← Тафсир

Тафсир · id 151156

تفسير العثيمين: فاطر

ابن عثيمين

Полный текст (321 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا﴾ [الفتح: ٢٩]، ومع ذلك لا نقول: (إنَّك لا تعبد الله لله) بل اعْبُدِ الله لله ولِثوابِ الله؛ فإنَّك لن تَصِلَ إلى الله إلا بعد وُصولِكَ إلى ثوابِ الله، فإنَّ لقاء الله - اللقاء الذي هو الرِّضا التَّامُّ - إنَّما يَحْصُل في الجَنَّة؛ ولهذا قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ﴾ [آل عمران: ١٨٥] هذا الفوز الكامل، وَقَوْله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ﴾ [الرعد: ٢٢] متى يرون وجه الله؟ الجواب: إذا دخلوا الجَنَّة، رُؤْيَةُ وَجْهِ الله الرُّؤْيَة التَّامَّة بعد دخول الجَنَّة. الحاصِلُ: أنَّ في هذه الآيَة وأمثالهِا ما يدلُّ على ضَعْفِ ذلك المَسْلَك الذي سلكه أولئك الصُّوفِيَّة بألَّا تَعْبُدَ الله لثواب الله ولكن اعْبُدِ الله لله، فنقول: ما أكْثَرَ الآياتِ الدالَّةَ على أنَّ العِبَادَة تكون لِفَضْل الله وثوابه. الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: ضمان الثَّوابِ؛ يعني أنَّ الثَّواب مَضْمونٌ للعامل الذي يتعامل مع الله بناءً على أنَّ اللَّام للعاقِبَة؛ أي: إنَّ هذا العَمَلَ سوف يُوَفَّى: ﴿لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ﴾ وفيه أيضًا وجْهٌ آخر لضمان الثَّوابِ؛ أنَّ الله سماه أجرًا، والأجر لا بُدَّ أن يُدْفَعَ لمن قام بالعَمَل. بل جاء في الحديث الصَّحِيح، قال الله تعالى في الحديث القدسي: "ثَلَاثَةٌ أَنَا خَصْمُهُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ: رَجُلٌ أَعْطَى بِي ثُمَّ غَدَرَ، وَرَجُلٌ بَاعَ حُرًّا فَأَكَلَ ثَمَنَهُ، وَرَجُلٌ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا فَاسْتَوْفَى مِنْهُ وَلَمْ يُعْطِهِ أَجْرَهُ" (١). فإذا كان الله خصمًا لهؤلاء؛ لأنَّهم لم يُعْطُوا الأجر فإنَّه يدلُّ على أنَّ الأجر الذي ضمنه الله لعباده سوف يَحْصُل قطعًا، ولكن لا بُدَّ أن يكون العَمَل صحيحًا.

стр. 212

الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: أنَّ جزاء الحسنات أكثر مِمَّا يجب؛ لِقَوْله تعالى: ﴿وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾ وزيادة الفضل شرحناها في التَّفْسير. الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: إِثباتُ الإسْمَين الكريمينِ: (الغفور) و (الشَّكور)، وما تَضَمَّناه من صفة، وهي: المَغْفِرَةَ والشُّكر، وما تضَمَّناه أيضًا من أثَرٍ وهو الحُكم، فإن (غفور) يؤخَذُ منها أنَّه يغفر، و (شكور) يؤخذ منها أنَّه يَشْكُر من يستحِقُّ الشُّكْر. الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: دليلٌ على ثُبُوتِ الأَفْعالِ الإخْتِيارِيَّة لله ؛ لِقَوْله تعالى: ﴿لِيُوَفِّيَهُمْ﴾ و ﴿وَيَزِيدَهُمْ﴾ وهذا مذهب أَهْل السُّنَّة والجماعَة أنَّهم يُثْبِتون لله تعالى الأفعال الإخْتِيارِيَّة؛ أي: التي تقع بِمَشيئَتِه، فإنَّه تعالى فعَّالٌ لما يريد خلافًا لمن زعم أنَّ الله تعالى لا يُوصَفُ بشَيْء حادثٍ أبدًا. * * *

стр. 213

(الآية: ٣١) * * * * قَالَ اللهُ : ﴿وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ إِنَّ اللَّهَ بِعِبَادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾ [فاطر: ٣١]. * * * جُمْلَة: ﴿وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ هُوَ الْحَقُّ﴾ جاءت بالصِّيغَة الإسْمِيَّة المحصورة، وطريقُ حَصْرِها أمران: الأَمْر الأول: تَعْريفُ رُكْنَيْها وهما المُبْتَدَأ والخبر، فـ ﴿وَالَّذِي﴾ مُبْتَدَأ، و ﴿الْحَقُّ﴾ خبر، وقد قال أَهْلُ البَلاغَة: إنَّ تَعْريفَ الرُّكْنَيْنِ من الجُمْلَة الإسمِيَّة يفيد الحَصْر. الأَمْر الثاني: من طُرُق الحَصْر هو ضَميرُ الفَصْل وهو قَوْله تعالى: ﴿هُوَ الْحَقُّ﴾ وضمير الفصل مِن فَوائِدِه: الحَصْر، وله فائِدَة ثانية: التَّوْكيد، وله فائِدَة ثالِثَة: الفَصْلُ بين الخبر والصِّفَة. قَوْله تعالى: ﴿وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ هُوَ الْحَقُّ﴾ الوَحْيُ: إِعْلامُ الله أنبياءَه ورُسُلَه بشريعةٍ من شرائعه، هذا هو الوَحْيُ شرعًا، أمَّا في اللُّغَة فقالوا: إنَّ الوَحْيَ هو الإِعْلام بسُرْعةٍ وخفاءٍ؛ يعني: مثل الإِشَارَة، والهَمْس، وما أشبههما، تُسَمَّى وحيًا. أما السُّنَّة فإنَّها نوعان: منها وحيٌ، ومنها ما ليس بِوَحيٍ، أحيانًا يُسْأَل النَّبِيُّ ﵊ عن شَيْء ولا يُجيبُ، فيَنْزِل عليه الوحي فيجيب بحديثٍ نَبَوِيٍّ؛ مثل

стр. 214

قصة يَعْلَى بن أمَيَّة الذي كان أحْرَمَ بالعُمْرة وهو مُتَضَمِّخٌ بالخلوق، فسأل النَّبِيَّ ﷺ عن ذلك، ولَكِنَّه لم يُجِبْه حتى جاءه الوحي (١)، وأحيانًا يُسْأَلُ عن الشَّيْء ثم ينزل به الوَحْيُ على أنَّه كَلَام الله (قُرْآن) فيُبَلِّغُه النَّبِيُّ ﷺ . قَوْله تعالى: ﴿وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ﴾ المُرَادُ به هنا القُرْآن قطعًا؛ بدليل قَوْله تعالى: ﴿مِنَ الْكِتَابِ﴾ لأن ﴿مِنَ﴾ بيانِيَّة، تُبَيِّنُ الإبهام في اسْم الموصول ﴿وَالَّذِي﴾ لأنَّ اسْمَ الموصول فيه إبهامٌ، فإذا جاءت من بعد اسْم الموصول فهي تَبْيِينِيَّة. قال المُفَسِّر ﵀: [﴿وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ﴾ القُرْآن] وهو كِتَاب بمَعْنى مَكْتوبٍ؛ لأنَّ صيغة (فِعَال) تأتي كثيرًا بمَعْنى مَفْعولٍ، وأمثلتها: (غِراس، بِناء، فِراش) بمَعْنى: مَغْروس، ومَبنِيٍّ، ومَفْروش، فالكِتَاب بمَعْنى مكتوبٍ، مكتوب في أي شَيْءٍ؟ مكتوب في اللَّوْحِ المَحْفوظ، مكتوبٌ في الصُّحُف التي بأيدي المَلائِكَةِ؛ كما قال تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ (١١) فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ (١٢) فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ (١٣) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ (١٤) بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (١٥) كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾ [عبس: ١١ - ١٦]، مَكْتوبٌ في المصاحف التي بأيدينا. إذن: هو مَكْتوبٌ على ثلاثَةِ أَوْجُهٍ: اللَّوْح المَحْفوظ، الصُّحُف التي بأيدي المَلائِكَة، الصُّحُف التي بأيدينا. قَوْله تعالى: ﴿هُوَ الْحَقُّ﴾: ﴿هُوَ﴾ ضميرُ فَصْلٍ، و ﴿الْحَقُّ﴾ خَبَرُ ﴿وَالَّذِي﴾ فالذي أوحى الله إلى رَسُوله ﷺ هو الحَقُّ، أكَّدَ الله ذلك بِمُؤَكِّدَينِ: ضَميرِ الفَصْلِ، وتَعْريف رُكْنَيِ الجُمْلَة. قَوْله تعالى: ﴿الْحَقُّ﴾: يعني: الشَّيْءَ الثَّابِتَ صِدْقًا في الأَخْبار وعدلًا في

стр. 215

الأَحْكَام، فأَحْكَامُ القُرْآن كُلُّها عَدْلٌ، وأَخْباره كُلُّها صِدْقٌ، ليس فيها كَذِبٌ بِوَجْهٍ من الوجوه، وليس في أَحْكَامِهِ جَوْرٌ بوجهٍ من الوجوه؛ لأنَّك إذا تأمَّلْتَ أَحْكَامه وَجَدْتَه قد أعطى كل ذي حَقٍّ حَقَّه؛ فلهذا كان عدلًا في الأَحْكَام، وإذا تأمَّلْتَ أَخْباره وَجَدْتَها كُلَّها صدقًا، وهذا هو الصِّدْق في الأَخْبار، وقد قال الله تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [الأنعام: ١١٥]. قَوْله تعالى: ﴿مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ قال المُفَسِّر ﵀: [تَقَدَّمَه من الكُتُب]؛ يعني: مُصَدِّقًا لما تَقَدَّمَه من الكُتُب؛ لأنَّ الكتب التي سَبَقَتْه تكون بين يديه، ألا ترى إلى الرَّجُل يكون أمامك فهو قد سَبَقَك، وتقول: (إنَّ الرَّجُل بين يديك)، وربَّما يقال لمِا بين اليدين للشَّيْءِ المُسْتَقْبَل؛ لأنَّه أمامك أيضًا كما في قَوْلِه تعالى: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ [البقرة: ٢٥٥]؛ أي: مُسْتَقْبَلَهم وماضِيَهم. وَقَوْله تعالى: ﴿مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ كَيْفِيَّةُ التَّصْديقِ للكُتُب السابقة من وَجْهَيْنِ: الوجه الأول: أنَّه صدَّقها؛ أي: أَثْبَتَ أنَّها صادقة، فالقُرْآنُ يُثْبِتُ صِحَّة التوراة والإِنْجيل والزَّبُور وغير ذلك من الكُتُب، ويُبَيِّن أنَّها صِدْق. الوجه الثاني: ﴿مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ لأنَّ الكُتُبَ السَّابِقَة أخبرت به، فنُزُولُه يكون تَصْديقًا لها، فهو مُصَدِّقٌ لما بين يديه من وَجْهَيْنِ: الوجه الأول: أنَّه صَدَّقَ ما سبقه؛ أي: قال: إنَّها كُتُبٌ صادِقَة ثابِتَة وأوجب الإيمان بها. والوجه الثاني: أنَّه صَدَّقَ ما أخْبَرَتْ به؛ أي: نَزَلَ مُطابِقًا لما أخبرت به كما قال

стр. 216

الله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ﴾ [الشعراء: ١٩٦]، القُرْآن؛ زُبُرُ الأَوَّلِينَ كُتُبُهم؛ يعني أنَّه موجود في كُتُبِهم، وأنَّه سوف يَنْزِل، كما أنَّ مُحَمَّدًا ﷺ كذلك قد أُخِذَ العَهْدُ والميثاق على كُلِّ نَبِيٍّ أن يُصَدِّق به، قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا﴾ [آل عمران: ٨١]. قال المُفَسِّر ﵀: [﴿إِنَّ اللَّهَ بِعِبَادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِير﴾ عالمٌ بالبواطِنِ والظَّواهِرِ] هذه الجُمْلَة تَعَلُّقُها بما قبلها أنَّها تفيدُ تَحْذيرًا وإِنْذارًا وتَرْغيبًا، فهي ترغيبٌ وتَرْهيبٌ؛ لأنَّه لما أَخْبَر بأنَّ هذا القُرْآن هو الحَقُّ، فقد انْقَسَم النَّاس في هذا الحَقِّ إلى قسمين: قسمٌ صدَّق به، وقسمٌ كَفَرَ به. وكلُّ هؤلاء نقول لهم: إنَّ الله تعالى بكم خبيرٌ بصيرٌ، فالذين صَدَّقوا به لن يَضيعَ تَصْدِيقُهم وعَمَلُهم بما جاء به؛ لأنَّ الله خبيرٌ به وبصيرٌ به، وسوف يجازيهم عليه، والذين كذَّبوا به أيضًا لن تَخْفى حالُهم على الله ، فسوف يُعاقِبُهم بما يقتضي تكذَيبهم وإِنْكارَهُم واسْتِكْبارَهم، فالجُمْلَة إذن: هي باعتبارِ المُصَدِّقينَ لهذا القُرْآن للبِشارَة وبِاعْتِبارِ المُكَذِّبين للإنذارِ والتَّحْذيرِ. وَقَوْله تعالى: ﴿لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾: ﴿لَخَبِيرٌ﴾ اسْمُ فاعِلٍ على صيغة مبالَغَةٍ، وإن شئت فقل: إنَّه صِفَةٌ مُشَبَّهَةٌ، وهو أحسن بالنِّسْبَة لما يَتَعَلَّق بالعِلْمِ، الأحسن في هذا أن نقول: (إنَّه من باب الصِّفَة المُشَبَّهَة)؛ لأنَّ الصِّفَة المُشَبَّهَة تدلُّ على الثبوت، لكنَّ صيغةَ المُبالَغَة قد تدُلُّ على الحُدُوثِ، وحدوث الخِبْرة في جانب الله مُسْتحيلٌ؛ لأنَّه لم يَزَلْ ولا يزال خبيرًا. إذن نقول: إنَّه يتعَيَّنُ أن نجعل ﴿لَخَبِيرٌ﴾ صِفةً مُشَبَّهَة؛ لأنَّنا لو جعلناها صيغَةَ

стр. 217

مُبالَغَةٍ من (خابِر) لكانت مُوهِمَةً لتَجَدُّد الخِبْرَة والعِلْم، وهذا شَيْء مُسْتَحيلٌ في جانِبِ الله . وَقَوْله تعالى: ﴿بَصِيرٌ﴾ كَلِمَةُ ﴿بَصِيرٌ﴾ قد يراد بها العِلْم، وقد يراد بها الإدْراكُ بالرُّؤيَةِ، وكلا الأَمْرَيْنِ لا يناقِضُ بَعْضُهما بعضًا وقد تقدَّم في قواعد التَّفْسيرِ أنَّ الآيَة إذا احتملت مَعْنَيينِ لا يَتَناقَضانِ فإنَّها تُحمَل عليهما؛ لأنَّ ذلك أَوْسَعُ في معناها وأبلغ، فالله بصيرٌ بعبادِهِ من حيث النَّظَرُ والرُّؤْيَة، ومن حيث العِلْم؛ في جانب المَعْمولاتِ المَفْعولاتِ الظَّاهِرةِ تكون الرُّؤْيَة والعِلْم أيضًا، وفي جانِبِ المَسْموعاتِ يكون العِلْمُ. من فوائد الآية الكريمة: الْفَائِدَة الأُولَى: إِثْباتُ أنَّ القُرْآنَ كَلَام الله ؛ لِقَوْله تعالى: ﴿وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ والوَحْيُ إِعْلامُ الله أَحَدَ أَنْبِيائِه بشريعةٍ من شرائِعِه، وهذا هو مَذْهَبُ أَهْلِ السُّنَّة والجماعَةِ: أنَّ القُرْآن كَلَام الله تعالى تَكَلَّمَ به حَقيقَة بِحُروفِهِ وبِصَوْتٍ مَسْموعٍ، لَكِنَّه لا يُشْبِهُ أَصْواتَ المَخْلوقينَ. الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: فَضيلَة رسولِ الله ﷺ بما أوحى اللهُ إليه من هذا القُرْآنِ العظيمِ؛ لِقَوْله تعالى: ﴿وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾. الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: اشتمال القُرْآنِ الكريم على الحَقِّ في أَخْباره وفي أَحْكَامِهِ؛ فأَخْباره كُلُّها صِدْقٌ وأَحْكَامه كُلُّها عَدْلٌ. الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أنَّ ما خالَفَ القُرْآنَ فهو باطِلٌ؛ لِقَوْله تعالى: ﴿هُوَ الْحَقُّ﴾ فحصر الحَقَّ فيه، والحَصْرُ إثباتُ الحُكْمِ في المذكورِ ونَفْيُه عمَّا سواه، فكلُّ ما خالف القُرْآنَ فهو باطِلٌ بلا شَكٍّ.

стр. 218

الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: إنذارُ المُخالفينَ لهذا القُرْآنِ وبِشارَةُ المُوافقينَ له، تُسْتَفادُ هذه الفائِدَةُ من قَوْله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِعِبَادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾. الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: إِثْباتُ هَذَينِ الإسْمَينِ لله وما تَضَمَّناه من صفةٍ وحُكْم: خبير وبصير. الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: عُمومُ عِلْمِ الله وشُمولُه حتى لِما يقوم به العبادُ؛ لِقَوْله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِعِبَادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾. الْفَائِدَةُ الثَّامِنَةُ: علم الله تعالى بما تُكِنُّه الصُّدُور، تؤخَذُ من قَوْله تعالى: ﴿لَخَبِيرٌ﴾ وربَّما نقول أيضًا: ﴿بَصِيرٌ﴾ لأنَّ (بصير) بمَعْنى العليم والمُبْصِر. الْفَائِدَةُ التَّاسِعَةُ: أنَّ جميع الخَلْقِ عابدون لله، فالخَلْقُ كُلُّهُم عِبادُ الله؛ لِقَوْله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِعِبَادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾ فلا حَقَّ لأَحَدٍ من المَخْلوقينَ في شَيْء من خصائص الرَّبِّ، بل كُلٌّ عَبْدٌ ذليلٌ لله . * * *

стр. 219

الآية (٣٢) * * * * قَالَ اللهُ : ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾ [فاطر: ٣٢]. * * * كَلِمَة (أَوْرَثَ) هنا نَصَبت مَفْعولَينِ ليس أَصْلُهما المُبْتَدَأَ والخَبَر، وعلى هذا فهي من باب (كسا وأعطى)، والمَفْعولُ الأَوَّل هو ﴿الَّذِينَ﴾ والثاني هو ﴿الْكِتَابَ﴾ فليس الكِتَابُ وارثًا لـ ﴿الَّذِينَ﴾ بل ﴿الَّذِينَ﴾ هم الذين وَرِثُوا الكِتَاب، يعني: أَوْرَثْنا الذين اصطفينا من عبادنا الكِتَابَ، ومَعْنى أورثناهم إياه؛ أي: جَعَلْناهم يَرِثُونَه؛ فالذين اصطفاهم الله أَوْرَثَهُم الله الكِتَاب؛ أي: جَعَلَهُم يَرِثونه. وكَلِمَة ﴿الْكِتَابَ﴾ قال المُفَسِّر ﵀: [القُرْآن] ويَنْبَغي أن نجعله أَعَمَّ؛ لأنَّنا لو قلنا: (إنَّ الكِتَاب هو القُرْآن)، وقلنا: إنَّه مَوْروثٌ عمَّن سَبَقَنا لكان القُرْآن قد نزل على من سَبَقَنا، وليس الأَمْر كذلك؛ فالمُرَادُ بالكِتَاب هنا الجِنْس، لا خصوصُ القُرْآنِ؛ يعني أنَّ الكُتُب السَّابِقَة كُلُّ ما فيها من الخَيْرِ موجودٌ في القُرْآن، فنحن وَرِثْنا عمَّن سبقنا كلَّ ما أُوتوه من خَيْرٍ، فالأُصُولُ التي تجب على كل مُسْلِمٍ في أيِّ مكانٍ وزمان موجودَةٌ في القُرْآن، والشَّرائِعُ التي تَخْتَلِف باختلافِ الأُمَم وباخْتِلافِ الزَّمانِ والمَكانِ هذه تَخْتَلِفُ عمَّن سبق؛ قد يَجِبُ علينا ما لا يَجِبُ عليهم، وقد يُحَرَّم علينا

стр. 220

ما لا يُحَرَّمُ عليه؛ قال الله تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة: ٤٨]، أمَّا الأُصُولُ فقد وَرِثْناها عنهم، فالأصول التي هي أمُّ الدِّينِ قد وَرِثْناها عمَّن سَبَقَنا. قَوْله تعالى: ﴿الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا﴾. ﴿الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا﴾ أي: اخْتَرْنا، وهو مَأْخوذٌ من الصَّفْوَة، وأصله (اصْتَفَيْنا) لكن لِعِلَّةٍ تَصْرِيفِيَّةٍ قُلِبَتِ التاءُ طاءً، فقيل: (اصطفينا من عبادنا)؛ أي: اخْتَرْناهم. وَقَوْله تعالى: ﴿مِنْ عِبَادِنَا﴾ هل المُرَادُ بذلك العُبُودِيَّةُ العامَّةُ أو الخاصَّة؟ يعني الذين اصْطَفَيْناهم من المُؤْمِنينَ، أو اصْطَفَيْناهُم مِنْ جَميعِ العباد؟ الذي يظهر أنَّها من العُبُودِيَّة العامَّة؛ يعني: الذين اختارهم الله تعالى من عباده الذين يَخْضَعون له كَوْنًا، والمُرَاد بهم هذه الأُمَّة، بدليل قَوْله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠] فالذين اصْطَفَاهم الله من عباده هم هذه الأُمَّةِ للآيَةِ التي سُقناها وهي في آل عمران، ولدليلٍ آخَرَ من هذه الآيَةِ نَفْسِها؛ لأنَّ هذه الأُمَّةَ هي آخِرُ الأُمَم، إذن فلا يُمْكِن أن يُورَثَ ما عندها من الكِتَاب، فهي وارِثَةٌ غَيْر موروثة، وإذا كانت وارِثَةً غَيْر مَوْروثة فهي التي اصْطُفِيَت. قال المُفَسِّر ﵀: [﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ بالتَّقْصيرِ في العَمَلِ به]؛ أي: بالكِتَابِ ﴿وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ﴾ يَعْمَلُ به أَغْلَبَ الأَوْقاتِ ﴿وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ﴾ يَضُمُّ إلى العَمَل التَّعْليمَ والإِرْشادَ إلى العَمَلِ ﴿بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ بإرادته]. قسَّم الله تعالى هذه الأُمَّة التي أورثها الكِتَابَ إلى ثلاثة أقسام، وبدأ بالأقل في المَرْتَبَة فالأَقَلِّ، فقال تعالى: ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ﴾.

стр. 221

فالظَّالِم لِنَفْسِه هو الذي ترك شيئًا من الواجِباتِ أو فَعَلَ شيئًا من المُحَرَّمات؛ ترك صلاةَ الجَماعَةِ مع وُجُوبِها عليه، تَرَكَ بَعْضَ الزَّكاة لم يُخْرِجْه، ترك الحَجَّ على الفَوْر مع وُجُوبه عليه على الفَوْرِ، هذا نقول: إنَّه ظالِمٌ لِنَفْسِه؛ فَعَلَ المُحَرَّماتِ، شَرِبَ الخَمْرَ، زنا، سَرَقَ، نظر نَظَرًا مُحَرَّمًا، هذا نقول: إنَّه ظالِمٌ لنفسه. ومَعْنى الظَّالِم في الأَصْل هو النَّاقِصُ؛ لأنَّ الظُّلْمَ هو النَّقْص، قال الله تعالى: ﴿كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا﴾ [الكهف: ٣٣]؛ يعني: لم تَنْقُص، وكلُّ من أساء فقد نقص فيما يَجِبُ عليه؛ ولهذا كل عَمَلٍ سَيِّئ يُعْتَبَرُ نقصًا فيما يَجِبُ عليك؛ لأنَّ الواجِبَ عليك لِنَفْسِك أن ترعاها حَقَّ رِعايَتِها، فأنت مَسْؤُولٌ أَوَّلَ ما تُسْأَلُ عن نَفْسِكَ، قال النَّبِيُّ ﷺ : "إنَّ لِنَفْسِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وإنَّ لأَهْلِك عليك حقًّا" (١)، فبدأ بالنَّفْس، فكما يَجِبُ عليك أن ترعى مصَالِحَ وَلَدِك، ومالِك، وأَهْلِك، يَجِبُ عليك أن ترعى مَصْلَحَة نَفْسِك، بل هو الواجِبُ الأَوَّل من حقوق المَخْلوقينَ بعد حَقِّ الله ورسوله. إذن: مَن فَعَل مُحَرَّمًا فقد ظَلَمَ نفسه؛ لأنَّه نَقَصَها حَقَّها في الأَمانَةِ، أنت مُؤْتَمَنٌ عليها يَجِبُ أن ترعاها حَقَّ رعايتها، ومن ترك واجِبًا فقد ظلم نَفْسَه؛ لأنَّ الواجِبَ عليه أن يفعل الواجِبَ ليقوم بحَقِّ الأَمانَة فيما يَتَعَلَّق في نفسه، هذا الظَّالِم لِنَفْسِه. ﴿وَمِنْهُمْ مُقْتَصِد﴾ المُقْتَصِدُ هو الذي لم يَقَعْ منه ظُلْمٌ لِنَفْسِهِ ولا تَقَدُّمٌ في الخَيْرِ؛ أي: قائمٌ بالواجِباتِ تارِكٌ للمُحَرَّماتِ، لَكِنَّه لا يُكْثِرُ من النَّوافِلِ، ولا يَحْرِصُ على

стр. 222

إِكمالِ الواجِباتِ على الوَجْهِ الأَكْمَل، ولا يتَجنَّبُ المَكْروهاتِ، فهو مُقْتَصِدٌ، لا نَقَصَ ولا زَادَ. يُصَلِّي مع الجماعَةِ، ويُزَكِّي بدون نَقْصٍ، لكن لا يأتي بالنَّوافِل ولا بِصَدَقَةِ التَّطَوُّع، يؤَدِّي فريضة الحَجِّ لكن لا يعود، يَصومُ رَمَضانَ لكن لا يصوم نَفْلًا، وهكذا، يؤدي ما عليه من المُعامَلاتِ بين النَّاسِ على الوَجْهِ الواجِبِ فقط، لا يتسامَحُ عن فقيرٍ، ولا يُنْزِلُ من قِيمَةٍ أو ثَمَن، لَكِنَّه ماشٍ على ما يَجِبُ عليه، نقول: هذا مُقْتَصِدٌ، هذا لا له ولا عَلَيْه؛ يعني: ليس له ثَوابٌ إلا ثوابُ فِعْلِ الواجِبِ فقط. ﴿سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ﴾ هذا يأتي بالواجِباتِ ويَزيدُ ما شاء الله تعالى من الخَيراتِ، ويأتي بالواجباتِ أيضًا على الوجه الأَكْمَلِ الأَتَمِّ؛ فالصَّلاة مثلًا لا يَقْتَصِرُ فيها على تَسبيحَةٍ واحِدَة بل يزيدُ، لا يَقْتَصِرُ على الفاتِحَة بل يزيد، لا يَقْتَصِرُ على أن يضع يديه مثلًا مُطْلَقَةً هكذا، بل يضعها في مَوْضِعِها في حالِ القيامِ، وفي حالِ الرُّكوعِ، وفي حالِ السُّجود، وهكذا. نقول: هذا سابقٌ بالخَيْرات، يؤدِّي الزَّكاةَ ويتَصَدَّق، يَحُجُّ الواجِبَ ويَتَطَوَّع، يَصومُ رَمَضانَ ويَتَنَفَّل بِغَيْره من الصِّيامِ، هذا نقول: إنَّه سابِقٌ بالخَيْراتِ. أما قَوْلُ المُفَسِّر ﵀ إنَّ مَعْنى [﴿سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ﴾ يَضُمُّ إلى العَمَل التَّعْليمَ والإِرْشادَ إلى العَمَل] ففي هذا نَظَرٌ ظاهِر؛ لأنَّ التعليم قد يكون واجِبًا، وإذا قام بالتَّعْليمِ الواجِبِ صار من المُقْتَصِد، وإن تركه صار من الظَّالِم لِنَفْسِه، وكذلك نقول في الإرشادِ: الإِرْشادُ الواجِبُ إذا قام به صار مُقْتَصِدًا، وإن تركه صار ظالِمًا لِنَفْسِه، ولكن ما قلنا هو الصَّوابُ. واختلفَ المُفَسِّرون في هذه الآيَةِ؛ فمنهم من يقول: ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾

стр. 223

كالمانِعِ للزَّكاةِ ﴿وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ﴾ كالمُقْتَصِر عليها ﴿وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ﴾ كالزَّائِد عليها. وآخَرُ يقول: ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ مُؤَخِّرٌ للصَّلاةِ عن وَقْتِها ﴿وَمِنْهُمْ مُقْتَصِد﴾ فاعِلٌ لَها في وَقْتِها، ﴿وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ﴾ فاعِلُها في أوَّلِ وَقْتِها؛ أي: في الوقت الذي يُسْتَحَبُّ أن تقام فيه، فهل بين القَوْلَيْنِ خِلافٍ؟ الجواب: لا، ليس بينهما خلاف، هذا يُسَمَّى اختلافَ تَنَوُّعٍ؛ يعني أنَّ كل واحدٍ من القائلِينَ ذَكَرَ نَوْعًا، فيكون هذا على سبيل التَّمْثيلِ، ولا يُعَدُّ هذا خلافًا في الواقِعِ، ولَكِنَّه تَمْثيلٍ، هذا مَثَّل بالزَّكاة، وهذا مَثَّل بالصَّلاة. قال المُفَسِّر ﵀: [﴿بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ بإرادَتِهِ] لكن هل المُرَاد الكَوْنِيَّةُ أو الشَّرْعِيَّةُ؟ الظَّاهِر أنَّنا نُغَلِّبُ هنا الكَوْنِيَّة؛ يعني أنَّ هذه الأَقْسامَ الثلاثة: الظالِم، والمُقْتَصِد، والسَّابِق، كُلُّهم يفعلون هذا بإذن الله، فالله تعالى هو الذي أَذِنَ للظَّالم نَفْسَه أن يَظْلِمَ نَفسَه، وللمُقْتَصِد أن يَقْتَصِر على ما يَجِبُ، وللسَّابق أن يزيد. وتقييدُ هذا بإذن الله؛ لئلَّا يَفْتَخِرَ مفتخرٌ بكونه سابقًا بالخَيْراتِ، فيُضيفَ الشَّيْءَ إلى نَفْسِه، ويَمُنَّ به على رَبِّه، كما قال الله تعالى عن بعض بني آدم: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الحجرات: ١٧]. فأنت إذا منَّ اللهُ عليك بِسَبْقٍ في الخَيْراتِ لا تَظُنَّ أنَّ هذا من نَفْسِك، لو وُكِلْتَ إلى نَفْسِك لكُنْتَ ظالِمًا لِنَفْسِك؛ لِقَوْلِه تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾

стр. 224

[الأحزاب: ٧٢] هذه حَقيقَةُ الإِنْسَانِ: الظُّلم والجهالَة، لكن مَنْ مَنَّ الله عليه وهَداه فهو مِن فَضْلِه . قَوْله تعالى: ﴿ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾ قال المُفَسِّر ﵀: [﴿ذَلِكَ﴾ أي: إِرْثُهُم الكِتَابَ ﴿هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِير﴾]. صدق الله، الفَضْلُ الكبيرُ الذي لا يُدانيهِ فَضْلٌ هو مِنَّةُ الله على عبده بالعِلْم بهذا الكِتَابِ، هذا هو الفَضْلُ الكَبيرُ، ليس الفَضْلُ الكبير بأن يُعطَى الإِنْسَانُ قُصُورًا أو مَراكِبَ فَخْمَةً أو زوجاتٍ حِسَانٍ أو أبناءً كثيرين، لا، الفَضْلُ الكبير أن يُورَثَ هذا الكِتَابَ، كُلُّ من وَرِثَ هذا الكِتَاب علمًا وعَمَلًا ودَعْوَةً فهو الذي حاز الفَضْلَ الكَبيرَ، قال الله تعالى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [يونس: ٥٨]. وفي قَوْله تعالى: ﴿ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ﴾ فيها أداةُ حَصْر، وهو ضميرُ الفَصْل، وضميرُ الفَصْلِ هو ضميرٌ يأتِي مطابقًا للسِّياقِ، يأتي بِصورَة الغائِبِ كـ (هو)، وبِصورَةِ المُخاطَب كـ (أنت)، وبصورة المُتَكَلِّمِ كـ (أنا)، قال الله تعالى: ﴿وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ﴾ [الحجر: ٨٩] هذا أتى بصيغة المُتَكَلِّم، وتقول لمن تخاطبه: (إنَّك أنت القائِلُ) ومنه قَوْله تعالى: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ [الدخان: ٤٩] هذا في صِيغَة المخاطب، وفي صيغة الغائِب كثير، منه هذه الآيَة: ﴿ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾. إذن: فضميرُ الفَصْل ضميرٌ يؤتَى به مطابقًا للسِّياقِ من حيث التَّكَلُّمُ والخِطابُ والغَيْبَةُ، وهو من حيثُ الإِعْرابُ لا مَحَلَّ له.

стр. 225

أمَّا من حيث المَعْنى فيفيد ثلاثة أُمُور: يفيد التَّوْكيدَ، والحَصْرَ، والتَّمْييزَ بين الخَبَرِ والصِّفَة. فتقول مثلًا: (زيدٌ الفاضِلُ) ليس فيها ضميرُ فَصْل، فهنا يُحْتَمَل أن تكون (الفاضِلُ) خبرًا، ويُحْتَمَل أن تكون صِفَةً والخبرُ لم يأتِ، ويُمْكِن أن نقول: تَقْدير الكَلَام: زيدٌ الفاضِلُ قائمٌ، فتكون الفاضِلُ صِفَةً، فإذا قلتَ: (زيدٌ هو الفاضِلُ) تعيَّنَ أن تكون الفاضِلُ هنا خبرًا، ولا يُمْكِنُ أن تكون صِفَةً، إذن فهو يُمَيِّز بين الصِّفَة والخَبَرِ، فيكون ما بعده خَبَرًا لا صِفَةً، ولولاه لكان مُحْتَمَلًا أن يكون خَبَرًا أو صِفَةً؛ هذا شَرْح قَوْلنا: (التَّمْييزُ بين الخَبَرِ والصِّفَةِ). فيفيد الحَصْر؛ فإذا قُلْتَ: زيدٌ فاضلٌ، هل يَمْنَعُ أن يكون غَيْرُه فاضِلًا؟ لا يمنع. فإذا قلت: زيدٌ هو فاضِلٌ، أو زيدٌ هو الفاضِلُ؛ نَعَم، تعني أن يكون (زيدٌ) وَحْدَه هو الفاضِلُ. أما التَّوْكيدُ فلا شَكَّ أنَّ قَوْلك: (زيدٌ الفاضل) تريد المُبْتَدَأ والخبَرَ، لا شَكَّ أنَّها جُمْلَةٌ تامَّةٌ ومعناها واضِحٌ، لكن إذا قلت: زيدٌ هو الفاضِلُ كأنَّك اتَّكَأْتَ عليه وزِدْتَها توكيدًا. فـ ﴿الْفَضْلُ﴾ بمَعْنى العطاء من الله، ﴿الْكَبِيرُ﴾ حيث الحَجْمُ فهو كبيرٌ في كَيْفِيَّتِه، ونحن نَعْلَم من جهةٍ أخرى أنَّه كثيرٌ في كَمِّيَّتِه فيجتمع في هذا العطاء الكَمِّيَّة والكَيْفِيَّة، فهو فضلٌ كبيرٌ في ذاتِهِ وكَيْفِيَّته، وفضلٌ كثير أيضًا في عَدَدِهِ وكَمِّيَّته: ﴿ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾.

стр. 226

من فوائد الآية الكريمة: الْفَائِدَة الأُولَى: أنَّ القُرْآن كِتَابٌ؛ أي مكتوبٌ، وهو مكتوبٌ في اللَّوْحِ المَحْفوظِ، ومكتوبٌ في الصُّحُف التي بأيدي المَلائِكَةِ، ومكتوبٌ في الصُّحُف التي بأيدينا. الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أنَّ هذا القُرْآن مُصَدِّقٌ لما سَبَقَه من الكُتُب؛ لِقَوْله تعالى: ﴿مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾. ويتفرَّع على هذه الفائِدَة: أنَّ الذي يُؤْمِنُ بهذا القُرْآن مُؤْمِنٌ بالكُتُب السَّابِقة؛ لأنَّ هذا القُرْآن مُصَدِّقٌ لها فيكون الإيمانُ به إيمانًا بما سبق من الكُتُب. الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: الإسْتِشْهادُ بالأَمْرِ الواقِعِ حتى وإن كان مِن عند الله؛ بمَعْنى أنَّ الله تعالى يَسْتَشْهِد بالأَمْرِ الواقِعِ؛ ليزدادَ إيمانُ المُؤْمِنين؛ وَجْهُ ذلك قَوْلُه تعالى: ﴿مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ على أَحَدِ المَعْنَيَيْنِ، وهما أنَّه وَقَعَ مُطابِقًا لما أَخَبَرَتْ به، فإنَّه إذا أَخْبَرَتْ به ثم جاء فهذا دليلٌ على صِدْقِه، كما قال الله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الشعراء: ١٩٧]، فاسْتَشْهَد الله تعالى بعِلْمِ عُلَماءِ بني إسرائيل زيادةً في التَّثْبيتِ وإقامةً للحُجَّةِ على المُنْكِرين من أَهْلِ الكِتَاب. الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: رَحْمَةُ الله تعالى بعباده؛ حيث لم يَدَعْهُم هَمَلًا، بل أنزل إليهم الكُتُب التي يَسْتَنيرون بها في سَيْرِهم إلى الله ؛ لِقَوْله تعالى: ﴿لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾. الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: سَعَةُ التَّعْبيرِ في اللُّغَة العَرَبِيَّة، وأنَّ المَقصودَ المَعْنى دونَ مُجَرَّدِ اللَّفْظِ؛ لِقَوْله تعالى: ﴿مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ لأنَّه قد يقول قائل: وهل للقُرْآنِ يَدٌ؟ فالجواب: أنَّ هذا من بابِ التَّوَسُّع في التَّعْبيرِ في اللُّغَة العَرَبِيَّة، وأنَّ المقصود هو المَعْنى، والأَلْفاظُ قَوالِبُ تَدَلُّ على المَعْنى؛ إذ قوالِبُ الشَّيْء يعني: أَوَانيه التي يُجْعَلُ

стр. 227

فيها، فأنت مثلًا إذا قُدِّمَ إليك (كرتون) مُزْخَرْفٌ مُزَيَّنٌ بالذَّهَب تَسْتَدِلُّ بهذا على ما في باطِنِهِ وأنَّه شَيْءٌ غالٍ قَيِّمٌ، فالأَلْفاظُ في الواقِعِ قوالِبُ يُسْتَدَلُّ بها على ما تَضَمَّنَتْه من المعاني، وليس لها - أي للألفاظ - مَعْنًى ذاتِيٌّ حتى لا تتغَيَّر بأيِّ تركيبٍ كانت بل هي تتغَيَّر بحَسَب التَّرْكيباتِ والصِّيغِ. الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: في قَوْلِه تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا﴾ فَضْلُ الله على هذه الأُمَّةِ؛ حيث أورثها هذا الكِتَابَ العظيم الذي وَصَفَه الله تعالى بأنَّه حَقٌّ وأنَّه مُصَدِّقٌ لما بين يديه؛ أَوْرَثَه الله تعالى هذه الأُمَّةَ؛ ففي ذلك بيانُ فَضْلِ الله علينا بهذا الإِرْث. الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: أنَّ هذه الأُمَّة أَفْضَلُ الأُمَم؛ لِقَوْله تعالى: ﴿الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا﴾ وهم هذه الأُمَّة، واسْتَدْلَلْنا لذلك أيضًا بآيَةٍ أخرى وهي ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠]. الْفَائِدَةُ الثَّامِنَةُ: الإشارَةُ إلى الفَتْرَة بين عيسى ومُحَمَّدٍ ﷺ ؛ تؤخَذُ من (ثم) الدالَّة على التَّراخي، وهو كذلك، ولا نَعلَمُ فترةً أَطْوَلَ منها بالنِّسْبَةِ لما بين الرِّسالاتِ والكُتُبِ المُنَزَّلَة، فقد قيل: إنَّ أطولَ ما كان بين آدَمَ ونُوحٍ، وهذا أمرٌ قد يَشُكُّ فيه الإِنْسَان، لكن ما بينَ عيسى ومُحَمَّد ﵊ حوالي سِت مِئَة سنةٍ. وإنَّما طالَتِ الفَتْرَةُ لتَشْتَدَّ حال النَّاس إلى إرسالِ الرُّسُلِ، فتأتي الرِّسالَة المُحَمَّدِيَّة إلى قومٍ في غايةِ الضَّرورَةِ إلى الرِّسالَة والوَحْيِ، ويكون لرِسالَتِهِ مَزِيَّةٌ عَظيمَةٌ؛ حيث جاءت كالمَطَرِ يَنْزِلُ على أَرْضٍ مُجْدِبَة فتكون أشَدَّ قابليَّةً له وأشَدَّ تأثُّرًا به. الْفَائِدَةُ التَّاسِعَةُ: تقسيمُ هذه الأُمَّة إلى ثلاثَةِ أَقْسامٍ: ظالِم لِنَفْسِه، ومُقْتَصِد، وسابِق بالخَيْراتِ.

стр. 228

الْفَائِدَةُ الْعَاشِرَةُ: الرَّدُّ على الخوارِجِ والمُعْتَزِلَةِ؛ لِقَوْله تعالى: ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ وجَعْلُهُم من الذين اصْطَفاهُم الله تعالى مِن عباده، ولو خرجوا من الإِسْلامِ لم يكونوا من المُصْطَفَيْنَ. وقد يقول قائل: يُمْكِن أن يعارِضَ الخوارِجُ والمُعْتَزِلَة هذا الإسْتِدْلالَ بأن يقولوا بأنَّ المُرَادَ بالإِثْمِ هنا ما دون الكبائِرِ؟ فيقال: إنَّ ما دون الكبائر يقع مَغْفورًا بفعل الطَّاعاتِ؛ كالصَّلَوات الخَمْسِ والجُمُعَة إلى الجُمُعة ورمضانَ إلى رمضانَ، وحينئذٍ ينتفي الظُّلْمُ بمُجَرَّد فِعْل هذه الطَّاعاتِ. ثم نقول قَوْلًا آخر: بأنَّ الآيَة مُطْلَقَةٌ تَشْمَلُ الظُّلْمَ الأَصْغَرَ والظُّلْمَ الأَكْبَرَ. ففيها ردٌّ على الخوارِجِ والمُعْتَزِلَة الذين يُكَفِّرونَ أو يُخْرِجونَ الإِنْسَان بالكَبيرَةِ من الإِسْلام، وحينئذٍ لا يكون من العبادِ الذين اصْطُفُوا. الْفَائِدَةُ الحَادِيَةَ عَشْرَةَ: أنَّ كُلَّ عَمَلٍ يقوم به الإِنْسَانُ فهو بإذن الله وإِرادَتِه؛ لِقَوْله تعالى: ﴿بِإِذْنِ اللَّهِ﴾. الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ: الرَّدُّ على القَدَرِيَّة الذين يقولون: إنَّ الإِنْسَان مُسْتَقِلٌّ بِعَمَلِه؛ يقول ويَفْعَلُ ويَتْرُكُ بغير إذن الله، بل هو مُسْتَقِلٌّ بِمَشيئَتِهِ وفِعْلِه. الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ: كَبْحُ النَّفْسِ عن الإسْتِعْلاء والفَخْرِ بالطَّاعَةِ؛ لِقَوْله تعالى: ﴿بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ حتى لا يقول الإِنْسَانُ: فعلْتُ ذلك من نفسي وأنا الذي فَعَلْتُ وفَعَلْتُ، وهذا خلافًا لما يَسيرُ عليه بعضُ النَّاسِ إذا فعل المَعْصِيَةَ كان جَبْرِيًّا وإذا فعل الطَّاعة كان قَدَرِيًّا؛ إذا فعل الطاعَةَ قال هذا منِّي وأنا الذي فَعَلْتُ وأنا الذي فَعَلْتُ، وإذا

стр. 229

فعل المَعْصِيَةَ قال هذا من الله وأنا مُجْبَرٌ عليه، فبعض النَّاس يَسْلُكُ هذا المَسْلَكَ، وهذا مسلكٌ بَعيدٌ من العَدْلِ. الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ: إِثْباتُ عُمُومِ مَشيئَةِ الله حتى في أَفْعالِ العَبْدِ؛ لِقَوْله تعالى: ﴿بِإِذْنِ اللَّهِ﴾. الْفَائِدَةُ الخَامِسَةَ عَشْرَةَ: تَفاضُلُ النَّاسِ في العَمَل، ويَتَفَرَّعُ عليه: تَفاضُلُهُم في الإيمان، والدَّليلُ على تَفاضُلِهِم في العَمَل تَقْسيمُهُم إلى ثَلاثَةِ أقسامٍ، ويَلْزَمُ من تفاضلهم في العَمَل أن يَتفاضَلوا في الإيمان، فيكون في ذلك دليلٌ لِمَذْهَبِ أَهْل السُّنَّة والجماعَةِ القائِلينَ بزيادَةِ الإيمانِ ونَقْصِ الإيمان. الْفَائِدَةُ السَّادِسَةَ عَشْرَةَ: أنَّ أكْبَرَ فضلٍ يتفَضَّلُ الله به على عَبْدِهِ أن يُوَفِّقَه للقيامِ بِطاعَتِهِ؛ لِقَوْله تعالى: ﴿ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾ وقد أشار الله تعالى إلى هذا المَعْنى في قَوْله تعالى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [يونس: ٥٨]. الْفَائِدَةُ السَّابِعَةَ عَشْرَةَ: أن إِفْضالَ الله على عباده يتفاضَلُ؛ فمنه الكَبيرُ ومنه الصَّغير، وهذا أمرٌ مُشاهَد، ففَضْلُ النه على الرُّسُلِ أعلى من فَضْلِه على الأَنْبياء، وعلى الأنبياءِ أَعْلى من فَضْله على الصِّدِّيقينَ، وعلى الصّدِّيقينَ أعلى من فَضْله على الشُّهَداء، وعلى الشُّهَداءِ أعلى من الصَّالحِينَ، وهذا لا شَكَّ فيه. * * *

стр. 230

الآية (٣٣) * * * * قَالَ اللهُ : ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ﴾ [فاطر: ٣٣]. * * * هذا بيانٌ لثوابِ هؤلاء الأَصْنافِ الثَّلاثَة. قال المُفَسِّر ﵀: [﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ﴾ إقامَةٍ ﴿يَدْخُلُونَهَا﴾ أي الثَّلاثَةُ، بالبناء للفاعِل والمَفْعولِ؛ خَبَرُ ﴿جَنَّاتُ﴾ المُبْتَدَأُ]. بالبناء للفاعل يَدْخُلونَها، وبالبناءِ للمَفْعولِ: (يُدْخَلُونَها)، وهم إذا أُدْخِلُوا فقد دَخَلُوا، فكأنَّ القراءتَيْنِ واحِدٌ، ولكن يُسْتَفادُ منها من كَلِمَةِ يُدْخَلونَها بيانُ أنَّهم يُعْطَوْنَها كرامةً، فتُقَدَّمُ إليهم حتى يَدْخُلوها، لكن يَدْخُلونَها بدون أن يقال يُدْخَلُونَها، فإنَّ الدَّاخِلَ قد يدخل كرامَةً وقد يدخل من ذاتِ نَفْسِه، لكن إذا أُدْخِلَها كأنَّها قُدِّمَت له على سبيلِ الكَرامَةِ حتى يَدْخُلوها. وَقَوْله تعالى: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ﴾ جناتٌ أَصْلُها جمع جَنَّةٍ، قال العُلَماء ﵏: والجَنَّة البُستانُ الكثيرُ الأَشْجارِ، وسُمِّي بذلك لأنَّه يَسْتُرُ من كان داخِلَه، والله أعلم. ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا﴾ عَدْن بمَعْنى إقامَةٍ، يعني أنَّ هذه الجِناتِ جناتُ إقامَةٍ لا ظَعْنَ فيها، بل هم خالدون فيها أبدًا، ومع ذلك ليس أَحَدٌ منهم يتمَنَّى أن

стр. 231

يتحَوَّل عما هو فيه؛ كما قال الله تعالى: ﴿لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا﴾ [الكهف: ١٠٨] بخلاف الجَنَّةِ فإنَّ الإِنْسَانَ لو كان في أَحْسَنِ ما يكون من البَساتينِ لتَمَنَّى أن يتَحَوَّل إلى ما هو أَحْسَنُ منه وأفضل منه، لكن في الآخِرَة كلُّ إِنْسَان من كل واحدٍ منهم يرى أنَّه في مكان إقامةٍ لا يريدُ أن يَتَحَوَّل عنه. وهذا لا شَكَّ أنَّه مِنْ كمالِ النَّعيمِ؛ أنْ يسْتَقِرَّ الإِنْسَانُ وأن يرى أنَّه في أكْمَلِ ما يكون حتى لا تَتَشَوَّفَ نَفْسُه إلى نَعيمٍ أعلى فيَتَنَغَّص نعيمه؛ لأنَّه من المعلوم أنَّ الإِنْسَانَ إذا رأى أنَّه دون غَيْره وإن كان في مقامٍ أمينٍ وإن كان في مقامٍ مُنَعَّم فيه، لكن يَتَنَغَّصُ عليه ذلك لكونه يرى أن غَيْرَهُ أَفْضَلُ منه. قال ﵀: ﴿يَدْخُلُونَهَا﴾ بالبناءِ للفاعِلِ وللمَفْعولِ، خَبَرُ، جناتٌ: المُبْتَدَأ]، وجُمْلَة يَدخلونها أو يُدْخَلُونَها خَبَرٌ. [﴿يُحَلَّوْنَ﴾ خبرٌ ثان] ولا تَصِحُّ أن تكون حالًا من الفاعل؛ وذلك لأنَّ تَحْلِيَتَهُم بذلك بعد الدُّخول، ولو قُلنا: إنَّهم يَدْخُلونَ حالَ كَوْنِهِم يُحَلَّوْنَ لَلِزَم من ذلك أن يكون التَّحْلِيَة حينَ الدُّخولِ أو قَبْلَها. [﴿يُحَلَّوْنَ﴾ خبر ثان] وهل يَجوزُ أن يَتَعَدَّد الخَبَرُ؟ الجواب: نعم، وهذا في القُرْآن كثيرٌ، قال الله تعالى: ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ (١٤) ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ﴾ [البروج: ١٤ - ١٥] الخَبَرُ الآن أربعة: الغفور والوَدود وذو العرش والمَجيدُ؛ فتعَدُّد الأَخْبارِ جائزٌ في اللُّغَة العَرَبِيَّة. ﴿يُحَلَّوْنَ فِيهَا﴾ أي في هذه الجَنَّاتِ ﴿مِنْ﴾ قال المُفَسِّر ﵀: [بَعْضَ] فأفادنا أنَّ مِنْ هنا ليست بَيانِيَّة بل هي تَبْعِيضِيَّة، ولو قيل إنَّها بيانِيَّة لكان له وجهٌ جَيِّدٌ؛

стр. 232

لأنَّ التَّحْلِيَة لا تتعَيَّن في الأساوِرِ؛ إذ قد يُحَلَّى الإِنْسَان بالخِرْصان (١) مثلًا أو بالقلائِدِ أو ما أشبه ذلك، فجَعْلُها بَيَانِيَّة أولى مِن جعلها تَبْعِيضِيَّة؛ لأنَّك إذا قلْتَ: يُحَلَّوْنَ بَعْضَ أساوِرَ لم تَكُنِ التَّحْلِيَة بالأساوِرِ، وإنَّما يُحَلَّوْن بِبَعْضِها، إلا إذا قلت: نعم، أقولُ إنَّها على التَّبْعيضِيَّة؛ لأنَّ الأساور المذكورة هنا نوعانِ فقط: ذهب ولؤلؤ، مع أنَّ لهم حليةٌ أخرى وهي الفِضَّة؛ كما قال الله تعالى: ﴿وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِنْ فِضَّةٍ وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا﴾ [الإِنْسَان: ٢١]؛ فإذا جَعَلْتَها تَبْعيضِيَّة باعتبار أنَّ الأساوِرَ المذْكورَة من نَوْعَيْنِ وبَقِيَ نوعٌ ثالِثٌ لم يُذْكَرْ: فصار القَوْلُ بأنَّها للتَّبْعيضِ له وَجْهٌ. وقد ذكرنا مرارًا كثيرةً أنَّه إذا احْتَمَلَ اللَّفْظ مَعْنَيَيْنِ لا يتنافيانِ فإنَّه يُحْمَلُ عليهما فيُمْكِنُ أن نَجْعَلَ ﴿مِنْ﴾ هنا مُشْتَرِكةً بين كونها بَيانِيَّة وبين كَوْنِها تَبْعِيضِيَّة؛ بين كونِها بيانِيَّة لأنَّ التَّحْلِيَة تكون من الأَساوِرِ وغيرِها، فتكون ﴿مِنْ﴾ هنا مبَيِّنَةً ما يُحَلَّوْن به؛ وتَبْعيضِيَّة؛ لأنَّه ذُكِرَ من الأساور هنا نوعان، وبقي نوعٌ ثالثٌ لم يُذْكَر. وَقَوْله ﵀: [(أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤٍ) مُرَصَّعٍ بالذَّهَب]: (من ذهبٍ ولؤلؤٍ) أمَّا ﴿مِنْ ذَهَبٍ﴾ ف هي مَجْرورةٌ لا شَكَّ فيها؛ لأنَّها دَخَلَتْ عليها مِنْ، وأمَّا ﴿وَلُؤْلُؤًا﴾ فهي عندي منصوبة، ولكن قَوْلُهُ: [مُرَصَّعٍ] يدلُّ على أنَّها مَجْرورةٌ، كما هي القِراءَة الثانِيَةُ؛ ولهذا يَنْبَغي أن نُصَحِّح في المُصْحَفِ المُفَسَّر ﴿وَلُؤْلُؤًا﴾ ونَجْعَلُها بالجَرِّ بناءً على تَفْسير الجلالِ. وما الدَّليل على أنَّها (ولؤلؤٍ)؟ الجواب: لأنَّه ﵀ قال: [مُرَصَّعٍ] لو أنَّه أراد قِراءَةَ النَّصْب لقال مُرَصَّعًا.

стр. 233

إذن: نقول: (ولؤلؤٍ) فيها قراءتان سَبْعِيَّتانِ؛ إحداهما بالنَّصْبِ ﴿وَلُؤْلُؤًا﴾ وعلى هذا تكون معطوفةً على مَحَلِّ ﴿أَسَاوِرَ﴾ يعني يُحَلَّوْن فيها أساوِرَ ولؤلؤًا؛ أساوِرَ من ذَهَبٍ، ويُحَلَّونَ لؤلؤًا أيضًا؛ وأمَّا بالجَرِّ (ولؤلؤٍ) فهي معطوفة على ﴿مِنْ ذَهَبٍ﴾ يعني يُحَلَّوْنَ فيها أساور من نَوْعَيْنِ: من ذهبٍ ولُؤْلُؤٍ. أَضِفْ إليها ﴿وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِنْ فِضَّةٍ﴾ [الإِنْسَان: ٢١] تكون أساوِرُهم من ثلاثة أَنْواعٍ: من الذَّهَبِ، واللُّؤلؤ، ومنَ الفِضَّة. ولا نَشُكُّ أنَّ السوار من الذَّهَب مُجَمِّلٌ وفيه جمالٌ بذاته، وكذلك السِّوارُ من الفِضَّةِ، وكذلك السِّوارُ من اللُّؤْلؤ، فكلُّ واحدٍ منها على حِدَةٍ فيه جَمالٌ وتَجْميل، فإذا اجْتَمَعَتِ الثَّلاثَة وصُفَّ بَعْضُها إلى بعض تولَّد من ذلك تَجْميلٌ أَكْبَر. ولا أَحَد يتصَوَّرُ كيفَ تُجْمَعُ هذه الثَّلاثَة؛ هل يكونُ اللُّؤلؤُ بين الذَّهَب والفِضَّة، أو الذَّهَب بين اللُّؤلؤ، أو الذَّهبُ بين اللُّؤلؤ والفِضَّة، أو اللُّؤْلُؤ بينهما؟ ! . المُهِمُّ: أنَّ تَرْتيبَها هذا لا أَحَدَ يَتَصَوَّرُه الآن، لكن الذي نُؤْمِنُ به أنَّ هذه الثَّلاثَة تُجْمَعُ، أمَّا كيف تُجْمَعُ، فالله أعلم به، لكننا أيضًا نَعْلَمُ بأنَّ جَمْعَها - أي الثَّلاثَة - له زيادةٌ في التَّجْميلِ. واعْلَمْ أنَّ الذَّهَب الذي يُذْكَر في نعيم الجَنَّة والفِضَّة واللُّؤْلُؤ ليست كالذَّهَبِ الذي نشاهده الآن أو الفِضَّة أو اللُّؤْلُؤ، بل هو ذَهَبٌ أَعْظَمُ، ذَهَبٌ يليقُ بِنَعيمِ الجَنَّة؛ كما أنَّ النَّخْل والرُّمَّان والفاكِهَة والعَسَل واللَّبَن والخَمْر، وما أشبه ذلك، ليس كالذي يُوجَدُ في الدُّنْيا؛ لأنَّ النَّعِيمَ يناسبُ الدار، فإذا كانَتِ الدَّارُ الدُّنْيا لا تُشابِهُ الدَّارَ الآخِرَة؛ فالنَّعِيمُ الذي في الآخِرَة لا يُساويهِ النَّعِيم الذي في الدُّنْيا، هذا من حيثُ المَعْقُول.

стр. 234

أما من حيثُ المَنْقولُ ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ [السجدة: ١٧]، وفي الحديث القُدُسِيِّ: "أَعْدَدْتُ لِعِبادِيَ الصَّالحِينَ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ" (١). وأنتم تُشاهِدونَ الآن أنَّه لو دعاكم رجلٌ فَقيرٌ وصنع لكم أعلى ما يُمْكِنُه من الطَّعام الذي هو أحسن شَيْء عنده، ودعاكم رجلٌ غَنِيٌّ وصنع لكم أَعْظَم ما يجد من الطَّعام عنده لَعَرَفْتم بالفَرْقِ؛ فالفرق العظيم بين هذا وهذا، مع أنَّ كُلَّ واحدٍ منهما أتى بِكُلِّ ما يَسْتَطِيعُ؛ كذلك الفَرْقُ بين نعيم الآخِرَة ونعيمِ الدُّنْيا. فالذَّهَب إِذَنْ: يوافِقُ الذَّهَب في الدُّنْيا في الإسْمِ ولا يوافِقُه في الحَقيقَةِ؛ قال ابن عباسٍ ﵄: "ليس في الآخِرَة مِمَّا في الدُّنْيا إلَّا الأَسْماء فقط" (٢)، أمَّا الحقائِقُ فتَخْتَلِفُ. يقول ﵀: [(من ذهبٍ ولؤلؤٍ) مرَصَّعٍ بالذَّهَبِ] وَقَوْله: [مُرَصَّعٍ بالذَّهَب] قد يُعارَض المُفَسِّر ﵀ في ذلك، إذ قد يقال: إنَّ اللُّؤْلُؤَ حِلْيَة مُسْتَقِلَّة، ويدل لذلك قِراءَةُ النَّصْب: ﴿وَلُؤْلُؤًا﴾ يعني يُحَلَّوْن لؤلؤًا، أمَّا على قِراءَة الجَرِّ فما ذهب إليه المُفَسِّر ﵀ مُحْتَمَل غَيْرُ مُتَعَيَّن؛ فهو يرى ﵀ أنَّ اللُّؤْلُؤ ليس مُسْتَقِلًّا بل هو مُرَصَّع بالذَّهَب كما يوجد في حُلِيِّ الدُّنْيا، ولكننا لا نُسَلِّم لما قال، فالظَّاهِرُ من الآيَة الكَريمَة أنَّ اللُّؤْلُؤ سِوارٌ مُسْتَقِلٌّ، ويُبَيِّنُ هذا قِراءَةُ النَّصْب ﴿يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا﴾ يعني يُحَلَّوْن لؤلؤًا، فجَعَلَ حِلْيَةَ اللُّؤْلُؤِ حِلْيَةً مُسْتَقِلَّة.

стр. 235

وَقَوْله تعالى: ﴿وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ﴾ لما ذَكَرَ ما يُلْبَسُ في اليَدِ ذكر اللِّباسَ العامَّ على جميع البدن؛ فقال: لباسُهُم في الجَنَّة حريرٌ، وحريرُ الجَنَّة ليس كحريرِ الدُّنْيا الذي تُفْرِزُه أو تَصْنَعه دودة القَزِّ؛ فهو قابِلٌ لِكُلِّ آفَةٍ، بل حريرُ الآخِرَة حريرٌ لا يُماثِلُه شَيْءٌ من حريرِ الدُّنْيا أبدًا. من فوائد الآية الكريمة: الْفَائِدَة الأُولَى: أنَّ جزاء أولئك القَوْمِ الذين أُورِثوا الكِتَاب على اخْتلافِ طَبَقاتِهِم الثلاثِ؛ أنَّ جزاءهم جناتُ عَدْنٍ؛ لِقَوْله تعالى: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا﴾ أو (يُدْخَلُونَها) على قِراءَتَيْنِ. الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: الإشارَةُ إلى كمال نَعيمِ الجَنَّة لِكَوْنِها جناتٍ بَهيجَةً، وكَوْنِها مَحَلَّ إقامةٍ لا ظَعْنَ منها أبدًا؛ لِقَوْله تعالى: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ﴾. الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: ما يُنْعِم الله على عباده في هذه الجنَّات من أَنْواعِ الفَواكِهِ والمطاعِمِ بدخوله في كَلِمَةِ ﴿جَنَّاتُ﴾ وكذلك مِن الملابِسِ؛ لِقَوْله تعالى: ﴿يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا﴾. الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أنَّ الجَنَّة ليست دار تَكْليفٍ؛ أي: دارًا يُمْنَعُ منها العبدُ مِمَّا يتَنَعَّم به، بل يَتَنَعَّمُ بِكُلِّ ما شاء؛ لأنَّنا نَعْلَمُ جميعًا أنَّ تَحَلِّيَ الرِّجالِ في الدُّنْيا بالذَّهَب مَمْنوعٌ وحرامٌ، لَكِنَّه في الجَنَّة مباحٌ وممنوح، وليس بممنوعٍ؛ لأنَّ الجَنَّة لهم فيها ما يشاؤونَ بل أكثر مِمَّا يشاؤون ويريدونَ. الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: ومنها ما يَحْصُلُ من الجمال بِتَنْويعِ الحُلِيِّ؛ لكونه من ذَهَبٍ ولؤلؤ، وفي الآيَةِ الأخرى فِضَّة، وهنا لم يَذْكُرِ الله تعالى تحديدَ هذه الحِلْيَةِ، لكن

стр. 236

جاءت بها السُّنَّةُ؛ حيث قال النَّبِيُّ ﵊: "تَبْلُغُ الْحِلْيَةُ مِنَ المُؤْمِنِ حَيْثُ يَبْلُغُ الوُضُوءُ" (١). الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: نُعومَةُ لباسِهِم وأنَّه أَنْعَمُ ما يكون من اللِّباسِ؛ لِقَوْله تعالى: ﴿وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ﴾، حريرٌ لا يَخْلَقُ ولا يتدنَّسُ، ودائمًا على جِدَّته ونظافَتِه. * * *

стр. 237

الآية (٣٤) * * * * قَالَ اللهُ : ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ﴾ [فاطر: ٣٤]. * * * قالوا يعني: أَهْلَ الجَنَّة، ويقولون ذلك بعد دُخولِ الجَنَّة. ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ الحَمْدُ له سببانِ: الأَوَّل كَمالُ المَحْمودِ، والسَّبَبُ الثاني إنعامُ المَحْمودِ بِخِلافِ الشُّكْر بل إنَّه ليس له إلا سَبَبٌ واحِدٌ، وهو إنعامُ المشكور، ولعَلَّنَا نَتَطَرَّقُ إلى الفَرقِ بين الحَمْدِ والشُّكْر: فالحَمْدُ قلنا له سببان، فهو أَعَمُّ من الشُّكْر من حيث السَّبَبُ فإنَّ سببه كمالُ المَحْمودِ وإِنْعامُ المَحْمودِ، الشُّكْرُ ليس له إلا سببٌ واحِدٌ وهو إنعامُ المَشْكورِ، فالحَمْدُ أَعَمُّ؛ لأنَّه يكون على هذا وهذا، والشُّكْرُ يكون بالقَلْبِ واللِّسانِ والجوارح؛ بالقَلْبِ أن يَعْتَرِفَ الإِنْسَانُ بِقَلْبِه بنِعْمَة المُنْعِم؛ وباللِّسانِ أن يَشْكُرَه بِلِسانِهِ ويُثْنِيَ عليه بلِسانِهِ؛ وبالجوارِحِ أن يَقومَ بِطاعَتِهِ فلا يُخالِفُه، وعليه قَوْلُ الشَّاعِرِ: أَفَادَتْكُمُ النَّعْمَاءُ مِنِّي ثَلَاثَةً ... يَدِي وَلِسَانِي والضَّميرَ المُحَجَّبَا (١) أمَّا الحَمْدُ فلا يكونُ إلا باللِّسانِ؛ لأنَّ الحَمْدَ وَصْفُ المَحْمودِ بالكمال فلا يكونُ إلا باللِّسانِ.

стр. 238

إذن: فالشُّكْر أَعَمُّ مُتَعَلَّقًا؛ لأنَّه يَتَعَلَّقُ بالقَلْبِ واللِّسانِ والجوارِحِ، والحَمْدُ لا يَتَعَلَّقُ بالقَلْبِ، وربَّما يَتَعَلَّقُ بالقَلْبِ لَكِنَّه لا يسمى حَمْدًا، يعني من أَضْمَرَ في نَفْسِهِ الثَّناءَ على الله لا يقال حَمِدَ الله؛ إذ إنَّه لم يُظْهِرْ وربَّما يتعَدَّى، وربَّما يقول قائِلٌ: إنَّه يكون بالقَلْبِ، لَكِنَّه ليس بظاهِرٍ. ﴿الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ﴾ الكائِنَ في النُّفُوسِ وهو الغَمُّ بما مضى والخَوْفُ الهَمُّ لما يُسْتَقْبَل، فهنا هل نقول إنَّ الحَزَنَ يَشْمَل الغَمَّ مِمَّا مضى والهَمَّ مِمَّا يُسْتَقْبَل؟ نعم، فكذلك في الجَنَّة جَميعُ ما مضى عليهم من الأَحْزانِ والهُمُومِ وغيرِها يَنْسَوْنَها كما جاء في الحديث الصَّحِيحِ أنَّ الإِنْسَان يُغْمَسُ في الجَنَّةِ؛ يُصْبَغُ صَبْغَةً واحِدَةً يُغْمَسُ فيها، فيقال له: هل رَأَيْتَ شَرًّا قط فيقول: لا (١)، فكلُّ ما مضى: من الشُّرورِ والأَحْزانِ والهُمُومِ كُلِّها. وَقَوْله تعالى: ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ﴾ قال المُفَسِّر ﵀: [جَميعَه] يُشيرُ إلى أن (أل) هنا لاسْتِغراقِ العُمومِ، و (أل) تكون لاسْتِغراقِ العُمومِ إذا صَحَّ أن يَحُلَّ مَحَلَّها كلٌّ؛ فهي للإسْتِغْراقِ، كقَوْله تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ [العصر: ٢]، وَقَوْله تعالى: ﴿وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ [النساء: ٢٨]، أمَّا قَوْله تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٣٤] فليَسَتْ للإسْتِغْراقِ، فما كُلُّ رَجُلٍ قَوَّامٌ، فأحيانًا تكون المَرْأَةُ قَوَّامَةً على الرَّجُل! ! فهذه لبيان الحَقيقَةِ فقط، الحَقيقَة فقط. أفادنا المُفَسِّر ﵀ بِقَوْله: [جميعَه] أن (أل) هنا للإسْتِغْراقِ. وَقَوْله ﵀: [﴿إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُور﴾ للذُّنُوبِ ﴿شَكُورٌ﴾ للطَّاعَة]؛ هذه الجُمْلَة

стр. 239

مُؤَكَّدَة بِمُؤَكِّدَيْنِ؛ بـ (إن) واللام، فهم أَكَّدُوا بالثَّنَاء هذا على الله أنَّه غَفُورٌ للذُّنُوب شكورٌ للطَّاعَةِ. فالغَفُور هنا هل هي صِيغَةُ مُبالَغَة أم صِفَةٌ مُشَبَّهَة؟ هي تشمل الأَمْرَيْنِ جميعًا، هي صيغة مُبالَغَة لِكَثْرِةِ غُفْرانِ الله تعالى للذنوب وكَثْرَة من يَغْفِرُ لهم؛ فهو كثير المَغْفِرَة للذُّنوب؛ إذ إنَّ الذنوب تتَكَرَّر من الإِنْسَان عِدَّةَ مَرَّاتٍ فَيَغْفِرُها الله، والذين يَغْفِرُ الله لهم كثيرون أو قَليلون؟ كثيرونَ، ومن جهةٍ أخرى باعتبار أنَّ الله تعالى لم يَزَلْ غفورًا نقول هي صِفَةٌ مُشَبَّهَة. وَقَوْله تعالى: ﴿شَكُورٌ﴾ نقول فيها كما قلنا في ﴿لَغَفُورٌ﴾ بأنَّه لم يزل شكورًا على طاعَةِ عِبادِهِ وامْتِثالهِم أَمْرَه، ومِنْ شُكْرِهِ أنَّه يعطي العامِلَ الحَسَنَةَ بِعَشْرِ أمثالِها إلى سبعِ مِئَة ضِعْفٍ إلى أضعافٍ كثيرة. وهو أيضًا شكورٌ باعتبارها صيغَةَ مُبالَغَة؛ لأنَّه كلَّما كَثُر العَمَل كَثُر الشُّكْر. من فوائد الآية الكريمة: الْفَائِدَة الأُولَى: فَضيلَة أَهْلِ الجَنَّة بِثَنائِهِم على ربِّهم؛ لِقَوْله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ﴾. الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أن حَمْدَ الله تعالى يكون على إنعامِهِ وإِفْضالِهِ وعلى كمال صِفاتِهِ وهنا قالوا: ﴿الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ﴾ فحَمِدوا الله على إنعامِهِ عليهم وعلى كَوْنِهِ غفورًا شكورًا. الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: كمال الفرح والسُّرورِ لأَهْلِ الجَنَّةِ؛ لِقَوْله تعالى: ﴿أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ﴾ فإن هذه الصِّفَة السَّلْبِيَّة تدلُّ على كمال ضِدِّها فإذا كان الحَزَنُ مَنْفِيًّا عنهم

стр. 240

كان ذلك دليلًا على كمالِ سُرُورِهِم وأنَّه سرورٌ لا يُشابُ بِحَزَنٍ أبدًا بخلاف سرورِ الدُّنْيا؛ فإنَّ سرور الدُّنْيا مهما عَظُمَ مَشُوبٌ بالكَدَرِ ولهذا يقول الشَّاعِرُ الحكيمُ: لَا طِيبَ لِلْعَيْشِ مَا دَامَتْ مُنَغَّصَةً ... لَذَّاتُهُ بادِّكَارِ المَوْتِ والهَرَمِ (١) فالإِنْسَانُ مهما كان في الدُّنْيا من النَّعِيم، فإنَّه إذا تذَكَّرَ أنَّ أمامه شَيْئَيْنِ لا بُدَّ منهما؛ لا بُدَّ من أَحَدِهِما قطعًا، فإن طالَتْ به الحياة فلا بُدَّ من الأَمْرَيْنِ جَميعًا، وهو الهَرَمُ والمَوْتُ، وحينئذٍ تَتَنَغَّصُ عليه حياتُه، وهو حينئذٍ يَعْرِفُ أنَّه كُلُّ يومٍ يَمْضي عليه فإنَّه يُبْعِدُه من الدُّنْيا ويُقَرِّبُه من الآخِرَة، وهذا تنغيصٌ آخَرَ؛ ولهذا قال الشاعر: والمَرْءُ يَفْرَحُ بِالأَيَّامِ يَقْطَعُهَا ... وَكُلُّ يَوْمٍ مَضَى يُدْنِي مِنَ الْأَجَلِ (٢) على كُلِّ حالٍ: في الآخِرَة نعيمٌ لا كَدَرَ فيه؛ لِقَوْله تعالى: ﴿أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ﴾. الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أن نعيمَ الآخِرَة يُؤْسِي كلَّ ما سبقه من حَزَنٍ؛ لِقَوْله تعالى: ﴿أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ﴾ وذَهَابُ الحَزَنِ هنا ذَهَابٌ لمِا قد وُجِدَ، ولما يُتَوَقَّعُ وُجُوده فلا يُمْكِن أن يَمَسَّه فيها حَزَنٌ. الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: إِثْباتُ اسْمَيْنِ من أَسْماء الله وهما: الغفور والشكور، فالغَفور في جانب المعاصي، والشَّكور في جانِبِ الطَّاعاتِ، أمَّا في المعاصي فإنَّه قال في الحديث القُدُسِيِّ: "يا ابْنَ آدمَ، لَوْ بَلَغَتْ ذُنُوبُكَ عَنَانَ السَّمَاءِ ثُمَّ لَقِيتَنِي لَا تُشْرِكُ بِي

стр. 241

شَيْئًا لَغَفَرْتُ لَكَ" (١). وأمَّا في الطَّاعاتِ فإنَّ الله يقول: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام: ١٦٠]، وقال النَّبِيُّ ﵊: "إنَّ فَاعِلَ الحَسَنَةِ تُكْتَبُ لَهُ عَشْرُ حَسَنَاتٍ إِلَى سَبْعِ مِئَةِ ضِعْفٍ إِلَى أَضْعَافٍ كَثيرَةٍ" (٢). * * *

стр. 242

الآية (٣٥) * * * * قَالَ اللهُ : ﴿أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ﴾ [فاطر: ٣٥]. * * * قَوْله تعالى: ﴿الَّذِي﴾ هنا يجوز أن تكون صفةً لما سبق وهو الله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ﴾: ﴿الَّذِي أَحَلَّنَا﴾ ويُحْتَمَل أن تكون استئنافًا؛ يعني أنَّها في مَحَلِّ رَفْعٍ على القطع؛ لأنَّ المَنْعوتَ إذا عُلم وتَعَدَّدَ النَّعْتُ له جاز في النَّعْتِ الثاني القَطْعُ والإِثباتِ، كما قال ابن مالك ﵀: وَإِنْ نُعُوتٌ كَثُرَتْ وَقَدْ تَلَتْ ... مُفْتَقِرًا لِذِكْرِهِنَّ أُتْبِعَتْ (١) وإن لم يكن مُفْتَقِرًا جاز القَطْع. ﴿الَّذِي أَحَلَّنَا﴾ أي أَنْزَلَنا ﴿دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ﴾. ﴿الْمُقَامَةِ﴾ هنا بمَعْنى الإقامَةِ فهي إذنْ ظرفُ مكانٍ، أو أنَّها مصدر ميمي دخلتْه التاء، ودار المُقامَة هي دار الجَنَّة ووُصِفَت بذلك لأنَّ ساكنيها مقيمونَ فيها أبدًا ولأنَّهم لا يريدونَ الإِقامَةَ بغيرها، كلُّ واحدٍ منهم لا يبغِي حِوَلًا عما هو فيه؛ لأنَّه يرى أنَّه أَكْمَلُ أَهْل الجَنَّة؛ بل إنَّ الله أَقْنَعَهُم بما هم عليه من النَّعِيمِ حتى لا يتطلَّعوا إلى نعيمٍ أكثر فيَحْتَقِروا ما هم فيه، بخلاف أَهْلِ النَّارِ فإنَّ أَهْل النَّار كلُّ واحدٍ منهم يرى أنَّه أَشَدُّ أَهْل النَّار عذابًا؛ لأنَّه لو يرى أن غَيْرَهُ أَشَدُّ منه لَهانَ عليه العذابُ.

стр. 243

وَقَوْله تعالى: ﴿الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ﴾. ﴿مِنْ﴾ سَبَبِيَّة هنا؛ أي: بسبب فضله؛ أي تَفَضُّله علينا؛ لأنَّه لولا فَضْلُ الله عليهم ما وصلوا إلى هذا المَقامِ العَظيمِ، فكُلُّ ما في الإِنْسَان من خَيْرٍ ونِعْمَةٍ فمن الله ؛ كما قال تعالى: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ﴾ [النحل: ٥٣]. فإحلالُهُم دار المُقامَة هو من فَضْل الله تعالى، وهذا من تمَامِ شُكْرِهم لله حيث اعْتَرَفوا له بالفَضْل، بخلاف الذي إذا أصابَتْه النَّعْماء قال: هذا لي، أو: هذا من عندي، أو ما أشبه ذلك. قَوْله ﵀: [﴿لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ﴾ تَعَبٌ ﴿وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ﴾ إعياءٌ مِنَ التَّعَبِ]. لا يمسنا فيها نَصَبٌ؛ أي: تَعَبٌ، ومَعْنى يَمَسُّنا؛ أي: يُصيبُنا؛ كما قال الله تعالى: ﴿إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِنْ قَبْلُ﴾ [التَّوْبَة: ٥٠] فالمَسُّ بمَعْنى الإصابة. وَقَوْله: [﴿نَصَبٌ﴾ تعب ﴿لُغُوبٌ﴾ إعياء] لأنَّ هناكَ تعبًا مباشِرًا ينالُ الإِنْسَانَ حين الفِعْلِ، وإعياءً يكونُ أثرًا للتَّعَب، فأنت إذا مارَسْتَ عملًا شاقًّا فإنَّك حين مُمارَسَتِه تَتْعَبُ، ثم بعد انتهائه تَعْيا؛ يعني: تَضْعُفُ وتَخْلُد إلى الرَّاحَة وإلى النَّوْم، فالجَنَّة ليس فيها ﴿نَصَبٌ﴾ يعني: تَعَبًا بَدَنِيًّا حين مُزاوَلَةِ الأَعْمالِ ولا ﴿لُغُوبٌ﴾ أي إعياءٌ وهو النَّاتِجُ عن التَّعَب. قال ﵀: [إعياءٌ من التَّعَبِ لعدم التَّكْليفِ فيها] هذا تعليلٌ عليلٌ لأنَّ

стр. 244

التكليف حتى في الدُّنْيا غالِبُه ليس فيه تَعَبٌ، بل إن بعضه يكون راحةً للبَدَنِ وراحةً للقَلْب وتَنْشيطًا للبَدَنِ وصِحَّةً له، وليس هذا هو المقصودَ الأَوَّلَ في العبادات، لَكِنَّه يَحْصُلُ من مُمارَسَةِ العِبَادَة، يَحْصُل من ذلك النَّشاطُ والصِّحَّةُ كما هو موجود مثلًا في الصَّلاة، وموجود في الصِّيامِ، ومَوْجودٌ في الحَجِّ، فليس هناك تَعَبٌ في الأَعْمالِ الصَّالِحَةِ. بل نقول ﴿لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ﴾ هذا من باب الصِّفاتِ السَّلْبِيَّة المُتَضَمِّنَةِ لِكَمالِ ضِدِّها، فلا يَمَسُّهم فيها نَصَبٌ ولا يَمَسُّهُم فيها لغوب؛ لكمال نَعِيمِهِم وراحَتِهِم وأُنْسِهِم وفَرَحِهِم، وما أشبه ذلك. يقول ﵀: [لعدم التَّكْليفِ فيها، وذَكَرَ الثَّانِيَ التَّابعَ للأَوَّلِ للتَّصْريحِ بِنَفْيِهِ]. ذَكَرَ الثانِيَ - وهو اللُّغُوبُ - التَّابِعَ للأَوَّلِ - وهو التَّعَبُ - لأنَّ اللُّغُوبَ - كما قلنا قبل قليل - نتيجَةُ التَّعَبِ، فكأنَّ المُفَسِّر ﵀ أَجابَ عن سؤالٍ؛ كأنَّه قيل: إذا انتفى التَّعَبُ انْتَفَى اللُّغُوبُ الذي هو نَتِيجَتُه، فلماذا لم يُقْتَصَرْ على نَفْيِ التَّعَبِ، وقيل لا يَمَسُّنا فيها نَصَبٌ وإذا انتفى النَّصَبُ انتفى اللُّغُوبُ؟ أجاب على ذلك: بأنَّه ذُكِرَ من أجل التَّصْريحِ بِنَفْيِهِ. هذا ما ذهب إليه المُفَسِّر ﵀، ولا شَكَّ أنَّه وَجْهٌ حَسَنٌ، ولكن ربَّما نقول: إنَّ الإِنْسَان أحيانًا يَجِدُ إعياءً وكَسَلًا ومَوْتَ قُوًى بدونِ عَمَلٍ وبدون تَعَبٍ، وهذا مُشاهَدٌ؛ وعليه فيكون نَفْي اللُّغُوبِ أمرًا ليس تَأْكيدًا، وإنَّما هو أَمْرٌ أَساسِيٌّ؛ أي: إنَّ الإِنْسَان قد يَجِدُ إعياءً أحيانًا وهو ما اشْتَغَلَ.

стр. 245

إذن نقول: إنَّ ذِكْرَه أَساسِيٌّ، وليس من باب التَّصْريحِ بِنَفْيِهِ الذي لا يُقْصَدُ منه إلا مُجَرَّدُ التَّوْكيدِ. المُهِمُّ: أنَّ أَهْل الجَنَّةِ لِكَمالِ نَعيمِهِم لا يَمَسُّهم فيها نَصَبٌ ولا يَمَسُّهم فيها لُغوبٌ. من فوائد الآية الكريمة: الْفَائِدَة الأُولَى: فَضيلَة أَهْلِ الجَنَّةِ بإضافتهم النَّعِيمَ إلى المُنْعِمِ به؛ لِقَوْله تعالى: ﴿الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ﴾ فنَسَبُوا الأَمْر إلى الله وإلى فَضْلِه: ﴿الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ﴾ وهذا غايَةُ الثَّناءِ والحَمْد. الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أنَّ دار الجَنَّة دارُ إقامَةٍ، فكُلُّ إِنْسَانٍ لا يتمَنَّى أن يزول عن مكانه منها حتى مَن كانوا في الدَّرَجاتِ غَيْرِ العالِيَةِ يرون أنَّهُم في أَكْمَلِ النَّعِيم؛ لِقَوْله تعالى: ﴿دَارَ الْمُقَامَةِ﴾. الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: تَأْبيدُ الجَنَّةِ؛ لِإِطْلاقِ قَوْله تعالى: ﴿الْمُقَامَةِ﴾ ولم تُقَيَّدْ بِزَمَنٍ. الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أنَّ بُلُوغَهُم إلى هذه الدَّارِ ليس بِحَوْلهِم وقُوَّتِهِم، ولكنْ بِفَضْلِ الله ؛ لِقَوْله تعالى: ﴿مِنْ فَضْلِهِ﴾. الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: إِثْباتُ الأَسْبَابِ؛ لأنَّ ﴿مِنْ﴾ هنا سَبَبِيَّةٌ؛ أي: بفضل الله، ففيها رَدٌّ على من ينكرون الأَسْبَابَ، ويقولون: إنَّ الأَسْبَابَ لا تَأْثيرَ لها وإنَّما يَحْصُل الشَّيْءُ عِنْدها لا بِها. الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: أنَّ الإِنْسَانَ لا يَدْخُلُ الجَنَّة بِعَمَلِهِ؛ لِقَوْله تعالى: ﴿مِنْ فَضْلِهِ﴾ ولكِنْ قد يُشْكِلُ على هذا قَوْلُهُ تعالى: ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٣٢]،

стр. 246

وأشباههما من الآياتِ، وقد جمع العُلَماء ﵏ بينهما بأنَّ الباءَ في قَوْله تعالى: ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ للسَّبَبِيَّةِ، وأنَّ الباء في قَوْلِ الرَّسُولِ ﷺ : "لَا يَدْخُلُ الجَنَّةَ أَحَدٌ بِعَمَلِهِ" (١) لِلْعِوَضِ؛ يعني أنَّ دُخولَ الإِنْسَانِ الجَنَّةَ ليس بعمله؛ إذ لو أنَّه أُريدَتِ المُعاوَضَةُ لَهَلَكَ الإِنْسَانُ؛ فلو أنَّ الإِنْسَان نُوقِشَ في عَمَلِهِ بالإضافَةِ إلى نِعْمَة الله عليه لكانَتْ نِعْمَةٌ واحِدَة تُقابِلُ كُلَّ العَمَل، بل لكان العَمَلُ نَفْسُهُ نِعْمَةً يَحْتاجُ إلى شُكْرٍ؛ لأنه من توفيقِ الله للعَبْدِ؛ كما قيل: إِذَا كَانَ شُكْرِي نِعْمَةَ اللهِ نِعْمَةً ... عَلَيَّ لَهُ فِي مِثْلِهَا يَجِبُ الشُّكْرُ فَكَيْفَ بُلُوغُ الشُّكْرِ إِلَّا بِفَضْلِهِ ... وَإِنْ طَالَتِ الأَيَّامُ وَاتَّصَلَ الْعُمْرُ (٢) وهذا حَقٌّ؛ كُلُّ عملٍ صَالِحٍ تُوَفَّقُ له فهو نِعْمَةٌ من الله عليك يَحْتاجُ إلى شُكْرٍ، فإنْ شَكَرتَهُ صار الشُّكْر نِعْمَةً يَحْتاجُ إلى شُكْرٍ آخَرَ، ثم لا تستطيعُ أن تُثْنِيَ على ربِّكَ بل تَقِفُ تقول: سُبْحَانَكَ لَا أُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْكَ، أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْتَ عَلَى نَفْسِكَ. الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: كمالُ الرَّاحَةِ في الجَنَّة؛ لِقَوْله تعالى: ﴿لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ﴾ وَكَمالُ القُوَّةِ والنَّشاطِ؛ لأنَّ التَّعَبَ إنَّما يَلْحَقُ البَدَنَ الضَّعيفَ. فإذا قال قائِلٌ: من أين عَرَفْنا الكَمالَ؟ فالجوابُ: مِنَ النَّفْيِ؛ لِأَنَّ نَفْيَ النَّقْصِ إثباتٌ لِكَمالِ ضِدِّهِ.

стр. 247

وهل يُؤْخَذُ من هذه الآيَةِ الكَريمَةِ أنَّ الجَنَّة ليس فيها نَوْمٌ؟ الجواب: أَخْذُ نَفْيِ النَّوْمِ من هذه الآيَةِ فيه شَيْءٌ من الإِشْكالِ، لكن إذا أَرَدْنا أن نَتَوَسَّعَ في الإسْتِدْلال يُمْكِنُ أن نقول كما قُلْتَ: إنَّ النَّوْمَ إنَّما يُحْتاجُ إليه لراحةٍ مِنْ تَعَبٍ سابِقٍ وتَجْديدِ نَشاطٍ لِعَمَلٍ لاحِقٍ، وإذا كان الإِنْسَانُ في مَحَلِّ إقامَتِهِ لا يَمَسُّه النَّصَبُ ولا اللُّغُوبُ، فإنَّه لا يحتاج إلى النَّوْمُ. يَرِدُ علينا: الأَكْلُ والشُّرْبُ؛ فالأَكْلُ والشُّرْبُ في الجَنَّة ثابِتٌ مع أنَّه يُحْتاجُ إليه في الدُّنْيا لحِاجَةِ البَدَنِ إلى النُّمُوِّ وإلى العَمَلِ، فيقال إنَّ أَكْلَهُمْ في الآخِرَة ليس للحاجَةِ، ولكن على سَبيلِ التَّلَذُّذ، ولهذا يأكلونَ ويَشْربونَ ولا يَبولونَ ولا يَتَغَوَّطونَ، إنَّما يخرج ذلك رَشْحًا - يعني عَرَقًا - أطْيَبَ مِن رِيحِ المِسْكِ (١)؛ ولهذا يأكلون دائمًا، ولكِنْ في الدُّنْيا إذا امْتَلَأَ الإناءُ وَقِّفْ فلا تَأْكُلْ أَكْثَرَ. على كُلِّ حالٍ: لا شَكَّ أنَّهم لا ينامونَ مِنْ نصوصٍ أخرى، والعُلَماء ﵏ يقولون: إنَّ النَّوْمَ أَخو الموتِ، وقد نفى الله عَنْهُمُ المَوْتَ فإذا انتفى المَوْتُ فإنَّ النَّوْمَ يَنْتَفي أيضًا، لأنَّه وفاةٌ صُغْرى. ثم إنَّهم لو كانوا يَنامونَ لأَدَّى ذلك إلى تَعَطُّلِ نَعيمِهِم وَقْتَ نَوْمِهِم، والجَنَّةُ نَعيمُها دائمٌ مُسْتَمِرٌ، فالنَّوْمُ ليس مُتْعَةً إلا لِمَنْ يَحْتاجُه فقط، أمَّا من لا يحتاجه فليس فيه فائِدَةٌ، وله أَدِلَّةٌ صَريحَةٌ من السُّنَّة؛ أنَّ الرَّسُول أخبر أنَّهم لا يَنامونَ. الْفَائِدَةُ الثَّامِنَةُ: أنَّ أَهْل الجَنَّة لا يَتْعَبونَ في مُزاوَلَةِ الأَعْمالِ ولا يَلْحَقُهُم إعياءٌ بَعْدَ ذلكَ؛ لِقَوْله تعالى: ﴿لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ﴾ ولا يَتْعَبونَ

стр. 248

قَطْعًا كما في الآيَة، لَكِنَّهم يَعْمَلونَ: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا﴾ [الإِنْسَان: ٦] يَعْمَلون في نَعيمِهِم، يُفَجِّرونَ الأَنْهارَ ويَجْنونَ الثِّمارَ؛ إلا أنَّه بدونِ كُلْفَة ولا مَشَقَّة، كما قال الله تعالى: ﴿قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ﴾ [الحاقة: ٢٣]. * * *

стр. 249

الآية (٣٦) * * * * قَالَ اللهُ : ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ﴾ [فاطر: ٣٦]. * * * ثم قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ﴾ فثنَّى بِذِكْرِ عِقابِ أَهْلِ النَّارِ؛ لأنَّ القُرْآنَ مَثانٍ، كُلُّ ما ذُكِرَ فيه مَعْنًى ذُكِرَ فيه ما يُقابِلُه، ولا تكاد تَجِدُ آياتٍ في القُرْآن يُذْكَرُ فيها معنًى إلا وذُكِرَ ما يقابله لِئَلَّا تَتَمادى النَّفْس في الرَّجاء، فإذا ذُكِرَ النَّعِيم وَحْدَه فإنَّ النَّفْس تتمادى في الرَّجاءِ، وحينئذٍ تَأْمَنُ مَكْرَ الله، ولو ذُكِرَ الوعيدُ وَحْدَه لتمادَتِ النَّفْسُ في الخَوْف وقَنِطَتْ من رَحْمَة الله، ولَكِنَّه يذكر هذا تارة، وهذا تارَةً حتى يكونَ الإِنْسَانُ سائرًا من غَيْر مَيْلٍ إلى الرَّجاء ومن غَيْر مَيْلٍ إلى القُنوطِ. وهذه المَسْأَلَة اخْتَلَفَ العُبَّاد فيها: هل الأَوْلَى أن يَسيرَ الإِنْسَانُ إلى رَبِّه بين الخَوْفِ والرَّجاءِ فيكونَ خائِفًا راجِيًا، أو الأَوْلَى أن يُغَلِّبَ الرَّجاءَ إحسانًا في الظَّنِّ بالله ، أو الأَوْلَى أن يُغَلِّبَ الخَوْفَ؟ في هذا خلافٌ بين العُلَماء ﵏؛ فالإمام أحمدُ (١) ﵀ رُوِيَ عنه أنَّه قال: يَنْبَغي أن يكونَ خَوْفُه ورَجاؤُهُ واحِدًا، فأيُّهُما غَلَبَ هَلَكَ صاحِبُه؛ لأَنَّه إن غَلَبَ

стр. 250

الرَّجاءُ أَمِنَ الإِنْسَانُ مِن مَكْرِ الله وإن غَلَبَ الخَوْف قَنِطَ من رَحْمَة الله، فيكون خَوْفُه ورجاؤه واحِدًا. قالوا: فالخَوْفُ والرَّجاءُ كالجَناحَيْنِ للطَّائِرِ إن هَبَطَ أَحَدُهما مال الطَّائِر إليه واخْتَلَّ تَوازُنُه، وإن تساويا استقامَ الطَّائِرُ واستقام واعْتَدَل توازُنُه. وقال بعض أَهْل العِلْم ﵏: بل هذا يَخْتَلِفُ باختلاف الأَحْوالِ؛ فإذا فعل الإِنْسَان الطَّاعَةَ فَلْيُغَلِّبِ الرَّجاءَ، وأنَّ الذي وفَّقَه لها سوف يَقْبَلُها منه ويُثيبُه عليها؛ كما قال الله تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠] فإذا وُفِّقْتَ للدُّعَاء وُفِّقْتَ للإجابة، وإذا وُفِّقْتَ للعَمَلِ وُفِّقْتَ للقَبُولِ. وإذا عَمِلَ المَعْصِيَة فلْيُغَلِّبْ جانِبَ الخَوْف ولْيَرْجِعْ إلى ربِّهِ؛ لأنَّه إن غَلَّبَ جانِبَ الرَّجاءِ بعد فِعْلِ المَعْصِيَة فلا يتوبُ منها، ويقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨] ويقول الله غفورٌ رحيمٌ وما أشبه ذلك، فيكون تَغْليبُ الرَّجاءِ في حالٍ، وتَغْليبُ الخَوْفِ في حالٍ أخرى. وقال بعض العُلَماء ﵏: يُغَلِّبُ الخَوْفَ في حال، والرَّجاءَ في حال، لكن لا باعتبارِ العَمَلِ بل باعتبارِ الحال، فإذا كان مَريضًا فلْيُغَلِّبْ جانِبَ الرَّجاءِ؛ لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ : "لا يَمُوتَنَّ أَحَدُكُمْ إِلَّا وَهُوَ يُحْسِنُ الظَّنَّ بِاللهِ" (١)، وإن كان صَحيحًا فلْيُغَلِّبْ جانِبَ الخَوْف. والمناسَبَةُ قالوا: لأنَّ المريضَ تَضْعُفُ نَفْسُهُ وتَنْكَسِرُ وليس يَميلُ إلى الدُّنْيا ولَكِنَّه يَهتَمُّ بما أمامه فلْيُغَلِّبْ جانب الرَّجاء، ليس هناك نفسٌ تتَطَلَّعُ إلى الدُّنْيا
следующие страницы →