وأشباههما من الآياتِ، وقد جمع العُلَماء ﵏ بينهما بأنَّ الباءَ في قَوْله تعالى: ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ للسَّبَبِيَّةِ، وأنَّ الباء في قَوْلِ الرَّسُولِ ﷺ : "لَا يَدْخُلُ الجَنَّةَ أَحَدٌ بِعَمَلِهِ" (١) لِلْعِوَضِ؛ يعني أنَّ دُخولَ الإِنْسَانِ الجَنَّةَ ليس بعمله؛ إذ لو أنَّه أُريدَتِ المُعاوَضَةُ لَهَلَكَ الإِنْسَانُ؛ فلو أنَّ الإِنْسَان نُوقِشَ في عَمَلِهِ بالإضافَةِ إلى نِعْمَة الله عليه لكانَتْ نِعْمَةٌ واحِدَة تُقابِلُ كُلَّ العَمَل، بل لكان العَمَلُ نَفْسُهُ نِعْمَةً يَحْتاجُ إلى شُكْرٍ؛ لأنه من توفيقِ الله للعَبْدِ؛ كما قيل:
إِذَا كَانَ شُكْرِي نِعْمَةَ اللهِ نِعْمَةً ... عَلَيَّ لَهُ فِي مِثْلِهَا يَجِبُ الشُّكْرُ
فَكَيْفَ بُلُوغُ الشُّكْرِ إِلَّا بِفَضْلِهِ ... وَإِنْ طَالَتِ الأَيَّامُ وَاتَّصَلَ الْعُمْرُ (٢)
وهذا حَقٌّ؛ كُلُّ عملٍ صَالِحٍ تُوَفَّقُ له فهو نِعْمَةٌ من الله عليك يَحْتاجُ إلى شُكْرٍ، فإنْ شَكَرتَهُ صار الشُّكْر نِعْمَةً يَحْتاجُ إلى شُكْرٍ آخَرَ، ثم لا تستطيعُ أن تُثْنِيَ على ربِّكَ بل تَقِفُ تقول: سُبْحَانَكَ لَا أُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْكَ، أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْتَ عَلَى نَفْسِكَ.
الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: كمالُ الرَّاحَةِ في الجَنَّة؛ لِقَوْله تعالى: ﴿لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ﴾ وَكَمالُ القُوَّةِ والنَّشاطِ؛ لأنَّ التَّعَبَ إنَّما يَلْحَقُ البَدَنَ الضَّعيفَ.
فإذا قال قائِلٌ: من أين عَرَفْنا الكَمالَ؟
فالجوابُ: مِنَ النَّفْيِ؛ لِأَنَّ نَفْيَ النَّقْصِ إثباتٌ لِكَمالِ ضِدِّهِ.
стр. 247
وهل يُؤْخَذُ من هذه الآيَةِ الكَريمَةِ أنَّ الجَنَّة ليس فيها نَوْمٌ؟
الجواب: أَخْذُ نَفْيِ النَّوْمِ من هذه الآيَةِ فيه شَيْءٌ من الإِشْكالِ، لكن إذا أَرَدْنا أن نَتَوَسَّعَ في الإسْتِدْلال يُمْكِنُ أن نقول كما قُلْتَ: إنَّ النَّوْمَ إنَّما يُحْتاجُ إليه لراحةٍ مِنْ تَعَبٍ سابِقٍ وتَجْديدِ نَشاطٍ لِعَمَلٍ لاحِقٍ، وإذا كان الإِنْسَانُ في مَحَلِّ إقامَتِهِ لا يَمَسُّه النَّصَبُ ولا اللُّغُوبُ، فإنَّه لا يحتاج إلى النَّوْمُ.
يَرِدُ علينا: الأَكْلُ والشُّرْبُ؛ فالأَكْلُ والشُّرْبُ في الجَنَّة ثابِتٌ مع أنَّه يُحْتاجُ إليه في الدُّنْيا لحِاجَةِ البَدَنِ إلى النُّمُوِّ وإلى العَمَلِ، فيقال إنَّ أَكْلَهُمْ في الآخِرَة ليس للحاجَةِ، ولكن على سَبيلِ التَّلَذُّذ، ولهذا يأكلونَ ويَشْربونَ ولا يَبولونَ ولا يَتَغَوَّطونَ، إنَّما يخرج ذلك رَشْحًا - يعني عَرَقًا - أطْيَبَ مِن رِيحِ المِسْكِ (١)؛ ولهذا يأكلون دائمًا، ولكِنْ في الدُّنْيا إذا امْتَلَأَ الإناءُ وَقِّفْ فلا تَأْكُلْ أَكْثَرَ.
على كُلِّ حالٍ: لا شَكَّ أنَّهم لا ينامونَ مِنْ نصوصٍ أخرى، والعُلَماء ﵏ يقولون: إنَّ النَّوْمَ أَخو الموتِ، وقد نفى الله عَنْهُمُ المَوْتَ فإذا انتفى المَوْتُ فإنَّ النَّوْمَ يَنْتَفي أيضًا، لأنَّه وفاةٌ صُغْرى.
ثم إنَّهم لو كانوا يَنامونَ لأَدَّى ذلك إلى تَعَطُّلِ نَعيمِهِم وَقْتَ نَوْمِهِم، والجَنَّةُ نَعيمُها دائمٌ مُسْتَمِرٌ، فالنَّوْمُ ليس مُتْعَةً إلا لِمَنْ يَحْتاجُه فقط، أمَّا من لا يحتاجه فليس فيه فائِدَةٌ، وله أَدِلَّةٌ صَريحَةٌ من السُّنَّة؛ أنَّ الرَّسُول أخبر أنَّهم لا يَنامونَ.
الْفَائِدَةُ الثَّامِنَةُ: أنَّ أَهْل الجَنَّة لا يَتْعَبونَ في مُزاوَلَةِ الأَعْمالِ ولا يَلْحَقُهُم إعياءٌ بَعْدَ ذلكَ؛ لِقَوْله تعالى: ﴿لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ﴾ ولا يَتْعَبونَ
стр. 248
قَطْعًا كما في الآيَة، لَكِنَّهم يَعْمَلونَ: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا﴾ [الإِنْسَان: ٦] يَعْمَلون في نَعيمِهِم، يُفَجِّرونَ الأَنْهارَ ويَجْنونَ الثِّمارَ؛ إلا أنَّه بدونِ كُلْفَة ولا مَشَقَّة، كما قال الله تعالى: ﴿قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ﴾ [الحاقة: ٢٣].
* * *
стр. 249
الآية (٣٦)
* * *
* قَالَ اللهُ : ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ﴾ [فاطر: ٣٦].
* * *
ثم قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ﴾ فثنَّى بِذِكْرِ عِقابِ أَهْلِ النَّارِ؛ لأنَّ القُرْآنَ مَثانٍ، كُلُّ ما ذُكِرَ فيه مَعْنًى ذُكِرَ فيه ما يُقابِلُه، ولا تكاد تَجِدُ آياتٍ في القُرْآن يُذْكَرُ فيها معنًى إلا وذُكِرَ ما يقابله لِئَلَّا تَتَمادى النَّفْس في الرَّجاء، فإذا ذُكِرَ النَّعِيم وَحْدَه فإنَّ النَّفْس تتمادى في الرَّجاءِ، وحينئذٍ تَأْمَنُ مَكْرَ الله، ولو ذُكِرَ الوعيدُ وَحْدَه لتمادَتِ النَّفْسُ في الخَوْف وقَنِطَتْ من رَحْمَة الله، ولَكِنَّه يذكر هذا تارة، وهذا تارَةً حتى يكونَ الإِنْسَانُ سائرًا من غَيْر مَيْلٍ إلى الرَّجاء ومن غَيْر مَيْلٍ إلى القُنوطِ.
وهذه المَسْأَلَة اخْتَلَفَ العُبَّاد فيها: هل الأَوْلَى أن يَسيرَ الإِنْسَانُ إلى رَبِّه بين الخَوْفِ والرَّجاءِ فيكونَ خائِفًا راجِيًا، أو الأَوْلَى أن يُغَلِّبَ الرَّجاءَ إحسانًا في الظَّنِّ بالله ، أو الأَوْلَى أن يُغَلِّبَ الخَوْفَ؟
في هذا خلافٌ بين العُلَماء ﵏؛ فالإمام أحمدُ (١) ﵀ رُوِيَ عنه أنَّه قال: يَنْبَغي أن يكونَ خَوْفُه ورَجاؤُهُ واحِدًا، فأيُّهُما غَلَبَ هَلَكَ صاحِبُه؛ لأَنَّه إن غَلَبَ
стр. 250
الرَّجاءُ أَمِنَ الإِنْسَانُ مِن مَكْرِ الله وإن غَلَبَ الخَوْف قَنِطَ من رَحْمَة الله، فيكون خَوْفُه ورجاؤه واحِدًا.
قالوا: فالخَوْفُ والرَّجاءُ كالجَناحَيْنِ للطَّائِرِ إن هَبَطَ أَحَدُهما مال الطَّائِر إليه واخْتَلَّ تَوازُنُه، وإن تساويا استقامَ الطَّائِرُ واستقام واعْتَدَل توازُنُه.
وقال بعض أَهْل العِلْم ﵏: بل هذا يَخْتَلِفُ باختلاف الأَحْوالِ؛ فإذا فعل الإِنْسَان الطَّاعَةَ فَلْيُغَلِّبِ الرَّجاءَ، وأنَّ الذي وفَّقَه لها سوف يَقْبَلُها منه ويُثيبُه عليها؛ كما قال الله تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠] فإذا وُفِّقْتَ للدُّعَاء وُفِّقْتَ للإجابة، وإذا وُفِّقْتَ للعَمَلِ وُفِّقْتَ للقَبُولِ.
وإذا عَمِلَ المَعْصِيَة فلْيُغَلِّبْ جانِبَ الخَوْف ولْيَرْجِعْ إلى ربِّهِ؛ لأنَّه إن غَلَّبَ جانِبَ الرَّجاءِ بعد فِعْلِ المَعْصِيَة فلا يتوبُ منها، ويقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨] ويقول الله غفورٌ رحيمٌ وما أشبه ذلك، فيكون تَغْليبُ الرَّجاءِ في حالٍ، وتَغْليبُ الخَوْفِ في حالٍ أخرى.
وقال بعض العُلَماء ﵏: يُغَلِّبُ الخَوْفَ في حال، والرَّجاءَ في حال، لكن لا باعتبارِ العَمَلِ بل باعتبارِ الحال، فإذا كان مَريضًا فلْيُغَلِّبْ جانِبَ الرَّجاءِ؛ لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ : "لا يَمُوتَنَّ أَحَدُكُمْ إِلَّا وَهُوَ يُحْسِنُ الظَّنَّ بِاللهِ" (١)، وإن كان صَحيحًا فلْيُغَلِّبْ جانِبَ الخَوْف.
والمناسَبَةُ قالوا: لأنَّ المريضَ تَضْعُفُ نَفْسُهُ وتَنْكَسِرُ وليس يَميلُ إلى الدُّنْيا ولَكِنَّه يَهتَمُّ بما أمامه فلْيُغَلِّبْ جانب الرَّجاء، ليس هناك نفسٌ تتَطَلَّعُ إلى الدُّنْيا
стр. 251
وتَنْغَمِسُ في التَّرَفِ بل نَفْسُه قد رَقَّتْ وآوَتْ إلى الآخِرَة، وأمَّا إذا كان صحيحًا فإنَّ النَّفْس الآن فيها شِرَّةٌ وتَطَلُّعٌ للدُّنيا وإترافِها؛ فيُغَلِّبُ جانب الخَوْفِ.
على كُلِّ حالٍ: يُمْكِن أن نقول: إذا وُجِدَتْ أَسْبَابٌ يخافُ الإِنْسَان على نَفسه من تغليب جانِبِ الرَّجاءِ فليُقَدِّمِ الخَوْفَ، وإن وُجِدَتْ أَسْبَاب تَقْتَضي أن يخافَ الإِنْسَانُ ويَيْأَسَ من رَحْمَة الله فلْيُغَلِّبْ جانِبَ الرَّجاء؛ يعني إذا فعل أَسْبَابَ الرَّجاء فلْيُغَلِّبِ الرَّجاءَ، وإذا وُجِدَتْ أَسْبَابُ الخَوْفِ فلْيُغَلِّبْ جانِبَ الخَوْفِ.
وقول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ﴾ فهنا قال: ﴿لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ﴾ فأتى أولًا بالمُبْتَدَأِ ثُمَّ أتى بمُبْتَدَأٍ وخَبَرٍ آخر، وهذا يفيدُ التَّوْكيدَ؛ فهو أشَدُّ توكيدًا من مِثْلِ قَوْله تعالى: ﴿وَلِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [الملك: ٦] لما قال: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا﴾ بَقِيَ الذِّهْنُ مُتَشَوِّفًا مُتَطَلِّعًا إلى الخَبَرِ: ما الذي يكون لهؤلاء؟ قال: ﴿لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ﴾ أعوذ بالله! يعني ليس لهم إلا ذلك: نارُ جَهَنَّم.
وهذا من بابِ إِضافَةِ المَوْصوفِ إلى صِفَتِهِ؛ لأنَّ النَّار يُعَبَّرُ عنها بالنَّار وَحْدَها أحيانًا: ﴿وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٣١] , وأحيانًا يُعَبَّر بجَهَنَّم عن النَّارِ مِثْل: ﴿حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [المجادلة: ٨] , وَقَوْله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ﴾ [البيِّنة: ٦] مثل هذا مُضافَة، وأحيانًا تضاف النَّار إلى جَهَنَّمَ؛ وحينَئذٍ يقع الإِنْسَانُ في إشكالٍ؛ يقول: كيف يضاف الشَّيْء إلى ذاتِهِ أو إلى نَفْسِه؛ فالنَّار هي جَهَنَّمُ وجَهَنَّمُ هي النَّار؟
ونقول: إضافَتُها هنا من باب إضافَةِ المَوْصوفِ إلى صِفَتِه؛ ولهذا لا يقال جَهَنَّمُ نار، ولكن يُقالُ: نار جَهَنَّم؛ فجَهَنَّمُ عَلَمٌ من باب اللَّقَبِ، ومَعْلومٌ أنَّ العَلَمَ اسْمٌ وكُنْيَةٌ ولَقَبٌ، فجَهَنَّم اسْمٌ عَلَمٌ، لَكِنَّه من باب اللَّقَب، والعَلَمُ اللَّقَبُ بِمَنْزِلَة الصِّفَةِ؛
стр. 252
يعني: بِمَنْزِلَةِ النَّعْتِ؛ لأنَّ اللَّقَبَ عندما أَشْعَرَ بِمَدْحٍ أو ذَمٍّ، وبناءً على ذلك يَتَبَيَّنُ أنَّ مثل هذا التَّركيب (نار جَهَنَّم) من باب إضافَةِ المَوْصوفِ إلى صِفَتِه، فالنَّار هي هذا الجَوْهَرُ الحارُّ المَعْروف، وجَهَنَّمُ أَصْلُهَا من الجَهْمَةِ وهي الظُّلْمَةُ لِبُعْدِ قَعْرِها وخُلُوِّها من النُّور.
ومن هنا نَعْرِفُ أنَّ هذا الإسْم فيه شَيْءٌ من الإشْتِقاقِ فيكون دالًّا على وَصْفٍ.
قوله تعالى: ﴿لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا﴾ قال ﵀: [﴿لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ﴾ بالمَوْتِ ﴿فَيَمُوتُوا﴾ يَسْتَريحوا]؛ قال الله تعالى في ذلك ﴿فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [الجن: ٢٣] فلا هو مَيِّتٌ فَيَسْتَريحَ ولا حيٌّ حياةً يتَنَعَّمُ فيها، بل هو في شقاءٍ دائم، يَتَمَنَّونَ المَوْتَ ولكن لا يَحْصُلُ لهم؛ قال تعالى: ﴿وَنَادَوْا يَامَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾ [الزخرف: ٧٧].
فهنا يقول: ﴿لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا﴾ أي: لا يُقْضَى عليهم بالمَوْتِ فَيَموتوا ويَسْتريحوا، والفاءُ في قَوْله تعالى: ﴿فَيَمُوتُوا﴾ فاءُ السَّبَبِيَّة، والفِعْلُ بعدها منصوب بِحَذْفِ النون والواو فاعِلٌ؛ لوقوعه بعد النَّفْي الكائِنِ في قَوْله تعالى: ﴿لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ﴾.
قال تعالى: ﴿وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا﴾ قال المُفَسِّر ﵀: [﴿وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا﴾ طَرْفَةَ عَيْنٍ] فهم في عذابٍ مُسْتَمِرٍّ لا يَسْتريحونَ منه لا بِمَوْتٍ ولا بِنَوْمٍ ولا بِتَخْفيفٍ، والعياذ بالله!
قال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ﴾ [غافر: ٤٩] فانظُرِ الذُّلَّ، والعياذُ بالله ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ﴾ كأنَّهم آيِسونَ أن يَدْعوا الله؛ لأنَّ الله تعالى قد قال لهم: ﴿قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ [المُؤْمِنون: ١٠٨] ,
стр. 253
فيَطْلبونَ الوَسائِطَ: ادعوا ربَّكُم، ثم هذا دُعَاءُ اسْتِجْداء ضَعيف؛ فقالوا: يُخَفِّف، ولم يقولوا: يَمْنَع فطَلَبوا التَّخْفيفَ يَوْمًا ولم يقولوا دائِمًا، فهنا يَظْهَرُ أَثَرُ الضَّعْفِ عليهم والذُّلِّ والهوانِ من ثلاثة وجوه:
أولًا: أنَّهم طَلَبوا الشُّفَعاء فلا يَسْتَطِيعونَ أن يَتَكَلَّموا.
ثانيًا: طَلَبوا التَّخفيفَ دونَ المَنْعِ النِّهائِيِّ.
ثالثًا: أنَّهم طلبوا ذلك يومًا من الأَيَّامِ لا دائِمًا.
وتُجيبُهُم المَلائِكَةُ بالتَّوْبيخِ، والعياذ بالله؛ قال تعالى: ﴿قَالُوا أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا بَلَى قَالُوا فَادْعُوا وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ﴾ [غافر: ٥٠].
فهم لا يُقْضى عليهم فيَموتوا، ولا تُجابُ دَعْوَتُهم بذلك ولا يُخَفَّفُ عنهم من عذابِها ولا يومًا واحدًا؛ لأنَّهم قد أُنْذِروا وقامَتْ عليهم الحُجَّة من كُلِّ وَجْهٍ.
قال ﵀: [﴿وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ﴾ كَما جَزَيْناهُم ﴿نَجْزِي كُلَّ كَفُور﴾ كافِرٍ؛ بالياءِ والنون المَفْتوحَة مع كَسْرِ الزَّايِ ونَصْبِ ﴿كُلَّ﴾].
المُفَسِّر ﵀ أَجْمَلَ في بيان هاتَيْنِ القِراءَتَينِ إجمالًا مُخِلًّا؛ فالقراءتان ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ﴾ بالنونِ المَفْتوحَةِ والزَّايِ المَكْسورَةِ ونَصْبِ ﴿كُلَّ﴾ ووَجْهُ هذه القِراءَةِ ظاهِرٌ بأنَّ ﴿نَجْزِي﴾ فِعْلٌ مضارِعٌ، وفاعِلُهُ مُسْتَتِرٌ و ﴿كُلَّ﴾ مفعولٌ به.
القِراءَة الثانية: (يُجْزَى كُلُّ كَفُورٍ) وصَنيعُ المُفَسِّر ﵀ لا يُؤَدِّي هذا المَعْنى، بل ظاهِرُهُ أنَّ (كُلَّ) منصوبة على القِراءَتَيْنِ، وأيضًا ظاهِرُهُ أنَّ الزَّايَ مَكْسورَةٌ على القِراءَتْينِ وأنَّ الياءَ مَفْتوحَةٌ على القِراءَتَيْنِ.
стр. 254
ونرجع إلى كَلِمَة: ﴿كَذَلِكَ﴾ تَرِدُ كثيرًا في القُرْآن الكريم، ويقول المُعْرِبونَ: إنَّ الكافَ مفعولٌ مُطْلَقٌ، وإنَّ تَقْديرَ الكَلَامِ: مِثْلَ ذلكَ الجَزَاءِ نَجْزي، وعامِلُ هذا المَفْعولِ المُطْلَقِ ما بعده من الفِعْلِ؛ كذلك نجزي الظَّالمينَ؛ أي: مِثْلَ ذلك الجزاءِ نَجْزِي الظَّالمِينَ، كذلك نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ؛ أي: مِثْلَ ذلكَ الجَزَاءِ نَجْزي كُلَّ كَفورٍ.
وَقَوْله تعالى: ﴿كُلَّ كَفُورٍ﴾ قال المُفَسِّر ﵀: [كافِرٍ] يعني أنَّ صيغَةَ المُبالَغَةِ هنا لا تُرادُ، بل مُطْلَقُ الكُفْرِ مُوجِبٌ لهذا الجزاءِ؛ لأنَّك لو اعْتَبَرْتَ صِيغَةَ المُبالَغَةِ بِظاهِرِ معناها لكان لا يُجْزى هذا الجَزاءَ إلا من تكَرَّرَ كُفْرُه ولكن لا يَمْنَعُ أن نقول: إنَّ (كفور) هنا صِفَةٌ مُشَبَّهَةٌ، ويكون المَعْنى كل من اتَّصَفَ بالكُفْرِ، والله أعلم.
من فوائد الآية الكريمة:
الْفَائِدَة الأُولَى: أنَّ جزاءَ الكافرينَ النَّارُ، وهذا ما دلَّتْ عليه آياتٌ كثيرة.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أنَّهم لن يَدْخلوا الجَنَّة؛ لِقَوْله تعالى: ﴿لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ﴾ فأتى بالجُمْلَة الإسْمِيَّةِ الدالَّةِ على الثُّبُوت والإسْتِمْرار.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: أنَّ أَهْلَ النَّارِ يَتَأَلمَّونَ منها ومن عذابِها وعقابِها؛ لِقَوْله تعالى: ﴿لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا﴾ لأنَّهم لو ماتوا لاسْتَراحوا، فيكون في هذا رَدٌّ على قَوْلِ من يقول - من المُعْتَزِلَة وغيرهم -: إنَّ أَهْل النَّارِ يكونون أو تكون النَّارُ فيهم طَبيعَةً فلا يَحْتَرِقونَ فيها ولا يَتَأَلمَّونَ منها، وهذا خلاف ما دل عليه القُرْآنُ، وخِلافُ ما دَلَّ عليه العَقْلُ.
أمَّا القُرْآن فالله تعالى يقول: ﴿ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ [آل عمران: ١٨١] أي: ذوقوا العذابَ الذي يُحْرِقُكم، ويقول : ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا
стр. 255
لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾ [النساء: ٥٦]، وهذا نَصٌّ صريحٌ في أنَّ الجلودَ تَحْتَرِقُ، ولكن تُبَدَّلُ لِأَجْلِ أن يذوقوا العَذابَ، ففيها دليلٌ على أنَّها لو احْتَرَقَتْ وبَقِيَتْ مُحْتَرِقَةً فإنَّها لا تُحِسُّ بالعذابِ فيفرق بينها وبين ما إذا بُدِّلَتْ.
فالصَّواب بلا شَكٍّ أنَّ أَهْلَ النَّارِ يَتَأَلمَّونَ من عذابِها، وأنَّه لا تكون النَّارُ طَبيعةً لهم فلا تهمهم بعد ذلك.
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: حُسْنُ بَلاغَة القُرْآن؛ إذا ذَكَرَ شيئًا ذكر ما يُقابِلُه حتى تكون النَّفْس بين هذا وهذا، فإذا ذَكَرَ ثناءً على أَهْل الخَيْرِ ذَكَرَ ثناءً على أَهْلِ الشَّرِّ، وإذا ذكر جزاءَ أَهْلِ الخَيْرِ ذكر جزاء أَهْل الشَّرِّ.
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: أنَّ هؤلاء - أعني أَهْل النَّار - لا يُخَفَّفُ عنهم من عذاب النَّارِ أبدًا لا في كَيْفِيَّتِهِ ولا في نَوْعِهِ ولا في زَمَنِهِ؛ لِقَوْلِه تعالى: ﴿وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا﴾.
الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: دليلٌ على كمالِ قُدْرَة الله ؛ حيث تبقى هذه النَّارُ أَبدَ الآبدينَ - والعياذ بالله - لا تَتَغَيَّرُ، والمَعْروف في نارِ الدُّنْيا أنَّها مع طُولِ الزَّمَنِ تتغيَّر وتَنْقُص وتُطْفَأُ حتى لا يكون لها أثر، أمَّا في نار جَهَنَّم فإنَّها تبقى أبد الآبدينَ، لا ينقص عذابُها ولا حرارَتُها.
الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: أنَّ هذا الجزاء ثابتٌ لِكُلِّ من اتَّصَفَ بالكفر، يعني لا تَخْتَصُّ به قبيلةٌ دون أخرى، فلا يقال مثلًا إنَّه خاصٌّ بقُرَيْشٍ المُكَذِّبينَ لرسول الله ﷺ أو بالقبيلةِ الفُلانِيَّة أو القبيلة الفلانِيَّة، بل كلُّ كَفورٍ حتى وإن كان من قَرابَةِ الرَّسُولِ.
الْفَائِدَةُ الثَّامِنَةُ: إِثْباتُ الأَسْبَابِ ورَبْطِ مسبَّباتِها بها؛ لِقَوْله تعالى: ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ﴾.
стр. 256
الْفَائِدَةُ التَّاسِعَةُ: أنَّ أَهْل النَّار تتفاوَتُ منازِلهُم وعذابُهُم، تؤخذ من قَوْله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ﴾ و ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ﴾ ووجه الأَخْذِ: أنَّ كل مُعَلَّقٍ على وصف فإنَّه يزدادُ بزيادَةِ ذلك الوَصْفِ ويَنْقُصُ بنُقْصانِهِ.
* * *
стр. 257
الآية (٣٧)
* * *
* قَالَ اللهُ : ﴿وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ﴾ [فاطر: ٣٧].
* * *
قال المُفَسِّر ﵀: [﴿يَصْطَرِخُونَ فِيهَا﴾ يَسْتَغيثونَ بِشِدَّة وعَويلٍ].
قَوْله تعالى: ﴿يَصْطَرِخُونَ فِيهَا﴾ هذه من الصُّراخِ، والصُّراخُ مَعْروفٌ وهو رَفْعُ الإِنْسَانِ صَوْتَه أَشَدَّ ما يُرْفَعُ، وأصلها: (يَصْتَرِخونَ) أُتِيَ بالتَّاءِ للْمُبالَغَةِ في الصُّراخِ، كما يقال خَطَبَ واخْتَطَبَ، واخْتَطَبَ أَبْلَغُ من خطب، صَرَخَ واصْطَرَخَ، فاصْطَرَخَ أبْلَغُ من صَرَخَ.
وقد ذكروا قاعِدَةً أَغْلَبِيَّةً في هذا المقام، فقالوا إنَّ زيادةَ المَبْنى تَدُلُّ على زيادة المَعْنى، لكن هذه القاعِدَة أَغْلَبِيَّة؛ لأنَّها تَنْتَقِضُ بشَجَرَةٍ وشَجَرٍ وبَقَرَةٍ وبَقَرٍ؛ فإن شَجَرَة زائِدَةُ المَبْنَى على شَجَر ناقِصَة المَعْنى؛ يعني شَجَرَة تدلُّ على واحِدٍ، وشَجَر على جَمْعٍ، لكنَّ الغالِبَ أنَّ ما زاد في المَبْنى زاد في المَعْنى، فاصْطَرَخَ لا شَكَّ أنَّها أَبْلَغُ من صَرَخَ؛ فهم - والعياذ بالله - يَصْطَرِخون هذا الصُّراخَ العَظيمَ في النّارِ، يَصْطَرِخون فيها يقولون: ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ﴾.
فَقَوْله تعالى: ﴿رَبَّنَا﴾ فالآنَ يُقِرُّون بالرُّبوبِيَّة وأنَّه لا يُغيثُهُم من الشِّدَّة إلا الله،
стр. 258
وكانوا في الدُّنْيا يَسْتَغيثونَ بِمَنْ؟
بِغير الله؛ بأَصْنَامِهِم وما يعبدونَ من دون الله، أمَّا الآن فقد عَرَفُوا أنَّه لا يُمْكِنُ أن يُنْجِيهُم مِمَّا هم فيه إلا اللهُ.
وَقَوْلهم: ﴿أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ﴾ أتَتْ ﴿نَعْمَلْ﴾ بالجَزْمِ؛ لأنَّها جوابٌ للطَّلَبِ في قَوْله تعالى: ﴿أَخْرِجْنَا﴾ وإذا كان جوابًا للطَّلَبِ كان كالشَّرْطِ المُقَدَّرِ: أَخْرِجْنا إِنْ تُخْرِجْنا ﴿نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ﴾ هكذا يقولون: رَبَّنا أَخْرِجْنا يعني من النَّارِ نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْر الذي كنا نعمل، ولكن هذا القَوْلَ ليسَ بِصَحيحٍ؛ لأنَّ الله يقول: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [الأنعام: ٢٨] , وهذا كَلَامُ الله العالِمِ بما سيكون لو أَخْرَجَهُم.
فهؤلاء يقولون ذلك من باب الإعْتِذارِ وإلا فَقُلُوبُهُم خارِبَةٌ، خَرِبَتْ بالأَوَّلِ وسَتَخْرَب في الثاني، فإذا نَجَوْا من النَّار عادوا إلى ما كانوا عليه.
وقال الله تعالى عنهم: ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ﴾ الأولى نَعْمَلْ: مَجْزومةٌ على أنَّها جوابُ الطّلَبِ، والثَّانِيَة مَرْفوعَةٌ لِتَجَرُّدِها من النَّاصِبِ والجازِمِ.
وَقَوْله تعالى: ﴿غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ﴾ ما الذي كانوا يعملون؟
كانوا يعملون عملًا سيِّئًا؛ لأنَّهم يُشْرِكون بالله ويَسْتكْبِرون عن عبادته، ولو رُدُّوا لعادوا إلى ما كانوا عليه من قَبْلُ، ولهذا قيل لهم: [﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا﴾ أي وقْتًا ﴿يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ﴾ الرَّسُولُ، فما أَجَبْتُمْ].
يقال لهم تَوْبيخًا وتنديمًا وإقامةً للحُجَّةِ: أولَمْ نُعَمِّرْكم، فمَنِ القائل؟
стр. 259
إن نَظَرْنا إلى ظاهِر الفِعْلِ قلنا: إنَّ القائِلَ هو الله؛ لأنَّ الذي عَمَّرَهُم هو الله ، ويُحْتَمَلُ أن يكون القائِلُ هو المَلائِكَةَ، ولكِنْ لما كانت المَلائِكَةُ تقولُ بِأَمْرِ الله صار كأنَّ القائِلَ هو الله، فالمَلائِكَة تقول لأنَّهم جُنودُ الله: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ﴾ وأيًّا كان فالمقصودُ بهذا إقامَةُ الحُجَّةِ عليهم وتَوبيخُهُم وتَنْديمُهُم.
وَقَوْله تعالى: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ﴾ هذا السِّيَاقُ يُوجَدُ كثيرًا في القُرْآن، فتَأْتِي هَمْزَةُ الإسْتِفْهامِ وبعدها حَرْفُ العَطْفِ، وقد اختلف المُعْربونَ في مثل هذا التركيبِ.
فقيل: إنَّ الهَمْزَةَ داخلةٌ على مُقَدَّرٍ يُسْتَفادُ من الكَلَامِ، وهذا المقدَّرُ عُطِفَتْ عليه الجُمْلَةُ التي بعد حَرْفِ العَطْفِ.
وقال بعضهم: بل إنَّ الهَمْزَةَ داخلةٌ على الجُمْلَةِ المَوْجودَةِ لا على شَيْءٍ مَحْذُوف، لَكِنَّها قُدِّمَتْ على حَرْفِ العَطْفِ؛ لأنَّ لها الصَّدارَةَ فيكون التَّقْديرُ في قَوْله تعالى: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ﴾: (وَأَلَمْ نُعَمِّرْكُم) وتكون الواوُ هنا عاطِفَةً على قَوْلهِم: ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ﴾ هذا من حيث الإِعْرابُ.
أما من حيث المَعْنى فكما أَشَرْنا أولًا إلى أنَّ المُرَادَ بذلك التَّوْبيخُ والتَّنْديم وإقامة الحُجَّة؛ يعني: قد عَمَّرْناكم تَعْميرًا واسِعًا وَوَقْتًا طويلًا يتذَكَّرُ فيه من تَذَكَّر؛ لأنَّ الرُّسُلَ جاءتهم وأَمْهَلَتْهم ودَعَتْهم، ولكن أبَوْا وأَصَرُّوا على كُفْرِهم.
وكان أوَّلَ من أُرْسِلَ مِنَ الرُّسُلِ نُوحٌ ﵊، فماذا يقول له قومه؟
قال تعالى: ﴿وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا﴾ [نوح: ٧] يَجْعلون أصابِعَهم في آذانِهِم لئلَّا يَسْمَعوا واسْتَغْشَوْا ثِيابَهُم لِئلَّا يَرَوْا، وهذا يدلُّ على شِدَّةِ كَراهَتِهِم لما يقول، لا يُحِبُّون أن
стр. 260
يَسْمَعُوه ولا أن يَرَوْا نوحًا وهو يُلْقيه عَلَيْهم؛ ثم أَصَرُّوا؛ يعني: بَقُوا على ما هم عليه واسْتَمَرُّوا فيه واسْتَكْبَروا اسْتِكبارًا - يعني استكبارًا عَظيمًا - عن قَوْل الحَقِّ، هذا أوَّلُ الرُّسُلِ.
وآخِرُ الرُّسُل قالوا إنَّه ساحرٌ كذَّاب، وقالوا: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ [ص: ٥] وآذَوُا الرَّسُولَ ﵊ بالقَوْلِ والفِعْل، بل اسْتَباحوا أن يُقاتِلوه ورَضُوا أن يَبْذُلوا رِقابَهُم للسُّيوفِ معارَضَةً لِدَعْوَتِهِ ﵊.
فهؤلاء الذين تَبْلُغُ بهم هذه الحالُ بَعْدَ أن عُمِّروا ما يتذَكَّر فيه من تذَكَّر وجاءتهم الرُّسُل: هل يرجى منهم لو خَرَجوا من النَّارِ أن يعودوا إلى الحَقِّ؟ أبدًا؛ لأنَّ الأَمْرَ واحِدٌ.
لكن قد يقول قائِلٌ: إنَّه ليس الخَبَرُ كالمعايَنَةِ؛ فالنَّارُ التي تُوُعِّدَ بها أَدْرَكُوها عن طريقِ الخَبَرِ قبل أن يكونوا فيها، أمَّا لمَّا كانوا فيها فقد عَرَفوها عن طريق الحِسِّ والمُشاهَدَةِ؟
فالجواب: أنَّ خَبَرَ الرُّسُلِ المؤيَّدَةِ بالآياتِ الدالَّة على رِسالَتِهِم يُفيدُ العِلْم اليَقِينِيَّ؛ لأنَّ الرُّسُلَ ما جاءت تدعو النَّاسَ وتُنْذِرُهم وتُبَشِّرُهم إلا بآياتٍ يؤمِنُ على مِثْلِها البَشَرُ، وهؤلاء - والعياذ بالله - طَبيعَتُهُم التَّكذيب والإنكارُ، فلن يُؤْمنوا ولو خَرَجوا.
قال الله تعالى: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ﴾ النَّذيرُ، يقول المُفَسِّر ﵀: [الرَّسُول] والمُرَاد به الجِنْس؛ لأنَّ كُلَّ رسولٍ قد أنذر قومه وحَذَّرَهم من مَعْصِيَة الله، وبَشَّرَهم ورَغَّبَهم في طاعة الله، ولَكِنَّهم، والعياذ بالله، أصَرُّوا واسْتَكْبَروا فقد قامت عليهم الحُجَّة.
стр. 261
وَقَوْله تعالى: ﴿فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ﴾ ذوقوا: الأَمْرُ هنا للإهانَةِ، ومفعول ذوقوا مَحْذُوفٌ، التَّقْدير: ذوقوا عَذابَكُم أو ذوقوا عاقِبَة تَكْذيبِكُمْ.
وَقَوْله ﵀: [﴿فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ﴾ الكافرينَ ﴿مِنْ نَصِيرٍ﴾ يدفع العَذاب عَنْهُم].
(ما للظالمين من نَصيرٍ) الجُمْلَةُ مُكَونة من مُبْتَدَأ وخَبَر، والخَبر ﴿لِلظَّالِمِينَ﴾ والمُبتَدَأُ ﴿نَصِيرٍ﴾ ودخلَتْ عليهم ﴿مِنْ﴾ الزَّائِدَةِ لتَوْكيدِ النَّفْيِ، و (ما) هنا لا تَعْمَلُ عمل لَيْسَ؛ لِتَقَدُّم الخبر، وهي لا تعمل عمل لَيْسَ إلا مع التَّرْتيبِ، فنقول مثلًا: ما زيدٌ قائِمًا، ولو قلت: ما في الدارِ زيدٌ، فهذا صحيح، لكن لا نَجْعَلُ (في الدار) في محَلِّ نَصْبٍ؛ لِتَقَدُّمِ الخَبَرِ.
قال تعالى: ﴿فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ﴾ قال المُفَسِّر ﵀: [يَدْفَعُ العَذابَ عنهم] والنصير بمَعْنى النَّاصِر، والنَّاصِرُ هو المانِعُ من الشَّرِّ، المُعينُ على الخَيْرِ، فكُلُّ من مَنَعَ الشَّرَّ عنك فهو ناصِرٌ لك، وكُلُّ من أعانك على الخَيْر فهو ناصِرٌ لك.
ويدل لهذا قَوْلُ رسول الله ﵊: "انْصُرْ أَخَاكَ ظَالِمًا أو مَظْلُومًا" قالوا: يا رسولَ الله، هذا المظلومُ - يعني: نَصْرُ المَظْلومِ بِدَفْعِ الشَّرِّ عنه - فكيف نَصْرُ الظَّالِمِ؟ قال: "تَمْنَعُهُ مِنَ الظُّلْمِ" (١).
ومَنْعُ الظَّالِمِ من الظُّلْم ليس خَيْرًا إليه، لكِن هو مَنْعُهُ من الشَّرِّ، فالنَّصْرُ إذن: إمَّا أن يكون بِجَلْبِ خَيْرٍ، وإمَّا أن يكون بِدَفْعِ شَرٍّ.
стр. 262
من فوائد الآية الكريمة:
الْفَائِدَة الأُولَى: بَيانُ شِدَّةِ عذابِ أَهْلِ النَّارِ؛ وَجْهُ ذلك قَوْله تعالى: ﴿وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا﴾.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: إقرارُهُم واعترافُهُم بأنَّه لا يَمْلِكُ دَفْعَ الضُّرِّ عنهم إلا اللهُ ؛ لتَوْجيهِهِم النِّداء إلى الله والإسْتِغاثَة به في قَوْله تعالى: ﴿نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ﴾.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: إقرارهم بأنَّ أَعْمالَهُم في الدُّنْيا غَيْرُ صَالحِة؛ لِقَوْلهِم: ﴿نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ﴾ وهم كما يُقِرُّونَ بأنَّ أَعْمالَهُم في الدُّنْيا غَيْرُ صَالحِة يُقِرُّونَ بأنَّهم غَيْرُ عُقَلاء أيضًا؛ لِقَوْلهِم ﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [الملك: ١٠] ولكن لا يَنْفَعُهم هذا لأنَّه بَعْدَ فوات الأوان؛ وانْظُرْ إلى جوابِهِم ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ ... ﴾ إلى آخِرِه.
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أنَّ الله أقامَ على الكافرينَ الحُجَّةَ من وَجْهَيْنِ:
أولًا: أنَّه عَمَّرَهُم وقتًا يُمْكِنُهُم أن يتذَكَّروا فيه.
ثانيًا: أنَّه جاءتْهُم رُسُلٌ فلا عُذْرَ لهم.
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: توبيخُ أَهْلِ النَّارِ بِمِثْل هذا الكَلَامِ؛ لأنَّ هذا الكَلَام قد يكون أَشَدَّ عليهم من العذابِ لمِا فيه من التَّنْديمِ وتَجْديدِ الحُزْنِ عليهم والتَّمَني الذي لا ينفعهم.
الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: الرَّدُّ على الجَبْرِيَّة الذين يَحْتَجُّون بالقَدَرِ على المعاصي؛ ويقولون ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ١٤٨]
стр. 263
وَجْهُ الرَّدِّ قَوْله تعالى: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ﴾ ولو كان القَدَرُ حُجَّةً لم يَكْفِ ما ذُكِرَ في الإحْتِجاج عليهم.
الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: إثباتُ رَحْمَة الله وإعذارُه لخَلْقِه؛ حيث أرسل إليهم الرُّسُلَ، فإنَّ إِرْسالَ الرُّسُلِ فيه رَحْمَةٌ، وفيه أيضًا إعذارٌ وإقامَةُ حُجَّةٍ.
الْفَائِدَةُ الثَّامِنَةُ: إهانَةُ هؤلاء الذين في النَّارِ؛ لِقَوْله تعالى: ﴿فَذُوقُوا﴾ فإنَّ الأَمْرَ هنا للإهانة فيُهانُونَ، والعياذ بالله، بالعذابِ والتَّوْبيخِ وغيرها من أَنْواعِ الإهاناتِ.
الْفَائِدَةُ التَّاسِعَةُ: تَيْئيسُ هؤلاء من الخلاصِ من النَّار؛ لِقَوْله تعالى: ﴿فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ﴾.
الْفَائِدَةُ الْعَاشِرَةُ: بَيانُ أنَّ الكُفْرَ ظُلْمٌ؛ لِقَوْلِه تعالى: ﴿فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ﴾.
الْفَائِدَةُ الحَادِيَةَ عَشْرَةَ: الإظْهارُ في مَوْضِعِ الإِضْمارِ؛ لِقَوْلِه تعالى: ﴿فَمَا لِلظَّالِمِينَ﴾ ولَمْ يقل: فما لكم من نَصيرٍ فذوقوا؛ ولو أنَّ السِّيَاقَ جرى على ما هو عليه لقال: فما لكم، لَكِنَّه قال: ﴿فَمَا لِلظَّالِمِينَ﴾.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ: التَّفَنُّنُ في الأُسْلوبِ أو اخْتيارِ الوَصْفِ الذي يكون أَبْلَغَ في إقامَةِ الحُجَّة؛ لأنَّه عَدَلَ عن قَوْله (فما للكافرين) إلى ﴿فَمَا لِلظَّالِمِينَ﴾ فإمَّا أن يكون هذا من باب التَّفَنُّنِ في التَّعبير حتى لا يلحَقَ المُخاطَبَ السآمَةُ بتكْرارِ الأَلْفاظِ عليه، وإمَّا أن يكون هذا من باب العُدُولِ عن الوَصْف إلى وصفٍ أَبيَنَ منه في إقامَةِ الحُجَّة؛ والثاني أَقْوَمُ في المَعْنى؛ لأنَّه هنا ما قال: (فما للكافرين) لم يُبَيِّنْ أنَّهم ظَلَمَة بِكُفْرِهم، لكن لما قال: ﴿فَمَا لِلظَّالِمِينَ﴾ صار فيه إِشَارَةٌ إلى أنَّهم بِكُفْرِهم صاروا
стр. 264
ظَلَمَة غير مظلومينَ ﴿وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [البقرة: ٥٧].
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ: يُمْكِن أن نقول فيه دليلٌ على أنَّ الكُفَّارَ لا تَنْفَع فيهم الشَّفاعَةُ؛ لِقَوْله تعالى: ﴿فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ﴾ وهذا عامٌّ؛ يعني لا أَحَد يدافِعُ عنهم، ولا يَشْفَعُ لهم.
* * *
стр. 265
الآية (٣٨)
* * *
* قَالَ اللهُ : ﴿إِنَّ اللَّهَ عَالِمُ غَيْبِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [فاطر: ٣٨].
* * *
صِلَةُ هذه الآيَة بما قبلها: أنَّه لمَّا ذَكَرَ أَحْوالَ الطَّائِعينَ ومَثُوبَتَهم وأحوالَ العاصينَ وعُقُوبَتَهم بيَّن أنَّ هذا صادِرٌ عن علمٍ تامٍّ؛ فإنَّ الله تعالى عالِمُ غَيْبِ السَّمَواتِ والأَرْضِ، وعالِمُ ما في الصُّدور.
وَقَوْله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَالِمُ غَيْبِ السَّمَاوَاتِ﴾ أي ما غاب في السَّمَواتِ والأَرْضِ غيبًا مُطْلَقًا عن كلّ أَحَدٍ.
وَقَوْلنا: (غيبًا مُطْلَقًا) احترازٌ من الغَيْبِ النّسْبِيِّ؛ فإنَّ الغَيْبَ النّسْبِيَّ لا يختصُّ عِلْمُه بالله ، بل يَعْلَمُه الله، ومَنْ عَلِمَهُ مِن عِبادِ الله.
مثال الغَيْبِ النِّسْبِيِّ: أن يكون الشَّيءُ الظَّاهِرُ بالنِّسْبَة لقَوْمٍ خَفِيًّا بالنِّسْبَة لآخَرينَ، فنحن هنا نعْلَمُ ما بين أيدينا، لكن لا نَعْلَمُ ما كان في السُّوق أو في البيوت، وهذا نُسَمِّيه غَيْبًا نَسْبِيًّا؛ لأنَّ الذين في البُيُوت أو في السوق يَعْلَمونَه.
فالغيب المُطْلَق هذا لله وَحْدَه، يَعْلَم ما غاب عن الخَلْقِ مُطْلَقًا، حتى الأُمُورُ المُسْتَقْبَلَة يَعْلَمُها ، يَعْلَمُها متى تكون وأين تكون وكيف تكون.
وَقَوْله تعالى: ﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ إنَّه عليمٌ بذاتِ الصُّدُور؛ أي:
стр. 266
بصاحِبَةِ الصُّدورِ، وهي القُلُوب، والقلوب هي مَحَلُّ العَقْلِ والتَّفْكير والإِرادَةِ، فهو عليمٌ بها ، وإخبارُ الله تعالى بأنَّه عالِمُ غَيْب السَّمَوات والأَرْض يُقْصَد منه التَّحْذيرُ من المُخالَفَةِ، والتَّرغيبُ في المُوافَقَةِ.
فأنت إذا وافَقْتَ الله فلن يَضيعَ عمَلُك؛ لأنَّه معلومٌ لله، وإن خالَفْتَ فلن يَضيعَ؛ لأنَّه معلومٌ لله؛ لَكِنَّه بشارةٌ بالنِّسْبَة للطَّائعينَ، وإنذارٌ بالنِّسْبَة للمُخالِفينَ العاصينَ.
من فوائد الآية الكريمة:
الْفَائِدَة الأُولَى: إِثْباتُ عُمُومِ عِلْمِ الله؛ لِقَوْله تعالى: ﴿عَالِمُ غَيْبِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: إِثْباتُ علم الله بما في قلوب بني آدم وغيرِ بني آدم؛ لِقَوْله تعالى: ﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: التَّحْذير من أن يُضْمرَ الإِنْسَان في قَلْبِه ما لا يرضاه الله ثم تُحَدِّثُه نفسه بأنَّ هذا لا يَطَّلِعُ عليه إلا اللهُ، فيَغْتَرُّ بإمهالِ الله له؛ وَجْهُ ذلك: ﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾.
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: العَكْس: وهو أنَّ الإِنْسَانَ إذا أَضْمَرَ في قلبه خَيْرًا فإنَّ الله يَعْلَمُه وسوف يُثيبُه عليه.
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: الإِشَارَة إلى أنَّ المدار على ما في القَلْبِ؛ لِقَوْله تعالى: ﴿بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ وذات الصُّدورِ هي القُلُوبُ؛ لأنَّها السَّاكِنَة فيها؛ كما قال الله تعالى: ﴿وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج: ٤٦].
стр. 267
الآية (٣٩)
* * *
* قَالَ اللهُ : ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ فَمَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَلَا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِلَّا مَقْتًا وَلَا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ إِلَّا خَسَارًا﴾ [فاطر: ٣٩].
* * *
قال الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ﴾ قال المُفَسِّر ﵀: [جَمْعُ خليفَةٍ؛ أي يَخْلُفُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا].
﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ﴾ الضَّميرُ يعود على الله في قَوْله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَالِمُ غَيْبِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾.
وَقَوْله تعالى: ﴿جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ﴾ صيَّرَكُم خلائِفَ، وخلائِفُ جَمْعُ خليفة، والخليفةُ بمَعْنى الخالِفِ الذي يَخْلُفُ من سَبَقَه، وهذه الخلافَةُ تَشْمَلُ خلافَةَ القُرونِ بَعْضِها بعضًا كالشَّبابِ مثلًا يَخْلُفُ الشُّيوخَ والكِبارَ، والأَحْياء يَخْلُفونَ الأَمْواتَ.
وتَشْمَلُ الخِلافَة خِلافَة السُّلْطَة بأن يَذْهَبَ سُلْطانُ شَخْصٍ إلى سُلْطانِ شَخْصٍ آخر، فيَنْتَقِلُ المُلْك من شخص إلى شخص بالقُوَّةِ مع بقاء الأول، لِقَوْلِه تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [آل عمران: ٢٦].
فالخلافة إذن: خلافَةُ القُرونِ بَعْضِها بعضًا، وخلافَةُ الملوكِ بَعْضِهِم بعضًا الذين يَخْلُفُ بَعْضُهُم بَعْضًا في السُّلْطَة والإِمْرَة على الخَلْقِ.
стр. 268
وَقَوْله تعالى: ﴿فَمَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ﴾ من كفر فعليه كُفْرُه ولا يَضُرُّ غَيْرَه شيئًا ولا يَضُرُّ اللهَ شيئًا أيضًا، وهذا كقَوْله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا﴾ [فصلت: ٤٦] فكُفْرُ الإِنْسَان على نَفْسِه وليس يَضُرُّ غَيْرَه شيئًا.
أما قَوْله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ [الأنفال: ٢٥] فإنَّ هذا من باب تَعْميمِ العُقُوبَةِ التي لا يَخلو مِنها تَقْصِير بَعْضِ أَهْل الإِحْسانِ، أمَّا لو قاموا بما يَجِبُ عليهم فإنَّ العُقُوبَةَ لا تَعُمُّهُم؛ لأنَّ الله تعالى يقول: ﴿وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ لَا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [الزمر: ٦١].
ولأنَّ الواقِع شاهِدٌ بذلك؛ فنوحٌ وهودٌ وغيرُهُما من الرُّسُل أنجاهُمُ الله مع أنَّه أخذ أَقْوامَهُم بالعُقُوبَة.
يقول : ﴿فَمَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ﴾ أي: وبالُ كُفْرِه ﴿وَلَا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِلَّا مَقْتًا﴾؛ كُفْرُ الكافرين عند الله لا يزيدهم إلا مَقْتًا، لا يزيدهم عند الله محُاباةً لهم أو رَحْمَةً بهم؛ لأنَّ الحُجَّة قامت عليهم، فكُلَّما ازدادوا كُفْرًا ازدادوا مَقْتًا.
قال المُفَسِّر ﵀ في ﴿مَقْتًا﴾: [غَضَبًا] والمَعْروف أنَّ المَقْتَ أشَدُّ البُغْضِ؛ قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (٢) كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: ٢ - ٣]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الْإِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ﴾ [غافر: ١٠].
وهذا يدلُّ على أنَّ المَقْتَ هو البُغْضُ، لَكِنَّهم قالوا: إنَّه أَشَدُّ البُغْضِ فتَفْسيرُ المُفَسِّر ﵀ له بالغَضَبِ فيه نَظَرٌ.
стр. 269
قال: ﴿وَلَا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ إِلَّا خَسَارًا﴾ فبَيَّنَ هنا أنَّ الكفر سببٌ لِشَيْئَيْنِ:
الشَّيْء الأول: نزولُ مَرْتَبَةِ الكافِرِ؛ فإنَّ كُفْرَه لا يزيده عند الله إلا بُغْضًا.
والثاني: العُقوبَةُ التي تحصل له، وذلك بالخسارة؛ إذ يَخْسَرُ نَفْسَه وأَهْله ودنياه وآخرته؛ قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ [الزمر: ١٥] هو خَسِرَ نَفْسَه؛ لأنَّه لو آمن لَرَبِحَ ونال ثوابَ الآخِرَة بالجَنَّة، وهذا ربح؛ أمَّا الآن فقد أَهْلَكَ نَفْسَه ففاتت عليه، فخَسِرَ أَهْله؛ لأَنَّه لو آمن واتَّبَعَه أَهْله بالإيمان صاروا في الجَنَّة في مَنْزِلَةٍ واحِدَة، وخَسِرَ دنياه لأنَّه لم يَسْتَفِدْ من وجوده في الدُّنْيا شيئًا، بل استفاد الخَسارَةَ والعَمَل السَّيِّئَ، وخسر الآخِرَة أيضًا؛ لأنَّه فاته النَّعِيمُ المُقيمُ في الآخِرَة وصار من أصحاب الجحيم.
فلا أَحَدَ أَعْظَم خَسارَةً من الكافِرِ، والعياذُ بالله، حتى وإن كان في الدُّنْيا مُنَعَّمًا نِعْمَةَ جَسَدٍ فهو في الحَقيقة مُعَذَّبٌ عَذابَ قَلْبٍ؛ لأنَّه ليس عند الكافِرِ انْشراحُ صَدْرٍ كما عند المُسْلِمِ، يقول الله تعالى: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ﴾ [الزمر: ٢٢] يعني: فمن لم يكن كذلك فهو على ظُلْمَة.
من فوائد الآية الكريمة:
الْفَائِدَة الأُولَى: تمامُ قُدْرَةِ الله وسُلْطانِه؛ حيث إنَّه هو الذي يُدَبِّر خَلْقَه بِجَعْلِهِم خلائِفَ.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: بِشارَةُ المُؤْمِنينَ وإِنْذارُ الكافرينَ؛ لأنَّ من جُمْلَةِ الخِلافَةِ أن يَخْلُفَ المُؤْمِنين الكافرينَ في أَرْضِهِم، قال الله تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا (٢٦) وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا﴾ [الأحزاب: ٢٦ - ٢٧].
стр. 270
وكذا قَوْله تعالى: ﴿قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الأعراف: ١٢٨]، وقال لهم: ﴿وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ [الأعراف: ١٢٩].
ففي هذا بِشارَةٌ للمُؤْمِن فلا يَيْأَس من أنَّ الله يَجْعَلُ له الخلافة في الأَرْضِ، وإنذارٌ للكافِرِ بأن تُجْتَاحَ أَرْضُهُ على أيدي المُؤْمِنين.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: حِكْمَة الله في توارُثِ الأُمَمِ بَعْضِها بعضًا، فإنَّه لولا ذلك لضاقَتِ الأَرْضُ بأَهْلها، فلو كان كلُّ من أوجده الله بَقِيَ، فكم يكون عدد العالم؟
لا يُحْصَوْنَ، وحينئذٍ تضيق بهم الأَرْضُ ويَشُقُّ عليهم تَحْصيلُ الأَرْزاقِ وإن كان الله قد يَجْعَلُ لهم من الرِّزْقِ ما لا يَخْطُرُ بالبالِ، لكن لا شَكَّ من أنَّ النَّاس يَخْلُفُ بَعْضُهُم بعضًا، هذا يموت وهذا يحيا، هي الحِكْمَة والرَّحْمَةُ.
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: بَيانُ شُؤْمِ الكُفْرِ وعاقِبَتِه؛ لِقَوْله تعالى: ﴿فَمَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ﴾.
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: أنَّ كُفْرَ الكافر على نفسه لا على غَيْرِهِ، وهو كقَوْله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [فاطر: ١٨] وأوردنا على هذه الجُمْلَة إِشْكالًا وأَجَبْنا عنه.
الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: إِثْباتُ صِفَةِ البُغْضِ لله ، بل إثباتُ صِفَةِ المَقْتِ الذي هو أشَدُّ البُغْضِ؛ لِقَوْله تعالى: ﴿إِلَّا مَقْتًا﴾ والمَقْتُ من صفات الله الفِعْلِيَّة؛ لأنَّ كل صفةٍ تُقْرَنُ بِسَبَبٍ، فهي من الصِّفات الفِعْلِيَّة لأنَّها حينئذٍ تتعَلَّقُ بِمَشيئَة الله؛ إذ إنَّ السَّبَب واقِعٌ بِمَشيئَتِهِ، والسَّبَبُ هو الذي عُلِّقَتْ به الصِّفَة فتكون الصِّفَةُ إِذَن واقِعةً بِمَشيئَتِهِ.
стр. 271
والقاعِدَةُ عند أَهْلِ السُّنَّةِ أنَّ الصِّفاتِ التي تكون بِمَشيئَةِ الله تُسَمَّى صفةً فِعْلِيَّةً.
وذَكَرْنا أنَّ الصِّفاتِ ذاتِيَّةٌ وفِعْلِيَّةٌ وخَبَرِيَّة:
فالذَّاتِيَّةُ هي الصِّفاتُ التي لا يَنْفَكُّ اللهُ عنها لم يَزَلْ ولا يَزَالُ مُتَّصِفًا بها، مثل: الحياة والعِلْم والقُدْرَة والسَّمْع والبَصَر والعِزَّة والحِكْمَة، وغير ذلك كثير.
والصِّفاتُ الفِعْليَّة هي التي تتعَلَّقُ بِمَشيئَته إن شاء فَعَلَهَا وإن شاء لم يَفْعَلْها سواءٌ كانت صِفَةً ظاهِرة أم غَيْرَ ظاهِرَةٍ؛ مثل: المحَبَّة والكَراهَة والرِّضا والبُغْض والضَّحِك والإسْتِواء والنُّزُول، وغير ذلك.
والصِّفاتُ الخَبَرِيَّةُ هي التي نظير مُسَمَّاها أبعاضٌ لنا؛ مثل: الوَجْه واليَدَينِ والعَيْن والسَّاق والأُصْبَع وما أشبهها، وهنا لا نقول إنَّها أجزاءٌ بالنِّسْبَة لله، وهي لنا أَجْزاءٌ، ولكن نتحاشى أن نقولَ إنَّها أجزاءٌ، بل نقول: نظيرُ مُسَمَّاها أجزاءٌ لنا.
ولا يُمْكِن أن نَجْعَلَ هذه صفاتٍ مَعْنَوِيَّةً؛ إذ لو قلنا بأنَّها صِفاتٍ مَعْنَوِيَّة لساوينا أَهْلَ التَّعْطيلِ؛ لأنَّهم يجعلون هذه الصِّفاتِ صِفاتٍ مَعْنَوِيَّةً.
الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: أنَّه كلَّما ازداد الإِنْسَان كُفْرًا ازداد عند الله مَقْتًا؛ وجه ذلك القاعِدَةُ التي ذكرناها - ونُكَرِّرُها دائمًا - وهي: أنَّ الحُكْمَ المُعَلَّقَ على وَصْفٍ يزدادُ بزيادَتِهِ ويَنْقُصُ بِنُقْصانِهِ، وهنا الحُكْمُ مُعَلَّقٌ على الكُفْرِ، فإذن يزداد مَقْتُ الله على الكافِرِ بزيادَةِ كُفْرِهِ، ويَنْقُصُ بِنُقْصانِ كُفْرِهِ.
الْفَائِدَةُ الثَّامِنَةُ: أنَّ الكافر أيضًا خاسِرٌ؛ خاسرٌ في الدُّنْيا والآخِرَة، ولهذا قال: ﴿وَلَا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ إِلَّا خَسَارًا﴾ ولم يُقَيِّد، ولم يَقُلْ في الدُّنْيا ولا في الآخِرَة
стр. 272
ولا عند الله بل أَطْلَقَ، فأخْسَرُ النَّاس هم الكُفَّارُ؛ خسروا - كما قلنا في التَّفْسير - أَنْفُسَهم وأَهْليهم ودنياهم وآخِرَتَهم، وشخصٌ خَسِرَ كُلَّ هذه الجهات ليس له رِبْحٌ، فأعْظَمُ النَّاس خُسْرانًا هم الكافرون.
فإذا قال قائل: هل نَسْتَعْمِلُ هنا قياسَ العَكْس؛ فنقول: إذا كان الكافِرُ أَخْسَرَ النَّاسِ، فأَرْبَحُ النَّاسِ المُؤْمِنُ؟
فالجوابُ: نعم؛ نَسْتَعْمِل هنا قياس العَكْس؛ لأنَّ قياس العَكْس جاءَتْ به السُّنَّة؛ قال النَّبِيُّ ﵊: "وفي بُضْعِ أَحَدِكُمْ صَدَقَةٌ" قالوا: يا رسول الله، أَيَأْتِي أَحَدُنَا شَهْوَتَهُ وَيَكُونُ لَهُ فِيهَا أَجْرٌ، قال: "أَرَأَيْتُمْ لَوْ وَضَعَهَا فِي الحَرَامِ أَكَانَ عَلَيْهِ وِزْرٌ؟ " قالوا: نَعَمْ، قال: "كذلَكَ إِذَا وَضَعَهَا فِي الحَلَالِ كَانَ لَهُ أَجْرٌ" (١).
فكلُّ عَمَلٍ حَلَالٍ تَسْتَغْنِي به عن حرامٍ يكون لك فيه أَجْرٌ.
إذن: المُؤْمِنُ رابِحٌ في مُقابِلِ أنَّ الكافِرَ خاسِرٌ.
وإن شِئْتَ تَلَوْنَا آيَةً صريحةً في هذا؛ قال الله تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [العصر: ١ - ٣] يعني فليسوا في خُسْرٍ بل في رِبْحٍ ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر: ٣] , وتجارة المُؤْمِنين تجارةٌ رابِحَةٌ ﴿يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ﴾ [فاطر: ٢٩] لن تَهْلِكَ ولن تَخْسَر شيئًا.
وقال النَّبِيُّ ﷺ لأَبي طَلْحَة لمَّا قال: يا رسول الله، إنَّ الله أنزل قَوْله تعالى: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢] وإنَّ أَحَبَّ مالي إلِيَّ بَيْرُحاءُ،
стр. 273
وإنِّي أَضَعُها - يعني عند الرَّسُول ﷺ صَدَقَةً إلى اللهِ ورَسُولِهِ، فقال الرَّسُول ﵊: "بخٍ بخٍ، ذاكَ مَالٌ رَابِحٌ، ذَاكَ مَالٌ رَابِحٌ، ذَاكَ مَالٌ رَابِحٌ" (١).
* * *
стр. 274
الآية (٤٠)
* * *
* قَالَ اللهُ : ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ شُرَكَاءَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا فَهُمْ عَلَى بَيِّنَتٍ مِنْهُ بَلْ إِنْ يَعِدُ الظَّالِمُونَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا إِلَّا غُرُورًا﴾ [فاطر: ٤٠].
* * *
ثم قال ﵀: [﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ شُرَكَاءَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ﴾ تَعْبدونَ ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ أي: غَيْره، وهم الأَصْنَامُ الذين زَعَمْتُم أنَّهُم شُرَكاءُ لله].
قَوْله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ﴾ يعني أخْبرونِي و ﴿شُرَكَاءَكُمُ﴾ مَفْعولٌ أَوَّلُ، يعني (أَرَأَيْتَ) تَنْصِبُ ثلاثَةَ مفاعيلَ، مفعولٌ أَوَّلُ صريحٌ مَنْطوقٌ به والمَفْعولُ الثَّاني والثَّالِثُ مُعَلَّقٌ بهَمْزَة الإسْتِفْهام، فهنا ﴿أَرَأَيْتُمْ شُرَكَاءَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ﴾ لكنْ هنا قال: ﴿أَرُونِي﴾ من باب التَّحَدِّي؛ أَخْبِروني عن شُرَكائِكُم، وَقَوْله تعالى: ﴿شُرَكَاءَكُمُ﴾ يعني الذين جَعَلْتُموهُم شُرَكاءَ, فالإضافَةُ هنا باعتبارِ جَعْلِهِم؛ أي: جَعْلِ العابدين لها شريكةً مع الله.
وَقَوْله تعالى: ﴿الَّذِينَ تَدْعُونَ﴾ قال المُفَسِّر ﵀: [تَعْبدونَ] فحَوَّلَ الدُّعَاءَ إلى مَعْنى العِبَادَة، ولا شَكَّ أنَّ الدُّعَاءَ يأتي بمَعْنى العِبَادَة؛ كقَوْله تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي﴾ [غافر: ٦٠] ولم يَقُلْ عن دعائي، فهذا دليلٌ على أنَّ الدُّعَاء بمَعْنى العِبَادَة.
стр. 275
ولكن لو قال قائِلٌ: إنَّ قَوْله تعالى: ﴿تَدْعُونَ﴾ شامِلٌ لدُعَاءِ المَسْأَلَةِ، وهو طلب الحاجَةِ ودُعَاء العِبَادَة؛ لكان أولى لأنَّ هذه الأَصْنَامَ التي يَدْعونَها، فأحيانًا يجمعون بين الأَمْرَيْنِ فيركعون لها ويسجدون ويذبحون وينذرون وأحيانًا يدعونها دُعَاءً، وأحيانًا يجمعون بين الأَمْرَيْنِ؛ فالأَوْلَى أن نَجْعَلَ الآيَة شامِلَةً لدُعَاء المَسْأَلَة ودُعَاءِ العِبَادَة، والله أعلم.
وَقَوْله تعالى: ﴿قُلْ﴾ يا مُحَمَّدُ ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ والخطابُ بِقُلْ هنا خطابٌ لِمُفْرَد، وإذا جاء مِثْلُ هذا في القُرْآن فإمَّا أن يكون مِمَّا يَخْتَصُّ به الرَّسُولُ ﷺ ، فالأَمْر فيه واضِحٌ؛ كقَوْله تعالى: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ [الشَّرح: ١]، ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ﴾ [المائدة: ٦٧]، وما أشبهها فهذا خاصٌّ بالرَّسُول.
وإذا جاء مفردًا وليس خاصًّا بالرَّسُول ﵊ يعني لم يَقُمْ دليل على اختصاصه به - فهل نقولُ إنَّ الخطاب مُوَجَّهٌ لِكُلِّ من يتأتَّى خطابُهُ، أو إنَّه مُوَجَّهٌ إلى الرَّسُول وأُمَّتُه تَبَعٌ له، وإنَّما وُجِّهَ إليه وَحْدَه باعتبارِهِ الإمامَ المَتْبوعَ؟
الجواب: في هذا خلاف بين أَهْلِ العِلْمِ ﵏، والخلاف هنا قريبٌ مِنَ اللَّفْظِيِّ لأنَّ الكُلَّ مُتَّفِقونَ على أنَّ الحكم يَشْمَلُ الأُمَّةَ؛ إذ لا دليلَ على اختصاص الرَّسُول ﷺ به، بخلافِ قَوْله تعالى: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ فهذا خاصٌّ بالرَّسُول؛ لأنَّه ليس كُلُّ أَحَدٍ قد شرَحَ الله له صَدْرَه.
فهنا قَوْله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ شُرَكَاءَكُمُ﴾ الخطابُ هنا لِمُفْرَد، فهل هو للرَّسولِ ﵊، أو لِكُلِّ من يتأتَّى خطابُه؟
قيل: إنَّه لِكُلِّ من يتأَتَّى خطابُه، وقيل: للرَّسولِ باعتباره الإمامَ، وغيرُه مِثْلُه،
стр. 276
حتى في زَمَنِنا هذا نقول للمُشْرِكينَ: أَرَأَيْتُمْ شُرَكاءَكُم الذين تدعون من دون الله أَروني ماذا خَلَقوا مِنَ الأَرْضِ.
وسَبَقَ أنَّ المُفَسِّر ﵀ فسَّرَ الدُّعَاء هنا بالعِبَادَة، وقلنا إنَّه تَفْسيرٌ ناقِصٌ؛ لأنَّ الدُّعَاء يكون للعِبَادَةِ ويكون للمَسْأَلَة، والمُشْرِكون أشركوا بِشُرَكائِهِم بالنَّوْعَيْنِ جميعًا؛ فقد يَدْعونَ هؤلاء الشركاء وقد يَعْبُدونَهُم.
وسبق أنَّهم يقولون إنَّ الأَصْنَام شُرَكاء لله ؛ حتَّى إنَّ المُشْرِكين يقولون في تَلْبِيَتِهِمْ: لَبَّيْكَ لَا شَريكَ لَكَ إلا شريكًا هو لَكَ، تَمْلِكُهُ وما مَلَكَ.
يقول ﵀: [﴿أَرُونِي﴾ أَخْبِروني ﴿مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ﴾ قَوْله تعالى: ﴿مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ﴾ من حيث الإِعْرابُ يجوز فيها وجهانِ:
الوَجْهُ الأول: أن نُعْرِبَ (ماذا) جميعًا على أنَّها اسْمُ اسْتِفْهامٍ مَفْعولٌ مُقَدَّمٌ لـ (خلقوا).
والثاني: أن نُعْرِبَ (ما) وَحْدَها على أنَّها اسْمُ اسْتِفْهامٍ، و (ذا) بمَعْنى الذي، وعلى هذا فيكون في ﴿خَلَقُوا﴾ ضميرٌ مَحْذُوف هو العائِدُ لاسْم الموصولِ، والتَّقْدير: ماذا خَلَقوه من الأَرْضِ.
والمَعْنى لا يَخْتَلِفُ، فهؤلاء يُتَحَدَّوْنَ ويقال أَرونا ماذا خلقوا من الأَرْضِ؟ هل خَلقوا الجبالَ؟ هل خلقوا الأشجارَ؟ هل خلقوا الرِّمالَ والأَنْهار والبحار؟
الجواب: ما خلقوا شيئًا من هذا.
وننتقل إلى أعلى، قال تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ﴾ وهنا ما قال: أم خَلَقُوا شيئًا من السَّمَواتِ، بل قال: أم لَهُم شِرْكٌ؛ لأنَّ السَّمَواتِ لَيْسَتْ في مُتَناوَلِ أَيديهِم،
стр. 277
لكن يُحْتَمَل أن يكون لَهُم فيها مُشارَكَةٌ، فالذي لهم مُتناوَلٌ فيه قيل: ماذا خلقوا؛ لجواز أن يقول قائِلٌ: لهم شِرْكٌ في الأَرْض، فهذا مثلًا له فسحة يأتي النَّاسُ إليه وهي حريمُ قَبْرِه مثلًا؛ فنقول هل خَلَقُوا هذا؟ فإذا ادَّعَيْتُم أنَّ هذه الأَرْضَ مَثَلًا له وأنَّها أُوقِفَتْ على هذا القَبْرِ لِزائريهِ أو ما أشبه ذلك، فهل خلقوها؟ !
لكن في السَّمَواتِ ما قال: ماذا خلقوا في السَّمَواتِ، بل قال: ﴿أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ﴾ لا على سبيل الخَلْقِ ولا على سبيل التَّمَلُّك، أم لهم شركٌ؛ شَرِكَةٌ مع الله في خَلْقِ السَّمَوات.
وَقَوْل المُفَسِّر ﵀: [في خَلْقِ السَّمَوات] فيه نَظَرٌ، بل الصَّواب أن نقول: في السَّمَواتِ سواءٌ كان ذلك عن طريق التَّمَلُّك أو عن طريق الخَلْقِ.
والجواب: لا، لا هذا ولا هذا.
وَقَوْله تعالى: ﴿أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا فَهُمْ عَلَى بَيِّنَتٍ مِنْهُ﴾؟
قال المُفَسِّر ﵀: [بأنَّ لَهُم معي شَرِكَةً]، يعني: أو عندهم، إذا قُلْتُم لم يَخْلُقوا شيئًا من الأَرْض وليس لهم شَرِكَةٌ في السَّمَوات، فنقول: وهل عندهم كِتَابٌ وَهُمْ على بَيِّنَةٍ؛ حُجَّة بأنَّهم شُركاءُ مع الله؟
والجواب: لا؛ فكُلُّ هذه التَّقْسيماتِ كُلِّها مُنْتَفِيَة بالنِّسْبَةِ للأَصْنَامِ، فلم يَخْلُقوا شيئًا من الأَرْض، وليس لهم شَرِكَةٌ في السَّمَوات، وليس معهم بَيِّنَة من الله؛ كِتَابٌ بأنَّهم شُرَكاءُ مع الله، وإذا انْتَفَتْ هذه الأُمُورُ الثَّلاثَة، لا خَلْق ولا مُشارَكَة ولا وثيقَة؛ تَبَيَّنُ بُطْلانُها.
قال ﵀: [﴿بَلْ إِنْ﴾ (ما)] يعني أنَّ (إن) نافية هنا بمَعْنى (ما).
стр. 278
[﴿يَعِدُ الظَّالِمُونَ﴾ الكافرونَ ﴿بَعْضُهُمْ بَعْضًا إِلَّا غُرُورًا﴾ باطِلًا لِقَوْلهِم: الأَصْنَامُ تَشْفَعُ لَهُم] يعني: أنَّ ما يَعِد الظالمون بعضُهم بَعْضًا فهو غرور، أي تغريرٌ وخِداعٌ، وليس له حَقيقَةٌ، والوَعْدُ الذي يَعِدُ به الظالمون بَعْضُهم بعضًا أنَّهم يقولون هذه الأَصْنَامُ تَشْفَعُ لكم عند الله؛ فاعبدوا مُحَمَّدًا ﷺ ! اعْبُدوا جِبْريلَ! اعبدوا الشَّجَر! اعبدوا اللَّاتَ! اعبدوا العُزَّى! فإنَّها تَشْفَعُ لكم؛ قال تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [يونس: ١٨] فكيف يعبدونهم ثم يقولون شُفَعاء؟
الجواب: الشَّافِعُ دَرَجَتُه دون دَرَجَة المَشْفوعِ إليه، إذ لو كان مُساوِيًا - أو أعلى - ما احتاج أن يَشْفَع؛ فإن كان أعلى أمَر أمْرًا، وإن كان مساويًا غَالَبَه فأيُّهُما غَلَبَ تكون السُّلْطة له.
وعلى كُلِّ حالٍ نقول: إنَّ الظالمين يَغُرُّ بَعْضهم بعضًا بالباطِل حتى يَخْدعوا ويظنوا أنَّ الباطِلَ حَقٌّ وأنَّ الحَقَّ باطِل.
والتغرير: تارةً يكون بالأَقْوالِ الكاذِبَة المُلَفَّقَة التي ليس لها أَصْلٌ، وتارةً يكون بالألقاب السَّيِّئَةَ التي تُشوِّه السُّمْعَة، فأمَّا الأَقْوَالُ الكاذِبَة فمثل قَوْلهم - فيما حكى الله عنهم -: ﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا﴾ [الأعراف: ٢٨] قَوْلهم: ﴿وَاللَّهُ أَمَرَنَا﴾ بها هذا كذبٌ وزورٌ؛ ولهذا قال الله تعالى مُبْطلًا لهذه الدَّعوى: ﴿قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ هذا من جُمْلَةِ التَّغْريرِ: أن يدَّعُوا قَوْلًا كَذِبًا وزُورًا.
أو بالأَلْقابِ السَّيِّئَةَ، قال تعالى: ﴿وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ (٤) أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ [ص: ٤ - ٥] فأَتَوْا بالأَلْقابِ
стр. 279
السَّيِّئَةَ: ساحِرٌ وكَذَّاب.
فالعامَّة إذا قيل لهم - ولا سيما إذا كان القائل زُعَماء -: هذا ساحِرٌ أو كذَّاب؛ لا يتَّبِعونه، وإذا قيل لهم - أي للعامَّة - إنكم إذا عَبَدْتُم الوَلِيَّ الفُلانِيَّ أو القبر الفلاني فإنَّ ذلك يَنْفَعُكم فإنَّ العامَّة تَنْخَدِعُ؛ لأنَّه ليس عندها علمٌ، وليس عندها عَقْل ولُبٌّ، فتَنْخَدِع.
من فوائد الآية الكريمة:
الْفَائِدَة الأُولَى: قُوَّةُ القُرْآنِ في أُسْلوبِ المُناظَرَة، وذلك بالتَّرديدِ والتَّقْسيمِ، وَجْهُه أنَّ الله تَحَدَّاهم بثلاثةِ أُمُور: هل خلقوا شيئًا من الأَرْض؟ هل شاركوا الله في السَّماء؟ هل عندهم كِتَابٌ من الله أنَّ هذه الأَصْنَام تَنْفَعُهم وإن لم تكن شريكةً لله في السَّمَواتِ ولم تخلق شيئًا من الأَرْضِ؟
والجواب: لا، ولو خلقت شيئًا من الأَرْض لكان لها الحَقُّ لأنَّها تَخْلُق، ولو شارَكَتِ الله في مُلْكِه في السَّماء لكان لها الحَقُّ لأنَّها شريكَةٌ لله في مُلْكِه، ولو كان الله أنزل كِتَابًا يقول بأنَّ هذه الأَصْنَامَ لها الحَقُّ أن تُعْبَد وتُدْعَى من دون الله لكان لهم شُبْهَة أو حُجَّة، فلمَّا انْتَفَتِ الأُمُورُ الثَّلاثَةُ تَبَيَّنَ أنَّه لا حُجَّة لهم.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أنَّه يَنْبَغي في المُناظَرَة أن تَذْكُرَ جميعَ الأقسام التي يُمْكِنُ أن تَرِدَ في الذِّهْن ثم تُبْطِلَ؛ احترازًا مِمَّا لو ذَكَرْتَ شيئًا واحدًا ثم بَيَّنْتَ بُطْلانه فقد يُورَدُ عليك شَيْءٌ آخَرُ؛ لأنَّه كما أنَّ القَوْل الحَقَّ لا يَنْحَصِرُ إثباتُهُ بدليلٍ واحد، فكذلك الباطِلُ لا يَنْحَصِرُ إيراد الشُّبَه فيه في شُبْهَة واحِدَة، فإذا أَرَدْتَ أن تُفْحِمَ خَصْمَك لا تأتِ بِشُبْهَةٍ واحِدَة، ائتِ بجميع ما يُمْكِن ويُحْتَمَلُ أن يكون شُبْهَةً لِتُبْطِلَه حتى يكون عندك القُوَّةُ الكامِلَةُ التي لا يُمْكِن أن يُورِدَ عليك أَحَدٌ منها خللًا.
стр. 280
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: أنَّه لا أَحَد يَخْلُقُ مع الله ﴿أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ﴾؛ فإن قلت: يَرِدُ عليك أنَّ الله أَثْبَتَ أنَّ هناك خالقينَ في قَوْلِه تعالى: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [المُؤْمِنون: ١٤] وفي قَوْلِ الرَّسُول ﷺ : "يُقَالُ لهَمْ - أيِ المُصَوِّرينَ - أَحْيُوا مَا خَلَقْتُمْ" (١)؟
فالجواب: أنَّهم لم يَخْلُقُوا هذا، ولكن حَوَّلُوهُ مِنْ صُورَةٍ إِلى صُورَةٍ، فهنا ليس منهم إيجادٌ، بل تَحْويلٌ من صورةٍ إلى صورةٍ، فالمُصَوِّر مثلًا الذي أخذ الطِّينَ وجعل منه صورةً على صُورةِ إِنْسَانٍ أو صورةِ طَيْرٍ أو صورةِ دابَّةٍ؛ ما خلق هذا الشَّيْءَ لكن حَوَّلَه من كَوْنِه كُتْلَةً من الطِّينِ إلى كَوْنِه صورةً وليس خَلْقًا جديدًا.
وكذلك النَّجَّار مثلًا إذا أتى على الخَشَبِ ونَجَرَه على صورة مُعَيَّنة لا نقول إنَّه خَلَقَه لأَنَّه لم يُوجِدْه، لَكِنَّه حوَّلَه من صورَةٍ إلى أخرى.
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: بُطْلان أُلُوهِيَّةِ هذه الأَصْنَامِ ومن باب أولى رُبُوبِيَّتِها؛ وَجْهُ هذا: أنَّ الله تَحَدَّى أن تكون هذه الأَصْنَامُ صَالِحةً للمُشارَكَة في كلِّ وَجْه من الوجوه: الخَلْق والمُشارَكَة والوَثيقَة؛ كلُّ هذه مُنْتَفِيَة إذن؛ فيَبْطُلُ جَعْلُها إلَهًا مع الله.
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: أنَّ الظَّالمينَ - ويَشْمَلُ الكافرينَ ومَنْ دونَهم - لا يَعِدُ بَعْضُهم بعضًا إلا غرورًا وخِداعًا، فيَشْمَل ذلك الكافرين الذين يُزَيِّنون الكُفْر، ويَشْمَل ذلك أَهْلَ الخَلاعَةِ الذين يُزَيِّنونَ الخلاعة، ويَشْمَل أَهْلَ اللَّهْو الذين يُزَيِّنون اللَّهْوَ؛ فكُلُّ باطِلٍ يُزَيِّنُه أصحابُهُ نقول فيه: لا يَعِدُ الظَّالمِون بَعْضُهُم بَعْضًا إلا غُرورًا.
الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: الحذَرُ من أن يتمَنَّى الإِنْسَانُ على الله الأمانِيَّ، بل الذي يَنْبَغي
стр. 281
- أي يَجِبُ - أن يكون الإِنْسَانُ فَطِنًا كَيِّسًا حازِمًا؛ كما يُرْوَى عن النَّبِيِّ ﵊: "الكَيِّسُ من دانَ نَفْسَهُ وَعَمِلَ لِمَا بَعْدَ المَوْتِ، والعاجِزُ مَنْ أَتْبَعَ نَفْسَهُ هَواهَا وتَمَنَّى على اللهِ الأَمَانِيَّ" (١) فالوعود التي يُوعَدُ بها الإِنْسَانُ من قِبَلِ الظَّالمينَ أو من قِبَل نَفْسِه إذا كانت مخُالِفَة للشَّرْع؛ فما هي إلا غرورٌ وباطِلٌ، فَلْيَحْذَرِ الإِنْسَانُ منه.
* * *
стр. 282
الآية (٤١)
* * *
* قَالَ اللهُ : ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ [فاطر: ٤١].
* * *
ثم قال ﵎ مُبَيِّنًا تمامَ قُدْرَتِهِ ومِنَّتِهِ على عبادِهِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا﴾ قال المُفَسِّر ﵀: [أي: يَمْنَعُهُمَا من الزَّوَالِ].
قَوْله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ الإمساكُ بمَعْنى القَبْضِ على الشَّيْء والتَّمَكُّن منه، وفَسَّره المُفَسِّر ﵀ بالمَنْعِ وهو لازِمٌ للإِمْساكِ.
وَقَوْله تعالى: ﴿أَنْ تَزُولَا﴾ أنْ هذه مَصْدَرِيَّة حُذِفَ منها حرف الجَرِّ؛ لأنَّه يَطَّرِدُ حَذْفُ حَرْفِ الجَرِّ مع (أنَّ) و (أنْ) إذا أُمِنَ اللَّبْسُ، وهنا اللَّبْس مأمون، وإذا كان الكَلَام على تَقْديرِ (مِن) فَحَوِّلْ (أنْ) وما دَخَلَتْ عليها إلى مَصْدَرٍ يَكُنْ سَبْكَ الكَلَام: إنَّ الله يُمْسِكُ السَّمَواتِ والأَرْضَ مِنَ الزَّوَالِ.
وَقَوْله تعالى: ﴿السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ تَرِدُ هذه العِبارَة كثيرًا في القُرْآن، وهي جَمْعُ السَّمَواتِ وإفْرَادُ الأَرْضِ، ولم تَأْتِ الأَرْضُ مَجْموعَةً في القُرْآنِ بِلَفْظِها، ولكن جاءت بِلَفْظٍ يدلُّ على التَّعَدُّدِ، وهو قَوْله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ١٢] فإنَّ المِثْلِيَّة هنا تتعَيَّن أن تكون في العَدَدِ؛ لأنَّه لا يُمْكِن أن تكون الأَرْضُ
стр. 283
مِثْلَ السَّمَواتِ في الحَجْمِ ولا مِثْلَها في الصِّفَة، وإذا امتنع أن تكون مُماثِلَة للسَّماء في الحجم وفي الصِّفَة تعيَّنَ أن تكون مُماثِلَة للسَّماء في العدد.
والسُّنَّة جاءتْ باللَّفْظِ الصَّريحِ مِنْ أنَّ الأَرَضينَ سَبْعٌ؛ كما في قَوْلِه ﷺ : "مَنِ اقْتَطَعَ شِبْرًا مِنَ الْأَرْضِ ظُلْمًا طُوِّقَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ" (١).
وَقَوْله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا﴾ قال المُفَسِّر ﵀: [لام قسم] اللَّامُ لامُ القَسَمِ و (إن) شَرْطِيَّةٌ و ﴿زَالَتَا﴾ الفِعْلُ هنا فِعْلُ الشَّرْطِ، و ﴿إِنْ أَمْسَكَهُمَا﴾ الجُمْلَةُ جوابُ الشَّرْطِ و ﴿إِنْ﴾ هنا يقول المُفَسِّر ﵀: [ما] أي تكونُ نافِيَةً ﴿أَمْسَكَهُمَا﴾ قال المُفَسِّر ﵀: [يُمْسِكهُما] إِشَارَةً إلى أن ﴿أَمْسَكَهُمَا﴾ فعل ماضٍ لَكِنَّه بمَعْنى المضارِعِ، لأنَّه وقع جوابًا للشَّرْطِ، ومعلومٌ أنَّ جواب الشَّرْط يكونُ للمُسْتَقْبَلِ ولا يكون للماضي؛ لأنَّه لا يكون إلا بعد تحَقُّقِ الشَّرْطِ، وتحَقُّقُ الشَّرْطِ أمرٌ مُسْتَقْبَل.
وَقَوْله تعالى: ﴿مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ﴾: (من) هذه زائِدَةٌ زائِدَة؛ زائِدَةٌ في الإِعْرابِ ولَكِنَّها تزيدُ في المَعْنى.
و(زائِدَةٌ) اسْمُ فاعِلٍ من زاد يزيدُ، ونحن نعرف أنَّ زاد يأتي مُتَعَدِّيًا ويأتي لازمًا، فإذا قلت: زاد الشَّيْءُ؛ يعني: ارْتَفَعَ وكَثُرَ، وما أشبه ذلك، فهي لازمة، وإذا قلت زِدْتُه خَيْرًا صارت مُتَعَدِّيَة؛ لهذا نقول: هي زائِدَةٌ زائِدَة؛ ولهذا يقول بعضُ النَّاسِ - إذا رأى هذا الكَلَام -: هذا تناقُضٌ كيف يكون الشَّيْءُ (زائدًا زائدًا)؟ !
стр. 284
ونقول: (مِنْ) زائِدَة إِعْرابًا زائِدَةٌ مَعْنى؛ فتزيد في المَعْنى وهو تأكيدُ النَّفْي.
وَقَوْله تعالى: ﴿أَحَدٍ﴾ فاعِلُ أَمْسَكَ مَرْفوعٌ بضَمَّة مُقَدَّرَةٍ على آخره منع من ظهورِهَا اشْتِغالُ المَحَلِّ بحَرَكَةِ حَرْفِ الجَرِّ الزَّائِدِ.
والمَعْنى: لَئِنْ قُدِّرَ أن تزولَ السَّمَواتُ والأَرْضُ فإنَّه لا أَحَد يَسْتَطِيعُ أن يُمْسِكَهُما سوى اللهِ وهو كذلك؛ وهذا هو الواقِع، بل لو زال ما دون السَّمَواتِ والأَرْضِ من النجومِ والكواكبِ والشَّمْسِ والقَمَرِ ما استطاع أَحَدٌ أن يُمْسِكَه سوى اللهِ ، بل لا يَسْتَطِيع أَحَدٌ أن يَصْرِفَ شيئًا من هذه الكواكِبِ أو النُّجُومِ أو الشَّمْسِ أو القَمَرِ؛ أن يصرفه عن جِهَةِ سَيْرِه إلا اللهُ ، ولا أن يَمْنَعَه مِن سَيْرِه إلا اللهُ .
قال في الإِعْراب هنا: قلنا إن اللام في (لَئِنْ) لامُ القَسَمِ و (إن) شَرْطِيَّة و (إن أَمْسَكَهُما) جوابُ القسم؛ لأنَّ لدينا قاعِدَةً: إذا اجتمع الشَّرْطُ والقَسَمُ حُذِفَ جوابُ المُتَأَخِّرِ منهما، قال ابن مالك ﵀ مُقَرِّرًا هذه القاعِدَة:
وَاحْذِفْ لَدَى اجْتِمَاعِ شَرْطٍ وَقَسَمْ ... جَوَابَ مَا أَخَّرْتَ فَهْوُ مُلْتَزَمْ (١)
إذن: فالمُؤَخَّر هنا الشَّرْطُ، فيكون جوابه هو المَحْذُوفَ؛ دَلَّ عليه جوابُ القَسَمِ.
يقول ﵀: [﴿إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ أي في تأخير عقابِ الكُفَّار].
قَوْله تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا﴾ هذه الجُمْلَة مناسَبَتُها لما قبلها أنَّها تعليلٌ لما قبلها، فارتباطُها به ارتباطُ العِلَّة بالمَعْلولِ؛ يعني أنَّه في إمساكِهِ للسَّموات والأَرْض كان
стр. 285
حليمًا غفورًا، ولولا حِلْمُه ومَغْفِرَتُه لزالت السَّمَواتُ والأَرْضُ وهَلَكَ من فيهما.
و(الحليمُ) اسمٌ من أَسْماء الله، ومعناه ذو الحِلْم، والحِلمُ هو تأخير العقوبة عن مُسْتَحِقِّها، تأخيرُ عُقُوبةٍ وليس تركَ عقوبةٍ؛ لأنَّ تَركَ العُقُوبَة عَفْوٌ، ولكنَّ تأخيرَ العُقُوبَة عن المُسيءِ يُسَمَّى هذا حِلْمًا؛ قال ابن القيم ﵀:
فَهُوَ الحَلِيمُ فَلَا يُعَاجِلُ عَبْدَهُ ... بِعُقُوبَةٍ لِيَتُوبَ مِنْ عِصْيانِ (١)
فبِحِلْمِه تتأَخَّرُ العقوبات؛ لعلَّ النَّاس يتوبون إلى الله .
وَقَوْله تعالى: ﴿غَفُورًا﴾ هذا، يَغْفِرُ الذَّنْبَ ويمحو أَثَرَهُ بالكُلِّيَّة، وسبق لنا: أنَّ المَغْفِرَة هي سِتْرُ الذَّنْب والتَّجاوُزُ عنه؛ وذلك لأنَّها مَأْخوذَةٌ من المِغْفَر الذي يُغَطِّي الرأس ويَقيهِ السِّهامَ، وليست - كما قيل - مُجَرَّدَ السِّتْرِ؛ لأنَّ مُجَرَّدَ السِّتْرِ لا تَحْصُلُ به الوِقايَة، بل لا بُدَّ مع السِّتْر من الوِقايَةِ.
ويدل لهذا المَعْنى قَوْلُه لِعَبْدِه إذا خلا به وقَرَّرَهُ بِذُنوبِهِ يقول: "كُنْتُ سَتَرْتُهَا عَلَيْكَ في الدُّنْيا وَأَنَا أَغْفِرُهَا لَكَ الْيَوْمَ" (٢)؛ فإنَّ هذا يدلُّ على أنَّ السِّتْرَ غَيْرُ المَغْفِرَة، وأنَّ المَغْفِرَة لا بُدَّ فيها مِنْ عَدَمِ المُؤاخِذَةِ وعَدَمِ العُقُوبَةِ.
من فوائد الآية الكريمة:
الْفَائِدَة الأُولَى: بَيانُ قُدْرَةِ الله على إِمْساكِ السَّمَواتِ والأَرْضِ فهذه الأَجْرامُ العَظيمَة أَمْسَكَها الله تعالى بقُدْرَته بدون معاناةٍ وبدون تَعَبٍ وإنَّما يقولُ