المعروفة عند العرب، فكل ليلة ينزل منزلة، ويبقى ليلة واحدة إن كان تسعًا وعشرين ليلة، أو ليلتان إن كان ثلاثين، وتسمى هاتان الليلتان ليالي الاستسرار - يعني الاختفاء - يختفي فيها القمر، إما في أول الشهر التالي أو في آخر الشهر السابق، ومن أراد التفصيل العلمي فليقرأ ما كتبه أهل العلم في ذلك، ولا سيما في عصرنا هذا، فإنهم اطلعوا على أشياء عجيبة في هذا التقدير، والقمر قدره الله منازل كل يوم منزلة فهو يختلف كل ليلة عن الأخرى، ولهذا يبدو صغيرًا، ثم يكبر، ثم يعود ويصغر، بحسب قربه من الشمس، كلما قرب من الشمس ضعف نوره، لأن نور القمر مستمد من نور الشمس، هو نفسه ليس به إضاءة، جرم مظلم كما قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً﴾ (١) فهو جرم مظلم لا يستفيد نورًا إلَّا بغيره، فإذا قابل الشمس حصل فيه النور، وكلما أبعد عنها كثرت المقابلة؛ لأن السير كروي، فكلما قرب ضعفت المقابلة، فإذا ارتفع زادت المقابلة، ولهذا يمتلئ نورًا فيما إذا كان في المشرق، والشمس في المغرب لتمام المقابلة حينئذ، فيمتلئ نورًا، والجزء المنيِّر من القمر هو الذي يلي الشمس، ولهذا تجده في أيام الشتاء إذا كانت الشمس خلفه تكون فتحة قوسه نحو المشرق، وفي أيام الصيف تكون فتحة قوسه نحو الجنوب، لأن الشمس تكون عنه شمالًا، ويكون عنها جنوبًا فنجد فتحته نحو الجنوب، ولهذا يغلط بعض الناس الذي يظن أن اتجاه فتحة القمر - أي فتحة
стр. 142
قوسه - دائمًا إلى المشرق، أو الجنوب، هذا ليس بصواب، وإذا أردت أن تعرف هذا فتدبره ﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ (٣٩)﴾ أي: عاد القمر بعد تقدير هذه المنازل كالعرجون القديم، والعرجون هو: أصل الشماريخ الذي في طلع النخل، وهو إذا يبس يتقوس ويصفر، فشبه الله القمر في رؤية العين بهذا العرجون القديم، أي: أنَّه يبدو دقيقًا أصفرًا متقوسًا.
الفوائد:
١ - من فوائد الآية الكريمة: أن هذا القمر آية من آيات الله ، حيث هو موضوع في فلكه، ومع ذلك له منازل ينزلها كل ليلة، فليس مطلقًا ولكنه مقدر بمنازل ينزلها كل ليلة، والحكمة من هذه المنازل هي أن يعرف الناس عدد السنين والحساب كما قال الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ﴾ (١) حتَّى إن العالمين بمنازل القمر يعرفون الليلة من الشهر وإن كانوا لم يحسبوا من أول الأمر، بناء على معرفة المنازل، لأن هذه المنازل لا تتغير، وحلول القمر فيها أيضًا لا يتغير، فهي منظمة من عند الله .
٢ - ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات القياس لقوله: ﴿حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ (٣٩)﴾ وكل تشبيه، أو مثل في القرآن الكريم فإنه يدل على القياس، لأن التشبيه، أو المثل إلحاق شيء بشيء لعلة، وهي التي تسمى في البلاغة وجه الشبه.
стр. 143
٣ - ومن فوائد الآية الكريمة: إطلاق القديم على غير الله خلافًا للمتفلسفة، أو الفلاسفة الذين يقولون: إن أخص وصف الله هو القدم. وهذا خطأ، فلو كان هذا أخص وصف الله لم يوصف به سوى الله، والقدم لا يدل على الأزلية، فهذا العرجون وصفه الله بأنه قديم ومع ذلك فإنه ليس أزليًّا، إذ إنه حادث بعد أن لم يكن، وبه يتبين بطلان قول هؤلاء الذين يقولون: إن أخص وصف الله هو القدم. ولو قالوا: أخص وصف هو الأولية، لكنا نوافقهم على ما قالوا؛ لأن الله هو الأول الذي ليس قبله شيء، أما أن نقول: إن القدم أخص وصف الله مع أنَّه يوصف به الحادث فهذا لا يكون، ولا يصح.
٤ - ومن فوائد الآية الكريمة: فيها دليل على قدرة الله من حيث نور القمر، حيث يبتدئ ضعيفًا، ثم يزداد في القوة، ثم يرجع إلى الضعف، فإن هذا من قدرة الله ، إذ لو شاء لجعله ممتلئًا دائمًا، أو ناقصًا دائمًا.
٥ - وفيها أيضًا من الفوائد: الإشارة إلى حال الإنسان، فإن الإنسان إذا تدبر القمر وجد أنَّه مطابق لحال الإنسان، كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً﴾ (١) فحال الإنسان مساوية تمامًا لحال القمر، فالقمر يبدو ضعيفًا، ثم يزداد في القوة حتَّى إذا تكامل في القوة أخذ في النقص، وهكذا الإنسان بالنسبة لحياته.
* * *
стр. 144
﴿لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ (٤٠)﴾ لما ذكر الله أن الشمس تجري لمستقر لها، وأن هذا أمر مقدر من قبل العزيز العليم، وأن الله تعالى قدر القمر منازل ينزلها منزلة منزلة حتَّى يعود بعد امتلائه نورًا فيصير كالعرجون القديم، بين أن هذا النظام لا يمكن أن يتصادم أبدًا؛ لأنه مقدر من عند الله العزيز العليم. منازل لا يتجاوزها ولا يتعداها، قال: ﴿لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ﴾ يقول المؤلف: [يسهل ويصح]، لكن الأولى أن نقول: بمعنى يمكن، أي: لا يمكن للشمس أن تدرك القمر. وقد مر علينا أنَّه إذا جاءت كلمة (لا ينبغي) في القرآن فالمعنى الممتنع غاية الامتناع. كقوله تعالى: ﴿وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا (٩٢)﴾ (١) يعني أن ذلك مستحيل، وقال النبي عليه أفضل الصلاة والسلام: "إن الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام" (٢)، أي أن ذلك مستحيل. ﴿لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي﴾ أصلها: (الشمس لا ينبغي لها)، ولكن قدم النفي ليكون المنفي الجملة الاسمية كلها، فقال: ﴿لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ﴾ يعني: لا يمكن أن تدرك القمر فتجتمع معه في الليل، فإذا غابت لا يمكن أن تخرج في زمن الليل فإذا قدرنا أنَّها تغيب في الساعة الثانية عشرة، وتخرج الساعة الثانية عشرة، فبين غروبها وطلوعها اثنتا عشرة ساعة، لا يمكن أن تطلع في الساعة
стр. 145
الثامنة، فيكون بين غروبها وطلوعها ثمان ساعات، لأن هذا خلاف التقدير الذي قدره الله لها، والذي جعلها تسير عليه لتمام قدرة الله تعالى، ونظام هذا الكون، وأنه لا يمكن أن يختلف أو يضطرب، لكن إذا جاء يوم القيامة فإنه يُجمع الشمس والقمر ويختل نظام الفلك، بل كل النظام يختلف ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ (٤٨)﴾ (١).
﴿وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ﴾ أي: الليل لا يسبق النهار، بل لا يأتي إلَّا بعده، وهنا قال: ﴿وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ﴾ كان اليل هو الذي يمكن أن يسبق النهار، فنفى الله أن يسبق الليل النهار، قيل: المراد أن الليل لا يأتي قبل انتهاء النهار، فيكون الله ذكر الشروق في قوله: ﴿لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ﴾ يعني لا يمكن للشمس أن تطلع في الليل ﴿وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ﴾ أي لا يمكن لليل أن يأتي في زمن النهار، فإذا قدرنا أن الشمس تغرب الساعة الثانية عشرة، فلا يمكن أن تغرب الساعة التاسعة مثلًا؛ لأنها لو غربت الساعة التاسعة لسبق الليل النهار ولو في بعض أجزائه.
وقيل: المعنى ﴿وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ﴾ أي: لا الليل يحل محل النهار فيتوالى ليلتان سواءً.
والمعنى صحيح على كلا القولين، فلا يمكن لليل أن يأتي وقد بقي شيء من النهار، ولا يمكن أن يأتي الليل كله في مكان النهار؛ لأن هذا ينافي تقدير الله الذي سمى نفسه بأنه
стр. 146
العزيز العليم. قال: ﴿وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ (٤٠)﴾ (كل) قال المؤلف: [تنويه عوض عن المضاف إليه من الشمس والقمر والنجوم، ﴿فِي فَلَكٍ﴾ مستدير ﴿يَسْبَحُونَ (٤٠)﴾ يسيرون، نزلوا منزلة العقلاء، ذكر المؤلف النجوم، والنجوم في الآية غير مذكورة، فالصواب من الشمس والقمر، والمعنى: كل من الشمس والقمر، والليل والنهار يسبح في فلكه، والفلك هو الشيء المستدير، ومنه (فلكة المغزل) للشيء المستدير في أعلاه، والذي تغزل به النساء الصوف، له شيء شبه الطار في أعلاه مستدير هذا فلكة المغزل. فالفلك المستدير تدور فيه الشمس والقمر، والليل والنهار، وقوله: ﴿يَسْبَحُونَ (٤٠)﴾ قال المؤلف: [يسيرون] ولكن المعنى أدق مما قال المؤلف ﵀ لأن السبح هو العوم في الماء، فكأن هذه عائمة في الفلك الواسع، تدور وليست تسير على أرض مسطحة، أو على ماء، بل هي تعوم في هذا الأفق. وقول المؤلف: [يسيرون نزلوا منزلة العقلاء] أى: الشمس والقمر والليل والنهار نزلوا (منزلة العقلاء) وذلك بأن أتي بالواو التي هي للعقلاء، فالواو ضمير جمع لا تأتي إلَّا للعقلاء، وغير العقلاء إذا أردنا أن نضيف إليهم شيئًا على سبيل الجمع نأتي بنون النسوة، والعقلاء نأتي بالواو، أو الميم، فنقول مثلًا: الإبل ركبهن أربابهن، ولا تقول: الإبل ركبهم أربابهم. لأن الميم للعاقل، وتقول: الإبل شربن ولا تقول شربوا، لأن الواو للعاقل، وهنا ﴿يَسْبَحُونَ (٤٠)﴾ أتى بالواو التي للعاقل يقول المؤلف: (إنها نزلت منزلة العقلاء) بإضافة السبح
стр. 147
والجريان إليها، والجريان والسبح إنما يكون من ذي الإرادة والعقل.
الفوائد:
١ - من فوائد الآية الكريمة: في الآية دليل على أن سنة الله لا تتغير هذا هو الأصل كما قال تعالى: ﴿وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾ (١) ﴿وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا (٤٣)﴾ (٢) فسنة الله لا تتغير في الكون، ولكن هل هي سنة لازمة بحيث يمتنع على الله أن يغيرها؛ الجواب: لا، ولكن الله تعالى أخبرنا بأن هذه السنة لا تتغير، لكنها تتغير بتغيره ولهذا حبست الشمس ليوشع بن نون كلما جاء في الأحاديث الصحيحة (٣)، ولهذا أيضًا إذا كان قرب الساعة فإنها تخرج من مغربها، ولهذا انشق القمر في عهد النبي ﷺ وصار فرقتين (٤)، فهذه السنن الكونية لا تتبدل ولا تتغير، ولكن الله قادر على أن يبدلها، أو يغيرها ويكون هذ السبب.
٢ - ومن فوائد الآية الكريمة: أن الشمس لا يمكن أن تخرج ليلًا بحسب السنة الإلهية، أما بحسب قدرة الله تعالى فإنه يمكن أن تخرج ليلًا؛ لأن الله يقول: (كن) فيكون.
٣ - ومن فوائد الآية الكريمة: أن الليل لا يسبق النهار فلا
стр. 148
يدخل عليه، ولا يتقدمه بحيث تتوالى ليلتان جميعًا ﴿وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ﴾ هذا ما يظهر لنا من الآية الكريمة، وقد يكون لها معنى غير ما نفهمه من ظاهرها، ولهذا ربما يكون الذين يدرسون في علم الفلك يتبين لهم من هذا التعبير أكثر مما تبين لنا.
٤ - ومن فوائد الآية الكريمة: أن الشمس والقمر والليل والنهار في فلك، يعني في شيء مستدير كفلكة المغزل، وأنها تدور لقوله: ﴿وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ (٤٠)﴾
٥ - ومن فوائدها: ضعف قول من يقول: (إن الشمس في السماء الرابعة، والقمر في السماء الدنيا)، فيجعلون الكواكب والشمس والقمر، كواكب معينة في كل سماء كوكب على هذا الترتيب من الأعلى للأدنى: زحل، المشتري، المريخ، الشمس، الزهرة، عطارد، القمر، هذه سبعة يقولون كل واحد في سماء (زحل) هو أعلاها في السماء السابعة - على كلام السابقين من علماء الفلك - (المشتري) في السماء السادسة، (المريخ) في السماء الخامسة. (الشمس) في السماء الرابعة، (الزهرة) في السماء الثالثة. (عطارد) في السماء الثانية. (القمر) في السماء الدنيا كما قيل:
زحل شرى مريخه من شمسه ... فتزاهرت بعطارد الأقمار
فهذا البيت فيه ترتيب هذه الكواكب، وهذا الترتيب لا نعلمه من كتاب الله، ولا من سنة رسول الله ﵊، ونحن نعرف إن هذه الكواكب بعضها فوق بعض بالكسوف، فإذا كان القمر يكسف الشمس عرفنا أنَّه تحتها، كما نعرف أن الغيم
стр. 149
تحت الشمس؛ لأنه يحجبها، فإذا كسف القمر شيئًا من النجوم عرفنا أن القمر تحتها، ولهذا القمر يكسف كل النجوم، والشمس، ولا شيء يكسفه منهما إلَّا الأرض، لأن الأرض تحته فتحجب نور الشمس عنه، فحينئذ ينكسف القمر، وقد شاهدت أنا وغيري أن القمر يكسف بعض النجوم تجري يسير حولها، ثم يغطيها، وهذا يدل على أن القمر نازل عن علو هذه الكواكب.
٦ - ومن فوائد الآية الكريمة: الرد على قول من يقول: (إن الشمس ثابتة وأنها لا تدور)، والعجب أنهم يقولون: إنها ثابتة، وأن القمر يدور على الأرض. وهذا غلط، لأن الله جعل الحكم واحدًا، قال: ﴿وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ (٤٠)﴾ فإذا فسرنا السبح بالدوران، وأثبتنا ذلك للقمر فلنثبته أيضًا للشمس.
* * *
﴿وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (٤١)﴾ قال المؤلف ﵀: [﴿وَآيَةٌ لَهُمْ﴾ على قدرتنا ﴿أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ وفي قراءة ﴿ذرياتهم﴾ أي آباءهم الأصول في ﴿الْفُلْكِ﴾ أي سفينة نوح ﵇ ﴿الْمَشْحُونِ (٤١)﴾ المملوء].
قوله تعالى: ﴿وَآيَةٌ لَهُمْ﴾ أي: للناس جميعًا، يقول المؤلف: آية على قدرتنا، ونحن نسلم بذلك، لكن فيه أيضًا آية على شيء آخر، وهو رحمة الله بالخلق ونعمته علينا، فالآية لنا دالة على قدرة الله ورحمته وفضله علينا بهذا الفلك، الذي سخره الله يجري في البحر يحمل الأرزاق من جهة إلى جهة، ويحمل الناس، ويحمل المواشي، ويحمل كل ما فيه
стр. 150
مصلحتنا، فهو من الآيات الدالة على قدرة الله ، وعلى رحمته، وقوله: ﴿أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ [يس: ٤١] هذه الجملة في تأويل مصدر هي المبتدأ يعني (وآية لهم حملنا ذريتهم) قال المؤلف: ﴿ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ [أي: آباءهم الأصول]، فجعل المراد بالذرية هنا الأصول، يعني الآباء، مع أن المعروف في اللغة العربية، أن الذرية هم الفروع وليسوا الآباء، كما قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ﴾ (١) والمؤلف ﵀ ومن ذهب مذهبه في تفسير الآية يقول: إن الذرية لفظ مشترك بين الأصول والفروع؛ لأنها مأخوذة من ذرا، والذر كائن للأصول والفروع، ثم يقولون أيضًا: إن سياق الآية يدل على ذلك ﴿وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ لأن ذريتهم الصغار الموجودون معهم إذا حملوا هم، فسيحملون معهم في الفلك، وإن كان المراد بالذرية من يأتي فيما بعد، فكيف يكون ذلك آية وهي غير مشهودة لهم؟ إذن يتعين أن يكون المراد بالذرية الأصول، لأن الصغار المشهودون حملهم حمل لآبائهم؛ لأن الغالب أنهم لا يحملون إلا مع آبائهم، والصغار غير المشهودين، الذين يأتون فيما بعد، لا يكونون آية لمن لم يشاهدها، فتعين أن يكون المراد بالذرية الآباء.
وهذا الذي ذهب إليه المؤلف -رحمه الله تعالى- يوافق ظاهر الآية، لكنه يخالف ما كان معهودًا في اللغة العربية من أن الذرية هم الفروع، ولهذا ذهب بعض العلماء إلى أن المراد
стр. 151
بالضمير هنا الجنس لا العين، والمعنى ﴿ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ أي: ذرية جنسهم، كنوح ﵊، من جنسنا آدمي بشر، فحمل الله ذريته في الفلك المشحون، قالوا: وهذا لا يمتنع في اللغة العربية، قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ (١٢) ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (١٣)﴾ (١) ﴿جَعَلْنَاهُ﴾ أي: جنس الإنسان وليس عينه؛ لأن الذي جعل نطفة ليس آدم الذي خلق من سلالة من طين، ولا يمكن أن يكون نطفة في قرار مكين، بل غيره بلا شك، فالضمير عاد إلى آدم باعتبار الجنس، فليعد الضمير في قوله: ﴿ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ إلى الموجودين باعتبار الجنس، فمن هو الجنس؟ قالوا: هو نوح؛ لأنه بشر وآدمي، وذريته هي المحمولة، فيكون المعنى: أن خلقنا ذريتهم، أي: ذرية جنسهم، وهو نوح ﵊ حملت ذريته في الفلك المشحون، وخلق لهم من مثله ما يركبون، وهذا قريب جدًّا ولا يخالف ظاهر الآية، ويشير إلى أن هذه السفينة جعلت آية لمن بعد نوح ﵊ يعتبرون بها ويصنعون مثلها قوله تعالى في سورة القمر: ﴿وَلَقَدْ تَرَكْنَاهَا آيَةً فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (١٥)﴾ (٢). فالمراد بالذرية هنا ذرية نوح ﵊، وأضيفت إلى هؤلاء باعتبار الجنس يعني (حملنا الذرية من جنسهم في الفلك المشحون).
وهذا القول هو الذي تطمئن إليه النفس ولا يأباه السياق.
﴿فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (٤١)﴾ أي: سفينة نوح فـ (ال) هنا للعهد
стр. 152
الذهني؛ لأنه لم يسبق لها ذكر، وليست للاستغراق؛ لأن المراد بها الفلك واحد، فتكون (ال) هنا للعهد الذهني، يعني: في الفلك المعهود في أذهانكم، وهو الذي قال الله تعالى لنوح: ﴿وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ (١) والفلك يطلق على الجمع، ويطلق على المفرد، فمن إطلاقه على المفرد هذه الآية، وعلى الجمع مثل قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ﴾ (٢) أي: الفلك، وهذا الضمير ضمير جمع، ولا يعود للمفرد، ولهذا قال بعض الفقهاء ﵏ (إن الأحدب الذي حدبته كالركوع ينوي الركوع، وهذا كفلك في العربية) لا يدري هل هو جمع، أو مفرد إلا بالنية، فالأحدب المقوس الظهر يركع بالنية ينوي الركوع، لأنه ما زال راكعًا أحدب، ﴿الْمَشْحُونِ﴾ أي: المملوء بأناس من البشر الذي آمنوا مع نوح وما آمن معه إلا قليل، مملوء ببقية الحيوانات؛ لأن الله قال فيه: ﴿قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ (٣).
الفوائد:
في الآية الكريمة من الفوائد:
١ - بيان ما في إنقاذ البشرية من الغرق في زمن نوح ﵊، فإنه لولا أن الله أبقى هؤلاء لزالت البشرية من الأرض، لكن الله تعالى أبقى نوحًا ﵊ ومن
стр. 153
معه، ومع هذا لم يبق من نسل الذين معه أحد، وإنما الذين بقوا هم نسل نوح ﵊ فقط، كما قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ (٧٧)﴾ (١) أما غيرهم فلم يبق منهم أحد، ولهذا يسمى نوحًا أبا البشر الثاني.
٢ - من فوائد الآية الكريمة: بيان نعمة الله بما أنعم على هؤلاء بتعليم السفن التي يركبونها في البحر، لولا هذه السفن ما استطاع أحد أن يعبر من يابسة إلى أخرى بينهما ماء، ولكن الله تعالى أعلمهم بصناعة هذه حتى وصلوا إلى ما وصلوا إليه.
٣ - ومن فوائد الآية الكريمة: أن السفينة التي كان فيها نوح ﵊ كانت مملوءة من البشر وغيرهم لقوله: ﴿الْمَشْحُونِ (٤١)﴾.
* * *
وقوله: ﴿وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ (٤٢)﴾ قال المؤلف ﵀: [أي: مثل فلك نوح، وهو ما عملوه على شكله من السفن الصغار والكبار بتعليم الله تعالى ﴿يَرْكَبُونَ (٤٢)﴾ فيه] يذكرهم الله :
أولًا: بحمل آبائهم السابقين الذين هم ذرية نوح ﵊.
وثانيًا: بأن الله تعالى خلق لهم من مثل هذه الفلك ما يركبون، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ تَرَكْنَاهَا آيَةً فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (١٥)﴾ (٢)
стр. 154
فالناس تعلموا كيف يصنعون السفن، وصاروا يصنعون مثل هذه السفن، ولعل قوله تعالى في سورة القمر: ﴿وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ (١٣)﴾ (١) فيها الإشارة إلى مواد هذه السفينة، أو الفلك لأجل أن يتعلم الناس، لأنه لم يقل (حملناه على فلك) بل قال: ﴿عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ﴾ كأنه يقول: إن هذه الفلك مصنوعة من الألواح والمسامير، حتى يتعلم الناس مواد هذه الفلك. ﴿وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ (٤٢)﴾ ﴿مِنْ مِثْلِهِ﴾ المراد بمثله هنا الجنس، وليس المراد المماثلة من كل وجه، وذلك لأن المماثلة من كل وجه قد تكون متعذرة، لكن يكفي الجنس، أما النوع فيختلف باختلاف الأعصار، فلكل عصر نوع سفنه، وما زالت ترتقي السفن في البحار إلى أن وصلت إلى ما وصلت إليه في عهدنا الحاضر، قال المؤلف -رحمه الله تعالى-: [بتعليم الله تعالى] إشارة إلى سؤال مقدر كأنه قال: كيف قال الله ﴿وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ﴾؟ وهذه السفن مصنوعة بأيدي البشر وليست بخلق الله كخلق البعير التي نركب والفرس وما شابهها؟ فأجاب المؤلف: بأن الله تعالى أضاف خلقها إليه لأنها كانت بتعليمه .
الفوائد:
١ - من فوائد الآية الكريمة: أن المماثلة قد لا تقتضي المساواة من كل وجه، لقوله: ﴿مِنْ مِثْلِهِ﴾ وليست السفن الموجودة والتي كانت في عهد نزول القرآن ليست كمثل سفينة نوح من كل وجه، ويدل على أن المماثلة قد لا تقتضي المساواة
стр. 155
من كل وجه قوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ (١) فإن المراد هنا المماثلة في العدد فقط، وإلا فإن بين السماء والأرض من الفروق العظيمة ما هو ظاهر.
٢ - ومن فوائد الآية الكريمة: الإشارة إلى الراحة الحاصلة بهذه السفن، وأنها محل ركوب واستقرار لقوله: ﴿مَا يَرْكَبُونَ (٤٢)﴾.
٣ - وفيها أيضًا: بيان نعمة الله باستقرار الراكبين على هذه السفن.
* * *
﴿وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ فَلَا صَرِيخَ لَهُمْ وَلَا هُمْ يُنْقَذُونَ (٤٣) إِلَّا رَحْمَةً مِنَّا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ (٤٤)﴾ في الآية جملة شرطية فعل الشرط فيها ﴿نَشَأْ﴾ وجوابه ﴿نُغْرِقْهُمْ﴾ وفيها أيضًا استثناء مفرغ من أعم الأحوال وهو قوله: ﴿إِلَّا رَحْمَةً مِنَّا﴾ وهي مفعول من أجله أي: إلا لأجل الرحمة التي من الله ، يقول الله : ﴿وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ﴾ يعني إذا ركبوا السفن، والأمر كذلك قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ الْجَوَارِ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ (٣٢) إِنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَى ظَهْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (٣٣) أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِمَا كَسَبُوا وَيَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ (٣٤)﴾ (٢).
فحذر الله من أمرين في هذه السفن: إما إسكان الريح فتبقى راكدة على ظهرها، وإما أن يغرقها وهنا يقول: ﴿وَإِنْ نَشَأْ
стр. 156
نُغْرِقْهُمْ﴾ وهم في سفنهم ﴿فَلَا صَرِيخَ لَهُمْ﴾ الصريخ بمعنى المغيث، وسمي المغيث صريخًا؛ لأن عادة الإنسان إذا هاجمه أحد صرخ يستغيث، ومنه حديث غزوة بدر أن أبا سفيان بعث صارخًا إلى أهل مكة يستغيثهم ﴿وَلَا هُمْ يُنْقَذُونَ (٤٣)﴾ أي: لا أحد يغيثهم، ولا أحد ينقذهم إذا أراد الله أن يغرقهم ﴿إِلَّا رَحْمَةً مِنَّا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ (٤٤)﴾ أي لا ينجيهم أحد إلا رحمة الله ، والاستثناء هنا قيل: إنه منقطع؛ لأن قوله: ﴿وَلَا هُمْ يُنْقَذُونَ (٤٣) إِلَّا رَحْمَةً مِنَّا﴾ بمعنى: لكن رحمة منا ينجون وينقذون، وقوله: ﴿وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ (٤٤)﴾ أي أنهم يمتعون إلى حين أجلهم؛ لأن الله تعالى جعل لكل شيء قدرًا، أي لا ينجيهم إلا رحمتنا لهم، وتمتيعنا إياهم بلذاتهم إلى انقضاءآجالهم.
الفوائد:
في الآيتين الكريمتين فوائد:
١ - منها: إثبات مشيئة الله لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ﴾.
٢ - ومنها: أن الله إذا أراد بقوم سوءًا فلا مرد له، لقوله: ﴿فَلَا صَرِيخَ لَهُمْ وَلَا هُمْ يُنْقَذُونَ (٤٣)﴾.
٣ - ومنها: بيان نعمة الله بإنجائهم من الغرق، وأن نجاتهم من الغرق ليست بكسبهم وعملهم، ولكنها من رحمة الله .
٤ - ومنها: إثبات رحمة الله لقوله: ﴿إِلَّا رَحْمَةً مِنَّا﴾.
стр. 157
٥ - ومنها: أن الله تعالى قد ينقذ الإنسان من الهلاك إلى أن يأتي أجله، لقوله تعالى: ﴿وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ (٤٤)﴾.
٦ - ومنها: أن الخلود في هذه الدنيا متعذر، ومستحيل لقوله تعالى: ﴿إِلَى حِينٍ (٤٤)﴾ وما كان له غاية فلابد أن ينقضي.
٧ - ومنها: أنه يجب على الإنسان أن ينظر إلى نعم الله تعالى بالإنقاذ من الشدائد، أو بحصول المحبوب أن ينظر إلى النعم على أنها فضل من الله وليست بكسبه، ولكنها من الله لقوله: ﴿وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ فَلَا صَرِيخَ لَهُمْ﴾.
* * *
ثم قال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَمَا خَلْفَكُمْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٤٥)﴾ قال المؤلف: [من عذاب هم الدنيا كغيرهم ﴿وَمَا خَلْفَكُمْ﴾ من عذاب الآخرة ﴿لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٤٥)﴾ أعرضوا]، قوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ﴾ هذه الجملة شرطية، فعل الشرط فيها ﴿قِيلَ﴾ وجوابه محذوف، قدره المؤلف بقوله: (أعرضوا) وهذا التقدير لا شك أنه التماس من المؤلف ﵀ وإلا فقد يكون الأمر أوسع مما قال المؤلف، وحذف مثل هذا فيه من البلاغة أن الذهن يقدر كل ما يمكن أن يقدره مما يترتب على هذا القول، هذا من جهة، ومن جهة أخرى أن الناس إذا قيل لهم: ﴿اتَّقُوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَمَا خَلْفَكُمْ﴾ تختلف إجاباتهم منهم من يعرض ويسكت، ومنهم من يستكبر ويسب، ومنهم من يقاتل: إلى غير ذلك من الأمور التي لا تخفى، فكان في حذف هذا من البلاغة ما هو ظاهر ليذهب الذهن كل مذهب في تقدير هذا المحذوف،
стр. 158
وقوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ﴾ القائل هنا مبهم، لأن الفعل مبني للمجهول، ليشمل أي واحد يقول، سواء كان من قول الله في كتابه، أو كان من قول الرسول ﷺ في سنته، أو كان من قول الدعاة بعد ذلك ﴿لَهُمُ اتَّقُوا﴾ أي: الكفار. ﴿مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ﴾ قال المؤلف: [من عذاب همّ الدنيا] ولكن الهم ليس هو العذاب فقط، فإن الله قد يعذب الكافر في الدنيا كما عذب الأمم السابقة، وكما عذب هذه الأمة أيضًا لكن عذاب هذه الأمة يكون بابتلاء بعضهم ببعض ﴿ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ﴾ (١) ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ (١٦)﴾ (٢) كانت هذه في غزوة بدر حين قتل صناديد قريش، فسماها الله البطشة الكبرى، أما الأمم السابقة فعقوباتهم معروفة، فهنا ﴿اتَّقُوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ﴾ من عذاب الدنيا العذاب المتنوع، سواء كان بأيدي المؤمنين، أو كان من فعل الله ، كالقحط والزلازل والغرق وغير ذلك ﴿وَمَا خَلْفَكُمْ﴾ من أمر الآخرة، وعذاب الآخرة أشق، وأشد، وأبقى.
قد يقول قائل: لو كان الأمر في التفسير بالعكس لكان أقرب إلى الصواب، ﴿مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ﴾ أي: من عذاب الآخرة؛ لأنه مستقبل ﴿وَمَا خَلْفَكُمْ﴾ أي: من عذاب الدنيا؛ لأن الدنيا هي التي يخلفها الإنسان وراءه.
ولكن يجاب عن هذا: بأن الذي بين أيديهم حقيقة هي
стр. 159
الدنيا، وأما خلفهم فإن الخلف هو الوراء قد يطلق بمعنى الأمام، ومنه قوله تعالى: ﴿وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا (٧٩)﴾ (١) قال العلماء: معناه: أمامهم. وكقوله تعالى: ﴿وَمِنْ وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ (١٧)﴾ (٢) أي: من أمامه.
وقيل: المراد بـ ﴿مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ﴾ المعاصي التي في مستقبلهم ويخشى أن يفعلوها ﴿وَمَا خَلْفَكُمْ﴾ المعاصي الماضية فيجعلون المراد بما بين أيديهم وما خلفهم من الأعمال لا من عذاب الله، وقد سبق أن قلنا: إن الآية إذا كانت تحتمل المعاني المقولة فيها بدون تعارض فإنها تحمل على الجميع. وقوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٤٥)﴾ لعل هنا للتعليل، أي: لأجل أن يرحمهم الله إذا قيل لهم هذا الشيء، فجمع لهم بين الترغيب والترهيب، الترغيب بقوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٤٥)﴾ والترهيب في قوله: ﴿اتَّقُوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَمَا خَلْفَكُم﴾ فهؤلاء جمع لهم بين الترغيب والترهيب ومع ذلك لا يستجيبون، بل يعرضون ويستكبرون ويسخرون، ويقولون: هذا أساطير الأولين، وما أشبه ذلك مما هو معروف عن هؤلاء إذا دعوا إلى الله تعالى.
الفوائد:
في هذه الآية الكريمة من الفوائد:
١ - أن هؤلاء الكفار قد أقيمت عليهم الحجة وبلغتهم الدعوة ووعظوا، ولكن لم ينفعهم ذلك لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ
стр. 160
لَهُمُ اتَّقُوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَمَا خَلْفَكُمْ﴾.
٢ - ومن فوائدها: أن الإنسان إذا أعرض عن دين الله واستكبر كان عرضة للعذاب إما في الدنيا، أو في الآخرة، أو في الدنيا والآخرة لقوله تعالى: ﴿اتَّقُوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَمَا خَلْفَكُمْ﴾.
٣ - ومن فوائدها: أن الإقبال إلى الله ، واجتناب معصيته سبب للرحمة لقوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾.
٤ - ومن فوائدها أيضًا: إثبات العلل والأسباب لقوله تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ﴾ فإن لعل هذا للتعليل، ولا أحد ينكر أن للأسباب تأثيرًا إلا من صرف عن مقتضى الفطرة، والناس اختلفوا في الأسباب والعلل على ثلاثة أقوال:
فمنهم من قال: إن الأسباب والعلل مؤثرة بذاتها، وأنه لابد لكل سبب من تأثيره في مسببه، ولابد في كل علة من تأثيرها في معلولها.
ومنهم من قال: إنه لا تأثير للعلل والأسباب، وإنما هي علامات وإمارات فقط، فإذا وجد المسبب أو المعلول لم يقولوا: إن ذلك من أجل السبب أو العلة، ولكن يقولون: إن ذلك حصل عنده لا به. ولا ريب أن هؤلاء يخالفون المنقول والمعقول. ولا أحد يوافقهم على ما ذهبوا إليه.
القول الثالث الوسط يقولون: إن الأسباب والعلل تأثر في معلولاتها ومسبباتها، ولكن بجعل الله ذلك فيها، فهي ليست مؤثرة بنفسها بل بما أودعه الله تعالى فيها من الأمر الموجب للسبب، أو للمعلول. وهذا القول هو المتعين، وهو الصواب؛
стр. 161
بدليل أن الله تعالى قد يسلب هذه العلة، أو هذا السبب التأثير فلا يبقى له تأثير إطلاقًا، وما قصة إبراهيم ﵊ بغريبة حيث ألقي في نار تتأجج فقال الله لهذه النار: ﴿كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ (٦٩)﴾ (١) فكانت بردًا وسلامًا، مع أنها هي سبب للإحراق، ولكنها صارت بردًا وسلامًا على إبراهيم ﵊، وهذا يدل على أن الأسباب والعلل إنما تؤثر بإرادة الله وجعل هذه العلة أو السبب مؤثرًا.
٥ - ومن فوائد هذه الآية: إثبات رحمة الله ، وهي من الصفات الذاتية الفعلية، فهي من الصفات الذاتية لأن الله لم يزل رحيمًا بعباده ولا يزال، ومن الصفات الفعلية باعتبار تعلقها بالمرحوم، فإنها تتجدد باعتبار المرحوم، لا باعتبار أنها صفة من صفات الله، فهذا الذي ﵀ من البشر حادث بعد أن لم يكن فتعلقت به الرحمة، ولا يخفى ما ذهب إليه الأشاعرة من إنكارهم الرحمة على وجه الحقيقة، وادعائهم أنه يراد بها الإحسان، أو إرادة الإحسان. ففسروها بالإرادة، لأنهم يثبتون أن لله تعالى الإرادة، وبالإحسان، لأنه مخلوق منفصل ليس من صفات الله، وهذا بلا شك قول باطل، وقد مر علينا بيان تعليلهم لإنكاره والرد عليهم. قالوا: إن الرحمة تقتضي رقة ولينًا وضعفًا، وهذا لا يليق بالله ، وأيضًا الرحمة لا يدل عليها العقل، ونحن لا نثبت من الصفات إلا ما دل عليه العقل، وقد بينا أن هذا القول ليس بالصواب:
стр. 162
أولًا: أن الرحمة قد تقع من إنسان قوي، وذي سلطان ويوصف بالرحمة.
ثانيًا: ادعاؤهم أن العقل لا يدل عليها باطل، فإن العقل يدل عليها أكثر دلالة وأوضح دلالة من دلالة التخصيص على الإرادة، وقد مر علينا هذا كثيرًا.
* * *
﴿وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ (٤٦)﴾ ﴿وَمَا تَأْتِيهِمْ﴾ الضمير يعود هنا على المكذبين للرسل، ﴿مِنْ﴾، مهو هنا زائدة لفظًا، وزائدة في المعنى، أي: تعطيه معنى جديدًا، والمعنى الجديد تأكيد النفي والتنصيص على عمومه، أي: أي آية تأتيهم فإنهم لا يقبلونها، بل يعرضون عنها ويستكبرون، والآيات التي تأتي من الله تنقسم إلى قسمين:
الأول: آيات كونية.
الثاني: آيات شرعية.
فالآيات الشرعية ما جاءت به الرسل عليهم أفضل الصلاة والسلام، والإعراض عنها يكون بالتكذيب بالأخبار، والاستكبار عن الأحكام.
وأما الآيات الكونية فالإعراض عنها أنه لا يهتم بها، وأن لا تحرك منه ساكنًا، وأن لا يوجل منها قلبه، وأن يقول كالذين رأوا العذاب ينزل من السماء ﴿وَإِنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَّمَاءِ سَاقِطًا يَقُولُوا سَحَابٌ مَرْكُومٌ (٤٤)﴾ (١) أو كالذين يقولون: إن الكسوف ليس أمرًا مخيفًا،
стр. 163
لأنه شيئًا طبيعيًّا، ولا ينبغي أن يخيف -نسأل الله العافية-، أو كالذين يرون الزلازل، والغرق، والدمار من الرياح العاتية وغيرها، ثم يقولون: هذا أمر طبيعي، ولا يحرك له ساكنًا، ولا ريب أن هذا يدل على قسوة القلوب وموتها، وإلا فإن الواجب على الإنسان أن يتعظ بهذه الآيات، فالإعراض عن الآيات الكونية معناه عدم المبالاة بها، وعدم الاكتراث بها، وأن لا تحرك من الإنسان ساكنًا، ولا تهز له عاطفة ﴿إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ (٤٦)﴾ أي: إلا قابلوها بالإعراض، ولا يتأملونها، ولا يفكرون فيها، فإذا جاءت الآيات الشرعية في خبر كذبوها، وقالوا: هذا كذب، هذا سحر، هذا شعر، وإذا جاءت الأحكام الشرعية استكبروا عنها، ولم يذعنوا لها ولم ينقادوا لها بدون أن يتأملوا فيها وما فيها من المصالح، وكذلك في الآيات الكونية لا يكترثون بها ولا يهتمون بها.
الفوائد:
١ - في هذه الآية دليل على أن الله يذكر، أو يبين لعباده من الآيات ما يؤمن على مثله البشر، ووجه ذلك أنه لولا هذا لم يكن في الآيات فائدة.
٢ - من فوائدها: أن بني آدم قد يعتون عن الآيات فيعرضون عنها بدون نظر، والواجب على الإنسان أن ينظر أولًا، ثم يحكم ثانيًا، ولهذا يقال: (الحكم على الشيء فرع عن تصوره)، فانظر أولًا في الآيات هل هي آيات مقنعة، موجبة للصلاح، فلتكن صالحًا بها، هل هي لا تنفع، فحينئذ تعذر بالإعراض عنها.
стр. 164
٣ - من فوائد هذه الآية الكريمة: بيان قسوة قلوب هؤلاء، فإنهم لم يقبلوا آية من الآيات ودليله ﴿وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ﴾.
٤ - ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الربوبية العامة لقوله: ﴿مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ﴾. فأثبت الله تعالى أنه رب هؤلاء، وهو رب كل شيء ﴿إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ﴾ (١) فكل شيء فالله ربه، حتى الكفار، وقد تكون الربوبية خاصة، أي: أنه يراد بها ربوبية خاصة، فيها مزيد عناية واعتناء، مثل قوله تعالى: ﴿رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ (١٢٢)﴾ (٢) فإن هذه الربوبية غير الربوبية العامة.
٥ - ومن فوائد الآية الكريمة: تقبيح حال هؤلاء والتحذير من فعلهم لقوله: ﴿إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ (٤٦)﴾ مع أنها جاءت من ربهم الذي هو مالكهم، وخالقهم، وأمرهم إليه، ومع ذلك يعرضون.
* * *
قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٤٧)﴾ ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ﴾ قال المؤلف: [أي قال فقراء الصحابة: أنفقوا علينا مما رزقكم الله من الأموال]، هكذا سار المؤلف في
стр. 165
تفسير الآية فجعل القائل هم الفقراء، وعلى هذا فتكون الآية في سؤال الفقراء من الأغنياء أن ينفقوا، أي: إذا جاء الفقراء يسألون الأغنياء أن ينفقوا تهكموا بهم، وقالوا: كيف نطعمكم، والله تعالى لم يشأ أن نطعمكم، ولو شاء أن نطعمكم لأعطيناكم بدون سؤال، هذا توجيه الآية على ما مشى عليه المؤلف ﵀.
لكن الذي ينبغي أن نجعل الآية عامة؛ لأنه أبهم فيها الفاعل، وإبهام الفاعل يراد به في بعض الأحيان التعميم، فـ ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ﴾ أي: إذا قال لهم أحد من الناس، سواء كان الفقراء يسألونهم الإنفاق، أو كانوا الأغنياء يحثونهم على الإنفاق، لأن الأغنياء من الصحابة ﵃ مثلًا ينفقون فيحثون الأغنياء من الكفار على أن ينفقوا أيضًا، فالصواب أن نبقي الآية على إبهامها ليكون أعم، وقوله: ﴿أَنْفِقُوا﴾ الإنفاق بمعنى البذل والإعطاء وقوله: ﴿مِمَّا رَزَقَكُمُ﴾ أي مما أعطاكم الله، وفي قوله: ﴿مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ دون قول: (أنفقوا من أموالكم) فيه تنبيه على أن هذا الذي بين أيديكم ليس من كسبكم في الواقع، ولكنه من رزق الله تعالى، فكان عليكم أن تنفقوا من هذا الذي رزقكم الله، لأن الله يأمركم به، فالذي أمركم بالإنفاق هو الذي أعطاكم هذا المال، فكيف تنكرون فضله وتستكبرون عن أمره فلا تنفقون؟ ! هذه هي الفائدة من قوله: ﴿مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ فما كان الجواب: ﴿قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ﴾ قوله: ﴿قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا ... ﴾ اللام هذا الأصح أن المراد بها الصلة، يعني قالوا قولًا يصل للذين آمنوا، والذين آمنوا هم
стр. 166
الذين قالوا لهم أنفقوا مما رزقكم الله ﴿قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ قال المؤلف [استهزاء بهم] يحتمل ما ذكره المؤلف أنه استهزاء، ويحتمل أنه من باب الاحتجاج بالقدر عنادًا وتبجحًا يقولون: ﴿أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ﴾ و ﴿مَنْ﴾ هنا بمعنى الذي، ويجوز أن تكون نكرة موصوفة، أي: نطعم أحدًا لو يشاء الله أطعمه من دوننا، أو أنطعم الذي لو يشاء الله أطعمهم، و ﴿لَوْ﴾ هنا حرف امتناع الامتناع، وشرطها قوله: ﴿يَشَاءُ﴾ وجوابها: ﴿أَطْعَمَهُ﴾ وقد أتت على خلاف الأكثر حيث حذفت اللام من الجواب، والأصل (من لو يشاء الله لأطعمه) فإن جواب (لو) إذا كان مثبتًا فالأكثر فيه إثبات اللام، وقد تحذف اللام، وقد اجتمِع الأمران في قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ (٦٣) أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ (٦٤) لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ (٦٥)﴾ ثم قال: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ (٦٨) أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ (٦٩) لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ (٧٠)﴾ (١) فأتت اللام في جواب (لو) في الآية السابقة، وحذفت من الآية الثانية، وهذه الآية من سورة يس من باب محذوف اللام ﴿أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ﴾ قال المؤلف: إنهم يقولون ذلك [استهزاء بهم] يعني: أنطعم قومًا لو شاء الله أطعمهم، فإطعامهم إلى الله، هذا الوجه الأول.
الوجه الثاني: يحتمل أنه من باب الاحتجاج بالقدر فرارًا من اللوم، يعني: أنطعم قومًا أن لو يشاء الله أطعمهم فأطعمناهم، ولكن الله تعالى لم يشاء أن نطعمهم فلا نطعمهم.
стр. 167
الوجه الثالث: يحتمل أنهم قالوا هذا اعتراضًا على القدر، كما يقوله الاشتراكيون والشيوعيون، أي: لماذا يجعل الله هذا فقيرًا، ولا يعطه، فكأنهم في جوابهم هذا يعترضون على الله، ويقولون: الذي يطعمهم، والمسؤول عنهم هو الله، وكان على الله أن يطعمهم، لكن لم يشأ ذلك، فيكون في هذا نوع من الاعتراض على القدر.
فهذه ثلاثة أوجه:
الأول: الاستهزاء.
الثاني: الاحتجاج بالقدر.
الثالث: الاعتراض على القدر.
ثم قالوا: ﴿إِنْ أَنْتُمْ﴾ قال المؤلف: [أي: في قولكم لنا ذلك مع معتقدكم هذا ﴿إِلَّا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٤٧)﴾ بين] يعني هؤلاء الكفار الذين أمروا أن ينفقوا على الفقراء، يقولون للذي أمرهم: أنت تعتقد أن الله لو شاء أطعمهم فيقول: نعم أعتقد ذلك، فيقولون: إذن كيف تأمرنا أن نطعمهم، والأمر بمشيئة الله ما أنت إلا في ضلال مبين وقوله: ﴿إِنْ أَنْتُمْ﴾ ﴿إِنْ﴾ هنا نافية، لوجود (إلا) بعدها، وإذا جاءت (إلا) بعد (إن) فهي دليل على (إن) نافية و (إن) ترد في اللغة العربية على أربعة أوجه هي:
الأول: تأتي زائدة، ومثاله قول الشاعر:
بني غدانة ما إن أنتم ذهب ... ولا صريف ولكن أنتم الخزف
الثاني: تأتي شرطية، مثاله: ﴿إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ
стр. 168
أَوْلَى بِهِمَا﴾ (١).
الثالث: تأتي نافية، مثاله: ﴿إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٤٧)﴾.
الرابع: مخففة من الثقيلة، مثاله قول الشاعر:
وإن مالك كانت كرام المعادن.
وقال المؤلف: [مبين أي: بيّن] فهي من أبان القاصر، وأبان تأتي متعدية، ولازمة، فيقال: أبان الشيء، أي: أظهره، ويقال: أبان الصبح، أي: ظهر، إذن ﴿مُبِينٍ﴾ من الرباعي من أبان، يبين، فهو مبين ويحتمل أن تكون بمعنى (بين) على أنها من القاصر.
ويحتمل في غير هذا السياق أن تكون بمعنى (أبان) مثل ﴿وَقُرْآنٍ مُبِينٍ (١)﴾ (٢) ليس المعنى: وقرآن بين، بل وقرآن مبين للحق.
قال المؤلف: [وللتصريح بكفرهم موقع عظيم] أي في قول الله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ ولم يقل: (قالوا) بل قال: ﴿قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ فله موقع عظيم لأنه:
أولًا: التصريح بكفر هؤلاء، لو قال (قالوا) لقلنا لعلهم قالوا ذلك ليس بسبب الكفر، ولكن بسبب البخل، هذه فائدة، أن الإظهار في موضع الإضمار في هذه الآية للتصريح بكفرهم.
الفائدة الثانية: أن مثل هذه المقالة لا تصدر إلا من كافر،
стр. 169
فيكون الكفر عامًّا لكل من قال هذه المقالة.
وقد مر علينا فيما سبق أن الإظهار في موضع الإضمار له ثلاث فوائد:
الفائدة الأولى: التصريح بالحكم على هؤلاء الذين يرجع إليهم الضمير.
الفائدة الثانية: أن من قال بمثل هذا فهو كافر، أو ظالم حسب السياق.
الفائدة الثالثة: العلة، وأن هذا القول سببه كذا وكذا حسب ما يوصف.
﴿قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ اللام بمعنى (عن) يعني: قال الذين كفروا عن الذين آمنوا: يعني قالوا في حق الذين أمروا بالإنفاق عليهم وهم المؤمنون ﴿أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ﴾.
الفوائد:
١ - يستفاد من هذه الآية الكريمة أن هؤلاء الذين كفروا يوعظون وينبهون ولكنهم يستكبرون ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ فالحجة قائمة عليهم.
٢ - ومن فوائد الآية الكريمة: أن الإنسان إذا أنفق بأمر الله تعالى فلا منة له على الله ، لأن الله تعالى هو الذي أعطاه لقوله: ﴿أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّه﴾.
٣ - ومن فوائد الآية الكريمة: أنه ينبغي للمتكلم الواعظ أن يبين الأسباب التي تحث على فعل ما وعظ به لقوله: ﴿مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّه﴾.
стр. 170
٤ - ومن فوائد الآية الكريمة أن هؤلاء الذين قالوا هذا الكلام: أنطعم من لو يشاء الله أطعمه أنهم كفار لقوله: ﴿قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾.
٥ - ومن فوائدها: أن البخل من صفات الكافرين، لقوله تعالى: ﴿قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وإذا كان من صفات الكافرين فإنه لا ينبغي للمؤمن أن يتصف به، فكل ما كان من صفات الكافرين من اليهود والنصارى وغيرهم، فإن اللائق بالمسلم أن لا يفعله، لأنه إذا فعله صار متشبهًا بالكافرين في هذه الخصلة.
٦ - ومن فوائد الآية الكريمة: أن الإنسان قد يقول كلمة الحق يريد بها الباطل ﴿أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ﴾ فنحن نؤمن بأنه لو شاء الله لأطعم هؤلاء، لكن حكمته اقتضت أن يجعل هؤلاء فقراء، وهؤلاء أغنياء.
٧ - ومن فوائد الآية الكريمة: أن المشركين يقرون بمشيئة الله وأنها نافذة في كل شيء، لقولهم: ﴿مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ﴾ والمشركون أو الكافرون لا ينكرون ربوبية الله ، بل يقرون بها حتى الذين تظاهروا بإنكْارها إنما ينكرونها بألسنتهم لقوله تعالى عن آل فرعون: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ﴾ (١) ولقول موسى ﵊، لفرعون: ﴿قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ﴾ (٢) لكن ينكرون الربوبية استكبارًا ومكابرة، وإلا فإن قرارة نفوسهم تشهد بها.
стр. 171
٨ - ومن فوائد الآية الكريمة: الأساليب الدعائية التي يستعملها المشركون من قديم الزمان، حيث قالوا لهؤلاء المؤمنين، أو لهؤلاء القائلين: أنفقوا مما رزقكم الله. قالوا لهم: ﴿إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٤٧)﴾ وهذا الوصف المشين للمؤمنين من الكافرين هذا لم يزل ولا يزال موجودًا إلى يومنا هذا، فهم يصفون أهل الخير بالأوصاف العديدة المنفرة منهم، أو التي يقصدون بها استعداء الحكام على هؤلاء المؤمنين، يقولون: هؤلاء رجعيون، وهؤلاء متخلفون، هؤلاء متشددون، هؤلاء متزمتون، وما أشبه ذلك من الكلمات التي يصفون بها أولياء الله ، ونحن لا ننكر أنه يوجد من أهل الخير وأهل الدين من يغلو ويبالغ في عمله، أو في وصفه لغيره من التكفير والتفسيق، حتى يكفر من لم يكفره الله، ويفسق من لم يفسقه الله، نحن لا ننكر أن هذا موجود، ولكن يبدو لي -والله أعلم- أن وجود مثل هؤلاء المتشددين إنما جاء نتيجة لتطرف الآخرين في المعاصي والفسوق، فيريدون أن يحدثوا ردة فعل بالنسبة لهؤلاء، ولو استقام الناس كلهم على الدين ما حصل هذا التطرف، لكن إذا رأوا جانبًا متطرفًا في الفسوق والعصيان، وأنه مستمر على ذلك ومقر على ذلك من بعض ولاة الأمور، حصل رد فعل مقابل لهؤلاء، فتشدد هؤلاء في مقابل تراخي هؤلاء، ولكن التوسط هو الخير، ومع هذا فإن المتوسطين المعتدلين لا يسلمون من ألسنة المتطرفين الضالين، ولا من ألسنة المتطرفين الغالين، فالغالون مثلًا يقولون لهؤلاء المتوسطين: أنتم مفرطون، أنتم مداهنون، أنتم تقرون أهل
стр. 172
الشر، وأهل الشر يقولون: هؤلاء متشددون، هؤلاء يريدون من الناس أن يكونوا على شاكلتهم، وإلا فهم كافرون وما أشبه ذلك، والمهم أن ألقاب السوء التي يلقب بها أعداء الله أولياء الله لم تزل موجودة ولا تزال موجودة إلى يومنا هذا، حتى أهل البدع يلقبون أهل السنة بألقاب السوء يقولون: هؤلاء مشبهة. إذا أثبتوا الصفات على الحقيقة، وهؤلاء حشوية، هؤلاء نوابت وما أشبه ذلك من الكلمات التي تستوجب النفور منهم، والنيل من قدرهم، ولكن هذا لا يضر أهل الخير، ولكن يؤذيهم، والأذية غير الضرر، فقد يتأذى الإنسان بالشيء ولكن لا يتضرر به، فها هو الإنسان يتأذى من رائحة البصل والكراث، والشيء المستقذر، ومع ذلك لا يتضرر به، وقد أثبت الله لنفسه أنه يؤذى من المنافقين وغيرهم، ونفى عن نفسه التضرر، وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ (١) وقال في الحديث القدسي: "يؤذيني ابن آدم يسب الدهر" (٢)، وقال في الحديث القدسي: "يا عباد إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني" (٣)، المهم أن مثل هذه الألقاب لا شك أنها تؤذي المؤمنين، ويتأذون منهم، وتضيق بها صدورهم، لكنها لا تضرهم، بل هي نافعة لهم؛ لأنهم إذا صبروا عليها أجروا على الصبر، وإذا تأذوا بدون صبر صارت كفارة لهم؛ لأنه لا يصيب المؤمن من هم ولا أذى ولا غم إلا كفر
стр. 173
الله به عنه حتى الشوكة يشاكها، لاسيما وأنه يؤذى هنا في ذات الله ، فيكون هذا منقبة لهم، ويكون هذا الإنسان الذي أوذي في الله قد ناله ما نال أولياء الله من الأنبياء والصديقين والشهداء، وقد أخبر النبي عليه أفضل الصلاة والسلام أنه يبتلى الصالحون الأمثل فالأمثل (١)، فإذا كان فيه قوة في دينه فإنه يؤذى أكثر؛ ليكون أبلغ في الامتحان، وإذا كان دينه أقل، فإن الله قد يرحمه فلا يحصل له من الأذية ما يحصل للآخر، وقد يبتليه الله ، ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ﴾ (٢) نسأل الله السلامة.
٩ - ومن فوائد الآية الكريمة: المبالغة من أعداء الله بما يسمون به أولياء الله لقولهم: ﴿إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٤٧)﴾ كأنهم حصروا حالهم من كل وجه في الضلال المبين، كَأنه لا هداية فيهم إطلاقًا (ما أنتم إلا في ضلال) وهذا غاية ما يكون من العدوان من هؤلاء.
١٠ - ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات مشيئة الله، وهي كثيرة في القرآن، ولكن كل ما ذكر الله تعالى من المشيئة فهي مقرونة أو مقيدة بالحكمة، إذ ليست مشيئة الله مجرد مشيئة بل هي مقرونة بالحكمة.
* * *
стр. 174
﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٤٨)﴾ أي يقول الكفار المكذبون بوعد الله ومنه القيامة ﴿مَتَى﴾ هنا استفهام استبعاد وتحدي، أي: يقولون مستبعدين هذا الأمر متحدين من يقوله ﴿مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٤٨)﴾، و ﴿مَتَى﴾ خبر مقدم و ﴿هَذَا﴾ مبتدأ مؤخر؛ وذلك لأن ﴿مَتَى﴾ واقعة موقع النكرة و ﴿هَذَا الْوَعْدُ﴾ معرفة، والمعهود أن المعرفة هي المبتدأ، والخبر يكون نكرة، وقد يكون معرفة، لكن إذا وجد نكرة ومعرفة، وأمكن أن تكون المعرفة للمبتدأ فهي المبتدأ؛ لأن المبتدأ محكوم عليه فلابد أن يكون معرفة، والمعرفة تعين المدلول وتخصصه، فلابد أن يكون المحكوم عليه معلومًا، ولهذا قال العلماء في هذه القاعدة: (إذا وجدت كلمتان إحداهما معرفة والأخرى نكرة، وأمكن أن تكون المعرفة هي المبتدأ فلتكن هي المبتدأ)، وتعليل ذلك أن المبتدأ محكوم عليه، فلابد أن يكون معلومًا متعينًا يقول: ﴿مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٤٨)﴾ أي: ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٤٨)﴾ بأننا نبعث فمتى يكون، ولا شك أن هذه الشبهة داحضة؛ لأن الذين قالوا بالبعث لم يعينوه بيوم معين، وانظر إلى حجتهم في آية أخرى تكن أبين ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ مَا كَانَ حُجَّتَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا ائْتُوا بِآبَائِنَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٢٥)﴾ (١) وهل الذين قالوا: إنهم يبعثون قالوا يبعثون في الدنيا حتى يقولوا: ائتوا بآبائنا، وإنما قالوا ستبعثون يوم القيامة، وقولهم: (ائتوا بآبائنا) أي: ابعثوهم لنا، هذا التحدي في غير محله، لأنه ما قيل لهم: إنكم ستبعثون في الدنيا،
стр. 175
بل في يوم القيامة، وهنا يقولون: ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٤٨)﴾. الجواب: ذكر الله تعالى هذا في القرآن: ﴿قُلِ اللَّهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ (١) فالوعد لم يحن وقته بعد، انتظروا وسوف يأتي هذا الوعد.
الفوائد: من فوائد الآية الكريمة:
١ - يستفاد منها: أن بني آدم يصل إلى حد التحدي لرب العالمين، ولمن بلغ رسالته لقولهم: ﴿مَتَى هَذَا الْوَعْدُ﴾.
٢ - ومن فوائدها: أن الرسل عليهم الصلاة والسلام بلغوا البلاغ المبين، وبينوا للناس أنهم سيبعثون ويجازون، وأنهم وعدوا بذلك لقوله: ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ﴾.
٣ - ومن فوائدها: أن هؤلاء الذين قالوا هذا القول تحديًا واستبعادًا لم يصدقوا الرسل، بل كذبوهم، وليتهم نظروا في الأمر وفكروا لقوله هنا: ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٤٨)﴾.
* * *
قال الله تعالى: ﴿مَا يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ (٤٩)﴾ قال المؤلف: [﴿مَا يَنْظُرُونَ﴾ أي: ينتظرون ﴿إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً﴾ وهي نفخة إسرافيل الأولى] (نظر) تستعمل متعدية بنفسها، بمعنى الانتظار مثل: ﴿مَا يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً﴾ ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ﴾ (٢) ولها أمثلة كثيرة، وأن تعدت بـ (في) صار المراد بها نظر الفكر تقول: (نظر في كذا) أي: فكر فيه
стр. 176
وتأمله، وإذا تعدت بـ (إلى) فهي النظم بالعين تقول: (نظرت إليه)، ومنه قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣)﴾ (١) ﴿صَيْحَةً﴾ يعني يصاح بهم، وذلك بالنفخة الأولى في الصور؛ لأن هذه النفخة يكون لها صوت عظيم مزعج يفزع الخلائق، قال الله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ (٢) فكل الخلائق تفزع إلا ما شاء الله ، فيفزعون فزعًا شديدًا يؤدي إلى صعق إلى الموت وحينئذ تكون نفخة واحدة فيها فزع، وفيها صعقة ﴿تَأْخُذُهُمْ﴾ أي: تأخذهم كما يأخذ العدو عدوه بحيث لا تمهلهم ولا تنظرهم ﴿وَهُمْ يَخِصِّمُونَ﴾ قال المؤلف ﵀: [بالتشديد، أصله يختصمون نقلت حركة التاء إلى الخاء، وأدغمت في الصاد، أي: وهم غفلة عنها بتخاصم وتبايع، وأكل وشرب وغير ذلك، وفي قراءة (يَخْصِمون) كيضربون أي: يخصم بعضهم بعضًا].
القراءات التي ذكر المؤلف قراءتان فقط، يقول: بالتشديد أصله يختصمون، نقلت حركة التاء إلى الخاء، وحركة التاء هي الفتحة، وأدغمت التاء بالصاد فصارت على هذه القراءة (يَخْصِمُونَ)، والقراءة التي في المصحف ﴿وَهُمْ يَخِصِّمُونَ (٤٩)﴾ بكسر الخاء، والقراءة الثالثة (يَخْصِمُونَ)، كيضربون، والقراءة الرابعة التي أشار إليها المحشي (٣) هو أن تجعل الخاء لا مفتوحة
стр. 177
خالصة، ولا مكسورة خالصة وإنما تختلس الفتحة، فتكون بين الفتحة والكسرة، هذه القراءة الرابعة، والثالثة التي في المصحف لم يشر إليها المفسر، ووجه المحشي القراءة الموجودة في المصحف ﴿يَخِصِّمُونَ (٤٩)﴾ بأن الحركة أزيلت من التاء، فصارت ساكنة، فلما صارت ساكنة حركت الخاء بالكسر لالتقاء الساكنين على الأصل، فالمهم يقول المؤلف ﵀ أي: وهم في غفلة عنها بتخاصم وتبايع وأكل وشرب وغير ذلك.
فالصيحة إذن أخذتهم على غرة، وهم غافلون عنها، لاهون بأمورهم ودنياهم، يتخاصم بعضهم مع بعض، وهذا يدل على عدم ائتلاف قلوبهم في تلك الساعة، وأنهم من جنس البهائم، ولهذا لا تقوم الساعة إلا على شرار الخلق، ولم يذكر الله سوى التخاصم كأن أكثر ما هم عليه في ذلك الوقت هو التخاصم والتباغض والتدابر، لأنهم ليس عندهم إيمان، فهم شرار الخلق في معاملة الله، وشرار الخلق في التعامل فيما بينهم، وفي قراءة (يَخْصِمُونَ) كيضربون، أي يخصم بعضهًا بعضًا، فيكون الظهور للغالب في الخصومة لا للحق، لأنهم في هرج ومرج، وليس عندهم إيمان، ولا مروة، ولا خلق، هم شرار الخلق، فكانت هذه -والعياذ بالله- حالهم عند قيام الساعة.
الفوائد:
١ - من فوائد الآية الكريمة: إثبات علم الله وسمعه؛ لأن قوله: ﴿يَنْظُرُونَ﴾ جواب قولهم: ﴿مَتَى هَذَا
стр. 178
الْوَعْدُ﴾.
٢ - ومن فوائدها: تهديد هؤلاء المكذبين بهذه الصيحة التي تأخذهم.
٣ - ومن فوائد هذه الآية: قدرة الله حيثما يأخذ هؤلاء كلهم بصيحة واحدة لقوله: ﴿إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً﴾ وهنا أكد الصيحة بـ (واحدة) ليبين أنه لا يعيدها مرة ثانية، بل بأول مرة يؤخذون.
٤ - ومن فوائد الآية الكريمة: أن هذه الصيحة تأتيهم بغتة لقوله: ﴿وَهُمْ يَخِصِّمُونَ (٤٩)﴾ غافلون عنها.
٥ - ومن فوائد الآية الكريمة: بيان حال هؤلاء الذين تقوم عليهم القيامة، وتأخذهم الصيحة، وهي الخصومة والتنازع، مما يدل على سوء أحوالهم، وسوء أخلاقهم، وأنه لا هم لهم إلا هذه المخاصمة والمنازعة، شحًّا وطمعًا في الدنيا، وغفلة عن الآخرة، ولهذا جاء في الحديث الصحيح: "أن الساعة لا تقوم إلا على شرار الخلق" (١). وهؤلاء من المعلوم أنهم يأكلون ويشربون لكن لم يذكر الله إلا هذا التخاصم لبيان سوء حالهم في ذلك الزمن.
* * *
﴿فَلَا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلَا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ (٥٠)﴾ أي: إذا أخذتهم لم يتجاوزوا مكانهم، بل لا يستطيعون الكلام لشدة ما هم
стр. 179
فيه من الفزع. ﴿فَلَا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً﴾ أي: لا يستطيعون أن يوصوا إلى أهليهم، وإلى صغارهم، وإلى سفهائهم؛ لأن الأمر عظيم لا يتكلمون فيه ﴿وَلَا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ (٥٠)﴾ لأنهم لا يتجاوزون مكانهم، فلا هم الذين وصلوا إلى أهليهم وشاهدوهم، ولا هم الذين استطاعوا أن يوصوا فيهم أحدًا، وهذا يدل على أن الأمر الذي أخذهم أمر عظيم، وهو كذلك لأن الله تعالى يقول: ﴿وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ (٨٧)﴾ (١) ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ (٥١)﴾ قال المؤلف عن الصور: [وهو القرن، النفخة الثانية للبعث، وبين النفختين أربعون سنة] ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ﴾ النفخ في الصور يذكره الله دائمًا بالبناء المجهول (نُفِخَ)؛ لأن الإبهام أبلغ في التهويل والتعظيم مما إذا ذكر الفاعل، ولهذا تجد قول الله تعالى: ﴿فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ (٧٨)﴾ (٢) أبلغ مما لو بين هذا الذي غشيهم، فالإبهام أحيانًا يفيد التهويل والتعظيم، وهنا أبهم النافخ وفي كل الآيات النافخ مبهم البيان عظم هذا الأمر، وقد ثبت عن النبي ﵊ أن الذي وكل بالنفخ في الصور هو إسرافيل ﵊ أحد حملة العرش (٣)، وقد ذكر الله تعالى النفخ في الصور في هذه الآية، وفي سورة الزمر، وفي سورة النمل، وفي سورة الأنعام وغيرها،
стр. 180
وقد اختلف العلماء ﵏ في النفخات هل هن ثلاث أو هما اثنتان؟
فمنهم من قال: أنهن ثلاث.
النفخة الأولى: فزع، والنفخة الثانية: صعق وموت، والنفخة الثالثة: بعث.
وفي سورة الزمر قال تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ (٦٨)﴾ (١) فذكر اثنتين، وفي سورة النمل ﴿وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ (٨٧)﴾ (٢). ثم ذكر يوم القيامة وطوى ذكر الثانية، فيكون هذا الفزع قبل الموت، ثم الموت ثم البعث.
ومنهم من قال: إنهما اثنتان.
والظاهر أنهما اثنتان فقط، لكن الأولى منهما فيها فزع وصعق، والثانية فيها بعث، وهذا ظاهر ما ذهب إليه المؤلف حيث قال: [النفخة الثانية للبعث].
﴿فِي الصُّورِ﴾ الصور قرن عظيم واسع، ورد في الحديث: أن سعته كما بين السماء والأرض (٣)، ينفخ فيه للبعث فتخرج الأرواح منه، وتأوي كل روح إلى جسدها الذي تعمره في الدنيا لا تخطؤه على كثرة الأرواح الخارجة من هذا الصور، حتى لو قدر