← Тафсир

Тафсир · id 151158

تفسير العثيمين: الصافات

ابن عثيمين

Полный текст (376 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

قال الله تعالى: ﴿لَا فِيهَا غَوْلٌ﴾ يعني ليس في هذه الكأس، والمراد الخمر الذي فيها غول، ورفعت غول مع أن (لا) نافية؛ لأنه يشترط لعملها عمل (إنّ) الترتيب، يعني أن يتقدم الاسم على الخبر، فإن تأخر وجب الرفع، وقوله ﴿غَوْلٌ﴾ أي: [ما يغتال عقولهم]، ففسر المؤلف الغول بأنه ما يؤثر على العقل. أي يسكرون، والسكر هو اغتيال العقل، فالقول الراجح في هذه الآية أن المراد بالغول ما يغتال أبدانهم من صداع في الرأس ووجع في البطن فخمر الآخرة لا غول فيها بخلاف خمر الدنيا، فإنه يكون فيها صداع، ويكون فيها وجع للبطن، كما ذكر ذلك ابن كثير وغيره، أما النزف فقال: ﴿وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ (٤٧)﴾ يقول المؤلف: [من نزف الشارب وأنزف إذا سكر بخلاف خمر الدنيا]، فإن الإنسان يسكر فيها ويزول عقله. أما في الآخرة فهي خالية من هذا، إذًا يصدق عليها ما وصفها الله في قوله: ﴿وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا﴾ [الإنسان: ٢١] أي: مطهرًا من كل ما يحصل من خمر الدنيا. قال: ﴿وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ عِينٌ (٤٨)﴾ (عندهم) أي: عند أصحاب الجنة الذين هم عباد الله المخلصون، لأن الله قال: ﴿إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (٤٠)﴾ ثم ذكر ما لهم من الثواب فيكون الضمير عائدًا على عباد الله المخلصين، ﴿وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ﴾ قال المؤلف ﵀: [حابسات الأعين على أزواجهن، لا ينظرن إلى غيرهم لحسنهم عندهن]. قوله: ﴿قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ﴾ قاصرات اسم فاعل مضاف إلى

стр. 107

فاعله، أي التي قصرت أطرافهن على أزواجهن، يعني أنهن لا ينظرن إلى غير أزواجهن، وهذا لا شك أنه من نعمة الله على الزوج، ومن كمال السعادة ألا تنظر المرأة إلى غير زوجها؛ لأنها إذا نظرت إلى غير زوجها فسوف يلقي الشيطان في قلبها مودة هذا المنظور وكراهة الزوج، فإذا كانت قد قصرت طرفها على زوجها فإن هذا من كمال السعادة الزوجية. ومن وجه آخر أنهن ﴿قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ﴾ أي قاصرات أطراف أزواجهن أي أن الزوج لا ينظر إلى سواها، فهو قد قصر طرفه عليها، وذلك لكمالها وحسنها في نظره، وحينئذ يكون لقاصرات الطرف معنيان: المعنى الأول: أنهن قد قصرن أطرافهن على أزواجهن. المعنى الثاني: أن أزواجهن قد قصروا أطرافهم عليهن وكلا المعنيين صحيح. ﴿عِينٌ﴾ جمع عيناء، والمعنى أنهن حسنات العيون، وحسن العين يكون بأمرين: ١ - سعة الأعين. ٢ - حسن الأعين، يعني: أن العين واسعة ومع سعتها فإنها جميلة حسنة. ولا شك أن حسن العين يوجب حسن الوجه ويزيده حسنًا إلى حسن، كالقلادة مثلًا تزيد المرأة حسنًا إلى حسنها، وقال: ﴿كَأَنَّهُنَّ﴾ قال المؤلف: ﵀[أي في اللون بيض للنعام ﴿مَكْنُونٌ (٤٩)﴾ مستور بريشه لا يصل إليه غبار، ولونه وهو البياض فيه صفرة أحسن ألوان النساء]. لما وصف هؤلاء النساء

стр. 108

بأنهن عين وصف بقية أجسامهن فقال: ﴿كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ (٤٩)﴾ وكأنَّ هذه للتشبيه، والبيض في الآية الكريمة مُنَكَّر، ولكن المؤلف حمله على بيض معين، وهو بيض النعام، وببيض النعام أبيض في صفرة، قالوا: وهذا أحسن ألوان النساء. والذي خصصه ببيض النعام؛ لأن هذا هو المعروف عند العرب. وقيل: إن البيض مطلق، والمعنى أنهن يشبهن في البياض والرقة البيض، وليس المراد البيض القشور، بل البيض الذي هو بياض البيضة لرقته وبيانه وحسنه، ﴿مَكْنُونٌ (٤٩)﴾ بما على البيضة من القشرة. وهذا الأخير هو الأقرب لظاهر اللفظ؛ لأن الله أطلق قال: ﴿كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ﴾ ولو كان المراد ما قاله المؤلف -رحمه الله تعالى- بيضًا معينًا لقال: كأنهن البيض المكنون، لتكون "ال" دالة على معهود ذهني، فالصواب أنه عام، وأنهن لرقتهن وبياضهن ونعومة الملمس كأنها البيض أي البياض الذي في البيض وهو مكنون بقشره، أما على رأي المؤلف فهو المكنون بالريش الذي تضعه النعامة على بيضها حتى لا يأتيه الغبار. الفوائد: يستفاد من هذه الآية: ١ - صفة هذا الخمر أو الكأس من المعين وأنه أبيض، لقوله: ﴿بَيْضَاءَ﴾ ٢ - ومن فوائدها: أن خمر الآخرة في غاية ما يكون من اللذة، ووجه ذلك أنه عبَّر باللذة عنه، والتعبير بالمعنى عن المتصف به أقوى من التعبير بالمشتق من ذلك المعنى، فإذا قلنا:

стр. 109

فلان عدل فهو أقوى من قولنا فلان عادل. ولهذا يرون أن النعت بالمصدر أوكد من النعت باسم الفاعل. ٣ - ومن فوائدها: أنها لذيذة حين الشرب خلافًا لخمر الدنيا فإنها كريهة حين الشرب، ولهذا قال: ﴿لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ (٤٦)﴾ فتفيد أنهم في هذه الحال يتلذذون بها غاية اللذة. أما خمر الدنيا فإنها كريهة، ولكن الإنسان يتلذذ بها بما ينتج عنها من السكر نسأل الله العافية. ٤ - ومن فوائدها: أن خمر الآخرة ليس فيها ضرر عقلي ولا بدني. قوله تعالى: ﴿لَا فِيهَا غَوْلٌ وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ (٤٧)﴾. ٥ - ومن فوائدها: أن هؤلاء كما يتلذذون بالشراب، يتلذذون أيضًا بالنساء والزوجات لقوله: ﴿وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ عِينٌ (٤٨)﴾. ٦ - ويستفاد أيضًا: أن هؤلاء النساء حاضرات لا يغبن عن أزواجهن لقوله: ﴿وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ﴾ أما في الدنيا فإن الزوجات قد يكن عند الإنسان، وقد يغبن باختياره، وقد يغبن بغير اختياره. أما في الجنة فإنهن حاضرات لا يغبن عن أزواجهن لقوله: ﴿وَعِنْدَهُمْ﴾. ٧ - ربما نأخذ من هذا أيضًا فائدة: أنهن لا يذهبن إلى غير أزواجهن، وذلك بتقديم الخبر ﴿وَعِنْدَهُمْ﴾ والمعروف في قواعد البلاغة أن تقديم ما حقه التأخير يفيد الحصر. ٨ - ومن فوائدها: كمال أدب هؤلاء النساء لكونهن قاصرات الطرف على أزواجهن.

стр. 110

٩ - ومن فوائدها: أن المرأة إذا نظرت إلى غير زوجها فإن ذلك فتنة؛ لأن الله امتدح نساء الجنة بكونهن قاصرات الطرف على أزواجهن. ويتفرع على ذلك أنه يجب على الإنسان أن يراعي زوجته في هذا الباب بحيث يمنعها من التطلع إلى غيره، سواء كان هذا التطلع إلى الرجل مباشرة، أو بواسطة الوسائل الإعلامية. فيمنعها من مشاهدة مجلات الأزياء الخبيثة التي يحصل بها الشر والفساد. ويتفرع على هذه الفائدة أيضًا: أن يمنعها من الخروج إلى الأسواق إلا لحاجة؛ لأن المرأة إذا خرجت إلى الأسواق ورأت الناس فربما تعجب بأحدهم ويتعلق قلبها به فتعزف عن زوجها. وينقلب حبها لزوجها ضعيفًا، أو ربما يفقد، لكن نساء أهل الجنة لا ينظرن إلى غير أزواجهن. ١٠ - ومن فوائدها بناء على المعنى الثاني في ﴿قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ﴾: أن نساء أهل الجنة في غاية الكمال والجمال بحيث لا ينظر الرجل إلى سواها؛ لأنها تقصر طرفه عن غيرها. وهنا ذكر الله صفتهن الحسية، ولهن صفة معنوية ذكرها الله تعالى بقوله: ﴿فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ (٧٠)﴾ [الرحمن: ٧٠] خيرات الأخلاق، حسان الأجسام، فتكون نساء أهل الجنة جامعات بين الحسن الظاهر والحسن الباطن. ١١ - ومن فوائدها: حسن أعين هؤلاء النساء لقوله: ﴿عِينٌ (٤٨)﴾ وحسن العين يكون بجمال الشكل والسعة

стр. 111

والاستدارة، وشدة السواد في شدة البياض، وغير ذلك مما يكون جمالًا في العين. ١٢ - ومن فوائدها: استعمال التشبيه التحسيني لقوله: ﴿كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ (٤٩)﴾ وهذا تشبيه تحسيني وعكس ذلك التشبيه التقبيحي قوله تعالى: ﴿طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ (٦٥)﴾ فقوله: ﴿كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ (٤٩)﴾ يراد به تحسين هؤلاء النساء. ١٣ - ومن فوائدها: الاستدلال بالقياس بالتشبيه، فالتشبيه يؤخذ منه استعمال القياس؛ لأن القياس إلحاق فرع بأصل أي تشبيه في الحكم وإعطاؤه حكمه. * * * ﴿فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ (٥٠)﴾. سبق أن أهل الجنة على سرر متقابلين، لكن الإقبال هنا فسر بقوله: ﴿يَتَسَاءَلُونَ (٥٠)﴾ يعني: صار بعضهم يسأل بعضًا مع اتجاه بعضهم إلى بعض، كما هو الأدب في المخاطبة أنك إذا خاطبت شخصًا فلا تخاطبه إلا وأنت مقبل عليه، بجملتك، فهم كذلك ﴿فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ (٥٠)﴾ قال المؤلف ﵀: [عمَّا مر بهم في الدنيا] وإن شئت فقل: يتساءلون عن كل أحوالهم في الدنيا وفي الآخرة؛ لأن الآية مطلقة، وما أطلقه الله فإنه لا ينبغي أن يقيد، ويكون ما ذكر من القصة مثلًا من الأمثال التي يتحدثون بها. ﴿قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ (٥١) يَقُولُ أَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ (٥٢)﴾

стр. 112

يعني من جملة ما يتحدثون به ما يجري لبعضهم من محاولة صده عن سبيل الله تعالى وكفره بالله . ﴿قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ﴾ أي من أهل الجنة ﴿إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ (٥١)﴾ في الدنيا، لأن (كان) فعل ماضٍ ﴿لِي قَرِينٌ (٥١)﴾ قال المؤلف: ﵀[صاحب ينكر البعث] هذا القرين هل هو قرين جني أو إنسي؟ . قيل: إنه جني، لقول الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ (٣٦)﴾. [الزخرف: ٣٦]. وقيل: إنه إنسي يعني يقارنه ويوسوس له، والآية تحتمل معنيين، والقاعدة عندنا في التفسير: أن الآية إذا كانت تحتمل معنيين لا ينافي أحدهما الآخر، ولا مرجح لأحدهما فإن الواجب حملها عليهما، ولا شك أن للإنس شياطين كما أن للجن شياطين، وأن شياطين الإنس يوسوسون كما يوسوس شياطين الجن، إذًا فالآية عامة، قرين إما من الإنس، أو من الجن، أو منهما جميعًا، وقول المؤلف: [قرين صاحب] مشكل إذ كيف يكون المؤمن مصاحبًا لمشرك، لأن الواجب أن يكون بين المؤمنين والكافرين التباعد وعدم المصاحبة، لقول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [المائدة: ٥١] ولقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ﴾. [الممتحنة: ١]. لكن قيل: إن المراد بالقرين هنا هو الشريك في المال، أو سفر أو ما أشبه ذلك، وليس المراد بذلك الصحبة التي تستوجب

стр. 113

الموالاة أو المحبة. يقول هذا القرين: ﴿أَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ (٥٢)﴾. قال المؤلف: [تبكيتًا] يعني يبكته ويلومه ويوبخه كيف تصدق بذلك؟ وقيل: بل يقول هذا نفيًا، وإنكارًا والآية تحتمل هذا وهذا، تحتمل أن هذا الفريق إذا عرض عليه المؤمن أن يؤمن بالبعث قال له هذا الكلام استبعادًا وإنكارًا له. ويحتمل أنه يبكته ويلومه ويوبخه على أن يصدق، يقول: ﴿أَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ (٥٢)﴾. ﴿أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَدِينُونَ (٥٣)﴾ مرَّ علينا أن مثل هذا الاستفهام المقرون بإن أو غيرها من أدوات التوكيد أنه استفهام يؤكد فيه المستفهم الإنكار، يقول: كيف تثبت وتصدق وتؤكد كذا وكذا مع أنه ليس بصحيح؟ ومنه قول أخوة يوسف: ﴿أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي﴾ [يوسف: ٩٠] هذا ﴿يَقُولُ أَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ (٥٢)﴾ يعني كيف تصدق تصديقًا مؤكدًا بأن واللام في هذا الأمر البعيد المنكر؟ وقوله: [بالبعث] إنما قيّد المؤلف ذلك بالبعث لقوله: ﴿أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا﴾ فيكون الذي خصص التصديق بالبعث قرينة السياق. ﴿أَإِنَّا لَمَدِينُونَ (٥٣)﴾ قال المؤلف ﵀: [في الهمزتين في الثلاثة مواضع ما تقدم] أي أربع قراءات: ١ - تحقيق الهمزتين. ٢ - تسهيل الثانية. ٣ - إدخال ألف في التحقيق. ٤ - إدخال ألف في التسهيل.

стр. 114

يقول ﴿أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَدِينُونَ (٥٣)﴾، أنكر ذلك أيضًا فانظر إلى هذا القرين المشؤوم -والعياذ بالله- الذي يبكّت ويوبخ وينكر هذا الأمر المؤكد الذي دل عليه الكتاب والسنة والعقل، فيقول كيف نبعث ونجازى بعد أن كنا ترابًا وعظامًا؟ ومناسبة الابتداء بالتراب قبل العظام؛ لأنه أبلغ في الحيلولة، أي بدأ بالأبعد فالأبعد فكونهم تراب أبعد من أن يخلقوا من كونهم عظامًا. ﴿قَالَ هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ (٥٤)﴾ يقول هذا الرجل لأصحابه الذين معه في الجنة: ﴿هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ (٥٤)﴾. والاستفهام هنا للعرض يعني يعرض عليهم أن يطلعوا معه إلى هذا القرين، وإنما عرض عليهم ذلك من أجل أن يتبين قدر نعمة الله تعالى عليهم، لأن الإنسان إذا رأى هذا القرين الذي كان معه في الدنيا. يقول له ما ذكر، إذا رآه في النار وهو في أكمل النعيم لا شك أنه يزداد شكرًا لله على نعمته إذ لو شاء لجعله مثله، لاسيما وأن هذا الرجل يحاول بكل ما يستطيع أن يصد هذا عن سبيل الله ، فيكون للاطلاع فائدة عظيمة، وهي معرفة قدر نعمة الله عليهم بهذا النعيم، وليس المراد بهذا الاطلاع الشماتة بهذا الرجل، لأنه لو كان المراد الشماتة لكان في هذا نوع فخر على هذا الرجل واستطالة، ولكن المراد أن يعرفوا قدر نعمة الله عليهم، لأن الأشياء تتبين بضدها. ﴿هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ (٥٤)﴾. قال المؤلف ﵀: [فيقولون: لا]. أتى بهذا من قوله: ﴿فَاطَّلَعَ﴾ ولم يقل: فاطلعوا.

стр. 115

ولكن الجزم بأنهم قالوا: لا. فيه نظر، لاحتمال أنهم سكتوا، ولما علم أنه لا رغبة لهم في الاطلاع ذهب واطلع. ويحتمل أنهم مشوا معه ووقفوا ولكن لم يطلعوا، فلهذا لا ينبغي أن نجزم بأنهم قالوا: لا. لاسيما وأن المعروف من أدب أهل الجنة بعضهم مع بعض أنهم فوق هذا المستوى الذي يطلب منهم ويعرض عليهم عرضًا أن يطلعوا إلى هذا الرجل الذي كان يبكته وينكر البعث، لينظر ماذا فعل الله به؟ وما فعل الله بهذا المصدق حتى يتبين بذلك قدر نعمة الله عليه، وكمال حكمته بتعذيب هذا الرجل المنكر، يبعد أن يقولوا: لا، فإما أن يقال: إنهم قاموا واطلعوا، ولكنه لما كان هو المعني بهذا الأمر نسب الأمر إليه، فقال: ﴿فَاطَّلَعَ﴾، ويحتمل أنهم قاموا معه ولم يطلعوا، بل وقفوا عند المكان الذي وقف عليه، ويحتمل أنهم سكتوا وعرف أنهم لا يريدون ذلك، ثم تقدم. المهم أن لا نجزم بهذا القول الذي قاله المؤلف ﵀. ﴿فَاطَّلَعَ﴾ قال المؤلف ﵀: [ذلك القائل من بعض كوى الجنة]، كُوّة يعني أن هذا الرجل اطلع على هذا ﴿فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ (٥٥)﴾ رأى قرينه رؤية عين ﴿فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ (٥٥)﴾ أي وسط النار يعذب، ولهذا قال له: ﴿تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ (٥٦) وَلَوْلَا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ (٥٧)﴾. قال المؤلف: [قال له تشميتًا]، هذا ما ذهب إليه ﵀ إنه قال ذلك يشمت به، ويحتمل أنه قال: تحدثًا بنعمة الله ﴿تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ (٥٦)﴾ ولكن الله منَّ عليَّ فلم تستطع أن

стр. 116

ترديني، وهذا هو الأقرب، قوله: ﴿تَاللَّهِ﴾ هذا قسم بحرف التاء. والقسم هو: تأكيد الشيء بذكر معظم بصيغة مخصوصة، وكان القسم تأكيدًا، لأن المقسم كأنه يقول بلسان حاله: إن منزله هذا عندي وقدره عندي أؤكد به ما أخبرت به إذا كان خبرًا، أو ما سأفعله إن كان إنشاء. ﴿قَالَ تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ﴾ يقول المؤلف: [إن مخففة من الثقيلة] أي فأصلها إنَّ، وهي تفيد التوكيد، وإنما قال مخففة من الثقيلة؛ لأن (إن) تأتي على أوجه متعددة (١): و﴿كِدْتَ﴾ قال المؤلف ﵀: [قاربت]، لأن كاد تدل على المقاربة، فهي من أفعال المقاربة، وقد اشتهر عند النحويين أن نفيها إثبات، وإثباتها نفي. فإذا قلت: كاد يفعل، فهذا إثبات لكنه يدل على أنه لم يفعل. وإذا قلت: لم يكد يفعل كذا، فهذا نفي لكنه يدل على أنه فعل، لقوله تعالى: ﴿فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ (٧١)﴾. [البقرة: ٧١] لكن هذا الذي اشتهر ليس بصحيح، فهي كغيرها من الأفعال: إثباتها إثبات، ونفيها نفي. فإذا قلت: كاد يفعل كذا، فإنها إذا كانت بمعنى قارب تدل بمادتها على أنه لم يفعل، لأن من قارب الشيء لم يدخل فيه. وعلى هذا فإثباتها إثبات. فهي أثبتت المقاربة. والمقاربة تدل على عدم الفعل.

стр. 117

وأما لم يكد يفعل كذا، فهذه تدل أيضًا على انتفاء الفعل، وأنه ما قارب أن يفعل هذا الشيء، لكن إن وجد قرينة تدل على الفعل مثِلِ: ﴿فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ (٧١)﴾ فالإثبات جاء من كلمة ﴿فَذَبَحُوهَا﴾ لا من كلمة ﴿وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ (٧١)﴾. ولهذا قال الله تعالي: ﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾ [النور: ٤٠] فهل نقول إنه يراها؟ لا، بل نقول لا يقارب أن يراها يعني هذه الظلمات العظيمة لو تضع يدك إلى جنب عينك ما رأيتها. فهذا القول المشهور ليس بصحيح، بل نقول: إن (كاد) كغيرها من الأفعال إثباتها إثبات، ونفيها نفي، لكن معناها معنى قرب. قال: ﴿إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ (٥٦)﴾ (اللام) هذه للتوكيد، لكن يعبر عنها بعض النحويين بقولهم: اللام فارقة، أو اللام لام الفرق، يعنون بذلك أنها تفرق بين "إن" النافية وبين "إن" المخففة من الثقيلة؛ لأنها إذا جاءت بعد "إن" فإنها تدل على أنها مخففة من الثقيلة وليست بنافية؛ لأن النفي لا يؤكد باللام. وهل تجب هذه اللام الفارقة في خبر "إن"؟ نقول في هذا تفصيل: إن كان المعنى واضحًا فإنها لا تجب، وإن كان المعنى خفيًّا فإنها تجب أي إن احتمل السياق أن تكون "إن" للنفي وجب الإتيان بها باللام الفارقة، وإن لم يكن يحتمل لم يجب. فقول الشاعر: وإن مالك كانت كرام المعادن

стр. 118

هذه لم تأتِ بها اللام، لأن السياق يراد به مدح هؤلاء الجماعة أو هؤلاء القبيلة، والمدح لا يناسبه النفي، وإنما يناسبه الإثبات، لكن إذا قلت إن زيد قائم؛ وجب عليك الإتيان باللام فتقول: إن زيد لقائم لأنك لو لم تأتِ باللام لاحتمل أن يكون معنى قولك: إن زيد قائم. ما زيد قائم، ولهذا سماها بعض النحويين (لام الفرق) أو (اللام الفارقة). ولهذا قال ابن مالك: وخففت إن فقل العمل ... وتلزم اللام إذا ما تهمل وربما استغنى عنها إن بدا ... ما ناطق أراده معتمدا فبيّن ﵀ أن اللام تلزم إذا أهملت، أما إذا أعملت فالأمر واضح. وخلاصة هذه المسألة النحوية أن نقول: "إن" المخففة من الثقيلة تعمل ولكن عملها قليل، فإذا أهملت وجبت اللام في خبرها إلا إذا كان المعنى واضحًا. فإذا قلت: إن زيدًا قائمًا، لم تجب اللام، لأن إن النافية لا تنصب المبتدأ فالمعنى واضح أنها مخففة. وإذا قلت: إن زيد قائم، وجب الإتيان باللام لأنك لو حذفتها احتمل أن يكون للنفي وأن يكون للإثبات. وإذا كان الرجل يمتدح شخصًا ويقول: إن زيد كريم، فلا يحتاج إلى اللام لأن المدح يقتضي أن تكون "إن" مخففة من الثقيلة لا نافية والله أعلم. الفوائد: ١ - كمال سرور أهل الجنة، وأنهم يتحادثون

стр. 119

ويتساءلون عما جرى في الدنيا، والتحدث عما جرى على الإنسان فيما سبق فيه لذة وراحة للنفس. أرأيت إذا تحدثت عن صباك ماذا تفعل وأنت صبي تجد في ذلك لذة وراحة ويذهب عنك الوقت وأنت لا تشعر به، فهم يتساءلون: ماذا حصل لنا في الدنيا؟ وكيف وصلنا إلى هذه النعمة؟ إلى غير ذلك من الأحاديث الممتعة الشيقة، ولهذا قال: ﴿فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ (٥٠)﴾. ٢ - ومن فوائدها: كمال أدب أهل الجنة في أنهم عند المحادثة يقبل بعضهم على بعض لقوله: ﴿فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ (٥٠)﴾ وهذا من كمال الأدب أن تقبل إلى محدثك خلافًا لمن عندهم سوء أدب تجده عند المحادثة: وهو على يمينك تصد عن اليسار، وأنت تسأل عن حاله، حتى مهما كان الأمر فإنه من سوء الأدب، ولو فرض أنك تنظر إلى اليسار لاشتغالك بأمر مهم كأنك تنظر إلي طفل صغير تخشى عليه أن يقع في بئر، أو ما أشبه ذلك فإننا نقول: لا تحدثه وأنت صادّ عنه، إذا فرغت من هذا النظر فأقبل عليه. وهل يؤخذ من ذلك أن من سوء الأدب أن تسلم على الإنسان من ورائه؟ فأحيانًا يكون الإنسان واقفًا حوله جماعة يسلمون عليه كلهم أمامه، ولكن يأتي واحد من ورائه يسلم عليه، فهذا المسلم عليه بين أمرين: إما أن يقبل عليه فيستدبر الآخرين، وإما أن يبقى مستقبل الآخرين، ويسلم عليه مستدبرًا له. فنقول: ليس له حق أن يُسلم من ورائه. والناس يسلمون من أمامه، وأقول: إذا أردت أن تسلم فاذهب مع الناس، وربما أنه يريد أن

стр. 120

يتجاوز الآخرين حتى يسلم ويمشي، وأعتقد أنه من سوء الأدب مادام الناس كلهم مقبلين على الإنسان كيف تسلم عليه من وراء، فأنت تريد أن تقطع حديثه مع هؤلاء لأجل أن يقبل عليك. وإذا كان انتظار الدور معروفًا في مصالح الناس فليكن حتى في السلام. وعلى كل حال كون أهل الجنة يقبل بعضهم على بعض يدل على أن الإنسان إذا أراد أن يحادث غيره فليكن مقبلًا عليه، أما أن يحادثه من وراء فهذا ليس من الأدب. ٣ - ومن فوائدها: جواز التحدث بنعمة الله، بل نقول جواز في الأصل وإلا فإن التحدث من الأمور المطلوبة، ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ (١١)﴾ [الضحى: ١١] لأن هذا الرجل تحدث عما أنعم الله به عليه من الهداية مع أنه كان له قرين يريد أن يغويه. ٤ - ومن فوائدها: جواز غيبة الشخص الداعي إلى الضلالة، من قوله: ﴿إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ (٥١) يَقُولُ أَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ﴾ ولا شك أن هذا القرين يدعو إلى الكفر، فتجوز غيبة الداعي إلى الضلال أو الكفر في الدنيا، للمصلحة العظيمة وهي تحذير الناس منه، حتى لا يقعوا في شركه. ٥ - فيها أيضًا من الفوائد: أن دعاة الضلال يأتون بالشبه التي توجب ضلال الناس، لأن هذا الداعية إلى الضلال يقول: ﴿أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَدِينُونَ (٥٣)﴾ فيلبس عليه ويقول: كيف يبعث من كان ترابًا وعظامًا من أجل أن يجازى؟ ! ولا شك أن مثل هذه الشبهة تنطلي على عامة الناس.

стр. 121

ويتفرع على هذه الفائدة: أنه يجب الحذر من تشبيه أهل الضلال، وأن لا تدخل شبههم إلى قلب الإنسان، وقد ذكر ابن القيم عن شيخه شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمهما الله- أنه قال: اجعل قلبك بمنزلة الزجاجة الصافية، أو القارورة الصافية، ولا تجعله كالإسفنج يتشرب كل ما ورد عليه. لأن الزجاجة الصافية يرى الشيء من ورائها صافيًا، ولكن ما يدخل إليها شيء، لو تضعها وسط الماء ما دخل إليها شيء، لكن الإسفنج يتشرب ويقبل كل ما يرد عليه ولو نقطة واحدة انتفخ منها، فالإنسان يجب عليه أن لا يتشرب الشبهات، وأن يكون قلبه صافيًا خالصًا لا يدخل إليه شيء من هذه الأشياء. فإن قال قائل: قد لا أملك هذا الأمر فما موقفي إذا أورد عليَّ شخص شبهة من الشبه؟ الجواب على ذلك أن نقول: إن إيراد شيطان الإنس للشبه كإيراد شيطان الجن، وقد أمر النبي ﷺ إذا وردت على قلب الإنسان شبهات أن ينتهي عنها، وأن يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم (١)، وعلى هذا فالدواء أن أقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، وأقوم عن المكان ولا أبقى في جدال وصراع، وليس عندي علم أدفع به شبهاته، بل أقوم عن المجلس، أما أن أبقى وأنا ليس عندي علم أدفع به الشبهات فإنه ربما يؤثر عليّ، والقيام من هذا المكان الذي تلقى فيه الشبهات هو الإعراض، أو الانتهاء

стр. 122

الذي أمر به النبي ﵊ من ورد على قلبه شيء من الشبهات. ٦ - ومن فوائد الآيات: أنه قد يكون أعدى عدو للإنسان من كان مقارنًا له، لقوله: ﴿إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ (٥١)﴾. ويتفرع على هذه الفائدة: ٧ - الاحتراس من القرناء، وألا نلقي إليهم بالمودة والإسرار إلا بعد أن نخبر حالهم؛ لأن كثيرًا من الناس يتلطف إليك ويمشي معك لا من أجل أن يستفيد منك ولا من أجل أن تستفيد منه، بل من أجل أن يرى ما عندك فيقومك إما فى نفسه وإما عند غيره. فليس كل قرين للإنسان يكون ناصحًا له. بدليل هذا ﴿لِي قَرِينٌ (٥١) يَقُولُ أَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ (٥٢)﴾ فاحذر القرناء لا تركن إليهم إلا بعد أن تعرف صدق نصحهم ومودتهم، وحينئذ فالإنسان مدني بالطبع، لابد للإنسان من قرين وصاحب يشكو إليه أموره، ويفضي إليه بأسراره، ويستشيره في أموره، لابد من هذا، لكن احذر، لا تركن إلى شخص إلا وقد عرفت صدقه. ٨ - ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الجزاء، لقوله: ﴿أَإِنَّا لَمَدِينُونَ (٥٣)﴾ أي مجزيون ومحاسبون كما مر. ٩ - ومن فوائد قوله تعالى: ﴿هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ (٥٤)﴾ أن هذا الذي أنعم الله عليه بالنجاة يطلب من إخوانه في الجنة ويعرض عليهم الاطلاع من أجل معرفة قدر نعمة الله عليهم، فإن الشيء لا يتبين إلا بضده.

стр. 123

هذه فائدة نقول في خلاصتها: إنه يندب للإنسان أن ينظر في ضلال من ضل ليتبين في ذلك قدر نعمة الله عليه في الهداية. فإن الأشياء إنما تتبين بضدها. ١٠ - ومن فوائدها: أن أحوال يوم القيامة لا تقاس بأحوال الدنيا، فإن هذا ينظر من أعلى عليين إلى أسفل السافلين، فيرى صاحبه في سواء الجحيم. فيتفرع على هذه الفائدة: أن كل ما ورد من أحوال يوم القيامة مما تستبعده النفوس لعدم مشاهدة نظيره في الدنيا لا ينبغي أن يكون محل استبعاد، فمثلًا ثبت في الصحيح أن الشمس تدنو من الخلائق يوم القيامة بمقدار ميل (١). ولو أن الشمس دنت إلى الخلائق في هذه الدنيا من ذلك لأحرقتهم، لا يقول قائل: كيف يمكن أن يبقوا والشمس تدنو منهم إلى هذا الحد؟ ! كذلك أيضًا ورد أن الناس يختلفون يوم القيامة بالنسبة للعرق. فمنهم يبلغ كعبيه، ومنهم من يبلغ ركبتيه، ومنهم من يبلغ حقويه، ومنهم من يلجمه (٢)، وهم في مكان واحد ربما يستبعد الإنسان وجود هذا، لأنه لا يشاهد نظيره في الدنيا، فنقول: لا تستبعد؛ لأن أحوال الآخرة ليست كأحوال الدنيا. ففي يوم القيامة المؤمنون نورهم يسعى بين أيديهم وبأيمانهم. والكافرون في ظلمة، والمكان واحد فلا يستفيد هؤلاء من نور هؤلاء، مع أنه في الدنيا لو كان

стр. 124

أحدنا معه نور في يده ليضيء طريقه لانتفع به من كان حوله، فلا تستبعد في الآخرة أن يكون مثل هذا الأمر. لأن أحوال الآخرة لا تقاس بأحوال الدنيا، فهذا الرجل ينظر من أعلى عليين إلى أسفل السافلين، فيرى صاحبه، ﴿فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ (٥٥)﴾. ١١ - ومن فوائدها أيضًا: أن هذا المطلع يخاطب صاحبه في أسفل السافلين، ويكلمه، فكل واحد منهم يخاطب الآخر، وهذا أيضًا لا يجوز أن يستبعد؛ لأن أحوال الآخرة غير أحوال الدنيا، ولأننا ربما شاهدنا في هذه الدنيا ما يشابه هذه الحال بواسطة الاتصالات الحديثة، فالإنسان قد يخاطب صاحبه وهو في مشرق الأرض والآخر في مغربها ويخاطبه وينظر إليه. ١٢ - ومن فوائدها: بيان توبيخ هؤلاء المفسدين في يوم القيامة، لأنه وبخهم بقوله: ﴿تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ (٥٦)﴾ وقد جاء في آية أخرى بأنه يوم القيامة يكفر بعضهم ببعض ويلعن بعضهم بعضًا، قال الله تعالى: ﴿ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ فِي النَّارِ كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا﴾ [الأعراف: ٣٨]. ١٣ - ومن فوائدها: أن هذا القرين السيئ كان يحاول بكل جهده أن يهلك صاحبه، ولهذا من شدة دعايته كاد أن يهلك هذا ﴿إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ (٥٦)﴾. ١٤ - ومن فوائدها: أن الهلاك الحقيقي هو هلاك الدين؛ لأنه وصف ذلك بالردى ﴿إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ (٥٦)﴾ وهذا هو الحق، فإن الهلاك الحقيقي هو هلاك الدين، أما الدنيا فإنها إنما خلقت للفناء، وما خُلق الناس للبقاء في الدنيا ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (٢٦)﴾.

стр. 125

[الرحمن: ٢٦] ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ (٣٤)﴾. [الأنبياء: ٣٤] ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ (٥٧)﴾ [العنكبوت: ٥٧] فالهلاك الحقيقي هو هلاك الدين: ﴿قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ (١٥)﴾ [الزمر: ١٥]. * * * قال الله تعالى: ﴿وَلَوْلَا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ (٥٧)﴾ لولا: حرف امتناع لوجود. إذا قلت: لولا زيد لقمت. امتنع القيام لوجود زيد. لأنها حرف امتناع لوجود. ﴿وَلَوْلَا نِعْمَةُ رَبِّي﴾ قلنا: إن لولا حرف امتناع لوجود. فالموجود النعمة، والممتنع: كونه من المحضرين. قال أهل النحو: ولولا: خبر المبتدأ بعدها يحذف وجوبًا فى الغالب. قال ابن مالك: وبعد لولا غالبًا حذف الخبر حتم. إذًا (نعمة) مبتدأ والخبر محذوف، وتقديره: ولولا نعمة ربي عليّ، أو كائنة أو ما أشبه ذلك. ﴿نِعْمَةُ رَبِّي﴾. النعمة: هي ما يكون بالإنعام، أي أثر إنعام الله على العبد، وتنقسم إلى قسمين: نعمة عامة، ونعمة خاصة: أما النعمة العامة فهي الشاملة لكل أحد من المؤمن والكافر، والبر والفاجر، فكل الناس يعيشون بنعمة الله ، وأما النعمة الخاصة فهرو التي أنعم الله بها على المؤمنين، ومنها قوله تعالى: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة: ٧] ثم هذه

стр. 126

النعمة الخاصة أيضًا فيها ما هو أخص، وهي نعمة الله على الرسل -عليهم الصلاة والسلام-، ومنها قوله تعالى: ﴿مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ (٢)﴾ [القلم: ٢] فإن هذه النعمة أخص النعم. والنعمة في هذه الآية ﴿وَلَوْلَا نِعْمَةُ رَبِّي﴾ من الخاصة؛ لأن نعمة الله العامة كائنة حتى على هذا القرين الرديء، ولكن هذه نعمة خاصة. قال المؤلف ﵀: [﴿وَلَوْلَا نِعْمَةُ رَبِّي﴾ عليَّ بالإيمان لكنت من المحضرين معك في النار]. اللام واقعة في جواب لولا، لأن (لكنت) هي جواب لولا، ﴿لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ (٥٧)﴾ معك في النار. وإن شئت فقل: لكنت من المحضرين معك في العذاب، ليكون أشد، فإن العذاب أعم وأشد من عذاب النار، وإن كان من في النار فهو معذب -والعياذ بالله-. قوله: ﴿أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ (٥٨) إِلَّا مَوْتَتَنَا الْأُولَى﴾ الهمزة في ﴿أَفَمَا﴾ للاستفهام، والفاء: عاطفة و (ما): نافية حجازية ترفع الاسم وتنصب الخبر، وهي هنا عاملة لتمام الشروط. ﴿أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ (٥٨)﴾ هذا الاستفهام يقول المؤلف: ﵀[هو استفهام تلذذ وتحدث بنعمة الله تعالى من تأبيد الحياة وعدم التعذيب]. أي: أنهم يتلذذون بانتفاء الموت عنهم، ولا شك أن انتفاء الموت والخلود والتأبيد من أكبر ما يسر به الإنسان. ولهذا جاء في الحديث: "أنه إذا كان يوم القيامة جيء بالموت على صورة كبش فيوقف بين الجنة والنار، وينادى هؤلاء وهؤلاء فيقال لهم: هل تعرفون هذا؟ فيقولون: نعم، هذا

стр. 127

الموت، فيذبح، ويقال: يا أهل الجنة خلود ولا موت، ويا أهل النار خلود ولا موت، فيزداد أهل النار غمًّا إلى غمهم، ويزداد أهل الجنة فرحًا إلى فرحهم" (١) لأنهم أمنوا من الموت، فهنا يتحدثون بهذه النعمة، وهي انتفاء الموت عنهم ﴿أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ (٥٨)﴾. ﴿إِلَّا مَوْتَتَنَا الْأُولَى﴾ هذا الاستثناء كقوله تعالى: ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى وَوَقَاهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ (٥٦)﴾ [الدخان: ٥٦] وعلى هذا فالاستثناء منقطع، يعني لكن موتتنا الأولى حصلت وتمت في الدنيا. وقوله: ﴿وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ (٥٩)﴾ معطوفة على: ﴿أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ (٥٨)﴾ أي: وكذلك ما نحن بمعذبين، فانتفى عنهم الموت المستلزم للتأبيد، والعذاب المستلزم للتنعيم. ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٦٠)﴾. ﴿إِنَّ هَذَا﴾ المشار إليه ما ذكر من النعيم لأهل الجنة، ومنه انتفاء الموت والتعذيب ﴿لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٦٠)﴾. اللام: مؤكدة وإن: مؤكدة وهو: ضمير فصل. وعلى هذه فتكون هذه الجملة مؤكدة بثلاث مؤكدات "إن"، و"اللام" و"ضمير الفصل" ثم إن المبتدأ والخبر كلاهما معرفة، فيدل على أن هذا الفوز فوز خاص بأهل الجنة. ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَوْزُ﴾ الخاص على هذا الوجه هو الفوز

стр. 128

العظيم، فإذا قيل: ما هو الفوز؟ قلنا: إن الفوز هو حصول المطلوب وزوال المرهوب. وقوله: ﴿الْعَظِيمُ (٦٠)﴾ مأخوذ من العظمة، لأنه لا فوز أعظم من ذلك، قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ﴾ [آل عمران: ١٨٥]. وبهذه المناسبة أنبه إلى أن ضمير الفصل له ثلاث فوائد: ١ - التوكيد. ٢ - الحصر. ٣ - التمييز بين الخبر والصفة، لأنك إذا قلت مثلًا: (زيد فاضل) فإن الفاضل يحتمل أن تكون صفة وتكون خبرًا، فإذا قلت: (زيد هو الفاضل) تعين أن تكون خبرًا، وحصل بذلك التمييز بين الخبر والصفة، ثم قال : ﴿لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ (٦١)﴾ لمثل هذا المشار إليه ما ذكر من النعيم، وقوله: ﴿لِمِثْلِ هَذَا﴾ قال بعضهم: إن (مثل) هنا زائدة أي: لهذا فليعمل. وقيل: بل هي غير زائدة أصلية، وأن (مثل) يؤتى بها للتعظيم والمبالغة، فإذا كان الإنسان يطلب منه أن يعمل العمل لمثل هذا، فما بالك بنفس هذا. يقولون: إن المثل ملحق بمثيله إلحاقًا، كالمشبه ملحق بالمشبه به. فمرتبة المشبه به أعلى من مرتبة المشبه. المثيل الذي قيل هذا مثل هذا أعلى من مماثله، لأنك إذا قلت هذا مثل هذا، فقد ألحقت الأول بالثاني. فإذا قيل لمثل هذا وصار الإنسان مطلوبًا منه أن يعمل لمثل هذا الشيء، فطلبه أن

стр. 129

يعمل لهذا الشيء نفسه من باب أولى. فيقولون: إن هذا من باب التوكيد، وهذا كقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾. [الشورى: ١١]. فإن مثل ليست بزائدة، ولكنه جئ بها للمبالغة إذا كان مثله -لو فرض له مثل- لا يماثله شيء، فما بالك به هو نفسه؟ فيكون هذا من باب التوكيد. إذًا: (لمثل هذا) نقول هذا من باب التوكيد والمبالغة أي: أن الإنسان مطلوب منه أن يعمل لمثل هذا، فكيف بنفس هذا الشيء، فتكون مثل على هذا ليست بزائدة، بل هي أصلية، وفائدتها، التوكيد والمبالغة. ولهذا يقال للشخص: مثلك لا يبخل، ويريدون هو لا يبخل لكن أتوا بمثل من باب المبالغة يعني إذا كان المتشبه بك لا يبخل فأنت: من باب أولى وأحرى، فمثل هذا التركيب في اللغة العربية يقصد به المبالغة وليس هناك زيادة. إذا لمثل هذا الفوز العظيم النبيل والنعيم العظيم ﴿فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ﴾ و (الفاء) عاطفة و (اللام) لام الأمر. وقوله: ﴿فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ (٦١)﴾ أى: بشرع الله فإن هذا لو تذهب فى النفوس والأنفاس والنفائس لكان ذلك رخيصًا فى جانب هذا الفوز العظيم. فالواحد منا يسعى جهده ليحصل الدرهم والدينار فيشبع فى بطنه، ويكسو به عورته، وينعم به بدنه ذلك النعيم الزائف الزائل، وتجده يسهر في الليل ويتعب فى النهار من أجل الوصول إلى هذا الغرض لكن ثواب الآخرة أعظم

стр. 130

وأعظم ومع ذلك فعملنا قليل، وقد وبخنا الله بقوله-: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (١٦) وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى (١٧)﴾ [الأعلى: ١٦ - ١٧] فالذي ينبغي له العمل حقيقة بل الذي يجب على العاقل أن يعمل له هو ثواب الآخرة. وهذه الآية ﴿لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ (٦١)﴾ كقوله تعالى ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ (٢٦)﴾ [المطففين: ٢٦] هذا هو محل التنافس، وهذا هو محل العمل، وهو الجدير بذلك. ﴿لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ (٦١)﴾ قال المؤلف ﵀: [قيل: يقال لهم ذلك، وقيل هم يقولونه] وعلى كل حال فسواء هم الذين يقولونه، أو يقال لهم فإنه يفيد أن هذا الجزاء وهذا النعيم، وهذا الفوز هو الذي ينبغي أن تفنى فيه النفوس والأنفاس والنفائس. الفوائد: ١ - أن التحدث بنعمة الله مشروع ومأمور به بشرط أن يكون المقصود به الثناء على الله تعالى لا الافتخار على عباد الله. ٢ - ومن فوائدها: أن نجاة الإنسان من عذاب الله من أكبر النعم، ولهذا قال ﴿وَلَوْلَا نِعْمَةُ رَبِّي﴾ ويدل ذلك أيضًا قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلَا﴾ [المائدة: ٣] حيث جعل إكمال الدين من إتمام النعمة، وبالدين تكون النجاة من النار والفوز بدار القرار، فمن أكبر النعم بلا شك بل هي أكبر النعم أن يمن الله على الإنسان بالنجاة من النار ودخول الجنة.

стр. 131

٣ - ومن فوائدها: أن هذا المؤمن قال: ﴿وَلَوْلَا نِعْمَةُ رَبِّي﴾ فأضاف الربوبية إلى الله، وهذه الربوبية من الربوبيات الخاصة، وقد مرَّ علينا أن الربوبية عامة وخاصة، وقد اجتمع في قوله تعالى: ﴿قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٤٧) رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ (٤٨)﴾ [الشعراء: ٤٧ - ٤٨] الأولى عامة، والثانية خاصة، والربوبية الخاصة تقتضي تربية أخص من الربوبية العامة، لأن الله تعالى يربي هذا العبد تربية خاصة أكثر من الربوبية العامة. ٤ - ومن فوائدها: جواز إضافة الشيء إلى سببه، لقوله: ﴿وَلَوْلَا نِعْمَةُ رَبِّي﴾ ولم يقل: ولولا ربي. لكن قد يقول قائل: إن نعمة الله إذا كان المراد بها فعل الله فهي من صفات الله فإضافة الشيء إليها كإضافته إلى الله، لقول النبي ﵊: "إلا أن يتغمدني الله برحمته" (١). لكن إضافة الشيء إلى سببه على أقسام: القسم الأول: أن يكون السبب معلومًا حقيقة حسًا أو شرعًا فنقول مثلًا: لولا فلان أنقذني من الغرق لهلكت. ولا بأس بذلك، لكن بشرط أن تشعر في قلبك أن فلانًا قد سخره الله لك ولم يستقل بفعله، ومن ذلك أي: من إضافة الشيء إلى سببه المعلوم قول النبي ﵊ في عمه أبي طالب: "لولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار" (٢) فقال: "لولا أنا"

стр. 132

فأضاف الشيء إلى السبب المعلوم. القسم الثاني: أن نضيف الشيء إلى الله تعالى وإلى سببه المعلوم فهذا جائز، ولكن بشرط أن يكون معطوفًا بحرف لا يقتضي التسوية، فلا يقول: لولا الله وفلان؛ لأن هذا شرك، لقول النبي ﵊ للرجل الذي قال له ما شاء الله وشئت: "أجعلتني لله ندًا؟ " (١) لأن الواو تقتضي التسوية، فلا يجوز أن يسوى غير الله بالله، بل هو شرك، لكنه شرك أصغر إن كان شركًا لفظيًا، وأكبر إن اعتقد أن هذا السبب مساوٍ لله في حصول المسبب؛ لأنه إذا جعل شيئًا غير الله مساويًا له فهو شرك أكبر. أما إذا أضيف بحرف لا يقتضي التسوية بل يقتضي الترتيب، فهذا نوعان: نوع جائز لا إشكال فيه، ونوع فيه بعض الشبهة، فإذا عطف بثم مثل: لولا الله ثم فلان فهذا جائز لا إشكال فيه؛ لأنك جعلت فلانًا تابعًا تبعية متأخرة، حيث عطفته بثم الدالة على التراخي. أما إذا عطفته بفاء التي تقتضي الترتيب والتعقيب مثل: لولا الله ففلان. فهذا محل نظر، لكن الأقرب أنه جائز؛ لأنك أتيت بالفاء الدالة على الترتيب. القسم الثالث: أن تضيفه إلى الله وحده،

стр. 133

وتغفل السبب بالكلية، فتقول: لولا الله لهلكت فهذا جائز. القسم الرابع: أن تضيفه إلى الله بذكر السبب وتبين أن السبب مجرد سبب، مثل أن تقول: لولا أن الله أنقذني بفلان لهلكت، فهذا جائز. القسم الخامس: أن يضيفه إلى سبب غير معلوم لا شرعًا ولا حسًّا فهذا شرك، لكن قد يكون أكبر وقد يكون أصغر. فإذا قال: لولا فلان، يعني صاحب القبر أنقذني لهلكت فهذا شرك أكبر؛ لأن فلانًا لا يستطيع أن ينقذ. وإن أضافه إلى سبب غير معلوم شرعًا ولا عرفًا ولا حسًّا لكنه ليس كالأول مثل: التمائم المعلقة على المريض من غير القرآن، فهذا شرك لكنه أصغر وليس بأكبر. وهذا ﴿وَلَوْلَا نِعْمَةُ رَبِّي﴾ إذا كان المراد بذلك فعل الله فهو من باب إضافة الشيء إلى فعل الله، وهو كإضافته إلى الله . وإن كان المقصود بذلك المنعم به فهو إضافة إلى شيء مخلوق، لكنه سبب صحيح، وإضافة الشيء إلى سببه الصحيح جائز. ٥ - ومن فوائد الآيات: أن أهل الجنة لا يموتون فيها، لقوله: ﴿أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ (٥٨) إِلَّا مَوْتَتَنَا الْأُولَى﴾ وهذا غاية ما يكون من النعيم، نعيم لا يشوبه تنغيص؛ لأن نعيم الدنيا مهما بلغ يشوبه التنغيص: إذا ذكر الإنسان أن هذا النعيم سوف يزول، أو يزول هو عنه، لا شك أنه يتكدر عليه صفوه، ولهذا قال الشاعر:

стр. 134

لا طيب للعيش ما دامت منغصة لذاته ... بادّكار الموت والهرم مادام الإنسان يتذكر إما موت وإما هرم فإن العيش لن يطيب له، لكن من نعمة الله أن الإنسان يغفل عن هذا الشيء ولا يتذكر إلا الحالة التي هو عليها. لكن العاقل يكون حازمًا فيعمل لمستقبله. فإذا قال قائل: هل لهذه الآية نظير في القرآن؟ فالجواب: نعم، قوله : ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى وَوَقَاهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ (٥٦)﴾ [الدخان: ٥٦] والاستثناء في هذه الآية كالاستثناء في الأولى، أي أنه منقطع. يعني لكن الموتة الأولى قد ذاقوها. وقد يقول قائل: إن الاستثناء فيها متصل. وإذا قيل ما وجهه؟ قلنا: إن قوله: ﴿إِلَّا مَوْتَتَنَا الْأُولَى﴾ استثناء من حال هؤلاء الذين قال الله عنهم: إنهم لا يذوقون الموت، لأن نعيم أهل الجنة متصل آخره بأوله، فإن أهل الجنة منعمون حتى في الدنيا. لقوله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٧)﴾ [النحل: ٩٧] فلا تظن أن الحياة الطيبة للمؤمنين في الآخرة فقط، بل هي في الآخرة وفي الدنيا أيضًا. لكن المشهور أن الاستثناء منقطع. ٦ - من فوائدها: انتفاء التعذيب عن أهل الجنة ﴿وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ (٥٩)﴾ ومن المعلوم أن هذه صفة سلبية، والصفة السلبية

стр. 135

في مقام المدح لابد أن تتضمن ثبوتًا؛ لأن الصفة السلبية في غير مقام المدح ليست مدحًا، فإنه قد يقال: الجدار لا يُعذب. وليس في هذا مدح للجدار. فلابد أن تكون هذه الصفة متضمنة لثبوت كمال، فما هو كمال النعيم؟ لما ذكروا انتفاء الموت فزال عنهم التنغيص به ذكروا أيضًا انتفاء التعذيب؛ لأن الإنسان قد يبقى في حياته معذبًا، فقالوا: ﴿وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ (٥٩)﴾ لكمال حياتهم وكمال نعيمهم، أنهم لا يلحقهم مع البقاء تعذيب. ٧ - من فوائد قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٦٠)﴾ أن الفوز حقيقة هو الوصول إلى دار كرامة الله فيترتب على هذه الفائدة: أن الإنسان مهما فاز في الدنيا فإن فوزه ليس بشيء بالنسبة إلى فوز الآخرة، لأنه قال: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٦٠)﴾. ولهذا نظير في القرآن مثل قوله: ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ﴾ [آل عمران: ١٨٥] هذا الفوز ليس بحصول المال ولا الجاه ولا الرئاسة ولا بحصول الأولاد ولا الزوجات، الفوز حقيقة هو الوصول إلى دار النعيم المقيم. أسأل الله تعالى أن يجعلني وإياكم ممن وصلها. ٨ - ومن الفوائد: أن الذي ينبغي أن يعمل له العامل، ويكدح له الكادح، ويتعب فيه التاعب هو هذا النعيم، لقوله: ﴿لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ (٦١)﴾ فغيره لا تعمل ولا تتعب نفسك في أمر لا ينفعك في الآخرة، وليس معنى هذا أن نقول: لا تعمل

стр. 136

للدنيا، بل اعمل للدنيا لكن اجعل عملك في الدنيا من أعمال الآخرة. فكيف يمكن هذا؟ يمكن تطلب المال من أجل أن تتعفف به عن الناس، من أجل الإنفاق على أهلك، تطلبه من أجل الصدقة به، تطلبه من أجل الاستعانة به في طلب العلم، تطلبه من أجل الجهاد في سبيل الله، فيكون طلب الدنيا طلب الآخرة ويكون هذا العمل عملًا للوصول إلى الجنة. ٩ - ومن فوائدها: وصف غير الله تعالى بالعظم فيقال العظيم للشيء العظيم، أيًّا كان، ويدل على ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ (٢٣)﴾ [النمل: ٢٣] ويدل عليه أيضًا أن الله وصف العرش بأنه عظيم ﴿رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (٢٦)﴾ [النمل: ٢٦] وعلى هذا فالصفات التي يشترك فيها الخالق والمخلوق لا بأس أن يوصف بها المخلوق، ولكن يجب أن يعلم بأن بين وصف المخلوق بها ووصف الخالق بها كما بين ذات الخالق وذات المخلوق، وأنه لا يلزم من الاشتراك في الاسم الاتفاق في المسمى. ١٠ - ومن الفوائد: سفه أولئك القوم الذين يعملون للدنيا دون الآخرة؛ لأن الله تعالى قال: ﴿لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ (٦١)﴾ فالذين يعملون للدنيا وهم في غفلة عن الآخرة لا شك أنهم سفهاء، وأنهم أمضوا أعمارهم فيما ليس فيه فائدة، بل فيما فيه خسارة، وقد قال الله تعالى: ﴿بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِنْ هَذَا وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ

стр. 137

دُونِ ذَلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ (٦٣)﴾ [المؤمنون: ٦٣] يحكي الله تعالى عن الكفار بأن قلوبهم في غمرة، يعني مغمورة، وأتي بفي الدالة على الظرفية، للدلالة. على أن الغمرة -والعياذ بالله- قد أحاطت بهذه القلوب، في غمرة من هذا، لكن أعمال الدنيا ﴿وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ (٦٣)﴾. لا يعملون لغيرها وهي من دون ذلك، وأتى بمن الدّالة على البعد في الدون عما خلق له الإنسان، هؤلاء قلوبهم في غمرة مما وعد الله به أهل الجنة، وتوعد به أهل النار، لكن أعمال الدنيا التي هي دون ذلك بمراحل كثيرة هم لها عاملون وهذا كقوله تعالى في توبيخ من يعذب يوم القيامة: ﴿لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ (٢٢)﴾ [ق: ٢٢] في الدنيا في غفلة عن اليوم الآخر، ولا كأن هذا اليوم سيأتي، أما اليوم فقد كشف عنك الغطاء، فبصرك حديد قوي، تبصر الأشياء على حقيقتها في الآخرة، فهنا أمر الله أن نعمل لهذا، ﴿لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ (٦١)﴾ وأما ما دون هذا فلا ينبغي للإنسان اتعاقل أن يفني عمره ويتعب جسده وفكره في العمل له. فإذا قال قائل: هل معنى ذلك أن أترك العمل للدنيا؟ فالجواب، لا. ولو قلنا بهذا لكان قول الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ (١٥)﴾ [الملك: ١٥] وكان قوله تعالى: ﴿وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ [المزمل: ٢٥] وكان قوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٨] كل هذا كلام عبث ولغو، بل نقول: اعمل للدنيا، لكن الموفق يستطيع أن

стр. 138

يجعل عمل الدنيا عملًا للآخرة. والغافل بالعكس يجعل عمل الآخرة عملًا للدنيا. ١١ - ومنها أن أهل الجنة لا ينامون؛ لأن النوم يحتاج إليه الإنسان من أجل أن يستعد لنشاط المستقبل، وأن يستريح من تعب الماضي، وأما أهل الجنة فلا ينامون لكمال حياتهم، فليس عندهم تعب، ﴿لَا يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ (٤٨)﴾ [الحجر: ٤٨] فهم لا ينامون لأنهم لا يحتاجون إليه، ولأن النوم يصد عن النعيم والتنعم بما أعد الله لهم. ١٢ - ما أشرنا إليه آنفًا في قوله: ﴿لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ (٦١)﴾: أنه ينبغي للعاقل أن يذهب أنفاسه ونفيسه ونفسه في العمل لهذه الغاية الحميدة، ﴿لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ (٦١)﴾. ١٣ - ومن فوائدها: الإشارة إلى أن العمل لغير هذا ليس من الحكمة وليس من العقل، بل العقل والحكمة يقتضي أن يكون عمله للغاية العظيمة: للوصول إلى الجنة. ١٤ - في الآية رد على الجبرية حيث وجه الأمر إليهم ونسب العمل إليهم؛ لأن الأمر بالشيء لمن لا يستطيعه لا شك أنه ظلم وتكليف بما لا يطاق، وإثبات العمل أيضًا لمن لا إرادة له يعتبر مدحًا لغوًا، لأن هؤلاء إذا كانوا مجبرين فلا ينبغي أن يُمدحوا على محبوب ولا أن يذموا على مكروه.

стр. 139

قال الله تعالى: ﴿أَذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ (٦٢)﴾ قال المؤلف ﵀: [المذكور لهم ﴿خَيْرٌ نُزُلًا﴾ وهو ما يعد للنازل من ضيف وغيره ﴿أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ (٦٢)﴾]. (أم) هنا متصلة و (أم) المتصلة هي التي تذكر بين متعادلين، ويحل محلها "أو". والمنقطعة التي تذكر يينِ شيئين متجانبين، ويحل محلها "بل" مثل ﴿أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلَامُهُمْ بِهَذَا أَمْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ (٣٢)﴾. قوله ﴿أَمْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ (٣٢)﴾ بمعنى بل، أي: لا تأمرهم أحلامهم بهذا، ولكن هم قوم طاغون. ﴿أَذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ (٦٢)﴾. الجواب: ذلك بلا شك، ولكنه ذكر إما على سبيل التهكم بمن تنعموا في الدنيا ونسوا نعيم الآخرة، وإلا فلا أحد يشكل عليه أن ذلك خير من شجرة الزقوم، وهو كقوله تعالى: ﴿آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ (٥٩)﴾ [النمل: ٥٩] فإنه من المعلوم لكل أحد أن الله خير، لكن هذا ذكر على سبيل التهكم بهِؤلاء، وأن معبوداتهم ليس فيها خير إطلاقًا. ﴿أَذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا﴾ ﴿أَذَلِكَ خَيْرٌ﴾ مبتدأ وخبر. ﴿نُزُلًا﴾ تميز؛ لأنها جاءت بعد اسم التفضيل، فإن خير اسم تفضيل، حذفت منها الهمزة لكثرة الاستعمال، وأصل خير "أخير"، مثل شر أصلها "أشر"، ﴿نُزُلًا﴾. النزل: هو ما يعد للضيف من التكرمة: كالأكل والشرب والفراش والمسكن وما أشبه ذلك، ﴿أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ (٦٢)﴾ قال المؤلف ﵀: [المعدّة لأهل النار، وهي من أخبث الشجر المرّ بتهامة، ينبتها الله في الجحيم

стр. 140

كما سيأتي]. شجرة الزقوم: شجرة خبيثة المنظر، كريهة الرائحة، مرة الطعم، إن نظر إليها إنسان لم يسر بها، وإن تذوقها فهي مرة، وإن شمها فهي كريهة، فهي إذًا بشعة المذاق، كريهة الرائحة، مشوهة المنظر، ومع ذلك إذا وصلت إلى بطونهم فإنها لا تفيدهم شيئًا فهي لا تسمن ولا تغني من جوع، ومع ذلك فإنها تزيدهم التهابًا وعطشًا -والعياذ بالله- كما ذكر الله تعالى في آية أخرى. وسميت شجرة الزقوم قال العلماء: لأنهم يتزقمونها تزقمًا، أي: يتجرعونها تجرعًا؛ لأنها كريهة، لكن يحملهم عليها الجوع -والعياذ بالله- فيظنون أن هذه تسمن أو تغني من الجوع، وهي لا تسمن ولا تغني من جوع، فيتزقمونها تزقمًا. والعياذ بالله. الفوائد: ١ - من فوائدها: التهكم بعقول هؤلاء الذين يفضلون عمل الدنيا على عمل الآخرة. حيث قال: ﴿أَذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ (٦٢)﴾ ولا شك أن الجواب عند كل إنسان أن يقول: ذلك خير. ٢ - ومن فوائدها: إقامة الدليل على ضلال الإنسان بالغاية التي يؤول إليها أمره، فهؤلاء الذين فضلوا طريق أصحاب الجحيم اختاروا أن يكون نزلهم يوم القيامة شجرة الزقوم، ولا شك أن هذا ضلال بيّن، وسفه بعيد. ٣ - ومن فوائدها: إثبات الجزاء يوم القيامة؛ لأن شجرة الزقوم تكون في يوم القيامة.

стр. 141

٤ - ومن فوائدها: القدح والثناء بالسوء على هذه الشجرة، لأنه وصفها بأنها شجرة زقوم يتزقمها الإنسان تزقمًا يعني يبتلعها ابتلاعًا مكروهًا؛ لأنها -أي هذه الشجرة- كريهة المنظر، مرة الطعم، قبيحة الرائحة، ولهذا يتكرهونها لكن لضرورتهم إليها وشدة جوعهم يأكلونها. * * * قال الله : ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ (٦٣)﴾ قال المؤلف ﵀: [أي للكافرين من أهل مكة، إذ قالوا: النار تحرق الشجر فكيف تنبته]. شجرة الزقوم جعلها الله فتنة للظالمين أي اختبارًا يُختبرون بها، وفتنة أي سببًا للضلال، لأن الفتنة تطلق على الاختبار وتطلق على ما كان سببًا للضلال، ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [البروج: ١٠] أي كانوا سببًا في إضلالهم، ويقول الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ﴾ [الدخان: ١٧] أي اختبرناهم. أو إن شئت قل أضللناهم؛ لأن الله اختبر آل فرعون ولكنهم ضلوا -والعياذ بالله- فأضلهم الله. ﴿فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ (٦٣)﴾ أي: اختبارًا لهم وسببًا لضلالهم، اختبارًا لهم لأنهم لو آمنوا لصدقوا ولم يعترضوا، وسببًا لضلالهم لأنها جعلتهم يتخذون من هذا طعنًا فيما أخبر به الرسول ﵊، يقولون: هذا محمد يزعم أن الأشجار تنبت في النار، والعادة أن النار تحرق الأشجار فكيف تنبت في النار؟ ! ومعلوم أن الجواب على هذا يسير بالنسبة لنا، نقول: إن الله على

стр. 142

كل شيء قدير، وهي شجرة نارية توافق طبيعتها النار ولا تناقضها، قال الله : ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ (٦٣)﴾ المراد بالظالمين هنا الكفار، ولا شك أن الكفر ظلم، قال تعالى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ (١٣)﴾ [لقمان: ١٣] ومعلوم أيضًا أن الظلم يختلف، فهو درجات متفاوتة عظيمة، منها ما يصل إلى الكفر، ومنها ما يصل إلى الفسق، ومنها ما هو دون ذلك. سؤال: يقول بعض الناس: كيف يعذب الله إبليس وهو مخلوق من النار في النار؟ . الجواب أن يقال: إنّ مادته لم تجعله نارًا. كما أن مادة الطين لم تجعل الآدمي طينًا. الفوائد: ١ - من فوائد الآية: بيان الحكمة في مخلوقات الله ، وأنه قد يفتن العبد بما يظهره من آياته. ٢ - ومن فوائدها: أن المكذب بما أخبر الله به يعتبر من المفتونين الذين فتنهم الله وأضلهم. ٣ - ومن فوائدها أيضًا: أن ذلك من الظلم، ولكن هذا الظلم هل هو ظلم لله ورسله أو ظلم لأنفسهم؟ . الجواب: أنه ظلم لأنفسهم ﴿وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٥٧)﴾ [البقرة: ٥٧] فكل من حاد عن الصراط المستقيم فإنه ظالم لنفسه، لأن الواجب عليه أن يحسن رعاية هذه النفس،

стр. 143

فيقودها إلى ما فيه الخير والصلاح، ويذودها عما فيه الشر والفساد، وإذا كان الإنسان يجب عليه أن يرعى من ولاه الله عليهم من بني آدم ومن البهائم، فوجوب رعاية نفسه من باب أولى، ولهذا بدأ بالنفس في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾. [التحريم: ٦]. ٤ - ومن فوائد الآية: إطلاق الظلم على الكفر، مع أن الظلم أعم من الكفر، ولكن المراد به هنا الظلم المطلق الذي أشار الله إليه في قوله: ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٢٥٤)﴾ [البقره: ٢٥٤] فالظلم المطلق هو ظلم الكافر، والظلم المقيد هو ظلم الفاسق، فالمعاصي ظلم لكنها ظلم مقيد، فمثلًا يقال: هذا ظالم نفسه بأكل الربا، هذا ظالم نفسه بفعل الزنا، هذا ظالم نفسه بالاعتداء على الخلق، وهكذا، أما الظلم المطلق فهو ظلم الكافر؛ لأن الكافر -والعياذ بالله- لم يأتِ بعدل إطلاقًا حتى يقال: إن ظلمه ظلم مقيد. ﴿إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ (٦٤)﴾ هذه الجمل عن شجرة الزقوم بينها انقطاع بلاغي؛ لأن الاتصال هو العطف بالواو، وهنا كل جملة مستقلة، والحكمة من ذلك من أجل أن يعلم الإنسان عن هذه الشجرة من كل آية بصفة مستقلة، كأن كل صفة مستقلة تغني عن بقية الصفات. فكونها فتنة للظالمين هذا من أعظم ما يكون من الأوصاف التي يخاف منها عند إنكار هذه الشجرة، ﴿إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ (٦٤)﴾ قال المؤلف ﵀[أي: قعر جهنم وأغصانها ترتفع إلى دركاتها]،

стр. 144

وهل هذه الشجرة واحدة للشخص، أو هي واحدة بالنوع والجنس؟ في ذلك احتمالان: الأول: يحتمل أنها شجرة كبيرة تملأ النار كلها، ويتفرع منها أغصان في دركاتها كما هو ظاهر كلام المؤلف. الثاني: يحتمل أنها شجرة متعددة، لكن أفردت باعتبار نوعها، كما تقول -مثلًا- إذا شاهدت شجرة: هذه مذاقها مر، مذاقها حلو، مذاقها كذا، لا تريد هذه الشجرة الواحدة، بل تريد هذا الجنس وهذا النوع، فشجرة الزقوم يحتمل أنها شجرة واحدة قد ملأت النار بأغصانها والله على كل شيء قدير، وإلا فإن النار بعيدة القعر، كما في حديث أبي هريرة ﵁ قال: كنا مع النبي ﷺ فسمعنا وجبة فقال: "أتدرون ما هذا؟ " قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: "هذا حجر رمي به في النار حتى وصل إلى قعرها منذ سبعين خريفًا" (١) يعني سبعين سنة وهو يهوي في النار ما وصل إلى قعرها، هذه الشجرة إذا قلنا: إنها واحدة وأن أغصانها ملأت دركات النار فالله على كل شيء قدير، وإن قلنا: إنها واحدة بالجنس والنوع فليس في ذلك إشكال. يقول جل وعلا: ﴿إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ (٦٤)﴾ وما ظنك بهذه الشجرة النارية التي تخرج في أصل الجحيم، فيكون لمنبتها أثر فيها؛ لأن المنبت يؤثر على النابت، حتى إن

стр. 145

النوع الواحد إذا غرس في هذه الأرض اختلف عما إذا غرس في أرض أخرى وهو نوع واحد، هذه الشجرة التي تخرج في أصل الجحيم سوف يكون لمنبتها أثر فيها، ولهذا قال الله ﴿فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ (٦٤)﴾ ولم يقل: في الجحيم، ليبين أنها عميقة الجذور -والعياذ بالله- في النار. الفوائد: ١ - أن شجرة الزقوم خبيثة المنبت، لقوله تعالى: ﴿تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ (٦٤)﴾ والخبيث المنبت يكون هو خبيثًا أيضًا؛ لأن العادة أن النبات يكون على حسب أرضه، كما يكون على حسب مائه أيضًا. ٢ - ومن فوائدها: بيان قدرة الله حيث خلق هذه الشجرة في وسط النار، مع أن المعروف أن النار تحرق الأشجار، ولكن الله على كل شيء قدير، فها هي نار إبراهيم ﵊ تحرق الأجسام بلا شك، ولكن لما قال الله لها ﴿كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ (٦٩)﴾ [الأنبياء: ٦٩] لم تحرقه، بل كانت بردًا وسلامًا عليه. ٣ - ومن فوائدها: أن هذه الشجرة تنتشر إما أغصانها -كما قال المؤلف- أو أنواعها في النار كلها؛ لأن الله أخبر أن أهل النار يأكلون منها، ومعلوم أن النار دركات بعضها أسفل من بعض، فيلزم من ذلك أن تكون هذه الشجرة إما ذاتها ومنتشرة أغصانها، وإما نوعها موجودًا في جميع النار.
следующие страницы →