← Тафсир

Тафсир · id 151156

تفسير العثيمين: فاطر

ابن عثيمين

Полный текст (321 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

الْفَائِدَةُ الثَّامِنَةُ: التَّرْغيبُ في طاعة الرَّسُول ﵊؛ لِقَوْله تعالى: ﴿بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ والتَّخْويفُ من مُخالَفَتِه؛ لِقَوْله تعالى: ﴿بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾. الْفَائِدَةُ التَّاسِعَةُ: لُطْفُ الله تعالى بعباده بإرسالِ الرُّسُلِ إلى جميع الخَلْق، قال تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ وقد بيَّنَ الله ذلك في قَوْله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧]؛ يعني: إلا لِنَرْحَمَ بك العالمَينَ، وليس الرَّسُولُ نَفْسُه هو الرَّحْمَةَ، ولَكِنَّه أُرْسِلَ ليَرْحَمَ اللهُ الخَلْقَ بِرِسالَتِه. الْفَائِدَةُ الْعَاشِرَةُ: بُطْلانُ الإحْتِجاجِ بالقَدَرِ على مَعْصِيَةِ الله؛ لِقَوْله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ ولو كان الإحْتِجاجُ بالقَدَرِ على المعاصي والمُخالَفاتِ لو كان ثابتًا لم يَرْتَفِعْ بإرسالِ الرُّسُلِ؛ لأنَّ القَدَرَ لا يَرْتَفِع بإرسالِ الرُّسُلِ، فالرُّسُلُ أَرْسَلَهُم الله إقامةً للحُجَّة على الخَلْق ورَحْمَةً بهم أيضًا، لهذا ولهذا. الْفَائِدَةُ الحَادِيَةَ عَشْرَةَ: بَيَانُ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ ليس ببِدْعٍ من الرُّسُلِ حتى تُنْكَرَ رِسالَتُه، ويقال: كيف جاء هذا الرَّجُلُ برِسالَةٍ من عند الله؟ قال تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ ويَشْهَدُ لهذا قَوْلُه تعالى: ﴿قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف: ٩]. الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ: قُصورُ العُقُولِ عن مَعْرِفَة ما يَجِبُ لله تعالى؛ لأنَّها لو اسْتَقَلَّت بذلك ما احتاجت إلى إرسالِ الرُّسُل. الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ: بُطْلانُ ما ذهب إليه المُتَكَلِّمونَ مِن أَهْلِ البِدَع الذين بَنَوْا عَقيدَتَهم على ما يَقْتضيهِ العَقْل، وقالوا: ما اقتضى العَقْلُ إثباتَه لله أَثْبَتْناه سواء كان مَذْكورًا في الكِتَاب والسُّنَّة أم لم يُذْكَر، وما نفاه العَقْلُ وَجَبَ علينا نَفْيُه وإن ذُكِرَ في

стр. 177

الكِتَاب والسُّنَّة، وما لم يدلَّ العَقْلُ على نَفْيِه وإثباتِهِ فإننا نَتَوَقَّفُ فيه، وأَكْثَرُهُم قالوا: نَنْفيهِ؛ لأنَّه لا بُدَّ من دَلالَةِ العَقْلِ على إثباته، فإذا لم يَدُلُّ على إِثْباتِهِ وَجَبَ نَفْيُه لِعَدَمِ وُجودِ الدَّليلِ. وهذا يؤخذ من قَوْلِه تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ وَوَجْهُ ذلك أنَّه لو كانت العُقُولُ هي المَرْجِعَ ما احْتِيجَ إلى إِرْسالِ الرُّسُلِ. الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ: أنَّ الأمر كُلَّه لله، ليس لأَحَدٍ مُشارَكَتُه فيه حتى أعظم النَّاس مَنْزِلَةً لا يشارِكُ الله تعالى فيما يَخْتَصُّ به؛ لِقَوْله تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ﴾ ومَعْلومٌ أنَّ مقامَ المُرْسِل أعلى من مقامِ المُرْسَل. * * *

стр. 178

الآية (٢٥) * * * * قَالَ اللهُ : ﴿وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالزُّبُرِ وَبِالْكِتَابِ الْمُنِيرِ﴾ [فاطر: ٢٥]. * * * قال المُفَسِّر ﵀: [﴿وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ﴾ أي: أَهْلُ مَكَّة] هذا تَفْسيرٌ لـ (الواو) في قَوْله تعالى: ﴿وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ يعني: فليس بِبدْعٍ أن يُكَذِّبَك قَوْمُك؛ لأنَّ الذين من قبلهم كَذَّبوا الرُّسُل، وهذا كقَوْله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا﴾ [الأنعام: ٣٤]؛ يعني: ليس الأَمْرُ مُقْتَصِرًا على التَّكْذيب فقط، بل تَكذيبُ وأَذِيَّة بالقَوْل وأَذِيَّة بالفِعْل، بل أَعْظَمُ من ذلك القَتْل؛ فإنَّ كثيرًا مِمَّن أَرْسَل الله إليهم الرُّسُلَ قَتَلوهم. وخصَّه ﵀ بأَهْلِ مَكَّة، والصَّحِيحُ أنَّه ليس خاصًّا بأَهْل مَكَّة، بل أَهْلُ مَكَّة وغَيْرهم، فالرَّسُول كَذَّبَه أَهْل مَكَّة وكَذَّبَه أَهْل الطَّائِف (١) وغيرهم من المُشْرِكين، فالصَّوابُ العُمُومُ. قَوْله تعالى: ﴿وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾. ﴿الَّذِينَ﴾: فاعل، والمفعولُ مَحْذُوفٌ؛ أي: فقد كَذَّبَ الذين من قبلهم رُسُلَهم.

стр. 179

قَوْله تعالى: ﴿جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالزُّبُرِ وَبِالْكِتَابِ الْمُنِيرِ﴾ ومع ذلك كفروا ﴿جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ هذه الباء للمُصاحَبَة؛ يعني: جاؤوا مُصْطَحبينَ هذه الأَشْياءَ، ويُحْتَمَل أنَّها للتَّعْدِيَة، كما تقول: (أَتَيْتُ بِدِرْهَم، أتيت بِطَعامٍ، أَتَيْتُ بِشَرابٍ)، وما أشبه ذلك؛ يعني: أَتَوْا بالبَيِّنَة التي تُبَيِّنُ صِدْقَهُم، وتَفْسيرُ المُفَسِّر ﵀ للبَيِّناتِ بالمُعْجِزاتِ، هذا هو تعبيرُ كثيرٍ من المُتَأَخِّرينِ، ولكنَّ الصَّوابَ أن يقال: (بالآيات)، وأنَّ البَيِّناتِ هذه هي صِفَةٌ لمِوْصوفٍ مَحْذُوفٍ، تَقْديره: (بالآياتِ البَيِّناتِ)؛ أي: الظَّاهِرَة. والآياتُ التي جاءت بها الرُّسُلُ حِسِّيَّة ومَعْنَوِيَّة، فمن الآياتِ الحِسِّيَّة: ما جاء به موسى ﵊ من العصا، واليد، وغير ذلك، ومن الآيات المَعْنَوِيَّة: ما جاء به من التَّوْراةِ، وكذلك عيسى وغيرهما من الرُّسُلِ، كلُّ رسول لم يأتِ إلا ببَيِّنَة. وقد ثبت عن النَّبِيِّ ﵊ أنَّه "مَا مِنَ الأَنْبِيَاءِ نَبِيٌّ إِلَّا قَدْ أُعْطِيَ مِنَ الآيَاتِ مَا مِثْلُهُ آمَنَ عَلَيْهِ البَشَرُ" (١)، وإنَّما كان كذلك؛ لأنَّه ليس من الحِكْمَة ولا من الحُجَّة ولا من الرَّحْمَة أن يُرسَل رسولٌ إلى الخَلْق يَسْتَبيحُ دماءَ المُخالِفينَ له وأَمْوَالَهم ونِساءَهُم بدون بَيِّنَةٍ حتى لو فُرِضَ أنَّ أَحَدًا كَذَّبَه وهو لم يأتِ ببَيِّنَة لكانَ المكذِّبُ مَعْذورًا؛ لأنَّ البَيِّنَة على المُدَعِّي، فكان من حِكْمَةِ الله ورَحْمَتِه وإقامَةِ حُجَّته أن يجعل مع الرُّسُل آياتٍ تَشْهدُ بِصِدْق ما جاؤوا به. وقد ذكر أَهْلُ العِلْم ﵏ أنَّ الآياتِ التي جاء بها الرُّسُل - ولا سيَّما الآياتُ الحِسِّيَّةُ - تكون مناسِبةً لِأَبْرَزِ الأُمُور في عَصْرِهم، وضربوا لذلك مثلًا بأنَّ

стр. 180

موسى ﷺ جاء بالعصا واليد؛ لأنَّه اشْتُهِرَ في عصره وبرز في عَصْره صِناعَةُ السِّحْرِ؛ فجاء بأمرٍ فوق ما تَجيءُ به السَّحَرَة؛ السَّحَرَةُ إنَّما يُمَوِّهونَ ويُخَيِّلونَ، وهو جاء بالحَقيقَة. قال تعالى: ﴿قَالَ بَلْ أَلْقُوا فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾ [طه: ٦٦] يُخَيَّل إليه، ولَكِنَّه ليس بحَقيقَةٍ، هو ألقى عصاه فصار حَقيقَةً فِعْلِيَّة تَلْقَفُ ما يَأْفِكون. قالوا: وعيسى ﷺ أتى في وقتٍ تَرَقَّتْ فيه صناعة الطِّبِّ، فجاء بأمرٍ يَعْجِزُ عنه الأَطِبَّاء ولا يَسْتَطِيعونَه؛ جاء بإِبْراء الأَكْمَهِ، والأَبْرَصِ، وإحياءِ الموتى، وخَلْقِ صُورَةٍ من الطِّينِ يَنْفُخُ فيها فتطيرُ؛ أي: تكون طيرًا حَقِيقِيًّا. وهذا يعْجِزُ عنه الطِّبُّ، فلا يُمْكِن لأيِّ طَبيبٍ يكون أمامَه رَجُلٌ مَيِّتٌ، فيقول: (قم) فيقوم، أبدًا، لا يُمْكِنُ لأيِّ طبيب يأتي إلى المقابِرِ ويَقِفُ على القَبْرِ ويقول: (اخْرُج) فيَخْرُج، وعيسى يفعل ذلك؛ كما قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِي﴾ [المائدة: ١١٠] فهو يُخْرِجُهم من مَدافِنهم، ولا يُمْكِن لأيِّ إِنْسَانٍ من الأَطِبَّاء أو غَيْرهم أن يَخْلُقَ من الطِّينِ كَهَيئَةِ الطَّيْرِ فَيَنْفُخ فيه فيطير، أبدًا. فالأَكْمَهُ والأَبْرَصُ لا يُمْكِن لأَحَدٍ أن يُبْرِئَه من المَرَضِ الذي أصابه بِمِثْل ما يُبْرِئُه عيسى ﵊؛ يُؤتَى إليه بِذَوِي العاهات ويَمْسَحُ بِيَدِهِ عليه ويَبْرَأ، يزول؛ يعني: هذا البَرَص الذي ملأ الجِلْدَ أو أَكْثَره يُمِرُّ يَدَه عليه فلا تتعدى يَدُه مكانًا إلا عاد على طَبيعَتِه، هذا لا يَسْتَطِيع أَحَدٌ من الأطِبَّاءِ مهما بلغ في الطِّبِّ أن يصل إلى هذه الحالِ.

стр. 181

قالوا: ومُحَمَّدٌ ﵊ أتى إلى قومٍ قد بَلَغوا في البَلاغَة ذِرْوَتَها، فجاء بكَلَامٍ لا يَسْتَطِيعونَ مُباراتَه أبدًا، وهو كَلَامُ الله، وتَحَدَّاهم الله تعالى في عِدَّة آياتٍ أن يأتوا بسورة من مِثْلِه، أو بِعَشْر سورٍ مِثْلِه، أو بِحَديثٍ منه، فلم يَسْتَطِيعوا. المُهِمُّ: أنَّ جميعَ ما جاءت به الرُّسُل آياتٌ بَيِّناتٌ. قال المُفَسِّر ﵀: [﴿وَبِالزُّبُرِ﴾: كصُحُفِ إبراهيمَ] الزُّبُر جَمْعُ زبورٍ، وهو ما يُزْبَرُ ويُؤَثِّر؛ يعني: الكِتَاب، ولو أنَّ المُفَسِّر ﵀ قال: (كَزَبورِ داودَ) لكان أَنْسَبَ للآيَةِ، لأنَّ صُحُفَ إبراهيم ما ذكر الله عنها أنَّها زُبُرٌ، ولكن ذكر: ﴿وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا﴾ [النساء: ١٦٣]. قال المُفَسِّر ﵀: [﴿وَبِالْكِتَابِ الْمُنِيرِ﴾ هو التَّوْراةُ والإِنْجيلُ] الصَّواب أنَّ الكِتَاب المُنيرَ ليس التَّوْراة والإِنْجيل، بل كُلُّ كِتَابٍ بَعَثَ الله به الرَّسُولَ يُنيرُ الطَّريقَ لِأُمَّتِه، فيشمل التَّوْراة، والإنجيل، والزَّبُور، وصُحُف إبراهيم، وغير ذلك، ما من رسولٍ أَرْسَلَه الله إلا معه كِتَاب، قال تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ﴾ [الحديد: ٢٥]، وقال تعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ﴾ [البقرة: ٢١٣]. فلا يُمْكِن أن نقول: إنَّ نوحًا ﵊ أُرْسِلَ بدون كِتَابٍ أبدًا، لا بُدَّ أنَّه أَرْسِلَ بكِتَاب، لكن لا يَلْزَمُ من كونه أُرْسِلَ به أن يُذْكَر لنا هذا الكِتَاب. قَوْله: [فاصبر كما صبروا] وهل صَبَرَ الرَّسُولُ ﵊؟ الجواب: نعم، صبر صبرًا لا يَصْبِره إلا أولو العَزْم.

стр. 182

من فوائد الآية الكريمة: الْفَائِدَة الأُولَى: أنَّ تَكْذيبَ الرَّسُولِ ﵊ ليس بِبِدْعٍ من البَشَر؛ فقد كَذَّبَتِ الأُمَمُ قبله ﴿وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾. الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: عِنايَةُ الله تعالى بالرَّسُولِ ﷺ بِذِكْر ما يُسَلِّيه ويُهَوِّن عليه الأَمْرَ. وذِكْرُ المُصيبَة المُماثِلَة تَقْتَضي تَسْلِيَة الإِنْسَانِ وتَهْوينَ الأَمْرِ عليه؛ ولهذا لو جئتَ إلى مريض وقُلْتَ: (والله أنت اليومَ طَيِّبٌ، ومَرَضُك أَهْوَنُ من مرض فلان، فلانٌ أُصيبَ بِمَرَض كذا وكذا) فإنَّه يَتَسَلَّى بلا شَكٍّ وكذلك لو أصيب بحادِثٍ، وقلت: إنَّ فلانًا أصيب بحادِثٍ أَعْظَمَ فإنَّه يتسَلَّى. الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: إنذارُ المُكَذِّبين لرسولِ الله ﷺ ؛ لأنَّ الله ذكر كَيْفَ كَانَ ﴿عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [يوسف: ١٠٩] وكانت عاقِبَتُهم الدَّمارَ والهلاكَ، وقد أشار الله إلى هذا في قَوْله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا﴾ [مُحَمَّد: ١٠] يعني: لا تَظُنُّوا أنَّ الدَّمارَ الذي لَحِقَ المُكَذِّبينَ السَّابقينَ؛ لا تَظُنُّوا أنَّه خاصٌّ بهم، بل إذا كَذَّبْتم أصابكم ما أصابَهُم. الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أنَّ الله لم يَتْرُكِ الرُّسُلَ هَمَلًا، بل آتاهُم من البَيِّنات ما يُؤْمِنُ على مِثْلِه البَشَر؛ لِقَوْله تعالى: ﴿جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾. الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: تمَامُ حِكْمَة الله ورَحْمَته وإقامة حُجَّته، وهذا مَأْخوذٌ من قَوْله تعالى: ﴿جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ لأنَّه إنَّما أعطى هؤلاء الرُّسُلَ البَيِّناتِ لِتمامِ إقامَةِ الحُجَّة والرَّحْمَةِ والحِكْمَة. الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: أنَّ مِن أَعْظَمِ البَيِّناتِ ما جاءت به الرُّسُلُ من الشَّرائِعِ التي

стр. 183

تَضَمَّنَتْها الكُتُبُ؛ وجه ذلك: التَّنْصيصُ عليها مع أنَّها من البَيِّناتِ، وأيضًا هو تنصيصٌ أُعيدَ معه العامِلُ ﴿بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالزُّبُرِ﴾ فكأنَّها مُسْتَقِلَّة. الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: أنَّ الكُتُبَ السَّماوِيَّة مُتَضَمِّنةٌ للنُّور، وأنَّ كُلَّ من أخذ بها فقد أخَذَ بنورٍ يَمْشي به في الظُّلُمات؛ لِقَوْله تعالى: ﴿وَبِالزُّبُرِ وَبِالْكِتَابِ الْمُنِيرِ﴾. الْفَائِدَةُ الثَّامِنَةُ: أنَّ المُفْرَد إذا أريد به الجِنْسُ صار عامًّا؛ لأنَّ قَوْله تعالى: ﴿وَبِالْكِتَابِ﴾ هذا مُفْرَد، ولكن هل الكُتُب التي جاءت بها الرُّسُلُ كِتَابٌ واحد؟ الجواب: لا، بل هي كتبٌ كثيرة بحَسَب الرُّسُلِ. * * *

стр. 184

الآية (٢٦) * * * * قَالَ اللهُ : ﴿ثُمَّ أَخَذْتُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ﴾ [فاطر: ٢٦]. * * * قال المُفَسِّر ﵀: [﴿ثُمَّ أَخَذْتُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ بِتَكْذيبِهِم] الباءُ للسَّبَبِيَّة في كَلَام المُفَسِّر ﵀، لكن بماذا أَخَذَهُم؟ بالعقاب، فقوم نوحٍ أَغْرَقَهم، وقَوْمُ هُودٍ أَتْلَفَهُم بالرِّيح، وقوم صَالِحٍ بالرَّجْفَة والصَّيْحة، وقومُ لُوطٍ جَعَلَ عالِيَ قُراهُم سافِلَها، فكُلُّ المُكَذِّبين أخذهم الله ؛ ولهذا قال: ﴿فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ﴾. قول المُفَسِّر ﵀: [﴿فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ﴾ إنْكاري عليهم بالعُقوبَةِ والإِهْلاك؛ أي: هو واقِعٌ مَوْقِعَه] يعني: أنَّ الإسْتِفْهامَ هنا للتَّقْريرِ؛ يعني: فكان نكيري؛ أي: إنكاري عليهم بالعُقوبَة كان واقِعًا مَوْقِعَه؛ ولهذا لو سُئِلْتَ: كيف كان إنكارُ الله لهم؟ الجوابُ: أن نقول: كان شديدًا، وكان واقِعًا مَوْقِعَه، فهو مُطابِقٌ للحِكْمَة تمامًا، وهو عِقابٌ شديدٌ لم يُبْقِ منهم أَحَدًا. * * *

стр. 185

الآية (٢٧) * * * * قَالَ اللهُ : ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ﴾ [فاطر: ٢٧]. * * * الإسْتِفْهامُ هنا للتَّقْريرِ، وهذا هو الغالِب فيما إذا أتى حرف النَّفْي، أو إذا أتت أداة النَّفْيِ بعد همزَةِ الإسْتِفْهامِ؛ أن يكون للتَّقْريرِ كقَوْله تعالى: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (١)﴾ [الشرح: ١]، وَقَوْله تعالى: ﴿أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾ [القيامة: ٤٠]، وَقَوْله تعالى: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ [الزمر: ٣٦]، وأمثال ذلك، فإذا أتت أداةُ النَّفْيِ بعد هَمزَةِ الإسْتِفْهامِ فالغالِبُ أن يكون الإسْتِفْهامُ للتَّقْريرِ. قَوْله تعالى: ﴿أَلَمْ تَر﴾ حُذِفَتِ الأَلِفُ للجازِمِ؛ لأن (لم) تَجْزِم، والفِعْل المعْتَلُّ يُجْزَم بحذف حَرْف العِلَّة. وَقَوْله تعالى: ﴿وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ﴾ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ، والخبر فيها مُقَدَّم وهو قَوْله تعالى: ﴿وَمِنَ الْجِبَالِ﴾. وَقَوْله تعالى: ﴿مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا﴾: صِفَةٌ لـ ﴿جُدَدٌ﴾، وَقَوْله تعالى: ﴿سُودٌ﴾ قيل: إنَّه على التَّقديمِ والتَّأخيرِ؛ أي: وَسُودٌ غَرابيبُ، وقيل: إنَّه على الأَصْل، وأنَّ ﴿سُودٌ﴾ تَقَعُ مَوْقِعَ التَّوْكيدِ لما قَبْلها؛ لأنَّ الغِرْبيبَ هو: الشَّديدُ السَّوادِ. قَوْله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ قال المُفَسِّر ﵀: [تَعْلَمْ]، فالرُّؤْيَة هنا عِلمِيَّة، وعُلِّقَت

стр. 186

عن العَمَل بـ (أنَّ) وما دَخَلَت عليه، فإن (أنَّ) وما دَخَلَتْ عليه تُعَلِّق أفعالَ القلوب عن العَمَل، ويُحْتَمَل أن تكون الرُّؤْيَة هنا بَصَرِيَّة؛ يعني: (ألم تَنْظُرْ وتُبْصِر)؛ لأنَّ ما ذُكِرَ يُرى بالعيْنِ، وما كان يُرى بالعَيْنِ فإنَّه يجوز أن يُرادَ به الرُّؤْيَة بالعَيْنِ، لكن إذا جعلناها علمِيَّةً كان ذلك أَعَمَّ؛ لأنَّ هذا الأَمْر قد لا تراه بِعَيْنِك ولكن تَسْمَعُه في بلادٍ أخرى غَيْر بلادك. وَقَوْله تعالى: ﴿أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾ المُرَادُ بالسَّماء هنا العُلُوُّ، والمُرَادُ بالماءِ المَطَرُ، وليس المُرَادُ بالسَّماءِ الأَجْرامَ السَّماوِيَّة المَعْروفَة؛ لأنَّ الماء إنَّما يَنْزِل من السَّحاب، والسَّحابُ عالٍ، ولَكِنَّه بين السَّماءِ والأَرْض. وَقَوْله تعالى: ﴿فَأَخْرَجْنَا بِهِ﴾ قال ﵀: [فيه التفاتٌ عن الغَيْبِة] لو كان الكَلَام على نَسَقٍ واحد لقال: (فَأَخْرَج به) بضَميرِ الغَيْبَة، لَكِنَّه صار فيه التفات عن الغَيْبَة إلى التَّكَلُّم. والإلتفاتُ فيه فوائِدُ: الأولى: فائِدَةٌ مُشْتَرِكَة في جميع موارِدِه ومواضِعِه، وهي: تَنْبيهُ المخاطَب؛ لأنَّ الكَلَام إذا كان على نَسَقٍ واحدٍ اسْتَمَرَّ الإِنْسَانُ معه ولم يكن هناك شَيْءٌ يُوجِبُ أن يَنْتَبِه ويَتَفَطَّن، فإذا اختلف السِّيَاقُ من غَيْبَة إلى تَكَلُّم، أو إلى خطاب، أو ما أشبه ذلك، فإنَّ الإِنْسَانَ يَنْتَبِه؛ يعني: كأنَّه يكون علَمًا على تغيُّر الأُسْلوبِ لِيَنْتَبِه المخاطَب. الفائِدَة الثانيةُ هنا: قَوْله تعالى: ﴿فَأَخْرَجْنَا بِهِ﴾ فإنَّ (نا) هذه تفيدُ التَّعْظيم؛ لأنَّ الإِخْراجَ أَعْظَمُ من الإنزال بالنِّسْبَة للنِّعمَة علينا، فإنَّه لو نزل المطر ولم يَخْرُجِ النبات لم نَسْتَفِدْ من المطر كما جاء في الحديثِ الصَّحِيح الذي رواه مُسْلِم: "لَيْسَتِ

стр. 187

السَّنَةُ بِألَا تُمْطَرُوا، وَلَكِنِ السَّنَةُ أَنْ تُمْطَرُوا وَتُمْطَرُوا وَلَا تُنْبِتُ الأَرْضُ شَيْئًا" (١)، فلما كان إنعامُ الله تعالى بإخراجِ النَّباتِ أَعْظَمَ صار الإلتفاتُ إلى التَّكَلُّم أولى لعِظَمِ المِنَّة فيه. قَوْله تعالى: ﴿فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا﴾ فهنا قال: ﴿فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ﴾ ولم يقل: (أَخْرَجْنا به نباتًا)، وقد قاله في آيَةٍ أخرى: ﴿فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَرَاكِبًا﴾ [الأنعام: ٩٩] لكن هنا قال: ﴿ثَمَرَاتٍ﴾ لأنَّ المَقصودَ من هذا الخارِجِ هو الثَّمَرة، فبيَّن الله الغايَةَ المقْصودَةَ وهي الثَّمَراتُ. قال المُفَسِّر ﵀: [﴿مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا﴾ كأَخْضَر وأَحْمَرَ وأَصْفَرَ وغيرها] وهذا يدلُّ على قُدْرَةِ الله، فهذه الثَّمَرات مُخْتَلفٌ ألَوْانُها، وكَلِمَة (ألَوْان) يُحْتَمَل أن يكون المُرَادُ ما ذكره المُفَسِّر ﵀ وهو اللَّون المُخْتَلِف بالحُمْرَة، والصُّفْرَة، والخُضْرَة، وما أشبه ذلك، ويُحْتَمَلُ أنَّ المُرَاد بالأَلْوانِ الأَصْنافُ، فإنَّ الأَلْوانَ تُطْلَق على الأَصْنافِ كما قال الإمامُ أَحمَدُ ﵀ في صلاةِ اللَّيْلِ في قيام رَمَضانَ قال: "رُوِيَ في ذلك ألَوْانٌ" (٢) أي: أَنْواعٌ وأَصْنافٌ، وإذا نظرْتَ إلى الخارج من الأَرْض وَجَدْتَ أنَّه ذو ألَوْانٍ في شَكْلِه، وذو ألَوْان في أَنْواعِهِ وَأَصْنافِهِ، ما بين حُلْوٍ ومُرٍّ ومُتَوَسِّط وحامِض وغير ذلك مِمَّا هو معلومٌ. وهذا الأَخيرُ إذا قلنا: إنَّ المُرَاد بالأَلْوانِ ما يَعُمُّ الأَنْواعَ؛ أَشْمَلُ مِمَّا لو قلنا: إنَّ المُرَادَ بالأَلْوان اختلاف الشَّكْل، وقد تقَدَّمَت قاعِدَة: بأنَّه كلَّما كان المَعْنى أَشْمَل في باب التَّفْسيرِ كان أولى؛ لأنَّ الأَشْمَل يَعُمُّ الأَخَصَّ وغيره، بخلاف الأَخَصِّ.

стр. 188

قَوْله تعالى: ﴿وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ﴾ هذه جملَة اسْتِئْنافِيَّةٌ يُبَيِّن الله فيها كمال قُدْرَته أيضًا بالنِّسْبَةِ للأَرْض وطَبقاتِها. قال المُفَسِّر ﵀: [﴿وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ﴾ جَمْع جُدَّةٍ: طريقٌ في الجَبَل وغيره] من الجبالِ جُدَدٌ؛ يعني: شَيْءٌ يُشْبِه الطُّرُق لاختلافه عن بَقِيَّة الجبل، وهو مُخْتَلِفٌ في اللون، ومختلفٌ في الماهِيَّة أيضًا. نحن نرى بعض الجبال الآن ولا سيَّما إذا فُتِحَ الجَبَلُ نرى في أثنائه خُطُوطًا قد تكون سوداءَ، وقد تكون حَمْراءَ، وقد تكون بُنِّيَّة، وقد تكون بيضاءَ، المُهِمُّ أنَّنا نجد فيه خطوطًا تُخالِفُ بَقِيَّة الجَبَل، هذه الجُدَد التي ذكرها الله هنا، فالجبالُ تَخْتَلِفُ ألَوْانُها أيضًا، وهذا الإختلاف في اللون؛ يعني: الإختلاف في الماهِيَّة والحَقيقَة، ليسَتِ الحصاةُ السَّوداءُ كالحَصَاةِ البَيْضاءِ أو الحَمْراء أو ما أشبهها مِمَّا يخالِفُها في اللون، بل لا بُدَّ أن يكون هناك اختلافٌ في طَبيعَةِ هذه الحَصاة كما كان اخْتِلافُ الثَّمَراتِ في ألَوْانِها يدلُّ على اختلافها في طُعُومها وفي ماهِيَّتِها. قَوْله تعالى: ﴿وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ﴾ ذَكَرَ الله ﴿بِيضٌ وَحُمْر﴾ وكان المُتَوَقَّع أن يقول: (بيضٌ وسُودٌ)؛ لأنَّ هذا هو المَعْروف في مُقابَلَةِ البَياضِ؛ أن يُقابَلَ بالسَّوادِ، لَكِنَّه قال: ﴿وَحُمْرٌ﴾ لأنَّ الحُمْر أَقْرَبُ إلى البياضِ من السُّودِ، وستُذْكَر في قَوْله تعالى: ﴿وَغَرَابِيبُ سُودٌ﴾. هذه الجُدَد بِيضٌ وحُمْرٌ، قال المُفَسِّر ﵀: [وصُفْر] ونحن ربَّما نقول أيضًا: (وزُرْق) وغير ذلك من الألَوْان، والله لم يَذْكُر هذَينِ اللَّوْنَيْنِ للحَصْر، وإنَّما هو على سبيل التَّمْثيلِ.

стр. 189

قال المُفَسِّر ﵀: [﴿مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا﴾ بالشّدَّةِ والضَّعْفِ] هنا فسَّر المُفَسِّر ﵀ الألَوْان بالماهِيَّة وليس بالأَشْكالِ؛ لأنَّه قال: [بالشِّدَّةِ والضَّعْف] ولم يقل: [باللَّون الأَحْمَر أو الأَبْيَض]. على كُلِّ حالٍ: (الألَوْان) كما سبق تُطْلَقُ على الأَنْواع أحيانًا. وهذا الإختلاف في ألَوْانِ أَحْجارِ الجبال كالإخْتِلاف في ألَوْانِ الثِّمار. قَوْله تعالى: ﴿وَغَرَابِيبُ سُودٌ﴾ [عطفٌ على جُدَد؛ أي: صخورٌ شديدَةُ السَّوادِ، يقال كثيرًا: أَسْوَدُ غِربيبٌ، ويقال قليلًا: غربيبٌ أَسْوَدُ]، فالغَرابيبُ جَمْع غِرْبيِبٍ، والغِربيِبُ: شديدُ السَّوادِ. وكان مُقْتَضَى التَّرْكيبِ أن يقال: (وسُودٌ غَرابِيبُ)، ولكنَّ الله تعالى قدَّم فقال (وَغَرَابِيبُ سُودٌ) فعلى هذا زَعَمَ بَعْضُهم أنَّ في الكَلَام تقديمًا وتَأْخيرًا، وقال بعضهم: بل هو على تَرْتيبِهِ، ليس فيه تقديمٌ وتأخيرٌ، ولكنَّ الله بيَّن الأَسْوَدَ الشَّديدَ السَّوادِ قبل بيان مُطْلَقِ السَّوادِ، هذا أيضًا مُشاهدٌ؛ نجد في الجبال طُرُقًا يعني كالطَّريقِ أو كالخَطِّ أَسْوَد خالصًا، وإلى جانبه طريقٌ أَبْيَضُ، أو أَحْمَر، أو ما أشبه ذلك، كل هذا دليلٌ على قُدْرَةِ الله . فنجد نحن أنَّ هذا الإخْتِلافَ في الجبال هو كالإخْتِلافِ في الثَّمَرات. من فوائد الآية الكريمة: الْفَائِدَة الأُولَى: التَّنْبيهُ على أنَّه يَنْبَغي للإِنْسَانِ أن يَتَفكَّر في خَلْقِ الله ؛ لِقَوْله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ﴾ فإنَّ هذا تقريرٌ، والتَّقْريرُ لا يكون إلا بعد أن يَنْظُرَ المُقَرَّر فيما قُرِّرَ به حتى يُقِرَّ به ويَعْتَرِفَ.

стр. 190

الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: بَيانُ قُدْرَة الله وحِكْمَتِه ورَحْمَتِه، وذلك بإنزالِ الماءِ من السَّماء، ففيه قُدْرَةٌ عَظيمَة؛ أن يَنْزِلَ هذا الماء الذي يكون بِحارًا أحيانًا يُدَمِّر ما مرَّ عليه من البناء ويَجْتَرِف الأراضِيَ مع أنَّه يَنْزِلَ من هذا السَّحابِ الرَّقيقِ الذي تَخْتَرِقُه الطَّائِرة كما نُشاهِدُ، ويَتَمَزَّق عندما يَمُرُّ بالجبالِ وبالبِناءِ وما أشبه ذلك؛ تَنْزِلُ منه هذه المياه العَظيمَة، هذا تمامُ القُدْرَة. وتمامُ الرَّحْمَةِ: ما يَحْصُل من هذا المَطَرِ من الآثار النَّافِعَة للعبادِ. وتمَامُ الحِكْمَة؛ لأنَّ هذا المَطَرَ يَنْزِلُ من أعلى حتى يَشْمَل المُرْتَفِعَ والمُنْخَفِضَ من الأَرْض، ولو كان يَمْشي مَشْيًا كالأَنْهار لكان الأَسْفَلُ من الأَرْض يَرْوَى بالماء بل يَغْرِق، أمَّا الأعلى فلا يُصيبُه شَيْءٌ، وهذا من تمام حِكْمَة الله ؛ أنَّه يَنْزِل من فوق. الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: إثباتُ الأَسْبابِ؛ لِقَوْله تعالى: ﴿فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ﴾ فإنَّ الباءَ هنا للسَّبَبِيَّة، ففي الآيَة إثباتُ الأَسْبابِ وأنَّ الله قد قَرَنَ الأشياء بأَسْبَابِها، وهذا من تمَامِ حِكْمَتِه؛ أن تكون الأَسْبابُ والمُسَبَّباتُ مُتلازِماتٍ، فمِنَ المَعْلومِ أنَّ الله قادِرٌ على أن يُخْرِجَ هذه الثَّمَراتِ بدون ماءٍ، ولكن قد جَعَلَ لِكُلِّ شَيْءٍ سببًا. إذن: في الآيَة إثباتُ الأَسْبَابِ؛ ولذلك لَزِمَ علينا القَوْلُ بِوُجوبِ الفِعْلِ؛ لأنَّ السَّبَبَ يَسْتَلْزِمُ وجود المُسَبَّب، وهذا يقتضي أن نُوجِبَ على الله وُجودَ المُسَبَّب لوجود السَّبَب. فعُلَماءُ الكَلَام كالجَبْرِيَّة مثلًا أَنْكَروا حِكْمَةَ الله، يقولون: لأنَّنا لو قلنا بِثُبوتِ الحِكْمَةِ والسَّبَبِيَّة لزم من ذلك أن نُوجِبَ على الله تعالى أن يَفْعَل كما قال ذلك خُصُومُهم من المُعْتَزِلَة، فالمُعْتَزِلَة يقولون بِوُجوبِ الأَصْلَح، بعضهم يقول بوجوبِ

стр. 191

الصَّلاحِ على الله ؛ لأنَّ هذا مُقْتَضَى الحِكْمَةِ، وأولئك الجَبْرِيَّةِ بالعَكْس، يقولون: إنَّ الله يَخْلُق الشَّيْء بدون سَبَبٍ وبدون حِكْمَةٍ؛ لأنَّك لو أَثْبَتَّ السَّبَب والحِكْمَةَ لزم إيجاد المسبَّبِ أو الفِعل الذي يكون مسبَّبًا لهذا السَّبَب، وهذا يقتضي أن نوجب على الله فِعْل الشَّيْء، فما الجواب؟ نقول: إنَّ إثباتَ الحِكْمَةِ أو السَّبَبِ لا يَسْتَلْزِم أن نُوجِبَ على الله، ولكن مُقْتَضَى كَوْنِه حكيمًا أن يَفْعَل وأن يُوجِدَ المسبَّبَ عند وجودِ السَّبَب، ونحن لا نُوجِبُه، ولكن الذي أوجبه على نَفْسِه هو الله بمُقْتَضَى اسْمِه (الحكيم) ووَصْفِه بالحِكْمَة، وإيجابُ الله على نَفْسِه ليس بِمُمْتَنِع كما أن تَحْريمَه على نَفْسِه ليس بِمُمْتَنِع، وقد قال الله تعالى: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [الأنعام: ٥٤]، وقال تعالى في الحديث القدسي: "يَا عِبَادِي إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي" (١). فلِلَّهِ أن يُحَرِّمَ على نفسه وأن يوجِبَ على نفسه ما شاء، أمَّا نحن فلا، فإذا قيل مثلًا: هذا مَصْلَحَةٌ فإننا نقول: نعم، ونَلْتَزِم بهذا، ولكن هل نحن الذين أَوْجَبْناه على الله؟ الجواب: لا، بل الله هو الذي أَوْجَبَه على نفسه، وهذا لا ينافي كَمالَه، بل هو من مُقْتَضَى كَمالِهِ، إلا أنَّ المَحْذورَ هنا في هذا الباب أن نَظُنَّ أنَّ المَصْلَحَةَ في كذا، وحَقيقَةُ الأَمْرِ أنَّ المَصْلَحَة في عَدَمِه، هذا هو الذي يُخْشَى منه، وحينئذٍ نَعْتَقِدُ أنَّ هذا واجِبٌ على الله وهو لم يَجِبْ، نعتقد أنَّه واجبٌ على الله بمُقْتَضَى فَهْمِنا أنَّ هذا مَصْلَحَةٌ وخَيْر ثم نوجِبُه على الله، هذا هو المَحْذورُ.

стр. 192

أمَّا إذا تحَقَّقَت المَصْلَحَةُ فلا مانع من أن نقول: إنَّ الله أوجب على نفسه أن تكون المَصْلَحَةُ؛ لأنَّ هذا هو مُقْتَضَى اسْم الله (الحكيم)، وفي هذه الحالِ لم يَحْصُلْ منَّا أيُّ عُدْوانٍ أو ظلم، بل قلنا بمُقْتَضَى حِكْمَةِ الله . الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: بَيانُ قُدْرَة الله بإخْراجِ هذه الثَّمَراتِ المُخْتَلِفَةِ الألَوْانِ مع أنَّها في أَرْضٍ واحِدَة وتُسْقَى بماءٍ واحِدٍ، ويظهر ذلك لك جليًّا إذا نظَرْتَ إلى الزُّهور كيف تَجِدُ هذا الإختلافَ العَجيبَ بَيْنها مع أنَّها تُسْقى بماءٍ واحِدٍ. الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: الحِكْمَةُ في اختلاف هذه الثَّمَرات؛ لأنَّه لو كانَتْ هذه الثَّمَراتُ طَبيعَتُها واحِدَةٌ لمَلَّ النَّاسُ منها ولم يَحْصُلْ لهم كَمالُ اللَّذَة، فإذا اخْتَلَفَتْ حَصَلَ كمالُ اللَّذَة وعدم المَلَل والسَّآمة. الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: بَيانُ قُدْرَةِ الله ورَحْمَتِه وحِكْمَتِه فيما نرى في الجبال من الجُدَدِ المُخْتَلِفَة؛ لأنَّ هذا دليلٌ على القُدْرَة؛ حيث جعل هذا بين هذا، ودليل على الحِكْمَة؛ لأنَّ الغالِبَ أنَّ ما في بطون هذه الجبالِ يكون مَعادِنَ مُفيدَةً للإِنْسَان، كذلك بيانُ الرَّحْمَةِ بالخَلْقِ لِإيداعِ هذه الأَشْياءِ في بطون هذه الجِبالِ. الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: بَيانُ قُدْرَةِ الله ؛ حيثُ إنَّه يَجْعَلُ بَعْضَ الجبالِ فيها السَّوادُ الخالِصُ، وقد يكون الجَبَلُ كُلُّه أَسْوَدَ، وأحيانًا نرى جبلًا أَسْوَدَ وإلى جانبه جبلًا أَبْيَضَ، فهذا كُلُّه من تمَامِ قُدْرَة الله . الْفَائِدَةُ الثَّامِنَةُ: ما يَتَرَتَّب على النَّظَر في هذه المَخْلوقاتِ من الإعْتِبارِ والإسْتِدْلالِ بها على ما تَتَضَمَّنُه من صفاتِ الله . * * *

стр. 193

الآية (٢٨) * * * * قَالَ اللهُ : ﴿وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ﴾ [فاطر: ٢٨]. * * * جُمْلَة ﴿وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ﴾ جُمْلَة خَبَرِيَّةٌ قُدِّمَ فيها الخَبَر على المُبْتَدَأ، و ﴿أَلْوَانُهُ﴾: فاعِلُ ﴿مُخْتَلِفٌ﴾ لأن ﴿مُخْتَلِفٌ﴾ هو اسْم فاعل، واسْم الفاعل يَعمَلُ عَمَلَ فِعْله. وَقَوْله تعالى: ﴿كَذَلِكَ﴾ صِفَةٌ لِقَوْله تعالى: ﴿مُخْتَلِفٌ﴾ يعني: مختلفٌ كاختلافِ ما ذُكِر. قَوْله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ هي جُمْلَةٌ أيضا مُكَوَّنَة من فعلٍ وفاعلٍ ومفعولٍ به، وفيها حَصْرٌ، وطريقُه: ﴿إِنَّمَا﴾ وجُمْلَة: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ﴾ كالتَّعْليلِ لمِا قبلها، كما سيأتي إن شاء الله. قَوْله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ﴾ النَّاسُ هُمُ البَشَر، وأصلها (أُناسٌ) ولكن حُذِفَت الهْمزَةُ تَخْفيفًا لكثرة الإسْتِعْمال كما حُذِفَتْ من (شَرٍّ) و (خَيْر)، وأصلهما: (أشَرُّ) و (أَخْيَرُ)، وحُذِفَت أيضًا من (الله) على قَوْلِ كثيرٍ من عُلَماء اللُّغَة، وأَصْلُها: (الإله) والمُرَادُ بالنَّاس: بنو آدم، وسُمُّوا بذلك؛ لأنَّهم يَأْنَسُ بعضُهم إلى بعض.

стр. 194

قَوْله تعالى: ﴿وَالدَّوَابِّ﴾ جمع دابَّة، وتُطْلَقُ على عِدَّة معانٍ، تُطْلَقُ على كلِّ ما دَبَّ على الأَرض كما في قَوْله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ﴾ [النُّور: ٤٥]، وكما في قَوْلِه تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ﴾ [هود: ٦] يَشْمَل كُلَّ ما دَبَّ على الأَرْض من إِنْسَان وحيوانٍ وحشرات، وغير ذلك. وتُطْلَقُ الدَّابَّةُ على ما يَدبُّ على بطنه؛ مثل: الحيَّات، وتُطْلَقُ الدَّابَّة على ذوات الأَرْبَعِ كالحِمارِ، فما المُرَاد بها في هذه الآيَة؟ نقول: المُرَاد بها ما عدا النَّاسَ والأَنْعامَ، فتَشْمَلُ كُلَّ ما دَبَّ على الأَرْض إلا النَّاسَ والأَنْعامَ. فإن قلت: لماذا لا تَجْعَلُها شامِلَةً وتجعل هذا من بابِ عَطْفِ العامِّ على الخاصِّ بالنِّسْبَة للنَّاسِ، ومن بابِ عَطْفِ الخاصِّ على العامِّ بالنِّسْبَة للأنعام؟ يعني: لو قال قائِلٌ: المُرَاد بالدَّوابِّ: كُلُّ ما دَبَّ على الأَرض، لَكِنَّها عُطِفَت على النَّاسِ مِن باب عَطْفِ العامِّ على الخاصِّ، وعُطِفَتِ الأَنعامُ عليها من باب عَطْفِ الخاصِّ على العامِّ؟ قلنا: هذا مُمْكِنٌ، لكِنَّ التَّقْسيمَ يُبعِدُه، فيكون المُرَادُ بالدَّوَابِّ ما عدا النَّاسَ والأَنْعامَ، والمُرَادُ بالأنعام ما يَنْتَفِعُ النَّاس به؛ كما قال الله تعالى: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ﴾ [الزخرف: ١٢]، وقال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ (٧١) وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ (٧٢) وَلَهُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَمَشَارِبُ أَفَلَا يَشْكُرُونَ﴾ [يس: ٧١ - ٧٣]. فيكون المُرَادُ بالأَنْعامِ هنا ما يَنْتَفِعُ النَّاس به كالإِبِل، والغَنَم، والبَقَر، والطيور الحلال، وغير ذلك.

стр. 195

قَوْله تعالى: ﴿مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا﴾ هل المُرَادُ باللَّوْنِ الشَّكْلُ أو الصِّنْف أيضًا؟ الجواب: يَشْمَل؛ فالنَّاسُ مثلًا تَخْتَلِفُ ألَوْانُهم؛ هذا أبيضُ، وهذا أسود، وهذا أَحْمَر، وهذا بين ذلك، واختلافُ اللَّوْنِ ظاهِرٌ، وقد تَخْتَلِف أجْناسُهُم أيضًا؛ هذا ذَكَر وهذه أنثى، هذا عالِم وهذا جاهِل، هذا أَحْمَق وهذا حَليمٌ، وعلى هذا فَقِسْ. الدَّوابُّ كذلك تَخْتَلِفُ ألَوْانُها بالشَّكْل، وتَخْتَلِفُ أَصنافُها وأَنْواعُها، منها المؤْذي، ومنها الضَّارُّ، ومنها النَّافِع، ومنها ما ليس بضَارٍّ ولا نافِعٍ ولا مُؤْذٍ، فهي أربعة أَصْنافٍ. مثالُ النَّافِعِ: الأَنْعام، ومثال الضارِّ: الحيَّات والعقارِب والسِّباع وما أشبهها، ومثال المُؤْذي: الصَّراصِير، والخُنْفُساء، والجُعْلان، وما أشبه ذلك، ومثال ما ليس بِمُؤذٍ ولا ضارٍّ: النَّمْل، وغيره أيضًا من الدَّوابِّ الكثيرة التي نراها؛ نرى مثلا طيورًا تَطيرُ في الجوِّ ليست حلالًا مثلًا ولَكِنَّها لا تَضُرُّ. وَقَوْله تعالى: ﴿كَذَلِكَ﴾ قال المُفَسِّر ﵀: [كاخْتلافِ الثِّمارِ والجبالِ] فصار الإختلافُ في مَخْلوقاتِ الله تعالى شاملًا للحيوانِ ولمِا يَنْتَفِع به الحيوانُ من الثِّمار وغيرها ولِطَبَقاتِ الأَرْضِ كالجِبالِ. قَوْله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ لمَّا ذَكَرَ هذه الأصنافَ وفيها ما يدلُّ على كَمالِ الله في صِفاتِهِ التي تَتَضَمَّنها هذه الأَصْنافُ المَذْكورَة بيَّن أنَّ العالِمَ بذلك هو الذي يَخْشى الله، فقال: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ يعني: لا يخشى الله إلا العُلَماءُ. والخَشْيَةُ هي أعلى الخَوْف، أو إن شِئْتَ فقل: هي الخَوْف المَبْنِيُّ على العِلْم،

стр. 196

وبَعْضُهم قال: هي الخَوْفُ المَبْنِي على عِظَم المَخُوفِ، ولا يَمْتَنِع أن تكون الخَشْيَةُ هي الخوف بِكُلِّ الأَنْواعِ الثَّلاثَةِ؛ يعني: هي أعلى أَنْواعِ الخَوْفِ، أو الخَوْف المَبْنِي على العِلْم، أو الخَوْفُ المَبْنِيُّ على عِظَمِ المَخُوف. أمَّا الخَوْف المُجَرَّدُ عن الخَشْيَة فقد يكون عن جَهْل، يخاف الإِنْسَانُ من شَيْء؛ لأنَّه جاهِلٌ به وإلا فليس أَهْلًا لأن يُخافَ منه. قال المُفَسِّر ﵀: [﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ بخلاف الجُهَّال ككُفَّار مَكَّة]، وصَدَقَ المُفَسِّر ﵀ في قَوْلِه: [بِخِلاف الجُهَّال] وأمَّا التَّمْثيل بكُفَّار مَكَّة فليس على سَبيلِ الحَصْرِ، بل هو على سبيل المِثالِ، فكل كافِرٍ فهو في الحَقيقَةِ جاهِلٌ. وهل هذه الجَهالَةُ جَهالَةُ عِلْمٍ أو جَهالَةُ تَصَرُّفٍ؟ الجوابُ: هي جَهالَةُ تَصَرُّف في الغالِبِ، وإلا فإنَّ الكافر يكون عنده عِلْمٌ؛ لَكِنَّه - والعياذ بالله - يَسْتَمِرُّ على طغيانه ولا يُؤْمِنُ. قَوْله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ﴾. ﴿عَزِيزٌ﴾ أي: ذو عِزَّةٍ، قال العُلَماء ﵏: والعِزَّةُ ثلاثَةُ أَنْواع؛ عِزَّة القَدْرِ، وعِزَّة القَهْر، وعِزَّة الإمْتِناع. فأما عِزَّة القَدْرِ فمعناها أنَّ الله تعالى ذو قَدْرٍ عزيز، والقَدْرُ معناه المكانَة والشَّرَف والسُّؤْدُد ونحو ذلك. عِزَّة القهر؛ أي أنَّ الله تعالى غالِبٌ غَيْرُ مَغْلوبٍ، ومنه قَوْله تعالى: ﴿فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ﴾ [ص: ٢٣] أي: غَلَبَني.

стр. 197

وعِزَّة الإمتناعِ؛ أي إنَّ الله تعالى يَمْتَنِع عليه النَّقْصُ في ذاته، أو في صِفاته، ومنه قَوْلهم: (أَرْضٌ عَزَازٌ)؛ أي: شديدةٌ صُلْبَة، لا يتجاوَزُها شَيْء لِصلابَتِها، ولا يُؤَثِّر فيها شَيْء، لِقُوَّتِها وشِدَّتِها. فالعِزَّةُ إذن لها ثلاثةُ معانٍ عِزَّةُ القَدْر، وعِزَّة القَهْر، وعِزَّة الإمْتِناعِ. قَوْله تعالى: ﴿غَفُورٌ﴾ أي: ذو مَغْفِرَة كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ﴾ [الرعد: ٦]، والمَغْفِرَةُ سِتْرُ الذَّنْب والتَّجاوُز عنه، يدلُّ لذلك اشْتِقاقُها؛ فإنَّها مُشْتَقَّةٌ من المِغْفَرِ وهو ما يُغَطَّى به الرَّأْسُ وتُتَّقى به السِّهامِ، وفي المِغْفَر سِتْرٌ ووِقايَة، وعلى هذا فنقول: (الغفور) ذو المَغْفِرَة، وهي: سِتْر الذَّنْب والتَّجاوُز عنه. ويدل لهذا المَعْنى - زيادةً على دَلالَةِ الإشتقاق - ما ثَبَتَ في الحديث الصَّحِيحِ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قال: "إِنَّ الله يُدْنِي المُؤْمِنَ فَيَضَعُ عَلَيْهِ كَنَفَهُ وَيَسْتُرُهُ، فَيَقُوُل: أَتَعْرِفُ ذَنْبَ كَذَا؟ أَتَعْرِفُ ذَنْبَ كَذَا؟ فَيَقُوُل: نَعَم أَيْ رَبِّ، حَتَّى إِذَا قَرَّرَهُ بِذُنُوبِهِ، وَرَأَى فِي نَفْسِهِ أَنَّهُ هلَكَ، قَالَ: سَتَرْتُها عَلَيْكَ فِي الدُّنْيَا، وَأَنَا أَغْفِرُهَا لَكَ اليَوْمَ" (١)؛ يعني: أَتَجاوَزُ عنها، وفي الدُّنْيا سَتَرَها الله على العَبْد. ومُناسَبَة ذكر العِزَّة والمَغْفِرَةِ هنا بعد ذِكْرِ الخَشْيَةِ: الإشارَةُ إلى أنَّ الله أَهْلٌ لأن يُخْشَى؛ لأنَّه عزيزٌ؛ وأنَّه إذا نَقَصَ شَيْءٌ من الخَشْيَة فإنَّه يُقابَل بالمَغْفِرَة، فهو عزيزٌ فلذلك كان أَهْلًا للخَشْيَة، وهو غفورٌ إذا نَقَصَ شَيْءٌ مِمَّا يَجِبُ له من خَشْيَتِه .

стр. 198

قال المُفَسِّر ﵀: [﴿إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ﴾ في مُلْكِه ﴿غَفُورٌ﴾ لذنوب عبادِهِ المُؤْمِنينَ]. هذا مبنيٌّ على أنَّ العِزَّة بمَعْنى الغَلَبَة كما يُفَسِّرُها كثيرٌ من المُفَسِّرينَ بذلك، فيقول: العزيزُ؛ أي: الغالِبُ، ولكن هذا التَّفْسيرَ الذي ذكرناه ما نُطْلِقُه في مُلْكِه، تقول: (هو عزيز) ولا نُقَيِّده في المُلْك؛ لأنَّ الله تعالى عزيزٌ في مُلْكِه، وعزيزٌ في صِفاتِه كُلِّها، وعزيزٌ في شَرْعِه، فالعِزَّة عامَّةٌ، ما دمنا نقول: إنَّها عِزَّةُ الإمْتِناعِ والقَدْر والقَهْر. وأما [﴿غَفُورٌ﴾ لِذُنوبِ عِبادِهِ المُؤْمِنينَ] فَتْقِييدُها بذلك أيضًا فيه نَظَرٌ، ولو قال المُفَسّر ﵀: (غفورٌ لمن تابَ إليه) أو (لِمَنِ اسْتَغْفَرَه) لكان أَشْمَل؛ لأنَّ الله تعالى يَغْفِر حتى لِغَيْر المُؤْمِنينَ لو تابوا إلى الله، قال تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: ٣٨]، وقال تعالى: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [الزمر: ٥٣] فالتَّعْميمُ أَوْلَى من التَّخْصيصِ. من فوائد الآية الكريمة: الْفَائِدَة الأُولَى: بَيانُ قُدْرَةِ الله باخْتِلافِ ألَوْانِ النَّاسِ والدَّوَابِّ والأنعام؛ أي: أصْنافها وأَشْكالها؛ لأنَّ اختلافَ هذه الألَوْان - وهي نوعٌ واحِدٌ - دليلٌ على القُدْرَة، فبنو آدم مثلًا لا يُمْكِنُ أن يَشتَرِك شخصان أو أن يتماثَلَ شخصان في كلِّ شَيْء أبدًا، وإن قُدِّر تمَاثُلُهما في الخِلْقَة فَسَيَخْتَلِفَان في الخُلُق، والتَّساوِي في الخُلُق أمرٌ مُسْتَحيلٌ؛ لأنَّ النَّاس يَتبايَنونَ فيه تبايُنًا عظيمًا، يَتَباينُون فيه تبايُنًا أَشَدَّ من التَّبايُن الخِلْقِيِّ وإن كان التَّبايُنُ الخِلْقِيُّ أَظْهَر؛ لأنَّه يُشاهَد ويُرى، لكنَّ التَّبايُنَ الخُلُقي أشَدُّ؛ لأنَّه لا يُمْكِن أن يَتَّفِقَ النَّاس فيه أو أن يتساوى النَّاس فيه أبدًا؛ لأنَّ أيَّ كَلِمَة

стр. 199

تَحْصُل من أَحَدهِما دون الآخر يَحْصُل فيها التَّبايُنُ. الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: فَضيلَة خَشْيَة الله ؛ حيث لا يتَّصِف بها إلا العُلَماء. الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: فَضيلَةُ العِلْم لِكَوْنِه سببًا في خَشْيَة الله ، والخَشْيَة صفةٌ لها آثارٌ حميدَةٌ؛ لأنَّ الإِنْسَان إذا خَشِيَ ربَّه فإنَّه يتجَنَّب معاصِيَه ويفعل أوامِرَه خَوْفًا منه . ولهذا لما ذَكَر الله ثوابَ الذين آمنوا وعملوا الصَّالحِاتِ في قَوْله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ (٧) جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [البَيِّنَة: ٧ - ٨] قال: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ﴾ وهو دليلٌ على أنَّ الخَشْيَة تُوجِبُ الإيمانَ والعَمَلَ الصَّالِح. الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: إِثْباتُ اسْمَينِ من أَسْماء الله وهما (العزيز) و (الغفور)، وإثباتُ ما تَضَمَّناه من الصِّفَة، وهي العِزَّة والمَغْفِرَة، وإثباتُ ما تَضَمَّناه من الحُكْم وهو الأَثَر؛ أمَّا الغفورٌ فنَعَمْ، لها أَثَرٌ وحُكْمٌ؛ كما قال تعالى آخر سورة (البقرة): ﴿فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: ٢٨٤]. وهل العزيز لها حُكْمٌ؟ الجواب: قلنا: إنَّ من معانيها الغَلَبَةَ، وإذا كانت (عَزَّ) بمَعْنى غَلَبَ صارت مُتَعَدِّيَة فيكون لها حُكْم؛ أي: (أثر). إذن: إثباتُ ما تضَمَّنَه الإسْمانِ من الصِّفَة والحُكْم الذي نُعَبِّر عنه أحيانًا بالأَثَر، وقد تقدَّم أنَّ أَسْماء الله إمَّا لازِمَة وإمَّا مُتَعَدِّيَة، فاللَّازِمَة يَثْبُتُ منها الإسْمُ والصِّفَةُ، والمُتَعَدِّيَة يَثْبُتُ منها الإسْمُ والصِّفَةُ والأَثَر.

стр. 200

الآية (٢٩) * * * * قَالَ اللهُ : ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ﴾ [فاطر: ٢٩]. * * * قال المُفَسِّر ﵀: [﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ﴾ يَقْرَؤون ﴿كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ﴾ أداموها ﴿وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً﴾ زكاةً وغَيْرها ﴿يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُور﴾ تَهْلِكَ]. الإِعْرابُ في هذه الآيَة واضِحٌ ليس فيه إشكال، إلا أنَّ قَوْله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ﴾ تَحتاجُ إلى خَبَرٍ، فما هو الخبر؟ الخبر هو جُمْلَة ﴿يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُور﴾ هذا هو الصَّحِيحُ من أَقْوَال المُعْربين؛ يعني: أَنَّ هؤلاء فعلوا ذلك يَرْجونَ تجارةً لن تبور، فجُمْلَة ﴿يَرْجُونَ﴾ هي خبر ﴿إِنَّ﴾. قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ﴾ قال المُفَسِّر ﵀: [يَقْرَؤُون] والصَّوابُ أنَّ التِّلاوَةَ أَعَمُّ من القِراءَة، فالتِّلاوَةُ نوعان: تلاوةٌ لَفْظِيَّة وهي القِراءَة، وتِلاوَةٌ عَمَلِيَّة وهي اتِّباعُ القُرْآن تَصْديقًا للخَبَر وامْتِثالًا للأَمْر؛ ولهذا يقال: (تلاه بمَعْنى تَبِعَه)؛ أي: جاء بعده، فالتِّلاوَةُ أَعَمُّ من القِراءَة، والتِّلاوَة العَمَليَّة تَسْتَلْزِم فَهْم المَعْنى؛ لأنَّه لا يُمْكِن أن يُعْمَل إلا بما يُفْهَم، وعلى هذا يكون فِعْلُ الصَّحابَة ﵃ تطبيقًا لهذه الآيَة تمامًا؛ لأنَّهم لا يتجاوَزونَ عَشْرَ آياتٍ حتى يَتَعَلَّموها وما

стр. 201

فيها من العِلْمِ والعَمَلِ، قالوا: "فَتعَلَّمْنَا القُرْآن وَالعِلْمَ وَالعَمَلَ" (١). قَوْله تعالى: ﴿يَتْلُونَ﴾ فعلٌ مُضارعٌ يدلُّ على الإسْتِمْرار، بخلاف ما لو قال: (إنَّ الذين تَلَوْا) بالماضي، فإنَّه لا يُفيدُ المَعْنى الذي يُفيدُه المضارُعُ ﴿يَتْلُونَ﴾. وَقَوْله تعالى: ﴿كِتَابَ اللَّهِ﴾ هل هو القُرْآنُ أو هو أَعَمُّ من ذلك؟ الجواب: هو أَعَمُّ من ذلك، كِتَاب الله: الكُتُب التي أنزلها الله تعالى على الرُّسُل، فيَشْمَلُ جَميعَ الكُتُبِ؛ لأنَّ هذا الحُكْم يَشْمَلُ المُؤْمِنينَ من هذه الأُمَّة والمُؤْمِنينَ مِمَّا سَبَقَهم، فيكون المُرَادُ هنا: ﴿كِتَابَ اللَّهِ﴾ كل كِتَابٍ أنزله الله تعالى على رسُله. قَوْله تعالى: ﴿وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ﴾ معطوفَةٌ على ﴿يَتْلُونَ﴾ قال المُفَسِّر ﵀: [أداموها] والصَّوابُ خلاف ما قاله المُفَسِّر ﵀، يعني: معناه أنَّنا نختار كَلِمَةً أَشَدَّ مُطابَقَةً لِلَّفْظِ؛ فـ ﴿وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ﴾ أي: أتَوْا بها مُسْتَقيمَة؛ فيَشْمَلُ فِعْلَ الصَّلاة تامَّةً بِشُروطِها، وأَرْكانِها، وواجِباتِها، ومُسْتَحَبَّاتِها، ويَشْمَلُ الإِدامَة، أيضًا؛ لأنَّ الإِدامَة مِنَ الإِقامَة، وعلى هذا نقول: ﴿وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ﴾ أي: فَعلوها قائِمَةً؛ أي: مُسْتَقيمَة على الوَجْهِ المطلوبِ منهم. لو أنَّ الإِنْسَان أدامَ الصَّلاةَ لكن يُخِلُّ بأرْكانِها أو واجباتِها، فهل يقال: إنَّه أقام الصَّلاة؟ الجواب: لا، فالرَّجُلُ الذي جاء يُصَلِّي ولا يَطْمَئِنُّ كان يصلي هذه الصَّلاة منذ أَسْلَم، والرَّسُولُ ﵊ قال له: "صَلِّ؛ فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ" (٢) مع أنَّه يُديمُ

стр. 202

الصَّلاة ويُصَلِّي لَكِنَّه لم يُصَلِّ؛ حيث إنَّه لم يأتِ بها قائِمَةً على الوجه المطلوب، فالصَّوابُ أنَّ الإقامَة هنا بمَعْنى أن يفعلها على الوَجْهِ المطلوب منه. والصَّلاةُ مَعْروفة للجميع لا تحتاج إلى تَعْريفٍ؛ لأنَّها عِبَادَةٌ ذاتُ أَقْوَالٍ وأفعالٍ مَعْلومَةٍ، مُفْتَتَحَةٌ بالتَّكْبيرِ مُخْتَتَمَةٌ بالتَّسْليمِ. قَوْله تعالى: ﴿وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً﴾. ﴿وَأَنْفَقُوا﴾ بمَعْنى بذلوا وأَخْرَجوا، ﴿مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ﴾ مما أعطيناهم؛ لأنَّ الرِّزْق بمَعْنى العطاء. وَقَوْله تعالى: ﴿مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ﴾ هل (مِنْ) لبيانِ الجِنْسِ أو هي للتَّبْعيض؟ الأَوْلى أن نجعلها لبيانِ الجِنْس؛ لتَشْمَل ما لو أنفقوا جميعَ أَمْوالِهم على الوجْه الذي يرضاه الله ورسوله، فإنَّهم يدخلون في هذا الوَصْفِ. قَوْله تعالى: ﴿سِرًّا وَعَلَانِيَةً﴾: ﴿سِرًّا﴾ مَصْدَرٌ، ولَكِنَّها في مَوْضِعِ الحالِ؛ أي: مُسِرّينَ ومُعْلِنينَ، فالإسرارُ أن يُخْفُوا الإنفاقَ، فلا يَعْلَمُ به إلا المُنْفَقُ عليه، والإعلان أن يُظْهِروه للنَّاس إمَّا إِظْهارًا كامِلًا شامِلًا، وإمَّا أن يكون إظهارًا نِسْبِيًّا يَعْلَمُ به مَن حوله، وكل ذلك يُمْدَحُون عليه، وسيأتي - إن شاء الله - في ذكر الفَوائِدِ أنَّ هذا يكون بحَسَبِ الحالِ. قال المُفَسِّر ﵀: [﴿وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً﴾ زكاةً وغيرها] غَيْر الزكاة: كالإِنْفاقِ الواجِبِ على الأَقارِبِ وكَصَدَقاتِ التَّطَوُّع، فالإنفاق هنا شامِلٌ. قَوْله تعالى: ﴿يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ﴾.

стр. 203

﴿يَرْجُونَ﴾ يعني: يُؤَمِّلون ويطلبون من هذه التِّجارة ﴿تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ﴾ أي: لن تَهْلِكَ، كما قال المُفَسِّر ﵀. وما هذه التِّجارة؟ التجارة ذكرها الله في قَوْله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (١٠) تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١١) يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ [الصف: ١٠ - ١٢] فهنا عِوَض ومُعَوَّض، العِوَض: الإيمان بالله والجهادُ في سبيله، المعوَّضُ: ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً﴾ [الصف: ١٢] هذه التِّجارة لا شَكَّ أنَّها أَرْبَح التِّجاراتِ، وأنَّها أَبْقَى التِّجاراتِ. أَرْبَحُ التجارات؛ لأنَّ الرِّبْحَ فيها العَشْرُ مِئَة، فالحَسَنَة بِعَشْرِ أَمْثالهِا إلى سَبْعِ مِئَة ضِعْفٍ إلى أضعافٍ كثيرة. وأبقى كذلك؛ فهي أبقى التجارات بلا شَكٍّ؛ لأنَّها في جنَّاتِ عَدْنٍ؛ أي: في جنات إِقامَةٍ لا ظَعْنَ فيها. من فوائد الآية الكريمة: الْفَائِدَة الأُولَى: فَضْلُ تِلاوَةِ كِتَاب الله ؛ لِقَوْله تعالى: ﴿يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ﴾. الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أنَّ الرجاء يَنْبَغي أن يكون في مَحَلِّه، بحيث يكون الإِنْسَانُ قد عَمِلَ عملًا يرجو الثَّوابَ عليه، أمَّا الرَّجاءُ بدون عمل فهو من التَّمَنِّي الذي لا ينفع العبد، وفي الحديث: "الكَيِّسُ مَنْ دَانَ نَفْسَهُ وَعَمِلَ لِمَا بَعْدَ المَوْتِ وَالعَاجِزُ مَنْ أَتْبَعَ

стр. 204

نَفْسَهُ هَوَاهَا وَتَمَنَّى عَلَى اللهِ الأَمَانِيَّ" (١) فلا رجاء إلا بعمل. وفي الحديث الصَّحِيح أيضًا: "لَا يَمُوتَنَّ أَحَدُكُمْ إِلَّا وَهُوَ يُحْسِنُ الظَّنَّ باللهِ" (٢)، وفي الحديث الصَّحِيح: "أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي" (٣). وكل هذه النُّصوص وما أشبهها إنَّما تكون فيمن يَعْمَل ما يُمْكِن أن يرجو به ذلك وأن يُحْسِنَ به الظَّنَّ. فلو أنَّ أَحَدًا أساء واسْتَكْبَر عن عِبَادَة الله، وقال: (أنا أُحْسِنُ الظَّنَّ بالله) لكان هذا ظنَّ وَهْمٍ، لا بُدَّ من شَيْء يَبْنِي عليه هذا الظَّنَّ، لو قال: (أنا أرجو رَحْمَةَ الله). قلنا: هذا وَهْمٌ حتى تَعْمَلَ؛ ولهذا قال الله تعالى في سورة (البقرة): ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢١٨] هؤلاء هم الذين يرجون، وهنا أيضًا مِثْلها. الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: أنَّ الثَّواب في الآخِرَة لا يَنْقَطِع؛ لِقَوْله تعالى: ﴿لَنْ تَبُورَ﴾ بل ربَّما نقول: إن هذا أَعَمُّ؛ بحيث يُثاب الإِنْسَان في الدُّنْيا ثوابًا مُسْتَمِرًّا إلى الآخِرَة؛ لأنَّ الحَسَناتِ قد يرى الإِنْسَانُ ثوابَها في الدُّنْيا، وثوابُها في الدُّنْيا يَسْتَمِرُّ إلى الثَّواب في الآخِرَة؛ كما قال الله تعالى: ﴿كَذَلِكَ يَجْزِي اللَّهُ الْمُتَّقِينَ (٣١) الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ

стр. 205

طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ﴾ [النحل: ٣١ - ٣٢]. الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: فضل إقامة الصَّلاةِ؛ لِقَوْله تعالى: ﴿وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ﴾ وهو شاملٌ لفَرْض الصَّلاة ونَفْلها، فما تقام به الفَريضَةُ تقام به النَّافِلَة، وما تقام به النافِلَة تُقامُ به الفَريضَة إلا بِدَليلٍ يدلُّ على الفَرْقِ بينهما. وقد جَمَعْنا الفُروقَ بين فرض الصَّلاة ونَفْلها فبَلَغَتْ ثمانيةً وعِشرينَ فَرْقًا؛ منها ما هو واضِحٌ دلَّت عليه السُّنَّة، ومنها ما هو دون ذلك. المُهِمُّ: أنَّ الأصل أنَّ إقامَةَ الفَريضَةِ إقامَةٌ للنَّافِلَة، وأن إقامة النَّافلة إقامة للفريضَة، هذا الأصل، فما ثبت في إحداهما ثبت في الثاني إلا بِدَليلٍ. الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: فَضيلَة الإنفاقِ؛ لأنَّه أَعْقَبَ الصَّلاة به فقال: ﴿وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا﴾ وهو يدلُّ على أنَّ هذا الإنفاقَ يَشْمَل الزَّكاة وغير الزكاة؛ لأنَّ الله تعالى يَقْرِن دائمًا في الذِّكْر بين الصَّلاة والزَّكاة. الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: أنَّ المُنْفِقَ ليس مانًّا على الله ؛ لأنَّه إنَّما يُنْفِقُ مِمَّا رزقه الله، فمهما بَلَغَت بك نفْسُك من الإعجاب والكِبْرياء على إنفاقِكَ فاذْكُر قَوْله تعالى: ﴿مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ﴾ كُلُّ شَيْءٍ تُنْفِقُه فليس لك فيه مِنَّة على الله ، بل لله المِنَّة عليك به في إيجادِهِ وفي إنفاقِهِ؛ ففي إيجاده؛ لأنَّه لولا أنَّ الله رزقك ما حصل لك، وفي إنفاقه؛ لأنَّ كثيرًا من النَّاس يَبْخَلون بما آتاهم الله من فَضْلِه، قال تعالى: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ﴾ [آل عمران: ١٨٠] فمن نِعْمَة الله عليك أن يَمُنَّ عليك بالإنفاق بعد أنْ مَنَّ عليك بالرِّزْقِ والعطاء. الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: أنَّ الإنفاقَ لا نقول: إنَّ الإسرارَ فيه أَفْضَل، ولا إنَّ الإعلانَ

стр. 206

فيه أفضل، بل هو بحَسَبِ الحال، فتارةً يكون الإنفاقُ سرًّا أَفْضَلَ، وتارة يكون الإنفاقُ عَلَنًا أَفْضَلَ؛ حَسَب ما تَقْتَضيه الحالُ، بخلاف الصَّدَقَة فالأَصْلُ فيها السِّرُّ، قال الله تعالى: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٧١]؛ لأنَّ الصَّدَقَة فيها نَوْعُ مِنَّةٍ على المُعْطَى، فربَّما يَنْكَسِرُ أمام النَّاسِ إذا أُعْلِنَت الصَّدَقَةُ له، فصار إخفاؤها أَفْضَل، وفي الحديث الصَّحِيح في الذين يُظِلُّهُم الله في ظِلِّه: "وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فَأَخْفَاهَا" (١). أمَّا الأشياء العامَّة والمُعْلَنَة كما لو أردنا أن نُنْفِقَ في مشروعٍ خَيْرِيٍّ عامٍّ لا يظهر فيه المِنَّة على شخصٍ معين فهنا قد يكون الإعلانُ فيه أَفْضَل، وكذلك لو أنَّ شَخْصًا جاء إلينا، وقال: (أرجو أن تَجْمَعوا لي من النَّاس) فهنا قد يكون الإعلانُ فيه أَفْضَل من أجل أن يَقْتَدِيَ بك غَيْرك، وهذا الرَّجُل الذي طَلَبَ منَّا أن نجمع له لا يُهِمُّه أن يعلم النَّاس بأنَّه يُتَصَدَّق عليه أو لا يُتَصَدَّق. فالمُهِمُّ أن نقول: إنَّ السِّرَّ والإعلان في الإنفاق كُلُّه خَيْرٌ، لكنَّ الصَّدَقَة الأَفْضَل فيها السِّرُّ لِمَا في إظهارها من كَسْرِ قَلْبِ المعطَى، وأمَّا الأشياء العامَّة أو الصَّدَقَة على شَخْص مُعَيَّن هو الذي طلب منا أن نَجْمَع له مثلًا، فهذا قد يكون الإعلانُ فيه أفْضَلَ. الْفَائِدَةُ الثَّامِنَةُ: التَّنْبيهُ على الإخلاص؛ لِقَوْله : ﴿يَرْجُونَ تِجَارَةً﴾ لا يريدون تجارةَّ تَبور وتَهْلِك؛ يعني: لا يريدون مثلًا سُمْعَة؛ لأنَّ السُّمْعَة والجاه بين النَّاس لا شَكَّ أنَّه كَسْبٌ للمَرْءِ، ويُعْتَبر تجارة، لكن هذه تِجارَةٌ هالِكَةٌ تزول بزوال

стр. 207

الشَّخْص، أو تزول بزوالِ ما اشْتُهِرَ به؛ لأنَّ من حُمِدَ على شَيْء ذُمَّ على فَقْدِه، لكن الذي يرجو ثوابَ الله ويُحْسِنُ النِّيَّة والقَصْد هذا هو الذي حصل على تجارة لن تبور. ففيه: التَّنْبيهُ على الإخلاصِ، وأنَّه يَنْبَغي على الإِنْسَانِ أن يكون مُخْلِصًا لله تعالى في عَمَلِه اللَّازِمِ أو القاصِرِ والمُتَعَدِّي؛ فالقاصر كالصَّلاة، والمتعدي كالصَّدَقَةِ. * * *

стр. 208

الآية (٣٠) * * * * قَالَ اللهُ : ﴿لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ﴾ [فاطر: ٣٠]. * * * قَوْله تعالى: ﴿لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ﴾ أي: يُعْطيهم أُجورَهم وافِيَةً كامِلَةً، وضميرُ الفاعل يعود على (الله)؛ لِقَوْله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ﴾ [فاطر: ٢٩]، وَقَوْله تعالى: ﴿لِيُوَفِّيَهُمْ﴾ هذه اللَّامُ للعاقِبَة، وقيل: للتَّعْليل. فعلى القَوْلِ بأنَّها للعاقِبَة تكون مُتَعَلِّقَةً بـ ﴿يَرْجُونَ﴾ فـ ﴿يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ﴾ عاقِبَتُهم أن يُوَفِّيَهُم الله أجورَهم. وعلى أنَّها للتَّعْليلِ مُتَعَلِّقَةٌ بـ ﴿يَتْلُونَ﴾ و ﴿وَأَقَامُوا﴾ و ﴿وَأَنْفَقُوا﴾ يعني: يَتْلُونَها لِيُوَفِّيهُم أُجورَهم، أقاموا الصَّلاة لِيُوَفِّيهم أجورهم، أنفقوا مِمَّا رزقناهم لِيُوَفِّيَهم أجورهم؛ يعني: قصدوا ما رَتَّبَ الله على هذه الأعمال من الأُجُورِ. وهذا الفِعْل ينصبُ مَفْعولينِ: أَحَدهما هنا: الهاءُ، والثاني: (أُجور)، وهو من أخوات (كسا)، و (أعطى)؛ لأنَّه نَصَبَ ما لا يَصِحُّ أن يكون مُبْتَدَأً وخبرًا، وكُلُّ فعلٍ ينصب مفعولين لا يَصِحُّ أن يكون أَحَدهما خَبَرًا عن الآخر فهو من باب (كسا). قال المُفَسِّر ﵀: [﴿لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ﴾ أي: ثَوابَ أَعْمالهِم المذكورة] وهذه التَّوْفِيَة هذه مَعْروفَةٌ لنا جميعًا، وهي أنَّ الحَسَنَة بِعَشْرِ أَمْثالهِا إلى سبع مِئَة ضعف

стр. 209

إلى أضعافٍ كثيرة؛ فمثلًا الصَّلاة حَسَنَةٌ بِعَشْرِ أَمْثالهِا إلى سبع مِئَة ضِعْفٍ إلى أضعافٍ كثيرة، ومع الجماعة تكون سبعًا وعِشرينَ حَسَنة، كُلُّ حَسَنةٍ بِعَشْرِ أَمثالهِا. قَوْله تعالى: ﴿وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾ معطوفة على ﴿يُوَفِّيَهُمْ﴾؛ يعني: يزيدهم عطاءً وأَجْرًا من فضله، وهذا مثل قَوْله تعالى: ﴿كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة: ٢٦١]. وَقَوْله تعالى: ﴿وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾ يَشْمَل الفَضْل في الدُّنْيا والآخِرَة؛ أمَّا في الدُّنْيا فإنَّ الإِنْسَان إذا عمل العَمَل الصَّالِح مُخْلِصًا لله به حَبَّبَ الله إليه العَمَل حتى يزيد في العَمَلِ، وهذا شَيْء مُشاهَد، كذلك إذا أعطى وأنفق زاده الله من فَضْلِه، قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ﴾ [سبأ: ٣٩]؛ أي: يأتي بخَلَفِه. فالزِّيادَة إذَنْ: تشمل زيادَةَ الأُجورِ، وزيادةَ الأَعْمالِ، وزيادَةَ المالِ المنفَقِ منه؛ فزيادة الأعمال؛ لأنَّه الإِنْسَانَ كلَّما عَمِلَ صَالحًا حَبَّب الله إليه العَمَل وزاده فيه، وزيادَة المالِ، كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ [سبأ: ٣٩]، وَقَوْله تعالى: ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ﴾ [الروم: ٣٩]. وَقَوْله تعالى: ﴿وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾ أي: عطائِهِ الذي يَتَفَضَّلُ به عليهم. قال المُفَسِّر ﵀: [﴿إِنَّهُ غَفُورٌ﴾ لذُنُوبِهم ﴿شَكُورٌ﴾ لطاعَتِهِم]. هذا تعليل لما سبق من تَوْفِيَة الأجور والزِّيادَة من الفَضْل؛ يعني أنَّ الله لِكَوْنه غفورًا رحيمًا صار يُوَفِّيهم أجورَهُم ويزيدُهُم من فضله، وفي هذا: إشارَةٌ إلى مَغْفِرَة الله للعامِلِ وإلى شُكْرِه إياه.

стр. 210

الـ ﴿غَفُورٌ﴾ صيغة مبالَغَة أو صفةٌ مُشَبَّهَة، مَأْخوذة من الغَفْرِ، وهو السِّتْر مع الوقاية؛ لأنَّ أَصْلَ هذه المادة المِغْفَر، والمِغْفَر يَحْصُلُ به السِّتْر والوقاية، إِذَن ما مَعْنى أنَّ الله غفور؟ معناه: أنَّ الله يَسْتُرُ الذُّنوبَ ويتجاوَزُ عن العُقُوبَة، وما أكْثَرَ ما نُذْنِبُ فيما بيننا وبين رَبِنا ومع ذلك يَسْتُرُها الله ، وإذا كان يومُ القِيامَة عفا عن عُقُوبَتها، وبذلك تتحَقَّق المَغْفِرَة. أما الـ ﴿شَكُورٌ﴾ فنقول في تَصْريفِه كما قلنا في غفور: إنَّه إمَّا صيغةُ مُبالَغَة، وإمَّا صفةٌ مُشَبَّهَة، فهو شكورٌ؛ أي: يشكر من عَمِلَ العَمَل الصَّالِح، ومِنْ شُكْرِه إياه أنَّه يُضاعِفَ له الأَجْرَ؛ فالحَسَنَة بِعَشْرِ أمثالهِا إلى سَبْع مِئَة ضِعْفٍ إلى أضعافٍ كثيرة، وانظر إلى كمال الله عليك في صِفَتِه أنَّه هو الذي يَمُنُّ عليك بالعَمَل، ثم يَشْكُرُك عليه ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ﴾ [الرحمن: ٦٠] سبحان الله العظيم! ربُّنا يُحْسِنُ إلينا ثم يقول: (ما جزاء إِحْسانِكُم إلا أنْ أُحْسِنَ إليكم) وهو الذي تَفَضَّلَ به أوَّلًا، وهذا يدلُّ على سَعَةِ كَرَمِ الله، والحَمْدُ لله، وأنَّه واسِعُ الكرم. من فوائد الآية الكريمة: الْفَائِدَة الأُولَى: أنَّ طلب الإِنْسَان للثَّوابِ غايةٌ عَظيمَة؛ لأنَّ اللَّام - كما أشرنا إليه آنفًا - للتَّعْليل، هذا إذا قلنا: إنَّها للتَّعْليل، وهي صَالحِة للتَّعْليل، فكون الإِنْسَانِ يَعْمَل من أجل الأَجْر فإن هذا لا يُعدُّ نقصًا، خلافًا للصُوفِيَّة الذين يقولون: (لا تَعْبُدِ اللهَ لثواب الله، ولكن اعْبُدِ الله لله) فنقول لهم: هذا خطأ، فالله تعالى وَصَفَ أَشْرَفَ هذه الأُمَّة وخَيْرَ هذه الأُمَّة بأنَّهم يريدون فضلًا من الله ورِضْوانًا، قال الله تعالى:

стр. 211

﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا﴾ [الفتح: ٢٩]، ومع ذلك لا نقول: (إنَّك لا تعبد الله لله) بل اعْبُدِ الله لله ولِثوابِ الله؛ فإنَّك لن تَصِلَ إلى الله إلا بعد وُصولِكَ إلى ثوابِ الله، فإنَّ لقاء الله - اللقاء الذي هو الرِّضا التَّامُّ - إنَّما يَحْصُل في الجَنَّة؛ ولهذا قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ﴾ [آل عمران: ١٨٥] هذا الفوز الكامل، وَقَوْله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ﴾ [الرعد: ٢٢] متى يرون وجه الله؟ الجواب: إذا دخلوا الجَنَّة، رُؤْيَةُ وَجْهِ الله الرُّؤْيَة التَّامَّة بعد دخول الجَنَّة. الحاصِلُ: أنَّ في هذه الآيَة وأمثالهِا ما يدلُّ على ضَعْفِ ذلك المَسْلَك الذي سلكه أولئك الصُّوفِيَّة بألَّا تَعْبُدَ الله لثواب الله ولكن اعْبُدِ الله لله، فنقول: ما أكْثَرَ الآياتِ الدالَّةَ على أنَّ العِبَادَة تكون لِفَضْل الله وثوابه. الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: ضمان الثَّوابِ؛ يعني أنَّ الثَّواب مَضْمونٌ للعامل الذي يتعامل مع الله بناءً على أنَّ اللَّام للعاقِبَة؛ أي: إنَّ هذا العَمَلَ سوف يُوَفَّى: ﴿لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ﴾ وفيه أيضًا وجْهٌ آخر لضمان الثَّوابِ؛ أنَّ الله سماه أجرًا، والأجر لا بُدَّ أن يُدْفَعَ لمن قام بالعَمَل. بل جاء في الحديث الصَّحِيح، قال الله تعالى في الحديث القدسي: "ثَلَاثَةٌ أَنَا خَصْمُهُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ: رَجُلٌ أَعْطَى بِي ثُمَّ غَدَرَ، وَرَجُلٌ بَاعَ حُرًّا فَأَكَلَ ثَمَنَهُ، وَرَجُلٌ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا فَاسْتَوْفَى مِنْهُ وَلَمْ يُعْطِهِ أَجْرَهُ" (١). فإذا كان الله خصمًا لهؤلاء؛ لأنَّهم لم يُعْطُوا الأجر فإنَّه يدلُّ على أنَّ الأجر الذي ضمنه الله لعباده سوف يَحْصُل قطعًا، ولكن لا بُدَّ أن يكون العَمَل صحيحًا.

стр. 212

الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: أنَّ جزاء الحسنات أكثر مِمَّا يجب؛ لِقَوْله تعالى: ﴿وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾ وزيادة الفضل شرحناها في التَّفْسير. الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: إِثباتُ الإسْمَين الكريمينِ: (الغفور) و (الشَّكور)، وما تَضَمَّناه من صفة، وهي: المَغْفِرَةَ والشُّكر، وما تضَمَّناه أيضًا من أثَرٍ وهو الحُكم، فإن (غفور) يؤخَذُ منها أنَّه يغفر، و (شكور) يؤخذ منها أنَّه يَشْكُر من يستحِقُّ الشُّكْر. الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: دليلٌ على ثُبُوتِ الأَفْعالِ الإخْتِيارِيَّة لله ؛ لِقَوْله تعالى: ﴿لِيُوَفِّيَهُمْ﴾ و ﴿وَيَزِيدَهُمْ﴾ وهذا مذهب أَهْل السُّنَّة والجماعَة أنَّهم يُثْبِتون لله تعالى الأفعال الإخْتِيارِيَّة؛ أي: التي تقع بِمَشيئَتِه، فإنَّه تعالى فعَّالٌ لما يريد خلافًا لمن زعم أنَّ الله تعالى لا يُوصَفُ بشَيْء حادثٍ أبدًا. * * *

стр. 213

(الآية: ٣١) * * * * قَالَ اللهُ : ﴿وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ إِنَّ اللَّهَ بِعِبَادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾ [فاطر: ٣١]. * * * جُمْلَة: ﴿وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ هُوَ الْحَقُّ﴾ جاءت بالصِّيغَة الإسْمِيَّة المحصورة، وطريقُ حَصْرِها أمران: الأَمْر الأول: تَعْريفُ رُكْنَيْها وهما المُبْتَدَأ والخبر، فـ ﴿وَالَّذِي﴾ مُبْتَدَأ، و ﴿الْحَقُّ﴾ خبر، وقد قال أَهْلُ البَلاغَة: إنَّ تَعْريفَ الرُّكْنَيْنِ من الجُمْلَة الإسمِيَّة يفيد الحَصْر. الأَمْر الثاني: من طُرُق الحَصْر هو ضَميرُ الفَصْل وهو قَوْله تعالى: ﴿هُوَ الْحَقُّ﴾ وضمير الفصل مِن فَوائِدِه: الحَصْر، وله فائِدَة ثانية: التَّوْكيد، وله فائِدَة ثالِثَة: الفَصْلُ بين الخبر والصِّفَة. قَوْله تعالى: ﴿وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ هُوَ الْحَقُّ﴾ الوَحْيُ: إِعْلامُ الله أنبياءَه ورُسُلَه بشريعةٍ من شرائعه، هذا هو الوَحْيُ شرعًا، أمَّا في اللُّغَة فقالوا: إنَّ الوَحْيَ هو الإِعْلام بسُرْعةٍ وخفاءٍ؛ يعني: مثل الإِشَارَة، والهَمْس، وما أشبههما، تُسَمَّى وحيًا. أما السُّنَّة فإنَّها نوعان: منها وحيٌ، ومنها ما ليس بِوَحيٍ، أحيانًا يُسْأَل النَّبِيُّ ﵊ عن شَيْء ولا يُجيبُ، فيَنْزِل عليه الوحي فيجيب بحديثٍ نَبَوِيٍّ؛ مثل

стр. 214

قصة يَعْلَى بن أمَيَّة الذي كان أحْرَمَ بالعُمْرة وهو مُتَضَمِّخٌ بالخلوق، فسأل النَّبِيَّ ﷺ عن ذلك، ولَكِنَّه لم يُجِبْه حتى جاءه الوحي (١)، وأحيانًا يُسْأَلُ عن الشَّيْء ثم ينزل به الوَحْيُ على أنَّه كَلَام الله (قُرْآن) فيُبَلِّغُه النَّبِيُّ ﷺ . قَوْله تعالى: ﴿وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ﴾ المُرَادُ به هنا القُرْآن قطعًا؛ بدليل قَوْله تعالى: ﴿مِنَ الْكِتَابِ﴾ لأن ﴿مِنَ﴾ بيانِيَّة، تُبَيِّنُ الإبهام في اسْم الموصول ﴿وَالَّذِي﴾ لأنَّ اسْمَ الموصول فيه إبهامٌ، فإذا جاءت من بعد اسْم الموصول فهي تَبْيِينِيَّة. قال المُفَسِّر ﵀: [﴿وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ﴾ القُرْآن] وهو كِتَاب بمَعْنى مَكْتوبٍ؛ لأنَّ صيغة (فِعَال) تأتي كثيرًا بمَعْنى مَفْعولٍ، وأمثلتها: (غِراس، بِناء، فِراش) بمَعْنى: مَغْروس، ومَبنِيٍّ، ومَفْروش، فالكِتَاب بمَعْنى مكتوبٍ، مكتوب في أي شَيْءٍ؟ مكتوب في اللَّوْحِ المَحْفوظ، مكتوبٌ في الصُّحُف التي بأيدي المَلائِكَةِ؛ كما قال تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ (١١) فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ (١٢) فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ (١٣) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ (١٤) بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (١٥) كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾ [عبس: ١١ - ١٦]، مَكْتوبٌ في المصاحف التي بأيدينا. إذن: هو مَكْتوبٌ على ثلاثَةِ أَوْجُهٍ: اللَّوْح المَحْفوظ، الصُّحُف التي بأيدي المَلائِكَة، الصُّحُف التي بأيدينا. قَوْله تعالى: ﴿هُوَ الْحَقُّ﴾: ﴿هُوَ﴾ ضميرُ فَصْلٍ، و ﴿الْحَقُّ﴾ خَبَرُ ﴿وَالَّذِي﴾ فالذي أوحى الله إلى رَسُوله ﷺ هو الحَقُّ، أكَّدَ الله ذلك بِمُؤَكِّدَينِ: ضَميرِ الفَصْلِ، وتَعْريف رُكْنَيِ الجُمْلَة. قَوْله تعالى: ﴿الْحَقُّ﴾: يعني: الشَّيْءَ الثَّابِتَ صِدْقًا في الأَخْبار وعدلًا في

стр. 215

الأَحْكَام، فأَحْكَامُ القُرْآن كُلُّها عَدْلٌ، وأَخْباره كُلُّها صِدْقٌ، ليس فيها كَذِبٌ بِوَجْهٍ من الوجوه، وليس في أَحْكَامِهِ جَوْرٌ بوجهٍ من الوجوه؛ لأنَّك إذا تأمَّلْتَ أَحْكَامه وَجَدْتَه قد أعطى كل ذي حَقٍّ حَقَّه؛ فلهذا كان عدلًا في الأَحْكَام، وإذا تأمَّلْتَ أَخْباره وَجَدْتَها كُلَّها صدقًا، وهذا هو الصِّدْق في الأَخْبار، وقد قال الله تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [الأنعام: ١١٥]. قَوْله تعالى: ﴿مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ قال المُفَسِّر ﵀: [تَقَدَّمَه من الكُتُب]؛ يعني: مُصَدِّقًا لما تَقَدَّمَه من الكُتُب؛ لأنَّ الكتب التي سَبَقَتْه تكون بين يديه، ألا ترى إلى الرَّجُل يكون أمامك فهو قد سَبَقَك، وتقول: (إنَّ الرَّجُل بين يديك)، وربَّما يقال لمِا بين اليدين للشَّيْءِ المُسْتَقْبَل؛ لأنَّه أمامك أيضًا كما في قَوْلِه تعالى: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ [البقرة: ٢٥٥]؛ أي: مُسْتَقْبَلَهم وماضِيَهم. وَقَوْله تعالى: ﴿مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ كَيْفِيَّةُ التَّصْديقِ للكُتُب السابقة من وَجْهَيْنِ: الوجه الأول: أنَّه صدَّقها؛ أي: أَثْبَتَ أنَّها صادقة، فالقُرْآنُ يُثْبِتُ صِحَّة التوراة والإِنْجيل والزَّبُور وغير ذلك من الكُتُب، ويُبَيِّن أنَّها صِدْق. الوجه الثاني: ﴿مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ لأنَّ الكُتُبَ السَّابِقَة أخبرت به، فنُزُولُه يكون تَصْديقًا لها، فهو مُصَدِّقٌ لما بين يديه من وَجْهَيْنِ: الوجه الأول: أنَّه صَدَّقَ ما سبقه؛ أي: قال: إنَّها كُتُبٌ صادِقَة ثابِتَة وأوجب الإيمان بها. والوجه الثاني: أنَّه صَدَّقَ ما أخْبَرَتْ به؛ أي: نَزَلَ مُطابِقًا لما أخبرت به كما قال
следующие страницы →