← Тафсир

Тафсир · id 151157

تفسير العثيمين: يس

ابن عثيمين

Полный текст (316 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

وتأمله، وإذا تعدت بـ (إلى) فهي النظم بالعين تقول: (نظرت إليه)، ومنه قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣)﴾ (١) ﴿صَيْحَةً﴾ يعني يصاح بهم، وذلك بالنفخة الأولى في الصور؛ لأن هذه النفخة يكون لها صوت عظيم مزعج يفزع الخلائق، قال الله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ (٢) فكل الخلائق تفزع إلا ما شاء الله ، فيفزعون فزعًا شديدًا يؤدي إلى صعق إلى الموت وحينئذ تكون نفخة واحدة فيها فزع، وفيها صعقة ﴿تَأْخُذُهُمْ﴾ أي: تأخذهم كما يأخذ العدو عدوه بحيث لا تمهلهم ولا تنظرهم ﴿وَهُمْ يَخِصِّمُونَ﴾ قال المؤلف ﵀: [بالتشديد، أصله يختصمون نقلت حركة التاء إلى الخاء، وأدغمت في الصاد، أي: وهم غفلة عنها بتخاصم وتبايع، وأكل وشرب وغير ذلك، وفي قراءة (يَخْصِمون) كيضربون أي: يخصم بعضهم بعضًا]. القراءات التي ذكر المؤلف قراءتان فقط، يقول: بالتشديد أصله يختصمون، نقلت حركة التاء إلى الخاء، وحركة التاء هي الفتحة، وأدغمت التاء بالصاد فصارت على هذه القراءة (يَخْصِمُونَ)، والقراءة التي في المصحف ﴿وَهُمْ يَخِصِّمُونَ (٤٩)﴾ بكسر الخاء، والقراءة الثالثة (يَخْصِمُونَ)، كيضربون، والقراءة الرابعة التي أشار إليها المحشي (٣) هو أن تجعل الخاء لا مفتوحة

стр. 177

خالصة، ولا مكسورة خالصة وإنما تختلس الفتحة، فتكون بين الفتحة والكسرة، هذه القراءة الرابعة، والثالثة التي في المصحف لم يشر إليها المفسر، ووجه المحشي القراءة الموجودة في المصحف ﴿يَخِصِّمُونَ (٤٩)﴾ بأن الحركة أزيلت من التاء، فصارت ساكنة، فلما صارت ساكنة حركت الخاء بالكسر لالتقاء الساكنين على الأصل، فالمهم يقول المؤلف ﵀ أي: وهم في غفلة عنها بتخاصم وتبايع وأكل وشرب وغير ذلك. فالصيحة إذن أخذتهم على غرة، وهم غافلون عنها، لاهون بأمورهم ودنياهم، يتخاصم بعضهم مع بعض، وهذا يدل على عدم ائتلاف قلوبهم في تلك الساعة، وأنهم من جنس البهائم، ولهذا لا تقوم الساعة إلا على شرار الخلق، ولم يذكر الله سوى التخاصم كأن أكثر ما هم عليه في ذلك الوقت هو التخاصم والتباغض والتدابر، لأنهم ليس عندهم إيمان، فهم شرار الخلق في معاملة الله، وشرار الخلق في التعامل فيما بينهم، وفي قراءة (يَخْصِمُونَ) كيضربون، أي يخصم بعضهًا بعضًا، فيكون الظهور للغالب في الخصومة لا للحق، لأنهم في هرج ومرج، وليس عندهم إيمان، ولا مروة، ولا خلق، هم شرار الخلق، فكانت هذه -والعياذ بالله- حالهم عند قيام الساعة. الفوائد: ١ - من فوائد الآية الكريمة: إثبات علم الله وسمعه؛ لأن قوله: ﴿يَنْظُرُونَ﴾ جواب قولهم: ﴿مَتَى هَذَا

стр. 178

الْوَعْدُ﴾. ٢ - ومن فوائدها: تهديد هؤلاء المكذبين بهذه الصيحة التي تأخذهم. ٣ - ومن فوائد هذه الآية: قدرة الله حيثما يأخذ هؤلاء كلهم بصيحة واحدة لقوله: ﴿إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً﴾ وهنا أكد الصيحة بـ (واحدة) ليبين أنه لا يعيدها مرة ثانية، بل بأول مرة يؤخذون. ٤ - ومن فوائد الآية الكريمة: أن هذه الصيحة تأتيهم بغتة لقوله: ﴿وَهُمْ يَخِصِّمُونَ (٤٩)﴾ غافلون عنها. ٥ - ومن فوائد الآية الكريمة: بيان حال هؤلاء الذين تقوم عليهم القيامة، وتأخذهم الصيحة، وهي الخصومة والتنازع، مما يدل على سوء أحوالهم، وسوء أخلاقهم، وأنه لا هم لهم إلا هذه المخاصمة والمنازعة، شحًّا وطمعًا في الدنيا، وغفلة عن الآخرة، ولهذا جاء في الحديث الصحيح: "أن الساعة لا تقوم إلا على شرار الخلق" (١). وهؤلاء من المعلوم أنهم يأكلون ويشربون لكن لم يذكر الله إلا هذا التخاصم لبيان سوء حالهم في ذلك الزمن. * * * ﴿فَلَا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلَا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ (٥٠)﴾ أي: إذا أخذتهم لم يتجاوزوا مكانهم، بل لا يستطيعون الكلام لشدة ما هم

стр. 179

فيه من الفزع. ﴿فَلَا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً﴾ أي: لا يستطيعون أن يوصوا إلى أهليهم، وإلى صغارهم، وإلى سفهائهم؛ لأن الأمر عظيم لا يتكلمون فيه ﴿وَلَا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ (٥٠)﴾ لأنهم لا يتجاوزون مكانهم، فلا هم الذين وصلوا إلى أهليهم وشاهدوهم، ولا هم الذين استطاعوا أن يوصوا فيهم أحدًا، وهذا يدل على أن الأمر الذي أخذهم أمر عظيم، وهو كذلك لأن الله تعالى يقول: ﴿وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ (٨٧)﴾ (١) ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ (٥١)﴾ قال المؤلف عن الصور: [وهو القرن، النفخة الثانية للبعث، وبين النفختين أربعون سنة] ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ﴾ النفخ في الصور يذكره الله دائمًا بالبناء المجهول (نُفِخَ)؛ لأن الإبهام أبلغ في التهويل والتعظيم مما إذا ذكر الفاعل، ولهذا تجد قول الله تعالى: ﴿فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ (٧٨)﴾ (٢) أبلغ مما لو بين هذا الذي غشيهم، فالإبهام أحيانًا يفيد التهويل والتعظيم، وهنا أبهم النافخ وفي كل الآيات النافخ مبهم البيان عظم هذا الأمر، وقد ثبت عن النبي ﵊ أن الذي وكل بالنفخ في الصور هو إسرافيل ﵊ أحد حملة العرش (٣)، وقد ذكر الله تعالى النفخ في الصور في هذه الآية، وفي سورة الزمر، وفي سورة النمل، وفي سورة الأنعام وغيرها،

стр. 180

وقد اختلف العلماء ﵏ في النفخات هل هن ثلاث أو هما اثنتان؟ فمنهم من قال: أنهن ثلاث. النفخة الأولى: فزع، والنفخة الثانية: صعق وموت، والنفخة الثالثة: بعث. وفي سورة الزمر قال تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ (٦٨)﴾ (١) فذكر اثنتين، وفي سورة النمل ﴿وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ (٨٧)﴾ (٢). ثم ذكر يوم القيامة وطوى ذكر الثانية، فيكون هذا الفزع قبل الموت، ثم الموت ثم البعث. ومنهم من قال: إنهما اثنتان. والظاهر أنهما اثنتان فقط، لكن الأولى منهما فيها فزع وصعق، والثانية فيها بعث، وهذا ظاهر ما ذهب إليه المؤلف حيث قال: [النفخة الثانية للبعث]. ﴿فِي الصُّورِ﴾ الصور قرن عظيم واسع، ورد في الحديث: أن سعته كما بين السماء والأرض (٣)، ينفخ فيه للبعث فتخرج الأرواح منه، وتأوي كل روح إلى جسدها الذي تعمره في الدنيا لا تخطؤه على كثرة الأرواح الخارجة من هذا الصور، حتى لو قدر

стр. 181

أن عشرات الناس دفنوا في مكان واحد فإن روح كل واحد لا تأوي إلا إلى جسده تقدير العزيز العليم . ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ (٥١)﴾ ﴿فَإِذَا هُمْ﴾ الفاء عاطفة و (إذا) حرف دال على المفاجأة و ﴿هُمْ﴾ مبتدأ وجملة ﴿يَنْسِلُونَ (٥١)﴾ خبره و ﴿مِنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ﴾ متعلقة بـ ﴿يَنْسِلُونَ (٥١)﴾ ﴿فَإِذَا هُمْ﴾ أي: بمجرد ما يحصل النفخ لا يحصل وقت بين النفخ في الصور والخروج من القبور ﴿مِنَ الْأَجْدَاثِ﴾ أي: من القبور يخرجون إلى الله تعالى مسرعين، وقوله: ﴿فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ﴾ الضمير في ﴿هُمْ﴾ قال المؤلف: [أي المقبورون] وعلمنا أن المراد المقبورين؛ لقوله: ﴿مِنَ الْأَجْدَاثِ﴾؛ لأن الأجداث هي القبور، وقوله: ﴿فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ﴾ هذا بناء على الأغلب الكثير؛ لأن من الناس من لا يكون في جدث بل يلقى في اليم، أو يلقى في الأرض على ظاهرها، أو تأكله السباع، أو يحترق وتذروه الرياح، لكن الغالب والأكثر أنهم في القبور، وقوله: ﴿إِلَى رَبِّهِمْ﴾ فيها تقديم المعمول لإفادة الحصر، يعني لا ينسلون إلى دنيا، أو إلى قريب، أو إلى صديق، وإنما ينسلون إلى الله ، والنسلان معناه: السير بسرعة، كما قال تعالى: ﴿وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ (٩٦)﴾ (١) أي: يخرجون بسرعة. الفوائد: من فوائد الآيتين الكريمتين:

стр. 182

١ - أن النفخ في الصور إذا وقع لم يستطع أحد أن يتكلم ولا أن يتزحزح من مكانه، تؤخذ من قوله تعالى: ﴿فَلَا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً﴾ هذا الكلام ﴿وَلَا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ (٥٠)﴾ لا يتزحزحون من مكانهم. ٢ - ومن فوائدها: قوة هذه الصدمة التي تصيبهم من هذه الصيحة، لأن الإنسان إذا قويت الصدمة أعجم على لسانه فصار لا يقدر على التكلم، وكذلك رجلاه تضعف حتى لا يستطيع الوقوف كما قال عمر بن الخطاب ﵁ في قصة وفاة رسول الله ﷺ لما سمع قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ (٣٠)﴾ (١) قال: والله ما هو إلا أن سمعت أبا بكر تلاها فعقرت حتى ما تقلني رجلاي، وحتى أهويت إلى الأرض حين سمعته تلاها (٢). ٣ - وكذلك يدل على عظم هذه الصيحة أنهم لا يستطيعون الرجوع إلى أهليهم مع شدة تشوقهم إليهم، لكن لا يستطيعون، لأن الأمر أعظم من أن يتمكنوا من ذلك. ٤ - ومن فوائد الآية الثانية: إثبات النفخ في الصور، وهو من الأمور الغيبية التي يجب علينا أن نؤمن بها دون التعرض لكيفيتها. فلو قال قائل: كيف يكون النفخ في الصور؟ قلنا: هذا أمر لا نعلمه إلى الله ، لأنه غيبي ولم يخبر بكيفيته. ٥ - ومن فوائد الآية الكريمة: تمام قدرة الله حيث كان مجرد النفخ يوجب أن يخرج الناس جميعًا من قبورهم

стр. 183

مسرعين. ٦ - ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات البعث وأنه حياة حقيقية؛ لقوله: ﴿يَنْسِلُونَ (٥١)﴾ لأن الإسراع لا يكون إلا بحياة حقيقية. ٧ - ومن فوائد الآية الكريمة: أن الناس يسرعون إلى مكان معين ينزل الله تعالى فيه للفصل بين عباده؛ لقوله تعالى: ﴿إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ (٥١)﴾. ٨ - ومن فوائدها: الإشارة إلى الأجداث التي جعلها الله تعالى منازل للأموات، امتن الله بها على عباده، كما امتن عليهم بالقصور في الدنيا، قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا (٢٥) أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا (٢٦)﴾ (١). فكما أن الله منَّ علينا بهذه القصور فستتر بها ونقضي بها حوائجنا ونكون مع أهلنا فكذلك منَّ علينا بالقبور التي يستتر بها الإنسان عن الرؤية، ويحتمي بها عن الوحوش إلى غير ذلك مما تتضمنه هذه النعمة. ٩ - ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الربوبية العامة، لقوله تعالى: ﴿إِلَى رَبِّهِمْ﴾ فهذه عامة لكل من يخرج من الأجداث، وقد مرَّ علينا أن الربوبية تنقسم إلى قسمين عامة وخاصة. * * * ﴿قَالُوا يَاوَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ (٥٢)﴾ قال المؤلف ﵀: [يا للتنبيه ﴿يَاوَيْلَنَا﴾ هلاكنا، وهو مصدر لا فعل له من لفظه ﴿مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا﴾

стр. 184

لأنهم كانوا بين النفختين نائمين لم يعذبوا]. قوله ﵀ يا للتنبيه. بناءً على أن الويل ليس له عقل وإرادة، وإذا وجه النداء إلى من ليس له عقل ولا إرادة كان للتنبيه. ولكن لو قيل: إن (ياء) للنداء بدليل أنها عملت فيما بعدها، لأن ﴿يَاوَيْلَنَا﴾ منصوب بياء النداء، كأنه قال: يا ويلنا أحضر، وهذا نظير قوله تعالى: ﴿يَاحَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ﴾ (١) ونظير قوله تعالى: ﴿يَاحَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ﴾. والويل هو الهلاك، وهو مصدر ليس له فعل من لفظه، كما تكون بعض أسماء الأجناس ليس لها مفرد من لفظها، كإبل ليس لها مفرد من لفظها، وتكون بعض الأفعال ليس له مصدر مثل (يذروا) فإن أكثر النحويين يقولون: إنه ليس لها مصدر. وبعضهم يقول: لها مصدر وهو الوذر. ﴿مِنْ﴾ للاستفهام التعجبي أي ما الذي أخرجنا ﴿مِنْ مَرْقَدِنَا﴾ والمرقد مكان الرقادة، والمراد بها القبور، أي: من بعثنا من هذه الأمكنة التي كنا راقدين فيها. واختلف العلماء في هذا: هل إنهم يرقدون ثم يستيقظون عند النفخة الثانية، أو أن وجودهم في القبور بالنسبة إلى ما يشاهدونه في القيامة كأنه رقود، لأن الشيء إذا نسب إلى ما هو أعظم منه صار هينًا؟ القول الأخير هو الأصح، وهو الذي مشى عليه ابن كثير ﵀ في تفسيره، لأنه ليس هناك دليل على أنهم ينامون

стр. 185

بين النفختين كما ذكره المؤلف بقوله: [لأنهم كانوا بين النفختين نائمين لم يعذبوا] وهذا يحتاج إلى نقل صحيح؛ لأنه من أمور الغيب، والمرقد قد يكون للإنسان وإن كان يتألم بعض التألم، فها هو الإنسان ينام ويرى في منامه أحلامًا مزعجة مروعة حتى إنه من شدتها في بعض الأحيان يستيقظ، ومع ذلك فإنه إذا قام يقال: قام من مرقده. فالصواب أن المرقد هنا مكان الرقاد، وأن عذابهم في قبورهم بالنسبة لعذاب الآخرة كالرقاد كما قال تعالى: ﴿وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى (١٢٧)﴾ (١). ﴿هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ﴾ قال المؤلف: [﴿هَذَا﴾ أي: البعث ﴿مَا﴾ أي: الذي ﴿وَعَدَ﴾ به ﴿الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ﴾ فيه ﴿الْمُرْسَلُونَ﴾ أقروا حين لا ينفعهم الإقرار وقيل: يقال لهم ذلك]. هذه الآية فيها سكتة ينبغي الوقوف إن لم يجب على قوله: ﴿مِنْ مَرْقَدِنَا﴾ عند بعض القراء، لأجل أن يستأنف، فيقال: ﴿هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ﴾ وهذا الجملة قيل: إنها تقال جوابًا لهم حين قالوا: من بعثنا من مرقدنا؟ وقيل: إنها منهم يقرون إذا شاهدوا أقروا فقالوا: ﴿هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ (٥٢)﴾. والآية محتملة: يحتمل أنهم يقولون ذلك، ويحتمل أنه يقال لهم، وفي سورة الصافات قال الله تعالى: ﴿وَقَالُوا يَاوَيْلَنَا هَذَا يَوْمُ الدِّينِ (٢٠) هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ

стр. 186

تُكَذِّبُونَ (٢١)﴾ (١) فظاهر هذه الآية أن القائل هم هؤلاء وأن بعضهم يقول لبعض: هذا يوم الفصل الذي كنتم به تكذبون. فآية الصافات أظهر من هذه الآية من سورة يس، ولو قال قائل: هل يمكن أن يكون القول صادرًا منهم وإليهم؟ فالجواب: أن هذا ليس ببعيد، وإن كان الإنسان لا يكاد يجزم به. ﴿هَذَا﴾ المشار إليه البعث ﴿مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ﴾ ما اسم موصول والصلة قوله: ﴿وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ (٥٢)﴾ وقدر المؤلف العائد بقوله: [به] والمعروف أن العائد المجرور لا يحذف إلا إذا كان عامل الموصول موافقًا لعامل المحذوف لفظًا ومعنى، هذا هو المعروف عند النحويين، ولكن الراجح أنه يجوز حذف العائد، سواء كان عامله من جنس عامل الموصول، أو من غير جنسه، وأن القاعدة التي ذكرها ابن مالك بقوله: (وحذف ما يعلم جائز) عامة لكل شيء ليست خاصة بالمبتدأ والخبر بل لكل شيء، وقوله: ﴿مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ﴾ ﴿الرَّحْمَنُ﴾ اسم من أسماء الله المختصة به، التي لا تطلق على غيره فلا يسمى أحد ﴿الرَّحْمَنُ﴾ أما رحيم فيوصف به الخلق، قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٢٨)﴾ (٢) لكن رحمن لا يجوز أن يوصف بها أحد، والفرق بين الرحمن والرحيم: أن الرحيم باعتبار الفعل، والرحمن باعتبار الوصف، فإذا قال "الرحمن"

стр. 187

يعني ذو الرحمة الواسعة، والرحيم الذي تصل رحمته إلى من يشاء من عباده، وهنا ذكر ﴿هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ﴾ ولم يقل: (ما وعد الله)، لأن رحمة الله يوم القيامة تتجلى تجليًا أكثر منها في الدنيا، فإن لله تعالى مائة رحمة جعل منها رحمة في الأرض، فإذا كان يوم القيامة صار له مائة رحمة، التسعة والتسعون الباقية، والرحمة الأولى، وهذا يدل على تجلي رحمة الله تعالى في ذلك اليوم، ولهذا قال هنا: ﴿هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ﴾ والرحمن مشتق يدل على صفة الرحمة، ويجب علينا في أسماء الله تعالى أن نؤمن بالاسم، وما دل عليه من الصفة، والأثر المترتب على ذلك، ويجوز أن نقول والحكم، فهنا ﴿الرَّحْمَنُ﴾ اسمه، والرحمة صفته، ويرحم من يشاء فعله ، وهو أثر الرحمة قال: ﴿هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ﴾ وعد الرحمن بأنه سيكون يوم يبعث فيه الناس، فيجزي فيه المحسن بإحسانه، والمسيء بإساءته، ومجازاة المحسن الحسنة بعشرة أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة، ﴿وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ﴾ أخبر بالصدق (وصدق القائل) بمعنى التصديق من المخاطب، فالصدق من المتكلم، يقال: صدق، ويقال: صدق بمعنى أخبر بالصدق. قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ﴾ (١) وصدق القائل، أي: أقر بقوله واعترف به، قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ﴾ (٢) فهو صادق وصدق والله أعلم.

стр. 188

الفوائد: من فوائد الآية الكريمة: ١ - في هذه الآية دليل على شدة حسرة المكذبين الذين يكذبون بالبعث إذا بعثوا يقولون ﴿يَاوَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا﴾ ودليل ذلك قولهم: ﴿يَاوَيْلَنَا﴾ وهذه الكلمة دعاء بالثبور والحسرة على من نطق بها. ٢ - ومن فوائد الآية الكريمة: أن عذاب البرزخ بالنسبة إلى عذاب الآخرة هين، حتى إنه مثل النوم عند النائم. ٣ - ومن فوائدها: أن البقاء في القبور ما هو إلا كنوم النائم، ثم يستيقظ ويغادر المكان لقوله: ﴿مِنْ مَرْقَدِنَا﴾. ٤ - ومن فوائد الآية الكريمة: توبيخ هؤلاء المكذبين حين يقال لهم: ﴿هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ﴾. ٥ - ومن فوائد الآية الكريمة: أن الله تعالى صادق الوعد لا يخلفه، وذلك لأن إخلاف الموعد يكون لأحد أمرين: إما الكذب، وإما العجز، وكلاهما منتفيان عن الله فلا كذب في وعده، ولا عجز عن تنفيذه، ولهذا فهو لا يخلف الميعاد لكمال صدقه وقدرته. ٦ - ومن فوائد الآية الكريمة: صدق الرسل عليهم الصلاة والسلام فيما يخبرون به عن الله وعن غيره، لقوله: ﴿وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ (٥٢)﴾.

стр. 189

٧ - ومن فوائد الآية: أن المشركين يقرون إذا شاهدوا الحق، بأن ما وعد الله تعالى به فسيقع بناءً على أن قوله: ﴿هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ﴾ من كلامهم، والإقرار بالحق بعد مشاهدته لا ينفع؛ لأن الإقرار بالحق إذا لم يكن غيبًا لم يكن الإنسان مؤمنًا بالغيب، بل يكون مؤمنًا بالشهادة. فإن قلت: قال تعالى: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ (٢٣)﴾ (١) فهنا أنكروا الشرك مع أنهم كانوا مشركين، بل أنهم يقرون بشركهم كما قال تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا (٤٢)﴾ (٢) فكيف الجمع؟ الجمع بينهما أنه يقال: إن يوم القيامة ليس لحظة ولا ساعة قليلة بل هو خمسون ألف سنة، فهم يتقلبون أحيانًا يقرون بكل ما عملوا، وأحيانًا ينكرون، إذا رأوا نجاة المؤمن قالوا: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ (٢٣)﴾ لعلهم ينجون كما نجا غيرهم، ولكن يختم على أفواههم وتكلم أيديهم وأرجلهم، وحينئذ يقرون ولا يكتمون الله حديثًا والله أعلم. * * *

стр. 190

﴿إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ (٥٣)﴾ (١). الفوائد: ١ - في هذه الآية دليل على كمال قدرة الله وأنه يصاح بأصحاب القبور صيحة واحدة، فيخرجون جميعًا لا يتخلف منهم أحد، ولهذا قال: ﴿فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ (٥٣)﴾. ٢ - ومن فوائدها أيضًا: أن الله إذا أمر بشيء لا يعيد الأمر مرة ثانية، بل يكون الشيء بأول أمر، ونظير ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ (٥٠)﴾ (٢) والذي يعيد الأمر والكلام هو العاجز، وأما القادر فلا يعيده. ٣ - ومن فوائدها أيضًا: الإشارة إلى أن الله تعالى ينزل للقضاء بين عباده، تؤخذ من قوله: ﴿لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ (٥٣)﴾ أي: عندنا والعند يدل على القرب، وقد ثبت بالنصوص أن الله ينزل للقضاء بين عباده فيقضي بينهم. * * * قال تعالى: ﴿فَالْيَوْمَ لَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَلَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٥٤)﴾. (اليوم) أي: يوم القيامة حين يحضر الناس للفصل والقضاء، فـ (أل) هنا للعهد الحضوري، أي: ففي حضرتهم ذلك اليوم حينما يحضرون ﴿لَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا﴾ أي: لا تنقص،

стр. 191

والنقص يكون بأحد أمرين: إما بزيادة السيئات، وإما بنقص الحسنات، وكلا الأمرين منتف كما قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا (١١٢)﴾ (١) أي: لا يخاف هضمًا من حقه من الحسنات، ولا ظلمًا بزيادة السيئات، يقول: ﴿لَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا﴾ ونفس نكرة في سياق النفي، فتشمل كل نفس، حتى الكافر يكون عذابه على حسب عمله، ولهذا قال: ﴿وَلَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٥٤)﴾ أي: لا تكافئون على أعمالكم إلا ما كنتم تعملون، قال المؤلف ﵀: [لا تجزون إلا جزاء ما كنتم تعملون] إنما قدر ﵀ (جزاء) لئلا يتسلط الفعل على نفس العمل، والعمل قد مضى وانقضى، والذي يوجد في يوم القيامة هو الجزاء، ولهذا قال: [إلا جزاء ما كنتم تعملون] لا نفس العمل؛ لأن العمل إنما كان في الدنيا وليس في يوم القيامة، والذي في يوم القيامة هو الجزاء فلهذا قدر المؤلف [إلا جزاء ما كنتم تعملون]. فإن قال قائل: كلام المؤلف هنا: أفلا يكون منتقدًا؛ لأنه كالاستدراك على كلام الله ؟ فالجواب على هذا: أن يقال ليس بمنتقد، وليس مقتضاه الاستدراك على كلام الله، لأن المؤلف أراد أن يفسر المعنى المراد، ولم يرد أن في الكلام نقصًا، وقد علم في البلاغة أن الإيجاز نوعان: إيجاز حذف، وإيجاز قصر، وإيجاز الحذف معناه أن تكون الجملة فيها شيء محذوف يعلم من السياق،

стр. 192

وإيجاز القصر أن تكون الجملة ذات كلمات يسيرة، ولها معاني كثيرة، فعلى كلام المؤلف يكون في الكلام إيجاز حذف. فإذا قال قائل: إن هذا التركيب الذي ذكره المؤلف فيه شيء من الركاكة [لا تجزون إلا جزاء ما كنتم تعملون]. فالجواب: نعم القرآن أفصح بلا شك، وأبين، وأسد، لأن التعبير عن الجزاء بالعمل أبلغ في التأثير على الففس، فإذا علم الإنسان أنه لا يجزى يوم القيامة إلا عمله فإنه سوف يزدجر عن المحرمات، وسوف يقوى على فعل المأمورات؛ لأنه يعلم أن عمله هذا نفسه هو الذي سيجزاه يوم القيامة، فالذي يظهر لي أن الكلام لا يحتاج إلى هذا التقدير الذي ذكره المؤلف ﵀، لأن جعل العمل هو الذي يجزى به الإنسان أبلغ في إثارة النفس كما قررناه، وقوله: ﴿إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٥٤)﴾ أي: هذا في الدنيا ﴿تَعْمَلُونَ (٥٤)﴾ خبر كاف، وتحتاج الجملة إلى عائد يعود على الموصوف (ما)؛ لأنه قد تقدر في علم النحو: أن كل اسم موصول يحتاج إلى عائد يربطه بصلته، كما أن كل خبر للمبتدأ يكون جملة يحتاج إلى رابط، يربط بين الجملة الخبرية وبين المبتدأ التي هي خبر عنه، هنا نقول: إن العائد محذوف أي: ما كنتم تعملونه، والعمل يطلق بلا شك على فعل الجوارح، ويطلق على القول، ويطلق على عمل القلب، وهو الركون إلى الشيء، والاطمئنان به، فإذا أطلق العمل شمل هذه الثلاثة: عمل القلب وهو ركونه إلى الشيء ورضاه وطمأنينته به، قول بمعنى عمل اللسان، فعل عمل الجوارح، هذا إذا أطلق العمل، أما إذا

стр. 193

قيل: عمل وقول، أو قيل: اعتقاد وعمل، فإن العمل يفسر هنا بعمل الجوارح، وهذا يكون كثيرًا في اللغة العربية وفي القرآن الكريم، وهو أن الشيء إذا أفرد يكون شاملًا، وإذا قرن بغيره صار خاصًّا؛ لأنه إذا قرن بغيره صار الكلام على جهة التقسيم، والتقسيم لابد فيه من مقسم، والمقسم يكون كل قسيم منه ضد القسيم الآخر، والخلاصة الآن أن المراد بالعمل هنا عمل القلب، والجوارح، واللسان الذي هو القول، لأن هذا كله يجازى عليه الإنسان يوم القيامة. فإذا قال قائل: هل يشمل العمل الكف، أي: إذا ترك الإنسان المعصية، هل يقال: إن هذا عمل يجزى عليه؟ الجواب: نعم، يقال إنه عمل يجزى عليه؛ ولهذا قال النبي ﷺ : "من هم بالسيئة فلم يعملها كتبها الله حسنة كاملة" (١). لأن تركها لله فما وجه كون الترك عملًا؟ لأن الترك كف النفس عن جماحها وإقدامها فهو عمل وحينئذ نقول كلمة: ﴿يَعْمَلُونَ﴾ تشمل أربعة أشياء هي: عمل القلب، واللسان، والجوارح، والترك. ويجزى عليها الإنسان. الفوائد: ١ - من فوائد الآية الكريمة: انتفاء الظلم مطلقًا في يوم القيامة؛ لأنه يوم العدل، كما قال تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ

стр. 194

لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ (١). ٢ - ومن فوائد الآية الكريمة: أن الإنسان لا يظلم لا بقليل ولا بكثير لأن ﴿شَيْئًا﴾ نكرة في سياق النفي فتكون للعموم. فإذا قال قائل: في غير هذا اليوم هل يظلم أحد؟ فالجواب: لا يظلم، لكن ذكر هذا اليوم لبيان الواقع؛ لأن هذا اليوم هو يوم الجزاء، فكأنه قال: هذا اليوم الذى هو الجزاء ليس فيه ظلم، ونظير ذلك قوله تعالى: ﴿لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ﴾ (٢). ٣ - من فوائد الآية الكريمة: أن الجزاء من جنس العمل لقوله: ﴿وَلَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٥٤)﴾ فيستفاد منه: ٥ - كمال عدل الله . وهذه فائدة متفرعة على الفائدة التي قبلها. فإن قال قائل: أليس الإنسان العامل الحسنة يجزى بعشر حسنات؟ فالجواب: بلى، ولكن هذا من الجزاء الذي وعد الله به، فلا يكون منافيًا لظاهر الآية؛ لأن الله تعالى وعد من جاء بالحسنة أن يجعل له عشر أمثالها، فتكون داخلة في قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٥٤)﴾. ٥ - ومن فوائد الآية الكريمة: جواز التعبير بالسبب عن السبب؛ لأن العمل سبب للجزاء، فيكون فيه التعبير بالسبب عن السبب. * * *

стр. 195

﴿إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ (٥٥)﴾ لما ذكر الله أن ذلك اليوم يجازى فيه العامل بعمله، ذكر أصناف العاملين، وهم صنفان: الصنف الأول: أصحاب الجنة، والصنف الثاني: المجرمون. وأصحاب الجنة لم يذكر الله تعالى في هذه الآية عملهم، لكنه ذكر في آيات كثيرة عملهم الذي يكون سببًا لدخولهم الجنة، قال: ﴿إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ (٥٥)﴾ ﴿أَصْحَابَ﴾ جمع صحب، وصحب اسم جمع صاحب، والصاحب هو: الملازم لمصحوبه، ولا يسمى الشيء صاحبًا للشيء إلا بعد الملازمة حسب ما يقتضيه العرف، إلا شيئًا واحدًا استثناه العلماء وهو صحابة رسول الله ﷺ ، فإن صحبته تثبت بمجرد اللقاء ولو للحظة، فكل من اجتمع بالنبي ﵊ ولو للحظة مؤمنًا به ومات على ذلك فهو صحابي له، ﴿الْجَنَّةِ﴾ تقدم أنها في اللغة العربية اسم للبستان الكثير الأشجار، وسمي بذلك لأنه لكثرة أشجاره، يجن من فيه وما فيه، ويجن بمعنى يستر، لأن هذه المادة (الجيم والنون) كلها تدور على هذا المعنى وهو الاستتار، ومنه سمي الجنين؛ لاستتاره في بطن أمه، وسمي الجن؛ لاستتارهم عن الأعين، وسميت الجُنة؛ لأن المقاتل يستتر بها عن السهام، فالجنة في اللغة كل بستان كثير الأشجار، وسمي بذلك؛ لأنه يجن من فيه من الساكن، وما فيه من الأشجار الصغيرة التي تكون تحت الأشجار الكبيرة، هذا هو أصل معنى

стр. 196

هذه الكلمة في اللغة، ومعناها شرعًا هي: الدار التي أعدها الله للمتقين: فيها لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣)﴾ (١). ولا يصح أن تقول: إن الجنة في الآخرة هي البستان كثير الأشجار، ولو قلت هكذا لنزلت من قيمتها في نفوس الناس، لكن إذا قلت: هي الدار التي أعدها الله للمتقين، فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، صار ذلك حافزًا للعمل لها، وقوله: ﴿الْيَوْمَ﴾ يعني يوم القيامة و (أل) هنا للعهد الذكري، لأن سبق ذكره و (أل) تكون للعهد الذكري إذا سبق ذكر مدخولها، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولًا شَاهِدًا عَلَيْكُمْ كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا (١٥) فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْنَاهُ أَخْذًا وَبِيلًا (١٦)﴾ (٢) فإذا كان مدخول (أل) سبق ذكره فهي للعهد الذكري. ﴿فِي شُغُلٍ﴾ الجار والمجرور وهو خبر ﴿إِنَّ﴾ ﴿فِي شُغُلٍ﴾ يقول المؤلف: [بسكون العين وضمها] شغْل وشغُل، والقرآءتان سبعيتان، لأن المؤلف ﵀ من طريقه أنه إذا قال: في قراءة، وفي قراءة، فهما متساويتان، أي كلتاهما قراءة سبعية، أما إذا قال: وقرئ. فإن هذه القراءة تكون شاذة، فليعلم اصطلاحه حتى لا يشتبه. فيجوز لنا أن نقول: ﴿إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ﴾ و ﴿شُغُلٍ﴾.

стр. 197

وهل الأفضل أن نقتصر على قراءة واحدة، أو أنه نقرأ تارة بهذه وتارة بهذه؟ الصحيح أن الأفضل أن نقرأ بهذه تارة وبهذه تارة، لأن الكل ثبت عن النبي ﷺ ونحن إذا بقينا على قراءة واحدة هجرنا بقية القراءات على أنها شرعية ثابتة عن الرسول ﷺ ، فالأولى أن نقرأ مرة بهذه ومرة بهذه إلا أمام العامة فلا تفعل ذلك، لأنك إذًا قرأت بقراءة مخالفة لما بين أيديهم من المصاحف فسوف يكون في ذلك فتنة، ويكون في ذلك زعزعة للثقة في كتاب الله ، لكن إذا كنت تقرأ لنفسك، أو تقرأ بين طلبة العلم فالأفضل أن تقرأ بهذا أحيانًا وبهذا أحيانًا، قال المؤلف ﵀: [في "شغل" بسكون الغين، وضمها، عما فيه أهل النار مما يتلذذون به، إذا هم منشغلون عما فيه أهل النار، ولو أن المؤلف جعلها مطلقة على إطلاقها لكان أولى، فهم في شغل عن كل شيء بما يتلذذون به، يعني كأنهم لا يفكرون في أي شيء آخر، لأن هذا الذي هم فيه من النعيم قد شغلهم، وانشغلوا به عن غيرهم هذا كقوله تعالى: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا (١٠٨)﴾ (١) أي: لا يبغون تحولًا أو نزولًا عما هم فيه، بل ولا صعودًا حتى النازل منهم يرى أنه أكمل الناس نعيمًا، فالأولى أن نطلق ونقول: ﴿فِي شُغُلٍ﴾ أي: أنهم مشتغلون بما هم فيه من النعيم عن كل شيء، لا ينتظر أحدهم نعيمًا أرقى مما هو فيه بحيث يرى أن نعيمه ناقص ولا يلتفت إلى شيء أبدًا ﴿فِي شُغُلٍ﴾ قال المؤلف: [كافتضاض

стр. 198

الأبكار] والكاف للتشبيه، وليس للحصر، أي: من جملة ما ينشغلون به التلذذ بافتضاض الأبكار، من نساء الدنيا وكذلك الحور العين، وإنما مثل المؤلف بذلك لقوله تعالى: ﴿هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلَالٍ﴾ قال [كافتضاض الأبكار لا شغل يتعبون فيه، لأن الجنة لا نصب فيها]، أي لا تعب، فهذا الشغل ليس شغلًا يتعبون فيه، ولكنه شغل يستريحون فيه، لأنه شغل فيما يسر وفيما يحصل به التنعم، قال: ﴿فَاكِهُونَ (٥٥)﴾: قال المؤلف: [ناعمون خبر ثان، لـ (إن) والأول ﴿فِي شُغُلٍ﴾] أي قوله: ﴿فَاكِهُونَ (٥٥)﴾ خبر ثان لـ (إن) والأول ﴿فِي شُغُلٍ﴾ الجار والمجرور، فتكون (إن) لها خبران، والخبر يجوز أن يتعدد، قال تعالى: ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ (١٤) ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ (١٥) فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ (١٦)﴾ (١) فهذه خمسة أخبار، فالخبر يجوز أن يتعدد، لكن تعدد الخبر قد يكون لكل كلمة منه معنى مستقل، وقد تكون الكلمتان في معنى كلمة واحدة، فمثلًا إذا قلت هذا البرتقال حلو حامض، فهاتان كلمتان، لكنهما بمعنى كلمة واحدة: (مُز) أي: جامع بين الحلاوة والحموضة، لكن لو قلت: فلان قائم مسرور، فالخبران كل واحد منهما بمعنى مستقل، بدليل أن أحدهما ينفرد عن الآخر بمعنى مستقل، والخلاصة: أننا فهمنا من كلام المؤلف أن الخبر يجوز أن يتعدد سواء كان منسوخًا كما في الآية، أم غير منسوخ. الفوائد: ١ - من فوائد الآية الكريمة: أن الناس ينقسمون في ذلك

стр. 199

اليوم إلى قسمين: قسم هم أصحاب الجنة، وقسم هم أصحاب النار، أصحاب الجنة هذا جزاؤهم ﴿فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ (٥٥)﴾. ٢ - ويستفاد من قوله: ﴿فَاكِهُونَ (٥٥)﴾ كمال النعيم؛ لأنه كل ما كمل النعيم كمل التفكه بهذه النعمة التي يتنعم بها الإنسان. * * * ﴿هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلَالٍ عَلَى الْأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ (٥٦)﴾ ﴿هُمْ﴾ أي: أصحاب الجنة ﴿وَأَزْوَاجُهُمْ﴾ جمع زوج، وتطلق على الذكر والأنثى، فيقال: هذا زوج فلانة، ويقال: هذه زوج فلان، لكن أهل العلم قالوا: يجب التفريق -وإن كان لغة ضعيفة- في باب الفرائض فيقال: زوجة للأنثى، ويقال: زوج للرجل، لئلا يشبه على المتعلم كون المسألة المتوفى فيه زوج ذكر أو زوج أنثى، وإلا فاللغة العربية الفصحى حذف التاء من زوج، سواء كان للأنثى أو الذكر ﴿فِي ظِلَالٍ﴾ جمع ظلة، خبر للمبتدأ هم، أو جمع ظل، والمعنى لا يختلف كثيرًا، فهم في ظلال ليس عندهم شمس تصهرهم، أو تسخن الجو، وإنما هو أنوار، قال بعض أهل العلم: كالنور الذي يكون بين طلوع الفجر وطلوع الشمس، فهو نور ساطع ولكنه لطيف، لأن ألطف ما يكون هو مثل ذلك الوقت فهو ظل ظليل ﴿عَلَى الْأَرَائِكِ﴾ قال المؤلف: [جمع أريكة، وهو السرير في الحَجَلَة، أو الفرش فيها] ﴿عَلَى الْأَرَائِكِ﴾ جمع الأريكة هي السرير في الحجلة، أو الفراش فيها، ولكن الأكثر أنها السرير، والحجلة عبارة عن بيت صغير في وسط البيت الكبير، أي أنها بمنزلة الحجرة الخاصة بالمنام فيما نعرفه بيننا، فالدار مثلًا

стр. 200

تشمل حجرًا كثيرة متعددة، والحجرة الخاصة بالنوم هي مثل الحجلة، خيمة صغيرة تكون خاصة بالرجل وأهله، أو بالرجل وحده، أو بالمرأة وحدها ﴿مُتَّكِئُونَ (٥٦)﴾ قال المؤلف: [خبر ثانٍ متعلق على] أي: على الأرائك متعلقة بمتكئون، وعلى كلام المؤلف يكون المبتدأ (هم) وفي (ظلال) خبر و (متكئون) خبر ثان، فالجملة على كلامه واحدة لكنها متعددة الخبر: (هم في ظلال متكئون) و ﴿عَلَى الْأَرَائِكِ﴾ متعلقة بمتكئون، ومناسبة تقديمها على عاملها: مراعاة فواصل الآيات، والقرآن الكريم يكون فيه مراعاة الفواصل حتى كان أدى إلى تقديم المفضول على الفاضل في سورة (طه) في قوله: ﴿فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى (٧٠)﴾ (١) فقدم هارون على موسى، مع أن موسى أفضل، مراعاة للفواصل، لأن الفواصل إذا كانت متفقة كان لها تأثير في الاستماع والإصغاء والقرآن أبلغ الكلام، هذا ما ذهب إليه المؤلف، ولنا رأي ثان في الإعراب أن تكون ﴿عَلَى الْأَرَائِكِ﴾ خبر مقدم ﴿مُتَّكِئُونَ﴾ مبتدأ مؤخر، وعلى هذا فتكون لدينا جملتان، جملة ﴿هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلَالٍ﴾ والثانية: ﴿عَلَى الْأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ﴾ وما ذكرناه أعم؛ لأن ما ذكرناه يشمل أن يكون متكئين على الأرائك مع الزوجات، أو بدون زوجاتهم، وعلى كلام المؤلف ﵀ يقتضي أن يكونوا متكئين على الأرائك مع الزوجات.

стр. 201

الفوائد: ١ - من فوائد الآية الكريمة: أن لأهل الجنة زوجات لقوله: ﴿هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلَالٍ﴾ وقد وصف الله هؤلاء الزوجات بصفات كثيرة، فقال في سورة الرحمن: ﴿فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ﴾ (١) وقال: ﴿فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ﴾ (٢) فقاصرات الطرف يعني أنها تقصر طرفها على زوجها لا تنظر إلى غيره؛ لأنها ترى أن زوجها أكمل الأزواج فلا يمتد نظرها إلى غيره، وهي أيضًا قاصرات لطرف زوجها عليها، فزوجها لا يمتد بصره إلى غيرها، فكل منهما راضٍ بصاحبه، وهن أيضًا ﴿خيرات حسان﴾ خيرات الطباع، حسان الوجوه والأجسام، وصفاتهن كثيرة في القرآن الكريم. ٢ - ومن فوائد الآية الكريمة: أن الجنة ليس فيها شمس لقوله: ﴿وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلَالٍ﴾. ٣ - ومن فوائدها: كمال راحة أهل الجنة لقوله: ﴿عَلَى الْأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ﴾، فإن المتكئ عادة يكون مستريحًا مطمئنًا، وكلما اطمأن الإنسان ازدادت راحته، والاتكاء على الأرائك لا شك أنه دليل على راحة البال وعدم الانشغال. ٤ - ومن فوائد الآية الكريمة: أن لأهل الجنة فيها الفاكهة وهي كل ما يتفكه به، وقد ذكرنا أن جميع طعامهم فاكهة يتفكهون بها. ٥ - ومن فوائد الآية الكريمة: أن لأهل الجنة كل ما

стр. 202

يتمنونه، بل يعطون أكثر مما يتمنون، وفيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. ٦ - ومن فوائد الآية الكريمة: أن هذا القرآن الكريم مثاني، تثنى فيه المعاني، فيذكر الشيء ويذكر ضده، لأنه لو ذكر ما يكون به الرجاء دون ما يكون فيه الخوف، لغلب جانب الرجاء على جانب الخوف ووقع الإنسان في الأمن من مكر الله، ولو ذكر فيه جانب الخوف دون جانب الرجاء، لوقع الإنسان في القنوط من رحمة الله، فكان الله إذا ذكر النعيم ذكر ضده، وإذا ذكر أصحاب الجنة ذكر أصحاب النار، وهكذا، وهذا أحد معاني قوله تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ﴾ (١) يعني أنه تثنى فيه المعاني حتى يكون اليسر لله تعالى على الوجه المطلوب. * * * ثم قال الله تعالى: ﴿لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ (٥٧)﴾ أي لأصحاب الجنة ﴿فِيهَا﴾ أي: الجنة ﴿فَاكِهَةٌ﴾ أي: ما يتفكهون به، وكل أكل أهل الجنة فاكهة، لأنهم يأكلونه على سبيل التفكه لا على سبيل الحاجة والضرورة، ففي الدنيا قد نأكل أحيانًا تفكهًا، وأحيانًا للحاجة، وأحيانًا للضرورة، أما في الجنة فكل ما نأكله للتفكه؛ لأنه ليس هناك ضرورة أو حاجة، ولهذا يأكل الإنسان الأكل ويخرج هذا الأكل رشحًا مثل العرق، أطيب من ريح المسك، وليس فيها بول أو غائط. فإذا قال قائل: إذا جعلت الفاكهة اسمًا لكل ما يأكلون؛

стр. 203

لأنهم يأكلونه على سبيل التفكه، فكيف تجيب عن قوله تعالى: ﴿فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ﴾ (١) والأصل في العطف أن يكون للمغايرة، والنخل والرمان يؤكل. فالجواب: يعلم مما ذكرنا آنفًا وهو أن الشيء إذا أفرد صار له معنى عامًّا، وإذا قرن بغيره صار له معنى خاصًّا مقابلًا لما قرن معه، لأن التقسيم يقتضي أن يكون المقسم إليه من طرف، غير المقسم إليه من الطرف الآخر، فنقول: النخل والرمان نص عليهما بخصوصهما لخاصية فيهما، وإلا فهما من الفاكهة، فيكون هذا من جنس عطف الخاص على العام، وعطف الخاص على العام في اللغة العربية كثير، مثل: ﴿تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا﴾ (٢) والروح هو جبريل ﵇ وهو من الملائكة، ثم قال المؤلف: ﴿وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ (٥٧)﴾ كل ما يتمنونه فإنه حاصل، بل إن الله يعطيهم أكثر مما يتمنون؛ لأن أمنية الإنسان محدودة، قد يرى أن هذا أكبر شيء، وفيه شيء آخر أكبر منه ولكنه لا يدركه. فالإنسان في الآخرة يعطى كل ما يتمنى، بل يزاد على ما يتمنى. فإذا قال قائل: هل إذا اشتهى الإنسان الشيء في الجنة يحصل بمجرد هذه الشهوة، أو لابد من الطلب؟ فالجواب: أن هذا الأمر محتمل، يحتمل أن الإنسان إذا اشتهى شيئًا حصل له، ويحتمل أنه لابد أن يدعيه، والدعوى

стр. 204

بمعنى الطلب، وفائدة الطلب إظهار صدق الإرادة، كما أن الفعل يدل على صدق الإرادة، فلو أن أحدًا من الناس قال: أريد أن أزور فلانًا، فإن هذه الإرادة لا تظهر إلا إذا زاره بالفعل، وإلا فما دام لم يقم بالفعل فإن الإرادة قد تكون غير صادقة، وعلى كل حال يكفينا أن الله يقول: ﴿وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ﴾ (١) فإن ظاهر الآية أن كل ما تشتهيه وإن لم تطلبه يحصل لك. * * * ﴿سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ (٥٨)﴾ قال المؤلف ﵀: [﴿سَلَامٌ﴾ مبتدأ ﴿قَوْلًا﴾ أي: بالقول. خبره] على أنه منصوب بنزع الخافض، لأنه قال: أي بالقول. والنصب بنزع الخافض في غير (أنا) و (أن) ليس بمطرد، بل هو سماعي، إن سمع عن العرب النصب عمل به، وإن لم يسمع لم يعمل به، وقاعدة ذلك: أنه قد يحذف حرف الجر، فإذا حذف حرف الجر صار مدخوله منصوبًا، ويقال فيه: منصوب بنزع الخافض، ولكنه كما قال ابن مالك ﵀: في أن وأنا يطر ومع أمن ... لبس كعجبت أن يدم فالمؤلف مشى على أن ﴿قولًا﴾ منصوب بنزع الخافض أي سلام بالقول من رب رحيم، وهذا أحد الوجوه في الآية الكريمة، ويجوز أن يكون ﴿سَلَامٌ﴾ خبر لمبتدأ محذوف، أي: هي سلام يعني الجنة، سلام كما قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ

стр. 205

السَّلَامِ﴾ (١) ويجوز أيضًا أن يكون الخبر قوله: ﴿مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ أي سلام بالقول واقع من الله ، وهذه الوجوة لا ينافي بعضها بعضًا من حيث المعنى، فإن المعنى كله واحد وهو أن الله تعالى يسلم عليهم بالقول، ويقول لأهل الجنة: سلام عليكم، وقوله: ﴿مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ الرب في اللغة العربية يطلق على عدة معانٍ: فيطلق على رب العالمين ، وهو بهذا المعنى يشمل الخلق، والملك، والتدبير، فالرب هو الخالق المالك المدبر. ويطلق الرب على الصاحب، مثل قولهم: رب البيت، أي صاحب البيت، ومثل قوله ﵊ في ضالة الإبل: "معها سقاؤها وحذاؤها، ترد الماء وتأكل الشجر، حتى يجدها ربها" (٢)، أي: صاحبها. وقوله: ﴿مِنْ رَبٍّ﴾ المراد به المعنى الأول يعني الله تعالى، فالله تعالى هو الرب، أي: الخالق، المالك، المدبر و ﴿رَحِيمٍ﴾ من الرحمة وهي صفة ذاتية، لم يزل الله ولا يزال متصفًا بها، لكن أفرادها تجدد باعتبار المرحوم، فالله يرحم من يشاء، ومعلوم أن المرحوم يتجدد، فرحمة الله تعالى لهذا المرحوم تتجدد، أما أصل المعنى فإن الله تعالى لم يزل ولا يزال رحيمًا، وأهل السنة والجماعة وهم السلف يفسرون "الرحمة" بمعنى يليق بالله . وأهل التحريف يفسرون

стр. 206

"الرحمة" إما بالإحسان، وإما بإرادة الإحسان فيقولون: معنى رحيم، أي: محسن، أو مريد للإحسان، قالوا: لأن الله لا يمكن أن يتصف بالرحمة، فإن الرحمة تدل على الضعف، وعلى الرقة واللين، وهذا لا يليق بالله . وفسروها بالإرادة، لأنهم يثبتون الإرادة، أو بالإحسان؛ لأن الإحسان منفصل عن الله وهو مخلوق، ولا شك أن هذا تحريف، والرحمة إن كان يلزم منها الرقة واللين فهذا باعتبار رحمة المخلوق، أما باعتبار رحمة الخالق فلا يلزم منه هذا المعنى، على أننا نمنع أن يكون من لازمها الرقة واللين؛ لأنا نجد الملك القوي الشجاع يكون فيه رحمة، ولا ينقص ذلك من قوته وسلطانه شيئًا، لكن لو سلمنا جدلًا أنها تستلزم الرقة واللين فإنما ذلك باعتبار رحمة المخلوق. الفوائد: ١ - في هذه الآية الكريمة: دليل على ما يتمتع به أهل الجنة من السلامة من كل الآفات، ومن الأمراض، ومن الموت، ومن غيره، لأن الله تعالى يقول لهم ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ﴾ وهذا اللفظ الصادر من الله ليس دعاء ولكنه خبر من الله، وإنما يكون مثل هذا دعاء إذا وقع من المخلوق، أما إذا كان من الخالق فهو خبر، أي: أن الله تعالى يخبرهم بأنه سيسلمهم من كل آفة. ٢ - ومن فوائد الآية الكريمة: وإثبات أن الله يقول ويتكلم وهذا حق، وقد اختلف أهل القبلة في كلام الله : فمنهم من قال: يتكلم بحرف وصوت على وجه يليق به،

стр. 207

ولا يشبه صوته أصوات المخلوقين. ومنهم من قال: إنه لا يتكلم، ولكن يخلق كلامًا ينسبه إليه تشريفًا وتكريمًا. ومنهم من قال: إنه يتكلم، لكن كلامه ما يقدره في نفسه، وأما ما يسمع فهو مخلوق. فالأول مذهب أهل السنة والجماعة، والثاني مذهب المعتزلة ومن وافقهم، والثالث مذهب الأشاعرة، وحقيقة الأمر أن مذهب الأشاعرة هو مذهب المعتزلة، لأن الكل منهم متفقون على أن ما بين أيدينا من المصحف مخلوق، لكن الجهمية والمعتزلة قالوا: هو كلام الله، وأولئك قالوا: عبارة عن كلام الله، فهم أسوأ منهم في هذه الناحية، لأن المعتزلة والجهمية يقولون: إن القرآن كلام الله، كما قال الله عنه كلام الله ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ (١) لكن هم يقولون ﴿حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ أي: الكلام الذي هو عبارة عن كلام الله. والجهمية والمعتزلة أقرب إلى الحقيقة من الأشاعرة، ولكن كل منهم في ضلال مبين. والصواب أنه كلام الله تكلم به بنفسه، وسمعه منه جبريل ﵊ وألقاه إلى محمد ﷺ . ٣ - ومن فوائدها: إثبات الربوبية، وهي هنا فيما يظهر -والله أعلم- من الربوبية الخاصة؛ لأن الذي يخاطب به من القوم المخلصين، والربوبية كما تقدم، تنقسم إلى قسمين: خاصة،

стр. 208

وعامة، فالعامة هي الشاملة لجميع الخلق، فإن جميع الخلق مربوبون لله ، هو خالقهم ومالكهم، ومدبرهم، ومنها قول الله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢)﴾ أما الربوبية الخاصة فهي مختصة بعباد الله المخلصين من عباده المؤمنين من الرسل وأتباعهم، وهي أخص من الأولى؛ لأنها تقتضي عناية خاصة بالمربوب، وتوفيقًا له، وإصلاحًا لحاله، ومنها قوله تعالى: ﴿رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ (١٢٢)﴾ (١) فإن موسى وهارون -عليهما الصلاة والسلام- من عباد الله المخلصين، فكانت الربوبية في حقهما خاصة، ومنه دعاء المؤمنين لله بهذا الاسم مثل ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا﴾ (٢) فالمراد به الربوبية الخاصة؛ لأن التوسل بالأخص، أخص بالدعاء من التوسل بالأعم، وقد اجتمع القسمان في قوله تعالى: ﴿قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (١٢١) رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾ (٣). فالأولى عامة، والثانية خاصة. والرب من أسماء الله دل على ذلك قوله ﷺ : "أما الركوع فعظموا فيه الرب" (٤)، وقوله ﷺ في السواك: "مطهرة للفم مرضاة للرب" (٥). ٤ - في هذه الآية الكريمة: إثبات الرحمة لله

стр. 209

لقوله: ﴿رَحِيمٍ (٥٨)﴾. وكون (الرحيم) من أسماء الله لا يخفى. ٥ - وفي هذه الآية: إشارة إلى أنهم إنما وصلوا إلى هذه المنزلة برحمة الله لقوله: ﴿مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ (٥٨)﴾ وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: "لن يدخل أحد منكم الجنة بعمله" أو قال: "لن يدخل أحد الجنة بعمله"، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: "ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته" (١). اللهم تغمدنا برحمتك، فالرسول ﵊ أخبر أن لا أحد يدخل الجنة إلا أن يتغمده الله برحمته، أي يسبغ عليه الرحمة، فحينئذ يدخل. * * * قوله تعالى: ﴿وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ (٥٩)﴾، قال المؤلف ﵀[ويقول: ﴿وَامْتَازُوا﴾] يعني أن القائل الله ، وفي الجزم بذلك نظر، فقد يكون الله هو الذي يقول للمجرمين: امتازوا، وقد يكون القائل ملك من الملائكة، ولهذا لو قال المؤلف: (ويقال) لكان أولى؛ لأن الجزم بأن القائل هو الله يحتاج إلى توقيف، أي: إلى النص من الشارع، ﴿وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ (٥٩)﴾ ﴿الْيَوْمَ﴾ المراد باليوم يوم القيامة، فأل هنا فيه للعهد الذكري ﴿أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ (٥٩)﴾ قال المؤلف: [أي: انفردوا عن المؤمنين عند اختلاطهم بهم]، يعني يقال يوم القيامة: امتازوا أيها المجرمون، وتميزوا عن المؤمنين، وانفردوا عنهم؛ لأن طريق المجرمين غيرُ طريق الأبرار، فالأبرار طريقهم إلى الجنة،

стр. 210

وهؤلاء طريقهم إلى النار، قال تعالى: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا (٨٥) وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا (٨٦)﴾ (١) فيمتاز هؤلاء عن هؤلاء، يقال لهم: ﴿وَامْتَازُوا﴾ على سبيل التوبيخ والإهانة، لأنك إذا رأيت مجتمعًا فقلت مثلًا: أيها الطائفة الفلانية امتازوا وابتعدوا، صار في هذا من إذلالهم وإهانتهم ما هو ظاهر، وقوله: ﴿أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ (٥٩)﴾ المجرم فاعل الإجرام، والإجرام هو: الذنب والإثم، أي: أيها الآثمون المذنبون امتازوا عن المؤمنين المطيعين. الفوائد: ١ - من فوائد الآية الكريمة: أن المجرمين يهانون يوم القيامة، بحيث يميزون من المؤمنين بلفظ الطرد ﴿وَامْتَازُوا الْيَوْمَ﴾ أي: انفردوا وأبعدوا. ٢ - ومن فوائدها: أن الله تعالى يميز بين المجرمين والأبرار يوم القيامة، كما ميز بينهم في الدنيا، فإن طريق هؤلاء غير طريق هؤلاء. ٣ - ومن فوائد الآية الكريمة: أنه ينبغي لمن قام بعمل أن يذكر الوصف المناسب لهذا العمل، فهنا لما أمروا بالانصراف وطردوا ناسب أن يذكر سبب ذلك، حيث قال: ﴿أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ (٥٩)﴾ كأنه قال: (امتازوا لإجرامكم)، ولا شك أن ذكر سبب الحكم يزيل الشبهة واللبس والاعتراض، وينبني على هذه الفائدة:

стр. 211

٤ - أن تعليق الحكم بوصف يدل على أن هذا الوصف هو علة ذلك الحكم، فإذا قلت مثلًا: أكرم المجتهد من الطلبة، فهنا علق الإكرام بالاجتهاد، وهذا يفيد أن علة الإكرام هو الاجتهاد، فهذه القاعدة مفيدة لطالب العلم، وهي أن تعليق الحكم بوصف يدل على عليته، أي: أنه علة ذلك الحكم. ٥ - حذفت ياء النداء من قوله: ﴿أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ (٥٩)﴾ فلماذا؟ يمكن أن يقول علماء البلاغة: إنها حذفت من باب الإهانة لهم حتى لا يطيل الكلام؛ لأن طول الكلام مع المخاطب من باب التبسط إليه والانشراح لمخاطبته، فإذا اختصر فهو نوع من الإهانة، وليس هذا على إطلاقه، بل هذا على حسب السياق، قد يكون من الإكرام أن تختصر الكلام، وقد يكون من الإكرام أن تبسط الكلام، لكن المقام في هذا لا يقتضي ذلك، بل يقتضي أن اختصار الكلام وعدم تطويله من باب الإهانة لهم. * * * ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَابَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٦٠) وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (٦١)﴾ قال المؤلف ﵀: [آمركم ﴿يَابَنِي آدَمَ﴾ على لسان رسلي ﴿أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ﴾ لا تطيعوه ﴿إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٦٠)﴾ بين العداوة ﴿وَأَنِ اعْبُدُونِي﴾ وحِّدوني وأطيعوني ﴿هَذَا صِرَاطٌ﴾ طريق ﴿مُسْتَقِيمٌ (٦١)﴾]. ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَابَنِي آدَمَ﴾ الاستفهام هنا للتقرير، والغالب أنه إذا وقع بعد الاستفهام ما يدل على النفي فالاستفهام

стр. 212

للتقرير مثل: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (١)﴾ (١) فهذا للتقرير ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَابَنِي آدَمَ﴾ للتقرير ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ﴾ (٢) للتقرير ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ (٣) للتقرير ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ﴾ (٤) للتقرير، وهكذا كلما جاء ما يدل على النفي بعد أداة الاستفهام فإن الاستفهام يكون فيه غالبًا للتقرير، هنا يقرر الله أنه عهد إليهم، ولهذا يصح أن تحول -في غير القرآن- إلى فعل ماض، فيقال: قد عهدت إليكم. فإذا قال قائل: ما المراد بهذا التقرير؟ فالجواب: المراد به التوبيخ، يعني يقرر الله هذا الأمر توبيخًا لهم، وإقامة للحجة عليهم، إن الله عهد إليهم أن لا يعبدوا الشيطان، والعهد إلى الشيء فسره المؤلف أنه الأمر، فقال: [آمركم] ولكنه في الحقيقة أبلغ من الأمر، لأن العهد إليه كأنه متضمن للعهد والميثاق، وهو كذلك فإن الله أخذ علينا الميثاق أن لا نعبد إلا إياه، وأن لا نعبد الشيطان؛ لأنه عدو، وقوله: ﴿يَابَنِي آدَمَ﴾ تشمل الذكر والأنثى، وإن كان الابن يقال في الأصل للذكر، والبنون تقال في الأصل للذكور، لكن إذا كان يراد به القبيلة، أو الجنس فإنه يشمل الذكر والأنثى، حتى إن الفقهاء ﵏ قالوا: إذا وقف على بني تميم، شمل ذكورهم

стр. 213

وإناثهم، لكن إذا وقف على بني فلان. أي: واحد من الناس ليس قبيلة، فإنه يختص بالذكور فقط، فبنوا آدم هنا قبيلة بل شامل لكل القبائل فيشمل الذكور والإناث، وقوله: ﴿أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ﴾ فسر المؤلف العبادة هنا بالطاعة؛ لأن طاعة الغير في محارم الله تعالى نوع من العبادة، كما قال تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا﴾ (١) قال عدي بن حاتم ﵁: يا رسول الله إنا لسنا نعبدهم -يعني لسنا نصلي، أو نركع، أو نسجد لهم-، قال: "أوليس يحلون ما حرم الله فتحلونه ويحرمون ما أحل الله فتحرمونه؟ " قال نعم، قال: "فتلك عبادتهم" (٢). وهذا الحديث وإن كان ضعيفًا ولكن الواقع أن طاعة غير الله في مخالفة أمر الله نوع من العبادة؛ لأن العبادة في الأصل هي التذلل والخضوع، وطاعة الأمر تذلل وخضوع، وقوله: ﴿الشَّيْطَانَ﴾ هل المراد بذلك الجنس، أو المراد الشيطان المعين؟ الظاهر أن المراد به الجنس، فيشمل شياطين الإنس، وشياطين الجن، فكما أن للجن شياطين فللإنس شياطين، يوجد من الإنس شياطين يأمرون الناس بالإثم والعدوان وينهونهم عن البر والإحسان، وقوله: ﴿إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٦٠)﴾ ﴿إِنَّهُ﴾ أي: الشيطان ﴿لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٦٠)﴾ فكل أحد يأمرك بمخالفة أمر الله فإنه عدو لك شعر بذلك أم لم يشعر، وعلى

стр. 214

رأسهم الشيطان الأول الذي يقود كل شيطان ﴿عَدُوٌّ﴾ العدو ضد الولي، والولي من يتولاك ويحوطك ويعتني بك، فالعدو ضده وهو الذي لا يريد لك الخير، وإنما يريد لك الشر، وقوله: ﴿مُبِينٌ﴾ قال المؤلف: [بين العداوة] وفسر ﴿مُبِينٌ﴾ ببين، لأنها من (أبان) و (أبان) تأتي بمعنى أظهر، وتأتي بمعنى ظهر، فإن كانت بمعنى أظهر فهي متعدية، وإن كانت بمعنى ظهر فهي لازمة، ولا يمكن أن نقول: إنها من المتعدي، أو اللازم، إلا بقرينة من السياق، فهنا نقول: ﴿مُبِينٌ﴾ إذا فسرناها بما فسرها المؤلف [بين العداوة] صارت من اللازم، مع أنه يمكن أن نجعلها من المتعدي، ونقول ﴿مُبِينٌ﴾ مظهر للعداوة؛ لأنه يأمرك بالشر، لكن هذا ضعيف، إذ لو أبان عداوته ما تبعه أحد، وإنما يغر الناس كما قال تعالى: ﴿فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ﴾ (١) إذن فجعل ﴿مُبِينٍ﴾ هنا من باب اللازم من أبان بمعنى ظهر ﴿وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (٦١﴾ ﴿لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ﴾ ﴿وَأَنِ اعْبُدُونِي﴾ هذا نفي وإثبات، وهو حقيقة التوحيد ﴿وَأَنِ اعْبُدُونِي﴾ (أن) هنا مصدرية، ويصح أن تكون مفسرة، لأن أعهد متضمنة معنى القول، وإذا سبق (أن) ما يتضمن معنى القول دون حروفه صارت تفسيرية، مثل قوله تعالى: ﴿فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ﴾ (٢) قوله: ﴿وَأَنِ اعْبُدُونِي﴾ أن الله عهد إلينا أن نعبده وحده، أي: تذللوا لي بالطاعة، والمؤلف قال: [وحدوني وأطيعوني] وهذا المعنى

стр. 215

صحيح، فالعبادة توحيد الله بالطاعة، والتذلل له بامتثال أمره، واجتناب نهيه ﴿هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (٦١)﴾ المشار إليه ترك عبادة الشيطان وإفراد الله بالعبادة ﴿صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (٦١)﴾ الصراط فسره المؤلف بالطريق، ولكن الصحيح أنه ليس مطلق الطريق صراطًا، بل الصراط هو الطريق الواسع المتساوي؛ لأنه مأخوذ من الصّرط أو من الزرط، والزرط كما نعلم هو ابتلاع الشيء بسرعة، ولا يكون الطريق طريقًا ذا سرعة إلا إذا كان واسعًا وكان سهلًا، وأما قوله: ﴿مُسْتَقِيمٌ (٦١)﴾ فهذا وصف له، والاستقامة تشمل اعتدال السير، وتشمل أيضًا انبساط الأرض، فإذا قدر أن الطريق يذهب يمينًا وشمالًا، لم يصح أن نقول: إنه مستقيم، وإذا كان فيه مرتفعات ومنخفضات فليس بمستقيم، لأن بعضه مرتفع وبعضه نازل، فالاستقامة معناها أنه خال من الانحراف يمينًا وشمالًا، وخالٍ من الاختلاف في ارتفاعه وانخفاضه وقوله: ﴿صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (٦١)﴾ أي: إلى الله ، والله أضاف الصراط إلى نفسه، وأضاف الصراط إلى خلقه فقال في سورة الفاتحة: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ فأضاف الصراط إلى الذين أنعم الله عليهم، وقال: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٢) صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ (١). فإن قال قائل: كيف نجمع بين الإضافتين؟ فالجواب: نقول: أضاف الله الصراط إلى الذين أنعم الله
следующие страницы →