشوع المصلِّين , والذي هو -أي الخشوع- رأس مال المصلِّي بين يدي ربه عزوجل. ٢ - علو صوت النغمات بالموسيقى المحرَّمة في بيوت الله التي ما أذن الله - تعالى - أنْ ترفع إلا ليذكر فيها اسمه. لذا فعلى من يحمل مثل هذه النغمات أن يخشى عاقبة هذا الأمر؛ وذلك حين يتحمل ذنوباً بعدد هؤلاء المصلين الذي كان سبباً في تضيع خشوعهم في الصلاة. وممَّا يدل على حرمة هذه النغمات الموسيقية وبصفة خاصة في المساجد قوله تعالى (في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه) فالمراد بقوله تعالى (أن ترفع) أي تعظَّم , فلا يذكر فيها الخنى من الأقوال وأنْ تنظف من الأدناس والأنجاس ولا ترفع فيها الأصوات. (١) يا صاحبَ المحمولِ رفقاً ... نرجو الهدوء بمساجد الرحمن بربنا لا تؤذنا حين الصلاة ... برنين أجراس وألحان هذا الرنين يصدُّنا عن طاعة الله ... وتزيد معه وساوس الشيطان فاقطع رعاك الله أي علاقة ... بالخلق حين عبادة الرحمن فعلى من يحمل هذه الهواتف أنْ: ١ - يغيِّر هذه النغمات المحرمة، ويستبدلها بـ" مقاطع" لا طرب فيها، أو بأناشيد لا موسيقى فيها. (٢) ٢ - يغلق المحمول عند دخوله إلى المسجد، فأنت كما تخلع حذاءك على باب المسجد، فاخلع معه الدنيا وما يصلك بها، ومن ذلك: هذا الهاتف الجوال، فالصلاة صلة بينك وبين ربك، والهاتف صلة بينك وبين الناس، فأيُّهما تقدِّم؟ ؟

стр. 142

ألا تقدِّم صلاتك على اتصالاتك؟ ! ! (١) فرع: ويُلحق بما سبق: ما نسمعه في بعض المساجد من دقات ساعات الحائط، والتي تحمل الكثير منها أصواتاً موسيقية، فتجمع بين الحرمتين، حرمة الموسيقى وحرمة التشويش على المصلين، ويزيد الطين بلة إذا كان صوت هذه الساعات يشبه أجراس الكنائس. (٢)

стр. 143

ومن صور التشويش التي انتشرت في مساجدنا، والتي يغفل عنها الكثير: التشويش ليس فقط على حاسة السمع ,بل كذلك على حاسة البصر، وهذا من شأنه كذلك أن يُذهب خشوع المصلين ,ألا وهو تزيين جدران المساجد بالألوان الباهرة واللوحات الملفتة للقلب قبل العين ,وكذلك الفرُش التي تبسط في أرضية المساجد، والتي بها رسومات كفيلة بتضيع خشوع المصلِّين. أقول: إنَّ مثل هذه الأشياء ممَّا نهى عنها الشرع: عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي خَمِيصَةٍ لَهَا أَعْلَامٌ، فَقَالَ: «شَغَلَنِي أَعْلَامُ هَذِهِ، اذْهَبُوا بِهَا إِلَى أَبِي جَهْمٍ، وَأْتُونِي بِأَنْبِجَانِيَّتِهِ» (١) وقد ورد سؤال إلى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية، وهذا نصه: ما حُكم الصلاة على السجادة التي فيها صور المساجد والقباب التي على القبور والمنارات وأمثالها؟ وأجابت اللجنة بما يلي: إنذَ تصوير ما ليس فيه روح جائز، والصلاة على السجادة التي فيها صور ما لا روح فيها لا تجوز لما في ذلك من شغل المصلي في صلاته لكنها صحيحة لما رواه أحمد، وأبو داود من طريق عثمان بن طلحة، أن النبي ﷺ دعاه بعد دخوله الكعبة، فقال: "إني كنت رأيت إني كنت رأيت قرني الكبش حين دخلتُ البيت فنسيتُ أن آمرك أن تخمرها فخمرها، فإنه لا ينبغي أن يكون في قبلة البيت شيء يُلهي المصلي".

стр. 144

وروى أحمد، والبخاري من طريق أنس قال: كان قرام لعائشة قد سترت به جانب بيتها، فقال لها النبي ﷺ : "أميطي عني قرامك هذا، فإنه لا تزال تعرض لي في صلاتي"ا. هـ ومن هذه الأحاديث استنبط الفقهاء كراهة تزويق حيطان المساجد ومحاريبها بالأصباغ والنقوش وزخرفتها بالصنائع، فإنَّ الحكم يعم بعموم علته، والعلة الاشتغال عن الصلاة. (١) وعن ابن عباس ﵁ قال: قال النبي ﷺ ما أُمرت بتشييد المساجد. (٢) والمراد بالتشييد هنا هو رفع البناء وتطويله ,ومنه قوله تعالى (وبروج مشيدة) , وهي التي على بناؤها وارتفع. قال ابن عباس ﵄: لتزخرفنَّها كما زخرفت اليهود والنَّصارى. (٣) فإنَّ اليهود والنصارى إنما زخرفوا المساجد عندما حرَّفوا وبدَّلوا، فأنتم تصيرون إلى مثل حالهم من الزُّخْرُف والنُّقُوش، ووجهُ النَّهى يحتملُ أَنْ يَكُونَ لئَلا تشْغَل المُصَلي. (٤)

стр. 145

*عن أنس ﵁ أنَّ النبي ﷺ قال: (لا تقوم الساعة حتى يتباهى الناس في المساجد) (١) والمعنى: يتفاخر كل أحد بمسجده ويقول: مسجدي أرفع وأوسع وأحسن؛ وذلك رياءً وسمعة، وفى هذا الحديث معجزة ظاهرة لإخباره ﷺ عمَّا سيقع بعده ,فإنَّ تزويق المساجد والمباهاة بزخرفتها كثر من الملوك والأمراء في هذا الزمان بالقاهرة والشام , نسأل الله العافية. ا. هـ (٢) وعن عمر بن الخطاب - رضى الله عنه- لمَّا أمر ببناء المساجد قال: أكِنَّ الناس من المطر، وإيَّاك أن تحمِّر أو تصفِّر فتفتن الناس. (٣)
следующие страницы →