وهذه النغمات التي نسمعها أثناء الصلاة تجمع بين جملة من المساوىء منها: -
١ - إذهاب خشوع المصلِّين , والذي هو -أي الخشوع- رأس مال المصلِّي بين يدي ربه عزوجل.
٢ - علو صوت النغمات بالموسيقى المحرَّمة في بيوت الله التي ما أذن الله - تعالى - أنْ ترفع إلا ليذكر فيها اسمه.
لذا فعلى من يحمل مثل هذه النغمات أن يخشى عاقبة هذا الأمر؛ وذلك حين يتحمل ذنوباً بعدد هؤلاء المصلين الذي كان سبباً في تضيع خشوعهم في الصلاة.
وممَّا يدل على حرمة هذه النغمات الموسيقية وبصفة خاصة في المساجد قوله تعالى (في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه) فالمراد بقوله تعالى (أن ترفع) أي تعظَّم , فلا يذكر فيها الخنى من الأقوال وأنْ تنظف من الأدناس والأنجاس ولا ترفع فيها الأصوات. (١)
يا صاحبَ المحمولِ رفقاً ... نرجو الهدوء بمساجد الرحمن
بربنا لا تؤذنا حين الصلاة ... برنين أجراس وألحان
هذا الرنين يصدُّنا عن طاعة الله ... وتزيد معه وساوس الشيطان
فاقطع رعاك الله أي علاقة ... بالخلق حين عبادة الرحمن
فعلى من يحمل هذه الهواتف أنْ:
١ - يغيِّر هذه النغمات المحرمة، ويستبدلها بـ" مقاطع" لا طرب فيها، أو بأناشيد لا موسيقى فيها. (٢)
٢ - يغلق المحمول عند دخوله إلى المسجد، فأنت كما تخلع حذاءك على باب المسجد، فاخلع معه الدنيا وما يصلك بها، ومن ذلك: هذا الهاتف الجوال، فالصلاة صلة بينك وبين ربك، والهاتف صلة بينك وبين الناس، فأيُّهما تقدِّم؟ ؟
стр. 142
ألا تقدِّم صلاتك على اتصالاتك؟ ! ! (١)
فرع: ويُلحق بما سبق: ما نسمعه في بعض المساجد من دقات ساعات الحائط، والتي تحمل الكثير منها أصواتاً موسيقية، فتجمع بين الحرمتين، حرمة الموسيقى وحرمة التشويش على المصلين، ويزيد الطين بلة إذا كان صوت هذه الساعات يشبه أجراس الكنائس. (٢)
стр. 143
ومن صور التشويش التي انتشرت في مساجدنا، والتي يغفل عنها الكثير:
التشويش ليس فقط على حاسة السمع ,بل كذلك على حاسة البصر، وهذا من شأنه كذلك أن يُذهب خشوع المصلين ,ألا وهو تزيين جدران المساجد بالألوان الباهرة واللوحات الملفتة للقلب قبل العين ,وكذلك الفرُش التي تبسط في أرضية المساجد، والتي بها رسومات كفيلة بتضيع خشوع المصلِّين.
أقول: إنَّ مثل هذه الأشياء ممَّا نهى عنها الشرع:
عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي خَمِيصَةٍ لَهَا أَعْلَامٌ، فَقَالَ: «شَغَلَنِي أَعْلَامُ هَذِهِ، اذْهَبُوا بِهَا إِلَى أَبِي جَهْمٍ، وَأْتُونِي بِأَنْبِجَانِيَّتِهِ» (١)
وقد ورد سؤال إلى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية، وهذا نصه:
ما حُكم الصلاة على السجادة التي فيها صور المساجد والقباب التي على القبور والمنارات وأمثالها؟
وأجابت اللجنة بما يلي:
إنذَ تصوير ما ليس فيه روح جائز، والصلاة على السجادة التي فيها صور ما لا روح فيها لا تجوز لما في ذلك من شغل المصلي في صلاته لكنها صحيحة لما رواه أحمد، وأبو داود من طريق عثمان بن طلحة، أن النبي ﷺ دعاه بعد دخوله الكعبة، فقال: "إني كنت رأيت إني كنت رأيت قرني الكبش حين دخلتُ البيت فنسيتُ أن آمرك أن تخمرها فخمرها، فإنه لا ينبغي أن يكون في قبلة البيت شيء يُلهي المصلي".
стр. 144
وروى أحمد، والبخاري من طريق أنس قال: كان قرام لعائشة قد سترت به جانب بيتها، فقال لها النبي ﷺ : "أميطي عني قرامك هذا، فإنه لا تزال تعرض لي في صلاتي"ا. هـ
ومن هذه الأحاديث استنبط الفقهاء كراهة تزويق حيطان المساجد ومحاريبها بالأصباغ والنقوش وزخرفتها بالصنائع، فإنَّ الحكم يعم بعموم علته، والعلة الاشتغال عن الصلاة. (١)
وعن ابن عباس ﵁ قال: قال النبي ﷺ ما أُمرت بتشييد المساجد. (٢)
والمراد بالتشييد هنا هو رفع البناء وتطويله ,ومنه قوله تعالى (وبروج مشيدة) , وهي التي على بناؤها وارتفع.
قال ابن عباس ﵄: لتزخرفنَّها كما زخرفت اليهود والنَّصارى. (٣)
فإنَّ اليهود والنصارى إنما زخرفوا المساجد عندما حرَّفوا وبدَّلوا، فأنتم تصيرون إلى مثل حالهم من الزُّخْرُف والنُّقُوش، ووجهُ النَّهى يحتملُ أَنْ يَكُونَ لئَلا تشْغَل المُصَلي. (٤)
стр. 145
*عن أنس ﵁ أنَّ النبي ﷺ قال: (لا تقوم الساعة حتى يتباهى الناس في المساجد) (١)
والمعنى: يتفاخر كل أحد بمسجده ويقول: مسجدي أرفع وأوسع وأحسن؛ وذلك رياءً وسمعة، وفى هذا الحديث معجزة ظاهرة لإخباره ﷺ عمَّا سيقع بعده ,فإنَّ تزويق المساجد والمباهاة بزخرفتها كثر من الملوك والأمراء في هذا الزمان بالقاهرة والشام , نسأل الله العافية. ا. هـ (٢)
وعن عمر بن الخطاب - رضى الله عنه- لمَّا أمر ببناء المساجد قال: أكِنَّ الناس من المطر، وإيَّاك أن تحمِّر أو تصفِّر فتفتن الناس. (٣)
стр. 146
وتأمل: فإنَّ الدنيا قد فتحت في خلافة عمر ﵁ فلم يغيِّر المسجد عن بنيانه الذي كان عليه في عهد النبي- ﷺ ، ثم جاء الأمر إلى عثمان- رضى الله عنه -، والمال في زمانه أكثر، فلم يزد أن جعل في مكان اللبن حجارة وقصَّة، وسقفه بالساج مكان الجريد، فلم يُقصر هو وعمر عن البلوغ في تشييده إلى أبلغ الغايات إلا عن علم منهما عن الرسول ﷺ -بكراهة ذلك، وليقتدى بهما في الأخذ من الدنيا بالقصد والكفاية، والزهد فى معالي أمورها وإيثار البلغة منها. (١)
стр. 147
شبهة والجواب عليها:
قد يقال: أنَّ مثل هذه الزخارف والنقوش شأنها أن تحبِّب الناس في المساجد وترغبهم في الجلوس فيها
قال الشوكاني: وَهذه دَعْوَى فَاسِدَةٌ؛ لِأَنَّ كَوْنَهُ دَاعِيًا إلَى الْمَسْجِدِ وَمُرَغِّبًا إلَيْهِ لَا يَكُونُ إلَّا لِمَنْ كَانَ غَرَضُهُ وَغَايَةُ قَصْدِهِ النَّظَرُ إلَى تِلْكَ النُّقُوشِ وَالزَّخْرَفَةِ، فَأَمَّا مَنْ كَانَ غَرَضُهُ قَصْدُ الْمَسَاجِدِ لِعِبَادَةِ اللَّهِ الَّتِي لَا تَكُونُ عِبَادَةً عَلَى الْحَقِيقَةِ إلَّا مَعَ خُشُوعٍ، وَإِلَّا كَانَتْ كَجِسْمٍ بِلَا رُوحٍ، فَلَيْسَتْ إلَّا شَاغِلَةً عَنْ ذَلِكَ كَمَا فَعَلَهُ ﷺ فِي الْأَنْبِجَانِيَّةِ الَّتِي بَعَثَ بِهَا إلَى أَبِي جَهْمٍ. وَكَمَا تَقَدَّمَ مِنْ هَتْكِهِ لِلسُّتُورِ الَّتِي فِيهَا نُقُوشٌ. (١)
فصل:
وهذا مما قد نهى عنه الشرع الحنيف , وقد ورد هذا النهي في جملة من الأحاديث الصحيحة ,حتى نص العلماء على أنَّ أحاديث النهي عن الصلاة إلى القبور والصلاة في المقبرة أحاديث متواترة لا يسع أحد تركها.
ولعْن من اتخذ القبر مسجداً يدل أنَّ فعل ذلك كبيرة من الكبائر , كما أنَّ الأحاديث دلت أنَّ فاعل ذلك من شرار الخلق. (١)
- قال ابن القيم: ومن الكبائر اِتِّخَاذُ الْقُبُورِ مَسَاجِدَ، وَجَعْلُهَا أَوْثَانًا وَأَعْيَادًا يَسْجُدُونَ لَهَا تَارَةً وَيُصَلُّونَ إلَيْهَا تَارَةً وَيَطُوفُونَ بِهَا تَارَةً وَيَعْتَقِدُونَ أَنَّ الدُّعَاءَ عِنْدَهَا أَفْضَلُ مِنْ الدُّعَاءِ فِي بُيُوتِ اللَّهِ الَّتِي شَرَعَ أَنْ يُدْعَى فِيهَا وَيُعْبَدَ وَيُصَلَّى لَهُ وَيُسْجَدُ. (٢)
- وعن عبد الله بن مسعود- ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إنَّ من شرار الناس من تدركه الساعة وهم أحياء، ومن يتخذ القبور مساجد" (٣)
سؤال: قد نهى الشرع عن اِتِّخَاذِ الْقُبُورِ مَسَاجِدَ، فما هو معنى "اِتِّخَاذِ الْقُبُورِ مَسَاجِدَ"؟ ؟
الجواب: اِتِّخَاذُ الْقُبُورِ مَسَاجِدَ يكون بما يلي:
أ - بناء مسجد عند قبر رجل رجاء بركة العبادة عنده، سواء جعل القبر عند القبلة أو خلفه، والأول أشد؛ لأنه يشتمل على النهييين: الصلاة إلى القبر، واِتِّخَاذُ الْقبرِ مَسَجِدَاً، وهذا هو عين ما نُهي عنه سداً لذريعة الشرك.
ب - أنْ يصلِّي عند القبر، سواء بُني على القبر مسجدٌ، أو لا، فمن قصد بقعة للصلاة عندها طلباً لبركتها، فقد اتخذها مسجدا.
جـ - السجود على القبور.
стр. 150
فرع: العلة من النهي عن الصلاة في المساجد التي بها قبر:
والعلل التي من أجلها حرَّم الشرع الصلاة في المساجد التي بها قبر ما يلي:
١ - سَد ذَرِيعَةِ الشِّرْكِ: فإنَّ النَّبِيُّ ﷺ قد نهى عَنْ اتِّخَاذِ قَبْرِهِ وَقَبْرِ غَيْرِهِ مَسْجِدًا خَوْفًا مِنْ الْمُبَالَغَةِ فِي تَعْظِيمِهِ وَالِافْتِتَانِ بِهِ، وَرُبَّمَا أَدَّى ذَلِكَ إلَى الْكُفْرِ كَمَا جَرَى لِكَثِيرٍ مِنْ الْأُمَمِ الْخَالِيَةِ، فَالْعِلَّةُ لِلنَّهْيِ سَدُّ الذَّرِيعَةِ ; لِأَنَّهُمْ إِذَا عَبَدُوا اللَّهَ عِنْدَ الْقُبُورِ آلَ بِهِمُ الْأَمْرُ إِلَى عِبَادَةِ الْقُبُورِ. (١)
стр. 151
قال ابن قدامة: لِأَنَّ تَخْصِيصَ الْقُبُورِ بِالصَّلَاةِ عِنْدَهَا يُشْبِهُ تَعْظِيمَ الْأَصْنَامِ بِالسُّجُودِ لَهَا، وَالتَّقَرُّبِ إلَيْهَا، وَقَدْ رَوَيْنَا أَنَّ ابْتِدَاءَ عِبَادَةِ الْأَصْنَامِ تَعْظِيمُ الْأَمْوَاتِ، بِاتِّخَاذِ صُوَرِهِمْ، وَمَسْحِهَا، وَالصَّلَاةِ عِنْدَهَا. اهـ (١).
قال ابن القيم: قد رأيت أنَّ سبب عبادة وَدّ ويغوث ويعوق ونسراً واللات إنما كانت من تعظيم قبورهم، ثم اتخذوا لها التماثيل وعبدوها كما أشار إليه النبي- ﷺ ، وقد قال شيخنا: "وهذه العلة التي لأجلها نهى الشارع عن اتخاذ المساجد على القبور هي التي أوقعت كثيراً من الأمم إما فى الشرك الأكبر، أو فيما دونه من الشرك. فإنَّ النفوس قد أشركت بتماثيل القوم الصالحين، فإنَّ الشرك بقبر الرجل الذي يُعتقد صلاحه أقرب إلى النفوس من الشرك بخشبة أو حجر. ولهذا نجد أهل الشرك كثيراً يتضرعون عندها، ويخشعون ويخضعون، ويعبدونهم بقلوبهم عبادةً. ا. هـ (٢)
١ - ما فِيهِ مِنْ مُشَابَهَةِ مَنْ يَتَّخِذُ الْقُبُورَ مَسَاجِدَ، وهو عين شرك اليهود والنصارى. (٣)
فقد ذهب أحمد والشوكاني إلى بطلان الصلاة في المسجد الذي به قبر، وهو قول الظاهرية.
وقال ابن تيميه: المسجد الذي على القبر لا يُصلَّى فيه فرض ولا نفل ,فإنه منهي عنه. (٤)
стр. 152
والراجح - والله أعلم- أنَّ حكم الصلاة في المساجد التي بها قبور على تفصيل:
١ - من صلَّى في المسجد الذي به قبر وهو لا يعلم بوجود القبر فصلاته صحيحة ,ويدل على ذلك ما رواه ثَابِت الْبَنَانِيُّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: رَآنِي عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: وَأَنَا أُصَلِّي عِنْدَ قَبْرٍ، فَجَعَلَ يَقُولُ: «الْقَبْرُ» قَالَ: " - فَحَسِبْتُهُ يَقُولُ: الْقَمَرُ - " قَالَ: فَجَعَلْتُ أَرْفَعُ رَأْسِي إِلَى السَّمَاءِ فَأَنْظُرُ فَقَالَ: «إِنَّمَا أَقُولُ الْقَبْرُ لَا تُصَلِّ إِلَيْهِ». قَالَ ثَابِتٌ: فَكَانَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ يَأْخُذُ بِيَدِي إِذَا أَرَادَ أَنْ يُصَلِّيَ فَيَتَنَحَّى عَنِ الْقُبُورِ. (١) وَقد علَّق البخاري على الأثر بقَوْلِهِ "وَلَمْ يَأْمُرْهُ بِالْإِعَادَةِ ".
قال ابن حجر: اسْتَنْبَطَهُ - أي البخاري - مِنْ تَمَادِي أَنَسٍ في الصَّلَاةِ، وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ يَقْتَضِي فَسَادَهَا لَقَطَعَهَا وَاسْتَأْنَفَ. (٢)
٢ - صلَّى في المسجد الذي به قبر وهو يعلم بوجود القبر ,ولكنه لم يتعمد الصلاة في المسجد لاعتقاده بأفضليه هذا المسجد عن غيره ,بل جاء الأمر وفاقاً لا قصداً , فصلاته صحيحة ,ويكره له فعل ذلك، ويُنهى عن ذلك سداً للذريعة. (٣)
стр. 153
٣ - وأما من صلَّى في المسجد الذي به قبر، وقصده لأجل صاحب القبر، متبركاً به معتقداً أنَّ الصلاة عنده أفضل من الصلاة في المساجد المجردة عن القبور، فهذا هو عين المشاقة والمحادة لله ولرسوله، وهذه الصلاة حقيق بها قول من قال ببطلانها.
قال ابن القيم: قال شيخنا "وأما إذا قصد الرجل الصلاة عند القبور متبركاً بالصلاة في تلك البقعة، فهذا عين المخادعة لله ولرسوله، والمخالفة لدينه، وابتداع دين لم يأذن به الله تعالى ا. هـ (١)
أما مسألة رفع القبور، وبناء المساجد عليها، فهذا مما حرَّمه الشرع.
قال الشوكاني: اعلم أنه قد اتفق الناس، سابقهم ولاحقهم، وأولهم وآخرهم من لدن الصحابة رضوان الله عنهم إلى هذا الوقت: أنَّ رفع القبور والبناء عليها بدعة من البدع التي ثبت النهي عنها واشتد وعيد رسول الله لفاعلها، ولم يخالف في ذلك أحد من المسلمين أجمعين ا. هـ (٢)
قال ابن القيم: إذا كان شأن مسجد الضرار أن يهدم، فمشاهد الشرك التي يدعو سدنتها إلى إتخاذ من فيها أنداداً من د ون الله أحق بذلك. ا. هـ (٣)
فإنْ قيل: أيُّهما الذي يُهدم، القبر أم المسجد؟
стр. 154
فالجواب ماقاله شيخ الإسلام، قال ﵀: اتَّفَقَ الْأَئِمَّةُ أَنَّهُ لَا يُبْنَى مَسْجِدٌ عَلَى قَبْرٍ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: " ﴿إنَّ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ كَانُوا يَتَّخِذُونَ الْقُبُورَ مَسَاجِدَ أَلَا فَلَا تَتَّخِذُوا الْقُبُورَ مَسَاجِدَ. فَإِنِّي أَنْهَاكُمْ عَنْ ذَلِكَ﴾ وَأَنَّهُ لَا يَجُوزُ دَفْنُ مَيِّتٍ فِي مَسْجِدٍ.
فَإِنْ كَانَ الْمَسْجِدُ قَبْلَ الدَّفْنِ غُيِّرَ: إمَّا بِتَسْوِيَةِ الْقَبْرِ وَإِمَّا بِنَبْشِهِ إنْ كَانَ جَدِيدًا. وَإِنْ كَانَ الْمَسْجِدُ بُنِيَ بَعْدَ الْقَبْرِ: فَإِمَّا أَنْ يُزَالَ الْمَسْجِدُ، وَإِمَّا أَنْ تُزَالَ صُورَةُ الْقَبْرِ فَالْمَسْجِدُ الَّذِي عَلَى الْقَبْرِ لَا يُصَلَّى فِيهِ فَرْضٌ وَلَا نَفْلٌ فَإِنَّهُ مَنْهِيٌّ عَنْهُ. (١)
وعليه: فإنَّ الحكم للسابق منهما، فيهدم المسجد إذا بُني على القبر , ويُنبش القبر إذا كان أُدخل على المسجد, فأيهما طرأ على الآخر مُنع عنه ,والله أعلم.
- فإنَّ قيل: أليس في نبش القبر انتهاكاً لحرمة الميِّت؟
فالجواب: أنَّ هذا القبر قد سقطت حرمته باعتدائه واعتداء من أدخله المسجد ,فهذا مثل قوله ﷺ "ليس لعرق ظالم حق " (٢)
стр. 155
اصطحاب الأطفال إلى المساجد:
وهذه بحق مسألة شائكة نعم؛ أنت مأمور بحسن تربية أبناءك، وذلك باصطحابهم إلى المساجد؛ لتحببهم في طاعة الله وفي الصلاة.
نعم قد كان الحسن والحسين ﵄ وهما صبيان صغار من رواد مسجد النبي ﷺ .
نعم سمع النبي ﷺ -بكاء الصبي فلم ينكر ذلك، بل خفَّف الصلاة.
ولكن؛ أنت مأمور أن تخشع في صلاتك وتتمها على أكمل وجه.
أنت مأمور أن تحفظ لإخوانك المصلِّين صلاتهم وخشوعهم في الصلاة.
أنت مأمور بأن تميِّز بين الصبي الذي تصحبه إلى المسجد فيترتب على ذلك مصلحة، وبين الصبي الذي تصحبه فيجلب على المصلِّين التشويش ونحوه! !
نقول: ورد في الشرع ما يدل على مشروعية اصطحاب الصغار إلى المساجد
ومن ذلك حديث أبي قتادة ﵁ قال: رأيت رسول الله ﷺ -وهو حامل أمامة ابنة زينب، على عاتقه، فإذا ركع وسجد وضعها، وإذا قام حملها. (١)
ففي هذا الحديث دلالة على جواز إدخال الصبيان إلى المسجد؛ لأنَّ أُمامة كانت صغيرة تُحمل.
стр. 156
وعن أنس بن مالك -رضى الله عنه - قال النبي ﷺ : إِنِّي لَأَدْخُلُ الصَّلَاةَ أُرِيدُ إِطَالَتَهَا فَأَسْمَعُ بُكَاءَ الصَّبِيِّ، فَأُخَفِّفُ مِنْ شِدَّةِ وَجْدِ أُمِّهِ بِهِ». (١)
وعنْ عَبْدِ اللَّهِ بن مسعود - رضي الله عنهة -قَالَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ -يُصَلِّي فَإِذَا سَجَدَ وَثَبَ الْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ عَلَى ظَهْرِهِ، فَإِذَا مَنَعُوهُمَا أَشَارَ إِلَيْهِمْ أَنْ دَعُوهُمَا، فَلَمَّا قَضَى الصَّلَاةَ وَضَعَهُمَا فِي حِجْرِهِ، فَقَالَ: «مَنْ أَحَبَّنِي فَلْيُحِبَّ هَذَيْنِ» (٢)
فإنَّ الصَّبِي إِذَا عَقَلَ الصَّلَاةَ حَضَرَهَا مَعَ الْجَمَاعَةِ، وَدَخَلَ مَعَهُمْ فِي الصَّفِّ إِذَا كَانَ يُؤْمَنُ مِنْهُ اللَّعِبُ وَالْأَذَى، وَكَانَ مِمَّنْ يَفْهَمُ مَعْنَى مَا هُوَ فِيهِ مِنَ الصَّلَاةِ. (٣)
ولكن إذا ترتب على اصطحاب الأطفال إلى المسجد مفسدة أعظم من تلك المصلحة التي تُترجى من اصطحابهم إليه منع من ذلك.
стр. 157
ومن جملة هذه المفاسد:
علو صوتهم بالبكاء أو باللعب ممَّا يؤثر على خشوع المصلِّين، وسماعهم لقراءة الإمام في الصلاة، قال النووي: وَمِنْ الأمور المنكرة مَا يقع فِي كَثِيرٍ مِنْ الْمَسَاجِدِ مِنْ اجتماع الصِّبْيَانِ وَأَهْلِ الْبَطَالَةِ وَلَعِبِهِمْ وَرَفْعِ أَصْوَاتِهِمْ وَامْتِهَانِهِمْ الْمَسَاجِدَ وَانْتِهَاكِ حُرْمَتِهَا وَحُصُولِ أَوْسَاخٍ فِيهَا وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْمَفَاسِدِ الَّتِي يَجِبُ صِيَانَةُ الْمَسْجِدِ مِنْ أَفْرَادِهَا. (١)
وسُئل مالك ﵀ عن الرجل يأتي بالصبي إلى المسجد، أيستحب ذلك؟ قال إن كان قد بلغ موضع الأدب وعرف ذلك ولا يعبث في المسجد فلا أرى بأساً، وإن كان صغيراً لا يقر فيه ويعبث، فلا أحب ذلك. (٢)
قال شيخ الإسلام ابن تيمية -: "يصان المسجد عما يؤذيه، ويؤذي المصلين فيه حتى رفع الصبيان أصواتهم فيه؛ وكذلك توسيخهم لحصره، ونحو ذلك، ولا سيما إن كان وقت صلاة، فإنَّ ذلك من عظيم المنكرات" (٣).
قال ابن عثيمين: "لا يجوز إحضار الأولاد للمسجد إذا كانوا يشوِّشون على المصلين، وإذا كان النبي ﷺ نهى أصحابه عن الجهر بقراءة القرآن؛ لئلا يشوش بعضهم على بعض، وهذا في قراءة القرآن، فما بالك بلعب الصبيان" ا. هـ. (٤)
стр. 158
وقال ﵀ في تعليقه على "صحيح البخاري": "والأطفال إذا حصل منهم الأذى في المسجد وجب إمساكهم في البيت، نعم كان الأطفال يصطحبون إلى المسجد في عهد النبي ﷺ أما أطفالنا اليوم فأصلح الله حالهم".ا. هـ.
ولكن من كان مضطراً لإدخال ولده الصغير للمسجد كأن يكون مسافراً ودخل المسجد وقت الصلاة، أو لم يجد من يترك ولده الصغير عنده فلا بأس بإدخاله المسجد مع الاهتمام بنظافته وأدبه حيث إن الضرورة تقدَّر بقدرها.
لذا فإنَّ اتخاذ المسجد ملعباً للأطفال فهذا ممَّا يتنافى مع آداب المساجد، بخلاف ما إذا كان الأمر يسيراً، فاليسير في مثل هذا يغتفر، فهذا ممَّا يحل قليله دون كثيره، ودليل حل قليله ما ورد في الصحيحين أنَّ رسول الله ﷺ وقف لأجل عائشة ﵂ حتى نظرت إلى الحبشة يلعبون بالحراب يوم العيد في المسجد، ولا شك في أنَّ الحبشة لو اتخذوا المسجد ملعباً لمنعوا منه. (١)
فوائد تتعلق بهذا الباب: -
١ - ومن الأخطاء التي تتعلق بهذا الباب ما يقوم به البعض من جعل صفوف الصبيان خلف صفوف الرجال ,وهذا ممَّا لم يصح فيه خبر عن النبي ﷺ ولا عن الصحابة ﵁. (٢)
стр. 159
ويدل على ضعف ذلك حديث أنس - رضى الله عنه- حينما صلَّى خلف النبي ﷺ فوقف اليتيم بجوار أنس ﵁.
ولو كان الصبي يُمنع من الصف مع الرجال , لقام أنس ﵁ -عن يمين النبي ﷺ واليتيم خلفهما، والله أعلم. (١)
فإذا كان الصبي يعقل ويصطف كغيره من المصلِّين فهنا لا حرج، بل كل الخير في إحضاره إلى المسجد لترغيبه في الصلاة وليتعلق قلبه ببيت الله .
قال السعدي: "الصبي الذي يعقل الصلاة لا يجوز إبعاده عن الصف، ولا يؤخرعنه، لأنه استحق المكان، فيترك فيه لأجل ترغيبه في الصلاة" ا. هـ.
قلت: كما أنَّ جعل الصبيان في صفوف خلف الرجال - مع ما فيه من مخالفة السنة - يترتب عليه مفسدة؛ وذلك بالتشويش على المصلين ,حيث أنَّ اجتماع الصبيان يشجع بعضهم بعضاً على التلاعب أثناء الصلاة.
فائدة: ما رُوى مرفوعاً (جنِّبوا صبيانكم مساجدكم) فهذا ممَّا يستدل به الكثيرعلى عدم جواز اصطحاب الأطفال إلى المساجد، ولكنه لم يصح سنده عن النبي ﷺ . (٢)
فصل في: صلاة النفل في البيوت: -
ومن المسائل الهامة التي تتعلق بهذا الباب من أحكام المساجد: صلاة النفل في البيوت , فقد دلت أدلة الشرع على أفضلية صلاة السنن في البيوت عن أدائها في المساجد، ونذكر من هذه الأدلة: -
١ - عن زيد بن ثابت - رضى الله عنه - أنَّ النبي ﷺ قال: أفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة. (٣)
стр. 160
فالحديث يدل على استحباب فعل صلاة التطوع في البيوت، وأنَّ فعلها في البيت خير من فعلها في المساجد ,ولو كانت المساجد فاضلة، كالمسجد الحرام ومسجده ﷺ ، ومسجد بيت المقدس. (١)
وقد صح هذا المعنى في قوله ﷺ : "صَلَاةُ الْمَرْءِ فِي بَيْتِهِ أَفْضَلُ مِنْ صَلَاتِهِ فِي مَسْجِدِي هَذَا إِلَّا الْمَكْتُوبَةَ". (٢)
قال ابن عبد البر: وَالَّذِي عَلَيْهِ الْعُلَمَاءُ أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِالتَّطَوُّعِ فِي الْمَسْجِدِ لِمَنْ شَاءَ، إِلَّا أَنَّهُمْ مُجْمِعُونَ عَلَى أَنَّ صَلَاةَ النَّافِلَةِ فِى الْبُيُوتِ أَفْضَلُ لِقَوْلِه ﷺ "صَلَاةُ الْمَرْءِ فِي بَيْتِهِ أَفْضَلُ مِنْ صَلَاتِهِ فِي مَسْجِدِي هَذَا إِلَّا الْمَكْتُوبَةَ" (٣)
*قال الجوينى: الأولى لمن يكون بالمدينة أن يتنفل في منزله، وكان رسول الله- ﷺ لا يُرى متنفلاً في المسجد إلا في ثلاث ليالٍ من رمضان، فإنه صلَّى التراويح في المسجد، وكان سببُ ذلك اعتكافَه فيه. (٤)
ومن الأدلة على فضيلة أداء النوافل في البيت: قوله ﷺ : " صلاة الرجل تطوعاً حيث لا يراه الناس تعدل صلاته على أعين الناس خمساً وعشرين " (٥)
فدل ذلك أنَّ صلاة النفل في البيوت يضاعف أجرها، كما يضاعف أجر صلاة الفرض في الجماعة عمَّن صلَّاها وحده ,والله أعلم.
стр. 161
أما الحكمة التي من أجلها شرع أداء النوافل في البيوت:
قال النووي: وَإِنَّمَا حَثَّ عَلَى النَّافِلَةِ فِي الْبَيْتِ لِكَوْنِها أَخْفَى وَأَبْعَدَ مِنَ الرِّيَاءِ وَأَصْوَنَ مِنَ الْمُحْبِطَاتِ وَلِيَتَبَرَّكَ الْبَيْتُ بِذَلِكَ وَتَنْزِلَ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَالْمَلَائِكَةُ وَيَنْفِرُ مِنْهُ الشَّيْطَانُ، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ ﷺ "فَإِنَّ اللَّهَ جَاعِلٌ فِي بَيْتِهِ مِنْ صَلَاتِهِ خَيْرًا "ا. هـ. (١)
وعن كعب بن عجرة - رضى الله عنه - أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَتَى مَسْجِدَ بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ، فَصَلَّى فِيهِ الْمَغْرِبَ، فَلَمَّا قَضَوْا صَلَاتَهُمْ رَآهُمْ يُسَبِّحُونَ بَعْدَهَا، أى يصلُّون النافلة، فَقَالَ: «هَذِهِ صَلَاةُ الْبُيُوت» (٢)
стр. 162
قال ابن القيم: وَكَانَ النبي ﷺ -يُصَلِّي عَامَّةَ السُّنَنِ، وَالتَّطَوُّعَ الَّذِي لَا سَبَبَ لَهُ فِى بَيْتِهِ، لَا سِيَّمَا سُنَّةُ الْمَغْرِبِ، فَإِنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ عَنْهُ أَنَّهُ فَعَلَهَا فِى الْمَسْجِدِ الْبَتَّةَ، وقَالَ السَّائِبُ بْنُ يَزِيدَ: لَقَدْ رَأَيْتُ النَّاسَ فِى زَمَنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، إِذَا انْصَرَفُوا مِنَ الْمَغْرِبِ، انْصَرَفُوا جَمِيعًا حَتَّى لَا يَبْقَى فِي الْمَسْجِدِ أَحَدٌ، كَأَنَّهُمْ لَا يُصَلُّونَ بَعْدَ الْمَغْرِبِ حَتَّى يَصِيرُوا إِلَى أَهْلِيهِمُ. ا. هـ (١)
قال أحمد بن حنبل: السنة أنْ يصلِّي الرجل الركعتين بعد المغرب في بيته" كذا روى عن النبي ﷺ . (٢)
ومن الأدلة على استحباب صلاة النفل في البيوت: -
عن ابن عمر - رضى الله عنهما - عَنِ النَّبِى ﷺ (اجعلوا في بيوتكم من صلاتكم، ولا تتخذوها قبوراً) (٣)
стр. 163
فوائد الحديث: -
١ - الحث على صلاة النفل في البيوت.
٢ - قوله "ولا تتخدوها قبوراً" له تأويلات:
أ- هو جزء مستقل عمَّا قبله، والمعنى: لا تتخذوا البيوت مقابر لدفن الموتى، فهو نهي عن الدفن في البيوت. (١)
ب- أى صلُّوا فى بيوتكم ولا تجعلوها كالقبور مهجورة من الصلاة، ولا تكونوا في بيوتكم كالموتى في قبورهم, فشبَّه البيوت التي لا يُصلَّى فيها بالقبور التي لا يمكن للموتى التعبد فيها. (٢)
قلت: والمعنى الثاني هو الراجح - والله أعلم - بدلالة قوله ﷺ "لا تَجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ مَقَابِرَ، إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْفِرُ مِنَ الْبَيْتِ الَّذِي تُقْرَأُ فِيهِ سُورَةُ الْبَقَرَةِ " (٣) فأمر بقراءة القرآن في البيوت؛ لئلا تكون كالمقابر التي لا يُقرأ فيها القرآن.
وَسُئِلَ شيخ الإسلام عَنْ مَعْنَى قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ " ﴿لَا تَجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قُبُورًا﴾.
стр. 164
فَأَجَابَ: وَأَمَّا لَفْظُ الْحَدِيثِ ﴿اجْعَلُوا مِنْ صَلَاتِكُمْ فِي بُيُوتِكُمْ﴾ وَإِذَا لَمْ تَذْكُرُوا اللَّهَ فِيهَا كُنْتُمْ كَالْمَيِّتِ وَكَانَتْ كَالْقُبُورِ؛ فَإِنَّ فِى الصَّحِيحِ عَنْ النَّبِي ﷺ أَنَّهُ قَالَ: ﴿مَثَلُ الَّذِي يَذْكُرُ رَبَّهُ وَالَّذِي لَا يَذْكُرُ رَبَّهُ كَمَثَلِ الْحَيِّ وَالْمَيِّتِ﴾ وَفِي لَفْظٍ ﴿مَثَلُ الْبَيْتِ الَّذِي يُذْكَرُ اللَّهُ فِيهِ وَالَّذِي لَا يُذْكَرُ اللَّهُ فِيهِ مَثَلُ الْحَيِّ وَالْمَيِّتِ﴾ ا. هـ. (١)
وهنا فوائد: -
١ - من لم يتيسَّر له صلاة السُنة البعدية للفريضة في البيت؛ لانشغاله بعمل أو غيره، أو لأنه يعلم من حاله أنه يكسل عن أداءها في البيت، فإنه يصلِّيها في المسجد، ولكن يجب عليه أنْ يفصل بين الفريضة والنفل بقيام أو كلام , مثل ختم الصلاة مثلاً؛ لقول معاوية- ﵁: أُمرنا أن لا نوصل صلاة بصلاة، حتى نتكلم أو نخرج. (٢)
قال شيخ الإسلام: وَالسُّنَّةُ أَنْ يُفْصَلَ بَيْنَ الْفَرْضِ وَالنَّفْلِ فِي الْجُمُعَةِ وَغَيْرِهَا. كَمَا ثَبَتَ عَنْهُ فِي الصَّحِيحِ ﴿أَنَّهُ ﷺ نَهَى أَنْ تُوصَلَ صَلَاةٌ بِصَلَاةِ حَتَّى يُفْصَلَ بَيْنَهُمَا بِقِيَامٍ أَوْ كَلَامٍ﴾ فَلَا يَفْعَلُ مَا يَفْعَلُهُ كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ. يَصِلُ السَّلَامَ بِرَكْعَتَيْ السُّنَّةِ فَإِنَّ هَذَا رُكُوبٌ لِنَهْى النَّبِي ﷺ ، وَفِى هَذَا مِنْ الْحِكْمَةِ التَّمْيِيزُ بَيْنَ الْفَرْضِ وَغَيْرِ الْفَرْضِ كَمَا يُمَيِّزُ بَيْنَ الْعِبَادَةِ وَغَيْرِ الْعِبَادَةِ. ا. هـ (٣)
٢ - التنفل في البيت أفضل من أداءه في هذه المساجد الثلاثة؛ لظاهر قوله ﷺ (أفضل صلاة المرء في بيته، إلا المكتوبة) ولصريح قوله ﷺ (صلاة المرء في بيته أفضل من صلاته في مسجدي هذا، إلا المكتوبة)
стр. 165
قال ابن عبد البر: فَإِذَا كَانَتِ النَّافِلَةُ فِي الْبَيْتِ أَفْضَلَ مِنْهَا فِي مَسْجِدِ النَّبِيِّ ﵇ وَالصَّلَاةُ - الذى فِيهِ الصلاة بِأَلْفِ صَلَاةٍ، فَأَيُّ فَضْلٍ أَبْيَنُ مِنْ هَذَا؟ ! (١)
قال زين الدين العراقي: قال والدي ﵀ تَكُونُ النَّوَافِلُ فِي الْمَسْجِدِ مُضَاعَفَةً بِمَا ذُكِرَ مِنْ أَلْفٍ فِي الْمَدِينَةِ، وَمِائَةِ أَلْفٍ فِي مَكَّةَ وَيَكُونُ فِعْلُهَا فِى الْبَيْتِ أَفْضَلُ لِعُمُومِ قَوْلِهِ ﷺ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ «أَفْضَلُ صَلَاةِ الْمَرْءِ فِي بَيْتِهِ إلَّا الْمَكْتُوبَةَ» بَلْ وَرَدَ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ أَنَّ النَّافِلَةَ فِي الْبَيْتِ أَفْضَلُ مِنْ فِعْلِهَا فِي مَسْجِدِهِ ﷺ . (٢)
فرع: النوافل التي يُشرع أدائها في المساجد خاصة: -
١ - مَا شُرِعَتْ لَهُ الْجَمَاعَةُ كَصَلَاةِ الْكُسُوفِ، فَفِعْلُهَا فِي الْمَسْجِدِ أَفْضَلُ بِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ -الْمُتَوَاتِرَةِ وَاتِّفَاقِ الْعُلَمَاء. (٣)
قلت: ويدخل في ذلك صلاة التروايح، فتسن صلاتها في جماعة بالمسجد، فقد قال ﷺ : " إنَّ الرجل إذا قام مع الإمام حتى ينصرف، حُسب له قيام ليلة " (٤)
٢ - الرجل يصلِّي الجماعة في مسجد، ثم يذهب إلى مسجد آخر فيجد الناس يصلُّون الجماعة , فهنا يشرع أنْ يصلِّي معهم ,وتكون له نافلة.
تنبيه: القول باستثناء صلاة المغرب من ذلك ,وأنَّ من صلَّى المغرب في مسجده، ثم ذهب إلى مسجد آخر , فإذا أعادها زاد عليها ركعة ليجعلها شفعاً؛ لأنَّها وتر النهار، فهذا ممَّا لا دليل عليه، بل إنَّ عموم قول النَّبِيِّ ﷺ ، إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فِي رَحْلِهِ ثُمَّ أَدْرَكَ الْإِمَامَ وَلَمْ يُصَلِّ، فَلْيُصَلِّ مَعَهُ فَإِنَّهَا لَهُ نَافِلَةٌ " (١) وكذلك قوله ﷺ : يا أبا ذر! كيف أنت إذا كانت عليك أمراء يؤخرون الصلاة؟ قلت: يا رسول الله! فما تأمرني؟ قال: " صَلِّ الصلاة لوقتها، فإن أدركتها معهم فصلِّ؛ فإنها لك نافلةً " (٢).
قلت: فهذا العموم يدخل فيه إعادة كل صلاة، فلا فرق بين صلاة المغرب وغيرها، والله أعلم. ... قال ابن المنذر: الصَّلَوَات كُلَّهَا تُعاد لِأَمْرِ النَّبِيِّ ﷺ -الرَّجُلَيْنِ اللَّذَيْنِ ذَكَرَهُمَا فِي حَدِيثِ يَزِيدَ بْنِ الْأَسْوَدِ أَنْ يُصَلِّيَا جَمَاعَةً، وَإِنْ كَانَا قَدْ صَلَّيَا أَمْرًا عَامًّا لَمْ يَخُص صَلَاةً دُونَ صَلَاةٍ، وَأَمْرُهُ عَلَى الْعُمُومِ. (٣)
стр. 168
فصل: أحاديث لا تصح في "باب المساجد ":
الحديث الأول:
١ - ما رُوي مرفوعاً (الكلام في المسجد يأكل الحسنات كما تأكل البهيمة الحشيش) (١)، فهذا ممَّا لا يصح رفعه إلى النبي ﷺ .
فالصحيح جواز الكلام في المسجد ,حتى وإن كان هذا الكلام بغير ذكر الله تعالى، فقد كان الصحابة - رضى الله عنهم - يجلسون فى المسجد يتكلمون بغير الذكر والقرآن، ولم ينكرذلك عليهم رسول الله ﷺ كما في حديث جابر بن سمرة- ﵁ -قال: كَانَ رسول الله ﷺ لَا يَقُومُ مِنْ مُصَلَّاهُ الَّذِي يُصَلِّي فِيهِ الصُّبْحَ، أَوِ الْغَدَاةَ، حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، فَإِذَا طَلَعَتِ الشَّمْسُ قَامَ، وَكَانُوا يَتَحَدَّثُونَ فَيَأْخُذُونَ فِي أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ، فَيَضْحَكُونَ وَيَتَبَسَّم " (٢)
стр. 169
قال النووي: يَجُوزُ التَّحَدُّثُ بِالْحَدِيثِ الْمُبَاحِ فِي الْمَسْجِدِ وَبِأُمُورِ الدُّنْيَا وَغَيْرِهَا مِنْ الْمُبَاحَاتِ وَإِنْ حَصَلَ فِيهِ ضَحِكٌ وَنَحْوُهُ مَا دَامَ مُبَاحًا لِحَدِيثِ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ ﵁ ا. هـ (١)
قال ابن حزم: والتحدُّث في المسجد بما لا إثم فيه من أمور الدنيا مباح ,وذكر الله تعالى أفضل. ا. هـ (٢)
وَسُئِلَ شيخ الإسلام ﵀: عَنْ الْكَلَامِ في المسجد هَلْ يَجُوزُ أَمْ لَا؟
فقال ﵀: وَأَمَّا الْكَلَامُ الَّذِي يُحِبُّهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ فِي الْمَسْجِدِ فَحَسَنٌ وَأَمَّا الْمُحَرَّمُ فَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ أَشَدُّ تَحْرِيمًا. وَكَذَلِكَ الْمَكْرُوهُ. وَيُكْرَهُ فِي المسجد فُضُولُ الْمُبَاحِ. ا. هـ (٣)
وقال الشيخ ابن عثيمين ﵀: الكلام في المسجد ينقسم إلى قسمين:
القسم الأول: أن يكون فيه تشوِّيش على المصلين والقارئين والدارسين، فهذا لا يجوز، وليس لأحد أن يفعل ما يشوش على المصلين والقارئين والدارسين.
القسم الثاني: أن لا يكون فيه تشويش على أحد، فهذا إن كان في أمور الخير فهو خير. (٤)
стр. 170
وإن كان في أمور الدنيا: فإن منه ما هو ممنوع، ومنه ما هو جائز؛ فمن الممنوع البيع والشراء والإجارة، فلا يجوز للإنسان أن يبيع أو يشتري في المسجد، أو يستأجر أو يؤِّجر في المسجد، وكذلك إنشاد الضالة فإن الرسول ﵊ قال (إذا سمعتم من ينشد الضالة فقولوا لا ردَّها الله عليك فإن المساجد لم تبنْ لهذا) ومن الجائز: أن يتحدث الناس في أمور الدنيا بالحديث الصدق الذي ليس فيه شيء محرم "ا. هـ.
نقول: ولكن مع ضعف حديث الباب فإنه ينبغي لمن مكث في المسجد أنْ يغتنم وقته في ذكر الله - تعالى - وقراءة القرآن ومدارسة العلم، ولا يكثر من الكلام الذي لا فائدة منه؛ وذلك لقوله تعالى (وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا) فدلت الآية على أنَّ الأصل في المساجد أنها قد بُنيت لذكر الله تعالى؛ كذلك لقوله ﷺ : إِنَّ هَذِهِ الْمَسَاجِدَ لَا تَصْلُحُ لِشَيْءٍ مِنْ هَذَا الْبَوْلِ، وَلَا الْقَذَرِ إِنَّمَا هِيَ لِذِكْرِ اللهِ ، وَالصَّلَاةِ وَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ".
стр. 171
الحديث الثانى:
ما روي مرفوعاً: "أعلنوا هذا النكاح، واجعلوه في المساجد، واضربوا عليه بالدفوف "، فهذا ممَّا لا يصح سنده عن النبي ﷺ . (١)
стр. 172
أما حكم عقد النكاح في المساجد: فهو جائز من حيث الأصل، لاسيما إن كان ذلك في بعض الأحيان لا على الديمومة، أو كان أبعد لهم عن فعله في أماكن أخرى بها منكرات.
ودليل مشروعية عقد النكاح في المسجد، من حيث الأصل: حديث الواهبة نفسها للنبي ﷺ -حيث ثبت أنه زوَّجها لأحد أصحابه في المسجد. (١)
وأما الاعتقاد أنَّ عقد النكاح في المساجد سنة مستحبة فهذا ممَّا لا دليل عليه من كتاب ولا سنة، فإنَّ المساجد إنما بنيت لذكر الله - تعالى - والصلاة وقراءة القرآن ونحو ذلك.
وقد سُئلت اللجنة الدائمة عن المواظبة على عقد عقود الزواج في المساجد، هل يعتبر من السنَّة المستحبة، أم يعتبر من البدع؟
فأجابوا:
الأمر في إبرام عقد النكاح في المساجد وغيرها: واسع شرعاً، ولم يثبت فيما نعلم دليل يدل على أنَّ إيقاعها في المساجد خاصة سنَّة، فالتزام إبرامها في المساجد: بدعة، وإن كان يحضر عقد النكاح نساء متبرجات، وأطفال يؤذون من في المسجد، مُنع عقد ذلك النكاح في المسجد؛ لما في ذلك من المفسدة. (٢)
стр. 173
- قلت: وكم رأينا من منكرات تقع في بيوت الله - تعالى - فى مثل هذه الأعراس - كم رأينا من عروس تزف بما يعرف بـ "الفرقة الإسلامية "، والتي تحمل المعازف المحرمة، على أبواب المسجد?
- وكم رأينا عروس تزف بثياب شبه عارية، قد أخذت زخرفها وأزيَّنت تسر الناظرين ,ثم تدخل بمثل هذه الثياب إلى المسجد.
- وكم رأينا من نساء حُيَّض قد دخلن المسجد ومكثن فيه من أجل هذه الأعراس.
- وكم رأينا من نساء- من أقارب الزوجين - يأتين إلى العُرس متعطرات متبرجات، وهنَّ يلبسن ما يعرف بـ " فساتين السهرة " وقد علت أصواتهنَّ بصوت "الزغاريد"، وهذا عين ما نهى عنه رسول الله ﷺ فقال: ﴿إذا شهدتْ إحداكنَّ المسجد فلا تمسّ طيّباً﴾. (١)
стр. 174
وبذلك فقد صارت بيوت الله - تعالى - أشبه ما يكون بقاعات الأفراح.
نقول: فإذا انتفت مثل هذه المفاسد العظيمة جاز إقامة الأعراس في المساجد، وإن كان الأولى أن نجنِّب المساجد مثل هذه الأمور، وأن نجعل ذلك في قاعات مخصصة لذلك، يُفصل فيها الرجال عن النساء , وللنساء في مثل ذلك أن يستخدمنَّ الدفوف (١)، كما ورد عن عائشة- رضى الله عنها- أنها زفت امرأة إلى رجل من الأنصار فقال النبي ﷺ "يا عائشة ما كان معكم لهو، فإنَّ الأنصار يعجبهم اللهو. (٢)
في رواية بلفظ: "فقال: فهل بعثتم معها جارية تضرب بالدف وتغني؟ قلت: ماذا تقول؟ قال: تقول:
أَتَيْنَاكُمْ أَتَيْنَاكُمْ ... فَحَيُّونَا نُحَيِّكُمْ
وَلَوْلَا الذَّهَبُ الْأَحْمَرُ ... مَا حَلَّتْ بِوَادِيكُمْ
стр. 175
وَلَوْلَا الْحَبَّةُ السَّوْدَاءُ ... مَا سَمُنَتْ عَذَارِيكُمْ» (١)
الحديث الثالث:
ما روي مرفوعاً "كنس الْمَسَاجِد مُهُور الْحور الْعين" وفي لفظ آخر "وإخراج القمامة منها مهور حور العين" (٢)، فهو حديث موضوع.
فهو حديث لا يصح عن النبي ﷺ ، وإنما صح ذلك من كلام الحسن البصري- ﵀.
فإن قيل: ألا يقال بصحة الحديث؛ وذلك لموافقته قول الله - تعالى - (إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ) (التوبة /١٨)؟ ؟
قلنا: ليس من طرق تصحيح الأحاديث أن يكون معناها موافقاً لآية قرانية، فهذا ممَّا لم ينص عليه علماء الحديث، فلم يقل أحد من أهل الحديث أنَّ الحديث يُعرض على كتاب الله - تعالى - فإن وافق في معناه آية من القرآن حكم بصحته، بل لا بد من أن يكون السند متصلاً برواية العدول الضابطين، وخالياً من الشذوذ والعلة حتى يحكم بصحته، بل يقال في مثل هذا المقام: أنَّ الحديث - أي حديث " إِذَا رَأَيْتُمُ الرَّجُلَ يَعْتَادُ الْمَسَاجِدَ .... - ضعيف السند، ولكن معناه صحيح؛ وذلك لقول الله - تعالى - (إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ (التوبة /١٨) فإنَّ من علامات إيمان المرء ملازمته لبيوت الله - تعالى -، والله أعلم.
стр. 178
الحديث الخامس:
روى عن رسول الله ﷺ : أنه كان إذا خرج إلى الصلاة قالَ: اللَّهُمَّ بِحَقّ السَّائِلِينَ عَلَيْكَ، وَبِحَقّ مَخْرَجِي هَذَا فإني لَمْ أخْرُجْهُ أشَراً وَلا بَطراً وَلا رِياءً وَلا سُمْعَةً، خَرَجْتُ ابْتِغاءَ مَرْضَاتِكَ، وَاتِّقاءَ سَخَطِكَ، أسألُكَ أنْ تُعِيذَني من النار وأن تدخلني الجَنَّة ". (١)
стр. 179
الحديث السادس:
ما رُوى مرفوعاً (جَنِّبُوا مَسَاجِدَكُمْ صِبْيَانَكُمْ، وَمَجَانِينَكُمْ) فهذا ممَّا يُستدل به الكثيرعلى عدم جواز اصطحاب الأطفال المساجد، ولكنه لم يصح سنده عن النبي ﷺ . (١)
стр. 180
وكثيراً ما نرى القائمين على أمور المساجد يعلِّقون هذا الحديث ويستدلون به على طرد الأطفال من المساجد مطلقاً، ويطردون النّاشئة من بيوت الله محتجّين بهذا الحديث، فينفّرونهم من الدين، على حين تفتح المؤسسات التبشيرية صدرها وذراعيها لأبناء المسلمين مع أبنائهم، والله المستعان. (١)
الحديث السابع:
ماروي مرفوعاً (لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد) (٢) فهو حديث موضوع
فصل في: سؤالات تتعلق بأحكام المساجد:
السؤال الأول: ما حكم من صلَّى في بيته، صلاة الجمعة أو الجماعة، بصلاة الإمام في المسجد ؟