لمن لا يعقل صار له معنى آخر على سبيل التجوز، والمعنى أنَّه جعل غير العاقل كالعاقل، كأن الحسرة شيء يأتي ويذهب يقول: ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٣٠)﴾ (ما) نافية و (من) زائدة لوقوعها في سياق النفي، وهي زائدة، زائدة، زائدة لفظًا، وتزيد في المعنى، وهذا معنى قولنا: (زائدة، زائدة) وليس في القرآن حرف وإحد لا يفيد معنى أبدًا، فكل ما في القرآن فإنه يشتمل على المعاني، ولكن قد يكون زائدًا من حيث الإعراب فقط، ولهذا فإعراب (رسول) في هذه الآية فاعل مرفوع بضمة مقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة الحرف الزائدة، وفائدتها التنصيص على العموم، لأن (رسول) نكرة في سياق النفي فيعم، فإذا جاءت (من) صارت أنص وأدل على العموم مما لو حذفت، ولهذا قالوا: إن فائدتها في مثل هذا السياق التنصيص على العموم، وقوله: ﴿مِنْ رَسُولٍ﴾ الرسول عند عامة أهل العلم هو بشر أوحي إليه بشرع وأمر بتبليغه، ويطلق الرسول على الرسول الملكي، فإن الله سمى جبريل ﵊ رسولًا كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (١٩) ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ (٢٠)﴾ (١) وقوله: ﴿إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٣٠)﴾ أي: إلَّا كانوا يستهزءون به ولكن قدم المعمول وهو (به) لإفادة الحصر، ولمناسبة رؤوس الآيات فقدم لفائدتين: فائدة لفظية، وهي مراعاة الفواصل، وفائدة معنوية، وهي: الحصر، كأنه قال: (إذا أتاهم الرسول فكأنهم لا يستهزءون بأحد سوى هذا
стр. 107
الرسول)، وهم يستهزءون بغيره، ولكن لما كان هؤلاء قد أمعنوا في الاستهزاء بالرسل صاروا كأنهم لا يستهزؤن إلَّا بالرسل والاستهزاء هو السخرية والهزء.
الفوائد:
١ - في هذه الآية دليل على شدة تحسر العباد المكذبين للرسل لقوله: ﴿يَاحَسْرَةً﴾ ولهذا جاء النداء على سبيل التنكير، ليدل على أنَّها حسرة عظيمة؛ لأن التنكير يفيد أحيانًا التعظيم والشدة.
٢ - ومن فوائدها: أن هؤلاء المكذبين للرسل سيجدون أعمالهم حسرات عليهم، لقوله تعالى: ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٣٠)﴾.
٣ - ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات عدل الله وهو أنَّه لا يؤخذ أحدًا إلَّا بذنبه لقوله: ﴿يَاحَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٣٠)﴾ فلن يعاقب الله أحدًا إلَّا بذنب، بل إنه قد يعفو عن الذنب إذا كان دون الشرك ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (١).
٤ - ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الرسالة لقوله: ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ﴾ وأن الرسالة عامة في كل أمة؛ لأنه قال: ﴿عَلَى الْعِبَادِ﴾ ثم قال: ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ﴾ فكل العباد قد قامت عليهم الحجة ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ (٢٤)﴾ (٢).
стр. 108
٥ - ومن فوائد الآية الكريمة: أن الاستهزاء بالرسل كفر موجب للعقوبة؛ لأن السياق في قوم كذبوا الرسول فأهلكوا جميعًا ثم قيل: ﴿يَاحَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٣٠)﴾ فدل هذا على أن الاستهزاء بالأنبياء أو بالرسل كفر، ويدل لهذا قوله تعالى: ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (٦٥) لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ (١) فالاستهزاء بالكتب كفر، لقوله: ﴿وآياته﴾ والاستهزاء بشرع من الشريعة ولو بشعيرة واحدة كفر؛ لأن الاستهزاء بالشعيرة الواحدة استهزاء بكل الشريعة، كما أن الكفر بالشعيرة الواحدة كفر بجميع الشريعة، قال تعالى: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾ (٢) وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا (١٥٠) أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا (١٥١)﴾ (٣)، فمن آمن بالرسالة ولكن كفر بشعيرة واحدة منها، فقد كفر كفرًا تامًّا بالجميع، ومن استهزأ بشيء من شرائع الرسل ولو بشيء ليس بواجب، حتَّى بالشيء المندوب لو استهزأ فقد كفر؛ لأنه لا يمكن الإيمان ببعض دون بعض، بل من كره ما أنزل الله فقد كفر، والدليل ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ (٩)﴾ (٤) ولا تحبط الأعمال إلَّا بالكفر،
стр. 109
لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢١٧)﴾ (١). فالمسألة مسألة عظيمة ليست بالهينة، ولهذا يجب على المرء الرضى بكل ما شرع الله تعالى، فيرضى مثلًا بوجوب الصلاة، وتحريم الخمر، ووجوب الزكاة، وتحريم الرِّبَا، وعلى هذا فقس، فكل شيء يجب أن ترضى به وتقبله، ثم إن عملت به أثبت، وإن لم تعمل به عوقبت واستحققت العذاب إذا كان واجبًا، إلَّا إذا كالن هذا الواجب تركه كفر فإنه إذا تركته كفرت، فمثلًا يجب على الإنسان أن يؤمن بتحريم الرِّبَا، فإن أنكر تحريمه كفر، أو لم يقبل تحريمه كفر، وإذا آمن بتحريمه وقبله ورضي بالتحريم ولكن فعل الرِّبَا فلا يكفر، وحكمه حكم العصاة.
٦ - ومن فوائد الآية الكريمة: أنَّه ما من رسول أرسل إلَّا وجد من يستهزئ به ومن يؤمن به، ولكن منهم من لا يجد من يؤمن به لقوله ﵊ في حديث السبعين ألفًا: "والنبي وليس معه أحد" (٢). فالاستهزاء حاصل لكل رسول.
مسألة:
واختلف العلماء فيمن لسب الله تعالى أو رسوله ﷺ هل
стр. 110
تقبل توبته؟ على قولين:
القول الأول: إنه لا تقبل توبته، بل يقتل قتل المرتد فلا يغسل، ولا يكفن، ولا يصلى عليه، ولا يدفن مع المسلمين، وفي الآخرة أمره إلى الله تعالى، إن كان الله تعالى علم منه صدق التوبة فإنه لا يعذبه، وإن كان الله تعالى علم منه كذبها فإنه يعذب في الآخرة، وهذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد - رحمه الله تعالى -.
والقول الثاني: تصح توبة من استهزأ بالله تعالى أو رسوله ﷺ ، ولكن بالنسبة لمن استهزأ بالرسول ﷺ يقتل، وأما من سب الله تعالى أو استهزأ به فإنه لا يقتل، وهذا هو الصحيح أن الإنسان إذا سب الله تعالى أو رسوله ﷺ أو استهزأ بهما فإنه يكفر، فإن تاب قبلت توبته، لكنه يقتل إذا كان السب أو الاستهزاء بالرسول ﵊، ولا يقتل إذا كان السب أو الاستهزاء بالله تعالى، والفرق بينهما: أن الاستهزاء بالرسول ﷺ وسبه حق شخصي، وأما الاستهزاء بالله تعالى وسبه فهو حق لله ، وقد أخبرنا الله أنَّه يقبل التوبة من جميع الذنوب، وإذا قبل الله توبته ارتفع عنه مقتضاها وهو القتل، أما الساب للرسول ﵊ فإننا لا نعلم أن الرسول ﵊ عفى عن حقه، لذا وجب علينا أن نأخذ به.
* * *
﴿أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لَا يَرْجِعُونَ (٣١)﴾ قال المؤلف ﵀: [أي: أهل مكة القائلون
стр. 111
للنبي ﷺ لست مرسلًا، والاستفهام للتقرير أي: علموا]، الرؤية هنا فسرها المؤلف برؤية العلم؛ وذلك لأنهم لم يشاهدوا هذا بأعينهم، وإنَّما علموه بما بلغهم من الخبر، وقوله: [أي أهل مكة] الصحيح أن هذا ليس خاصًّا بأهل مكة، بل هو عام لكل من كذب الرسول ﷺ ، وكأن المؤلف ﵀ جعله خاصًّا بأهل مكة لأن الآية مكية، ولكنه يقال: حتَّى وإن كانت الآية مكية، فإن المكذبين للرسل عليهم الصلاة والسلام من أهل مكة وغيرهم، فأهل الطائف كذبوا الرسول ﵊، وكذلك غيرهم كثير؛ لأن الناس لم يدنجلوا في دين الله أفواجًا إلَّا بعد فتح مكة ﴿أَلَمْ يَرَوْا﴾ يقول المؤلف: [(كم) خبرية بمعنى: كثيرًا، معمولة لما بعدها، مُعَلقَةٌ لما قبلها عن عمل] ﴿يَرَوْا﴾ بمعنى العلم، وإذا كانت الرؤية بمعنى العلم فإنها تنصب مفعولين، وقوله علقتها عن العمل، يعني أنَّها أبطلت عملها لفظًا، لأن التعليق يبطل العمل لفظًا فقط لا محلًّا، والإلغاء يبطله لفظًا ومحلًّا، والأفعال القلبية إما أن تعمل في اللفظ والمحل، وإما أن تعمل في المحل دون اللفظ، وأما أن لا تعمل لا في اللفظ ولا في المحل، الثالث: يسمى إلغاءً، والثاني: يسمى تعليقًا، والأول: يسمى إعمالًا، فكم هنا علقت ﴿يَرَوْا﴾ عن العمل في اللفظ، أما المحل فالجملة في محل نصب سدت مفعولي ﴿يَرَوْا﴾ ثم هي لها إعراب باعتبار ما بعدها، فباعتبار ما بعدها مفعول لما بعدها، وعليه فتقدر كما قال المؤلف [بمعنى: كثيرًا]، ثم قال: [والمعنى إن ﴿أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ﴾ كثيرًا ﴿مِنَ الْقُرُونِ﴾ الأمم]. وقوله سبحانه
стр. 112
وتعالى: ﴿مِنَ الْقُرُونِ﴾ ﴿مِنَ﴾ هذه لبيان الإبهام الواقع في كم و ﴿الْقُرُونِ﴾ جمع قرن، وهم الأمة المشتركة في عصر من العصور، والعصر مئة سنة، وعلى هذا يكون القرن مئة سنة، ولكن قد يكوق دون ذلك، فقد تكون أمة تبقى أقل من القرن، يهلكها الله قبل أن يتم لها هذا العدد من السنين، لكن الضابط أن نقول: القرن هم الأمة التي اشتركت في عصر ﴿أَنَّهُمْ﴾ قال المؤلف ﵀: [أي المهلكين ﴿إِلَيْهِمْ﴾ أي إلى المكذبين، وفي نسخة [﴿إِلَيْهِمْ﴾ أي إلى المكيين] لأن الخطاب لأهل مكة، فالمكذبون هم المكيون، والقول بأن ﴿إِلَيْهِمْ﴾ أي المكذبين أعم، فهؤلاء الأمم التي أهلكت هل رجعت إلى الأمم التي بعدها؟ لا، بل ذهبت وزالت وكأنها لم توجد ولم يبق إلَّا عملها.
﴿لَا يَرْجِعُونَ (٣١)﴾ قال المؤلف: [أفلا يعتبرون بهم، وأنهم ... - إلى آخره - بدل مما قبله برعاية المعنى المذكور] الذي قبله قوله: ﴿كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ﴾ كأنه قال: "ألم يروا أنهم لا يرجعون"، فهي بدل مما قبلها من حيث المعنى، أي: لا من حيث الإعراب؛ لأنها جملة مستقلة، وليست تابعة لها في الإعراب، ولكنها تابعة لها في المعنى.
والخلاصة: أن الله بين في هذه الآية بيانًا يقرر به هؤلاء المكذبين بأنه أهلك كثيرًا من الأمم السابقة، وأن هؤلاء المهلكين لا يرجعون إلى هؤلاء المكذبين، لأنهم انتهوا من الدنيا ولم يبق لهم الوجوع إليها حتَّى يستعتبوا، فالواجب على هؤلاء المكذبين أن يعتبروا بهم.
стр. 113
الفوائد:
١ - من فوائد الآية الكريمة: تقرير المكذبين بما يقرون به، أنَّه أهلك من سبقهم لقوله: ﴿أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ﴾.
٢ - ومن فوائد الآية: أنَّه يجب على الإنسان أن ينظر ويعتبر بحيث إذا نظر في عواقب الناس اتخذ من ذلك عبرة، لأن الاستفهام هنا مع كونه للتقرير مفيد للتوبيخ، لأن الواجب على من نظر في عاقبة المكذبين أن يرتدع عن الكذب.
٣ - من فوائد الآية أيضًا: أنَّه لا بعث ولا رجوع قبل يوم القيامة لقوله: ﴿أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لَا يَرْجِعُونَ (٣١)﴾ فلا أحد يبعث قبل يوم القيامة، اللهم إلَّا على سبيل الآية كما ثبت في القرآن أن عيسى ابن مريم ﵊ يحيي الموتى بإذن الله تعالى، وكما في قصة الرجل الذي أماته الله مئة عام ثم بعثه، وكما في قصة بني إسرائيل الذين أخذتهم الصاعقة ثم بعثهم الله بعد موتهم، وكما في قصة الرجل الشاب الذي يقتله الدجال ثم يكلمه ويخاطبه فيقوم حيًّا، وإلَّا فإن الأصل أن من مات لا يرجع أبدًا، لقوله: ﴿أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لَا يَرْجِعُونَ (٣١)﴾.
* * *
﴿وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ (٣٢)﴾ قال المؤلف: [إن نافية، أو مخففة] قوله نافية أي: بمعنى (ما)، ومخففة بمعنى (إن) لكنها خففت و (أو) في كلام المؤلف ليست للتخيير بل هي
стр. 114
للتنويع، لأنها على حسب القراءة الآتية في ﴿لَمَّا﴾. ﴿كُلٌّ﴾ أي: كل الخلائق، وهي مبتدأ على التقديرين، أي على أنَّها نافية وعلى أنَّها مخففة؛ لأن المخففة تعمل في الجملة، واسمها ضمير الشأن محذوف فـ ﴿كُلٌّ﴾ مبتدأ على كلا الوجهين أي على أن (إن) نافية، أو مخففة ﴿لَمَّا﴾ قال المؤلف: [بالتشديد بمعنى إلَّا، أو بالتخفيف فاللام فارقة و (ما) مزيدة] ﴿لَمَّا﴾ بالتشديد بمعنى إلَّا، وعلى هذا تكون إن نافية، والتقدير: "وما كل إلَّا جميع لدينا محضرون"، وبالتخفيف فاللام فارقة بين "إن" النافية و"إن" المخففة و (ما) مزيدة، والتقدير على هذا "وإن كلٌّ لجميعٌ لدينا محضرون" لأن (ما) زائدة، فإذا أردنا أن نعرب هذه الآية نقول: (إن): نافية على قراءة التشديد، و (لما) بمعنى إلَّا.
الإعراب الثاني: (إن) مخففة على قراءة التخفيف، واللام فارقة وهي للتوكيد، و (ما) زائدة، والتقدير على هذا "وإن كلٌّ لجميع لدينا" ﴿جَمِيعٌ﴾ قال المؤلف: [خبر المبتد [أي: مجموعون] المبتدأ ﴿كُلٌّ﴾.
فإن قال قائل: كيف يكون خبر لـ (كل) و (كل) تدل على الشمول؟
فالجواب: أن (كلًّا) تدل على الشمول، لكن لا يلزم من دلالتها على الشمول الاجتماع، فتقول: أكرم كل القوم، وقد يكون القوم متشتتين كل واحد بجانب، لكن ﴿جَمِيعٌ﴾ تدل على الاجتماع ففيها زيادة على الشمول وهي جمع الناس، فكل الناس يحضرون إلى الله ، ولكن هل حضورهم متفرق أو مجتمع؟
стр. 115
الجواب: حضورهم مجتمع؛ ودليله الآية ﴿جَمِيعٌ﴾ إذًا فلا يقول قائل: إن المبتدأ هو نفس الخبر؛ لأن كلمة ﴿كُلٌّ﴾ تدل على الشمول ﴿جَمِيعٌ﴾ تدل على الشمول، نقول: لا، لأن الفرق بينهما أن (كل) تدل على الشمول، وإن كانوا متفرقين و (جميع) تدل على الشمول مع الاجتماع.
قال المؤلف: [مجموعون ﴿لدينا﴾ عندنا في الموقف بعد بعثهم [محضرون﴾ للحساب خبر ثان، أي: خبر ثان لـ (كل) فصار ﴿كُلٌّ﴾ لها الآن خبران الأول: ﴿جَمِيعٌ﴾ والثاني: ﴿مُحْضَرُونَ﴾، ومعنى هذه الآية: ما كل واحد من هؤلاء إلَّا محضر لدى الله يوم القيامة، والناس جميع.
الفوائد:
١ - من فوائد الآية الكريمة: إثبات البعث لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ (٣٢)﴾.
٢ - ومن فوائدها: كمال قدرة الله حيث يجمع هذه الخلائق جميعًا في مكان واحد؛ لقوله: ﴿لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنَا﴾.
٣ - ومن فوائد الآية: وجوب الاستعداد لهذا اليوم؛ لأن الله تعالى لم يخبرنا به لمجرد الاطلاع، ولكنه أخبرنا به من أجل أن نستعد له حتَّى نكون على أهبة لما سنحاسب عليه.
* * *
﴿وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ (٣٣)﴾ قال المؤلف ﵀: [﴿وَآيَةٌ لَهُمُ﴾ على
стр. 116
البعث خبر مقدم ﴿الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ﴾ بالتخفيف والتشديد ﴿أَحْيَيْنَاهَا﴾ بالماء، مبتدأ، الآية في اللغة: العلامة والدليل القاطع على الشيء، وقول المؤلف: أخبر مقدم، المبتدأ الأرض، وقوله: ﴿الْمَيْتَةُ﴾ بالتخفيف والتشديد يعني أن فيها قراءتين (الميّتة) و (الميتة)، وهذا دليل على أن الميتة كما يطلق على الميت الذي قد فارقت روحه جسده، يطلق أيضًا على الذي سيموت خلاف لمن قال: (إن الميّت لمن سيموت) و (المَيْتَ لمن مات بالفعل)، فإن الأرض الميتة قد ماتت، ومع ذلك فيه هنا قراءتان: الميّتة، والميتَة ﴿الْأَرْضُ﴾ مبتدأ و ﴿الْمَيْتَةُ﴾ صفة و ﴿أَحْيَيْنَاهَا﴾ صفة للأرض، ولهذا قال المؤلف: (مبتدأ) جعله بعد قوله (أحييناها) ليبين أن الميتة وأحييناها كلاهما صفة للأرض، ولكن الصحيح أن ﴿أَحْيَيْنَاهَا﴾ جملة استئنافية لبيان وجه الآية في هذه الأرض، لأن محط الفائدة ليس هو موت الأرض، ولكن الله تعالى أحياها بعد موتها، أما على رأي المؤلف فإذا جعل ﴿أَحْيَيْنَاهَا﴾ صفة، فإنه يشكل علينا أن هذا مخالف للقاعدة المعروفة: "أن الجمل بعد المعارف أحوال". والجواب على ذلك أن يقال: إن الأرض هنا المراد بها الجنس فهي بمعنى النكرة ونظيرها قول الشاعر:
ولقد أمر على اللئيم يسبني ... فمضيت ثمت قلت لا يعنيني
قال: (اللئيم يسبني): وتقدير: (على لئيم يسبني)، ومنه أيضًا على قول بعض المعربين ﴿كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ
стр. 117
أَسْفَارًا﴾ (١) على أن جملة ﴿يحمل﴾ صفة الحمار، لأن المراد به الجنس، فهو بمعنى كمثل حمار يحمل أسفارًا، أما على القول الذي اخترناه فنقول: إن جملة ﴿أَحْيَيْنَاهَا﴾ استئنافية لبيان وجه الآية في هذه الأرض الميتة، ووجه كونها آية أن هذه الأرض الميتة أشجارها يابسة، وليس فيها ثمر، فينزل الله عليها المطر فتحيا بعد الموت، فالذي أحيائها وقدر على إحيائها قادر على إحياء الموتى، كما قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِ الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٣٩)﴾ (٢) وعليه فنقول: وجه الآية أن نقيس الشاهد بالغائب، فالشاهد المنظور هو هذه الأرض ميتة، أشجارها يابسة ينزل عليها المطر فتخضر، فالذي أحياها قادر على إحياء الموتى.
﴿وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا﴾ معطوف على ﴿أَحْيَيْنَاهَا﴾ يعني الأرض ميتة أحييناها بالزرع، فقام الزرع أخضر يهتز، ولكن مجرد كونه زرعًا لا يفيد الآدمي، وإنَّما يفيد البهائم، ويفيد الآدمي عند الضرورة لكن الفائدة العظمى منه ﴿وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا﴾ ﴿مِنْهَا﴾ أي: من الأرض ﴿حَبًّا﴾ كالحنطة ﴿فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ (٣٣)﴾ ﴿فَمِنْهُ﴾ أي: من هذا الحب يأكلون، وفائدة قوله: ﴿فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ (٣٣)﴾ دليل على سهولة تناول هذا الحب وعظم فائدته، وأنه حب نافع سهل التناول، لأنه لو كان صعبًا لكانوا لا يستطيعون الأكل منه إلَّا بمشقة عظيمة، ولهذا قال: ﴿فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ (٣٣)﴾ قدم المعمول
стр. 118
لإفادة الحصر، لكنه حصر إضافي لسهولته كأنه لا أكل لهم إلَّا من هذا السهل المتيسر ﴿وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ﴾ أي بساتين ﴿مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ﴾ هذا غير الحب؛ لأن الخارج من الأرض يكون حبًّا، ويكون ثمرًا، الحب من الزروع، والثمر من الأشجار ﴿وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ﴾ ﴿جَعَلْنَا﴾ بمعنى صيرنا، فهو ناصب لمفعولين، المفعول الأول ﴿جَنَّاتٍ﴾ والثاني: ﴿فِيهَا﴾ و ﴿جَنَّاتٍ﴾ جمع جنة وهي البستان الكثير الأشجار، سميت بذلك لأنه يجن من دخله وكان فيه لاستتارته به، وأصل هذه المادة - الجيم والنون - تدور على لعذا المعنى، أي: على الاستتار والخفاء، ومنه سمي القلب: جنانًا؛ لاستتاره، ومنه سمي: الجن؛ لاستتارهم وخفائهم، ومنه سمي الجُنة: الوقاية؛ لأن الإنسان يستتر بها، فكل هذه المادة تدل على الخفاء والاستتار، فالبستان الكثير الأشجار المتشابكة إذا كان فيه أحد لا يرى؛ لأن هذه الأشجار تستره ﴿مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ﴾ النخيل والأعناب معروفة، ونص الله عليها لأنها طعام وقوتَ لا يحتاج إلى مؤنة، ولهذا يقتات رطبًا ويابسًا، فيقتات رطبًا كالرطب في التمر، وكالعنب في العنب، ويابسًا كالتمر الذي يؤول إليه الرطب، وكالزبيب الذي يؤول إليه العنب، فجمع الله بينهما؛ لأنهما قوت حلو لا يحتاج إلى مؤنة طبخ، وينتفع به رطبًا ويابسًا، ﴿وَفَجَّرْنَا فِيهَا﴾ أي في الأرض ﴿مِنَ الْعُيُونِ (٣٤)﴾ قال المؤلف [بعضها]. ويجوز أن تكون ﴿مِنَ﴾ لبيان الجنس ويكون هذا عامًّا، وهو الأقرب أي: فجرنا فيها من العيون عيونًا كثيرة، وأصنافًا متنوعة، فمنها العيون الجارية
стр. 119
الغزيرة، ومنها العيون الراكدة التي لا تجري لكنها تنبع على جهة الأرض، ومنها العيون التي تكون بواسطة كالأنابيب المعروفة الآن تركز في الأرض فيخرج الماء، ومنها العيون التي تكون بلا واسطة كالذي يتفجر من رؤوس الجبال وغير ذلك، كل هذا دليل على قدرة الله وعلى رحمته بعباده، يقول: ﴿لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ﴾ ﴿لِيَأْكُلُوا﴾ الضمير يعود على الناس، واللام للتعليل، والفعل بعدها منصوب إما بها على مذهب الكوفيين، وإما بأن مضمرة على مذهب البصريين، وقوله: ﴿مِنْ ثَمَرِهِ﴾ قال المؤلف ﵀[بفتحتين وبضمتين] أي: ثَمَره، وثُمُرِهِ. وثمره هنا مفرد، ولم يقل (من ثمرهما) لأن الله ذكر نخيلًا وأعنابًا فهما صنفان، ولم يقل (من ثمرهما) بل قال: ﴿مِنْ ثَمَرِهِ﴾ أي ثمر المذكور، فالضمير هنا يعود على المذكور من النخيل والأعناب. قال المؤلف: [﴿وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ﴾ أي لم تعمل الثمر ﴿أَفَلَا يَشْكُرُونَ (٣٥)﴾ نعمة الله تعالى عليهم] قوله: ﴿وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ﴾ في ﴿مَا﴾ قولان للمفسرين:
القول الأول: أنَّها نافية، وهو الذي مشى عليه المؤلف، يعني أن هذا الثمر الخارج من النخيل والأعناب لم تعمله أيدي الناس.
القول الثاني: أنَّها بمعنى الذي أي: (من الذي عملته أيديهم)، لأن الناس قد يعملون شيئًا يصلحونه، مثل عصير العنب، وكذلك دبس التمر، وكذلك الخبز الذي يخبزونه من الزروع، وغير ذلك مما يصنعه الناس بأيديهم ويتمتعون
стр. 120
ويتفكهون به، فهناك أنواع الحلوى تصنع باليد، فيكون الله تعالى امتن على العباد بأمرين: امتن بما يخرجه هو من هذه الثمار والزروع، وامتن عليهم بما علمهم إياهم مما يعملونه بأيديهم، والمأكولات التي نأكلها نوعان: نوع لا نحدث فيه شيئًا نأكله كما يقولون طازجًا، ونوع آخر نعمل فيه، ونركبه مثلًا من عدة ثمرات وما أشبهها، فيكون الله امتن على العباد بالأمرين جميعًا، والمعنى الثاني أعم فيكون أولى، على أن القاعدة: "أن الآية إذا كانت صالحة للاحتمالين فلا مانع من أن تحمل عليهما" فنقول: إن الله أراد هذا وهذا، أراد أن أيدينا لم تعمل هذه الثمرات التي تخرج من النخيل والأعناب، ولا هذه الحبوب التي تخرج من الزروع، وأراد أيضًا ما نعمله نحن بأيدينا على حسب ما نريد، فكل هذا نعمة، وقوله: ﴿أَفَلَا يَشْكُرُونَ (٣٥)﴾ الاستفهام هنا للتوبيخ، والجملة معطوفة على مقدر يعلم من السياق، يعني: أغفلوا عن ذلك فلا يشكرون، أو أكفروا به فلا يشكرون، لأن انتفاء الشكر يكون إما بالغفلة، أو بالكفر المتعمد، فكثير من الناس بالنسبة للنعم إما غافل ويرى هذا أمرًا معتادًا وكأنها شيء جار على العادة بدون أن يكون لله فيه منة، وهذا يحصل من المؤمن الذي لم يصب بضد تلك النعم، لأن الإنسان لا يعرف قدر النعمة إلَّا حيث يصاب بضدها، فلا يعرف قدر الشبع إلَّا من جاع، ولا قدر الري إلَّا من قد ظمأ، ولا قدر العافية إلَّا من مرض، ولا قدر الأنس إلَّا من فقد الأنيس، وهكذا وهذه غفلة.
стр. 121
وإما أن تكون كما قال تعالى: ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَ (٨٣)﴾ (١) كفرًا بالنعمة وبطرًا يقول: "إنما أوتيته على علم عندي" وما أشبه ذلك وقوله: ﴿أَفَلَا يَشْكُرُونَ (٣٥)﴾ الشكر هو: (القيام بطاعة المنعم، وصرف نعمه فيما جعلها الله له)، فمن صرف نعم الله على غير ما جعلها الله له فليس بشاكر، فلو جعل النعم عونًا له على المعصية فصار يستعين بنعم الله على معصيته لم يكن شاكرًا؛ لأنه صرفها في غير ما جعلت له، وإنَّما أنعم الله علينا هذه النعم لنقوم بعبادته والتقوي عليها، والشكر متعلقه ثلاثة أشياء: القلب واللسان والجوارح، وعلى هذا قال الشاعر:
أفادتكم النعماء مني ثلاثة ... يدي ولساني والضمير المحجب فشكر القلب: أن يعترف الإنسان بقلبه أن هذه النعمة من الله هو الذي منّ بها، إن كانت نعمة إيجادية، أو كانت دفع نقمة فإنها من الله وهو المانّ بها، فلا يجعل ذلك من أسباب عمله وذكائه، بل يجعل ذلك من فضل الله وإحسانه.
وشكر اللسان: أن يثني الإنسان بها على الله ، قال الله تعالى: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ (١١)﴾ لكن لا على سبيل الفخر والعلو على الآخرين، فإنه إذا تحدث بها على سبيل الفخر والعلو على الآخرين صار هذا كفرًا لا شكرًا.
стр. 122
وشكر الجوارح: أن يقوم بطاعة المنعم ، ومن شكر الجوارح: أن يظهر أثر النعمة عليه، فإن كان غنيًّا ظهر ذلك عليه في مركوبه وملبوسه وكل مظهره، لأن الله تعالى إذا أنعم على أحد بنعمة أحب أن يرى أثر نعمته عليه.
فإذا قال قائل: هل بين الحمد والشكر فرق أو هما متفقان؟
فالجواب: أن بينهما فرقًا:
أولًا: أن الحمد متعلقه اللسان فقط، لأنه وصف المحمود بالكمال مع المحبة والتعظيم، فلا يتعدى إلى الجوارح.
ثانيًا: أن الحمد يكون لإحسان المحمود ولكمال المحمود، والشكر للإحسان فقط، فالشكر يكون على النعم فقط، والحمد يكون على النعم وعلى أوصاف الكمال، فبين الحمد والشكر عموم وخصوص من وجه، فالحمد أعم من حيث السبب، وأخص من حيث المتعلق، والشكر أخص من حيث السبب، وأعم من حيث المتعلق، والله يحمد على نعمه، وعلى كماله فهذا سبب الحمد، والحمد إنما يكون باللسان فقط، والشكر إنما يكون على النعم فقط، فلا تقول: اشكر الله على كمال صفاته، بل على نعمه، فسبب الشكر أخص، لكنه يتعلق بالقلب واللسان والجوارح فهو أعم من حيثما المتعلق.
الفوائد:
في الآيات الكريمات فوائد منها:
١ - بيان قدرة الله على إحياء الأرض بعد موتها، لقوله تعالى: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا﴾.
стр. 123
٢ - ومنها: الاستدلال بالشاهد على الغائب، فإن إحياء الأرض بعد الموت مشاهد، ويستدل بها على إحياء الله الموتى عند بعثهم يوم القيامة، وقد أشار الله تعالى إلى هذا الدليل بقوله: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِ الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٣٩)﴾ (١) وقال تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ (٩) وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ (١٠) رِزْقًا لِلْعِبَادِ وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ الْخُرُوجُ (١١)﴾ (٢) والآيات في هذا كثيرة.
٣ - ومن فوائد الآيات الكريمة: جواز وصف الجماد بالموت والحياة، فإنه ليس خاص بذي الروح المتحرك، لقوله: ﴿الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا﴾ فوصفها بالموت، ووصفها بالحياة.
٤ - ومن فوائد الآيات الكريمة: بيان عظمة الله ، لقوله: ﴿أَحْيَيْنَاهَا﴾ ﴿وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا﴾ بضمير العظمة.
٥ - ومن فوائد الآيات الكريمة: بيان نعمة الله بما أخرج للناس من الأرض من الحبوب والثمار، الحبوب قوله: ﴿وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا﴾ والثمار قوله: ﴿وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ الْعُيُونِ (٣٤) لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ﴾.
٦ - ومن فوائد الآيات الكريمة: بيان حاجة العبد لربه، لقوله: ﴿فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ (٣٣)﴾، وكأن هذا الحصر فيه إشارة إلى تحدي الإنسان أنَّه لا يمكن أن يأكل إلَّا من هذا الذي أخرجه الله
стр. 124
له، وهذا من فوائد الحصر، كأنه يقول: إن كنت قادرًا فأخرج لنفسك ما تأكله، إنك لن تأكل إلَّا مما أخرجناه لك.
٧ - ومن فوائد الآيات الكريمة: بيان ما أنعم الله به على العباد من هذه الأشجار العظيمة الكثيرة المظلة لقوله: ﴿وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ﴾ فما أعظم نعم الله على العبد من هذه النخيل والأعناب.
٨ - ومن فوائد الآيات الكريمة: بيان فضل النخيل والأعناب، لأنها ثمر يؤكل بلا تعب، وثمر يقتات رطبًا ويابسًا.
٩ - ومن فوائد الآيات الكريمة: بيان قدرة الله في تفجير الأرض عيونًا، هذه الأرض اليابسة جامدة يخرج منها هذا الرطب السائل وهو الماء، قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ﴾ (١) وهذا من عظيم قدرة الله، وكان موسى ﵊ يضرب الحجر اليابس، إما حجرًا معينًا - كما قيل - يحمله معه، وإما أي حجر كان يضربه فيتفجر اثنتي عشرة عينًا، على قدر قبائل بني إسرائيل، وهذه من تمام قدرة الله .
١٠ - ومنها: بيان احتياج النخيل والأعناب إلى الماء، وأن ثمره يكثر بحسب الماء؛ لأنه قال: ﴿وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ الْعُيُونِ (٣٤) لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ﴾ فدل هذا على أن الماء له أَثر في كثرة الثمار وطيبها، وهذا هو الواقع.
١١ - ومنها: الرد على الجبرية بإثبات العلة والحكمة في
стр. 125
قوله: ﴿لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ﴾ والنصوص الدالة على إثبات حكمة الله كثيرة جدًّا منها ما صرح الله تعالى به مثل قوله: ﴿حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ (٥)﴾ (١) ومنها ما صرع الله به على وجه السلب والنفي ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ (٢٧)﴾ (٢). ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ (٣٨)﴾ (٣). ولا أدل على الصفة من إثباتها ونفي ضدها، فإن إثباتها يدل على الثبوت، ونفي ضدها يدل على كمالها، وأنها غير مشوبة بهذا النقص الذي يحصل بفقدها، أو بفقد كمالها، ولا شك أننا إذا نفينا الحكمة عن فعل الله ، أو عن شرع الله، لزم من ذلك النقص العظيم، وأن يكون الله يفعل الشيء سفهًا وعبثًا تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا.
١٢ - ومن فوائد الآيات الكريمة: بيان ما أنعم الله به على العباد من هذا الثمر الذي يؤكل، أرأيت لو أن هذا الثمر صار مرًّا هل ينتفع به؟ ! ولهذا قال الله في الماء: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ (٦٨) أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ (٦٩) لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا﴾ (٤) فلم تستطيعوا شربه، هذا الثمر جعله الله شهيًّا للنفوس، تأكل منه، وتتغذى به الأبدان، ولهذا قال: ﴿لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ﴾ شاء الله لجعل هذا الثمر فاسدًا، فقد يكون
стр. 126
حلوًا لذيذًا شهيًّا لكن يجعل الله فيه آفة تفسده، وهذا موجود بكثرة، ولكن من نعمة الله أنَّه يبقى ويؤكل من ثمره.
١٣ - ومن فوائدها: أننا لا نملك لأنفسنا أن نوجد هذا الثمر، وأن ذلك مجرد فضل من الله لقوله: ﴿وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ﴾ فإن هذا ليس من صنعنا، فلو اجتمع الناس كلهم على أن يخرجوا رطبة واحدة أو حبة عنب ما استطاعوا إلى ذلك سبيلًا، ومع هذا يخلق الله هذه العناقيد التي لا تحصى كثرة، وهذه الأعذاق التي لا تحصى كثرة، ونحن لم نعمل ذلك بأيدينا، غاية ما هنالك أننا نوجه هذا الثمر حسب ما علمنا الله ، فنأخذ من طلع الفحل ما نجعله في طلع النخلة حتَّى يطيب الثمر، أما أننا خلقناه وأوجدناه فلا. وهذا على جعل (ما) في قوله تعالى: ﴿وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ﴾ نافية.
١٤ - ومن فوائدها: بيان نعمة الله بما علمنا مما نصنعه من هذه الثمار، وعلى وجه يخالف ما خلقت عليه، حتَّى يتكون من هذا طيب على طيب لقوله: ﴿وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ﴾ فإن الله تعالى علمنا كيف نصنع هذه الثمار على وجه نتلذذ بها، وننتفع بها أكثر مما هي عليه في الخلقة، وهذا على جعل (ما) موصولة.
١٥ - ومن فوائد الآيات الكريمة: وجوب شكر نعمة الله ، لأن الله وبخ من لا يشكر، والشكر مع كونه طاعة الله يثاب الإنسان عليه، ويعرف به قدر نعمة الله عليه، فهو سبب للمزيد من هذه النعم لقوله تعالى: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ
стр. 127
لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ (٧)﴾ (١).
فإن قال قائل: نحن نرى كثيرًا من الناس قد أغدق الله عليهم النعم مع كفرهم بها؟ فبماذا نجيب عن هذه الآية؟
الجواب: على هذا أن نقول:
أولًا: إن الله تعالى قد عاقبهم عقوبة عظيمة؛ لأن العقوبة لا تنحصر في فقدان النعمة، بل العقوبة تكون بفقدان النعمة، وتكون بقسوة القلب ومرض القل، وإن كان أكثر الناس يظنون أن العقوبات إنما هي بزوال النعم، والواقع أن عقوبات القلوب بالمرض والقسوة والإعراض عن الله وعن ذكره هذه أكبر عقوبة، ثم هؤلاء المنعمون في أبدانهم لا تظنون أنهم منعمون في قلوبهم أبدًا، ففي قلوبهم من الضيق والحرج، وعدم الصبر على القضاء والقدر ما يجعلهم دائمًا في نار، ولا تجد أطيب حياة من حياة المؤمن وإن كان أفقر الناس ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٧)﴾ (٢) فهؤلاء قد عوقبوا عقوبة أعظم من إتلاف الأموال والثمار وغيرها وهو قسوة القلب ومرضه وإعراضه، فإن هذا يوجب للإنسان ضيق الصدر، والتعب من الحياة؛ لأنه لا يرضى بالله ربًّا، ولا بشرعه دينًا.
ثانيًا: أن نقول هذه النعم عجلت لهم عقوبة لهم واستدراجًا، ولهذا لما جاء عمر ﵁ إلى النبي عليه
стр. 128
الصلاة والسلام وهو على سرير مخيط من الليف فإذا هو قد أثر في جنبه، فبكى وقال له ﵊: "ما يبكيك؟ " قال: يا رسول الله، فارس والروم ينعمون بما نعموا من الدنيا وأنت على هذه الحال؟ فقال: "يا عمر، إن هؤلاء قوم عجلت لهم طيباتهم في حياتهم الدنيا" (١) فهؤلاء يعاقبون بهذه النعمة التي تدر عليهم، لأنه استدراج، ولأنهم إذا ماتوا وصاروا في العذاب صار هذا أشد عليهم، لأنهم فارقوا دنيا تعلقت بها قلوبهم، ونعموا به ثم أعقبها هذا العذاب - والعياذ بالله - فصاروا أشد حسرة. ويذكر عن ابن حجر العسقلاني ﵀ وهو قاضي القضاة في مصر أنَّه مر ذات يوم بيهودي زيات يبيع الزيت، قد تعب من الزيت، وثيابه وسخة، وقاضي القضاة بمصر يمشي على عربة تجره الخيول، والناس حوله يمينًا وشمالًا، فأوقف اليهودي الموكب وقال: يا قاضي القضاة كيف تكون أنت في هذا الحال وأنا في هذا الحال ورسولكم يقول: "الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر" (٢) فقال له ابن حجر ﵀: ما أنا فيه من النعيم في الدنيا هو سجن بالنسبة لنعيم المؤمن في الآخرة، وما أنت فيه من التعب والبلاء هو بالنسبة لعذاب الآخرة جنة، فأنت الآن في جنة؛ لأنك سوف تنتقل إلى عذاب لا تتصوره. فلما قال ذلك قال اليهودي: (أشهد أن لا إله إلَّا الله، وأن محمدًا رسول الله) فأسلم، فهؤلاء المنعمون نعيمهم في الحقيقة شقاء وعذاب، وإن نعمت أجسادهم، لكن
стр. 129
أكثر الناس في غفلة عن هذا، ومع الأسف أن هذا الداء دب إلى المسلمين، فصار أكثر المسلمين اليوم لا ينشدون إلَّا هذا النعيم أعني نعيم الدنيا، وفي غفلة عن نعيم الآخرة، ولهذا تجدهم يتحدثون دائمًا عن الترف واللهو وما أشبه ذلك، كأنهم ما خلقوا إلَّا لهذا، وهذا من أكبر ما يصد الإنسان عن دينه أن يكون قلبه معلقًا بالدنيا، ولا ينظر إلَّا إلى التنعم بها، ونحن لا ننكر أن ينال الإنسان من الدنيا ما يستفيد منه في الآخرة، بل إن الدنيا إذا جعلت وسيلة للآخرة صارت من الآخرة في الحقيقة، لكن ننكر أن تكون الدنيا أكبر هم الإنسان، كأنما خلق لها فقط، وهذا من نقص دينه، ونقص عقله، فكيف تجعل نفسك وحياتك الثمينة كيف تجعلها مهمة غاية الاهتمام بأمر ليس بمضمون، وليس بمخلد؟ ! قال الله تعالى منكرًا على قوم هود على لسان هود ﵊: ﴿وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ (١٢٩)﴾ (١) فأنت لست بخالد، فكيف تجعل هذا الممر الذي أنت تعيش فيه تجعله أكبر همك، مع أنك لا تدري متى تفارقه؟ ! كل من هؤلاء المترفين لا يدري متى يموت، لكنه يدري أنَّه سوف يبقى في الآخرة - إن كان مؤمنًا بها - ومع هذا يعمل للدنيا التي لم يخلق لها، ويدع الآخرة التي خلق لها.
* * *
ثم قال : ﴿سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ﴾ ﴿كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ﴾ قال المؤلف ﵀: [الأصناف ﴿كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ﴾ من الحبوب
стр. 130
وغيرها ﴿وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ من الذكور والإناث ﴿وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ (٣٦)﴾ من المخلوقات العجيبة الغريبة، ﴿سُبْحَانَ﴾ تأتي دائمًا منصوبة على أنَّها مفعول مطلق حذف منها العامل وجوبًا، وأصلها تسبيحًا لله، وتسبيحًا مصدر سبح، فالعامل محذوف وهو (سبح)، والمصدر محول إلى اسم مصدر، وهو التسبيح حول إلى سبحان وهو مأخوذ من سبح، أي: أبعد في الماء، فمعنى التسبيح في سبحان الله تنزيه الله تعالى عما لا يليق به، والذي لا يليق بالله أمران:
أحدهما: النقص في صفاته.
الثاني: مماثلة المخلوقين فيها، على أنَّه يمكن أن نرد الثاني إلى الأول، ونقول: إن مماثلة المخلوقين نقص؛ لأن مماثلة الكامل بالناقص يجعله ناقصًا، قوله: ﴿خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ (٣٦)﴾ هذه الآية كقوله: ﴿وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٤٩)﴾ (١) فكل المخلوقات لا تقوم إلَّا بتركيب مادتين فأكثر، وليس فيها شيء يقوم من شيء واحد أبدًا، فكل شيء سواء مما تنبت الأرض، أو من بني آدم، أو من البهائم، أو مما لا نعلم، وهذه عامة من أعم ما يكون فإنه مكون من شيئين ﴿وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ﴾ تنزيه الله عما لا يليق به، ولهذا جاءت الآية هنا ﴿سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا﴾ فالمخلوق لابد فيه من تعدد، والخالق منزه عن التعدد، وهذه هي الحكمة - والله أعلم - في أنَّه قال: ﴿سُبْحَانَ
стр. 131
الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا﴾ ولم يقل (الحمد لله الذي خلق الأزواج) بل قال: ﴿سُبْحَانَ﴾ لأن كون كل شيء يحتاج إلى ازدواجية يدل على كمال الواحد المتفرد، الذي لا يماثله شيء من مخلوقاته، فبنو آدم لابد من ازدواجية ذكر وأنثى، وحتى المعاني التي فيه والأوصاف فيه تجد أنَّها مزدوجة، فيه غضب ورضى، وكراهة ومحبة، وقوة وضعف، إلى غير ذلك، لكن الخالق واحد منفرد، لا يماثله شيء من مخلوقاته لا في ذاته ولا في صفاته.
الفوائد:
١ - من فوائد الآية الكريمة: تنزيه الله تعالى نفسه عن كل نقص وعيب، لقوله: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا﴾.
٢ - ومن فوائدها: التنبيه على وحدانيته ، ومخالفته للمخلوقات لقوله: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا﴾ فلم يقل: (سبحان الله) بل قال: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ﴾ والجمع بين ما يثبت للعباد وما ينزه الله عنه قد ورد في غير موضع من القرآن، منها قوله تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (٢٦) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (٢٧)﴾ (١) فلما ذكر حال الخلائق ذكر حال الخالق؛ لأنه يبقى مع فناء غيره، كذلك هنا المخلوق كله مزدوج لابد فيه من زوجين ﴿وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ﴾ (٢) أما الرب فإنه واحد، ولهذا قال:
стр. 132
﴿سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا﴾.
٣ - ومن فوائد الآية الكريمة: أنَّه ما من شيء مخلوق إلَّا وفيه زوجان، لقوله: ﴿وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ (٣٦)﴾ وهذا لفظ من أعم ما يكون من الكلمات.
٤ - ومن فوائد الآية أيضًا: أن بني آدم على أصناف متنوعة كما كان ذلك أيضًا فيما تنبته الأرض، بل وفي الأرض نفسها قال الله تعالى: ﴿وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ﴾ (١) فإثبات التجاور لها يقتضي أن كل واحد منها يخالف الآخر، لأن الجار غير جاره وكذلك هنا ﴿مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ﴾ يدل على أن في الأرض أصنافًا منوعة من النباتات، كذلك ﴿وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ فيما خلق الله من بني آدم أصنافًا: ذكر وأنثى، أسود وأبيض، طويل وقصير، شقي وسعيد، ذكي وبليد، عاقل وسفيه، وهكذا ليعتبر الإنسان قدرة الله على خلق هذه الأشياء المتضادة.
٥ - ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الجهل للإنسان وأنه لا يحيط بكل شيء، لقوله: ﴿وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ (٣٦)﴾ وهذا إذا أضفتها إلى قوله: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا (٨٥)﴾ (٢) تبين لك مدى جهل الإنسان في الأمور.
* * *
﴿وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ (٣٧)﴾ نقول: في إعرابها ما قلنا في آية ﴿الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ﴾ فيكون الليل مبتدأ، وآية
стр. 133
خبر مقدم، ونقول في ﴿نَسْلَخُ﴾ كما قلنا في قوله: ﴿أَحْيَيْنَاهَا﴾ أي أنَّه يجوز أن تكون صفة الليل على حد قول الشاعر:
ولقد أمر على اللئيم يسبني ... إلخ.
ويجوز أن تكون الجملة استئنافية لبيان هذه الآية، كيف كان الليل آية قال: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ (٣٧)﴾ "نسلخ" يقول المؤلف [نفصل] وسمى الله هذا الفصل سلخًا؛ لأنه يشبه سلخ الجلد من البهيمة ﴿فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ (٣٧)﴾، لأن النهار أمر وجودي يوجد بوجود الشمس، فهو وارد على الليل، فإذا غابت الشمس تبعها هذا الضوء كالجلد يسلخ من البهيمة، وأنت عندما تسلخ الجلد من البهيمة تجده يتراجع شيئًا فشيئًا، هكذا ضوء النهار بالنسبة لليل يسلخ الله النهار من الليل، كما يسلخ الجلد من البهيمة قال: ﴿فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ (٣٧)﴾ أي داخلون في الظلام ﴿فَإِذَا﴾ فجائية تدل على أنَّه بمجرد هذا الانسلاخ يظلم الجو، وكما نشاهد أن الانسلاخ يأتي شيئًا فشيئًا، لكن إذا تكامل الانسلاخ وجدت الظلمة كاملة، وهذه من حكمة الله ؛ لأنه لو ورد الظلام الدامس على الضوء الساطع لأخذ هذا بالأبصار، وبالأشجار، وبكثير من الأشياء، لكن كونه يأتي شيئًا فشيئًا، يتنزل الأمر من أعلى ما يكون من الإضاءة إلى الظلمة شيئًا فشيئًا.
الفوائد:
١ - من فوائد الآية الكريمة: هذه الآية العظيمة في الليل، حيث يسلخ الله تعالى منه النهار سلخًا، كما يسلخ الجلد من
стр. 134
الشاة، وهذا يدل على أنَّه يأتي شيئًا فشيئًا.
٢ - من فوائد الآية الكريمة أيضًا: أن الأصل هو الظلام لقوله: ﴿نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ﴾، فهذا يدل على أن الأصل هو الظلام، وأن النهار طارئ عليه، ولهذا يسلخ منه وهو كذلك، فإن أصل الضوء من الشمس، والشمس حادثة وواردة على الليل، فيكون الأصل الظلام ويأتي النور بعده.
٣ - ومن فوائد الآية الكريمة: تذكير الخلق بهذه النعمة لقوله: ﴿فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ (٣٧)﴾ وأنه لولا نعمة الله علينا بهذا النهار الذي يسلخ من الليل لكنا دائمًا في ظلمة، وهذا بلا شك متعب للناس وضار بهم، قال تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلَا تَسْمَعُونَ (٧١)﴾ (١).
* * *
﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٣٨)﴾ الواو حرف عطف و (الشمس) أيضًا معطوفة على الليل، يعني: وآية لهم الشمس أيضًا ﴿تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا﴾ ويجوز أن تكون الواو استئنافية، الشمس مبتدأ، لكن المعنى الأول أقوى قال المؤلف: [والشمس تجري إلى آخره من جملة الآية لهم، أو آية أخرى، والقمر كذلك] أي سواء قلنا الجملة استئنافية وأن هذه الآية الأخرى جديدة، أو قلنا إن الواو حرف عطف فإنه لا شك أن الشمس على الوصف الذي ذكر الله تعالى آية من آيات الله. فالشمس آية من آيات الله في ذاتها، فهذا الجرم
стр. 135
الكبير العظيم الذي تصل حرارته إلى الأرض مع بعد المسافة بينها وبين الأرض، لا شك أن هذه من آيات الله، من يستطيع أن يوجد مثل هذه الكتلة النارية الملتهبة المضيئة التي يصل ضوؤها وشعاعها وحرارتها إلى الأرض مع هذه المسافة العظيمة؟ ! الجواب: لا أحد يستطيع، إذًا فهي آية من آيات الله، ثم ما يحصل فيها من المنافع من إنضاج الثمر، وتدفئة الأرض، والنور العظيم، كم طاقة يستفيدها الإنسان بنور هذه الشمس من الكهرباء، طاقة عظيمة سواء كان هذا فيما يحصل من الحرارة في أيام الشتاء التي يستغني بالشمس عند تدفئة المنازل، أو فيما يحصل بالإضاءة فإذا هذا أمر لا يقدر له ثمن، أما إنضاج الثمر، وإيباس الرطب وما أشبه ذلك مما فيه مصلحة الخلق فحدث ولا حرج، فهي آية عظيمة من آيات الله .
وهي آية في مسيرها قال: ﴿تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا﴾ يعني تسير جريًا، والجري هو المشي بشدة، وهكذا الشمس تسير بسرعة عظيمة جدًّا لا يعلم قدرها إلَّا الله ، أو قد يعلم بالوسائل الحديثة مدى سرعتها، لكن تأمل الطائرة تسير في سرعة عظيمة وهي قريبة منا، ومع ذلك نراها تمشي ببطء؛ لبعدها عنا فما بالك بالشمس؟ ! نحن نراها تسير لا شك في هذا، حتَّى إنك نظرت إلى الظل عند انفصاله من الشعاع تجده يتحرك كأنه يرتعد، وهذا يدل على أنَّها تمشي مشيًا عظيمًا، ومع هذا وهي بعيدة جدًّا ونشاهدها تسير هذا السير إذن فسريانها سريع جدًّا، وقد علم تقديره عند الفلكيين الآن وقوله: ﴿لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا﴾ قال المؤلف:
стр. 136
[إليه لا تتجاوزه]، والمستقر موضع القرار، كما قال الله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ (٣٦)﴾ (١) وقال ﴿جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرَارًا﴾ (٢). فالمستقر موضع القرار، وقال تعالى ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا﴾ (٣) فما هذا القرار الذي تجري الشمس إليه؟ هل هو قرار زمني؟ أو قرار مكاني؟ أو هما جميعًا؟
ثبت في الحديث الصحيح عن أبي ذر ﵁ أنَّه كان مع النبي ﷺ في المسجد حين غربت الشمس فقال النبي ﷺ : "أتدري أين تذهب؟ " فقال أَبو ذرٍّ: الله ورسوله أعلم، قال: "فإنها تذهب وتسجد تحت العرش، وتستأذن فذلك مستقرها" (٤)، ثم قرأ: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٣٨)﴾ وهذا الحديث يدل على أن مستقرها مكاني؛ لأنها تسجد تحت العرش، وهذا السجود لا نعلم كيفيته؛ لأن الشمس ليست كالبشر حتَّى يقاس سجودها بسجود البشر، بل هي مخلوق أعظم، ولا ندري كيف تسجد؟ فإذًا لا يرد علينا السؤال: هل هي تسجد وهي سائرة أو تقف؟ وكيف يصح أن نقول: إنها تسجد وتستأذن وهي لا تزال مستمرة في الأفق؟ كل هذه الأسئلة إيرادات نجيب عليها عند ذكر الفوائد.
стр. 137
وقيل: إن المستقر مستقر زمني، وذلك عند تكويرها يوم القيامة، أي: عند منتهى سيرها في يوم القيامة، أي: تجري إلى يوم القيامة الذي هو موضع قرارها الزمني.
وقيل: إن المراد بالمستقر منتهى تنقلها في البروج الشمالية واليمانية، فلها حد تنتهي إليها من الشمال لا تتجاوزه، ولها حد تنتهي إليه من الجنوب لا تتجاوزه، وبناء على هذا يكون المستقر زمانيًّا ومكانيًّا، لأن غاية سيرها في الشمال يكون به ابتداء فصل الصيف، وغاية سيرها في الجنوب ابتداء فصل الشتاء، فهذا مستقر زمني مكاني، فهذه الشمس العظيمة التي لا يعلم قدرها إلَّا الذي خلقها لما فيها من المصالح العظيمة ﴿تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا﴾ كل شيء له غاية، وكل شيء له منتهى إلى الله . قال المؤلف: [﴿ذَلِكَ﴾ أي: جريها ﴿تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ﴾ في ملكه ﴿الْعَلِيمِ (٣٨)﴾ بخلقه] [﴿ذَلِكَ﴾ أي: جريانها لمستقرها ﴿ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٣٨)﴾ وأضاف التقدير هنا إلى هذا الاسم الكريم ﴿الْعَزِيزِ﴾ لأن هذه الشمس العظيمة تحتاج إلى قوة وسلطان قاهر، فلهذا أتى باسم ﴿الْعَزِيزِ﴾؛ لأن العزيز يشمل ثلاثة معانٍ:
أولًا: العزيز في قدره.
ثانيًا: العزيز في قهره.
ثالثًا: العزيز في امتناعه.
أما في قدره فمعناها: أن الله ذو شأن عظيم لا يماثله أحد، وأما في قهره فمعناه أن الله له الغلبة والسلطان المطلق، يقول
стр. 138
الشاعر الجاهلي:
أين المفر والإله الطالب ... والأشرم المغلوب ليس الغالب
وأما في امتناعه فالمعنى: أنَّه ممتنع عن كل نقص وعيب.
أما ﴿الْعَلِيمِ (٣٨)﴾ فمعناه ذو العلم الكامل الشامل، فإن علم الله تعالى علم كامل لم يسبق بجهل ولا يلحقه نسيان، وشامل لكل ضغير وكبير، قال تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٥٩)﴾ (١) وما كتب في كتاب مبين إلَّا بعد أن كان معلومًا عند الله ، إذ المجهول لا يكتب، فهذا يدل على سعة علم الله ، وأنه محيط بكل شيء جملة وتفصيلًا.
فذكر الله هذين الاسمين ﴿الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٣٨)﴾ لمناسبة المقام، لأن الشمس ليست بالشيء الهين الذي يسهل قياده، بل هي شيء عظيم يحتاج إلى عزة وعلم.
الفوائد:
١ - من فوائد الآية الكريمة: أن الشمس تجري أي تسير، وهذا هو الواقع، وظاهر القرآن الكريم أن سيرها ذاتي، وليس المراد أنَّها تجري برأي العين، وأن الذي يدور هو الأرض، والواجب إجراء القرآن الكريم على ظاهره حتَّى يقوم دليل صريح يكون لنا حجة أمام الله إذا خرجنا عن ظاهر القرآن؛ لأن الذي تكلم بالقرآن هو الله الخالق وهو العليم بخلقه، فإذا
стр. 139
قال: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي﴾ وجب أن نقول: إن الشمس تجري، ولا يجوز أن نقول: إننا نحن الذين نجري، ولكن هي التي تجري بتقدير العزيز العليم.
٢ - ومن فوائدها: أن هذه الشمس التي هي دائمًا ودائبة لابد لها من منتهى لقوله: ﴿لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا﴾ ويتفرع على هذا:
٣ - أن جميع الخلائق لها منتهى، فكل ما في الدنيا من خلائق له منتهى، وسوف يزول ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ (٤٨)﴾ (١).
٤ - ومن فوائد الآية الكريمة: أن هذه الشمس مقدرة تقديرًا بالغًا منظمًا لقوله: ﴿ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٣٨)﴾ ويشهد لهذا الواقع، فإن هذه الشمس منذ خلقها الله إلى أن تزول وهي في فلكها لا تتقدم ولا تتأخر عن السنة التي أمرها أن تكون عليها، ولا ترتفع ولا تنخفض، حتَّى قيل: إنها لو تنخفض مقدار شعرة لأحرقت الأرض، ولو ارتفعت مقدار شعرة لجمدت الأرض، ولكن الله جعلها على هذا التقدير البديع المحكم الذي لا يتغير ﴿ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٣٨)﴾.
٥ - ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات اسمين من أسماء الله وهما العزيز العليم، ويؤخذ منهما: إثبات صفتين تتضمنهما وهما العزة والعلم، ويؤخذ منهما أيضًا: إثبات الأثر، أو الحكم وهو أنَّه غالب لكل أحد، وعليم بكل شيء.
* * *
стр. 140
قال الله : ﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ (٣٩)﴾ يقول المؤلف ﵀: [القمر بالرفع، والنصب]، ففيه وجهان في الإعراب: القمرُ بالرفع على أنَّه مبتدأ، وخبره ﴿قَدَّرْنَاهُ﴾. والقمرَ بالنصب على أنَّه مفعول به لفعل محذوف يفسره المذكور، فيكون من باب الاشتغال، وهنا يتساوى الرفع والنصب في الرجحان؛ لأن الجملة التي قبله ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي﴾ جملة اسمية، خبرها فعل، فلهذا جاز في القمر الوجهان، والمعروف أنَّه يترجح الرفع إذا عطف المشغول عنه على جملة اسمية، ويترجح النصب إذا عطف على جملة فعلية. قال المؤلف [وهو منصوب بفعل يفسره ما بعده] يعني يفسره المذكور والتقدير على هذا: (وقدرنا القمر منازل) ولا حاجة أن نقول كما يقول بعض الناس: التقدير وقدرنا القمر قدرناه؛ لأنه لا يجمع بين المفسِّر والمفسَّر، فإذا أردت أن تقدر فقل: التقدير (وقدرنا القمر منازل).
فإذا قلت: لماذا لم يقل (وقدرنا القمر منازل).
قلنا: لأنه إذا أتى بالجملة الاسمية التي خبرها فعل صار كأنه أسند هذا إليه مرتين، أي: أسند الفعل الذي هو التقدير إلى القمر مرتين مرة بذكره اسمًا ظاهرًا، ومرة بذكره اسمًا مضمرًا ﴿قَدَّرْنَاهُ﴾ قال تعالى: ﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ﴾ وتقدير الله للقمر منازل، لأنه بهذا التقدير يمكن أن يأتي على هذا الوجه الذي نشاهده، يتغير كل ليلة عن الأخرى، ولولا هذا التقدير ما تغير، لكنه مقدر منازل ثمانية وعشرين منزلًا، على حسب النجوم
стр. 141
المعروفة عند العرب، فكل ليلة ينزل منزلة، ويبقى ليلة واحدة إن كان تسعًا وعشرين ليلة، أو ليلتان إن كان ثلاثين، وتسمى هاتان الليلتان ليالي الاستسرار - يعني الاختفاء - يختفي فيها القمر، إما في أول الشهر التالي أو في آخر الشهر السابق، ومن أراد التفصيل العلمي فليقرأ ما كتبه أهل العلم في ذلك، ولا سيما في عصرنا هذا، فإنهم اطلعوا على أشياء عجيبة في هذا التقدير، والقمر قدره الله منازل كل يوم منزلة فهو يختلف كل ليلة عن الأخرى، ولهذا يبدو صغيرًا، ثم يكبر، ثم يعود ويصغر، بحسب قربه من الشمس، كلما قرب من الشمس ضعف نوره، لأن نور القمر مستمد من نور الشمس، هو نفسه ليس به إضاءة، جرم مظلم كما قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً﴾ (١) فهو جرم مظلم لا يستفيد نورًا إلَّا بغيره، فإذا قابل الشمس حصل فيه النور، وكلما أبعد عنها كثرت المقابلة؛ لأن السير كروي، فكلما قرب ضعفت المقابلة، فإذا ارتفع زادت المقابلة، ولهذا يمتلئ نورًا فيما إذا كان في المشرق، والشمس في المغرب لتمام المقابلة حينئذ، فيمتلئ نورًا، والجزء المنيِّر من القمر هو الذي يلي الشمس، ولهذا تجده في أيام الشتاء إذا كانت الشمس خلفه تكون فتحة قوسه نحو المشرق، وفي أيام الصيف تكون فتحة قوسه نحو الجنوب، لأن الشمس تكون عنه شمالًا، ويكون عنها جنوبًا فنجد فتحته نحو الجنوب، ولهذا يغلط بعض الناس الذي يظن أن اتجاه فتحة القمر - أي فتحة
стр. 142
قوسه - دائمًا إلى المشرق، أو الجنوب، هذا ليس بصواب، وإذا أردت أن تعرف هذا فتدبره ﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ (٣٩)﴾ أي: عاد القمر بعد تقدير هذه المنازل كالعرجون القديم، والعرجون هو: أصل الشماريخ الذي في طلع النخل، وهو إذا يبس يتقوس ويصفر، فشبه الله القمر في رؤية العين بهذا العرجون القديم، أي: أنَّه يبدو دقيقًا أصفرًا متقوسًا.
الفوائد:
١ - من فوائد الآية الكريمة: أن هذا القمر آية من آيات الله ، حيث هو موضوع في فلكه، ومع ذلك له منازل ينزلها كل ليلة، فليس مطلقًا ولكنه مقدر بمنازل ينزلها كل ليلة، والحكمة من هذه المنازل هي أن يعرف الناس عدد السنين والحساب كما قال الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ﴾ (١) حتَّى إن العالمين بمنازل القمر يعرفون الليلة من الشهر وإن كانوا لم يحسبوا من أول الأمر، بناء على معرفة المنازل، لأن هذه المنازل لا تتغير، وحلول القمر فيها أيضًا لا يتغير، فهي منظمة من عند الله .
٢ - ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات القياس لقوله: ﴿حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ (٣٩)﴾ وكل تشبيه، أو مثل في القرآن الكريم فإنه يدل على القياس، لأن التشبيه، أو المثل إلحاق شيء بشيء لعلة، وهي التي تسمى في البلاغة وجه الشبه.
стр. 143
٣ - ومن فوائد الآية الكريمة: إطلاق القديم على غير الله خلافًا للمتفلسفة، أو الفلاسفة الذين يقولون: إن أخص وصف الله هو القدم. وهذا خطأ، فلو كان هذا أخص وصف الله لم يوصف به سوى الله، والقدم لا يدل على الأزلية، فهذا العرجون وصفه الله بأنه قديم ومع ذلك فإنه ليس أزليًّا، إذ إنه حادث بعد أن لم يكن، وبه يتبين بطلان قول هؤلاء الذين يقولون: إن أخص وصف الله هو القدم. ولو قالوا: أخص وصف هو الأولية، لكنا نوافقهم على ما قالوا؛ لأن الله هو الأول الذي ليس قبله شيء، أما أن نقول: إن القدم أخص وصف الله مع أنَّه يوصف به الحادث فهذا لا يكون، ولا يصح.
٤ - ومن فوائد الآية الكريمة: فيها دليل على قدرة الله من حيث نور القمر، حيث يبتدئ ضعيفًا، ثم يزداد في القوة، ثم يرجع إلى الضعف، فإن هذا من قدرة الله ، إذ لو شاء لجعله ممتلئًا دائمًا، أو ناقصًا دائمًا.
٥ - وفيها أيضًا من الفوائد: الإشارة إلى حال الإنسان، فإن الإنسان إذا تدبر القمر وجد أنَّه مطابق لحال الإنسان، كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً﴾ (١) فحال الإنسان مساوية تمامًا لحال القمر، فالقمر يبدو ضعيفًا، ثم يزداد في القوة حتَّى إذا تكامل في القوة أخذ في النقص، وهكذا الإنسان بالنسبة لحياته.
* * *
стр. 144
﴿لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ (٤٠)﴾ لما ذكر الله أن الشمس تجري لمستقر لها، وأن هذا أمر مقدر من قبل العزيز العليم، وأن الله تعالى قدر القمر منازل ينزلها منزلة منزلة حتَّى يعود بعد امتلائه نورًا فيصير كالعرجون القديم، بين أن هذا النظام لا يمكن أن يتصادم أبدًا؛ لأنه مقدر من عند الله العزيز العليم. منازل لا يتجاوزها ولا يتعداها، قال: ﴿لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ﴾ يقول المؤلف: [يسهل ويصح]، لكن الأولى أن نقول: بمعنى يمكن، أي: لا يمكن للشمس أن تدرك القمر. وقد مر علينا أنَّه إذا جاءت كلمة (لا ينبغي) في القرآن فالمعنى الممتنع غاية الامتناع. كقوله تعالى: ﴿وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا (٩٢)﴾ (١) يعني أن ذلك مستحيل، وقال النبي عليه أفضل الصلاة والسلام: "إن الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام" (٢)، أي أن ذلك مستحيل. ﴿لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي﴾ أصلها: (الشمس لا ينبغي لها)، ولكن قدم النفي ليكون المنفي الجملة الاسمية كلها، فقال: ﴿لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ﴾ يعني: لا يمكن أن تدرك القمر فتجتمع معه في الليل، فإذا غابت لا يمكن أن تخرج في زمن الليل فإذا قدرنا أنَّها تغيب في الساعة الثانية عشرة، وتخرج الساعة الثانية عشرة، فبين غروبها وطلوعها اثنتا عشرة ساعة، لا يمكن أن تطلع في الساعة
стр. 145
الثامنة، فيكون بين غروبها وطلوعها ثمان ساعات، لأن هذا خلاف التقدير الذي قدره الله لها، والذي جعلها تسير عليه لتمام قدرة الله تعالى، ونظام هذا الكون، وأنه لا يمكن أن يختلف أو يضطرب، لكن إذا جاء يوم القيامة فإنه يُجمع الشمس والقمر ويختل نظام الفلك، بل كل النظام يختلف ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ (٤٨)﴾ (١).
﴿وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ﴾ أي: الليل لا يسبق النهار، بل لا يأتي إلَّا بعده، وهنا قال: ﴿وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ﴾ كان اليل هو الذي يمكن أن يسبق النهار، فنفى الله أن يسبق الليل النهار، قيل: المراد أن الليل لا يأتي قبل انتهاء النهار، فيكون الله ذكر الشروق في قوله: ﴿لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ﴾ يعني لا يمكن للشمس أن تطلع في الليل ﴿وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ﴾ أي لا يمكن لليل أن يأتي في زمن النهار، فإذا قدرنا أن الشمس تغرب الساعة الثانية عشرة، فلا يمكن أن تغرب الساعة التاسعة مثلًا؛ لأنها لو غربت الساعة التاسعة لسبق الليل النهار ولو في بعض أجزائه.
وقيل: المعنى ﴿وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ﴾ أي: لا الليل يحل محل النهار فيتوالى ليلتان سواءً.
والمعنى صحيح على كلا القولين، فلا يمكن لليل أن يأتي وقد بقي شيء من النهار، ولا يمكن أن يأتي الليل كله في مكان النهار؛ لأن هذا ينافي تقدير الله الذي سمى نفسه بأنه