جوابُ الشَّرْط، و ﴿شَيْءٌ﴾: نائِبُ الفاعلِ؛ يعني اعْلَموا كما أنَّ الغَيْرَ لا يَحْمِلُ عن الغَيْر وِزْرَه فإنَّه حتى وإن دُعِيَ واستنجد لِيَحْمِل أو يُخَفَّف عن الوازِرِ شيئًا لم يَكُنْ ذلك، في الدُّنْيا ربَّما يُؤْخَذُ الإِنْسَانُ بِجَريرَةِ غَيْره، في الدّنْيا أيضًا إذا استغاثَ بك إِنْسَانٌ قد حَمَل شيئًا ثقيلًا خاصَّةً من كِبارِ السِّنِّ، إذا قابَلْتَ إِنْسَانًا حَمَلَ شيئًا ثقيلًا فإنَّك تُنْجِدُه، لكِنْ في الآخِرَة لو دَعَتْ نَفْسٌ مُثْقَلَةٌ إلى حِمْلِها أن يَحْمِلَ أَحَدٌ منه شيئًا فإنَّها لا تُجَابُ إلىَ ذلك، ﴿وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ﴾ وَقَوْله تعالى: ﴿شَيْءٌ﴾ نكرة في سياق النَّفْيِ فَتَعُمُّ القَليلَ والكَثيرَ.
وَقَوْله تعالى: ﴿مُثْقَلَةٌ﴾ هي أيضًا نَكِرَةٌ في سياق النَّفْي فَتَعُمُّ، أيُّ مُثْقَلةٍ، مهما كانت هذه المُثْقَلَة، فإنَّها إذا دَعَت أَحَدًا من النَّاس أن يَحْمِلَ عنها من أَثْقالهِا لا يُحْمَل منه شَيْءٌ.
قَوْله تعالى: ﴿وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ وقال المُفَسِّر ﵀: [﴿وَلَوْ كَانَ﴾ المَدْعُوُّ ﴿ذَا قُرْبَى﴾ قَرَابَةٍ كالأبِ والابْنِ].
قَوْله: [﴿وَلَوْ كَانَ﴾ المَدْعُوُّ] ألا يُمْكِن أن نقول: (ولو كان الدَّاعي)؟
الجواب: يُمْكِن؛ لأنَّهما مُتلازِمانِ؛ لأنَّ المَدْعُوَّ إذا كان قريبًا للدَّاعي كان الدَّاعي قَريبًا له، لكنْ أيُّهما أَنْسَبُ من حيث السِّيَاقُ: ﴿وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ نقول: (المَدْعُوُّ) أَقْرَبُ؛ لأنَّه لو كان المُرَادُ الداعي لكان - والله أعلم - الأَنْسَبُ أن يقول: (ولو كانت ذا قُربَى)؛ لأنه قال: ﴿وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ﴾ ومعلومٌ أنَّ ضَميرَ المُؤَنَّث ولو كان مَجازًا يكون مُؤَنَّثًا؛ قال ابن مالك ﵀:
وَإِنَّما تَلْزَمُ فِعْلَ مُضْمَرِ ... مُتَّصِلٍ أَوْ مُفْهِمٍ ذَاتَ حِرِ (١)
стр. 142
إذن: ﴿وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ﴾ ولو كانت ذا قُربَى، هذا صحيح؛ أي: ولو كانت الدَّاعِيَة، لكن قال: ﴿وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ بالمُذَكَّر، عُلم أنَّ الفاعل غَيْرُ الدَّاعِيَة كما قال المُفَسِّر ﵀.
وَقَوْله: [﴿قُرْبَى﴾ أي: قَرابَةٍ] ومنه قَوْله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى﴾ [الأنفال: ٤١]؛ أي: القرابة، وَقَوْله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ [الشورى: ٢٣]، فالقُرْبى هنا بمَعْنى القَرَابَة، لو أنَّ الأَبَ اسْتَنْجَدَ بابنه يَوْمَ القِيامَة أن يَحْمِلَ عنه من أَوْزارِه لم يُجِبْه، بل ﴿يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (٣٤) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (٣٥) وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ﴾ [عبس: ٣٤ - ٣٦] لماذا؟
﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس: ٣٧].
قال المُفَسِّر ﵀: [وعَدَمُ الحَمْل في الشِّقَّينِ حُكْمٌ من الله] أين الشِّقَّانِ؟ قَوْله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ أي: لا تَحْمِلُ ﴿وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ﴾ وإذا كان من الله، فإنَّه لا يُمكن لأَحَدٍ أن يَحْمِلَ عن أَحَدٍ شيئًا، فلو أنَّ أَحَدًا قال لشَخْصٍ: (آثامُكَ عَلَيَّ) فلا يَصِحُّ هذا، لأنَّ الذي لا يحمل هو الله، فالحُكْمُ من الله ، لو أنَّ أَحَدًا اسْتَنْجَد بأَحَدٍ أن يَحْمِل عنه، ووافق على نَجْدَتِه، فليس له ذلك؛ لأنَّ هذا حُكْمٌ من الله .
هذا الفائِدَة من قَوْلِه: [وَعَدَمُ الحَمْل في الشِّقَّينِ حكمٌ من الله] أي: فليس لأَحَدٍ أن يتجاوَزَ الحُكْمَ؛ ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ وَمَا هُمْ بِحَامِلِينَ مِنْ خَطَايَاهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [العنكبوت: ١٢]؛ يعني: يقولون ذلك، لَكِنَّهم ليسوا بصادقين على هذا الحَمْل وإنَّهم لكاذبون؛ ثم قال: ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ﴾ [العنكبوت: ١٣] لا بالتْزِامِهِم
стр. 143
ولكن لأنَّهم هم الأُسْوَةُ والقُدْوَة فكانوا يَحْمِلون أَثْقالَهُم وأثقالَ من أَضَلُّوه.
قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ﴾.
﴿إِنَّمَا تُنْذِرُ﴾ هذه جُمْلَةٌ فيها حَصْرٌ طريقُه ﴿إِنَّمَا﴾ والحَصْرُ هو إثباتُ الحكم في المذكورِ فيه ونَفْيُه عمَّا سواه.
كأنَّك تقول: (ما تُنْذِرُ إلا الذين يَخْشَوْنَ ربَّهم) و ﴿تُنْذِرُ﴾ من الإنذارِ، وهو الإِعْلامُ المَقْرونُ بالتَّخْويفِ، وإن شِئْتَ فقل: (الإِعْلام المُرَاد به التَّخويفُ)؛ لأنَّه قد لا يُقْرَن، لكن يُعْرَف من هَيْئَةِ الكَلَام والصِّياحِ مثلًا أَنَّه للتَّخويفِ، فمُنْذِرُ الجيش يقول: (واصَبَاحاه)، فيَعْرِف النَّاس أنَّ هذا إنذارٌ للجَيْشِ.
إِذَن: الإنذارُ معناه: الإِعْلامُ المُرَادُ به التَّخْويفُ، فالنَّبِيُّ ﷺ يقول الله له: ﴿إِنَّمَا تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ﴾.
وَقَوْله تعالى: ﴿يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ﴾ الخَشْيَة هي الخَوْفُ النَّابِعُ عن تعْظيمِ المَخُوفِ والعِلْمِ به، قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ٢٨] وَقَوْلنا: إنَّه الخَوْفُ النَّابِعُ عن تعْظيمِ المَخُوفِ؛ لِيَشْمَل من كان خائِفًا ولو كان هو قويًّا؛ معناه القَوِيُّ قد يخاف من الأَقْوى منه فتكون هذه خَشْيَة، فإن خاف الضَّعيفُ مِنَ القَوِيِّ فهو خَوْفٌ؛ ولهذا نقول: إنَّ الخَشْيَة أَعْظَمُ من الخَوْفِ، قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ٢٨].
وَقَوْله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ﴾ أي: يَخافونَه خَوْفًا نابعًا من تعْظيمهم له مع عِلْمِهم بأنَّه مستحِقٌّ للتعْظيمِ.
وَقَوْله تعالى: ﴿يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ﴾ الغَيْبُ ضد الشَّاهِدِ والمَعْلومِ.
стр. 144
قال المُفَسِّر ﵀: [﴿إِنَّمَا تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ﴾ أي: يخافونَه وما رَأَوْه] أفادنا المُفَسِّر ﵀ أنَّ قَوْله تعالى: ﴿بِالْغَيْبِ﴾ حالٌ من المفعول به؛ أي: يَخْشَوْن ربَّهم حال كَوْنِه غائبًا عنهم لم يَرَوْه، وهذا أَحَد الوَجْهَيْنِ في الآيَةِ.
الوجه الثاني: ﴿يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ﴾ حالَ كَوْنِهم غائبينَ عن غَيْره فيكونُ الجارُّ والمَجْرورُ حالًا من الفاعِل؛ لأنَّ من النَّاسِ من يُظْهِرُ خَشْيَة الله أمام النَّاس، لَكِنَّه إذا غاب عن النَّاسِ لم يَخْشَ الله، هل يُمْدَح هذا على خَشْيَتِه؟
الجواب: لا؛ لأنَّه مُرَاءٍ، لكنْ من يَخْشَى ربَّه بالغَيْبِ هذا هو الذي يُمْدَح.
فإن قُلْتَ: هل يُمْكِن أن تُحْمَلَ الآيَةُ على المَعْنَيينِ، ويكون هؤلاء الذين مَدَحَهُم الله يَخْشَوْن الله؛ مع أنَّهم لم يَرَوْه يَخْشَون الله في حالِ الغَيْبَة عن النَّاس؟
فالجواب: نعم، وهذا من بَلاغَةِ القُرْآن أن يُعَبِّرَ بتعبيرٍ صَالِحٍ لمَعْنَيَيْنِ لا يتنافيانِ، فهؤلاء القوم يَخْشَوْنَ الله تعالى وهم لم يَرَوْه، ولَكِنَّهم يَخْشَوْنَه كأنَّهم يَرَوْنَه؛ لأنَّهم يَخْشَوْنه بالغيب والشَّهادَة، وقد قال النَّبِيُّ ﵊: "الإحْسَانُ أَنْ تَعْبُدَ اللهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ" (١).
وَقَوْله تعالى: ﴿إِنَّمَا تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ﴾ لا ينافي أنَّه مُنْذِرٌ لجميع النَّاسِ، قال الله تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ [البقرة: ١١٩] وقال تعالى: ﴿إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ﴾ [فاطر: ٢٣]، وما أشبه ذلك من الآياتِ الدَّالَّة على عموم ذلك؛ لأنَّ المُرادَ بالإِنْذارِ هنا الإنذارُ النَّافِع؛ أي: إنَّما يُؤَثِّرُ إنذارُك في الذين يَخْشَوْن ربَّهُم بالغَيْبِ، أمَّا من لا يَخْشَى الله بالغَيْبِ فإنَّه وإن أُنْذِرَ فإنَّه لا يَنْتَفِعُ بالإنذار.
стр. 145
ولهذا قال المُفَسِّر ﵀ مُشيرًا إلى ذلك بِقَوْله: [لأنَّهُمُ المُنْتَفِعون بالإنذار] [لأنَّهم]؛ أي: الذين يخْشَوْن رَبَّهم بالغَيبِ المُنْتَفِعون بالإِنْذار، فلهذا خَصَّ الإنذارَ بهم.
إذن: حَصْرُ الإنذارِ في الذين يخْشَوْنَ ربَّهم بالغَيْبِ المُرَادُ به حَصرُ الإنْتِفاعِ به، أو حَصْرُ نَفْعِه إنَّما يكون للذين يخْشَوْن ربَّهم بالغيب، أمَّا من لا يخشى الله فإنَّ هذا لا يَنْفَعُه؛ كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ (٩٦) وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾ [يونس: ٩٦ - ٩٧].
قَوْله تعالى: ﴿وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ﴾ فـ ﴿وَأَقَامُوا﴾ معطوفَةٌ على ﴿يَخْشَوْنَ﴾ أي: على صِلَةِ الموصول، وهنا قال: (يخْشَوْنَ وأَقاموا الصَّلاةَ) فعَطَفَ الماضِيَ على المُضارعِ؛ لأنَّ الخَشْيَة مُسْتَمِرَّةٌ في الأعمال كُلِّها؛ في إقامَةِ الصَّلاة وغَيْرِها.
وَقَوْله تعالى: ﴿وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ﴾ قال المُفَسِّر ﵀: [أَداموها] والحَقيقَةُ أنَّ إِقامَة الصَّلاة أَعَمُّ مِمَّا قال، ففي تَفْسيره قُصُور؛ لأنَّ إقامَةَ الصَّلاةِ تَشْمَلُ إِتمْامَها، وإكْمَالها، والمحُافَظَة عليها، والمُداوَمَة عليها، قال الله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [المُؤْمِنون: ١ - ٢] فالخشوع فيها من إقامَتِها، ثم قال: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ [المعارج: ٣٤] هذا أيضًا من إِقامَتِها أن يحافِظَ عليها ويَحْرِص عليها؛ على واجِباتِها، ومُكَمِّلاتِها، وأَوْقاتِها.
وقال في سورة (سأل): ﴿الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ﴾ [المعارج: ٢٣] وفي آخرها قال: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ [المعارج: ٣٤]، فإقامَةُ الصَّلاةِ تَشْمَلُ كل ما فيه إِكْمالهُا وإِتمْامُها وإِدامَتُها؛ فهو أَعَمُّ مِمَّا قال المُفَسِّر ﵀.
وَقَوْله تعالى: ﴿الصَّلَاةَ﴾ يَشْمَلُ الفَرْضَ والنَّفْل؛ لأن (أل) تفيدُ العُمُوم؛ أي:
стр. 146
أقاموا كُلَّ صلاةٍ، والصَّلاةُ مَعْروفَةٌ، وهي في اللُّغَة: الدُّعَاءُ، وفي الشَّرْع: التَّعَبُّد لله بأَقْوَالٍ وأَفْعَالٍ مَعْلُومَةٍ، مُفْتَتَحَةٌ بالتَّكْبيرِ مُخْتتَمَةٌ بالتَّسْليمِ.
قال: ﴿وَمَنْ تَزَكَّى فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ﴾ هذه الجُمْلَة شَرْطِيَّةٌ، وفِعْلُ الشَّرْط فيها ﴿تَزَكَّى﴾ وجوابُه: ﴿فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ﴾.
قال المُفَسِّر ﵀: ﴿وَمَنْ تَزَكَّى﴾ تطَهَّرَ من الشِّرْك وغيره] لأنَّ الزَّكاةَ تُفيدُ مَعْنى الطُّهْر، والمُرَادُ بالتَّزَكِّي هنا هو ما دَلَّ عليه قَوْله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى﴾ [الأعلى: ١٤] وَقَوْله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا﴾ [الشمس: ٩]؛ أي: من زَكَّى نَفْسَه؛ أي: طَهَّرَها من الشِّرْك.
وَقَوْل المُفَسِّر ﵀: [وغيره] كإِرادَةِ السُّوء مثلًا، والمعاصي، وإِرادَة الإِسَاءَةِ إلى الخَلْق، وغير هذا مِمَّا يَجِبُ على الإِنْسَانِ أن يُطَهِّرَ نَفْسَه منه، فهي إِذَن عامَّةٌ، وهل يَدْخُل في ذلك أداءُ الزكاة؟
الجوابُ: نعم، يَدْخُل في ذلك؛ لأنَّ أدَاءَ الزَّكاةِ يُطَهِّرُ من البُخْلِ؛ ومِنَ الواجِبِ، فهي داخِلَةٌ في قَوْله تعالى: ﴿وَمَنْ تَزَكَّى﴾.
قَوْله : ﴿فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ﴾ المُرَاد بهذا الحَثُّ على التَّزكِّي؛ لأنَّك إذا تَزَكَّيْتَ فإنَّما تَنْفَعُ نَفْسَك، ومن لم يَتَزَكَّ فَضَرَرُه على نفسه، فأنت إذا تَزَكَّيْتَ فالذي يَنْتَفِع بِتَزَكِّيكَ أنت نَفْسُك؛ والله لا يَنْتَفِعُ بطاعَتِكَ، أمَّا غَيْرُ الله فقد يَنْتَفِعُ بطاعَتِكَ لا لأنَّ حَسَناتِكَ له ولكن قد يَنْتَفِعُ بطاعَتِكَ: بالقُدْوَة بك، وبما يَحْصُل من عِلْم، أو غَيْرِ ذلك مِمَّا هو داخِلٌ في التَّزْكِيَة.
وَقَوْله تعالى: ﴿فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ﴾ أي: فَعَلَيْه أن يَحرِص على التَّزَكِّي.
стр. 147
قَوْله تعالى: ﴿وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ﴾ المَصيرُ؛ بمَعْنى المَرْجع كما قال المُفَسِّر ﵀، وجُمْلَةُ ﴿وَإِلَى اللَّهِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بالمَحْذُوف خَبَرٌ مُقَدَّمٌ، و ﴿الْمَصِيرُ﴾ مُبْتَدَأٌ مؤَخَّر، وهذه الجُمْلَةُ تُفيدُ الحَصْر؛ لأنَّه قدَّمَ فيها الخَبَر وحَقُّه التَّأْخير؛ يعني: إلى الله وَحْدَه المصيرُ؛ أي: المَرْجِعُ، وهل هذا في الدُّنْيا أو في الدُّنْيا والآخِرَة؟
الجوابُ: في الدُّنْيا والآخِرَة، فإلى الله المَصيرُ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، فمَرْجِع الأُمُورِ كُلِّها إلى الله سواءٌ كانت في الدُّنْيا أم في الآخِرَة.
فالأَحْكَامُ الشَّرْعِيَّةُ مَرْجِعُها إلى الله كما قال تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ [الشورى: ١٠]، والأَحْكَامُ الكَوْنِيَّة مَرْجِعها إلى الله، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ [الحج: ١٤]، والأَحْكَام الجزائِيَّة التي تكون يوم القِيامَة مَرْجِعُها إلى الله، فمصيرُ كُلِّ شيْء إلى من أبدع وأَحْدث كلَّ شَيْء، والذي أَبْدَع الأُمُورَ وأَحْدَثها هو الله .
إذن: مَرْجِعُها إلى الله، فمنه المبتدأ وإليه المنتهى.
قال المُفَسِّر ﵀ تَفْريعًا على قَوْله تعالى: ﴿وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ﴾ [فيجزي بالعَمَل في الآخِرَة] وهذا إشارَةٌ من المُفَسِّر ﵀ إلى أَنَّه قَصَرَ المَصيرَ هنا بالمَرْجِع يوم القِيامَة، والصَّوَاب العُمومُ، وعلى هذا فهو يجازي، ويَحْكُم قَدَرًا، ويَحْكُم شَرْعًا بين عباده.
من فوائد الآية الكريمة:
الْفَائِدَة الأُولَى: أنَّ الإِنْسَانَ لا يَحْمِل آثامَ غَيْره؛ لِقَوْله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾.
стр. 148
وينبني على هذه الفائِدَة: ثُبوتُ كَمالِ عَدْلِ الله ؛ حيث لا يَحْمِل أَحَدٌ وِزْرَ أَحَد.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أنَّه لا يَقْبَل التَّحْميلَ إلا من كان أَهْلًا له؛ لِقَوْله تعالى: ﴿وَازِرَةٌ﴾ لأنَّ غَيْر الوازِرَة لا تَحْمِل إثْمَ نَفْسِها فضلًا عن إِثْم غَيْرها، لكنَّ الوازِرَة تَحْمِل إثْمَ نَفْسِها لا تَحْمِل إثْمَ غَيْرها.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: مَنْعُ الإتِّكاليَّة على الغَيْر؛ لأنَّ الإِنْسَان قد يَعْمَلُ، ويقول: (سَيُهيِّئ الله لي أحَدًا يدعو لي، أو يَسْتَغْفِر لي)، أو ما أشبه ذلك! نقول: هذا لا نَسْتَنِدُ عليه.
فإن قال قائلٌ: ما الجوابُ عن قَوْله تعالى: ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ﴾ [العنكبوت: ١٣]؟
فالجوابُ: لأنَّ أَثْقالَ غَيْرِهم حَقيقَةٌ ناشِئَةٌ عن أثقالهِم، فصاروا كأنَّهم الذين عَمِلُوها، قال النَّبِيُّ ﵊: "مَنْ سَنَّ فِي الإِسْلَامِ سُنَّةً سَيِّئَةً فَعَلَيْهِ وِزْرُها وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِها إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ" (١).
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: قياسُ العَكْس، فإذا كانت النَّفْسُ لا تَحْمِلُ إثْم غَيْرِها، فهل تُلْزَم بالواجِبِ على غَيْرها أو تقوم بأوامِرِ غَيْرها؟
الجواب: لا، فكما أنَّ الإِنْسَانَ لا يَحْمِلُ إثم غَيْره بالمَعْصِيَة لا يَحْمِل إِثْم غَيْرِهِ في تَرْكِ الواجِبِ، فإذا ترك أبوك أو ابْنُك أو خالُك أو عَمُّك واجبًا فليس عليه إثْمُه، الإثْمُ على الرَّجُلِ نَفْسِه.
стр. 149
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: أنَّ الغَيْرَ لا يَحْمِلُ وِزْرَ الغَيْر وإن دعاه إلى ذلك؛ لِقَوْله تعالى: ﴿وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ﴾ بخلافه في الدُّنْيا، فإنَّه في الدُّنْيا إذا دعاك أَحدٌ أن تُعينَه على ما حَمَلَ أو أن تَحْمِلَه عنه أَجَبْتَه، لكن في الآخِرَة لا، قال تعالى: ﴿وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ﴾ وحتى ولو كان أَقْرَبَ النَّاسِ إليك؛ ولهذا قال: ﴿وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾.
الْفَائِدَةُ السَّادِسةُ: أنَّ رسول الله ﷺ نذيرٌ؛ لِقَوْله تعالى: ﴿إِنَّمَا تُنْذِرُ﴾.
الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: أنَّه لا يَنْتَفِع بإنذارِهِ إلا من يَخْشى الله ؛ لِقَوْله تعالى: ﴿إِنَّمَا تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ﴾.
الْفَائِدَةُ الثَّامِنَةُ: أنَّ الخَشْيَة التي هي مَحَلُّ الثَّناءِ هي: ما كانت خشيةً في الغَيْبِ؛ لِقَوْله تعالى: ﴿يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ﴾ لأنَّ الخَشْيَةَ في الظَّاهِر قد يكون الحامِلُ عليها مُراعاةُ عباد الله، لكن إذا كانَتْ بالغَيْبِ فإن هذا دليلٌ واضِحٌ على أنَّ صاحِبَها مُخْلِصٌ في خَشْيَتِه لله .
الْفَائِدَةُ التَّاسِعَةُ: فَضيلَةُ الصَّلاةِ وأنَّها - أي: الصَّلاة - سَببٌ للإنتفاعِ بإنذارِ النَّبِيٍّ ﷺ كالخَشْيَة؛ لِقَوْله تعالى: ﴿وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ﴾.
الْفَائِدَةُ الْعَاشِرَةُ: أنَّ الإِنْسَان إذا تزكَّى فإنَّ نَفْعَ تَزَكِّيهِ لِنَفْسِه ولا ينالُ الله من ذلك شَيْئًا؛ لِقَوْله تعالى: ﴿وَمَنْ تَزَكَّى فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ﴾.
ويتفَرَّع عن هذه الفائِدَة: أنَّ أوامِرَ الله ليست من أجل مَصْلَحةٍ ينالهُا بامتثالنا، ولكن من أجْلِ رَحْمَتنا ومَصْلَحَتِنا نحن، قال الله تعالى: ﴿إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الزمر: ٧].
стр. 150
الْفَائِدَةُ الحَادِيَةَ عَشْرَةَ: الحثُّ على تَزْكِيَة النَّفْس؛ لِقَوْله تعالى: ﴿وَمَنْ تَزَكَّى فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ﴾ وكُلُّ إِنْسَانٍ عاقِلٍ إذا علم أنَّ مصْلَحَة العَمَلِ تعود إليه فإنَّه سوف يَهْتَمُّ به ويقوم به، فإذا عَلِمْتَ أن تَزَكِّيك لِنَفْسك حَرَصْت عليه غايَةَ الحِرْصَ.
والتَّزَكِّي كما أشرنا إليه يَشْمَل:
تَزْكِيَة القَلْب بِتَطْهيرِهِ من جميع الشِّرْك، والشَّكِّ، والضَّغائِن، والأَحْقاد، والبَغْضاء، وما أشبه ذلك.
وتَزْكِيَة الأَفْوَاه من كلِّ قَوْلٍ مُنْكَرٍ بألَّا يَقُول الإِنْسَانُ إلا خيرًا؛ لِقَوْل النَّبِيِّ ﵊: "مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيصْمُتْ" (١).
وتَزْكِيَة الأَفْعالِ أيضًا من فِعلِ الفَواحِشِ والأَخْلاقِ السَّيِّئَة، وما إلى ذلك مِمَّا يَجِبُ على الإِنْسَانِ أن يَتَطَهَّر منه.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ: كمال هذا الدِّينِ الإِسْلامِيِّ؛ حيث حثَّ على تَزْكِيَة النَّفْس ظاهِرًا وباطنًا؛ ظاهِرًا بالأَقْوالِ والأَفْعالِ، وباطنًا بالقُلوبِ.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ: أنَّ مَرْجِعَ الخلائِقِ إلى الله في أَحْكَامِهِم الكَوْنِيَّة والشَّرْعِيَّة والجزائِيَّة، أمَّا الأَحْكَامُ الكَوْنِيَّةُ فظاهِرٌ أنَّ المَرْجِعَ إلى الله؛ لأنَّه لا أَحَد يَسْتَطِيع أن يَرُدَّ قضاء الله الكَوْنِيَّ، وأمَّا الشّرْعِيَّة فكذلك؛ فإنَّ العِبادَ مَرْبوبونَ مُتَعَبِّدونَ لله ، فكان مُقْتَضَى ذلك أن يَتَمَشَّوا على أَحْكَامه الشَّرْعِيَّةِ، وأمَّا الجَزَائِيَّة فالأَمرُ ظاهِرٌ؛ فإنَّه لا يجازي العاملينَ على عَمَلِهم إلا اللهُ .
стр. 151
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ: مَنْعُ الرُّجوعِ إلى غَيْر الله فيما هو مُخْتَصٌّ بالله؛ لِقَوْله تعالى: ﴿وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ﴾ فلا يجوز أن نَرْجِعَ إلى النُّظُم الوَضْعِيَّة التي من وَضْع البَشَرِ وعندنا كِتَابُ الله وسُنَّةُ رسوله ﷺ .
* * *
стр. 152
الآية (١٩)
* * *
* قَالَ اللهُ : ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ﴾ [فاطر: ١٩].
* * *
يعني: لا يَسْتَويانِ في إدراك المُبْصَراتِ، ليس المَعْنى نَفْيَ التَّساوي مُطْلَقًا؛ لأنَّ الأَعْمى قد يَفْضُلُ البَصيرَ في أُمُورٍ أخرى، لكن لا يَسْتويانِ في إدراك المُبْصَرات وهذا ظاهِرٌ؛ فالأعمى إذا قام يَمْشِي وأمامَهُ حُفْرَةٌ أو حَجَر وقع في الحُفْرَة وعَثَرَ في الحَجَر، والبَصيرُ بالعَكْس، فلا يستوي هذا وهذا، والأَكْمَل هو: البصير؛ وهذا مَثَلٌ حِسِّيٌّ يَجِبُ أن نَنْتَقِلَ منه إلى المثل المعْنَوِيِّ.
وأمَّا قَوْلُ المُفَسِّر ﵀: [الكافِر والمُؤْمِن] ففيه نَظَرٌ، يعني: كأنَّه يريد أن يقول: إنَّ الأَعْمى هو الكافر والبَصيرَ هو المُؤْمِن، ولكِنَّنا نقول: لا، الآيَةُ يُرادُ بها نَفْيُ المُساواةِ في الأُمُور الحِسِّيَّة الظَّاهِرة التي لا يُنْكِرُها أَحَد، إذ إنَّ الكافِرَ والزِّنديقَ والمُعانِدَ والمُسْتَكْبِر لا يُمْكِن أن يَدَّعُوا تساوي الأَعْمى والبصير، لكن قد يَدَّعُون تساوِيَ المُؤْمِن والكافر.
* * *
стр. 153
الآية (٢٠)
* * *
* قَالَ اللهُ : ﴿وَلَا الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ﴾ [فاطر: ٢٠].
* * *
قال المُفَسِّر ﵀: [﴿وَلَا الظُّلُمَاتُ﴾ الكُفْر ﴿وَلَا النُّورُ﴾ الإيمانُ] وهذا أيضًا فيه نَظَرٌ، والظَّاهِر أنَّ الله أراد الظُّلُماتِ الحِسِّيَّةَ والنُّور الحِسِّيَّ؛ لأنَّ نَفْيَ الإسْتِواء بين هذَينِ أمرٌ لا يُمكِنُ إِنْكارُه؛ لأنَّه مُدْرَكٌ بالحِسِّ، فالظُّلُمات لا تستوي والنُّور، ولكِنْ لا شَكَّ أنَّ المُرَادَ بذلك ظُلُماتُ الكُفْر ونور الإيمانِ؛ يعني أنَّها إشارَةٌ إلى هذا؛ ولذلك جمع الظُّلماتِ وأَفْرَد النُّور؛ لأنَّ سُبُلَ الكُفْرِ كَثيرَةٌ، وأمَّا الإيمان فَسبيلُهُ واحِدٌ، قال الله تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام: ١٥٣]، وقال تعالى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ [البقرة: ٢٥٧].
وإنَّما كان الكُفْرُ ظُلُماتٍ؛ لأنَّ فيه الجَهْلَ بالله ، وبما يَجِبُ له، وفيه أيضًا أنَّ الإِنْسَانَ يسير على غَيْر هدًى، ويسيرُ في اتِّجاهاتٍ مُتَعَدِّدَةٍ مُنْحَرِفَة، فقَلْبُه مُتَشَعِّبٌ في كلِّ وادٍ؛ ولهذا تجد الكافرينَ أَشَدَّ النَّاس قلقًا وأَبْعَدَهم عن الثَّباتِ على خطٍّ مُسْتَقيم.
بخلافِ المُؤْمِن؛ فالمُؤْمِنُ مُؤْمِنٌ، خَطُّه مُسْتَقيم، وعارِفٌ أنَّه يريد الوُصولَ إلى الله، فتَجِدُه يُحَوِّلُ جميعَ الأَفْعالِ إلى طريقٍ واحِدِ وهو الوصول إلى الله؛ حتى إنَّه إذا لَبِسَ ثَوْبَه يَشْعُر بأنَّه ينالُ بذلك مَرْضاةَ الله، إذا أَكَل، أو شَرِبَ، أو نام، أو سافَر،
стр. 154
أو تكَلَّم، أو أَحْجَم، كلُّ ذلك يرى أنَّه في الطَّريقِ إلى الله.
لكنَّ الكافِرَ مُتَشَعِّبٌ، ولذلك كان مَنْهَجُه ظُلُماتٍ؛ لأنَّه مُتَشَعِّب، ليس هناك هدَفٌ واحِدٌ يسعى إليه، أهدافُهُ كَثيرَةٌ، مغرورٌ في الدُّنْيا، مغرورٌ في رؤسائه، مغرورٌ في النَّاس، لا يَهْتَمُّ إلا برضاهم، نسأل الله السَّلامَةَ والعافية، ولا يُهِمُّه أن يَرْضَى الله ، فلهذا كان مُسْتَحَقًّا أن تُجْعَلَ طَريقُ الكافِرِ على سبيلِ الجَمْعِ لِتَشَتُّتِها وتَفَرُّقِها.
* * *
стр. 155
الآية (٢١)
* * *
* قَالَ اللهُ : ﴿وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ﴾ [فاطر: ٢١].
* * *
قال المُفَسِّر ﵀: [الجنَّة والنَّار] يعني: المُرَاد بالظِّلِّ - عند المُفَسِّر ﵀ الجَنَّة، والمُرَاد بالحَرورِ النَّار، ولكن كما قُلْتُ: الظَّاهِر أنَّ هذا مَثَلٌ لأمرٍ حِسِّيٍّ لا يُمْكِن إنكارُه، لكن يَنْتَقِل منه إلى أمرٍ مَعْنَوِيٍّ.
والظِّلُّ والحرورُ لا يستويان، وأيُّهُما أَحْسَنُ؟
الجواب: الظِّلُّ؛ فالظِّلُّ معْروفٌ، وهو الفَيْءُ الذي تَقَلَّصَت عنه الشَّمس وإن شِئْتَ فقل: الظِّلُّ هو المكان الذي ليس فيه أشِعَّةٌ للشّمْس، وإنَّما نقول ذلك؛ لأنَّ الجَنَّةَ ليس فيها شمْس، قال الله تعالى: ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ [الواقِعة: ٣٠] مع أنَّه ليس فيها شَمْس.
وأمَّا (الحرورُ) فهو على وزن (فَعُول) وهو الهواء الحارُّ، وبعْضُهم يقول: إنَّه الهواءُ الحارُّ في النَّهَارِ، والسَّمُوم: الهواءُ الحارُّ في اللَّيْلِ، وبعضهم يقول: كلاهُما بمَعْنًى واحدٍ، فالحَرورُ والسَّمومُ هما الهواء الحارُّ، وهذا مَعْروفٌ، يكون في أيَّامِ الصَّيْفِ، وإذا كان معه شَمْس ازداد شدَّةً الحرارة.
الآن عندنا: الأَعْمى والبصيرُ، والظُّلُمات والنُّور، والظِّلُّ والحَرور، على كَلَام المُفَسِّر ﵀ نقول: هذا النَّفْيُ في المواضِعِ الثلاثة: الأَوَّل يعود إلى ذاتِ المُؤْمِنِ
стр. 156
والكافِرِ، والثَّاني يعود إلى عَمَل المُؤْمِن والكافِرِ، والثَّالِثُ يعود إلى مُسَتَقَرِّ المُؤْمِنِ والكافِرِ، فالأوَّلُ نَفْيٌ للذَّواتِ، والثاني نَفْيٌ للأَفْعال والمَنْهَج، والثَّالِثُ نَفْيٌ للمُسْتَقَرِّ والمأوى.
* * *
стр. 157
الآية (٢٢)
* * *
* قَالَ اللهُ : ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ [فاطر: ٢٢].
* * *
قوله: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ﴾ هذا هو الرَّابع، قال المُفَسِّر ﵀: [المُؤْمِنون ولا الكُفَّار] فعلى كَلَام المُفَسِّر يكون في الآيَة تَكْرارٌ؛ لأَنَّه فسَّر الأَوَّل ﴿الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ﴾ بالكافِرِ والمُؤْمِن، وهنا قال: ﴿الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ﴾ [المُؤْمِنون والكُفَّار] ولو أرَدْتُ أن أَسْلُكَ مَسْلَكَه لقلت: ﴿الْأَحْيَاءُ﴾ ذوو العِلْمِ و ﴿الْأَمْوَاتُ﴾ ذوو الجَهْل؛ لِقَوْلِه تعالى: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾ [الأنعام: ١٢٢]؛ ولأنَّ الله تعالى جَعَلَ الوَحْيَ رُوحًا تَحْيا به القُلُوبُ والنُّفُوس، ولكنَّني لا أَسْلُك مَسْلَكَه، إنَّما لو أرَدْتُ أن أَسْلُك مَسْلَكَه لقلت: (الأحياء والأَمواتُ: العُلَماء والجُهَّال)، لأنني إذا سَلَكْتُ هذا المَسْلَك فعندي على ذلك البُرْهان، وهو قَوْله تعالى: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا﴾ إلخ [الأنعام: ١٢٢] فإذا سَلَكْتُ هذا المسلك سَلِمَتِ الآيَةُ من التَّكرارِ.
ونحن نَعْلَم جميعًا أنَّ من القواعِدِ المَعْروفة في الكَلَام أنَّه إذا دار الأَمْرُ بين حَمل الكَلَامِ على التَّأْسيسِ أو على التَّوْكيدِ وَجَبَ حَمْلُه على التَّأْسيسِ؛ لأنَّه هو الأَصْل، فالأَصْلُ في الكَلَام أن يكون مُسْتَقِلًّا مُؤَسِّسًا لا مُؤَكِّدًا.
стр. 158
والتَّأْسيسُ معناه الأَصْل والأَساس؛ يعني: هذا مَعْنًى جديدٌ غَيْرُ المَعْنى الأَوَّل، فإذا قال قائل مثلًا: هذه الجُمْلَةُ مُؤَكِّدَة للأولى، وقال الثاني: هذه الجُمْلَة مُسْتَقِلَّةٌ بِنَفْسها، فإنَّه يُحْمَل على أنَّها مُسْتَقِلَّة بنفسها.
وأقول: الأحياءُ والأَمْواتُ يُراد به الحياةُ الحِسِّيَّةُ والمَوْت الحِسِّيُّ، فكلٌّ يَعْرِف الفَرْقَ بين الحَيِّ والمَيِّت، حتى الكُفَّارُ يَعْرِفونَ الفَرْقَ بين الحَيِّ والمَيِّت، والذي يماثل هذه الأشياء النَّفْسِيَّة من الأُمُور المَعْقولَةِ هو مَثَلها.
وَقَوْل المُفَسِّر ﵀: [وزيادَةُ (لا) في الثَّلاثَةِ تَأكيدٌ]، هذه الجُمْلَة أفادت أنَّ لدينا زيادَةً، وأنَّ الفائِدَة من الزِّيادَة التَّوْكيدُ، فالزِّيادَة في هذه الثَّلاثِ: ﴿وَلَا الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ﴾ وفي قَوْله تعالى: ﴿وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ﴾ وفي قَوْله تعالى: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ﴾ فـ (لا) خَمْسُ مرات، لكنْ جَعَلَها المُفَسِّر ﵀ ثلاثة؛ لأنَّ المُتقابِلَ فيها ثلاثة، (الظُّلُمات والنُّور) هذه يريد أن تكون واحِدَة، و (الظِّلُّ والحرور) واحِدَةٌ، و (الأحياء والأموات) واحِدَةٌ، المُهِمُّ أنَّ الزِّيادَة التي جاءت في المواضِعِ كُلِّها سواء قلنا: ثلاثَة أو خَمْسة فهي للتوكيد؛ إذ لو قيل: (وما يستوي الأعمى والبصير، والظُّلمات والنُّور، والظِّلُّ والحَرور، والأَحْياءُ والأموات) استقام الكَلَامُ، لكِنْ يُؤتَى بـ (لا) الزَّائِدَة للتَّوْكيدِ.
وفيها أيضًا فائِدَة ثانِيَةٌ: وهي عَدَمُ السَّآمَة والمَلَل؛ لأنَّها لو حُذِفَت لطالت المعطوفاتُ بَعضُها مع بعض، فكرَّر فيها عامِل النَّفْيِ ليكون أَبْعَدَ عن السَّآمَةِ.
فإن قُلْتَ: هل لذلك نظيرٌ في كِتَاب الله؟
فالجواب: نعم، لهذا نظيرٌ في مواضِعَ كثيرة، منها ما نقرؤه في كل صَلاةٍ: وهي ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: ٧] إذ لو قال: (غَيْرِ المَغْضوبِ عليهم
стр. 159
والضَّالِّين) استقام، لكن زِيدَتْ (لا) للتَّوْكيدِ.
قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ قال المُفَسِّر ﵀: [﴿إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ﴾ هِدايَتَه فَيُجيبُه] أي: المُسْمَعُ [بالإيمان]؛ يعني أنَّ الله تعالى يدعو إلى دار السَّلامِ؛ كما قال في آيَةٍ أخرى: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ﴾ [يونس: ٢٥] دُعَاء الله إلى دارِ السَّلام هل يَسْمَعُه كُلُّ أَحَدٍ؟
الجواب: أمَّا من حيث الإدراكِ الحِسِّيِّ فإنَّ كُلَّ أَحَدٍ يَسْمَعُه، أمَّا من حيث الإجابَةُ فلا، فمن النَّاس من يُجيبُ، ومنهم من لا يُجيبُ؛ ولهذا قال: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [يونس: ٢٥] فالله تعالى يُسْمِعُ من يشاء؛ بمَعْنى: من يكون أَهْلًا لاتِّباع هؤلاء الرُّسُل.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾: (ما) هنا حِجازِيَّة، واسْمُها الضَّميرُ ﴿أنَت﴾ والباءُ في ﴿بِمُسْمِعٍ﴾ زائِدَة للتَّوْكيدِ، و (مُسْمِع): خَبَرُها مَنْصوبٌ بِفَتْحَة مُقَدَّرَة على آخِرِه منع من ظُهُورها حَرَكَةُ حَرْفِ الجرِّ الزَّائِد.
﴿مَنْ﴾: مفعول لـ (مُسْمِع)؛ لأن (مُسْمِع) اسْمُ فاعل.
قال المُفَسِّر ﵀: [﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ أي: الكُفَّارَ، شَبَّهَهُم بالمَوتى؛ فيُجيبوا] قَوْله: [فيجيبوا]، في بعض النُّسَخ: (فيُجيبونَ) وهذا خطأ؛ لأنَّ النون يَجِبُ أن تُحْذَف؛ لأنَّه جوابُ النَّفْيِ في قَوْله تعالى: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ وفي بعض النُّسَخ: (فلا يجيبون)، فهي مُنْفَصِلَة عما قبلها؛ أي: فهم في عَدَمِ إِسْماعِهِم لا يُجيبونَ.
على كُلِّ حالٍ: المُفَسِّر ﵀ يقول في قَوْلِه تعالى: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ بِقَوْله: [أي: الكُفَّار] والذي يظهر لي أنَّ المُرادَ به الموتى حَقيقَةً، والرَّسُولُ
стр. 160
عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لا يُسْمِعُ الموتى حَقيقَةً كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ [النمل: ٨٠]، فلو أنَّ الرَّسُولَ ﷺ ذهب إلى المَقْبَرة مَقْبَرَةِ الكُفَّارِ، وقال: "يا أيُّها النَّاسُ اتَّقُوا الله، واعْبُدوه"، وما أَشْبَه ذلك هل يَسْمَعونَ هذه المَوْعِظَة فينْتَفِعونَ بها؟
الجواب: لا، ما يسمعونها فيَنْتَفِعون بها، ولكنَّنا نقول: نَنْتَقِلُ من هذا إلى أنَّ الرَّسُول ﵊ لا يُسْمِعُ الكُفَّار؛ لأنَّ قُلوبَهم مَيِّتَة، ومَنْ قَلْبُه مَيِّتٌ - والعياذ بالله - فإنَّه لا يَنْتَفِعُ بما يَسْمَع من المواعظ، فكأنَّه لا يَسْمَع.
قَوْله تعالى: ﴿إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ﴾ فَسَّر المُفَسِّر ﵀ ﴿إن﴾ بـ (ما) فقال: [﴿إن﴾ ما ﴿أَنْتَ إِلَّا نَذِير﴾ مُنْذِرٌ لهم] وهذا يدلُّ على ﴿إِنْ﴾ نافِيَة، وقد تقدَّم أنَّ من علامات ﴿إِنْ﴾ النَّافِيَة الإسْتِثْناءُ بأن تُتْبَع بـ ﴿إِلَّا﴾، والمَعْنى: ما أنت إلا نَذيرُهُم، والنَّذيرُ كما تَقَدَّم هو المُعْلِم إِعلامًا يَتَضَمَّنُ التَّخْويفَ، فالإِعْلامُ المُتَضَمِّنُ التَّخْويفَ يُسَمَّى إنذارًا.
قَوْله تعالى: ﴿إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ﴾ هل هذا الحَصْرُ حقيقيٌّ أو إضافِيٌّ؟
الجواب: إضافي؛ لأنَّ الرَّسُول ﵊ نذيرٌ وبَشيرٌ؛ لكن المَقامَ هنا يقتضى أن يُذْكَر الإنذارُ فقط؛ لأنَّه في مُقارَعَةِ الكُفَّار، ومُقارَعَة الكُفَّارِ تَحْتاجُ إلى الإِنْذارِ أَكْثَرَ مِمَّا تحتاج إلى التَّبْشيرِ.
وَقَوْله تعالى: ﴿إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ﴾ تكونُ مُقابلة بين هذه الجُمْلَةِ والجُمْلَةِ التي قبلها؛ كأنَّه يقول: أنت لا تستطيعُ أن تُوصِلَ الهِدايَة إلى قلوبِ الكافرينَ، ولكِنْ تَسْتَطيع أن تُنْذِرَهُم؛ لأنَّ هذا هو مَقامُك، مَقامُكَ إنذارٌ، أمَّا أن تُوصِلَ الِهدايَة إلى قُلوبِ هؤلاء الكُفَّار الذين يُشْبِهونَ الموتى فهذا ليس إليكَ.
стр. 161
وصدق الله ؛ فإنَّ النَّبِيَّ ﵊ ما استطاعَ أن يَهْدِيَ أَقْرَبَ النَّاس إليه وأَشْفَقَ النَّاسِ إليه وهو عَمُّه أبو طالب، وشاء الله أن يَهْدِيَ أقوامًا من فارس والرُّوم من أَبْعَدِ النَّاس عن الرَّسُولِ ﵊، نَسَبًا ومَكانًا؛ لأنَّ الأَمْرَ بِيَدِ الله ، كما قال تعالى: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ (٢١) لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ [الغاشية: ٢٢].
من فوائد الآيات الكريمة (١٩ - ٢٢):
الْفَائِدَة الأُولَى: بَلاغَة القُرْآن؛ حيث يَنْتَقِلُ بِسامِعِه وقارِئِه من الأَمْثالِ الحِسِّيَّة إلى الأمثال المَعْنَوِيَّة؛ ذلك لأنَّ الأمثال الحِسِّيَّة لا يَمْتَري فيها أَحَدٌ، وليس لأَحَدٍ أن يُجادِلَ فيها؛ لأنَّك إذا قُلْتَ مثلًا: (هذه لمَبة، وهذا نُورُها) لا أَحَد ينازِعُك فيها؛ لأنَّه انْتَقَل من المَحْسوسِ إلى المَعْقول المَعْنَوِيِّ.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: فَضيلَةُ البَصَرِ؛ لأنَّ نَفْيَ الإسْتِواء بين الأعمى والبصير معناه تَفْضيلُ البَصيرِ؛ ولهذا أَكْثِرْ من دُعَاءِ الله : "اللَّهُمَّ مَتِّعْنَا بِأَسْمَاعِنَا وَأَبْصَارِنَا وَقُوَّتِنَا مَا أَحْيَيْتَنَا" (١).
وكذلك أيضًا نقول في: ﴿وَلَا الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ﴾ فإنَّ فيها من بَلاغَة القُرْآنِ ما في قَوْله تعالى: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ﴾ وفيها: الإنتقالُ من المَثَل الحِسِّيِّ إلى المَثَل المَعْنَوِيِّ.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: تفضيلُ النُّورِ على الظُّلمة؛ لأنَّ نَفْيَ الإسْتِواءِ فيهما معناه تَفْضيلُ النُّور على الظُّلمةِ.
стр. 162
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: إذا انتَقَلْنا من المَثَلِ الحِسِّيِّ إلى المَعْنَوِيِّ فإنَّ طريق الهُدى واحِدٌ وطُرُق الضَّلال مُتَفَرِّقَة؛ لِقَوْله تعالى: ﴿وَلَا الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ﴾ وذكرنا شاهدًا من القُرْآن على هذا وهو قَوْله تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام: ١٥٣]، وقال تعالى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ﴾ [البقرة: ٢٥٧]، فهناك طاغوتٌ يَجُرُّهم إلى نَوْعٍ من الكفر والفِسْقِ؛ نسأل اللهَ العافِيَةَ.
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: أنَّه لا يستوي الظِّلُّ ولا الحرور، وهذا مَثَل حِسِّيٌّ، انتقل منه إلى المثل المَعْنَوِيِّ، وهو ظِلُّ الجَنَّة وحرُّ النَّار وأيُّهما أفضل؟
الجواب: ظِلُّ الجَنَّة؛ اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا مِنْهُم وإيَّاكم.
الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: التَّحْذيرُ من عَمَلِ أَهْل النَّار؛ لأنَّ نَفْي الإستواء بين الظِّلِّ والحرور أمرٌ معلوم، وتَأَذِّي الإِنْسَانِ بالحَرورِ أيضًا أمرٌ معلومٌ؛ ففيه: التَّحْذيرُ من عَمَلِ أَهْلِ النَّار.
وهل يُؤْخَذُ من الآيَةِ الكريمَةِ أنَّه: لا حَرَجَ على الإِنْسَان أن يَطْلُبَ الظِّلَّ، وأن يَطْلُبَ النُّورَ؟ الجواب: نعم؛ لأنَّنا ما دمنا ذَكَرْنا أنَّ هذا النَّفْيَ معناه تَفْضيلُ النُّورِ على الظُّلُمات وتفضيل الظِّلِّ على الحرور فلا حرج على الإِنْسَانِ أن يَطْلُب الأَفْضَل، بل قد يَجِبُ أحيانًا؛ ولهذا لمَّا رأى النَّبِيَّ ﷺ زحامًا ورَجُلًا يُظَلَّلُ عليه والزِّحامُ عليه، لم يَقُلْ: (لا تُظَلِّلوا عليه)، ولكن قال: "لَيْسَ مِنَ البِرِّ الصِّيَامُ فِي السَّفَرِ" (١).
стр. 163
الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: قَوْله تعالى: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ﴾ فيها أيضًا سَبَبٌ في نظائِرِها، وفيها فَضيلَةُ العِلْم، وهو كذلك، وقد قال الله تعالى: ﴿هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٩]، والعِلْمُ جهادٌ في سبيل الله، وإن شِئْتَ فقل على الأَصَحِّ: العِلْم سلاحٌ للجِهادِ في سبيل الله؛ لاعةنه قد يَحْمِلُ العِلْمَ من لا يَنتفِعُ به ولا يَنْفَعُ غَيْره، فهو سلاحٌ لكن إذا نَفَعتَ نَفْسَك وغيرك صِرْتَ مجاهدًا به، قال الله تعالى: ﴿فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا﴾ [الفرقان: ٥٢]، فالعِلْم سلاحٌ يَتَوَصَّلُ به الإِنْسَانُ إلى الجهاد في سبيل الله.
الْفَائِدَةُ الثَّامِنَةُ: قَوْله تعالى: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ﴾ فيه الحَثُّ على طلب العِلْم، وأنَّه حياةُ الأُمَّة كما أنَّه حياةُ الفَرْدِ، فلا يُمكِن أن تحيا الأُمَّة حياةً - لا أقول حياةً بَهيمِيَّة، يُمْكِن أن تحيا حياة بَهيمِيَّة بدون علم - لكن لا يُمْكِن أن تحيا حياةً طَيِّبَة إلا بالعِلْمِ، وكُلُّ النَّاس يَنْشُدونَ الحياةَ الطَّيِّبة لكن ما طَيِّبُها؟
الجواب: العِلْمُ، إذا أَثْمَرَ ثَمَرَتَه وهو الإيمانُ والعَمَلُ الصَّالِح، قال الله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ [النحل: ٩٧].
الْفَائِدَةُ التَّاسِعَةُ: قَوْله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ فيه أنَّ الله هو الذي بِيَدِهِ مقاليدُ الأُمُورِ؛ حتى أنت يا مُحَمَّدُ، لا تستطيع أن تُسْمِعَ أَحَدًا، بل المُسْمِعُ هو الله.
الْفَائِدَةُ الْعَاشِرَةُ: في قَوْلِه تعالى: ﴿مَنْ يَشَاءُ﴾ فيه إثباتُ المَشيئَة لله.
الْفَائِدَةُ الحَادِيَةَ عَشْرَةَ: في قَوْلِه تعالى: ﴿مَنْ يَشَاءُ﴾ فيه رَدٌّ على القَدَرِيَّة الذين يُنْكِرون أن يكون لأَفْعالِ العبادِ مَشيئَةٌ لله ، لِقَوْله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ﴾ ولكنَّ هذه المَشيئَة المُطْلَقَة هنا وفي كل مَوْضِعٍ جاءت مُطْلَقَةً مُقَيَّدَةً بالحِكْمَة؛ لِقَوْلِه
стр. 164
تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [الإِنْسَان: ٣٠].
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ: أنَّه يَنْبَغي للإِنْسَان، بل يَجِبُ على الإِنْسَان أن يَلجَأَ إلى الله وَحْدَه، في جَلْبِ المنافِعِ ودَفْعِ المضارِّ؛ لِقَوْله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ﴾ فإذا كان يُسْمِعُنا الله، فلا تُسْأَلُ مِن غَيْرِهِ، لا تُسْأَلُ إلا مِنَ الله.
ولهذا يَنْبَغي لنا دائمًا أن نكون داعينَ لله ونَخنُ نَشْعُر بأنَّنا مُفْتَقِرون إلى الله، وأنَّ الله قادِرٌ على أن يحَقِّق لنا ما نرجوه وما ندعوه به، لا تَعْتَمِد على نَفْسِك وتنسى الله، افْزَعْ إلى الله دائمًا في الدُّعَاءِ، في السُّجُود، وبين الأذانِ والإقامة، وفي كلِّ مواطِنِ الإجابة الزَّمَنِيَّة والمكانِيَّة والحالِيَّة؛ لأنَّ الله يقول: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة: ١٨٦].
ثم اعلم أيضًا أنَّ الدُّعَاء مع كَوْنِك تَطْلُب حاجَتَكَ من الله هو نَفْسُه أيضًا عِبَادَةٌ تَتَقَرَّب بها إلى الله، فتَكْسِبُ بهذا الدُّعَاء ثَمَرَتَيْنِ: الثَّمَرَة الأولى: الثَّوابُ على هذه العِبَادَة، والثَّمَرَة الثَّانِيَة: حُصولُ المَطْلوبِ أو دَفْعُ المَكْروهِ.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ: أنَّ رسولَ الله ﷺ لا يَسْتَطيعُ أن يُسْمِعَ من في القبور؛ لِقَوْله تعالى: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ فلو أنَّ الرَّسُولَ ﷺ ذهب إلى أَهْلِ المَقْبَرَة ودعاهم وقال: (يا أَهْلَ القُبُورِ؛ آمِنُوا بالله ورَسُولِهِ، يا أَهْلَ القُبُورِ، اعملُوا صَالِحًا) لا يَسْمَعونَ.
فإن قُلْتَ: ما الجوابُ عما ثَبَتَ في الحديث الصَّحيحِ منَّ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ وقف على قتلى المُشْركينَ في قَليبِ بَدرٍ، وجَعَلَ يدعوهم بأَسْمائِهِم وأَسْماءِ آبائِهِم، فقال: "يَا أَبَا جَهْلِ بْنَ هِشَامٍ، يَا شَيْبَةُ بْنَ رَبِيعةَ، يَا عُتْبَةُ بْنَ رَبِيعَةَ، يَا أُمَيَّةُ بْنَ خَلَفٍ: هَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا فَإِنِّي وَجَدْتُ مَا وَعَدَني رَبِّي حَقًّا؟ " قَالُوا: كَيْفَ تُكَلِّمُ
стр. 165
قَوْمًا قَدْ جَيَّفُوا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُونَ أَنْ يُجِيبُوا؟ قَالَ: "مَا أَنْتُم بِأَسْمَعَ لِمَا أَقُولُ مِنْهُمْ" (١)؛ يعني: أنَّهم يَسْمَعون، فما الجواب؟ قال قتادة: "أَحْيَاهُمُ اللهُ حَتَّى أَسْمَعَهُمْ قَوْلَهُ تَوْبِيخًا وَتَصْغِيرًا" (٢) ومَعْنى كَلَامه أنَّه خاصٌّ بهؤلاء.
فإن قُلْتَ: ما الجواب عما ثبت في الحديث الصَّحيحِ أيضًا من أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قال: "إِنَّ العَبْدَ إِذَا وُضِعَ فِي قَبْرِهِ وَتَوَلَّى عَنْهُ أَصْحَابُهُ وَإِنَّهُ لَيَسْمَعُ قَرْعَ نِعَالهِمِ" (٣)؟
فالجواب: أنَّ هذا عند الدَّفْنِ، وأيضًا لا يَلْزَمُ من سَماعِ قَرْعِ النِّعالِ أن يسمع الكَلَام والدَّعْوة.
وإن قلتَ: ما الجواب عما رواه أبو داودَ وغَيْرُه وصَحَّحَه ابنُ عَبْدِ البَرِّ (٤) ولم يخالِفْه ابنُ القَيِّمِ ﵀ (٥) من أنَّه: "ما من مُسْلِمٍ يُسَلِّمُ على قَبْرٍ كان يَعْرِفُه في الدُّنْيا إلا رَدَّ الله عليه رُوحَه فَرَدَّ ﵇".
فالجوابُ: أن يقال: هذا في حالٍ مَخْصوصَةٍ دلَّ عليها الحديثُ، ولا يَلْزَم من هذا، إذا سَمِعَ (السَّلام عليك) وهو دُعَاءٌ له أن يَرُدَّ السَّلامَ على من سَلَّم، أن يَسْمَعَ كُلَّ من تكلَّم عنده.
стр. 166
فإن قلت: ما الجوابُ عما قاله الفُقَهَاء من أنَّ المَيِّتَ يتأَذَّى بِقَوْلِ المُنْكَر عند قَبْرِه أو فِعْل المُنْكَر عند قَبْرِه؟
فالجوابُ: أنَّ قَوْل الواحِدِ من النَّاس غَيْرِ الرَّسُولِ ﷺ ليس بحُجَّة، وإنَّما يُحْتَجُّ له لا به، ثُمَّ على رَأْيِهم ﵏ يَحْمِلون مَعْنى قَوْله تعالى: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ أي: بِمُسْمِعٍ من تدعوهم إلى الإيمانِ والعَمَلِ الصَّالِح، فإنَّك لا تُسْمِعُهم سَماعًا يَسْتَجيبونَ له، وهذا هو الجوابُ الأخيرُ عن قَوْل من يقول: إنَّ الموتى يَسْمَعونَ ما يقال عندهم ويُخاطَبون به، فَقَوْله تعالى: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ أي: سَماعًا يَنْتَفِعون به ويَسْتجيبونَ له. والله أعلم.
والواجِبُ على المُؤْمِن نحو هذه الأُمُور الغَيْبيَّة أن يُؤْمِنَ بما جاء به النَّصُّ فقط، بل يَجِبُ عليه أن يقول: العِلْمُ عند الله، فلا يَجْزِم بالنَّفْيِ، ولا يجزم بالإثباتِ، نعم، له أن يَجْزِمَ بالنَّفْي ويَجْعَل ما ثبت به الحديثُ من السَّماعِ مُخَصِّصًا؛ لأنَّه قال: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ وفي الآيَة الأخرى: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ﴾ [النمل: ٨٠].
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ: أنَّ مُحَمَّدًا رسولَ الله ﷺ ليس إلا مُبَلِّغًا ومُنْذِرًا، وليس في يَدِهِ جَلْبُ الهِدايَة لأَحَدٍ، ولا دَفْعُ الضَّرَر عنه؛ لأنَّه قال: ﴿إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ﴾ يعني: ما أنت هادٍ للنَّاسِ هِدايَةَ تَوْفيقٍ وإِرْشادٍ، ولكنك مُنْذِرٌ فأنت هادٍ هِدايَةَ بيانٍ فقط.
* * *
стр. 167
الآية (٢٤)
* * *
* قَالَ اللهُ : ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ [فاطر: ٢٤].
* * *
قوله: ﴿أَرْسَلْنَاكَ﴾ الإرسال بمَعنى الأَمْرِ بالتَّبْليغِ أو بِقَضاءِ الحاجَةِ؛ فمثلًا تقول: (أَرْسَلْتُ غلامي يُخْبِرُ فلانًا بكذا وكذا؛ يعني أَمَرْتُه بالتَّبليغِ) أَرْسَلْتُ غلامي يشتري كذا وكذا؛ أي: أَمَرْتُه أن يَشْتَرِيَ الحاجَةَ.
قَوْله تعالى: ﴿بِالْحَقِّ﴾ يُحْتَمَل أن تكون الباءُ للتَّعْدِيَة؛ أي أنَّنا أعطيناكَ حَقًّا وأرسلناك به، ويُحْتَمَل أن تكون وَصْفًا للرِّسالَة؛ يعني: أرسلناك رِسالَةَ حَقٍّ، والمَعْنى يَخْتَلِفُ.
فعلى المَعْنى الثاني يكون مَعْنى الآيَة أنَّ رِسالَةَ النَّبِيِّ ﷺ حَقٌّ، وعلى المَعْنى الأَوَّل يكون معناها: أنَّ الرَّسُول ﷺ جاء بالحَقِّ، وإن كان المعنيان متلازِمَينِ، لَكِنَّهما مُخْتَلِفانِ من حيث المَوْرِدُ؛ فعلى الأَوَّل يكون مَوْرِدُ الوَصْفِ الرِّسالَةَ نَفْسَها، وعلى الثاني يكون مَوْرِدُ الوَصْفِ المُرْسَلَ به.
قَوْله تعالى: ﴿أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ﴾ أي: أعطيناك حَقًّا تُبَلِّغُه للنَّاسِ ﴿أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ﴾ أي إنَّ رسالتنا إليك حَقٌّ، فيكون وَصْفًا للرِّسالة نَفْسِها؛ يعني: لسْتَ بكاذِبٍ بل أنت صادِقٌ، هذا على جَعْلِنا الوَصْفَ عائِدًا للرِّسالَة أمَّا إذا جعلناه عائدًا على
стр. 168
المَوْصوفِ به، فالمَعْنى أنَّ ما جِئْتَ به ليس بباطِلٍ، بل هو صِدْقٌ في الأَخْبار وعَدْلٌ في الأَحْكَامِ.
قال المُفَسِّر ﵀: [﴿بَشِيرًا﴾: من أجاب إليه ﴿وَنَذِيرًا﴾ من لم يُجِبْ إليه] فـ ﴿بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ يعني أنَّك تُبَشِّر وتُنْذِر، لكن تُبَشِّر بالخَيْر من أجاب، وتُنْذِر بالعقوبة من لم يُجِبْ وعصى؛ وذلك لأنَّ الشّرْعَ يَتَضَمَّن أوامِرَ ونواهِيَ، فمن ارْتَكَبَ النَّواهِيَ أو تَرَكَ الأَوامِرَ واجهناه بالإنذارِ، ومن فعل الأوامِرَ واجْتَنَبَ النَّواهِيَ قابلناه بالبِشارَةِ.
قَوْله : ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾: ﴿وَإِن﴾ نافية، و ﴿مِّن﴾ حرف جَرٍّ زائدٌ زائد - ويجوز أن نقول: (زائدٌ زائِدًا) على أنَّ (زائدًا) حالٌ من الضَّمير المُسْتَتِر في (زائِد) الأُولى - المُهِمُّ أنَّه زائدٌ لفظًا زائدٌ مَعْنًى، و ﴿أُمَّةٍ﴾ مُبْتَدَأٌ، وجُمْلَة ﴿خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ خَبَرُها.
والأُمَّةُ هي الطَّائِفَة من النَّاس التي على مَنْهَجٍ واحِدٍ؛ كدين واحد، أو قَوْمِيَّة واحِدَة، أو ما أشبه ذلك، فهذه الأُمَّة، وليس كُلُّ طائِفَة نُسَمِّيها أُمَّة؛ فمثلًا: أنتم الآن لا نُسَمِّيكم أُمَّة إلَّا لأنَّكُم على طريقٍ واحِدٍ، لكن لو اجْتَمَعَتْ جماعَةٌ في مكان مُتَشَتِّتينَ، كلُّ واحدٍ له مَنْهَجٌ لا نقول: هؤلاء أُمَّةٌ، إلا إذا كانوا من قبيلةٍ واحِدَة، أو ما أشبه ذلك.
قال المُفَسِّر ﵀: [﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا﴾ سلف ﴿فِيهَا نَذِيرٌ﴾ نبِيٌّ يُنْذِرُها].
يعني: كُلُّ الأُمَم أَرْسَل الله إليهم نذيرًا؛ لتقوم عليهِمُ الحُجَّة؛ لأنَّه إذا لم يَكُنْ للنَّاسِ نذيرٌ فإنَّ لهم حُجَّة على رَبِّهم، يقولون: يا رَبَّنا ما أَرْسَلْتَ إلينا رُسُلًا.
стр. 169
كما قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى﴾ [طه: ١٣٤].
وقال تعالى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥]، وسيأتي - إن شاء الله تعالى - الكَلَامُ على ما في قَوْله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ من الإِشْكالِ، والجوابِ عنه.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ الخطابُ في قَوْله تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ﴾ للنَّبِيِّ ﷺ ، والإِرسالُ هو تَحْميلُ المُرْسَلِ شيئًا يُبَلِّغُه إلى المُرْسَلِ إليه؛ والجُمْلَةُ مُؤَكَّدَة بـ (إنَّ)، وتوكيدُ الجُمْلَة يدلُّ على الإهتمامِ بها؛ من أَجْلِ أن يُؤْمِنَ الإِنْسَانُ بها إيمانًا كاملًا.
يقول الله تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ﴾ الباءُ هنا إمَّا أن تكون للتَّعْدِيّة، تقول: (أرسلته بكذا) لبيانِ المُرْسَلِ به، وإمَّا أن تكون للمُصاحَبَة.
يقول المُفَسِّر ﵀: [﴿بِالْحَقِّ﴾ بالهدى] وكأنَّه أخذ هذا التَّفْسيرَ من قَوْلِه : ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ﴾ [التَّوْبَة: ٣٣]، ولكنَّ الصَّحيحَ في الآيَة أنَّ المُرَادَ بالحَقِّ ضِدُّ الباطِلِ، فيشمل الصِّدْق في الخَبَر والعَدْل في الأَحْكَام؛ أي: بالصِّدْقِ في الأَخْبار والعَدْل في الأَحْكَام، وليس الهُدْى فقط، بل الهُدى والصَّلاح، والإِصْلاح، وغير ذلك.
وأمَّا في قَوْلِه تعالى: ﴿بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ﴾ [التَّوْبَة: ٣٣]، فنَعَم، مُمْكِنٌ أن نقول: المُرَاد بالهدى هناك العِلْمُ النَّافِع؛ لأنَّه ذَكَر الهدى وذكر الدِّين، فذَكَرَ العِلْم والعَمَل، أمَّا هنا فلا يَنْبَغي أن نَقْتَصِر على قَوْلنا: (الحَقِّ)؛ أي: الهُدَى، بل نَجْعله أعَمَّ من ذلك؛ لِيَشْمَل الهدى الذي هو العِلْم، ويشمل دِينَ الحَقِّ الذي هو الرُّشْد والصَّلاح
стр. 170
والإِصْلاح، فالرَّسُولُ ﵊ قد تَضَمَّنَت رسالَتُه العُلوم النَّافِعَة كُلَّها والصَّلاح للخَلْق في معاشِهِم ومعادِهِم، وما جاء به فقد تَضَمَّن الصِّدْقَ في الأَخْبار والعَدْلَ في الأَحْكَام.
قال تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾.
﴿بَشِيرًا﴾ حالٌ من الكافِ في ﴿أَرْسَلْنَاكَ﴾ بمَغنى: (مُبَشِّر).
قال المُفَسِّر ﵀: [﴿بَشِيرًا﴾ مَن أجابَ إليه ﴿وَنَذِيرًا﴾ مَن لم يُجِبْ إليه] والبِشارَةُ هي الإخبار بما يَسُرُّ، وقد تُسْتعْمَل في الإخبار بما يَسوءُ كما في قَوْلِه تعالى: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [آل عمران: ٢١]، وأمَّا الإنذارُ فهو التَّخْويف؛ أي: الإِعْلامُ بما يُخَوِّفُ، والنَّبِيُّ ﵊ كانت رِسالَتُه بشارَةً وإنذارًا؛ لأنَّها إمَّا أمرٌ يُبَشَّرُ فاعِلُه بما يَقْتَضيه ذلك الأَمْرُ، وإمَّا نَهْيٌ يُخَوَّفُ صاحِبُه من ارْتِكابه، فالشَّريعَة كُلُّها بِشارَةٌ ونِذارَةٌ.
وَقَوْل المُفَسِّر ﵀: [﴿بَشِيرًا﴾ من أجاب إليه ﴿وَنَذِيرًا﴾ من لم يُجِبْ] قد يقال: إنَّ الأَوْلى إبقاءُ الآيَة على عُمُومها؛ أي: بشيرًا لَمِن أجاب إليه ونذيرًا له في الوَقْتِ نَفْسِه؛ لأنَّ من أجاب أيضًا يَحْتاجُ إلى إنذارٍ، فتكون البِشارَةُ والإنذارُ شامِلَةً لمن أجاب ومن لم يُجِبْ، حتى من لم يَجِبُ يُبَشَّرُ إن أجاب.
قَوْله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾: ﴿وَإِنْ﴾ بمَعنى (ما) فهي نافِيَة، وقد ذكرنا لـ (إن) النَّافِيَة ضابطًا، لَكِنَّه لا يُحيطُ بِجميعِ موارِدِها، وهو أنَّه: إذا أَتَتْ بعدها (إلا) فهي نافِيَة؛ مثل قَوْله تعالى: ﴿إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِير﴾، وَقَوْله تعالى: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ [المائدة: ١١٠]، وَقَوْله تعالى: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ﴾ [ص: ٧]، وَقَوْله تعالى: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ﴾ [الشعراء: ١٣٧] ومنها أيضًا هذه الآيَة: ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ
стр. 171
إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾.
﴿مِنْ﴾ زائِدَةٌ زائِدَةٌ؛ زائِدَةٌ إِعْرابًا، زائِدَةٌ مَعْنًى.
فإن قُلْتَ: كيف تكون زائِدَةً زائِدَةً؟
قلنا: لأنَّ زاد يُسْتَعْمَلُ لازمًا ومُتَعَدِّيًا، فيقال: (زاد الطِّينُ بِلَّةً) هذا مُتَعَدِّ، ﴿فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ [التَّوْبَة: ١٢٤] هذا مُتَعَدٍّ أيضًا، وتقول: (زاد المالُ) فهذا لازم، فـ (زائِدَة) الأُولى من النَّاقِص الذي لا يتعَدَّى، و (زائِدَة) الثانية من المُتَعَدِّي.
قَوْله تعالى: ﴿أُمَّةٍ﴾: وأُمَّة مُبْتَدَأ مَرْفوعٌ بضَمَّة مُقَدَّرَة على آخرها منع من ظهورها اشْتِغالُ المَحَلِّ بحَرَكَةِ حَرْفِ الجَرِّ الزَّائِدِ.
قَوْله تعالى: ﴿إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ قال المُفَسِّر ﵀: [﴿خَلَا﴾ بمَعْنى سلف ﴿فِيهَا نَذِيرٌ﴾ نبيٌّ يُنْذِرُها] والأُمَّةُ هنا بمَعْنى الطَّائِفَة، وتأتي في القُرْآن على أربعة أوجه:
فتكون بمَعْنَى (الطَّائِفَة) كما هنا.
وتكون بمَعْنى (الزَّمَن) مثالها: ﴿وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ [يوسف: ٤٥].
وتكون بمَعْنى (الدِّين والمِلَّة) كما في قَوْله تعالى: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ [الأنبياء: ٩٢].
وتكون بمَعْنى (الإمام) مثل قَوْله تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا﴾ [النحل: ١٢٠].
وَقَوْله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا﴾ أي: سَلَفَ ومضى ﴿نَذِيرٌ﴾ يُنْذِرُها؛ وذلك لتقومَ الحُجَّة على العباد؛ لأنَّ العُقُولَ مهما بَلَغَتْ لا يُمْكِن أن تعرف ما يَجِبُ
стр. 172
لله من الحُقوق، كما لا يُمْكِن أن تَعْرِف ما يَجِبُ له من الأَسْماءِ والصِّفات على سبيل التَّفْصيل، وإن كان العَقْل يُدْرِك أنَّ الإِنْسَان لا بُدَّ أنْ يَعْبُدَ خالِقَه، ويُدْرِك أنَّ الخالِقَ لا بُدَّ أن يكون مُتَّصِفًا بصِفاتِ الكَمالِ، لكنْ على سبيل الإِجْمالِ لا على سبيل التَّفْصيلِ، فمن أجل ذلك أَرْسَل الله الرُّسُل؛ لتقوم الحُجَّةُ على العباد.
فما من أُمَّةٍ إلا خلا فيها نذيرٌ، قد يكون الأنبياءُ في وقتٍ واحِدٍ في أمكنةٍ مُتَعَدِّدَةٍ، وقد يكون الأَنْبياءُ في وقتٍ واحِدٍ في مكانٍ واحِدٍ، أمَّا أن يوجد مكانٌ واحِدٌ لم يكن فيه نبِيٌّ فهذا لا يُمْكِن، لا بُدَّ أن تكون جميعُ الأُمَم قد بعث إليها الرُّسُلَ، ونظير هذا قَوْله تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦].
من فوائد الآية الكريمة:
الْفَائِدَة الأُولَى: ثُبوتُ رِسالَةِ النَّبِيِّ ﷺ على وجْهٍ مُؤَكَّدٍ لا مِرْيَةَ فيه، لِقَوْله تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ﴾.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: فَضيلَة النَّبِيِّ ﷺ لِكَوْنِه رسولَ رَبِّ العالمَينَ، فإنَّ الرِّسالَة مقامٌ عظيمٌ لا ينالهُا إلا من هو أَهْلٌ لها؛ كما قال الله ﵎: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٤]، ويقول : ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٥٣] وهم؛ أي: الرُّسُلُ مُفَضَّلون على من سواهم من الخَلْق، ففي الآيَة فَضيلَةٌ ومَنْقَبةٌ لرسول الله ﷺ .
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: بَيَانُ ما يَشْتَمِل عليه دينُ الرَّسُول ﷺ من الحَقِّ الذي ضِدُّه الباطِل، والباطِلُ إن كان في الأَخْبارِ فهو الكَذِب، وإن كان في الأَحْكَام فهو الجَوْرِ والظُّلمِ.
стр. 173
وعليه فرِسالَة النَّبِيِّ ﷺ مُتَضَمِّنةٌ للحَقِّ في الأَخْبار والأَحْكَام؛ ففيه بيان فَضيلَةِ هذه الشَّريعَةِ الإِسْلامِيَّة التي جاء بها النَّبِيُّ ﷺ .
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أنَّ كل ما كان حَقًّا فإنَّ الشَّريعَة جاءت به سواء نَصَّت عليه بمعناه الخاصِّ أو بالمَعْنى العامِّ، ومن ثَمَّ أَثْبَتَ بعض الفقهاء أو بَعْضُ الأُصُولِيِّين ما يُسَمَّى بالمصَالِح المُرْسَلَة، وجعلوها دليلًا مُسْتَقِلًّا، والصَّوابُ أنَّها ليست دليلًا مُسْتَقِلًّا، لأنَّ هذه المصَالِحَ إن شهد الشَّرْعُ لها فهي من الشَّرعِ ولا حاجة إلى أن نَجْعَلَها دليلًا مُسْتَقِلًّا، وإن لم يَشْهد لها فَلَيْست بمَصْلَحَة، وصاحِبُها الذي زَعَمَها مَصْلَحَةً يُعْتَبَرُ واهمًا؛ فكوننا نُثْبِتُ دليلًا خامسًا نُسَمِّيه المصَالِحَ المُرْسَلَة هذا خطأٌ؛ لأنَّ هذه المَصْلَحَةَ إن شهد لها الشَّرْعُ فهي من الشَّرْعِ دلَّ عليها الكِتَاب والسُّنَّة، كان لم يَشْهَد لها فلَيْسَتْ بمَصْلَحَة، فلا تُعْتَبَر.
ومن ذلك أيضًا زعْمُ بَعْضِهم استحداثَ دليلٍ سادسٍ: وهو اسْتِصحابُ الحال؛ بمَعنى أنَّ الأَمْرَ يبقى على ما كان عليه حتى يَتَبَيَّنَ ارتفاعُه وانتفاؤُهُ، هذا أيضًا ليس بصوابٍ؛ يعني: لا يَصِحُّ أن نَجْعَلَه دليلًا مُسْتَقِلًّا؛ لأنَّه قد دلَّت عليه السُّنَّة.
فقد شُكِيَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ الرَّجُلُ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ أَنَّهُ يَجِدُ الشَّيْءَ فِي الصَّلَاةِ، فَقَالَ: "لَا يَنْصَرِفْ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا أَوْ يَجِدَ رِيحًا" (١).
إذن: نَبْني على بقاءِ الأَصْلِ واسْتِصْحابِ الحالِ، وحينئذٍ لا نحتاج أن نجعل هذا دليلًا مُسْتَقِلًّا.
стр. 174
وإنَّما جَعَلَ بعضُ العُلَماء هذينِ الدَّليلَيْنِ مُسْتَقِلَّينِ؛ لأنَّ الإِنْسَانَ يَنْقَدح في ذِهْنه أنَّ هذا شَيْءٌ مُنْفَصِل عن دَلالَة الكِتَابِ والسُّنَّة، فيَذْهب ويَجْعَلُه دليلًا مُسْتَقِلًّا، وإلا فلو تأمَّلَ لوجد أنَّ ذلك موجودٌ في الكِتَاب والسُّنَّة، وأنَّه لا حاجَةَ إلى أن نُثْبِتَه دليلًا مُسْتَقِلًّا.
ولقد تَجَرَّأ بعض المُتَأَخِّرين على الدَّليلِ الأَوَّلِ وهو المصَالِحُ المُرْسَلَة حتى أدخل فيه ما شَهِد الشَّرْعُ بِبُطْلانِه، ومن ذلك قَوْلُهُم بِإِجازَةِ الرِّبا البَنْكِيِّ، وأنَّه يجوز بناءً على ما تَوَهَّموه من المصَالِح المُرْسَلَة، وقالوا: إن اقْتِصادِيَّاتِ العالَم في العَصْرِ الحاضِرِ لا تَتِمُّ إلا باستعمال هذه الطَّريقَة، فالأَلْفاظُ والأَساليبُ إذا جاءت على غَيْرِ ما جاء في الكِتَابِ والسُّنَّة يحصل بها مَفْسَدَةٌ.
فهنا أدخلوا شيئًا شَهِدَ الشَّرْعُ بِبُطلانِه، وإذا شَهِدَ الشّرْعُ ببُطْلانِه فإننا نَشْهَد أنَّه ليس فيه مَصْلَحَةٌ، وأنَّ المَصْلَحَةَ المَوْهومَة منه يَخْلُفُها مفاسِدُ كثيرةٌ؛ فلهذا نحن نرى ألَّا تُجْعَلَ دليلًا مُسْتَقِلًّا، وإلا فليسَ من الشَّرْعِ وليس فيه مَصْلَحَةٌ، والمصَالِحُ المَوْهومَة فيه إذا كانت مخُالِفَة للشَّرْعِ فلا بُدَّ أن يَخْلُفَها مَفاسِدُ كثيرةٌ.
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: أنَّ رِسالَةَ النَّبِيِّ ﵊ تَتَضَمَّنُ من حيث الجزاءُ أَمْرَيْنِ؛ هما: البِشارَة والإِنْذار؛ فالبِشارَة لمن أطاع، والإِنْذار لمن خالَفَ سواءٌ كانت تلك الطَّاعَةُ عامَّة أو في بَعْضِ الأشياء، وكذلك نقول في المُخالَفَة.
الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: أنَّ الإِنْسَان يَجْتَمِعُ فيه خَصْلتانِ مُتَضادَّتانِ في المَعْنى وإن كانتا مُتَّفِقَتَيْنِ في المُرَاد: ﴿بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ لأنَّ المُبَشِّر هو الذي يَعِدُ النَّاس بالخَيْر ويَفْتَحُ لهم باب الرَّجاء، والمُنْذِر هو الذي يُخَوِّفُهم من الضَّارِّ، فبينهما من حيث المَعْنى تَقابُلٌ، وهما يَجْتمعانِ في عَيْنٍ واحِدَة.
стр. 175
وهل نَنْتَقِل من هذه الفائِدَة إلى: أنَّ الإِنْسَانَ قد يَجْتَمِع فيه خِصالُ الإيمانِ وخِصالُ الكُفْر؟
الجواب: إذا رَأَيْتَ جَيْشًا مُقْبلًا على البلد فأنا أُنْذِرُهم لا أُبَشِّرُهم، لكن إذا رأيت الجيشَ قد انْصَرَفَ فأنا أُبَشِّرُهُم.
وعلى كُلِّ حالٍ: المعلومُ من مذهب السُّنَّة والجماعَةِ - وهو الحَقُّ - أنَّ الإِنْسَان قد تَجْتَمِعُ فيه خِصالُ الإيمان وخِصالُ الكفر، فيكون مُؤْمِنًا من وَجْهٍ وكافِرًا من وَجْهٍ.
كقَوْله ﷺ : "اثْنَتَانِ فِي النَّاسِ هُمَا بِهِم كُفْرٌ؛ الطَّعْنُ فِي النَّسَب، وَالنِّيَاحَةُ عَلَى المَيِّتِ" (١)، وقال النَّبِيُّ ﵊: "سِبَابُ المُسْلِمِ فُسُوقٌ، وَقِتَالُهُ كُفْرٌ" (٢) مع أنَّ قتاله لا يُخْرِجُه من الإيمان؛ لِقَوْله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٩) إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الحجرات: ٩ - ١٠].
الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: أنَّ مآلَ النَّاسِ إمَّا إلى جَنَّة وإمَّا إلى نارٍ، وليس ثَمَّةَ دارٌ ثالِثَة؛ لأنَّ البِشارَة بالجَنَّة والإنذارَ بالنَّار، وليس هناك دارٌ ثالثة يصل النَّاسُ إليها.
стр. 176
الْفَائِدَةُ الثَّامِنَةُ: التَّرْغيبُ في طاعة الرَّسُول ﵊؛ لِقَوْله تعالى: ﴿بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ والتَّخْويفُ من مُخالَفَتِه؛ لِقَوْله تعالى: ﴿بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾.
الْفَائِدَةُ التَّاسِعَةُ: لُطْفُ الله تعالى بعباده بإرسالِ الرُّسُلِ إلى جميع الخَلْق، قال تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ وقد بيَّنَ الله ذلك في قَوْله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧]؛ يعني: إلا لِنَرْحَمَ بك العالمَينَ، وليس الرَّسُولُ نَفْسُه هو الرَّحْمَةَ، ولَكِنَّه أُرْسِلَ ليَرْحَمَ اللهُ الخَلْقَ بِرِسالَتِه.
الْفَائِدَةُ الْعَاشِرَةُ: بُطْلانُ الإحْتِجاجِ بالقَدَرِ على مَعْصِيَةِ الله؛ لِقَوْله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ ولو كان الإحْتِجاجُ بالقَدَرِ على المعاصي والمُخالَفاتِ لو كان ثابتًا لم يَرْتَفِعْ بإرسالِ الرُّسُلِ؛ لأنَّ القَدَرَ لا يَرْتَفِع بإرسالِ الرُّسُلِ، فالرُّسُلُ أَرْسَلَهُم الله إقامةً للحُجَّة على الخَلْق ورَحْمَةً بهم أيضًا، لهذا ولهذا.
الْفَائِدَةُ الحَادِيَةَ عَشْرَةَ: بَيَانُ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ ليس ببِدْعٍ من الرُّسُلِ حتى تُنْكَرَ رِسالَتُه، ويقال: كيف جاء هذا الرَّجُلُ برِسالَةٍ من عند الله؟
قال تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ ويَشْهَدُ لهذا قَوْلُه تعالى: ﴿قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف: ٩].
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ: قُصورُ العُقُولِ عن مَعْرِفَة ما يَجِبُ لله تعالى؛ لأنَّها لو اسْتَقَلَّت بذلك ما احتاجت إلى إرسالِ الرُّسُل.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ: بُطْلانُ ما ذهب إليه المُتَكَلِّمونَ مِن أَهْلِ البِدَع الذين بَنَوْا عَقيدَتَهم على ما يَقْتضيهِ العَقْل، وقالوا: ما اقتضى العَقْلُ إثباتَه لله أَثْبَتْناه سواء كان مَذْكورًا في الكِتَاب والسُّنَّة أم لم يُذْكَر، وما نفاه العَقْلُ وَجَبَ علينا نَفْيُه وإن ذُكِرَ في
стр. 177
الكِتَاب والسُّنَّة، وما لم يدلَّ العَقْلُ على نَفْيِه وإثباتِهِ فإننا نَتَوَقَّفُ فيه، وأَكْثَرُهُم قالوا: نَنْفيهِ؛ لأنَّه لا بُدَّ من دَلالَةِ العَقْلِ على إثباته، فإذا لم يَدُلُّ على إِثْباتِهِ وَجَبَ نَفْيُه لِعَدَمِ وُجودِ الدَّليلِ.
وهذا يؤخذ من قَوْلِه تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ وَوَجْهُ ذلك أنَّه لو كانت العُقُولُ هي المَرْجِعَ ما احْتِيجَ إلى إِرْسالِ الرُّسُلِ.
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ: أنَّ الأمر كُلَّه لله، ليس لأَحَدٍ مُشارَكَتُه فيه حتى أعظم النَّاس مَنْزِلَةً لا يشارِكُ الله تعالى فيما يَخْتَصُّ به؛ لِقَوْله تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ﴾ ومَعْلومٌ أنَّ مقامَ المُرْسِل أعلى من مقامِ المُرْسَل.
* * *
стр. 178
الآية (٢٥)
* * *
* قَالَ اللهُ : ﴿وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالزُّبُرِ وَبِالْكِتَابِ الْمُنِيرِ﴾ [فاطر: ٢٥].
* * *
قال المُفَسِّر ﵀: [﴿وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ﴾ أي: أَهْلُ مَكَّة] هذا تَفْسيرٌ لـ (الواو) في قَوْله تعالى: ﴿وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ يعني: فليس بِبدْعٍ أن يُكَذِّبَك قَوْمُك؛ لأنَّ الذين من قبلهم كَذَّبوا الرُّسُل، وهذا كقَوْله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا﴾ [الأنعام: ٣٤]؛ يعني: ليس الأَمْرُ مُقْتَصِرًا على التَّكْذيب فقط، بل تَكذيبُ وأَذِيَّة بالقَوْل وأَذِيَّة بالفِعْل، بل أَعْظَمُ من ذلك القَتْل؛ فإنَّ كثيرًا مِمَّن أَرْسَل الله إليهم الرُّسُلَ قَتَلوهم.
وخصَّه ﵀ بأَهْلِ مَكَّة، والصَّحِيحُ أنَّه ليس خاصًّا بأَهْل مَكَّة، بل أَهْلُ مَكَّة وغَيْرهم، فالرَّسُول كَذَّبَه أَهْل مَكَّة وكَذَّبَه أَهْل الطَّائِف (١) وغيرهم من المُشْرِكين، فالصَّوابُ العُمُومُ.
قَوْله تعالى: ﴿وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾.
﴿الَّذِينَ﴾: فاعل، والمفعولُ مَحْذُوفٌ؛ أي: فقد كَذَّبَ الذين من قبلهم رُسُلَهم.
стр. 179
قَوْله تعالى: ﴿جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالزُّبُرِ وَبِالْكِتَابِ الْمُنِيرِ﴾ ومع ذلك كفروا ﴿جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ هذه الباء للمُصاحَبَة؛ يعني: جاؤوا مُصْطَحبينَ هذه الأَشْياءَ، ويُحْتَمَل أنَّها للتَّعْدِيَة، كما تقول: (أَتَيْتُ بِدِرْهَم، أتيت بِطَعامٍ، أَتَيْتُ بِشَرابٍ)، وما أشبه ذلك؛ يعني: أَتَوْا بالبَيِّنَة التي تُبَيِّنُ صِدْقَهُم، وتَفْسيرُ المُفَسِّر ﵀ للبَيِّناتِ بالمُعْجِزاتِ، هذا هو تعبيرُ كثيرٍ من المُتَأَخِّرينِ، ولكنَّ الصَّوابَ أن يقال: (بالآيات)، وأنَّ البَيِّناتِ هذه هي صِفَةٌ لمِوْصوفٍ مَحْذُوفٍ، تَقْديره: (بالآياتِ البَيِّناتِ)؛ أي: الظَّاهِرَة.
والآياتُ التي جاءت بها الرُّسُلُ حِسِّيَّة ومَعْنَوِيَّة، فمن الآياتِ الحِسِّيَّة: ما جاء به موسى ﵊ من العصا، واليد، وغير ذلك، ومن الآيات المَعْنَوِيَّة: ما جاء به من التَّوْراةِ، وكذلك عيسى وغيرهما من الرُّسُلِ، كلُّ رسول لم يأتِ إلا ببَيِّنَة.
وقد ثبت عن النَّبِيِّ ﵊ أنَّه "مَا مِنَ الأَنْبِيَاءِ نَبِيٌّ إِلَّا قَدْ أُعْطِيَ مِنَ الآيَاتِ مَا مِثْلُهُ آمَنَ عَلَيْهِ البَشَرُ" (١)، وإنَّما كان كذلك؛ لأنَّه ليس من الحِكْمَة ولا من الحُجَّة ولا من الرَّحْمَة أن يُرسَل رسولٌ إلى الخَلْق يَسْتَبيحُ دماءَ المُخالِفينَ له وأَمْوَالَهم ونِساءَهُم بدون بَيِّنَةٍ حتى لو فُرِضَ أنَّ أَحَدًا كَذَّبَه وهو لم يأتِ ببَيِّنَة لكانَ المكذِّبُ مَعْذورًا؛ لأنَّ البَيِّنَة على المُدَعِّي، فكان من حِكْمَةِ الله ورَحْمَتِه وإقامَةِ حُجَّته أن يجعل مع الرُّسُل آياتٍ تَشْهدُ بِصِدْق ما جاؤوا به.
وقد ذكر أَهْلُ العِلْم ﵏ أنَّ الآياتِ التي جاء بها الرُّسُل - ولا سيَّما الآياتُ الحِسِّيَّةُ - تكون مناسِبةً لِأَبْرَزِ الأُمُور في عَصْرِهم، وضربوا لذلك مثلًا بأنَّ
стр. 180
موسى ﷺ جاء بالعصا واليد؛ لأنَّه اشْتُهِرَ في عصره وبرز في عَصْره صِناعَةُ السِّحْرِ؛ فجاء بأمرٍ فوق ما تَجيءُ به السَّحَرَة؛ السَّحَرَةُ إنَّما يُمَوِّهونَ ويُخَيِّلونَ، وهو جاء بالحَقيقَة.
قال تعالى: ﴿قَالَ بَلْ أَلْقُوا فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾ [طه: ٦٦] يُخَيَّل إليه، ولَكِنَّه ليس بحَقيقَةٍ، هو ألقى عصاه فصار حَقيقَةً فِعْلِيَّة تَلْقَفُ ما يَأْفِكون.
قالوا: وعيسى ﷺ أتى في وقتٍ تَرَقَّتْ فيه صناعة الطِّبِّ، فجاء بأمرٍ يَعْجِزُ عنه الأَطِبَّاء ولا يَسْتَطِيعونَه؛ جاء بإِبْراء الأَكْمَهِ، والأَبْرَصِ، وإحياءِ الموتى، وخَلْقِ صُورَةٍ من الطِّينِ يَنْفُخُ فيها فتطيرُ؛ أي: تكون طيرًا حَقِيقِيًّا.
وهذا يعْجِزُ عنه الطِّبُّ، فلا يُمْكِن لأيِّ طَبيبٍ يكون أمامَه رَجُلٌ مَيِّتٌ، فيقول: (قم) فيقوم، أبدًا، لا يُمْكِنُ لأيِّ طبيب يأتي إلى المقابِرِ ويَقِفُ على القَبْرِ ويقول: (اخْرُج) فيَخْرُج، وعيسى يفعل ذلك؛ كما قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِي﴾ [المائدة: ١١٠] فهو يُخْرِجُهم من مَدافِنهم، ولا يُمْكِن لأيِّ إِنْسَانٍ من الأَطِبَّاء أو غَيْرهم أن يَخْلُقَ من الطِّينِ كَهَيئَةِ الطَّيْرِ فَيَنْفُخ فيه فيطير، أبدًا.
فالأَكْمَهُ والأَبْرَصُ لا يُمْكِن لأَحَدٍ أن يُبْرِئَه من المَرَضِ الذي أصابه بِمِثْل ما يُبْرِئُه عيسى ﵊؛ يُؤتَى إليه بِذَوِي العاهات ويَمْسَحُ بِيَدِهِ عليه ويَبْرَأ، يزول؛ يعني: هذا البَرَص الذي ملأ الجِلْدَ أو أَكْثَره يُمِرُّ يَدَه عليه فلا تتعدى يَدُه مكانًا إلا عاد على طَبيعَتِه، هذا لا يَسْتَطِيع أَحَدٌ من الأطِبَّاءِ مهما بلغ في الطِّبِّ أن يصل إلى هذه الحالِ.