٤ - أن تعليق الحكم بوصف يدل على أن هذا الوصف هو علة ذلك الحكم، فإذا قلت مثلًا: أكرم المجتهد من الطلبة، فهنا علق الإكرام بالاجتهاد، وهذا يفيد أن علة الإكرام هو الاجتهاد، فهذه القاعدة مفيدة لطالب العلم، وهي أن تعليق الحكم بوصف يدل على عليته، أي: أنه علة ذلك الحكم.
٥ - حذفت ياء النداء من قوله: ﴿أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ (٥٩)﴾ فلماذا؟ يمكن أن يقول علماء البلاغة: إنها حذفت من باب الإهانة لهم حتى لا يطيل الكلام؛ لأن طول الكلام مع المخاطب من باب التبسط إليه والانشراح لمخاطبته، فإذا اختصر فهو نوع من الإهانة، وليس هذا على إطلاقه، بل هذا على حسب السياق، قد يكون من الإكرام أن تختصر الكلام، وقد يكون من الإكرام أن تبسط الكلام، لكن المقام في هذا لا يقتضي ذلك، بل يقتضي أن اختصار الكلام وعدم تطويله من باب الإهانة لهم.
* * *
﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَابَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٦٠) وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (٦١)﴾ قال المؤلف ﵀: [آمركم ﴿يَابَنِي آدَمَ﴾ على لسان رسلي ﴿أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ﴾ لا تطيعوه ﴿إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٦٠)﴾ بين العداوة ﴿وَأَنِ اعْبُدُونِي﴾ وحِّدوني وأطيعوني ﴿هَذَا صِرَاطٌ﴾ طريق ﴿مُسْتَقِيمٌ (٦١)﴾].
﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَابَنِي آدَمَ﴾ الاستفهام هنا للتقرير، والغالب أنه إذا وقع بعد الاستفهام ما يدل على النفي فالاستفهام
стр. 212
للتقرير مثل: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (١)﴾ (١) فهذا للتقرير ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَابَنِي آدَمَ﴾ للتقرير ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ﴾ (٢) للتقرير ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ (٣) للتقرير ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ﴾ (٤) للتقرير، وهكذا كلما جاء ما يدل على النفي بعد أداة الاستفهام فإن الاستفهام يكون فيه غالبًا للتقرير، هنا يقرر الله أنه عهد إليهم، ولهذا يصح أن تحول -في غير القرآن- إلى فعل ماض، فيقال: قد عهدت إليكم.
فإذا قال قائل: ما المراد بهذا التقرير؟
فالجواب: المراد به التوبيخ، يعني يقرر الله هذا الأمر توبيخًا لهم، وإقامة للحجة عليهم، إن الله عهد إليهم أن لا يعبدوا الشيطان، والعهد إلى الشيء فسره المؤلف أنه الأمر، فقال: [آمركم] ولكنه في الحقيقة أبلغ من الأمر، لأن العهد إليه كأنه متضمن للعهد والميثاق، وهو كذلك فإن الله أخذ علينا الميثاق أن لا نعبد إلا إياه، وأن لا نعبد الشيطان؛ لأنه عدو، وقوله: ﴿يَابَنِي آدَمَ﴾ تشمل الذكر والأنثى، وإن كان الابن يقال في الأصل للذكر، والبنون تقال في الأصل للذكور، لكن إذا كان يراد به القبيلة، أو الجنس فإنه يشمل الذكر والأنثى، حتى إن الفقهاء ﵏ قالوا: إذا وقف على بني تميم، شمل ذكورهم
стр. 213
وإناثهم، لكن إذا وقف على بني فلان. أي: واحد من الناس ليس قبيلة، فإنه يختص بالذكور فقط، فبنوا آدم هنا قبيلة بل شامل لكل القبائل فيشمل الذكور والإناث، وقوله: ﴿أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ﴾ فسر المؤلف العبادة هنا بالطاعة؛ لأن طاعة الغير في محارم الله تعالى نوع من العبادة، كما قال تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا﴾ (١) قال عدي بن حاتم ﵁: يا رسول الله إنا لسنا نعبدهم -يعني لسنا نصلي، أو نركع، أو نسجد لهم-، قال: "أوليس يحلون ما حرم الله فتحلونه ويحرمون ما أحل الله فتحرمونه؟ " قال نعم، قال: "فتلك عبادتهم" (٢). وهذا الحديث وإن كان ضعيفًا ولكن الواقع أن طاعة غير الله في مخالفة أمر الله نوع من العبادة؛ لأن العبادة في الأصل هي التذلل والخضوع، وطاعة الأمر تذلل وخضوع، وقوله: ﴿الشَّيْطَانَ﴾ هل المراد بذلك الجنس، أو المراد الشيطان المعين؟ الظاهر أن المراد به الجنس، فيشمل شياطين الإنس، وشياطين الجن، فكما أن للجن شياطين فللإنس شياطين، يوجد من الإنس شياطين يأمرون الناس بالإثم والعدوان وينهونهم عن البر والإحسان، وقوله: ﴿إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٦٠)﴾ ﴿إِنَّهُ﴾ أي: الشيطان ﴿لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٦٠)﴾ فكل أحد يأمرك بمخالفة أمر الله فإنه عدو لك شعر بذلك أم لم يشعر، وعلى
стр. 214
رأسهم الشيطان الأول الذي يقود كل شيطان ﴿عَدُوٌّ﴾ العدو ضد الولي، والولي من يتولاك ويحوطك ويعتني بك، فالعدو ضده وهو الذي لا يريد لك الخير، وإنما يريد لك الشر، وقوله: ﴿مُبِينٌ﴾ قال المؤلف: [بين العداوة] وفسر ﴿مُبِينٌ﴾ ببين، لأنها من (أبان) و (أبان) تأتي بمعنى أظهر، وتأتي بمعنى ظهر، فإن كانت بمعنى أظهر فهي متعدية، وإن كانت بمعنى ظهر فهي لازمة، ولا يمكن أن نقول: إنها من المتعدي، أو اللازم، إلا بقرينة من السياق، فهنا نقول: ﴿مُبِينٌ﴾ إذا فسرناها بما فسرها المؤلف [بين العداوة] صارت من اللازم، مع أنه يمكن أن نجعلها من المتعدي، ونقول ﴿مُبِينٌ﴾ مظهر للعداوة؛ لأنه يأمرك بالشر، لكن هذا ضعيف، إذ لو أبان عداوته ما تبعه أحد، وإنما يغر الناس كما قال تعالى: ﴿فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ﴾ (١) إذن فجعل ﴿مُبِينٍ﴾ هنا من باب اللازم من أبان بمعنى ظهر ﴿وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (٦١﴾ ﴿لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ﴾ ﴿وَأَنِ اعْبُدُونِي﴾ هذا نفي وإثبات، وهو حقيقة التوحيد ﴿وَأَنِ اعْبُدُونِي﴾ (أن) هنا مصدرية، ويصح أن تكون مفسرة، لأن أعهد متضمنة معنى القول، وإذا سبق (أن) ما يتضمن معنى القول دون حروفه صارت تفسيرية، مثل قوله تعالى: ﴿فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ﴾ (٢) قوله: ﴿وَأَنِ اعْبُدُونِي﴾ أن الله عهد إلينا أن نعبده وحده، أي: تذللوا لي بالطاعة، والمؤلف قال: [وحدوني وأطيعوني] وهذا المعنى
стр. 215
صحيح، فالعبادة توحيد الله بالطاعة، والتذلل له بامتثال أمره، واجتناب نهيه ﴿هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (٦١)﴾ المشار إليه ترك عبادة الشيطان وإفراد الله بالعبادة ﴿صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (٦١)﴾ الصراط فسره المؤلف بالطريق، ولكن الصحيح أنه ليس مطلق الطريق صراطًا، بل الصراط هو الطريق الواسع المتساوي؛ لأنه مأخوذ من الصّرط أو من الزرط، والزرط كما نعلم هو ابتلاع الشيء بسرعة، ولا يكون الطريق طريقًا ذا سرعة إلا إذا كان واسعًا وكان سهلًا، وأما قوله: ﴿مُسْتَقِيمٌ (٦١)﴾ فهذا وصف له، والاستقامة تشمل اعتدال السير، وتشمل أيضًا انبساط الأرض، فإذا قدر أن الطريق يذهب يمينًا وشمالًا، لم يصح أن نقول: إنه مستقيم، وإذا كان فيه مرتفعات ومنخفضات فليس بمستقيم، لأن بعضه مرتفع وبعضه نازل، فالاستقامة معناها أنه خال من الانحراف يمينًا وشمالًا، وخالٍ من الاختلاف في ارتفاعه وانخفاضه وقوله: ﴿صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (٦١)﴾ أي: إلى الله ، والله أضاف الصراط إلى نفسه، وأضاف الصراط إلى خلقه فقال في سورة الفاتحة: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ فأضاف الصراط إلى الذين أنعم الله عليهم، وقال: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٢) صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ (١).
فإن قال قائل: كيف نجمع بين الإضافتين؟
فالجواب: نقول: أضاف الله الصراط إلى الذين أنعم الله
стр. 216
عليهم؛ لأنهم السالكون له، وأضافه إلى نفسه؛ لأنه هو الذي وضعه لعباده، وهو موصل إليه، كما تقول: هذا طريق مكة، أي: الموصل إلى مكة، وتقول: هذا طريق فلان -إذا كان هو الذي وضعه للناس وشقه لهم-، أو هو الذي سلكه ومشى عليه.
الفوائد:
١ - من فوائد الآية الكريمة: أن الله يحب الأعذار من نفسه، أي: يحب أن يقيم العذر لنفسه؛ لتقوم الحجة على خلقه لقوله: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ﴾ فإن من عهد إلينا أن لا نعبد الشيطان وأن نعبده وحده، قد أقام علينا الحجة، وأقام العذر لنفسه وهذا كقوله تعالى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ (١).
٢ - من فوائدها: إثبات رحمة الله بالخلق، حيث لم يجعل إخلاصهم له موكولًا إلى عقولهم، بل عهد بذلك إليهم على ألسنة الرسل -عليهم الصلاة والسلام- لأن الله لو جعل الإخلاص موكولًا إلى العقول لاختلفت العقول في ذلك اختلافًا كثيرًا؛ لأن الأهواء لا تنضبط، فجعل الله ذلك مما تكفل به هو نفسه لعباده، ففيه إثبات رحمة الله بهذا العهد الذي عهد به إلى عباده.
٣ - ومن فوائد الآية الكريمة: أنه ينبغي التصفية قبل التحلية؛ أو يقال التخلية قبل التحلية لأنه قال: ﴿لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ﴾ هذا تخلية ﴿وَأَنِ اعْبُدُونِي﴾ تحلية، يعني نفي وإثبات،
стр. 217
وهذا هو التوحيد، فالتوحيد مبني على نفي وإثبات؛ لأن النفي المجرد تعطيل محض وعدم، والإثبات المجرد لا يمنع المشاركة، فلا يتم التوحيد إلا بنفي وإثبات، ولهذا لو قلت: (لا قائم في البيت) فهذا نفي مجرد معناه العدم، وإذا قلت: (زيد قائم في البيت) فهذا إثبات مجرد لا يمنع المشاركة، أي: قد يكون رجل آخر في البيت قائم، فإذا قلت: (لا قائم في البيت إلا زيد) فحينئذ تحقق الانفراد وتحقق التوحيد، وصار لا يوجد قائم في هذا البيت إلا زيد، إذًا التوحيد لابد فيه من هذين الأمرين: النفي، والإثبات، ولكن بماذا يبدأ؟ يبدأ أولًا بالنفي ليرد الإثبات على مكان خال من الشوائب، خالص صالح لاستقرار الإثبات فيه، ولهذا يبدأ بالنفي ثم بالإثبات وهذا في القرآن كثير، ومنه قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ (٢٦) إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي﴾ (١) فتبرأ أولًا من كل معبود، ثم أثبت العبادة لله وحده الذي فطره.
٤ - من فوائد الآية الكريمة: أن طاعة الشيطان في معصية الله -ولا تكون طاعة الشيطان إلا في معصية الله- نوع من العبادة لقوله: ﴿أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ﴾ لأن الطاعة فيها نوع من التذلل، والعبادة هي التذلل، فمن أطاع الشيطان في معصية الله فقد عبده.
٥ - ومن فوائدها: أن العبادة لا تختص بالركوع والسجود والذبح والنذر وما أشبه ذلك، بل هي عامة شاملة لكل طاعة يكون فيها كمال التذلل.
стр. 218
٦ - ومن فوائد الآية الكريمة: وجوب الحذر من طاعة الشيطان، حيث سمى الله تعالى طاعته عبادة، وكل إنسان يحذر من أن يعبد مع الله غيره، ففيه التحذير من طاعة الشيطان في معصية الله .
٧ - ومن فوائد الآية الكريمة: ﴿وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (٦١)﴾ وجوب عبادة الله وحده لقوله: ﴿وَأَنِ اعْبُدُونِي﴾ والعبادة تطلق على معنيين:
أحدهما: التعبد.
الثاني: المتعبد به.
التعبد يعني التذلل لله ، وهي بهذا المعنى فعل العبد يعني صلاته وزكاته، وقيامه، وحجه، وما أشبه ذلك، وتطلق العبادة على المتعبد به وهي: اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال، الباطنة والظاهرة، القلبية والجوارحية.
٨ - ومن فوائد الآية الكريمة: أن الصراط المستقيم هو التوحيد لقوله: ﴿هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (٦١)﴾ ﴿هَذَا﴾ أي ترك عبادة الشيطان والالتزام بعبادة الله ﴿صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ أي طريق مستقيم لا عوج فيه، وإنما كان كذلك؛ لأنه موصل إلى رضا الله تعالى وجنته، فهو صراط مستقيم.
٩ - ومن فوائد الآية الكريمة: أن الصراط قد يكون مستقيمًا وقد يكون معوجًا، قال الله تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ (١) فكل واحد من
стр. 219
البشر له طريق، فإن كان على شرع الله فهو مستقيم، وإن كان على خلافه فهو معوج.
* * *
ثم قال الله : ﴿وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيرًا أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ (٦٢)﴾ ﴿وَلَقَدْ﴾ هذه جملة مؤكدة بثلاثة مؤكدات هي: القسم المقدر؛ لأن اللام موطأة للقسم، واللام، وقد، والتقدير: والله لقد أضل.
فإذا قال قائل: كيف يقسم الله وهو الصادق بالقول بلا قسم؟
نقول في الجواب على ذلك وجوه:
الوجه الأول: الإشارة إلى أن هذا أمر هام يحتاج إلى القسم عليه، لأنه لولا أهميته ما أقسم عليه.
الوجه الثاني: أن القرآن نزل باللغة العربية، ومن أساليب اللغة العربية أن الشيء إذا أريد إثباته وتحقيقه فإنه يقسم عليه.
الوجه الثالث: أن المقسم به إذا كان مصرحًا به، فإن الإقسام به يدل على عظمته فإن الله لا يقسم بشيء إلا لعظمة ذلك الشيء، مثل قوله: ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا (١) وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا (٢)﴾ (١). وما أشبه ذلك مما أقسم الله به فإنه يدل على عظمة المقسم. ﴿أَضَلَّ مِنْكُمْ﴾ بمعنى أضاع وصرف عن الطريق المستقيم، يعني قادكم إلى ضلال ليس فيه هدى ﴿جِبِلًّا﴾، قال المؤلف ﵀:
стр. 220
[جبلًا: خلقًا جمع جبيل كقديم، وفي قراءة جُبُلًا بضم الباء] والقراءة هذه سبعية؛ لأن اصطلاح المؤلف: أنه إذا قال: وفي قراءة، أو قال: مثلًا بضم الباء، فهي سبعية. وإذا قال: وقرئ فهي شاذة، إذًا فيها قراءتان سبعيتان: جُبْلًّا، وجُبُلًّا، وفيها قراءة ثالثة ما ذكرها المؤلف (جِبِلًّا) وفيها قراءة رابعة (جِبِلًا) بدون تشديد اللام، ولكن المؤلف ﵀ ليس تفسيره جمعًا للقراءات، إنما يذكر ما رأى أن المصلحة تقتضي ذكره، ولكن لا شك أنه لو ذكرها لكان أحسن؛ لأنه أحيانًا يذكر قراءات متعددة في صفة الحرف كما ذكر القراءات المتعددة التي تبلغ إلى ست قراءات في مثل ﴿أَأَنْذَرْتَهُمْ﴾ من التسهيل، والتحقيق، والحذف وما أشبه ذلك، ولكن الإنسان بشر، أحيانًا يغفل ويهمل ما ينبغي أن يذكر، أو يذكر ما لا يحتاج أن يذكر، ﴿جِبِلًّا﴾ أي: خلقًا كثيرًا، ولا يعني ذلك أن الأكثر لم يضل من قبل الشيطان، بل هو أضل أكثر الخلق. لأنه ثبت في الحديث الصحيح أن الله يوم القيامة يقول: "يا آدم. فيقول: لبيك وسعديك. فيقول: أخرج من ذريتك بعثًا إلى النار، فيقول: يا ربي وما بعث النار؟ قال: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين"، هؤلاء كلهم في النار من بني آدم وواحد في الجنة، فشق ذلك على الصحابة وعظم ذلك وقالوا: أينا ذلك الواحد يا رسول الله؟ قال: "أبشروا فإنكم في أمتين ما كانتا في شيء إلا كثرتاه: يأجوج ومأجوج" (١) وهو كذلك فإن من شاهد الخلق الآن ونحن في جزء يسير من العصور وجد أن
стр. 221
تسعمائة وتسعة وتسعين كلهم على ضلال، حتى المنتسبون منهم للدين الإسلامي عند طوائف منهم ضلال عظيم يبلغ بهم الكفر، وإن كانوا منتسبين إلى الإسلام: إذًا المراد بالكثير هنا الأكثر، قال: ﴿أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ (٦٢)﴾ الهمزة هنا للاستفهام، والمراد بالاستفهام التوبيخ، يوبخهم على عدم العقل، والفاء هنا عاطفة، والمعطوف عليه: إما ما سبق، وإما جملة مقدرة مناسبة للمقام، رأيان لأهل العلم.
فمنهم من يقول: إن حرف العطف يعطف ما بعده على ما قبله، ولكن في الكلمة تقديم وتأخير بين حرف العطف والهمزة، ولو جعل كل واحد مكانه لكان اللفظ (فألم تكونوا تعقلون).
ومفهم من قال: إن الهمزة في محلها، وأن الفاء عاطفة على مقدر يفهم من المقام، أو من السياق، وهذا قد يكون أقرب إلى القواعد لكنه أصعب، إذ إنك في بعض المواضع لا تستطيع أن تقدر شيئًا، ولا تعلم أي شيء يناسب، وحينئذ يكون الثاني هو الأيسر، والقاعدة عندي فيما إذا اختلف النحويون في مسألة: أن الراجح هو الأيسر، ما لم يلزم منه اختلاف المعنى، بحيث يكون المعنى التابع للأيسر غير صحيح فحينئذ لا نتبع الأيسر؛ لأنه يخل بالمعنى ويؤدي إلى معنى غير صحيح. لكن ما دام المعنى مستقيمًا على الوجهين، فالأيسر هو الراجح (يسروا ولا تعسروا) ﴿أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ (٦٢)﴾ يعني أنه وبخهم على عدم عقلهم، والعقل نوعان: عقل بمعنى الإدراك، وهو الذي يترتب عليه التكليف. وعقل بمعنى التصرف، وهو الذي يترتب عليه المدح، أو الذم،
стр. 222
فالأول هو مناط التكليف وهو الذي يقول فيه الفقهاء من شروط العبادة (العقل) والمراد بالعقل في الآية العقل الثاني قطعًا؛ لأنه لو انتفى عنهم عقل الإدراك لم يكونوا مكلفين ولا يتوجه إليهم باللوم، لكنهم انتفى عنهم عقل التصرف، فلم يحسنوا التصرف، فصاروا عقلاء غير عقلاء، عقلاء باعتبار الإدراك المترتب عليه التكليف، وغير عقلاء باعتبار التصرف المترتب عليه المدح أو الذم، فهم أعطوا ذكاء ولم يعطوا عقلًا، وما أحسن عبارة شيخ الإسلام ﵀ في المتكلمين حيث قال في وصفهم: (إنهم أوتوا ذكاء، وما أوتوا زكاءً، وأوتوا فهومًا، ولم يؤتوا علومًا، وأوتوا سمعًا وأبصارًا وأفئدة فما أغنى عنهم سمعهم، ولا أبصارهم، ولا أفئدتهم من شيء إذ كانوا يجحدون بآيات الله، وحاق بهم ما كانوا به يستهزءون)، أوتوا ذكاء وما أوتوا زكاءً -نسأل الله العافية- فكان ذكاؤهم حجة عليهم، وأوتوا فهومًا عندهم فهم لكنهم ما عندهم علم، والإنسان إذا تكلم بفهمه لا بعلمه ضل وضاع، فلابد من علم تبني عليه عقيدتك وعبادتك. فهؤلاء أوتوا عقولًا تقوم عليهم بها الحجة، ولكنهم حرموا من العقول التي يترتب عليها المدح والذم التي هي الرشد وحسن التصرف، فلم يستعملوا عقولهم التي أنعم بها الله عليهم فيما ينفعهم، والمؤلف ﵀ يقول ﴿أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ (٦٢)﴾ عداوته وإضلاله، أو ما حل بهم من العذاب فتؤمنون] يعني لو أنكم عقلتم عداوته وإضلاله، أو عقلتم ما حل بالمتبعين له من العذاب والنكال لكنتم تخالفونه ولا تعبدونه، ولأمنتم بالله وحده،
стр. 223
ولكن الهوى غطى الهدى كما قال : ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ﴾ (١).
الفوائد:
١ - من فوائد الآية الكريمة: بيان عداوة الشيطان لبني آدم، حيث أضل منهم جبلًا كثيرًا، أي: خلقًا كثيرًا عظيمًا.
٢ - ومنها: التحذير من الشيطان وإغوائه؛ لأنه لا يمكن أن يسعى لهداية بني آدم، ولكنه يسعى لإضلالهم.
٣ - ومنها: أن من اتبع الشيطان في إغوائه وإضلاله فهو غير عاقل لقوله: ﴿أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ (٦٢)﴾.
٤ - ومنها: أن من ساء تصرفه صح أن ينفى عنه العقل، وإن كان عاقلًا عقلًا ظاهرًا، لقوله هنا: ﴿أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ (٦٢)﴾. وقد مر علينا أن العقل عقلان: عقل هو مناط التكليف وهو عقل الإدراك، وعقل هو مناط المدح والذم، وهو عقل التصرف الذي يكون به الرشد.
٥ - ومنها: توبيخ ولوم من تبع الشيطان في إضلاله لكونه غير عاقل، لقوله: ﴿أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ (٦٢)﴾.
﴿هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٦٣)﴾ قال المؤلف في تقدير الكلام: [ويقال لهم في الآخرة ﴿هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٦٣)﴾ ﴿هَذِهِ﴾ الإشارة هنا إلى قريب؛ لأن إشارة البعيد (تلك) وهنا يقول: ﴿هَذِهِ جَهَنَّمُ﴾ إشارة إلى قربها منهم، لأنه
стр. 224
يؤتى بها يوم القيامة تقاد بسبعين ألف زمام، كل زمام يقوده سبعون ألف ملك، تقاد ويؤتى بها ويشاهدها الناس ويلحقهم من الرعب العظيم ما لا يقدر الواصفون على وصفه، ويقال لهؤلاء المجرمين: ﴿هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٦٣)﴾ وفي آية أخرى قال الله فيها: ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا (١٣) هَذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ (١٤) أَفَسِحْرٌ هَذَا أَمْ أَنْتُمْ لَا تُبْصِرُونَ (١٥) اصْلَوْهَا فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٦)﴾ (١) كانوا قبل أن يدعوا إليها يقال لهم: ﴿الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٦٣)﴾ فإذا دعوا إليها، والدع يدل على أنهم يتراجعون على أعقابهم خوفًا منها، ولكنهم يدفعون دفعًا بقوة -والعياذ بالله- إليها ويقال: ﴿هَذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ (١٤)﴾. والتكذيب عنف في رد الحق، والدع عنف، فصار الجزاء من جنس العمل، أما حين عرضت عليهم وقربت منهم قيل لهم: ﴿هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٦٣)﴾. أي: توعدون بها ولكنهم يكذبون كما قال الله تعالى: ﴿هَذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ (١٤)﴾ فهم توعدوا بها لكنهم كذبوا -والعياذ بالله- ويوم القيامة يوبخون على هذا التكذيب ويقال: ﴿هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٦٣)﴾ ﴿هَذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ (١٤)﴾.
وهنا إشكال وهو: أنه قيل: إن الوعد في الخير والإيعاد في الشر، وعليه قول الشاعر:
стр. 225
وإني وإن أوعدته أو وعدته ... لمخلف إيعادي ومنجز موعدي
وهنا قال: ﴿تُوعَدُونَ﴾؟
فنقول: الأمر -كما قال المفسر- على حذف معلوم وهو قوله: (بها) أي توعدون بها، لا توعدونها. لو قال: (توعدونها) لصار للإشكال محل؛ لأن الجنة قال الله فيها: ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمَنُ عِبَادَهُ بِالْغَيْبِ﴾ (١) ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ﴾ (٢) لكن هؤلاء وعدوا بها، يعني أنه قيل لهم: إنكم سوف تلاقونها، وهذا هو الواقع.
الفوائد:
١ - من فوائد الآية الكريمة: إثبات نار جهنم، وأنها تشاهد عينًا يوم القيامة، لقوله: ﴿هَذِهِ﴾ والإشارة تكون إلى مشار إليه محسوس.
٢ - ومنها: بيان صفة النار وأنها -والعياذ بالله- كلها ظلمة، وكلها سواد لقوله ﴿جَهَنَّمُ﴾ لأنها من الجهمة، أي: الظلمة والسواد.
٣ - ومنها أيضًا: تقريع هؤلاء، وإظهار خطأهم في تكذيبهم لقوله: ﴿الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٦٣)﴾.
٤ - ومن فوائد الآية: صدق وعد الله حيث صدق وعده بما وعد به هؤلاء المكذبين حتى شاهدوا ما وعدوا به عيانًا.
* * *
стр. 226
﴿اصْلَوْهَا الْيَوْمَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (٦٤)﴾.
هذا الأمر كوني -إن كان من الله- وإن كان ممن أمرهم الله أن يقولوا ذلك من الملائكة فهو أيضًا أمر كوني، والمراد به الإهانة والإذلال، وإذ من المعلوم أنهم لن يستطيعوا أن يصلوها، لكن يقال ذلك على سبيل الإهانة والإذلال ﴿الْيَوْمَ﴾ أل هنا للعهد الذكري، وقد يكون بالنسبة لمخاطبة هؤلاء الكفار للعهد الحضوري، يعني: هذا اليوم للحاضر اصلوا النار فيه.
ويتردد علينا كثيرًا العهد الحضوري، والذكري، والذهني فما هو الفرق بينها؟
العهد الحضوري ما كان معهودًا لحضوره، والذكري ما كان معهودًا لذكره، والذهني ما كان معهودًا في الأذهان.
مثال العهد الذهني: إذا قلنا: اذهب إلى القاضي، وأنت مثلًا في بلد، فتذهب إلى قاضي البلد نفسه؛ لأن هذا معروف في الذهن.
مثال العهد الحضوري إذا قلت: اليوم نكرمك، كقوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ (١).
ومثال العهد الذكري قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولًا شَاهِدًا عَلَيْكُمْ كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا (١٥) فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْنَاهُ أَخْذًا وَبِيلًا (١٦)﴾ (٢) يعني الرسول المذكور وليس رسولًا آخر.
стр. 227
﴿بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (٦٤)﴾ (ما) مصدرية، أي: بكونكم تكفرون، والباء للسببية، أي: بسبب، وقوله: ﴿بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (٦٤)﴾ أي تكفرون به بالدنيا، فقد كفروا بالله، واليوم الآخر، والملائكة، والكتاب، والنبيين، وبكل ما أخبر الله به، ولهذا لم يقوموا بطاعته؛ لأنه ليس عندهم إيمان، وإنما يقال لهم ﴿بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (٦٤)﴾ لإقامة الحجة عليهم، وبيان أنهم لم يظلموا، ولهذا ﴿تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ (٨) قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ كَبِيرٍ (٩)﴾ (١).
الفوائد:
١ - من فوائد الآية الكريمة: بيان أن هؤلاء المكذبين يأمرون أمر إهانة وإذلال ليصلوا النار لقوله: ﴿اصْلَوْهَا الْيَوْمَ﴾.
٢ - ومن فوائدها: إثبات الأسباب لقوله: ﴿بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (٦٤)﴾ وإثبات الأسباب أمر معلوم بالشرع والعقل والحس، ولا ينكر إثبات الأسباب إلا جاهل بحقيقة الواقع، فإنه لا أحد ينكر أنك إذا رميت الزجاجة بحجر انكسرت به، وإذا ألقيت الخرق في النار احترق بها، ولا ينكر هذا إلا شخص مكابر في الواقع، ومع هذا فالأسباب لا تفعل بذاتها، ولا تؤثر بذاتها بل بخلق الله التأثير فيها، وحينئذ لا يكون في إثبات الأسباب شيء من الشرك، خلافًا لمن زعم أن إثبات تأثير الأسباب نوع من الشرك؛ لأننا نقول: إن هذه الأسباب إنما تؤثر
стр. 228
بخلق الله التأثير فيها، ولهذا إذا شاء الله أن لا تؤثر لم تؤثر، فإن النار طبيعتها الإحراق ومع ذلك لم تحرق إبراهيم ﵊ بل كانت بردًا وسلامًا عليه، لأن الله قال: ﴿يَانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ (٦٩)﴾ (١).
٣ - ومن فوائد الآية الكريمة: كمال عدل الله لقوله: ﴿اصْلَوْهَا الْيَوْمَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (٦٤)﴾ أي: فلم تظلموا، بل أنتم الذين فعلتم ذلك بأنفسكم.
* * *
﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٦٥)﴾ ﴿الْيَوْمَ﴾ يعني يوم القيامة قال المؤلف ﵀: [﴿أَفْوَاهِهِمْ﴾ أي: الكفار لقولهم: والله ربنا ما كنا مشركين ﴿وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ﴾ وغيرها ﴿بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٦٥)﴾ فكل عضو ينطق بما صدر منه ﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ﴾ الختم على الشيء بمعنى إغلاقه وعدم الوصول إليه، ومنه ختمت الكيس إذا أحكمت شده، وختمت عليه بالشمع ونحوه كما يقولون، ومعنى ﴿نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ﴾ أي نسدها فلا تتكلم، وذلك أن المشركين يوم القيامة إذا رأوا الموحدين قد نجوا، تكلموا وتبرؤا من الشرك، وقالوا: والله ربنا ما كنا مشركين، أي: أقررنا بأننا غير مشركين لعلنا ننجوا كما نجا أهل التوحيد، وحينئذ يختم على أفواههم، لأن أفواههم صارت تتكلم بالكذب فيختم على أفواههم، وتنطق الجوارح بما عملت،
стр. 229
والجلود بما مست، فإن الجلد يمس المحرمات كمس المرأة لشهوة مثلًا فتشهد عليهم الجوارح؛ ولهذا قال : ﴿وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ﴾ نفس اليد تتكلم تقول: عملت كذا، عملت كذا، ﴿وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ﴾ نفس الأرجل تقول: أشهد أنه عمل كذا وكذا، وتأمل الفرق بين اليد والرجل، في اليد قال الله تعالى: ﴿وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ﴾ والأرجل قال: ﴿وَتَشْهَدُ﴾ قال بعض العلماء: لأن اليد تخبر عما فعلت، والرجل تخبر عما فعل غيرها؛ لأن الأصل في المباشرة اليد، ولهذا دائمًا يعلق الكسب باليد فيقال: ﴿فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ (١) أو ﴿بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ﴾ (٢) فلهذا كانت الأيدي مباشرة، والأرجل شاهدة؛ لأن الشاهد هو الذي يخبر عما فعل غيره، والفاعل هو الذي يخبر عما فعله هو بنفسه -هكذا قال بعض أهل العلم- وهو فرق لا بأس به، مع أن الإنسان قد يشهد على نفسه كقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ (٣) فإقرار الإنسان على نفسه شهادة عليه، لكن الفرق الذي أشار إليه بعض العلماء وذكرناه آنفًا فرق لا بأس به، قول المؤلف: [وتشهد أرجلهم وغيرها] قوله: (وغيرها) لا يعني ذلك أنه يستدرك على القرآن، لكنه ينبه على موضع آخر من القرآن، ففي آية أخرى بين الله تعالى أنه تشهد عليهم الجلود ﴿حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ
стр. 230
وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٢٠) وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢١) وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ﴾ (١) فالسمع والبصر والجلود لم تذكر هنا في آية سورة يس، وإنما ذكرت الأيدي والأرجل، ولهذا قال المؤلف (وغيرها) إشارة إلى أن هناك أعضاء تشهد غير الأيدي والأرجل ﴿حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ﴾ فالسمع بما سمع، والبصر بما رأى، والجلد بما مس ﴿وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا﴾ ولم يقل: (وقالوا لأبصارهم، وسمعهم: لم شهدتم) لأن عذاب الجلد عام يشمل الجسد كله، لكن عذاب السمع والبصر خاص بالسمع والبصر، ولهذا قالوا لجلودهم: ﴿لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا﴾ لأن العذاب سيكون على الجلود، كما قال تعالى: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾ (٢) والحاصل أنه يشهد غير الأيدي والأرجل فيكون الشهداء ستة: الأيدي، والأرجل، والسمع، والبصر، والجلود، والألسن، فقد ذكر الله تعالى في سورة النور أن الألسن تشهد ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (٣) فاللسان أيضًا يشهد عليهم، لأن اللسان هو أعظم الجوارح خطرًا؛ لقول النبي ﷺ لمعاذ: "ألا أدلك على ملاك ذلك كله؟ " قلت: بلى يا رسول الله، فأخذ بلسان نفسه، وقال: "كف
стр. 231
عليك هذا"، قلت: يا رسول الله، إنا لمؤاخذون بما نتكلم به؟ قال: "ثكلتك أمك يا معاذ، وهل يكب الناس في النار على وجوههم" أو قال: "على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم" (١)، وكل صباح تكفر الجوارح اللسان يعني أنها تجِعل الأمر مناطًا به، ولهذا قال في سورة النور: ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ﴾ ونص على الألسن في سورة النور لأنه ذكر فيها ما يتعلق بذلك من الأمور العظيمة كالقذف مثلًا، وأعظمه قذف عائشة ﵂ ولهذا ذكرت في سورة النور الألسن؛ لأن القذف قول، فقال: ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٢٤)﴾.
﴿بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٦٥)﴾ تنازعه عاملان الأول: (وتكلم) والثاني: (تشهد) والتنازع أن يتوارد عاملان على معمول واحد، مثل أن تقول: أكرمت ورأيت زيدًا، فإن أكرمت ورأيت عاملان على معمول واحد وهو: زيد، أما أيهما يعمل هل هو الأول أو الثاني؟ فالعلماء اختلفوا في ذلك: يقول ابن مالك:
والثاني أولى عند أهل البصرة ... واختار عكسًا غيرهم ذا أصبح
فالعامل الثاني هو الذي يعمل عند البصريين، وعند الكوفيين الذي يعمل هو الأول.
﴿بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٦٥)﴾ ولم يقل: (بما كانوا يعملون)، لأن العمل قد لا يكون من كسب الإنسان، فقد يكون العمل خطأ فلا يؤاخذ به الإنسان، فلا يكون من كسبه، بل الذي يكون من
стр. 232
كسبه هو العمل الذي يترتب عليه الثواب أو العقاب، ولهذا قال الله تعالى في سورة البقرة: ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ (١) ولم يقل: (لها ما عملت، وعليها ما عملت) فالكسب أخص من العمل؛ لأنه لا يلزم من كل عمل أن يكون كسبًا، فقد يكون وقع عن سهو، أو جهل فلا يؤاخذ به الإنسان، وقد يكون عن غير قصد فلا يؤاخذ به الإنسان، لكن مع ذلك أحيانًا يطلق العمل ويراد به العمل الذي هو كسب مثل قوله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا﴾ (٢) يقول المؤلف: [﴿بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ فكل عضو ينطق بما صدر منه] فاليد تنطق بما بطشت، والرجل بما مشت، والعين بما رأت، والأذن بما سمعت، والجلد بما مس، كما تقدم.
الفوائد:
١ - من فوائد الآية الكريمة: أن الله يختم على أفواه المكذبين يوم القيامة فلا يتكلمون، وقد سبق لنا الجمع بين هذه الآية وبين قوله تعالى عنهم: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ (٢٣)﴾ (٣) وهو أن للقيامة أحوالًا: حال يكذبون، وحال يقرون، لكن بعد أن تشهد عليهم أيديهم وألسنتهم وأرجلهم.
٢ - ومن فوائد الآية الكريمة: بيان قدرة الله
стр. 233
لقوله: ﴿وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ﴾ فإنه خلاف العادة أن تكلم الأيدي والأرجل، ولكن الله على كل شيء قدير، ولهذا لما ذكر الله عنهم أنهم قالوا لجلودهم لم شهدتم علينا قالوا: أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء.
٣ - ومن فوائد الآية الكريمة: أن الإنسان يمكن أن يشهد بعضه على بعض؛ لأن هذا الرجل الواحد تشهد عليه أعضاؤه بما عمل، فهل يتفرع على هذا: أن الإنسان في الدنيا يمكن أن يشهد على نفسه؟ نعم يمكن، وشهادته على نفسه هو إقراره على نفسه.
٤ - ومن فوائد الآية الكريمة: أن العبرة في العمل بما كان فيه من كسب، لا مجرد العمل لقوله: ﴿بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٦٥)﴾ وذكرنا في التفسير الفرق بين قوله: ﴿بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (١) وقوله: ﴿بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٦٥)﴾ لأن مجرد العمل قد لا يكون كسبًا كما لو صدر من جاهل، أو صدر من ساهٍ، أو نائم، أو ما أشبه ذلك.
* * *
﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَطَمَسْنَا عَلَى أَعْيُنِهِمْ فَاسْتَبَقُوا الصِّرَاطَ فَأَنَّى يُبْصِرُونَ (٦٦)﴾ قال المؤلف ﵀: ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَطَمَسْنَا عَلَى أَعْيُنِهِمْ﴾ لأعميناهم طمسًا ﴿فَاسْتَبَقُوا﴾ ابتدروا ﴿الصِّرَاطَ﴾ الطريق ذاهبين كعادتهم ﴿فَأَنَّى﴾ فكيف ﴿يُبْصِرُونَ (٦٦)﴾ حينئذ أي: لا يبصرون].
قوله تعالى: ﴿وَلَوْ نَشَاءُ﴾ (لو) حرف امتناع لامتناع،
стр. 234
والذي امتنع الطمس لامتناع المشيئة، فإذًا هي حرف امتناع لامتناع. لو جاء زيد لأكرمتك، امتنع المجيء والإكرام، و (لولا) حرف امتناع لوجود و (لما) حرف وجود لوجود، فهذه الأدوات الثلاث تنازعت الوجود والعدم (لو جاء زيد لأكرمتك) امتناع الامتناع، (لولا زيد لأكرمتك) امتناع لوجود فإن شئت قلت (لولا مجيء زيد لأكرمتك) لكي ينطبق المثلان هنا ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَمَسَخْنَاهُمْ﴾ (نشاء) الضمير ضمير جمع، يعني لو نشاء نحن، وهذا من المشتبه؛ لأن النصراني ادعى تعدد الآلهة لمثل هذا الضمير، قال: فالله يعبر عن نفسه بنحن و (نشاء) (نريد) وما أشبه ذلك إذًا فهو متعدد، ولكننا نرد عليه بأن الجمع هنا للتعظيم وليس للتعدد، لأنه عميت عينه وعميت بصيرته عن الآيات الصريحة المحكمة الدالة على أن الله إله واحد ﴿إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ (١) ولكن كما قال الله : ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ﴾ (٢) إذًا الضمير (نشاء) وهو ضمير جمع للتعظيم وليس للجمع قطعًا، لأن الله واحد ﴿لَطَمَسْنَا عَلَى أَعْيُنِهِمْ﴾ الطمس أبلغ من الإعماء؛ لأن الطمس إزالة العين مرة واحدة ليس لها أثر، والعمى يكون مع بقاء العين، لكن قد تكون قائمة في صورتها وقد تختلف، المهم أن الطمس إزالة العين ومعالمها نهائيًا، لو شاء الله تعالى لفعل ذلك بعد وجود العين، لأن الله قال: ﴿لَطَمَسْنَا عَلَى أَعْيُنِهِمْ﴾ والله على كل شيء قدير،
стр. 235
فكما كان قادرًا على شق العين فهو قادر على طمس ذلك الشق، وإذا كان البشر ربما يخيط الشق حتى يتلاءم فما بالك بالخالق ، الذي يقول للشيء: (كن) فيكون ﴿فَاسْتَبَقُوا الصِّرَاطَ فَأَنَّى يُبْصِرُونَ (٦٦)﴾ هو يعني طمس على أعينهم فصاروا يتسابقون لعلهم يدركون الطريق الذي يوصلهم إلى مقصودهم، وكأنك تتصورهم الآن يتنافرون تنافر الحمر لعلهم يهتدون إلى الطريق، وهل يمكن للأعمى أن يدل الطريق من حيث الدلالة البصرية؟ ! لا يمكن، ولهذا قال: ﴿فَأَنَّى يُبْصِرُونَ (٦٦)﴾ يعني كيف يبصرون الطريق وقد طمس الله أعينهم؟ ! والمقصود بهذه الآية أن الله طمس قلوب هؤلاء، ولو شاء لطمس أعينهم، فصار الطمس حسيًّا معلومًا، وكما أن المطموسة عينه لا يبصر، فكذلك المطموسة بصيرته لا يبصر الحق، كيف يمكن لإنسان طمس الله بصيرته أن يبصر الحق ويهتدي؟ هذا شيء متعذر كما أن من طمس الله بصره لا يمكن أن يهتدي إلى الطريق.
الفوائد:
١ - في هذه الآية الكريمة إثبات مشيئة الله لقوله: ﴿وَلَوْ نَشَاءُ﴾ ولكن كل شيء معلق بمشيئة الله فإنه مقرون بالحكمة؛ لأن الله لا يشاء مشيئة مجردة بل مشيئته تابعة لحكمته، ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (٣٠)﴾ (١). فقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (٣٠)﴾ يدل على أن مشيئته مقرونة بالعلم والحكمة.
стр. 236
٢ - ومن فوائد الآية الكريمة أيضًا: بين تمام قدرة الله، لقوله: ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَطَمَسْنَا عَلَى أَعْيُنِهِمْ﴾ فهذه الأعين مبصرة لو شاء الله لطمسها وصارت كأن لم تكن.
٣ - ومن فوائد الآية الكريمة: ضرب المثل عن الأشياء المعقولة بالأشياء المحسوسة، فإن هؤلاء لو طمست أعينهم ما استطاعوا أن يهتدوا إلى السبيل، فكذلك إذا طمس الله بصيرة القلب -والعياذ بالله- لم يستطع الوصول إلى الحق، ولم يعرف الحق.
٤ - ومن فوائد الآية الكريمة: كمال بلاغة القرآن؛ لأن الله لو شاء لقال: (ولو نشاء لطمسنا على أعينهم فما استطاعوا أن يذهبوا ولا يرجعوا)، لكن أتى به على هذا السياق الذي فيه توسع؛ لأنه أبلغ في التأثير، ولأنه يكون له نسق جيد تهفو إليه الأسماع وتلتذ بسماعه.
* * *
﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَمَسَخْنَاهُمْ عَلَى مَكَانَتِهِمْ فَمَا اسْتَطَاعُوا مُضِيًّا وَلَا يَرْجِعُونَ (٦٧)﴾ في الآية السابقة ﴿لَطَمَسْنَا عَلَى أَعْيُنِهِمْ﴾ انتفاء الدلالة، وفي الآية انتفاء السير. ﴿لَمَسَخْنَاهُمْ﴾ قيل: المراد بالمسخ -كما قال المؤلف-[قردة وخنازير، أو حجارة].
وقيل: المراد بالمسخ الإبقاء على ما هم عليه، يعني يمسخون على مكانتهم فلا يستطيعون التحرك وهو آدمي، لكنه ممسوخ لا يستطيع الحراك، وأيًّا كان فالله على كل شيء قدير، فقد قلب الله تعالى بني إسرائيل قردة وخنازير، ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ
стр. 237
اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ (٦٥)﴾ (١) ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ﴾ (٢) والله على كل شيء قدير، والنبي ﵊ قال: "أما يخشى الذي يرفع رأسه قبل الإمام أن يحول الله رأسه رأس حمار، أو يجعل صورته صورة حمار" (٣)، والأمر هين على الله يقول: (كن) فيكون، فيقول: ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَمَسَخْنَاهُمْ عَلَى مَكَانَتِهِمْ﴾ أي: حولنا صورهم إلى صور أخرى من القردة والخنازير، أو جعلناهم حجارة، أو أننا أبقيناهم ماكثين كالجماد. المهم أن الله لو شاء لمسخهم وأبقاهم في مكانهم لا يتحركون، ولهذا قال: ﴿فَمَا اسْتَطَاعُوا مُضِيًّا وَلَا يَرْجِعُونَ (٦٧)﴾ أي فما استطاعوا أن يمضوا؛ لأنهم مسخوا على مكانتهم وبقوا ثابتين، ولا يستطيعون أن يرجعوا، والذي لا يستطيع أن يمضي ولا يرجع ثابت، كالعمود لا يتقدم أمامًا ولا يتأخر خلفًا، لو شاء الله لمسخهم على هذا حتى ظهر أمرهم محسوسًا، أما بالنسبة للخير والتقدم إليه فهم لم يتقدموا للخير، ولكن تأخروا عنه إلى الشر، ولهذا كان سيرهم الذي يسيرون عليه في العمل عكس الاتجاه الصحيح، بل مضاد له تمامًا.
стр. 238
الفوائد:
١ - من فوائد الآية الكريمة: إثبات مشيئة الله لقوله: ﴿وَلَوْ نَشَاءُ﴾ وقد سبق الكلام عن المشيئة وأنها مقرونة بالحكمة في فوائد الآية السابقة.
٢ - ومن فوائد الآية الكريمة: كمال قدرة الله .
٣ - ومن فوائدها أيضًا: أن الله لو شاء لأثبتهم في مكانهم بحيث لا يستطيعون الذهاب ولا الرجوع ﴿فَمَا اسْتَطَاعُوا مُضِيًّا وَلَا يَرْجِعُونَ (٦٧)﴾.
* * *
﴿وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ أَفَلَا يَعْقِلُونَ (٦٨)﴾.
هذه الجملة شرطية، فعل الشرط قوله ﴿نُعَمِّرْهُ﴾ وجوابه: ﴿نُنَكِّسْهُ﴾ يقول الله : ﴿وَمَنْ نُعَمِّرْهُ﴾ أي: نجعل عمره طويلًا، ولهذا قال المؤلف ﵀[بإطالة أجله ﴿نُنَكِّسْهُ﴾ وفي قراءة بالتشديد من التنكيس]، القراءة التي جعلها المؤلف أصلًا (نُنْكِسْهُ) من الإنكاس، والقراءة التي في المصحف ﴿نُنَكِّسْهُ﴾ من التنكيس، والإنكاس والتنكيس بمعنى الرد من حال كاملة إلى حال ناقصة، وقوله: ﴿نُنَكِّسْهُ﴾ أو ﴿نُنَكِّسْهُ﴾ ﴿فِي الْخَلْقِ﴾ يقول المؤلف في تفسيرها: [أي: خلقه، فيكون بعد قوته وشبابه ضعيفًا وهرمًا]. فكلما طال العمر بالإنسان فإنه يرجع للوراء، ليس في القوة البدنية فحسب، بل في القوة العقلية، والقوة البدنية، والقوة الفكرية، فيضعف ويعود إلى أرذل العمر، كما قال الله ، ﴿وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لَا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ
стр. 239
شَيْئًا﴾ (١)، وقوله: ﴿ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً﴾ (٢) والغرض من هذا التنبيه -وإن كان أمرًا واقعًا وكل يعرفه- الغرض منه أن يبادر الإنسان عمره مادام في قوته وشبابه، لأنه سيأتيه اليوم الذي لا يكون عنده تلك القدرة البدنية، ولا القدرة الفكرية، ويكون تفكيره محدودًا كتفكير الصبي لا يفكر إلا بما يحيط به جدران بيته، ويكون عقله كذلك محدودًا لا يستطيع أن ينظر ويعقل، ويفكر في الأمور، ويوازن بينها ويحكم عليها، كذلك أيضًا يكون حفظه للأشياء محدودًا، فيمر به الشيء في الصباح ولا يستطيع التعبير عنه في المساء، وكل هذا أمر واقع وظاهر، بل من الناس من يسلب عقله نهائيًا، وربما يصل إلى حد يشبه الجنون فيؤذي أهله بالصراخ والعويل والأناشيد وما أشبه ذلك حسب ما كان عليه حين الصغر، حتى قيل: إن الإنسان إذا كان جمالًا مثلًا، وكان ينشد الأشعار تجده إذا كبر وهرم يبدأ ينشد هذه الأشعار فكل هذا أمر لابد منه، ولهذا قال الشاعر:
لا طيب للعيش ما دامت منغصة ... لذاته بادكار الموت والهرم
فكل إنسان عاقل إذا تذكر أن مآله إما موت عاجل، وإما هرم، فإنه لا يطيب له العيش، ولكن العاقل ليس معنى أنه لا يطيب له العيش أنه يبقى في ندم وفي حزن، بل يسعى ويستعد لهذه الحال التي لابد منها، ﴿أَفَلَا يَعْقِلُونَ (٦٨)﴾. قال المؤلف ﵀: [إن القادر على ذلك المعلوم عندهم قادر على البعث فيؤمنون به،
стр. 240
وفي قراءة بالتاء] أي: (أفلا تعقلون)، وهي سبعية كما تقدم من اصطلاح المؤلف. هكذا قال المؤلف ﵀: إن المراد الاستدلال بتغيير حال الإنسان إلى هذه الحالة الدانية على أن الله تعالى قادر على أن يبعثهم، وهذا الذي قاله ممكن، لكن أحسن منه أن يقال: إن معنى قوله: ﴿أَفَلَا يَعْقِلُونَ (٦٨)﴾ أفلا يكون لكم عقل فتبادروا أعماركم قبل أن تصلوا إلى هذه الحال؟ تبادروها بالإيمان والعمل الصالح ما استطعتم، حتى إذا وصلتم إلى هذه الحالة، وإذا أنتم على أتم استعداد لها، وغالبًا أن الإنسان الذي يمضي وقته بطاعة الله إذا هرم تجده لا يهتم إلا بالطاعات، كثير من المسلمين إذا هرموا تجده يقول: أين الماء؟ أريد أن أتوضأ، أو تجده يصلي دائمًا، أو تجده يقرأ القرآن دائمًا، أو يذكر الله تعالى دائمًا، وهذا من نعمة الله أن الإنسان يهرم على الحال التي يكون عليها، وعكس ذلك سيكون بالعكس من كان في حال قوته وشبابه على غير هذا العمل الصالح سوف يكون هذيانه إذا كبر بهذا العمل السيء، نسأل الله العافية والسلامة.
الفوائد:
١ - من فوائد الآية الكريمة: بيان حال الإنسان وأنه ينتقل من طور إلى طور، وقد بين الله ذلك في قوله: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ (٥٤)﴾ (١). لكن هذه
стр. 241
الآية فيها دليل على أن الإنسان إذا تقادم في السن فإنه يرجع إلى الوراء لقوله: ﴿وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ﴾.
٢ - يتفرع على الفائدة السابقة: أنه ينبغي للإنسان أن يغتنم فرص العمر وقوته وشبابه قبل أن ينكس في الخلق.
٣ - ومن فوائد الآية الكريمة: التنديد بهؤلاء المكذبين؛ لقوله: ﴿أَفَلَا يَعْقِلُونَ (٦٨)﴾.
٤ - ومن فوائد الآية الكريمة: الحث على التعقل والتفكر وحسن التصرف حتى يكون الإنسان من العقلاء.
٥ - ومن فوائد الآية الكريمة: أن العقل غير الذكاء؛ لأن الإنسان قد يكون ذكيًّا ولكنه ليس بعاقل؛ لقوله: ﴿أَفَلَا يَعْقِلُونَ (٦٨)﴾ ومن المعلوم أن هؤلاء عندهم من عقل الإدراك والذكاء الشيء الكثير.
* * *
﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ (٦٩)﴾ قال المؤلف ﵀ في تفسيره: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ﴾ أي: النبي ﴿الشِّعْرَ﴾ رد لقولهم: إنما أتى به من القرآن شعرًا ﴿وَمَا يَنْبَغِي﴾ يسهل ﴿لَهُ﴾ الشعر ﴿إِنْ هُوَ﴾ ليس الذي أتى به ﴿إِلَّا ذِكْرٌ﴾ عظة ﴿وَقُرْآنٌ مُبِينٌ (٦٩)﴾ مظهر للأحكام وغيرها] قوله تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ﴾ ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ﴾ (نا) تعود إلى الله ، وأما الضمير (الهاء) فيعود إلى النبي ﷺ .
فإذا قال قائل: أين مرجع الضمير لأن كل الآيات السابقة ليس فيها ذكر للنبي ﷺ ؟
стр. 242
قلنا: إن الضمير يعلم مرجعه من السياق السابق، أو السياق اللاحق، وهذا يشبه العهد الذكري في (أل)، أو من الفهم بحيث يكون الأمر مفهومًا عند المخاطب، وهذا كالعهد الذهني، وهنا يعلم مرجع الضمير في قوله: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ (٦٩)﴾ ومعلوم أن الذي جاء بهذا الذكر والقرآن المبين هو محمد ﷺ ، يقول الله تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ﴾ أي: ما علمنا النبي ﷺ الشعر؛ لأن الشعر لو علمه الله تعالى النبي ﷺ لكان في ذلك حجة للمبطلين المكذبين، ولقالوا: إنما هذا القرآن من جملة الشعر الذي علم إياه، ولهذا لم يعلم الشعر، ولم يعلم الكتابة كما قال تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ (٤٨)﴾ (١) فالنبي ﷺ لم يقل شعرًا أبدًا، وإذا قدر أن جرى على لسانه كلام موزون وزن الشعر فإنه ليس عن قصد وإرادة، وإنما جاء عفوًا، والذي يأتي عفوًا ليس مقصودًا فلا يكون معلومًا مثل قوله ﷺ :
"أنا النبي لا كذب ... أنا ابن عبد المطلب" (٢)
فإن هذا رجز، ولكنه ليس عن قصد، فلا يكون ذلك شعرًا، أما الشعر فإنه الكلام الموزون المقفى الذي يأخذ باللب، وسمي شعرًا لأنه يأخذ بالشعور، ولهذا تجد أن النظم يأخذ باللب أكثر من أن يأخذ النثر، فربما تسمع خطبة بليغة جيدة جدًّا، وتجد ما
стр. 243
يماثلها في المعاني بالنظم ولكنك ترى أن تأثير النظم أشد، وأقرب للشعور أكثر، ولهذا سمي شعرًا، وبه نعرف أن ما يسمى الآن بالشعر المنثور ليس بشعر؛ لأنه لا يأخذ بالمشاعر، فهو ليس بشعر وليس بنثر، وإنما هو كالمنافق لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء، لا يطرب إليه من يطربون إلى النثر والخطب، ولا يطرب إليه من يطربون إلى الشعر والقصائد، فهو في الحقيقة ليس بشيء، ولكن لكل امرئ من دهره ما تعود، والذين أحدثوه يطربون له، ويرون أنه أشد شاعرية من شعر امرئ القيس. ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْر﴾ قال المؤلف: [ردّ لقولهم: (إن ما أتى به من القرآن شعر] والمكذبون والذين يقومون ضد -أي إنسان- لا بد أن يصفوا قوله بالمعائب لأجل أن ينفر الناس عنه، ولكن كما قال الله : ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ﴾ (١) وقال الله في سورة الذاريات: ﴿كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ (٥٢)﴾ (٢) كل الرسل وصفوا بهذين الوصفين من أعدائهم: السحر، والجنون، ومحمد عليه أفضل الصلاة والسلام أيضًا وصف بذلك، وصفوه بأنه ساحر، وشاعر، ومجنون، وكاهن، وكذاب، كل ذلك من أجل أن ينفروا الناس عنه، ولكن هل حصل الأمر وهل نفر الناس؟ أبدًا، لأن الحق -والحمد لله- سيعلو مهما قوبل به من صدمات فإن العاقبة له.
стр. 244
فإذا قال قائل: هذا الوصف للرسول ﵊ هل يتعدى إلى أتباعه؟
فالجواب: نعم. كل ما وصفت به الرسل يوصف بمثله أتباعهم، ألم تعلموا أن المجرمين إذا رأوا المؤمنين يقولون: ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ لَضَالُّونَ (٣٢)﴾ (١) يصفونهم بالضلال، وفي عصرنا يصفونهم بالرجعية والتأخر وما أشبه ذلك من الكلمات التي ينفرون الناس بها عن الحق، وأهل البدع يصفون أهل السنة والجماعة بألقاب السوء يقولون: إنهم نوابت، غثاء، حشوية، مجسمة، مشبهة، وما أشبه ذلك، كل هذا من أجل التنفير عمّا هم عليه، ولكن الحمد لله أن الأمر يكون ثوابًا لهؤلاء الذين يوصفون بهذه العيوب، وامتحانًا لهم بالصبر على ما هم عليه من الحق، ثم العاقبة تكون لهم، ﴿وَمَا يَنْبَغِي لَهُ﴾ الشعر قال المؤلف: [أي: ما يسهل له الشعر]. بل هو صعب عليه إنشاءً، وصعب عليه إنشادًا، فهو ﵊ إذا أنشد شعر غيره ينشده أحيانًا على غير الوزن المعروف، لأنه ليس له عناية بالشعر أو تحفظ له، أما بنفسه فلا ينشد.
ولكن الأولى أن نفسر ﴿وَمَا يَنْبَغِي﴾ أي: ما يمكن ولا يصلح له، ولا يليق به، لأنه كل ما جاءت في القرآن ﴿وَمَا يَنْبَغِي﴾ فالمراد بها الممتنع غاية الامتناع، كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا (٩٢)﴾ (٢) أي: مستحيل غاية الاستحال، ومثل قوله تعالى: ﴿لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ﴾ يعني هذا شيء
стр. 245
مستحيل أن تدرك القمر هذا حسب العادة فيما يتعلق بالشمس ﴿وَمَا يَنْبَغِي لَهُ﴾ أي ما يمكن ولا يليق به ﵊ أن يكون شاعرًا. فلا يصح ولا يمكن أن يُعلم أو يتعلم الشعر؛ لأن تعلمه الشعر يوجب احتجاجًا من المبطلين كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ (٤٨)﴾ (١) فلو تعلم النبي ﷺ الشعر لقالوا: إن هذا القرآن شعر مما تعلمه.
سؤال (٢): لماذا وصف العرب الجاهليون القرآن بالشعر مع أن الفرق بين الشعر والنثر واضح لدى عامتهم فضلًا عن خواصهم؟
الجواب: المبطل يموه بكل شيء، وإذا كثرت الدعايات والكلام والقول فقد ينقلب الأمر، فهم يعرفون أن هذا ليس بشعر، لكن قد يقولون: هذا شعر على وجه جديد وما أشبه ذلك، يروجون لدعايتهم حتى يشتبه الأمر.
سؤال: يقول من يروج للشعر الحديث: إن الشعر كان عند العرب بهذا الشكل بدليل أنهم نعتوا القرآن بالشعر وليس موزونًا ولا مقفى؟
الجواب: هذا من باب الترويج، ولهذا لا تستطيع أن تأتي بقصيدة واحدة أبدًا على مثل شعرهم هذا.
كما أنه لو كان يكتب لقالوا إن هذا شيء مما كتبه. ﴿إِنْ هُوَ
стр. 246
إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ (٦٩)﴾ قال المؤلف: [ليس الذي أتى به إلا ذكر] فأفادنا بأن (إن) هنا نافية، أي: ما هو إلا ذكر، و (إِن) تأتي لعدة معانٍ: تأتي زائدة، وشرطية، ونافية، ومخففة من الثقيلة. والذي يعين المعاني المتعددة في الكلمة الواحدة هو السياق، وهذه قاعدة في كل كلمة ذات معاني متعددة أنه يعينها السياق، وقرينة الحال، وهي هنا نافية، قال ﴿هُوَ﴾ الضمير يعود على المصدر المفهوم من ﴿عَلَّمْنَاهُ﴾، وكون مرجع الضمير مصدرًا معلومًا من الفعل السابق أمر لا يستغرب، ألم تر إلى قوله تعالى: ﴿اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ (١) ﴿هُوَ﴾ أي: العدل المفهوم من كلمة: (اعدلوا) وهنا ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ (٦٩)﴾ أي: ما الذي علمناه إلا ذكر وقرآن مبين. قوله: ﴿إِلَّا ذِكْرٌ﴾ قال المؤلف: [عظة] يعني موعظة يتذكر بها من تذكر، والذي يتذكر بهذا القرآن بينه الله تعالى في قوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ (٣٧)﴾ (٢) وهذا باعتبار الاستعداد والقبول، وجاء في آيات أخرى ما يدل على أن كل المتقين يتعظون بهذا القرآن، فيكون فيه بيان للذين يتعظون به من حيث السلوك، ففي سورة "ق" بيان الذين يتعظون به من حيث القبول والاستعداد بالتذكر، وفي الآيات الأخرى التي تربط التذكر بالقرآن بالإيمان والتقوى وما أشبه ذلك دليل على من يتعظ به من حيث السلوك والعمل،
стр. 247
وكلما ازداد الإنسان عملًا بالقرآن ازداد تذكرًا به، وهذا الذي ذكره المؤلف ﵀ في معنى الذكر هو أحد المعاني؛ لأن الذكر الذي وصف به القرآن يتضمن عدة معان:
المعنى الأول: ما ذكره المؤلف وهو العظة والتذكر به.
المعنى الثاني: إنه ذكر يذكر به الله، وهو أشرف أنواع الذكر، لأن القرآن كلام الله ، فبمجرد ما تتلوه وأنت تشعر أنه كلام الله سوف تذكر عظمته ؛ ولأن القرآن يشتمل على أخبار هي أصدق الأخبار وأنفعها للقلوب؛ ولأنه يشتمل على قصص هي أحسن القصص وأجملها وأتمها؛ ولأنه يشتمل على أحكام من لدن حكيم خبير، هي أعدل الأحكام وأقومها لمصالح العباد؛ ولأنه يشتمل على أوصاف الله تعالى وأسمائه التي هي أفضل الأسماء وأشرف الأوصاف، وكل هذا ذكر، فالقرآن نفسه ذكر لله ؛ لأنه يشتمل على كل هذه المعاني التي بينها الله تعالى في كتابه.
المعنى الثالث: أنه رفعة وشرف لمن يقوم به ويعمل به لقوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ (٤٤)﴾ (١) والذكر بمعنى الرفعة والشرف موجود في القرآن كما في الآية السابقة، وكما في قوله تعالى: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ (٤)﴾ (٢) أي: ذكرك بالشرف والتبجيل والتعظيم. ولا شك أن من تمسك بالقرآن فإن له الشرف والسيادة على جميع الخلق، ولهذا فإني أحثكم على أن تمسكوا
стр. 248
بهذا القرآن العظيم، وإذا تمسكتم به عقيدة، وعملًا، وهديًا فستكون العاقبة لكم، ولا تظنوا أنكم قليلون -لو كنتم قليلين- فإن الاهتداء بالقرآن يستلزم أن ينجذب الناس للمهتدي به حتى يكثروا شيئًا فشيئًا، كالحجر تلقيه في اليم ثم تتسع الدائرة حتى يشمل اليم كله، فالحاصل أن الإنسان إذا تمسك بهذا القرآن الكريم فسوف يكون له الشرف والسيادة والظهور على جميع الخلق، قال: ﴿وَقُرْآنٍ مُبِينٍ﴾ قرآن يحتمل أن يكون معنى مفعول، وأن يكون بمعنى فاعل؛ لأن قرآن مصدر مثل: الشكران، والغفران، والنكران، وما أشبهه، والمصدر يأتي بمعنى اسم الفاعل، ويأتي بمعنى اسم المفعول، وعلى هذا فهو قارئ ومقروء، أما كونه قارئًا فلأنه من القر يعني الجمع فهو جامع للأحكام، والأخلاق، والآداب الموجودة في الكتب السابقة قبله، كما قال الله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ (١) وجامع أيضًا لكل ما تقوم به أمور الدنيا وأمور الآخرة، وهو أيضًا مقروء أي: متلو؛ لأنه يتلى، والقراءة بمعنى التلاوة. ﴿مُبِينٌ﴾ قال المؤلف ﵀[مظهر للأحكام وغيرها] فـ ﴿مُبِينٌ﴾ هنا من (أبان) بمعنى أظهر، وقد سبق لنا مرارًا أن (أبان) يكون لازمًا، ويكون متعديًا، يكون لازمًا بمعنى ظهر، وهو كثير في القرآن مثل: ﴿وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (١٦٤)﴾ (٢) أي: بين ظاهر،
стр. 249
وتأتي مبين من (أبان) بمعنى أظهر، أي: المتعدي كما في الآية: ﴿مُبِينٌ (٦٩)﴾ أي مظهر، مظهر للأحكام وغير الأحكام، كما قال الله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ (١) فما من شيء يحتاج الناس إليه إلا وجد في القرآن، لكن وجوده في القرآن: إما أن يكون على وجه صريح، أو على وجه ظاهر، أو على وجه الإيماء والإشارة، أو على وجه الشمول والعموم، أو على وجه اللزوم، فالمهم أن القرآن مبين لكل شيء، تارة يذكر الدليل على المسألة، وتارة يذكر التوجيه إلى الدليل فمثلًا: هناك مسائل لا توجد في القرآن وهي من أهم أحكام الإسلام كعدد الركعات في الصلوات، وتقدير أنصبة الزكاة، وما يجب فيها، وما أشبهها لكن في القرآن ما يشير إليه مثل قوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (٢) فهذه الآية إذا وجهتها إلى السنة شملت جميع السنة، وشرعنا كله لا يعدو الكتاب والسنة، إذًا فالقرآن مبين لكل شيء، وهو أيضًا مبين لكل ما سبقنا من الحوادث التي يكون في بيانها مصلحة كقصص الأنبياء، وقصص الأولياء، وقصص المكذبين للرسل وغير ذلك، فكل ما سبق مما فيه مصلحة لنا فهو مذكور، أما ما ليس فيه مصلحة فإنه لا حاجة إلى ذكره، وقد يكون هذا الشيء الذي لم يذكر موكولًا إلى عقول الناس وتجاربهم، كما في كثير من طبائع الأشياء الأمور الطبيعية سواء الفلكية، أو الجولوجية، أو غير ذلك نجد أن القرآن لم
стр. 250
يفصلها ولم يبينها؛ لأنه ليس فيها فائدة، فائدتها تكمن في أن الناس يطلبونها وينظرون في آيات الله، ويتحركون حتى يدركوها، ولهذا تجد بعض المسائل التي يتنازع فيها الناس كمسألة دوران الأرض ليست موجودة في القرآن على وجه صريح، ولو كان هذا مما يتعين علينا اعتقاده إثباتًا أو نفيًا لكان الله يبينه بيانًا واضحًا كما بين الأمور التي لابد لنا من الاعتقاد فيها على وجه صريح، إذًا هذه موكولة للناس، واستخراج ما في الأرض من المعادن وغيرها من المصالح العظيمة التي لم يطلع عليها إلا أخيرًا هذه أيضًا لم تذكر في القرآن، وإن كان في القرآن إشارة إليها، لكنه لم تذكر على وجه التفصيل بل قال الله تعالى: ﴿وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ﴾ (١) وقطع من صيغ جموع التكثير لو تقول: "إنها ملايين القطع" لم يخرج عن دلالتها، هذه القطع لولا أنها تختلف في منافعها وذواتها وكل ما يتعلق بها ما قال الله ﴿قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ﴾ إذًا هي متباينة. في هذه الآية تستطيع أن تقول: إن الله أرشدنا إلى استخراج المعادن من الأرض، لأن الله بين أنها قطع، وليست القطع التي فوق التراب فقط، ففيه أشياء كثيرة ما تعلم وربما تعلم في المستقبل، وربما بعضها علم الآن، فالقرآن مبين لكل شيء، وإذا تدبرت القرآن مرة بعد أخرى لا تعيد التدبر مرة ثانية إلا ظهر لك معنى جديدًا غير الأول، ولا يمكن لأحد أن يحيط بمعاني القرآن، لكن كلما تدبره الإنسان طالبًا للحق، مريدًا للصواب فإنه يهتدي إلى معاني كثيرة، سئل علي بن أبي طالب