تَجِدُه إذا أكَلَه يُقْرِقُر بَطْنُه، نقول: لا تَأْكُل هذا، ولوِ اشْتَهَيْتَ الأَكْلَ؛ لأنَّ هذا ضَرَرٌ عليك.
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: بَيانُ نِعْمَةِ الله على عِبادِهِ بما يَسْتَفيدونَه من هذه البِحارِ من اللُّحومِ؛ لِقَوْله تعالى: ﴿وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا﴾ بدون مَشَقَّة وبدون تَعَبٍ، ومع ذلك فإنَّ لُحُوم السَّمَك من أَحْسَنِ اللُّحومِ، وكذلك نِعْمَةُ الله لمِا نَسْتَخْرِجه من هذه البِحارِ من الحِلْيَة التي نَلْبَسُها.
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: بَيانُ الفرق بين تَناوُلِ اللُّحومِ من هذه البحارِ وتناوُلِ الحُلِيِّ؛ لأنَّه قال في اللحوم: ﴿تَأْكُلُونَ﴾ ولم يَذْكُرِ العلاجَ الذي نتوصَّلُ به إلى هذا الأكل؛ لأنَّه سَهْلٌ هَيِّنٌ لا يُذْكَر، لكنْ في الحِلْيَة قال: ﴿وَتَسْتَخْرِجُونَ﴾ لأنَّها تَحْتاجُ إلى مَشَقَّة ومُعاناة.
الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: بَيانُ قُدْرَة الله بِحَمْل هذا الفُلْك الثَّقيلِ المَمْلوء بالبَضائِعِ على مَتْنِ الماء، ومع ذلك يَسْتَطيعُ أن يَدْفَعَ الماءَ ويَمْخُرُه؛ لِقَوْله تعالى: ﴿وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ﴾ وإلا فإنَّ الماءَ ثَقيلٌ، وليس بالهَيِّنِ؛ ولهذا عندما يسبح الإِنْسَانُ في الماء يَحْتاجُ إلى قُوَّةٍ حتى يَدْفَعَ الماء، لكنَّ هذه السُّفُن تَمْخُر الماء، ويَظْهَرُ أَثَرُ هذه النِّعْمَةِ إذا تذكَّرَ الإِنْسَانُ السُّفُن القديمةَ التي تجري بالرِّياحِ.
الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: بَيَانُ نِعْمَة الله علينا بِنَيْلِ ما نَطْلُبه من فَضْلِه بواسِطَةِ هذه البواخِرِ؛ لِقَوْله تعالى: ﴿لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾.
الْفَائِدَةُ الثَّامِنَةُ: أَنَّه يَنْبَغي للإِنْسَانِ أن يَفْعَلَ الأَسبابَ التي يَتَوَصَّلُ بها إلى المَقْصودِ؛ لِقَوْله تعالى: ﴿لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾ أمَّا أن يقول: (أَبْقى في بَيْتي ورِزْقي يَأْتِيني)، ويقول: (إنَّه مُتَوَكِّلٌ على الله)، هل نوافِقُه على قَوْله؟
стр. 107
الجواب: لا، نقول له: لو كُنْتَ مُتَوَكِّلًا على الله لا تكونُ مُتَواكلًا، ففَرْقٌ بين التَّواكُل والتَّوَكُّل، افْعَلِ الأَسبابَ، هذا النَّبِيُّ ﵊ سَيِّدُ المُتَوَكِّلينَ، ومع ذلك كان يَفْعَلُ الأَسْباب الجاذِبَة للخَيْرِ الدَّافِعَةَ للشَّرِّ.
إذن: ابتغوا فَضْلَ الله، وافْعَلوا السَّبَب؛ فإنَّ السَّماءَ لا تُمْطِرُ ذهبًا ولا فِضَّة، وإنَّما يأتي الرِّزْقُ بِطَلَبِ الإِنْسَانِ، والأَمْرُ أَظْهَرُ من أن يَحْتاج إلى أمثلة، وإلا لمَثَّلْنا بِمِثالٍ من أقْرَبِ ما يكون.
فإن قال قائِلٌ: إذا كان اللهُ قد قَدَّرَ لي ولدًا فَسَيأْتِيني، ولم يَتَزَوَّجْ، نقول: هذا كَلَامُ رَجُلٍ مَجْنونٍ؛ إذ كيف يُمْكِنُ أن يَأْتِيَك الوَلَدُ وأنت لم تَتَزَوَّجْ؟ ! ما علمنا أنَّ الأولادَ تَنْبُتُ من الصلائِبِ أبدًا، ولكن تأتي بفعل أَسْبَابِها كالزَّواجِ مثلًا، وهكذا أيضًا الرِّزْقُ يَحْتاجُ إلى طَلَبِه؛ ولهذا قال: ﴿لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾.
الْفَائِدَةُ التَّاسِعَةُ: وُجُوبُ شُكْرِ نِعْمَةِ الله ؛ لِقَوْله تعالى: ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ فإنَّ الله جعل هذه النِّعَم وسَخَّرَها تَسْخيرًا لَنا لِنَقُومَ بِشُكْرِه ، وقد تَقَدَّم أنَّ الشُّكْرَ مَوْضِعُه اللِّسانُ والقَلْبُ والجَوارِحُ.
* * *
стр. 108
الآيتان (١٣، ١٤)
* * *
* قَالَ اللهُ : ﴿يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ (١٣) إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ [فاطر: ١٣ - ١٤].
* * *
ثم قال الله مُبَيِّنًا تمَامَ قُدْرَته ونِعْمَتِه أيضًا، قال: ﴿يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ﴾ [فاطر: ١٣].
قال المُفَسِّر ﵀: [﴿يُولِجُ﴾ يُدْخِلُ الله ﴿اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ﴾ فيزيدُ ﴿وَيُولِجُ النَّهَارَ﴾ يُدْخِلُه ﴿فِي اللَّيْلِ﴾ فيزيدُ] انتبه لكَلَام المُفَسِّر ﵀ هل يوافق الظَّاهِرَ أو لا؟ قال: [﴿يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ﴾ فيزيدُ] ما الذي يزيدُ؟
الجواب: لا شَكَّ أنَّ اللَّيلَ إذا دخل على النَّهارِ زاد اللَّيلُ، وإن كان يعود على أَقْرَبِ مذكور وهو ﴿النَّهَارَ﴾ فيزيدُ، فهذا فيه نَظَرٌ، لكن تَوْجيهُ ﴿يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ﴾ أنَّ شيئًا من اللَّيْل يكون جزءًا من النَّهَار هذا تَوْجِيهُه، فإذا كان شَيْءٌ من
стр. 109
اللَّيْلِ جزءًا من النَّهَارِ معناه زادَ النَّهَار؛ يعني: كأنَّه يقول مثلًا: (دَخَلَ اللَّيْلُ في النَّهَار فصار نَهارًا) وحيئذٍ يزيدُ النَّهَارُ، والعَكْسُ بالعَكْسِ، لكن الظَّاهِر من الآيَة الكَريمَةِ أنَّه يَدْخُل اللَّيْل في النَّهَار فيكون جزءٌ من النَّهَارِ ليلًا، الآن لو قُلْتَ: (أَدْخَلْتُ هذه السَّاقِيَة في هذه الأَرْضِ) الجُزْءُ الذي دخل من السَّاقِيَة جَعَلَ الأَرْضَ ساقِيةً.
إذن: (أدخلتُ اللَّيْلَ في النَّهَارِ) جَعَلْتُ جزءًا من النَّهَارِ ليلًا، وحينئذٍ يكون اللَّيْلُ هو الذي يطول.
إيلاجُ اللَّيْلِ في النَّهَارِ وإيلاجُ النَّهَارِ في اللَّيْلِ لا شَكَّ أنَّه دالٌّ على كمال قُدْرَةِ الله ؛ لأنَّ الخَلْقَ لو اجْتَمَعوا كُلُّهم على أن يُولجِوا جُزءًا يسيرًا من اللَّيْل في النَّهَارِ أو بالعَكْسِ ما اسْتَطاعوا أبدًا، ثم هذا الإيلاجُ أيضًا إيلاجٌ بِنِظامٍ؛ أي: إنَّه يأتي شَيْئًا فَشَيْئًا حتى تَتَكَيَّفَ طِباعُ البَشَرِ لهذا الإيلاجِ.
ما ظَنُّكُم لو أنَّ اللَّيْلَ جاء بِنِهايَتِهِ دَفْعَةً واحِدَةً؛ يعني مثلًا: اليوم صارَ اللَّيْلُ ثمانيَ ساعاتٍ وخَمْسًا وثلاثينَ دقيقةً، في اللَّيْلةِ القادِمَةِ صار اثْنَتَيْ عَشْرَةَ ساعَةً وخَمْسَ دقائِقَ، ماذا تكون حالُ النَّاس؟
الجواب: تَضْطَرِبُ، لَكِنَّه يُولِجُه شيئًا فشيئًا، هذا من جهة الإضْطِرابِ، ومن جهةٍ أخرى لو أَوْلَجَه هكذا دَفْعَةً، ومعلومٌ أنَّ سَبَبَ طُولِ النَّهَارِ قُرْبُ الشَّمْسِ من مُسامَكة الرُّؤوسِ، وإذا قارَبَتِ الشَّمْسُ من مُسامَكة الرُّؤوسِ فلا بُدَّ أن تكون شديدةَ الحَرارةِ؛ مَعْنى ذلك أن يكون هذا اليَوْمُ هذا في عِزِّ الشِّتاء، واليوم الذي يَلِيهِ في عِزِّ الصَّيْفِ، وهذا ضَرَرٌ عَظيمٌ، لَكِنَّه يُولِجُه شيئًا فشيئًا، وهذا من تمَامِ القُدْرةِ والحِكْمَةِ والرَّحْمَة.
أيضًا إيلاجُ اللَّيْلِ في النَّهَارِ وبالعَكْسِ له تأثيرٌ عظيمٌ على الجَوِّ؛ لأن الجَوَّ يَنْقَلِبُ
стр. 110
من باردٍ شديدٍ على طول الزَّمَنِ إلى حارٍّ شديدٍ على طول الزَّمَنِ أيضًا، مَعْلومٌ أنَّ هذه الحَرارَةَ الشَّديدةَ تَقْتُلُ من الجراثيمِ الضَّارَّة ما لا يَعْلَمُ به إلا الله ؛ ولهذا نَضْرِبُ مثلًا بسيطًا كُلُّنا نُشاهِدُه: البَعُوضُ إذا اشْتَدَّ الحَرُّ مات لم يَبْقَ له أَثَرٌ؛ ولهذا أَكْثَرُ ما يَكْثُر في الزَّمَن الذي بين الحَرِّ والبرودة الشِّتاء، كذلك شِدَّة البُرودَةِ تَقْتُلُ الجراثيمَ التي تعيش على الحَرارَةِ، ولا يَعْلَمُ بها إلا الله ؛ ومن ثَمَّ قال العُلَماء ﵏: إنَّ أكْثَرَ أَهْلِ الأَرْضِ أَمْراضًا هم الذين على خَطِّ الإسْتِواء وما قارَبَه؛ إذ ليس عندهم شتاءٌ يَقْتُلُ أو صيفٌ حارٌّ يقتل أيضًا، وهذا أمرٌ مُشاهَدٌ أيضًا.
إذن: إِيلاجُ اللَّيْلِ في النَّهَارِ فيه عِدَّةُ حِكَمٍ؛ ولهذا بَيَّنَهُ فقال: ﴿يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ﴾.
قَوْله : ﴿وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ﴾ الشَّمْسُ مَعْروفَةٌ، والقَمَرُ مَعْروفٌ، سَخَرَهُما؛ أي: ذلَّلَهُما لمصَالِحِ العبادِ؛ فإنَّ في الشَّمْسِ والقَمَرِ من المصَالِحِ العَظيمَةِ للعبادِ ما يَعْرِفُه أَهْلُ العِلْم ﵏ بهذا الشَّأْنِ، وهذه الشَّمْسُ والقَمَرُ ما بيَّنَ الله لنا ثِقَلَهُما ولا حَجْمَهُما؛ لأنَّ ذلك ليس بالعِلْمِ النَّافِعِ الكثيرِ لنا، فالجَهْلُ به لا يَضُرُّ، والعِلْمُ به من فُضُولِ العِلْمِ، إن لم يَشْغَلْكَ عما هو أَهَمُّ منه فاشْتَغِلْ به، إنَّما بين المصَالِحِ التي تَتَرَتَّب على تَسخيرِ الشَّمْسِ والقَمَرِ، فقال: ﴿وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَر﴾ فبالشَّمْسِ يكونُ النَّهَارُ واللَّيْلُ، ويكون أيضًا نُضْجُ الثِّمارِ، وتكون الأَنْوارُ العَظيمَةُ، ما رَأْيُكم مثلًا ماذا يتوفَّر للعالَمِ من الطَّاقَةِ بعد خُرُوجِ الشَّمْسِ؟
الجواب: كثيرٌ لا يُحْصى؛ لأنَّها تُوَفِّرُ الكَهْرُباء، وتُوَفِّرُ أيضًا تَلْيينَ الأَشْياء التي تحتاجُ إلى تَلْيينٍ وحَرارَةٍ، ثم إنَّهم في الأَزْمِنَة الأَخيرَة صاروا يُنْتِجُون مِن حرارَةِ الشَّمْسِ طاقَةً كَبيرَةً عَظيمَةً، أمَّا القَمَرُ فَسُخِّر لنا أيضًا بما يحصل من نُورِه في اللَّيْلِ،
стр. 111
وبما يَحْصُل منه من العِلْم بالحِسابِ وعَدَدِ السنينَ، وما إلى ذلك.
وإن شئتم مزيدًا من هذا فراجِعوا كِتَاب (مِفتاح دارِ السَّعادَةِ) (١) لابن القَيِّم ﵀؛ حيث ذكر من فوائِدِ الشَّمْسِ والقَمَرِ أَشْياءَ عَظيمَةً كبيرةً، وذكر غَيْرُهُ أيضًا ذلك، لكنْ يَجِدُ الإِنْسَانُ الفَرْقَ بين بَحْثِ ابْنِ القَيِّم مثلًا وبَحْثِ عُلَماءِ الطَّبيعَة؛ لأن عُلَماءَ الطَّبيعَةِ يَنْظُرونَ إلى هذه الأشياء من زاوِيَة مُظْلِمَة حالِكَة مادِّيَّةٍ مَحْضَةٍ لا يتربَّى فيها الإِنْسَان تربيةً دِينيَّة ولا يَعْرِفُ بها قُدْرَةَ الله ونِعْمَتَه، لكن إذا تكَلَّمَ ابْنُ القَيِّم ﵀ في ذلك يَعْقِل أنَّ هذا دائمًا برَحْمَةِ الله وقُدْرَتِه وحِكْمَتِه، فيجد الإِنْسَانُ مع عِلْمِه بهذا الفَنِّ والعُلُوم، يَجِدُ مع ذلك خشيةً لله ، وتَعْظيمًا له، ومَحَبَّةً له.
قال المُفَسِّر ﵀: [﴿وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ﴾ منهما ﴿يَجْرِي﴾ في فَلَكِه ﴿لِأَجَلٍ مُسَمًّى﴾ يومِ القيامَةِ] كلٌّ؛ أي: كُلٌّ من الشَّمْسِ والقَمَرِ يجري؛ يعني: يسير في فَلَكِه لأَجَلٍ مسمًّى، الفَلَكُ شَبَّهَه ابْنُ عَبَّاس ﵄: بِفَلَكَةِ المِغْزَل (٢)، وفَلَكَةُ المِغْزَل عِبارَة عن قُرصٍ في أعلاه، وفي أَسْفَلِه عودٌ يَنْطوي عليه الحَبْل الذي يَغْزَل، هذه تدورُ؛ لأنَّ المرأة التي تَغْزِل تَبْرمه هكذا حتى يدورَ ويَحْكُم الحبل، فالفَلَك هذا؛ للشَّمْس فلكٌ تدور به، وللقَمَرِ فَلَكٌ يدور به.
وفي إسناد الجَرَيانِ إلى كلٍّ منهما دليلٌ على أنَّهما يَسيرانِ بِذاتِهِما، ويدوران على الأَرْضِ، وهذا شَيْءٌ مُشاهَد أنَّ الشَّمْسَ تدور على الأَرْض وكذلك القَمَرُ، وما ادَّعاه عُلَماءُ الهَيْئَة من أنَّ الأَرْضَ هي التي تدور، والشَّمْسُ لا تدورُ نحو الأَرْض فإنَّنا نُكَذِّبه حتى يقومَ لنا دليلٌ حِسِّيٌّ يكون لنا حُجَّةً أمام الله في الخُروجِ عن ظاهِرِ كَلَامه.
стр. 112
وإلَّا فالواجب علينا نحو هذه الأُمُور ألَّا نَخْرُجَ عن ظاهِرِ كَلَام الله؛ لأنَّ الله تعالى هو الخالِقُ، والخالِقُ أَعْلَمُ بما خلق من غَيْرِهِ، وهذا مسلَّم، ولأنَّ كَلَام الله أَوْضَحُ الكَلَامِ وأَبْيَنُه، فلا يُمْكِن أن يكون فيه شَيْءٌ من التَّعْقيدِ لا اللَّفْظِيِّ ولا المَعْنَوِيِّ، فهو واضحٌ في معناه وظاهِرٌ؛ ولأنَّ كَلَام الله أَصْدَقُ الكَلَام، فلا يُمْكِنُ أن يُخْبِرَنا الله بأمرٍ لم يَكُن، أو بأمرٍ يكونُ الواقِعُ على خلافه؛ ولأنَّ الله أَحَبُّ أَحَدٍ يكونُ البيانُ إليه؛ يعني أَنَّه يُحِبُّ البيانَ لعباده أكْثَرَ من أي أَحَد، واقرأ قَوْله تعالى: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾ [النساء: ١٧٦]، وما أَشْبَهَها من الآيات الدالَّةِ على أنَّ الله يريدُ أن يُبَيِّن لعِبادِهِ ما يَهْتَدون به، فإذا كان هو أَحَبُّ من تَكَلَّم بالبيان، أو هو أَحَبُّ مَن يكون البيانُ إليه أَحَبَّ، وهو الله ، فإنَّ الله تعالى لا يُمْكِن أن يقول في كَلَامِهِ ما ليس فيه بيانٌ لنا.
إذن: فنحن نُكَذِّبُهم ونقول: كَذَبْتُم أن يكون تعاقُبُ اللَّيْلِ والنَّهَار من أجل دَوَرانِ الأَرْضِ، بل تَعَاقُب اللَّيْل والنَّهَار من أجل دَوَرانِ الشَّمْسِ على الأَرْض، ولا غَرَابَةَ بذلك، هم يقولون: كيف أنَّ الكَبيرَ يَدورُ على الصَّغيرِ، نقول: ليس هناك مانِعٌ، نحن معكم أنَّ الشَّمْسَ أَكْبَرُ من الأَرْض، لكن ما المانِعُ من أن يكون الجِرْمُ الكَبيرُ هو الذي يدورُ على الصغير؟ !
ونحن إذا نَظَرْنا إلى القُرْآنِ وَجَدْنا أنَّ الله يُضيفُ هذه الحَرَكَة إلى الشَّمْسِ نَفْسِها، وكذلك إذا نَظَرْنا إلى السُّنَّة، ففي القُرْآن يقول الله تعالى: ﴿وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ﴾ [الكهف: ١٧]، وفي القُرْآن يقول الله تعالى: ﴿إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ﴾ [ص: ٣٢] أي: الشَّمْسُ، وفي القُرْآن يقول: ﴿وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ
стр. 113
يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى﴾، وَقَوْله تعالى: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا﴾ مثل قَوْله تعالى: ﴿كُلٌ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى﴾ فهذه خمسة مواضِعَ كُلُّها تدُلُّ على أنَّ هذه الأفعال تَقَعُ من الشَّمْس.
لو كان هذا يأتي بِدَوَرانِ الأَرْضِ لقال: (وترى الشَّمْسَ إذا طَلَعوا عليها)؛ لأنَّه إذا دارَتِ الأَرْضُ، فنحن الذين نَطْلُع على الشَّمْس، وليست الشَّمْس هي التي تَطْلُع علينا.
وأمَّا قَوْلهم: إنَّ هذا خِطابٌ إلى النَّاس بما يُشاهِدونَه بِأَعْيُنِهم والأمر على خلافه، يعني: إذا طَلَعَتْ حَسَبَ رُؤْيَةِ العَيْنِ، وفي الواقِع أنَّنا نحن الذين نَطْلُع عليها فبماذا نُجيبُهُم؟
نقول: هذا خِلافُ ظاهِرِ اللَّفْظِ، ولا يُمْكِن أن نَحيدَ عن هذا الظَّاهِرِ إلا بِدَليلٍ مَحْسوسٍ يُمْكِننا أن نَحْتَجَّ به أمامَ الله ؛ لأنَّ الله سَيُحاسِبُنا يقول: لماذا عَدَلْتُم عن كَلَامي إلى كَلَامِ غَيْري؟ والخطابُ من الله .
قال تعالى: ﴿إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِم﴾ [الكهف: ١٧] تَزاوَرُ؛ أي: تمَيلُ، ولو كان ذلك بدورانِ الأَرْضِ لكانت الأَرْضُ هي التي تميلُ ﴿وَإِذَا غَرَبَتْ﴾ لو كان هذا بِدَوَرانِ الأَرْض لكانَتِ الأَرْض هي التي تَغْرُب عن الشَّمْس.
أمَّا في السُّنَّة فقد قال النَّبِيُّ ﷺ لأبي ذَرٍّ حين غَرَبَتِ الشَّمْس: "أَتَدْرِي أَيْنَ تَذْهَبُ؟ " (١)، فأَسْنَدَ الذَّهابَ إليها عندما غَرَبَتْ، ولو كانت الأَرْضُ هي التي دارت حتى اخْتَفَتِ الشَّمْسُ لكان يقول: أتدري أين تَذْهَبُ الأَرْض مثلًا.
стр. 114
والحاصِلُ: أنَّه يَجِبُ علينا وجوبًا أن نأَخُذَ بظاهِر القُرْآن وأنَّ الشَّمْسَ هي التي تدورُ على الأَرْض وأنَّه بِدَوَرانِها يَحْصُل اختلافُ اللَّيْل والنَّهَارِ، هذا الواجِبُ، ولا يجوز أن نَحيدَ عن هذا أبدًا إلا إذا قام الدَّليلُ الحِسِّيُّ على خلاف ذلك؛ فإنَّه حينئذٍ يتَعَيَّنُ التَّأويلُ وصَرْفُ الكَلَامِ عن ظاهِره؛ لأنَّنا نَعْلَمُ عِلْمَ اليقينِ أنَّ القُرْآن لا يُخالِفُ الواقِع، أمَّا شَيْءٌ يقولونه بأوهامِهِم ويُقَدِّرونَه، فإننا لا نُوافِقُهم على ذلك، ولا يَسَعُ المُؤْمِنَ أن يَحيدَ عن ظاهِرِ كَلَام الله لمُجَرَّدِ قَوْلهم أَبَدًا.
أمَّا مَسْأَلةُ الأَرْضِ هل تدور أو لا تدور؟
فنحن نقول: لا نُصَدِّقُ ولا نُكَذِّبُ؛ فيُمْكِن أن يكون لها دَوْرَة، ومع ذلك للشَّمْس دَوْرَة، هم يقولون: إذا أَقْرَرْتُم بِدَوَرانِ الأَرْضِ لَزِمَكُم أن تقولوا: إنَّ الشَّمْسَ ثابِتَةٌ، فنقول ليس ذلك بلازِمٍ، يُمْكِن أن يكونَ للشَّمْسِ دَوْرَةٌ، وللأَرْض دَوْرَةٌ أخرى، ولا مانِعَ من ذلك، ولكن مع هذا نقول: إنَّ الكَلَام في دَوَرانِ الأَرْضِ من فُضُولِ العِلْمِ الذي لا يَنْبَغي للإِنْسَان أن يُضَيِّعَ وَقْتَه به إلا رَجُلًا يَحتاجُ إلى معرفة ذلك؛ كما يُذْكَر أنَّهم يَحْتاجون إليه في الصَّواريخِ المُوَجَّهَة وما أشبه ذلك مِمَّا هو مَعْروفٌ عندَ أَهْلِه، فحينئذٍ إذا احتاج إليه فلا حَرَجَ أن يَبْحَث فيه.
أمَّا إذا لم يَحْتَجْ إليه فنقول: هذا من ضَياعِ الوَقْتِ، وما الفائِدَةُ أن تَعْلَم أنَّها تدور؟ أو لا تدورُ، احْمَدِ الله أنْ جَعَلَها قَرَارًا سواءٌ كانت تدورُ أو لا تدور.
قَوْله تعالى: ﴿كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى﴾ يُحتَمَل أن تكون لامَ العاقِبَة؛ أي: كلٌّ يَجْري حتى يَنْتَهِيَ إلى هذا الأَجَلِ، ويُحْتَمَل أن تكون اللَّام بمَعْنى (إلى) كما جاءت به في موضعٍ آخر: ﴿كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى﴾.
وعلى كُلِّ حالٍ: فهي تدلُّ على أنَّ لهذا الجَرَيانِ غايَتَيْنِ، وهو كذلك، هذه الغايَةُ
стр. 115
فَسَّرَها المُفَسِّر ﵀ بِقَوْله: [يَوْمِ القِيامَة]، وَقَوْله تعالى: ﴿لِأَجَلٍ مُسَمًّى﴾ أي: مُعَيَّنٍ عندَ الله ، وهو مَعْلومٌ عنده وليس معلومًا عندنا.
إِذَن: فهذه الشَّمْسُ وهذا القَمَر ليسا أَبَدِيَّينِ، لَكِنَّهما دائبانِ؛ كما قال تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ﴾ [إبراهيم: ٣٣] أي: مُسْتَمِرَّيْنِ، لكن لهما أجَلٌ.
قَوْله تعالى: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ﴾.
﴿ذَلِكُمُ﴾ هل الإشارَةُ تَعودُ إلى ما ذُكِرَ من التَّسْخير والجَرَيان، أو تعود إلى الفاعِلِ في قَوْله تعالى: ﴿وَسَخَّرَ﴾؟
الجواب: الثاني، إذن ذلكم المُسَخِّرُ اللهُ، فالمُشارُ إليه الآن مُفْرَدٌ مذكَّر، والمخاطَبُ جَماعَةُ ذُكورٍ، لكن: ماذا يُراعَى في اسْمِ الإِشَارَةِ وكاف الخطابِ؟ هل يُراعَى المخاطَبُ أو المُشارُ إليه؟
نقول: أمَّا اسْمُ الإشارَةِ فيُراعَى فيها المشارُ إليه، وأمَّا الكافُ فيراعى فيها المخاطَبُ، فإذا أَشَرْتَ إلى رَجُلَيْنِ مخُاطِبًا جماعَةَ إناثٍ فإنَّك تقول: (ذانكُنَّ)، فـ (ذان) تخاطِبُ ذَكَرَينِ، و (كُنَّ) تُخاطِبُ جماعَةَ إناثٍ، وفي القُرْآن قالَتْ: ﴿فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ﴾ [يوسف: ٣٢] لكن هنا في الآيَة المشارُ إليه مُفْرَدٌ مُذَكَّرٌ، وإذا خاطَبْتَ جماعَةَ ذُكورٍ مُشيرًا إلى جماعَةِ إناثٍ فإنَّك تقول: (تِلْكُم) أو (أولئكم).
وهلِ الأَفْصَحُ في المخاطَبِ أن يكون الضَّميرُ على حَسَبِ المخاطَبِ؛ يعني: جَماعَة ذُكورٍ إذا كان المُخاطَبُ جَماعَةَ ذُكُور، وجَماعَة إناثٍ إذا كان المخاطَبُ جَماعَةَ إناثٍ، مُثَنًّى إذا كان المخاطَبُ مُثَنًّى، مُفْرَدٌ مفتوح إذا كان المخاطَبُ مُذَكَّرًا، مُفْرَدٌ مَكْسورٌ إذا كان المخاطَبُ مُؤَنثًا، أو الأَفْصَحُ أن يكون بِلَفْظِ الإِفرادِ دائمًا؟
стр. 116
نقول: فيه ثلاثُ لُغاتٍ:
أولًا: أن يكون باعتبارِ المُخاطَبِ مُطْلَقًا.
ثانيًا: أن يكون بالفَتْحِ دائمًا.
ثالثًا: أن يكون بالفَتْحِ لمفردٍ في المذَكَّر وبالكَسْرِ لِمُفْرَدٍ في المؤَنَّثِ مُطْلَقًا.
فهذه ثلاثُ لغاتٍ:
اللُّغَة الأولى: وهي المَشْهورَة الفُصْحى؛ أن تكون الكاف بحَسَبِ المخاطَبِ مُطْلَقا، تُخاطِبُ مُفْردًا مُذَكَّرًا تقول: (ذلكَ)، مُفْرَدة مُؤَنَّثَة: (ذلكِ) مثنى (ذلكما) جماعة ذكور: (ذَلِكُم جَماعَة)، إناث: (ذلكُنَّ) هذا الأَفْصَحُ.
ثانيًا: أن تَجْعَلَه مُفْرَدًا مفتوحًا في المذَكَّر مُطْلَقًا فتقول: (ذلكَ) سواء كنْتَ تخاطِبُ مُفْردًا أو مثنًّى أو جمعًا لكنْ بِشَرْطِ أن يكون مُذَكَّرًا، وتقول في المؤنث: (ذلكِ) سواءٌ كُنْتَ تُخاطِبُ واحِدَةً أو مُثَنًّى أو جماعَةً.
ثالثًا: أن تَجْعَلَه مفتوحًا بصيغةِ المُذَكَّر دائمًا أيًّا خاطَبْتَ، فتقول: (ذلكَ) سواءٌ كُنْتَ تُخاطِبُ رجلًا، أو امْرَأَةً، جماعَةً، أو مُثَنًّى، أو مُفْردًا.
هنا يقول الله : ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ﴾ المشارُ إليه مُفْرَدٌ مُذَكَّرٌ، والمخاطَبُ جماعَةٌ؛ لأنَّ الله يُخاطِبُ النَّاسَ جميعًا.
﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ﴾ الرَّبُّ يُطْلَقُ على معانٍ كثيرة في اللُّغَة العَرَبِيَّة:
منها: الخالق، المالِك، المُدَبِّر.
فالرُّبوبِيَّة معناها أنَّ الله تعالى خالقٌ مالِكٌ مُدَبِّر؛ ولهذا قال: ﴿لَهُ الْمُلْكُ﴾
стр. 117
فهذه جُمْلَةٌ خَبَرِيَّة قُدِّمَ فيها الخَبر للدَّلالَة على الحَصْرِ؛ يعني: له وَحْدَه المُلْكُ دون
غَيْره، المُلْك المُطْلَقُ الشَّامِل لله وَحْدَه، مِلْك الذَّواتِ والأَعْيان، ومِلْك التَّصَرُّفِ في
هذه الأَعيانِ، فهو المالِكُ لِكُلِّ مَخْلوقِ، وهو المُتَصَرِّفُ في كلِّ مَخْلوقٍ.
فإذا قُلْتَ: كيف يَصِحُّ الحَصْرُ مع أنَّ الله أَثْبَتَ المُلْكَ لِغَيْرِه فقال: ﴿إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ [المُؤْمنون: ٦] وقال: ﴿أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ﴾ [النُور: ٦١]، وقال: ﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النُّور: ٣٣]، فأَثْبَتَ المُلْك لغيره وأنت تقول: إن هذه الجُمْلَة فيها حَصْرٌ؟
فالجواب من وَجْهَيْنِ:
الوَجْهُ الأَوَّلُ: أنَّ مِلْكَنا ليس مِلْكَا مُطْلَقًا، بل هو مِلْكٌ مُقَيَّدٌ بحَسَب الشَّريعَة، فأنا مثلًا مالِكٌ لهذه الحَقيبَة، لكِنْ لا أَمْلِكُ أن أُتْلِفَها؛ لأنَّه حرامٌ عليَّ أن أُتْلِفَها، مالِكٌ لهذا البَعيرِ مثلًا لكِنْ هل أَمْلِكُ أن أُعَذِّبَه؟ هل أَمْلِكُ أن أَجْرَحَه؟
الجوابُ: لا، لا أَمْلِكُ هذا إلا بإذْنٍ مِنَ الشَّرْعِ؛ ولهذا لمَّا أَذِنَ الشَّرْعُ بِوَسْمِ البَعيرِ مع أَنَّه مُؤْذٍ لها ومُؤْلِم جاز، ولمَّا أَذِنَ بإشْعارِ الإِبِلِ والبَقَرِ في الهَدْيِ جازَ.
والإشْعارُ هو أن يُشَقَّ السَّنامُ بالسِّكينِ في الهَدْيِ حتَّى يَسيلَ الدَّمُ على الشَّعْر والجِلْد، والفائِدَةُ من هذا ليُعْرَفَ أنَّ هذه هَدْيٌ، ولهذا نَحْنُ نُشْعِرُ الإِبِلَ والبَقَرَ، ونُقَلِّدُ الإِبِلَ والبَقَرَ والغَنَمَ، فالغَنَمُ ليس فيها إشعارٌ، بل فيها تَقْليدٌ فقط، والتَّقْليدُ أَنَّنا نَضَعُ عليها قِلادَةً في العُنُق، نُعَلِّقُ فيها النِّعالَ القديمة المُتَقَطِّعَة، وآذانَ القِرَبِ (واحِدها قِرْبَة) يعني: قِطَع القِرَب لتُعَلَّقَ بها، نُعَلِّقُه على هذا البَعيرِ أو البَقَرَة أو الشَّاة ليُعْرَفَ أنَّها هَدْيٌ؛ لأنَّ النِّعالَ المُتَقَطِّعة وقِطَع القِرَبِ تَدُلُّ على الرَّثاثَةِ والفَقْر، إشارَةً إلى أنَّ هذه للفُقَراءِ، والقَصْدُ أنَّ مِلْكنا للشَّيْءِ مُقَيَّد.
стр. 118
ثانيًا: أنَّه مِلكٌ قاصِرٌ؛ يعني: ليس شامِلًا، فأنا مثلًا أَمْلِك هذه الحَقيبَة، لكن أنت لا تَمْلِكُها، وأنت تَمْلِك هذا الكِتَابَ، وأنا لا أَمْلِكُه، إذن فهو مِلْكٌ قاصِرٌ لا يتعدَّى، أمَّا مِلْك الله فإنَّه مِلْكٌ مُطْلَقٌ يَتَصَرَّف في مُلْكه كما يشاءُ، وهو ملكٌ عامٌ شامِلٌ، والله يُنْزِل الأَمْراضَ ويُنْزِلُ الجُروحَ في مَخْلوقاتِهِ، وقد يبتلي اللهُ الإِنْسَانَ فتَظْهَرُ فيه جُرُوحٌ تُؤْلِمُه، وتُزْعِجُه وتُظْهِر الأَلَم في أَعْصابِهِ وفي عِظامِهِ، لو أنَّ أَحَدًا من المَخْلوقينَ أراد أن يَفْعَلَ ذلك لكان مَمْنوعًا ولا يجوز، لكنَّ الله له أن يَفْعَلَ ما شاء ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٣].
إذن: الله هو الرَّبُّ، وهو الذي له المُلْك، وهذا المُلك أيضًا شامِلٌ للأَعْيانِ والذَّواتِ، وشامِلٌ للتَّصَرُّف فيها، ومنه التَّصَرُّفُ في الحُكْمِ، فالأَحْكامُ الشَّرْعِيَّةُ لا تُتَلَقَّى إلا مِنَ الله ، ويَجِبُ أن نُؤْمِنَ ونُطَبِّقَ جَميعَ أحكامِ الله سواءٌ كان ذلك في العباداتِ أو في المُعامَلاتِ أو الأَحْوالِ، يَجِبُ أن نُطَبِّقَ الجميعَ.
فإن قال أَحَدٌ من النَّاس: العبادَةُ حَقُّ الله، فهي بيني وبَيْنَه ولا أَتَجاوَزُ ما شَرَعَ، والمعامَلَةُ حَقُّ الإِنْسَانِ، له أن يتجاوَزَ الشَّرْعَ فيها، فأنا لي أن أَعْدِلَ عن شَريعَةِ الله إلى حُكْمِ الطَّوَاغيتِ؟ فمثلًا العبادَةُ حَقُّ الله الخاصُّ، لا يجوز لي أن أَتَصَرَّف فيها، أمَّا البَيْعُ والشِّراءُ فَلِمَصْلَحَتي أنا، فأَيُّ نَوْعٍ من البَيْعِ والشِّراء يَتَّفِق مع المَصْلَحَة والكَسْب فلي أن أَفْعَلَه، سواء كان ربًا أو غِشًّا أو مَكْرًا ... إلخ، فهل يجوز ذلك أو لا يجوزُ؟ ! فهو يقول: المَسْجِدُ لله، والوَطَنُ للشَّعْب أو للجَميعِ.
فالجواب: أن نقول: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ﴾ ليس لأَحَدٍ مُلْكٌ، المُلْكُ لله يَتَصَرَّف في هذا المُلْك كما يشاء حِلًّا وحُرْمَة وإيجابًا، ولا أَحَد يتدَخَّل في ذلك، والذي يقول هذا ويَعْمَل بالشَّرْعِ في العِباداتِ ويُنْكِرُ الشَّرْعَ في المعاملاتِ
стр. 119
نقول: إنَّه كافِرٌ مُرْتَدٌّ عن الإِسْلامِ.
ولا يجوز إقرارُهُ على هذا الشَّيْءِ؛ لأنَّ الله يقول: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا (١٥٠) أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا﴾ [النساء: ١٥٠ - ١٥١].
فالإيمانُ بِبَعْضِ الرُّسلِ دون بعضٍ كالإيمانِ بِبَعْضِ الشَّريعَةِ دون بعْضٍ؛ لأنَّ الأوَّلَ تَجْزِئَة في الرُّسُلِ، وهذا تَجْزِئَة في المُرْسَل به ولا فَرْقَ؛ فالذي يُؤْمِنُ بِبَعْضِ الكِتَابِ ويَكْفُرُ بِبَعْضِه هو في الحَقيقة كافرٌ بالجميعِ؛ لأنَّنا نقول: لو سَلَّمْتَ أَنَّه من الله وأنَّه شَرْعُه ما كَفَرْتَ به، فإذا كَفَرْتَ به فهو كفرٌ بالجميعِ، وشَرْعُ الله تعالى لا يَتَبَعَّضُ.
ومِن هنا نأخُذ خُطورةَ الأمرِ في كثيرٍ من بلدان المُسْلِمين الذين يُحَكِّمون فيما بينهم غيرَ شريعَةِ الله، ويَرونَ أنَّ هذه القوانينَ الوَضْعِيَّة الطَّاغوتِيَّةَ أَفْضلُ من شَرْعِ الله، وأَقْوَمُ لعبادِ الله وأَقْوَمُ لمصَالِح عباد الله مِمَّا شَرَعَه الله، نَسْأَلُ الله العافية.
وهذا بلا شَكٍّ نَقْصٌ في عُقُولهِم، وذَهَابٌ لأَدْيانِهِم، كيف يكون هذا الوَضْعُ الطَّاغوتِيُّ المُحْدَثُ المَبْنِيُّ على العَقْل القاصِر أَفْضَلَ وأَنْفَعَ للعبادِ مِن شَرْعِ الله الذي شَرَعَه لعبادِه وهو أَعْلَمُ بِمَصَالحِهِم وأَحْكَمُ بما يُرْشِدُهُم؟ !
أيُّ إِنْسَانٍ عنده عَقْلٌ - فَضْلًا أن يكون عنده إيمانٌ - لا يُمْكِنُ أبدًا أن يدورَ في فِكْرِه أنَّ هذه الأَحْكَامَ الوَضْعِيَّة المُخالِفَة لشَرْع الله خيرٌ لعِبادِ الله مِن شَرْع الله إلا مُخَبَّلًا ومَجْنونًا، والعياذ بالله، وما ذلك بِغَريبٍ على بني آدَمَ؛ فالذين كانوا يَعْبُدون الأَحْجارَ في الجاهِلِيَّة مثل هؤلاء في السَّفَه، هؤلاء أيضًا عَبَدوا آراءَ غَيْرهم وقَدَّمُوها على شَريعَةِ الله.
стр. 120
والقَوْلُ بأن (الدِّين لله والوَطَن للخَلْقِ) هذا خَطَأٌ فادِحٌ، بل يقال: (الدِّينُ لله والبلادُ لله)؛ كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ [الأعراف: ١٢٨] وليست لك، الأَرْضُ لله، والشَّعْب لله، والدِّينُ لله، وكلُّ شَيْء فهو لله، وإذا كان لله فالواجِبُ علينا أن نَسيرَ على هَدْيِ الله.
قَوْله : ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ﴾ الواو إمَّا اسْتِئْنافِيَّة وإمَّا عاطِفَة من بابِ عَطْفِ الجُمَل بَعْضِها على بَعْضٍ ﴿وَالَّذِينَ﴾ مُبْتَدَأٌ، وجُمْلَة ﴿مَا يَمْلِكُونَ﴾ خَبَرُها.
قال المُفَسِّر ﵀: [﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ﴾ تعبدون ﴿مِنْ دُونِهِ﴾ أي غَيْره وهم الأَصْنَامُ].
قال المُفَسِّر ﵀: [تَعْبدون] لأنَّ الدُّعاءَ عبادَةٌ، والعابِدُ لله قد تتضَمَّن عبادَتُه الدُّعاءَ كالصَّلاة مثلًا؛ فيها فىُ دُعَاءٌ وهو عبادَةٌ، وقد تكون دُعَاءً بلسانِ الحالِ؛ لأنَّ العابِدَ يريد الفَوْزَ بالجَنَّةِ والنَّجاةَ من النَّار، فهو وإن لم يَقُل: الفَوْز بالجَنَّة والنَّجاة من النَّار فهو لا يُريد إلا ذلك؛ إذن فهذا بلسانِ الحالِ.
ولهذا نقول: إنَّ الدُّعاء عِبَادَةٌ؛ قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي﴾ [غافر: ٦٠] بعد قَوْله تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠] فدلَّ هذا على أنَّ الدُّعَاء عِبَادَة، وهنا يقول: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ﴾.
قال المُفَسِّر ﵀: [يَعْبدون] إمَّا عِبَادَة بالفِعْل؛ كالرُّكوعِ للصَّنَم، والسُّجُود للصَّنْم، والذَّبْح له، والنَّذْر له، وما أشبه ذلك، أو يدعونه دُعَاءَ مَسْأَلَة لا دُعَاءَ عِبَادَة، فيَأْتونَ إلى الصَّنَم وإلى القَبْر، ويسألونه حاجاتِهِم، ويَسْتَغيثونَ به، فشَمِلَ
стр. 121
قَوْله تعالى: ﴿تَدْعُونَ﴾ دُعَاءَ المَسْأَلَة، ودُعاءَ العِبَادَة، وقلْتُ: إنَّ دُعاءَ العِبَادَة دُعاءُ مَسْأَلَة لكن بِلِسانِ الحالِ.
كيف يَدْعون هؤلاء؟ أقول: يَدْعون هذه الأَصْنَام على وَجْهَيْنِ:
إمَّا بدُعاءِ مَسْأَلَة، وإمَّا بدُعاءِ عِبَادَة، ودُعَاءُ العِبَادَة دُعَاءٌ بلسانِ الحالِ.
قول المُفَسِّر ﵀: [﴿مِنْ دُونِهِ﴾ أي: غَيْره، وهم الأَصْنام] الأَصْنام تارةً يُعَبِّر الله عنها بِصيغَةِ المُؤَنَّث، وتارة يُعَبِّر عنها بِصيغَةِ المُذَكَّر، هنا عَبَّر عنها بصيغة المُذَكَّرِ العاقِلِ ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ﴾ هذا للمُذَكَّرِ العاقِلِ، وإنَّما وَصَفَ هذه مع أنَّها جمادٌ مَيِّتَةٌ للتَّنَزُّل مع هؤلاء العابدينَ لها وذِكْرها على أكْمَلِ حالٍ يَعْتَقدونَها فيها؛ يعني: هي مع كمالهِا على زَعْمِكُم لِكَوْنِها من ذوات العَقْلِ لا تَمْلِك شيئًا.
قَوْله تعالى: ﴿مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ﴾: ﴿مِنْ﴾ زائِدَة؛ ولهذا نقول: ﴿قِطْمِيرٍ﴾ مفعولٌ به منصوبٌ بِفَتْحَة مُقَدَّرَة على آخره منع من ظهورها اشتغالُ المَحَلِّ بِحَرَكَة حرف الجَرِّ الزَّائِد؛ أي: ما يَمْلِكونَ قِطْميرًا.
قال المُفَسِّر ﵀: [﴿قِطْمِيرٍ﴾: لِفافَةَ النَّواة] إنَّ في النواة ثلاثَةَ أَشْياءَ يُضْرَبُ بها المَثَلُ في الحَقَارة: قِطْمير، ونَقِير، وفَتِيل.
ويَدُلُّ على هذا أنَّهم لا يَمْلِكون شيئًا قَوْلُه تعالى: ﴿إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ﴾: ﴿إِنْ﴾ هذه شَرْطِيَّةٌ، وفعل الشَّرْطِ ﴿تَدْعُوهُمْ﴾ وهو مَجْزومٌ بِحَذْف النون، وجوابُ الشَّرْط ﴿لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ﴾ وهو مجزوم أيضًا بحَذْفِ النون؛ يعني: هذه الأَصْنَامُ إن تَدْعوهُم لا يَسْمَعوا دُعَاءَكُم، لو تَدْعُونَ هذه الأَصْنَامَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ ما سمعوا؛ لأنَّها جَمادٌ، قال الله : ﴿وَلَوْ سَمِعُوا﴾ قال المُفَسِّر ﵀: [فَرْضًا
стр. 122
﴿مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ﴾ ما أجابوكم] يعني: لو سَمِعَتْ هذه الأَصْنَامُ دُعَاءكم ما استجابَتْ لكم؛ أي: ما أجابَتْكم سواءٌ إن قلتم: يا لات يا عُزَّى، يا مَنَاة، يا يَعُوق، يا يَغُوث، يا نَسْر، لو سَمِعَتْ هذا الدُّعَاءَ هل تُجيبُكم وتقول: نعم، ماذا تريدون؟
الجواب: لا، ولا تُعْطيكم المَطْلوبَ أيضًا، حتى لو سَكَتَت ما أَوْصَلَت المطلوبَ إليكم؛ ولهذا قال: ﴿مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ﴾ لِيَشْمَلَ الإسْتِجابَةَ بالقَوْلِ بأن تقولَ هذه الأَصْنَامُ: ماذا تريدون؟ والإسْتِجابَة بالفِعْل وهي إيصالُ المَطْلوبِ إلى هؤلاء الطَّالبينَ، فهي لا تَسْتجيبُ لا لهذا ولا لهذا.
قول المُفَسِّر ﵀: [﴿اسْتَجَابُوا لَكُمْ﴾ أي: أجابوكم] مثلُ قَوْلِه تعالى: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ﴾ [آل عمران: ١٩٥]؛ أي: أجابَهُم وكقَوْله تعالى: ﴿فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي﴾ [البقرة: ١٨٦] أي: فَلْيُجيبُوني، وأمثال هذا كثيرٌ؛ فالإستجابة هنا بمَعْنى الإِجابَة؛ أي: إِنَّ هذه الأَصْنَامَ لا تُجيبهم.
وزِدْ على ذلك أنَّهم - كما قال المُفَسِّر ﵀: [﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ﴾ بإشْراكِكُم إيَّاهم مع الله؛ أي: يَتَبَرَّؤونَ مِنكم ومن عبادتكم إياهم] إِذَن انتفى عنها إجابَةُ الدُّعَاءِ، ومع ذلك لَيْتَهُم سَلِمُوا من شَرِّهِم، يَوْمَ القِيامَة في هذا المَوْقِف العظيم المَشْهور يَكْفُرون بِشِرْكِكُم ويَتَبَرَّؤون منكم، وهذا غايَةُ ما يكون من الخِذْلان؛ لأنَّ النَّاسَ في يوم القِيامَة يكونون فيه أَحْوَجَ ما يكونون إلى النَّصْرِ والعِزَّةِ، وهؤلاء الأَصْنَامُ يَوْمَ القِيامَة تُذِلُّهُم كما قال الله تعالى - وهذا يقَوْله إبراهيم -: ﴿وَقَالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ [العنكبوت: ٢٥].
стр. 123
في هذه الآيَة يُبَيِّنُ الله أنَّ هذه الأَصْنَامَ لا تَمْلِكُ نَفْعًا لعابديها، هذا واحد.
ثانيًا: وتزيد عابديها ذُلًّا وخِذْلانًا في المَوْضِع الذي يكونون فيه أَحْوَجَ ما يكونون إلى العِزِّ والنَّصْر ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ﴾.
قَوْله تعالى: ﴿وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾: ﴿وَلَا يُنَبِّئُكَ﴾ أي: يُخْبِرُك. قال المُفَسِّر ﵀: [﴿وَلَا يُنَبِّئُكَ﴾ بأَحْوالِ الدَّارَيْنِ ﴿مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ عالِمٍ، وهو الله تعالى]. ﴿وَلَا يُنَبِّئُكَ﴾ هذه جُمْلَة خَبَرِيَّة مَنْفِيَّة؛ يعني لا يُنَبِّئُكَ أَحَدٌ بأَخْبارِ هؤلاء سواءٌ في الدُّنْيا أو في الآخِرَة.
وَقَوْل المُفَسِّر ﵀: [بأَحْوالِ الدَّارَيْنِ] هذا واضح، فهو فَسَّرَها على ما هي عليه؛ يعني: لا يُنَبِّئُكَ بأَحْوالِ الدُّنْيا والآخِرَةِ وما يكون لهؤلاء العابدينَ من هذه الأَصْنَامِ لا يُنَبِّئُكَ أَحَدٌ مِثْل من هو خَبيرٌ بالأَحْوالِ، وسُئِلْنَا من الخَبِيرُ بالأَحْوالِ؟
الجواب: الخَبيرُ الله، وهذه الجُمْلَةُ سارَتْ مَسْرَى المَثَل عند العَرَبِ، إذا أرادوا أن يُؤَكِّدوا الشَّيْءَ قالوا: (لا يُنَبِّئُكَ مثل خبير)، أو أحيانًا يقولون: (على الخَبيرِ سَقَطْتَ) يعني: وَصَلْتَ إلى العِلْم اليَقينِيِّ الذي يَصْدُر عن خِبْرَة، إذا كانوا لا يُنَبِّئونَ مِثْل خبير وهو الله وقد أنْبَأَنَا بِحالِ هذه الأَصْنَامِ مع عابديها فهل يليقُ بنا عبادتها ونحن عقلاء؟ !
من فوائد الآيتين الكريمتين:
الْفَائِدَة الأُولَى: بَيانُ قُدْرَةِ الله في إيلاجِ اللَّيْلِ في النَّهَار والعَكْس، وذلك لأنَّ أَحَدًا من الخَلْق لا يَسْتَطِيعُ أن يَفْعَلَ ذلك مهما عَظُمَت قُوَّتُه.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: بَيَانُ رَحْمَتِه بعِبادِهِ؛ لأنَّ في هذا الإيلاجِ مِنَ المصَالِحِ والمَنافِعِ ما
стр. 124
لا يَحْصُل مع عَدَمِه، وقد ضَرَبْنا مثلًا - فيما سبق - بالذينَ على خَطِّ الإسْتِواء الذين لا يزيد عندهم النَّهَار واللَّيْل، ماذا يكونُ عِنْدَهم من الأمراض والفُتُور في الأجسام وعَدِمِ النَّشَاطِ.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: نِعْمَةُ الله في تَسْخيرِه الشَّمْسَ والقَمَر لمصَالِحِ العِبادِ؛ لِقَوْلِه تعالى: ﴿وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ﴾.
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: بَيانُ هاتينِ الآيَتَيْنِ العَظيمَتَيْنِ وهما الشَّمْسُ والقَمَرُ، واللَّيْلُ والنَّهَارُ أيضًا، قال الله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ﴾ [فصلت: ٣٧]، وظُهُورُ الآياتِ فيهما واضِحٌ لمِا فيه من تمَامِ الحِكْمَة والقُدْرَة والرَّحْمَةِ.
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: أنَّ الشَّمْسَ والقَمَرَ يَجْريان؛ أي: يسيران، ففيها ردٌّ على أربابِ الهَيْئَة الجديدَةِ الذين يدَّعون أنَّ الشَّمْسَ والقَمَر لا يَجْريانِ على الأَرْض ولا يَدورانِ عليها.
ونحن قلنا: إنَّه يَجِبُ علينا أن نتَمَسَّك بالظَّاهِرِ ما لم نَجِدْ دليلًا يَقينِيًّا يدلُّ على أنَّ هذا الظَّاهِرِ غَيْرُ مُرادٍ، وحينئذٍ لنا مَساغٌ في مخُالَفَةِ هذا الظَّاهِرِ.
الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: أنَّ كُلَّ شَيْءٍ مَضْبوطٌ ومُحْكَمٌ ومُقَدَّر في أجَلٍ مَحدودٍ لا يزيد عليه ولا يتأَخَّر؛ لِقَوْله تعالى: ﴿لِأَجَلٍ مُسَمًّى﴾ وهذا الأَجَل الذي تَسيرُ عليه الشَّمْسُ والقَمَرُ، يقول المُفَسِّر ﵀: [إنَّه يومُ القِيامَة] ويُمْكِنُ أن نقول: يَسيرانِ إلى أجَلٍ مُسَمًّى حتى في الفَلَكِ، فمثلًا الشَّمْسُ تَنْزِلُ على مدارِ الجَدْيِ في أيَّامِ الشِّتاءِ، ثم تَتَنَقَّل شيئًا فشيئًا إلى أن تَصِلَ إلى مدار السَّرَطانِ، لا يُمْكِنُ أن تَتَجاوَزَ هذا ولا هذا؛ لأنَّها تسيرُ إلى أَجَلٍ مُعَيَّنِ، فكُلُّ يَوْمٍ محدَّدٌ مكانُ الطُّلوعِ وزَمانُ الطُّلوعِ، وهذا لا شَكَّ أنَّه سَيرٌ إلى أجَلٍ مُسَمًّى.
стр. 125
الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: أنَّ فاعِلَ هذه الأشياء هو الله؛ لِقَوْله تعالى: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ﴾ ولا يَسْتَطِيعُ أَحَدٌ أن يَفْعَلَه إطلاقًا، ففيه إبطالٌ لِقَوْلِ أَهْلِ الطَّبيعَةِ الذين يقولون: إنَّ اخْتلافَ اللَّيْلِ والنَّهَارِ والشَّمْسِ والقَمَرِ كان بمُقْتَضَى طبيعَةِ الأَفْلاكِ، فيُرَدُّ عليهم بِقَوْله تعالى: ﴿ذَلِكُمُ﴾ أي: فاعِلُ هذا ﴿اللَّهُ رَبُّكُمْ﴾.
الْفَائِدَةُ الثَّامِنَةُ: عموم مُلْكِ الله لِكُلِّ شَيْء؛ لِقَوْله تعالى: ﴿الْمُلْكُ﴾ و (أل) هنا للعُمُوم، وضابِطُ (أل) التي للعُمُومِ أن يَحُلَّ مَحَلَّها (كُلٌّ)، فإذا صَحَّ أن يَحُلَّ مَحَلَّها (كُلٌّ) فهي للعموم، كما في قَوْلِه تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ [العصر: ٢] فإذا جُعِلْتَ بَدَلَ (أل) كُلٌّ تصيرُ (إنَّ كُلَّ إِنْسَانٍ لَفِي خُسْر)، وكقَوْله تعالى: ﴿وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ [النساء: ٢٨]، إذا جُعِلَتْ بَدَلَها (كُلٌّ) تصير (خُلِقَ كُلُّ إِنْسَانٍ ضعيفًا)، وهنا ﴿لَهُ الْمُلْكُ﴾ هل يَصِحُّ أن يَحُلَّ مَحَلَّها (كل)؟
الجواب: نعم، نقول: (له كُلُّ مُلْك).
الْفَائِدَةُ التَّاسِعَةُ: اختصاص الله تعالى بالمُلْكِ؛ لِقَوْله تعالى: ﴿لَهُ الْمُلْكُ﴾ حيثُ قَدَّم الخبَرَ، وحَقُّه التَّأْخيرُ، وقد تقدَّم في أثناء التَّفْسيرِ الجَمْعُ بين هذه الآيَة وبين إثباتِ المُلْك لغير الله وبَيَّنَّا أنَّه لا تعارُضَ بينهما؛ لأنَّ المُلك الذي لله له شأنٌ والمُلْك الذي للآدَمِيِّينَ له شأنٌ آخَرُ.
الْفَائِدَةُ الْعَاشِرَةُ: أنَّ ما يُدْعَى من دون الله لا يَجْلِبُ خيرًا لداعيه بأيِّ وَجْهٍ من الوُجُوهِ؛ لأنَّ الله نفى عنه كلَّ طريقٍ يُمْكِنُ أن يَصِلَ به الخَيْر أو يَنْدَفِعَ به الضَّرَر، فقال: ﴿لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ﴾ هذا في انتفاء الخَيْرِ وعَدَمِ إزالَةِ الضَّرَر والشَّرِّ، زِدْ على ذلك أنَّه يومَ القِيامَة يكفرونَ بِشِرْكِ هؤلاء، وهذا ضررٌ أَعْظَمُ.
стр. 126
الْفَائِدَةُ الحَادِيَةَ عَشْرَةَ: النِّداء الواضِحُ على سَفَهِ هؤلاء المُشْرِكينَ، وَجْهُه: أنَّهم يَدْعُون ما لا يسمع دُعَاءَهُم، يدعون ما لو سَمِعَ دُعَاءهم - على فَرْضِ التَّقْديرِ - لم يَسْتَجِبْ لهم، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ﴾ [الأحقاف: ٥]، فَقَوْله تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ﴾ يعني: لا أَحَدَ أَضَلُّ، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ [البقرة: ١٣٠] وما هي مِلَّةُ إبراهيم؟ قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [النحل: ١٢٣] هذه مِلَّة إِبْراهيمَ؛ التَّوْحيدُ وعَدَمُ الشِّرْكِ، فهؤلاء السُّفهاءُ يَدْعُون ما لا يَسْتَجيبُ ولا يَنْفَعُ بل يَضُرُّ.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ: أنَّ من تَعَلَّقَ بِغَيْر الله خابَ أَمَلُه؛ لأنَّ هذه الأَصْنَام لا تَنْفَعُهُم في الدُّنْيا ولا تَنْفَعُهُم يوم القِيامَة، إذن خاب أَمَلُهم، هم يقولون: (إنَّما نَعْبُدُهم ليقرِّبونا إلى الله زُلْفَى) ولكن ما قَرَّبوهُم، بل هذه ما زادَتْهُم إلا بُعْدًا، فأَمَلُهم قد خاب، والعياذ بالله، وخَسِروا الدُّنْيا والآخِرَة.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ: في قَوْلِه تعالى: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ﴾ نوعُ هذا الكُفْر هو التَّبَرُّؤُ، فيُسْتَفادُ منه: أنَّ هذه الأَصْنَامَ المَعْبودَة تَتَبَرَّأ من عابديها يومَ القِيامَة، بل إنَّ الله يَجْمَعُ الأَصْنَامَ وعابديها ويُلْقيهِم في جَهَنَّم ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ (٩٨) لَوْ كَانَ هَؤُلَاءِ آلِهَةً مَا وَرَدُوهَا﴾ [الأنبياء: ٩٨ - ٩٩] ولَكِنَّها ليسَتْ آلِهَةً، فلا تَنْفَعُ.
فإن قلْتَ: قد يُبْتَلى داعي هذه الأَصْنَامِ فَتَسْتَجيبُ له ظَاهِرًا؛ بمَعْنى أن يَدْعُوَ الصَّنَمَ أن يَشْفِيَه من المَرَضِ الفُلانِيِّ فيُشْفَى، أو أن يَجْلِبَ له الخَيْر الفُلانِيَّ فَيَجْلِبُه، فما هو الجَوابُ؟
стр. 127
نقول: الدُّعَاءُ ما أفاد، لكنَّ الله جَعَلَ هذا الشَّيْء يقعُ عند دعائِهِ امتحانًا لهؤلاء العابدينَ.
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ: إثباتُ البَعْثِ؛ لِقَوْله تعالى: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ﴾.
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةَ عَشْرَةَ: إثباتُ رُبوبِيَّةِ الله ؛ لِقَوْلِه تعالى: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ﴾.
الْفَائِدَةُ السَّادِسَةَ عَشْرَةَ: إثباتُ علم الله وإحاطَتِه بِكُلِّ شَيْءٍ، لِقَوْله تعالى: ﴿وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ وهل نَأْخُذ منها الرَّدَّ على الجَبْرِيَّة؟
الجواب: نَعَمْ، فهذا مَأْخوذ من قَوْله تعالى: ﴿إِنْ تَدْعُوهُمْ﴾.
وهل نأخذ منها أنَّ هذه الأَصْنَام من العُقَلاء؟
الجواب: لا، لَكِنَّها ذُكِرَت على سبيلِ التَّنَزُّل وعلى ذكرها بأكْمَلِ أوصافِها عندهم وهو العَقْل.
* * *
стр. 128
الآية (١٥)
* * *
* قَالَ اللهُ : ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [فاطر: ١٥].
* * *
قال المُفَسِّر ﵀: [﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ﴾ بِكُلِّ حالٍ ﴿وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ﴾ عن خَلْقِه ﴿الْحَمِيدُ﴾ المَحْمودُ في صُنْعِه بهم].
﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّه﴾ هذا النِّداءُ عامٌّ للمُؤْمِنِ والكافِرِ، والبَرِّ والفاجِرِ، والصَّغر والكبيرِ، والذَّكَر والأُنْثى، فهو للنَّاسِ عمومًا، وصدَّر الله هذا الحُكْم بهذا الخطابِ الذي هو نِداءٌ؛ لِأَجْلِ التَّنْبيهِ وبَيانِ الإهْتِمامِ به، وفي الحَقيقَةِ أنَّه قد يقال: كُلُّ أَحَدٍ يعلم أنَّه فقيرٌ إلى الله، لكنْ هل نحن عَمِلْنا بمُقْتَضَى هذا العِلْمِ؟
الجواب: لا، قال تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (٦) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾ [العلق: ٥ - ٦] فقَرَّر الله تعالى هذه الحالَ الثَّابِتَة التي لا تَنْفَكُّ عن الإِنْسَان وهي الفَقْر إلى الله من أجل أن يَعْمَل بمُقْتَضَى هذه الحال، فيلجأ إلى الله ، ولا يَسْأَل إلا اللهَ.
وَقَوْله تعالى: ﴿أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ﴾ هذه الجُمْلَة جُمْلَة اسْمِيَّةٌ مُفيدَةٌ للحَصْرِ؛ لأنَّ طَرَفيها مَعْرِفتانِ ﴿أَنْتُمُ﴾ هذا الضَّميرُ مَعْرِفَةٌ ﴿الْفُقَرَاءُ﴾ مُحَلًّى بـ (أل) فهو معرفة، وهل غَيْرُ النَّاسِ أَغْنياءُ عن الله؟
الجواب: لا، لكِنْ لمَّا كان الإِنْسَان هو الذي قد يرى نَفْسَه مُسْتَغْنيًا عن الله
стр. 129
حَصَرَ الفَقْرَ فيه؛ كأنَّه يقول: إن لم يكن أَحَدٌ فَقيرًا إلى الله فأنتم فُقَراءُ ولا بُدَّ، وإذا كان الإِنْسَانُ العاقل المدبِّرُ نَفْسُه فقيرًا إلى الله فما بالُكَ بالبهيمة، أليست أَشَدَّ فقرًا؟
الجواب: بلى، هي أَشَدُّ فقرًا إلى الله من الإِنْسَان، لَكِنَّه خاطَبَ الإِنْسَان بذلك؛ لأنَّه هو الذي يرى أنَّه قد اسْتَغْنى عن الله وأنَّه غَنِيٌ عن الله، بل بَعْضُ بني آدم عَكَسَ القَضِيَّةَ فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾ [آل عمران: ١٨١] والعياذ بالله، فعَكَسَ القَضِيَّة، والواقِعُ الذي تشهد به الفِطْرَة.
قَوْله تعالى: ﴿إِلَى اللَّهِ﴾: ﴿إِلَى﴾ هذه للغاية؛ أي إنَّ فَقْرَكُم مُنْتَهٍ إلى الله ؛ لا يَسُدُّ عَوَزَكُم إلا اللهُ.
قَوْله تعالى: ﴿وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾: ﴿الْغَنِيُّ﴾ ضِدُّ الفَقير، والغَنِيُّ؛ أي: المُسْتَغْني عن غَيْره كما قال الله في سورة (التغابن): ﴿فَكَفَرُوا وَتَوَلَّوْا وَاسْتَغْنَى اللَّهُ﴾ [التغابن: ٦]، فالله ذو الغِنَى الواسِعِ، ومع ذلك فإن غناه مَقْرُونٌ بِحَمْده؛ ولهذا قالَ: ﴿الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ فهو غنيٌّ يُحْمَد على غناه؛ لأنَّه يجود به على غَيْرِه، لكن بنو آدم قد يكون الإِنْسَان منهم غَنِيًّا ولكن ليس حَميدًا، فإذا كان غنيًّا وتَسَلَّط بغناه على غَيْرِهِ وفَخَرَ به على النَّاسِ ولم يَقُم بما يَجِبُ عليه صار غنيًّا غَيْرَ حَميدٍ، لكن الله غنيٌّ حميد.
وكَلِمَة (حميد) يصح أن تكون بمَعْنى اسْمِ الفاعِلِ، ويَصِحُّ أن تكون بمَعْنى اسْم المفعول؛ اسْم الفاعِلِ؛ لأنَّه حامِدٌ يَحْمَدُ مِن عبادِهِ كُلَّ من يَسْتَحِقُّ الحَمْدَ منه؛ ولهذا يُثْنِي على رُسُلِه وأَنْبِيائِهِ وعِبادِهِ الصَّالحِينَ، والثَّناءُ عليهم هو الحَمْدُ.
стр. 130
وهو أيضًا مَحْمودٌ على أَمْرَيْنِ: على ما له من كمال الصِّفاتِ، وعلى ما له من كمالِ الإِنْعامِ؛ فهو مَحْمودٌ لِكَمالِ صِفاتِهِ ومَحْمودٌ لِكَمالِ إِنْعامِهِ وهنا نقول: الحَميدُ مَحْمودٌ لِكَمالِ غِناهُ وكَمَالِ جُودِهِ بهذا الغِنَى؛ لأنَّه ليس كلُّ غَنِيٍّ يكون مَحْمودًا بِبَذْلِ ما عنده من الغِنَى، لكِنَّ الله غنيٌّ حَميدٌ.
قَوْله تعالى: ﴿وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾: ﴿هُوَ﴾ ضميرُ فصل، وضَميرُ الفصل له ثلاثُ فوائِدَ:
١ - الحَصْر، فالله هو الغَنِيُّ لا غَيْرُهُ، فكما تقول: (زَيْدٌ هو الفاضِلُ)؛ يعني: لا غَيْرُه.
٢ - الفَصْلُ بين الخَبَرِ والصِّفَة؛ يعني: التَّمْييزُ بينهما.
٣ - التَّوْكيد؛ فإذا قلت: (زيدٌ هو القائِمُ) فهذا أَوْكَدُ من قَوْلك: (زيدٌ قائِمٌ).
من فوائد الآية الكريمة:
الْفَائِدَة الأُولَى: أنَّ جميعَ الخَلْقِ مُفْتَقِرونَ إلى الله ، فمهما بَلَغُوا من الغِنَى والقُوَّة فإنَّهم مُفْتَقِرونَ إلى الله؛ لِقَوْله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ﴾ وهذا لفظٌ عامٌّ لا يَخْرُج منه شَيْءٌ.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: بَيَانُ شِدَّةِ حاجَةِ النَّاس إلى الله؛ لِقَوْله تعالى: ﴿أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ﴾ حيث قال: ﴿الْفُقَرَاءُ﴾ بالأَلِفِ واللام، ولو قال: (فقراء) لكان أَهْوَنَ، لكن ﴿الْفُقَرَاءُ﴾ معناها أنَّنا في جميعِ أَحْوالِنا كُلِّها مُفْتَقِرونَ إلى رَبِّنا .
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: بَيَانُ غِنَى اللهِ عن كُلِّ أَحَدٍ؛ لِقَوْله تعالى: ﴿وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ﴾.
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أنَّ لله الغِنى المُطْلَقُ من جميع الوُجُوه، يُسْتَفادُ هذا من قَوْله
стр. 131
تعالى: ﴿الْغَنِيُّ﴾ بـ (أل) الدالَّةِ على العموم والإسْتِيعابِ.
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: أنَّ الغِنَى الكامِلَ المُطْلَقَ خاصٌّ بالله بدليلِ قَوْله تعالى: ﴿هُوَ الْغَنِيُّ﴾.
فإن قُلْتَ: كيف تجمع بين هذا وبين ثُبوتِ الغِنَى لغَيْرِ الله في الكِتَابِ وفي السُّنَّة، قال الله تعالى: ﴿يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ﴾ [البقرة: ٢٧٣]، وقال النَّبِيُّ ﵊: "تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ فَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ" (١) فثَبَتَ بالكِتَاب والسُّنَّة أنَّ البَشَرَ فيهم أغنياءُ؟
فالجواب: أنَّ غنى البَشَرِ غِنًى مَحْدودٌ نِسْبِيٌّ قاصِرٌ قابِلٌ للزَّوالِ كما أنَّه كان حادِثًا، أمَّا غِنَى الله فهو غِنًى مُطْلَقٌ كامِلٌ أزَلِيٌّ أَبَدِيٌّ، ونظير هذا ما ثبت في المُلْك والخَلْق والتَّدبير وما أشبه ذلك.
الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: الفرق بين قَوْله تعالى: ﴿الْفُقَرَاءُ﴾ و ﴿الْغَنِيُّ﴾ ففيها نوعُ كمالٍ لله يَتَبَيَّن به نَقْصُ البَشَرِ تِجاهَ كمالِ الله، ونظيرُهُ قَوْله تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ﴾ [الرحمن: ٢٦] ثم قال: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن: ٢٧] ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨] فإنَّ وَصْفَ المَخْلوقِ بالنَّقْص ثم إثْباتُ الكَمالِ لله هذا فيه دليلٌ على كمال الله ، وأنَّ كَمالَهُ واضحٌ جدًّا؛ لأنَّكَ إذا ذَكَرْت عَيْبَ الآخَرِ تبيَّنَ لك كَمالَ مُقابِلِه.
الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: أنَّ غِنَى الله مَقْرونٌ بالحَمْد؛ لِقَوْله تعالى: ﴿الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ بخلافِ غنى البَشَر فإنَّه قد لا يكون مَحْمودًا؛ إمَّا بالبُخْل، وإمَّا بِكَوْنِه يأتي
стр. 132
بدون اسْتِحقاقٍ؛ كالسُّرَّاق واللُّصوصِ فقد يكونون أغنياءَ لكن اكْتَسَبوهُ على غَيْر الوَجْهِ المُباحِ، أمَّا غِنَى الله فهو غِنًى كامِلٌ يُحْمَدُ عليه.
إذن: يُحْمَد من جِهَة الغِنَى، ومن جهة الكَرَمِ بما هو غَنِيٌّ به.
الْفَائِدَةُ الثَّامِنَةُ: إثبات اسْمَينِ من أَسْماء اللهِ، وهما (الغني) و (الحميد).
و(الغَنِيُّ) يدلُّ على صِفَةِ الغِنَى و (الحميدُ) يدلُّ على صِفَة الحَمْد، ومَجْموعُهُما يدلُّ على صِفَةٍ ثالِثَةٍ وهي كمالُ غِناه؛ لأنَّه كما ذَكَرْنا في (القواعِدِ المُثْلى) أنَّه قد يَنْشَأُ من الجَمْع بين وَصْفَينِ صفةٌ ثالِثَة تَحْصُل باقترانِهِما، ومَثَّلْنا هناك بالعزيز والحَكيمِ؛ لأنَّها تَقْتَرِنُ دائمًا بها؛ لأنَّه يَحْصُل باجتماعِهِما وصفٌ أكْمَلُ.
* * *
стр. 133
الآية (١٦)
* * *
* قَالَ اللهُ : ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [فاطر: ١٦].
* * *
جُمْلَة: ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ﴾ هذه جُمْلَةٌ شَرْطِيَّة، هنا الشَّرْطُ ﴿يَشَأْ﴾ وجوابُ الشَّرْطِ ﴿يُذْهِبْكُمْ﴾ و ﴿يُذْهِبْكُمْ﴾ يعني: بالإهْلاكِ.
قَوْله تعالى: ﴿وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ﴾: ﴿وَيَأْتِ﴾ جاءت مَكْسورَةً وهي فعل مضارعٌ لأنَّها مَجْزومة بِحَذْف حرف العِلَّة، وأصلها (يأتي) لكِنْ حُذِفَتِ الياءُ؛ لأنَّها معطوفة على مَجْزومٍ، وهو ﴿يُذْهِبْكُمْ﴾.
قال المُفَسِّر ﵀: [﴿وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ بَدَلَكُم] ﴿بِخَلْقٍ﴾ أي: بمَخْلوقٍ، بدليل قَوْله تعالى: ﴿وَيَأْتِ﴾ أي: بِمَخْلوقٍ جديدٍ، فهذا مصدرٌ أريد به اسْمُ المفعولِ؛ أي بِمَخْلوق كقَوْله ﵊: "مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ" (١)، وفي قَوْلِه تعالى: ﴿هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾ [لقمان: ١١]، فـ ﴿خَلْقُ اللَّهِ﴾ أي: مَخْلوقُه، وقد يُرادُ بالخَلْقِ المصدر كما في قَوْله تعالى: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف: ٥٤] لكن هنا المُرَادُ به اسْمُ المفعولِ، قال تعالى: ﴿وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ أي: بمَخْلوقٍ جديدٍ غَيْرِكم، لكن كيف يُذْهِبُنا ويأتي بخَلْقٍ جديد؟
стр. 134
الجواب: الله قادِرٌ على أن يأتِيَ بخلقٍ جديد مُسْتَقِلٍّ، وهذا واضِحٌ، ثم هو أيضًا يُمْكِن أن يُذْهِبَ الموجودينَ بعد أن يأتِيَ خَلَفُهُم منهم، فالنَّشْء الصِّغارُ يُعْتَبَرونَ خَلْقًا جديدًا بالنِّسْبَة للكِبارِ الذين هَلَكوا، وهذا كما قيل في بني إسرائيلَ لمَّا امتنعوا عن دخولِ الأَرْضِ المُقَدَّسَة وقالوا: ﴿إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ﴾ [المائدة: ٢٢] ابتلاهم الله ، وقال: ﴿فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ [المائدة: ٢٦]، فضاعوا؛ ما بينَ مِصْرَ والشَّامِ مَسيرَةُ شَهْرٍ، جلسوا فيه تائهينَ أربعينَ سنَةً ما اهتدوا إلى الطَّريقِ.
قال بعضُ العُلَماء ﵏ ولاسيما المعاصرون منهم: "لأَجْلِ أن يَفْنى ذلك الجيلُ المُتَغَطْرِسُ الذَّليلُ ويأتي جيلٌ ناشئٌ في الصَّحَراء قَوِيٌّ يريد أن يدخل البلادَ المقَدَّسَة"؛ لأنَّه ناشِئٌ في الصَّحراء يريد المُدُن، فعنده قُوَّةٌ وإِرادَة تُؤَهِّلُه إلى دخول تلك الأَرْض؛ لأنَّ الجيلَ الأَوَّل المُتَغَطْرِس المعانِدُ فَنِيَ في هذه المُدَّة، هكذا قال بعض العُلَماء ﵏ ولاسيما المعاصرون منهم.
قالوا: الحِكْمَة من أنَّ الله ضرَبَهم في هذا التِّيه لأَجْل أن يفنى الكبار ويَسْتَجِدَّ الصِّغارُ، والله أعلم.
إنَّما الله قادر على أن يَمْحُوَ النَّاس ويُذْهِبَهم ويأتيَ بِخَلْقٍ جديد، إمَّا خَلْقٌ مُسْتَقِلٌّ، أو من ذرِّيَّة هؤلاء، أو يُفْنِي من في هذه الأَرْض ويأتي آخرون يَحْتَلُّون الأَرْضَ.
فلها ثلاثَةُ وجوه: إمَّا خَلْقٌ جديدٌ مُسْتَقِلٌّ، وإمَّا ذرِّيَّةُ القوم الذين ذهبوا، وإمَّا قومٌ آخرون يأتون من بلادٍ أخرى ويَحُلُّون مَحَلَّ هؤلاء الذين ذهبوا كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾ [مُحَمَّد: ٣٨].
* * *
стр. 135
الآية (١٧)
* * *
* قَالَ اللهُ : ﴿وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ﴾ [فاطر: ١٧].
* * *
قَوْله تعالى: ﴿وَمَا﴾ هنا حجازِيَّة لتمامِ شُرُوط عَمَلِها؛ لأنَّ اسمها (ذا)، وخَبَرها (عزيز)، لكن دَخَل على خَبَرِها الباءُ الزَّائِدَةُ في الإِعْراب وَقَوْله تعالى: ﴿وَمَا ذَلِكَ﴾ أي: إِذْهابُكم والإتيانُ بِخَلْقٍ جديدٍ.
قَوْله تعالى: ﴿عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ﴾: ﴿عَلَى اللَّهِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بـ (عزيز) مُقَدَّم عليه.
وَقَوْله تعالى: ﴿بِعَزِيزٍ﴾ قال المُفَسِّر ﵀: [شديدٍ] والصَّوابُ عزيزٌ؛ بمَعْنى: مُمْتَنِعٌ؛ لأن (عَزَّ) تأتي بمَعْنى (امتنع) كما سبق، وتأتي بمَعْنى (غَلَبَ) وتأتي بمَعْنى (قَهَرَ)، وغلب وقهر معناهما واحِدٌ، تأتي بمَعْنى العِزَّةِ؛ أي: القَدْر، وهنا ﴿بِعَزِيزٍ﴾ أي: بِمُمْتَنِع، والمُفَسِّر ﵀ قال: [شديدٌ]؛ لأنَّ الشَّديدَ في حَدِّ ذاته مُمْتَنِع؛ لقُوَّتِه وصلابَتِه، إذا لم يكن عزيزًا على الله فهو سَهْل.
فنقول: إن هذه الصِّفَة من الصِّفاتِ السَّلْبِيَّة التي نَصِفُ اللهَ تعالى بها مع إثباتِ كمالِ ضِدِّها، فنقول: ﴿وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ﴾ لكَمالِ سُهُولَتِه عليه، فهو أمرٌ هَيِّنٌ عليه ؛ أن يُذْهِبَ هؤلاء ويأتِيَ بغيرهم، قال الله ﵎: ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾ [مُحَمَّد: ٣٨].
стр. 136
من فوائد الآيتين الكريمتين:
الْفَائِدَة الأُولَى: كمالُ قُدْرَةِ الله ؛ حيث بيَّنَ أَنَّه قادِرٌ على أن يُذْهِبَنا، ثم يأتِيَ بِخَلْقٍ جديدٍ.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: إِثْباتُ المَشيئةِ لله؛ لِقَوْله تعالى: ﴿إِنْ يَشَأْ﴾.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: التَّحْذيرُ من مُخالَفَتِه تعالى؛ لأنَّ المقصودَ بهذا التَّهديدُ وتَحْذيرُنا من مخُالَفَته.
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أنَّ الخَلْق حادِثٌ، فليس أزليًّا؛ لِقَوْله : ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ﴾ هذه فيها دلالة لِقَوْله تعالى: ﴿وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ وفيها أيضًا دلالَة.
أمَّا الأُولى فوَجْهُ الدَّلالَة أنَّ ما كان قابِلًا للعَدَمِ فهو قابلٌ للحُدوثِ.
أمَّا الثَّانِيَة فلِقَوْله تعالى: ﴿بِخَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ هل نَسْتَفيد منها ثُبوتَ حُدُوثِ أَفْعالِ الله باعتبار المَفْعولاتِ؟
الجواب: نعم؛ لأنَّ كُلَّ مَخْلوقٍ كائنٌ للخَلْقِ، فإذا كان المَخْلوقُ جديدًا لَزِمَ أن يكون الخَلْقُ أيضًا جديدًا؛ فمثلًا: خَلْقُ الله للجَنينِ في بَطْنِ أمِّه حادِثٌ، فضرورةٌ أنَّه مَخْلوقٌ حادِثٌ، أمَّا جِنْسُ فِعْلِ الله فهو أَزَلِيٌّ؛ فإنَّ الله تعالى لم يَزَلْ فَعَّالًا، فهناك فَرْقٌ بين وصف الله تعالى بالفِعْلِ على الإطلاق وبينَ وَصْفِ الله تعالى بالفِعْلِ مقرونًا بالمَفْعولِ، فالفِعْلُ المَقْرونُ بالمَفْعولِ لا شَكَّ أنَّه حادِثٌ، والفِعْلُ المُطْلَقُ أنَّ الله لم يَزَلْ فعَّالًا لمِا يريدُ هذا أزليٌّ.
وهل نستفيد من ذلك جوازُ تَهْديدِ الإِنْسَان بالأَشْياءِ المَحْسوسَة لِيَسْتَقيمَ على أَمْرِ الله؟
стр. 137
الجواب: نعم؛ لأنَّ هذا تهديدٌ من الله لنَسْتقيمَ على أَمْرِه.
إذن نقول: إنَّ العُقوباتِ الحِسِّيَّةَ إن حَمَلَتْ على الإستقامَةِ فإنَّها مَحْمودةٌ؛ لأنَّها من فِعْل الله؛ ولهذا أَوْجَبَ الله علينا أن نَحُدَّ الزَّانِيَ، ونَقْطَعَ السَّارِقَ حتى يرتَدِع، فلا يقول قائِلٌ: إنَّك إذا فَعَلْتَ ذلك فقد حَمَلْت النَّاس على أن يتركوا الأَمْرَ لا لله؛ لأن بعضَ النَّاس يقول: كيف هذا، كيف تقع هذه الحدود؟ معناه أنَّ الإِنْسَان لا يترك الزِّنا أو السَّرِقة إلا خوفًا من العُقُوبَةِ، ومَعْنى ذلك أَنَّكَ تَحْمِل النَّاسَ على أن يَدَعُوا المحارِمَ لا خوفًا من الله ولكن خَوْفًا من العقوبة.
فنقول: إن هذا فيه إِصْلاحٌ، ووسيلَةُ الإصلاحِ لا يُشْتَرَطُ فيها من نِيَّة الذي يحاوَل إصلاحه.
وهل يُسْتَفادُ منها جوازُ إعطاءِ الجائِزَة تَشْجيعًا لمن عَمِلَ صَالحًا، من باب قياسِ العَكْسِ؟
الجواب: المُكافَأَة على العَمَل ثابِتَةٌ في السُّنَّة، وفي غَيْرِ السُّنَّة أيضًا، فالرَّسُولُ ﷺ قال: "مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ" (١) أي: في الجهادِ في سبيل الله، و (سَلَبُهُ)؛ أي: ما عليه من الثِّيابِ ونَحْوها، وهذه مُكافَأَة.
والعُلَماء ﵏ قالوا: يجوز أن يَجْعَل لمن دلَّهُم على حِصْنٍ وما أشبه ذلك، من الأُمُور التي فيها مَصْلَحة للمُجاهِدينَ، يجوز أن يَجْعَلَ له جُعْلًا، وكذلك للإمامِ أن يُنَفِّلَ السَّرِيَّة في الرَّجْعة وفي البِداءَة، كلُّ هذه من باب المُكافَأَةِ على فِعْلِ الخَيْرِ، فهذا
стр. 138
ثابِتٌ، لكن هل نأخُذُ جواز ذلك من الآيَة؟
نقول: يُمْكِن أن نَأْخُذَه من الآيَة على سبيل قياسِ العَكْسِ.
فإن قُلْتَ: أثبِتْ لنا قياسَ العَكْسِ؛ لأنَّنا في شَكٍّ من إثبات القياسِ أوَّلًا؟
قلنا: عندنا دليلٌ على إثباتِ العَكْسِ، قال النَّبِيُّ ﵊: "وَفِي بُضْعِ أَحَدِكُمْ صَدَقَةٌ" (١)؛ يعني أنَّ الرَّجُلَ إذا أتى أَهْلَه فذلك صَدَقَةٌ، الصَّحابَةُ ﵃ قالوا: يَا رَسُولَ الله أَيَأْتِي أَحَدُنَا شَهْوَتَهُ وَيَكُونُ لَهُ فِيهَا أَجْرٌ؟ قَالَ: "أَرَأَيْتُمْ لَوْ وَضَعَهَا فِي حَرَامٍ، أَكَانَ عَلَيْهِ فِيهَا وِزْرٌ فَكَذَلِكَ إِذَا وَضَعَهَا فِي الحَلَال كَانَ لَهُ أَجْرٌ".
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: فيها دليلٌ على كمال القُدْرَةِ لله ؛ لِقَوْله تعالى: ﴿وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ﴾.
الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: صِحَّة تَقْسيمِ أَهْلِ السُّنَّة لصِفاتِ الله إلى: ثُبُوتِيَّة، وسَلْبِيَّة، وقد شك بعض النَّاسِ في كَلِمَة (سَلْبِيَّة) وقال: يَنْبَغي أن نقول: (مَنْفِيَّة).
* * *
стр. 139
الآية (١٨)
* * *
* قَالَ اللهُ : ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى إِنَّمَا تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَمَنْ تَزَكَّى فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ﴾ [فاطر: ١٨].
* * *
لما بيَّنَ ما يَؤُولُ إليه أَمْرُ هؤلاء الكُفَّارِ، وهدَّدَ من خرج عن طاعَتِه بأنَّه قادِرٌ على أن يُذْهِبَهم ويأتِيَ بِخَلْقٍ جديد ذكر بَراءَةَ غَيْر الوازِرينَ من الوازِرِينَ؛ يعني أنَّ شِرْكَ هؤلاء المُشْرِكينَ لا يُؤَثِّر على أولئكَ المُؤْمِنينَ المُوَحِّدين، قال: ﴿وَلَا تَزِرُ﴾.
قال المُفَسِّر ﵀: [نَفْسٌ ﴿وَازِرَةٌ﴾ آثِمَةٌ]، أفاد المُفَسِّر ﵀ بتَقْديرِ (نَفْس) أن (وازِرَة) صِفَةٌ لمَوْصوفٍ مَحْذُوفٍ تَقْديرُهُ: (نفس)، وَقَوْله: (وازرة؛ أي: آثِمَة) وهل المُرَاد أنَّها آثِمَةٌ بالفِعْل أو أنَّها من ذواتِ الوِزْرِ والإِثْم وهو المُكَلَّف؛ أي: البالِغُ العاقِلُ؛ يعني أنَّ من يكونُ أَهْلًا لِأَنْ يَأْثَمُ إذا فعل لا يَتَحَمَّلُ إثْمَ غَيْرِهِ، وتكونُ الفائِدَةُ مِن ذِكْرِ وازِرَة أنَّ الصَّغيرَ مثلًا لا يَتَحَمَّل إثمًا لا له ولا لغيره، بخلاف الكبيِر الذي يتحَمَّلُ الإِثْمَ، فهل يتَحَمَّل إثم غَيْره؟
يقول الله : ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ﴾ قال المُفَسِّر ﵀: [آثِمَةٌ؛ أي: لا تَحْمِلُ] على كَلِمَةِ ﴿تَزِرُ﴾ فسَّرها المُفَسِّر ﵀ بِقَوْله: [أي: لا تَحْمِل] وهذا تَفْسيرٌ بالمُرَادِ
стр. 140
لا بالمَعْنى المُطابِقِ للَّفْظ؛ لأنَّ المَعْنى المطابِقَ للَّفْظِ في ﴿تَزِرُ﴾ أي: تَأْثَم؛ إذ إنَّ الوِزْر هو الإِثْم، ولكن تقدَّم كثيرًا أن تَفْسيرَ القُرْآن قد يُرادُ به التَّفْسيرُ المُطابِقُ للَّفْظِ، وقد يُرادُ به التَّفْسيرُ بالمَعْنى المُرَادُ لا المُطابِق للَّفْظ؛ أي: [لا تَحْمِلُ وِزْر نَفْسٍ أخرى].
أفادنا أيضًا بِقَوْله: [﴿وَازِرَةٌ﴾ نَفْسٍ] أنَّ ﴿وِزْرَ﴾ صِفَةٌ لمِوْصوفٍ مَحْذُوفٍ تَقْديره: (نَفْس)؛ أي إنَّ زيدًا لا يَحْمِلُ إثْمَ عَمْرو، وهندًا لا تَحْمِلُ وِزْر فاطمة مثلًا، فكلٌّ يَحْمِل وِزْرَه، قال الله تعالى مُبَيِّنًا ذلك في جُمْلَة تُعْتَبَرُ قاعِدَة: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ [المدثر: ٣٨] ﴿كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ﴾ [الطور: ٢١].
وأمَّا من لم يَكْسِبْ شيئًا فليس عليه مِنْ إِثْمِ الآخَرِ شَيْءٌ، ولا يعارِضُ هذا قَوْلَ النَّبِيِّ ﷺ : "مَنْ سَنَّ فِي الإِسْلَامِ سُنَّةً سَيِّئَةً كَانَ عَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا بَعْدَهُ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ" (١)؛ لأنَّ سَنَّه إيَّاها يُعْتَبَر وِزْرًا؛ لأنَّه هو الذي شَقَّ الطَّريقَ لها، ومَهَّدَ السُّبُل؛ فلهذا كان عليه وِزْرُها وَوِزْرُ مَن عَمِلَ بها إلى يَوْمِ القِيامَة، فالآيَةُ هنا لا تُنافي الحديث.
قال: ﴿وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ﴾.
[﴿وَإِنْ تَدْعُ﴾ نَفْسٌ ﴿مُثْقَلَةٌ﴾ بالوِزْرِ ﴿إِلَى حِمْلِهَا﴾ منه أَحَدًا لِيَحْمِل بَعْضَه ﴿لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ﴾].
﴿وَإِنْ تَدْعُ﴾ أي: تَطْلُب ﴿مُثْقَلَةٌ﴾ بالأَوْزارِ ﴿إِلَى حِمْلِهَا﴾ لِيُحْمَل عنها بَعْضُه ﴿لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ﴾ وجُمْلَةُ ﴿لَا يُحْمَلْ﴾ جوابُ الشَّرْطِ، والشَّرْطُ قَوْله تعالى: ﴿وَإِنْ تَدْعُ﴾ وهو مَجْزومٌ بِحَذْفِ الواو، والضَّمَّةُ قَبْلَه دليلٌ عليه و ﴿لَا يُحْمَلْ﴾ هذا هو
стр. 141
جوابُ الشَّرْط، و ﴿شَيْءٌ﴾: نائِبُ الفاعلِ؛ يعني اعْلَموا كما أنَّ الغَيْرَ لا يَحْمِلُ عن الغَيْر وِزْرَه فإنَّه حتى وإن دُعِيَ واستنجد لِيَحْمِل أو يُخَفَّف عن الوازِرِ شيئًا لم يَكُنْ ذلك، في الدُّنْيا ربَّما يُؤْخَذُ الإِنْسَانُ بِجَريرَةِ غَيْره، في الدّنْيا أيضًا إذا استغاثَ بك إِنْسَانٌ قد حَمَل شيئًا ثقيلًا خاصَّةً من كِبارِ السِّنِّ، إذا قابَلْتَ إِنْسَانًا حَمَلَ شيئًا ثقيلًا فإنَّك تُنْجِدُه، لكِنْ في الآخِرَة لو دَعَتْ نَفْسٌ مُثْقَلَةٌ إلى حِمْلِها أن يَحْمِلَ أَحَدٌ منه شيئًا فإنَّها لا تُجَابُ إلىَ ذلك، ﴿وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ﴾ وَقَوْله تعالى: ﴿شَيْءٌ﴾ نكرة في سياق النَّفْيِ فَتَعُمُّ القَليلَ والكَثيرَ.
وَقَوْله تعالى: ﴿مُثْقَلَةٌ﴾ هي أيضًا نَكِرَةٌ في سياق النَّفْي فَتَعُمُّ، أيُّ مُثْقَلةٍ، مهما كانت هذه المُثْقَلَة، فإنَّها إذا دَعَت أَحَدًا من النَّاس أن يَحْمِلَ عنها من أَثْقالهِا لا يُحْمَل منه شَيْءٌ.
قَوْله تعالى: ﴿وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ وقال المُفَسِّر ﵀: [﴿وَلَوْ كَانَ﴾ المَدْعُوُّ ﴿ذَا قُرْبَى﴾ قَرَابَةٍ كالأبِ والابْنِ].
قَوْله: [﴿وَلَوْ كَانَ﴾ المَدْعُوُّ] ألا يُمْكِن أن نقول: (ولو كان الدَّاعي)؟
الجواب: يُمْكِن؛ لأنَّهما مُتلازِمانِ؛ لأنَّ المَدْعُوَّ إذا كان قريبًا للدَّاعي كان الدَّاعي قَريبًا له، لكنْ أيُّهما أَنْسَبُ من حيث السِّيَاقُ: ﴿وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ نقول: (المَدْعُوُّ) أَقْرَبُ؛ لأنَّه لو كان المُرَادُ الداعي لكان - والله أعلم - الأَنْسَبُ أن يقول: (ولو كانت ذا قُربَى)؛ لأنه قال: ﴿وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ﴾ ومعلومٌ أنَّ ضَميرَ المُؤَنَّث ولو كان مَجازًا يكون مُؤَنَّثًا؛ قال ابن مالك ﵀:
وَإِنَّما تَلْزَمُ فِعْلَ مُضْمَرِ ... مُتَّصِلٍ أَوْ مُفْهِمٍ ذَاتَ حِرِ (١)
стр. 142
إذن: ﴿وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ﴾ ولو كانت ذا قُربَى، هذا صحيح؛ أي: ولو كانت الدَّاعِيَة، لكن قال: ﴿وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ بالمُذَكَّر، عُلم أنَّ الفاعل غَيْرُ الدَّاعِيَة كما قال المُفَسِّر ﵀.
وَقَوْله: [﴿قُرْبَى﴾ أي: قَرابَةٍ] ومنه قَوْله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى﴾ [الأنفال: ٤١]؛ أي: القرابة، وَقَوْله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ [الشورى: ٢٣]، فالقُرْبى هنا بمَعْنى القَرَابَة، لو أنَّ الأَبَ اسْتَنْجَدَ بابنه يَوْمَ القِيامَة أن يَحْمِلَ عنه من أَوْزارِه لم يُجِبْه، بل ﴿يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (٣٤) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (٣٥) وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ﴾ [عبس: ٣٤ - ٣٦] لماذا؟
﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس: ٣٧].
قال المُفَسِّر ﵀: [وعَدَمُ الحَمْل في الشِّقَّينِ حُكْمٌ من الله] أين الشِّقَّانِ؟ قَوْله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ أي: لا تَحْمِلُ ﴿وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ﴾ وإذا كان من الله، فإنَّه لا يُمكن لأَحَدٍ أن يَحْمِلَ عن أَحَدٍ شيئًا، فلو أنَّ أَحَدًا قال لشَخْصٍ: (آثامُكَ عَلَيَّ) فلا يَصِحُّ هذا، لأنَّ الذي لا يحمل هو الله، فالحُكْمُ من الله ، لو أنَّ أَحَدًا اسْتَنْجَد بأَحَدٍ أن يَحْمِل عنه، ووافق على نَجْدَتِه، فليس له ذلك؛ لأنَّ هذا حُكْمٌ من الله .
هذا الفائِدَة من قَوْلِه: [وَعَدَمُ الحَمْل في الشِّقَّينِ حكمٌ من الله] أي: فليس لأَحَدٍ أن يتجاوَزَ الحُكْمَ؛ ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ وَمَا هُمْ بِحَامِلِينَ مِنْ خَطَايَاهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [العنكبوت: ١٢]؛ يعني: يقولون ذلك، لَكِنَّهم ليسوا بصادقين على هذا الحَمْل وإنَّهم لكاذبون؛ ثم قال: ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ﴾ [العنكبوت: ١٣] لا بالتْزِامِهِم
стр. 143
ولكن لأنَّهم هم الأُسْوَةُ والقُدْوَة فكانوا يَحْمِلون أَثْقالَهُم وأثقالَ من أَضَلُّوه.
قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ﴾.
﴿إِنَّمَا تُنْذِرُ﴾ هذه جُمْلَةٌ فيها حَصْرٌ طريقُه ﴿إِنَّمَا﴾ والحَصْرُ هو إثباتُ الحكم في المذكورِ فيه ونَفْيُه عمَّا سواه.
كأنَّك تقول: (ما تُنْذِرُ إلا الذين يَخْشَوْنَ ربَّهم) و ﴿تُنْذِرُ﴾ من الإنذارِ، وهو الإِعْلامُ المَقْرونُ بالتَّخْويفِ، وإن شِئْتَ فقل: (الإِعْلام المُرَاد به التَّخويفُ)؛ لأنَّه قد لا يُقْرَن، لكن يُعْرَف من هَيْئَةِ الكَلَام والصِّياحِ مثلًا أَنَّه للتَّخويفِ، فمُنْذِرُ الجيش يقول: (واصَبَاحاه)، فيَعْرِف النَّاس أنَّ هذا إنذارٌ للجَيْشِ.
إِذَن: الإنذارُ معناه: الإِعْلامُ المُرَادُ به التَّخْويفُ، فالنَّبِيُّ ﷺ يقول الله له: ﴿إِنَّمَا تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ﴾.
وَقَوْله تعالى: ﴿يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ﴾ الخَشْيَة هي الخَوْفُ النَّابِعُ عن تعْظيمِ المَخُوفِ والعِلْمِ به، قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ٢٨] وَقَوْلنا: إنَّه الخَوْفُ النَّابِعُ عن تعْظيمِ المَخُوفِ؛ لِيَشْمَل من كان خائِفًا ولو كان هو قويًّا؛ معناه القَوِيُّ قد يخاف من الأَقْوى منه فتكون هذه خَشْيَة، فإن خاف الضَّعيفُ مِنَ القَوِيِّ فهو خَوْفٌ؛ ولهذا نقول: إنَّ الخَشْيَة أَعْظَمُ من الخَوْفِ، قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ٢٨].
وَقَوْله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ﴾ أي: يَخافونَه خَوْفًا نابعًا من تعْظيمهم له مع عِلْمِهم بأنَّه مستحِقٌّ للتعْظيمِ.
وَقَوْله تعالى: ﴿يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ﴾ الغَيْبُ ضد الشَّاهِدِ والمَعْلومِ.
стр. 144
قال المُفَسِّر ﵀: [﴿إِنَّمَا تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ﴾ أي: يخافونَه وما رَأَوْه] أفادنا المُفَسِّر ﵀ أنَّ قَوْله تعالى: ﴿بِالْغَيْبِ﴾ حالٌ من المفعول به؛ أي: يَخْشَوْن ربَّهم حال كَوْنِه غائبًا عنهم لم يَرَوْه، وهذا أَحَد الوَجْهَيْنِ في الآيَةِ.
الوجه الثاني: ﴿يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ﴾ حالَ كَوْنِهم غائبينَ عن غَيْره فيكونُ الجارُّ والمَجْرورُ حالًا من الفاعِل؛ لأنَّ من النَّاسِ من يُظْهِرُ خَشْيَة الله أمام النَّاس، لَكِنَّه إذا غاب عن النَّاسِ لم يَخْشَ الله، هل يُمْدَح هذا على خَشْيَتِه؟
الجواب: لا؛ لأنَّه مُرَاءٍ، لكنْ من يَخْشَى ربَّه بالغَيْبِ هذا هو الذي يُمْدَح.
فإن قُلْتَ: هل يُمْكِن أن تُحْمَلَ الآيَةُ على المَعْنَيينِ، ويكون هؤلاء الذين مَدَحَهُم الله يَخْشَوْن الله؛ مع أنَّهم لم يَرَوْه يَخْشَون الله في حالِ الغَيْبَة عن النَّاس؟
فالجواب: نعم، وهذا من بَلاغَةِ القُرْآن أن يُعَبِّرَ بتعبيرٍ صَالِحٍ لمَعْنَيَيْنِ لا يتنافيانِ، فهؤلاء القوم يَخْشَوْنَ الله تعالى وهم لم يَرَوْه، ولَكِنَّهم يَخْشَوْنَه كأنَّهم يَرَوْنَه؛ لأنَّهم يَخْشَوْنه بالغيب والشَّهادَة، وقد قال النَّبِيُّ ﵊: "الإحْسَانُ أَنْ تَعْبُدَ اللهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ" (١).
وَقَوْله تعالى: ﴿إِنَّمَا تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ﴾ لا ينافي أنَّه مُنْذِرٌ لجميع النَّاسِ، قال الله تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ [البقرة: ١١٩] وقال تعالى: ﴿إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ﴾ [فاطر: ٢٣]، وما أشبه ذلك من الآياتِ الدَّالَّة على عموم ذلك؛ لأنَّ المُرادَ بالإِنْذارِ هنا الإنذارُ النَّافِع؛ أي: إنَّما يُؤَثِّرُ إنذارُك في الذين يَخْشَوْن ربَّهُم بالغَيْبِ، أمَّا من لا يَخْشَى الله بالغَيْبِ فإنَّه وإن أُنْذِرَ فإنَّه لا يَنْتَفِعُ بالإنذار.
стр. 145
ولهذا قال المُفَسِّر ﵀ مُشيرًا إلى ذلك بِقَوْله: [لأنَّهُمُ المُنْتَفِعون بالإنذار] [لأنَّهم]؛ أي: الذين يخْشَوْن رَبَّهم بالغَيبِ المُنْتَفِعون بالإِنْذار، فلهذا خَصَّ الإنذارَ بهم.
إذن: حَصْرُ الإنذارِ في الذين يخْشَوْنَ ربَّهم بالغَيْبِ المُرَادُ به حَصرُ الإنْتِفاعِ به، أو حَصْرُ نَفْعِه إنَّما يكون للذين يخْشَوْن ربَّهم بالغيب، أمَّا من لا يخشى الله فإنَّ هذا لا يَنْفَعُه؛ كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ (٩٦) وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾ [يونس: ٩٦ - ٩٧].
قَوْله تعالى: ﴿وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ﴾ فـ ﴿وَأَقَامُوا﴾ معطوفَةٌ على ﴿يَخْشَوْنَ﴾ أي: على صِلَةِ الموصول، وهنا قال: (يخْشَوْنَ وأَقاموا الصَّلاةَ) فعَطَفَ الماضِيَ على المُضارعِ؛ لأنَّ الخَشْيَة مُسْتَمِرَّةٌ في الأعمال كُلِّها؛ في إقامَةِ الصَّلاة وغَيْرِها.
وَقَوْله تعالى: ﴿وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ﴾ قال المُفَسِّر ﵀: [أَداموها] والحَقيقَةُ أنَّ إِقامَة الصَّلاة أَعَمُّ مِمَّا قال، ففي تَفْسيره قُصُور؛ لأنَّ إقامَةَ الصَّلاةِ تَشْمَلُ إِتمْامَها، وإكْمَالها، والمحُافَظَة عليها، والمُداوَمَة عليها، قال الله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [المُؤْمِنون: ١ - ٢] فالخشوع فيها من إقامَتِها، ثم قال: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ [المعارج: ٣٤] هذا أيضًا من إِقامَتِها أن يحافِظَ عليها ويَحْرِص عليها؛ على واجِباتِها، ومُكَمِّلاتِها، وأَوْقاتِها.
وقال في سورة (سأل): ﴿الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ﴾ [المعارج: ٢٣] وفي آخرها قال: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ [المعارج: ٣٤]، فإقامَةُ الصَّلاةِ تَشْمَلُ كل ما فيه إِكْمالهُا وإِتمْامُها وإِدامَتُها؛ فهو أَعَمُّ مِمَّا قال المُفَسِّر ﵀.
وَقَوْله تعالى: ﴿الصَّلَاةَ﴾ يَشْمَلُ الفَرْضَ والنَّفْل؛ لأن (أل) تفيدُ العُمُوم؛ أي: