← Тафсир

Тафсир · id 151158

تفسير العثيمين: الصافات

ابن عثيمين

Полный текст (376 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

﴿فَأَغْوَيْنَاكُمْ إِنَّا كُنَّا غَاوِينَ (٣٢)﴾. * * * قال الله : ﴿فَإِنَّهُمْ يَوْمَئِذٍ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ (٣٣)﴾ هذا من قول الله تبارك تعالى وإن واسمها في إنهم، ومشتركون خبرها، وفي العذاب متعلق بـ (مشتركون)، ويومئذ يجوز أن تكون متعلقة بـ (مشتركون)، ويجوز أن تكون متعلقة بحال من الضمير في إنهم. وقوله: ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ أي يوم إذ تقوم القيامة فالتنوين عوضًا عن جملة محذوفة، وقوله: ﴿فَإِنَّهُمْ يَوْمَئِذٍ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ (٣٣)﴾ الضمير يعود على الأتباع والمتبوعين يشتركون يوم القيامة في العذاب أي في أصله، وإن كان بعضهم أشد عذابًا من بعض، لقوله تعالى: ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا﴾ [الأنعام: ١٣٢]. واشتراكهم في العذاب لا يخفف عنهم؟ لقوله تعالى: ﴿وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ (٣٩)﴾ [الزخرف: ٣٩] بينما الناس في الدنيا إذا اشتركوا في العذاب أو المصائب فإن بعضهم يسلي بعضًا ويقويه ربما يتحمل جزءًا من العذاب. لكن في الآخرة لا ينفع هذا، كل منهم يرى أنه أشد الناس عذابًا -والعياذ بالله- ولا ينفعه مشاركة غيره له. ﴿فَإِنَّهُمْ يَوْمَئِذٍ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ (٣٣)﴾ قال المؤلف ﵀: [أي لاشتراكهم في الغواية]. تفسير المؤلف تعليل لاشتراكهم في العذاب لأنهم اشتركوا في الغواية. والمعنى أن هؤلاء مشتركون في العذاب كل يعذب بقدر

стр. 72

ذنبه فلا يظلم ربك أحدًا، ولا يمكن أن يسلم الأتباع من التبعة، وأن يسلم المتبوعون من التبعة، وأن هؤلاء انقادوا للضلال باختيارهم، وهؤلاء خدعوهم وغروهم، فكان على كل واحد من العذاب ما يستحقه وإن اشتركوا في أصله. ﴿إِنَّا كَذَلِكَ﴾ [إنا كذلك كما نفعل بهؤلاء نفعل بالمجرمين]، هكذا قدر المؤلف كما نفعل بهؤلاء نفعل بالمجرمين. ويحتمل أن يكون المعنى إنا كهذا الفعل نفعل بالمجرمين وهم مجرمون. إعراب هذه الجملة ﴿إِنَّا﴾ إن واسمها وجملة ﴿نَفْعَلُ﴾ خبرها ﴿كَذَلِكَ﴾ الكاف اسم بمعنى (مثل) منصوبة على المفعولية المطلقة، يعني إنا نفعل مثل ذلك الفعل بالمجرمين، وهذا التركيب يرد كثيرًا في القرآن، وإعرابه أن تجعل الكاف اسم بمعنى (مثل) وأن تجعلها منصوبة على أنها مفعول مطلق للفعل الذي يليها. وقوله: ﴿نَفْعَلُ﴾ وصف الله نفسه بالفعل على سبيل التعظيم، حيث عاد الضمير إليه بصيغة الجمع، ومعلوم أنه سبحانه واحد، ولكنه وصف نفسه بهذا من باب التعظيم. وقوله: ﴿بِالْمُجْرِمِينَ (٣٤)﴾ المجرم هو الذي اكتسب الجرم وهو الإثم، فكل مجرم فإن الله تعالى يفعل به هكذا، ولكن الجرم نوعان: جرم لا عمل صالح معه فهذا يفعل به هكذا قطعًا وليس أهلًا للعفو. وجرم معه عمل صالح فهذا تحت المشيئة إن شاء الله عذبه وإن شاء غفر له، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ﴾. [النساء: ٤٨]. قال المؤلف: [﴿إِنَّا كَذَلِكَ﴾ كما نفعل بهؤلاء ﴿نَفْعَلُ

стр. 73

بِالْمُجْرِمِينَ (٣٤)﴾ غير هؤلاء أي نعذبهم، التابع منهم والمتبوع]، وهذا يدل على أن هؤلاء كانوا مجرمين، لأنهم استحقوا من العذاب ما استحقه غيرهم. [﴿إِنَّهُمْ﴾ أي هؤلاء بقرينة ما بعدهم ﴿كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ (٣٥)﴾] ﴿إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ , القائل الرسل بدليل قوله: ﴿وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ (٣٦)﴾ وربما نختار العموم يعني إذا قالت لهم الرسل أو غيرهم حتى غير الرسل ربما ينصحونهم ويقولون لهم: قولوا لا إله إلا الله، ولكنهم يجيبون بهذا الجواب الباطل. وقوله: ﴿إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ هذه الجملة هي كلمة التوحيد، التي دعت إليها جميع الرسل، قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (٢٥)﴾ [الأنبياء: ٢٥]. وإعرابها أن نقول: لا نافية للجنس، وإله اسمها، وخبرها محذوف تقديره حق، وإلا أداة استثناء، ولفظ الجلالة (الله) بدل من الخبر المحذوف. وقوله: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾: إله بمعنى مألوه، والمألوه هو المعبود حبًّا وتعظيمًا، الذي تألهه القلوب وتنيب إليه وتخشع له، وإله أعني هذه الصفة فعال بمعنى مفعول تأتي كثيرًا في اللغة العربية مثل: البناء الفراش، بمعنى المبني، المفروش. فمعنى لا إله إلا الله: لا معبود بحق إلا الله. ولو أورد علينا مورد، بأن هناك آلهة دون الله تعالى

стр. 74

فالجواب: أن ألوهيتهم ليست حقًّا، والدليل قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ﴾ [الحج: ٦٢] وقد فسر عامة المتكلمين (لا إله إلا الله) بقولهم: لا قادر على الاختراع إلا الله. هذا تفسيرهم لها، كما نقله شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في التدمرية يقولون: (لا إله إلا الله) أي: لا قادر على الاختراع إلا الله، ففسروها بما يقتضي توحيد الربوبية، وهذا التفسير غير حق. فإذا فسرنا معنى (لا إله إلا الله) أي: لا قادر على الاختراع إلا الله يعني على الخلق إلا الله، وهذا التفسير غير صحيح وباطل من أصله. والدليل: أن المشركين لا يستكبرون عن أن يقولوا: إنه لا خالق إلا الله، بل يقرون بذلك، إذًا من فسره بهذا التفسير فقد أخطأ. والمشركون الذين قاتلهم الرسول ﷺ ما فسروه بهذا؛ لأنه لو فسروا بهذا ما استكبروا عنه. إذًا فهذا التفسير يعتبر تفسيرًا باطلًا، ليس فيه قصور ولا نقص، بل فيه البطلان من الأصل. سؤال: ما الفرق بين قولنا: لا معبود بحق إلا الله. وقولنا: لا معبود حق إلا الله؟ الجواب: إذا قلنا: لا معبود بحق إلا الله لم يأتِ الخبر، وصار (بحق) تعلق بمعبود، يعني لا أحد يعبد بحق إلا الله، ويكون الخبر على هذا هو (الله)، وهذا مشكل على قواعد النحو؛ لأن (لا) النافية للجنس لا تعمل إلا في النكرات. وإذا قلنا: لا معبود حق. صارت (حق) خبر (لا) ولا تكون

стр. 75

متعلقة بالمعبود. ولهذا قال بعضهم في تقديرها: لا معبود موجود إلا الله، وهذا غير صحيح، لأن هناك موجودًا يعبد سوى الله. ولكن الصحيح أن نقول: لا معبود حق. كما لو قلت: لا أحد قائم إلا زيد. تكون قائم هي الخبر. لا معبود حق إلا الله. وقوله: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ الله علم على الذات المقدسة لا يسمى به غيره، وهو أصل الأسماء، ولهذا تأتي أسماء الله تعالى غالبًا تبعًا له، ولا يأتي هو تبعًا لغيره إِلا نادرًا، فالأكثر أن الأسماء تأتى كلها صفة لله ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤)﴾ [الفاتحة: ٢ - ٤] بسم الله الرحمن الرحيم. وربما تبعًا لها في مثل قوله: ﴿إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (١) اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ﴾ [إبراهيم: ١ - ٢] فهنا أتت هذه الكلمة العظيمة (الله) تبعًا لما قبلها. أين جواب ﴿إِذَا﴾ في قوله ﴿كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ﴾؟ جواب (إذا) ﴿يَسْتَكْبِرُونَ (٣٥)﴾، ولكن قد يقول قائل: لماذا لم تجزم؟ كيف جعلتموها جوابًا لـ أن (إذا) ولم تجزموها مع أنها فعل مضارع، الجواب أن (إذا) حرف شرط غير جازم. وقوله: ﴿يَسْتَكْبِرُونَ (٣٥)﴾ أي: يتعالون كبرًا وفخرًا، فيرون أنهم أكبر من أن يقال لهم: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ ويأنفون من ذلك أي من قول هذه الكلمة، لأنهم يرون في أنفسهم أنهم أعظم وأكبر، ولهذا قال: ﴿يَسْتَكْبِرُونَ (٣٥)﴾ أي: يستكبرون عن قولها فلا يقولونها ويستكبرون عمن قالها فلا يستجيبون له، فكبرياؤهم -والعياذ بالله- من الناحيتين. الناحية الأولى: الاستكبار عن قول هذه الكلمة.

стр. 76

والثانية: الاستكبار عن الاستجابة لمن دعاهم إليها، ويقولون مع استكبارهم النفسي يقولون بألسنتهم: ﴿أَئِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا﴾ في همزتيه أربع قراءات على حسب ما قال المؤلف: ١ - أن تحقق الهمزتين. ٢ - أن تسهل الثانية. ٣ - أن تدخل ألفًا بينهما في حال التحقيق. ٤ - أن تدخل ألفًا بينهما في حال التسهيل. ﴿أَئِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ (٣٦)﴾ الاستفهام هنا للنفي، وأكدوا هذا النفي بقوله: ﴿أَئِنَّا لَتَارِكُو﴾ أكدوه بإنا واللام، يعني هل يمكن أن نترك آلهتنا لهذا القائل الذي وصفوه بهذين الأمرين: شاعر ومجنون، أي لأجل قول محمد ﷺ يعني لا يمكن أن نترك آلهتنا من أجل قول هذا الشاعر المجنون، والشاعر هو من يقول الشعر، والمجنون ضد العاقل، ومن المعلوم أن قولهم هذا كذب، ومع كونه كذبًا فهو متناقض. وجه التناقض أن المجنون كيف يكون شاعرًا؟ المجنون لا يمكن أن يأتي بكلام نثر منتظم، فكيف يأتي بكلام نظم يهز المشاعر، ويقال: إنه صدر من شاعر؟ ! لكن -والعياذ بالله- العمى إذا حل في القلب صار الإنسان لا يدري ما يقول، ربما يقول قولًا يتناقض وهو لا يدري. ومن المعلوم أن الله تعالى كذبهم في هذا القول، فقال تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ (٦٩)﴾ [يس: ٦٩]] وقال تعالى: ﴿ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ (١) مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ (٢)﴾ [القلم: ١ - ٢] بل أنت أعقل العقلاء،

стр. 77

فكذبهم الله في قولهم هذا، وهم بلا شك كاذبون، فالنبي ﷺ أعقل الناس، والنبي ﷺ أتى بقول ليس بشعر، بل أتى بكلام الله ، ولهذا قال تعالى: ﴿بَلْ جَاءَ بِالْحَقّ﴾ (بل) هذه للإضراب الإبطالي، أي بل كذبتم فيما قلتم، وإنما جاء رسول الله ﷺ بالحق، والباء هنا للمصاحبة يعني جاء مصحوبًا بالحق، فقوله حق وما جاء به أيضًا حق، فكون النبي ﷺ يقول: هذا من عند الله. نقول: هذا حق هو صادق، وما يشتمل عليه القرآن فهو حق وضده الباطل، فالحق هنا وصف لقول النبي ﵊ إنه رسول الله، ووصف لما جاء به، فيكون وصفًا للخبر والمخبر به، فخبر النبي ﵊ بأن هذا القرآن من عند الله نقول: حق، وما جاء به أيضًا فهو حق، وذلك لأن القرآن مشتمل على كمال العدل وكمال الصدق، كما قال تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا﴾ [الأنعام: ١١٥] فتكون الأحقية هنا من جهتين: من جهة الخبر، ومن جهة المخبر به، الخبر أن قول النبي ﷺ : هذا من عند الله حق ليس فيه كذب، المخبر به: أن ما جاء به الرسول ﷺ فكله حق متضمن للحق، ليس فيه باطل، ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا﴾ [الأنعام: ١١٥] فالصدق وصف للأخبار، والعدل وصف للأحكام، والقرآن كله إما خبر وإما حكم، فخبره صدق وحكمه عدل. ﴿وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ (٣٧)﴾ قال المؤلف ﵀: [الجائين به وهو أن ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ صدّق أي النبي ﷺ المرسلين الذين أرسلوا من قبله] وكيف صدقهم؟ نقول لتصديقه المرسلين

стр. 78

وجهان: الوجه الأول: أن مجيئه وقع مطابقًا لما أخبروا به، فيكون ذلك تصديقًا، كما لو قلت: سيقدم زيد غدًا، فإذا قدم صار مصدقًا لقولك وصار مجيئه مصدقًا لقولك. الوجه الثاني: صدق المرسلين أي قال: إن الرسل صادقون. وكلنا يعلم أن من دين رسول الله ﷺ أن يقول الإنسان: آمنا بالله وبرسل الله ﴿كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ﴾ [البقرة: ٢٨٥] فتصديق رسول الله ﷺ لمن سبقه يكون على هذين الوجهين: أولًا: أن مجيئه تصديق لما أخبروا به من أن سيبعث، وآخرهم عيسى ﵊، قال لقومه: ﴿إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ [الصف: ٦]. والثاني: أنه وصف ما جاءت به الرسل السابقون بأنه صدق. ﴿بَلْ جَاءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ (٣٧)﴾ قال [الجائين به، وهو أن لا إله إلا الله] في تفسير المؤلف ﵀ شيء من القصور؛ لأنه صدّق المرسلين في هذا وفي غيره، وكأن المؤلف ﵀ خصها بقول (لا إله إلا الله) بناء على السياق، حيث كان السياق في التحدث عن (لا إله إلا الله) ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ (٣٥) وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ (٣٦) بَلْ جَاءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ (٣٧)﴾ أي صدَّقهم بأن لا إله إلا الله، ولكن الأولى الأخذ بالعموم فصدقهم في هذا وفي غيره.

стр. 79

الفوائد: ١ - أن الأتباع والمتبوعين كل منهم مشترك في العذاب، لقوله: ﴿فَإِنَّهُمْ يَوْمَئِذٍ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ (٣٣)﴾. والفائدة من ذلك أنه لن ينجو الأتباع ولا المتبوعين. فإن قال قائل: هل الاشتراك يقتضي المساواة؟ فالجواب: لا. بل لكلٍّ درجات مما عملوا. ٢ - ومن فوائدها: إذلال هؤلاء المتبوعين الذين كانوا في الدنيا يعتلون على الخلق؛ لأنه جمع بينهم وبين من يستعبدونهم في الدنيا، ﴿فَإِنَّهُمْ يَوْمَئِذٍ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ (٣٣)﴾ لأن الآخرة دار عدل. ٣ - ومنها: أن الله لم يظلمهم بهذا العذاب، لقوله: ﴿إِنَّا كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ (٣٤)﴾ فهم لم يعذبوا إلا لجرمهم. ٤ - ومن فوائدها: أن الناس عند الله سواء، فكل من استحق عقابًا أو ثوابًا فهو له؛ لقوله: ﴿إِنَّا كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ (٣٤)﴾ يعني لم نفعل بهؤلاء وحدهم، بل حكمنا هذا شامل لكل مجرم. وكذلك يقال في الثواب: إن الله يثيب كل عامل بعمله بمقتضى الأوصاف التي يستحق بها هذا الثواب. ٥ - ومنها: إثبات الفعل لله لقوله: ﴿إِنَّا كَذَلِكَ نَفْعَلُ﴾ والله فعَّال لما يريد، والفعل يقتضي التجدد بحسب المفعول، فخلق الله للسماوات والأرض لم يكن أزليًّا، وإنما كان حين خلق السماوات والأرض، وخلق الله

стр. 80

للجنين في بطن أمه لم يكن أزليًّا، بل هو حادث حين حدوث هذا الجنين. ٦ - وننتقل من هذه الفائدة إلى فائدة تتفرع عنها، وهي إثبات أفعال الله الاختيارية خلافًا لمن أنكر ذلك، وقال: إن الله لا يقوم به فعل اختياري. وعللوا ذلك بعلة باطلة، قالوا: لأن الفعل الاختياري يقتضي الحدوث، والحادث لا يقوم إلا بحادث، والله أزلي أبدي، ولا شك أن هذا القول قول باطل. فإن الحادث قد يقوم بغير الحادث كما في أفعال الله. أليس الله تعالى خلق السماوات والأرض ثم استوى على العرش، فحدث الاستواء بعد خلق السماوات والأرض؟ أوليس الله ينزل كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى الثلث الأخير؟ بلى، فحصل النزول بعد مضي ثلثي الليل، ومع ذلك فإن الله لم يزل ولا يزال موجودًا. ثم إن الإنسان بنفسه يجد أن أفعالًا منه تتجدد مع سبقه عليها. فالإنسان مثلًا فعله اليوم ليس فعله بالأمس وهو سابق على أفعاله فتقوم به الأفعال الحدوثية مع سبقه عليها، فإذا جاز هذا في المخلوق، فهو في الخالق من باب أولى؛ لأنه كمال. ٧ - ومن الفوائد: تمام سلطان الله وقوته، وجه ذلك أن هؤلاء المجرمين معروفون بالعتو والكبرياء والغطرسة، كما في فرعون وغيره من الملأ، ومع ذلك فإن الله قاهرهم, يعذبهم ويفعل بهم ما يشاء مما تقتضيه حكمته. ٨ - ومن فوائد الآية الكريمة: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ (٣٥)﴾ أن هؤلاء المجرمين في غاية ما يكون من

стр. 81

العتو، فإنهم إذا قيل لهم هذه الكلمة العظيمة التي لو وزنت بها السماوات والأرض لرجحت بهن، يستكبرون عنها، ويرون أنهم أكبر قدرًا من أن يقولوها، أو أن يصدقوا من قال بها، لأنه قد سبق أن قلنا في التفسير يستكبرون عن الخبر والمخبر به. ٩ - ومن فوائد الآية الكريمة: وجوب الخضوع لما تقتضيه هذه الكلمة؛ لأن الله ساقها في القوم المستكبرين عنها مساق الذم، وعلى هذا فمن قبلها وخضع لها فقد نفى عن نفسه الذم وقام بما يجب عليه. ١٠ - ومن فوائد الآية الكريمة: أن من قال: (لا إله إلا الله) بإخلاص فلابد أن يخضع لأوامر الله ولا يستكبر، ومن ثم جاءت نصوص كثيرة تعلق دخول الجنة على قول (لا إله إلا الله)، ومن المعلوم أن دخول الجنة لا يترتب على مجرد قولها، إذ إن المنافقين يقولونها ومع ذلك لا يدخلون الجنة، لكن المراد بمن قالها خاضعًا لما تقتضيه هذه الكلمة العظيمة من اتباع أوامر الله تعالى واجتناب نواهيه. ١١ - ومن فوائد الآية الكريمة: أنه لا يجوز صرف شيء من أنواع العبادة لغير الله، لقوله: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ فلا يجوز أن يصرف شيء من أنواع العبادة لغير الله لا صلاة ولا نذر ولا سجود ولا ركوع ولا حج، كله يجب أن يصرف لله ، لأنه هو المعبود حقًّا. ١٢ - ومن فوائد الآية الكريمة ﴿وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ (٣٦)﴾ أن هؤلاء كذبوا بما تقتضيه شهادة أن لا إله إلا

стр. 82

الله وأن محمدًا رسول الله. فالأول ﴿كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ (٣٥)﴾ والثاني إذا قيل: آمنوا بمحمد قالوا: ﴿أَئِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ (٣٦)﴾. فلم يقوموا بـ (لا إله إلا الله)، ولم يقوموا بمحمد رسول الله، والله يقرن دائمًا بين هاتين الكلمتين في آيات كثيرة، انظر إلى قوله: ﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ الْأَوَّلِينَ (٦٨) أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ (٦٩)﴾ , [المؤمنون: ٦٨ - ٦٩] ففي الأول الإشارة شهادة أن لا إله إلا الله، وفي الثاني ﴿لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ﴾ شهادة أن محمدًا رسول الله. ولهذا أيضًا جعل النبي ﷺ هاتين الشهادتين ركنًا واحدًا من أركان الإسلام، فقال: "بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة. ." (١) لتلازم هاتين الشهادتين، ولأن مبنى العبادة كلها على الإيمان بهاتين الشهادتين إذ إن مبنى العبادة على الإخلاص والمتابعة، اللذين يتحقق بهما شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله. ١٣ - ومن الفوائد: أن هؤلاء المستكبرين لم يكفهم الاستكبار عن الحق حتى قدحوا فيمن جاء بالحق. يؤخذ من قوله: ﴿أَئِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ (٣٦)﴾ فلم يكفهم أن تركوا الحق حتى هاجموا وقدحوا فيمن جاء به، وقد ورثت هذه الطريقة -أي القدح بمن جاء بالحق- فأهل البدع يسمون أهل السنة بكل

стр. 83

عيب ووصف قبيح، سموهم المشبهة والمجسمة والحشوية والغثاء والنوابت والعامة، وما أشبه ذلك من الكلمات التي تفيد القدح، ولكن جعل الله لكل نبي عدوًّا من المجرمين، ولكل متبع نبي عدوًّا من المجرمين، فورث هؤلاء الأصفياء صفوة الخلق وهم الرسل -عليهم الصلاة والسلام- وورث هؤلاء الأشقياء أشقى الخلق الذين يقدحون في الرسل. ١٤ - ومن الفوائد: شدة انتصار هؤلاء المشركين لآلهتهم، انظر كيف قالوا: ﴿أَئِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا﴾ وهذا يدل على شدة انتصارهم لها وحميتهم الجاهلية، وقد سبق في سورة "يس" ﴿يس (١)﴾ أن الله تعالى قال عن هذه الآلهة: ﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ وَهُمْ لَهُمْ جُنْدٌ مُحْضَرُونَ (٧٥)﴾ [يس: ٧٥] فالأصنام والآلهة لا تنصرهم، وهؤلاء جند محضرون لنصر هذه الآلهة. ١٥ - ومنها: وقوله تعالى: ﴿بَلْ جَاءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ (٣٧)﴾: أن رسول الله ﷺ جاء بالحق، فكل دينه مشتمل على الحق فيما يتعلق بمعاملة الله تعالى أو فيما يتعلق بمعاملة عباد الله. وقد قال الله تعالى في وصف القرآن الذي جاء به الرسول ﷺ ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ [الإسراء: ٩] هذه الكلمة لو صنفت عليها مجلدات ما استوعبت مدلولها ﴿يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ في كل شيء، في العقائد والعبادات والأخلاق والمعاملات إيجادًا أو تركًا، ولو أنك تتبعت الشريعة بقدر ما تستطيع لوجدت أن هذا الوصف منطبق على جميع خصال

стр. 84

الشريعة، كل خصال الشريعة أقوم من كل شيء، وهنا يقول: ﴿بَلْ جَاءَ بِالْحَقِّ﴾ ضد الحق هو الباطل، والباطل إما كذب في الأخبار، وإما جور في الأحكام، ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا﴾ [الأنعام: ١١٥] وذكرنا لقوله ﴿بِالْحَقِّ﴾ معنى آخر غير كون ما جاء به حقًّا، وهو أنه ﷺ صادق فيما جاء به فما جاء به حق، وهو صادق في قوله: إنه من عند الله، وليس بكاذب. ١٦ - ومن فوائدها: الثناء على ما جاء به الرسول ﵊ لقوله: ﴿بَلْ جَاءَ بِالْحَقِّ﴾ بل والثناء على الرسول ﷺ حيث وصفه بأنه جاء بالحق ولا شك أن من وصف من عند الله بأنه جاء بالحق لا شك أن هذا من أعظم المناقب والأوصاف الحميدة. ١٧ - ومن فوائدها: الإشارة إلى أن النبي ﷺ آخر الرسل لقوله: ﴿وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ (٣٧)﴾ فإن "ال" للعموم فتقتضي كل رسول، وهذا يشير وليس بصريح إلى خاتم النبيين، كما قال الله تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب: ٤٠]. الآية لها مدلول عظيم، قال: ﴿وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾، وكان مقتضى السياق أن يقول، "ولكن رسول الله وخاتم الرسل"، أو يقول: "ولكن نبي الله وخاتم النبيين"، لكن قال رسول الله؛ لأن وصف الرسالة أعلى من وصف النبوة، وخاتم النبيين يعني لن يأتي بعده لا رسول ولا نبي وهو كذلك، فهو ﵊ أفضل الرسل، ولن يأتي بعده لا نبي ولا رسول.

стр. 85

١٨ - ومن فوائدها: أنه يجب علينا أن نصدق من سبق من الرسل -عليهم الصلاة والسلام-؛ لأن نبينا ﷺ صدق المرسلين، فيجب علينا نحن أن نصدق؛ لأنه يجب على المأموم متابعة الإمام، فإمامنا محمد -صلوات الله وسلامه عليه- فيجب علينا أن نتبعه. ١٩ - ومن فوائدها: الإشارة إلى أن الرسل السابقين أخبروا به لقوله: ﴿وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ (٣٧)﴾ ولا شك أن الرسل السابقين أُعلموا به، وأن آخرهم عيسى ﵊ بشر به، أما الأول فدليله قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ (٨١)﴾ [آل عمران: ٨١] فإن المراد بذلك محمد ﷺ . فإنه جاء مصدقًا لما معهم، فكان عليهم أن يؤمنوا به بمقتضى هذا العهد، وانظر إلى ليلة المعراج حيث صلى الرسل، بل الأنبياء صلوا جماعة، وكان إمامهم محمدًا ﷺ مما يدل على أنه أفضلهم، فإن الإمامة في الصلاة تقتضي الإمامة التي فوق الصلاة. ٢٠ - ومن فوائدها: تناقض هؤلاء المكذبين للرسول ﷺ حيث وصفوه بأنه شاعر مجنون، لأن المجنون لا يمكن أن يكون شاعرًا فهم يتخبطون خبط عشواء، إلا أن يدعي مدع بأن الكلام مقسم أي: أن بعضهم يقول: شاعر، وبعضهم يقول: مجنون.

стр. 86

وينسب القول للجميع، وإن كانوا لم يقولوا به لأنهم راضون به، إن ادعى مدع ذلك فله وجه، لكن إن كان القائل يجمع بين الوصفين فقد تناقض. * * * قال الله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ لَذَائِقُو الْعَذَابِ الْأَلِيمِ (٣٨) وَمَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٣٩)﴾ هذه الجملة مؤكدة بمؤكدين: أحدهما (إن) والثاني: اللام، وقوله: ﴿لَذَائِقُو﴾ هي الخبر وحذفت النون منها من أجل الإضافة؛ لأن المضاف تحذف منه النون إذا كان مثنى أو جمعًا، ويحذف منه التنوين إن كان مفردًا. وقوله: ﴿الْعَذَابِ الْأَلِيمِ (٣٨)﴾ الأليم هنا بمعنى المؤلم، وفعيل تأتي بمعنى مفعل، ومنه قول الشاعر: أمن ريحانة الداعي السميع ... تؤرقني وأصحابي هجوع السميع بمعنى المسمع. وقوله- : ﴿إِنَّكُمْ لَذَائِقُو الْعَذَابِ الْأَلِيمِ (٣٨)﴾: فيه التفات، وذلك أن مقتضى السياق أن يقول: "إنهم لذائقوا العذاب" لأن الحديث كله جاء عن الغائب. ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ (٣٥) وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ (٣٦)﴾ فكان مقتضى السياق أن يقول: إنهم لذائقوا العذاب الأليم، ولكن كان في السياق التفات من الغيبة إلى الخطاب فما فائدة هذا الالتفات؟ ذكرنا فيما سبق أن كل التفات فإن له فائدة مشتركة، وهي تنبيه المخاطب؛ لأن الكلام إذا كان على نسق واحد سها

стр. 87

المخاطب أو القارئ، ولكن إذا تغير الأسلوب فإنه ينتبه، لماذا تغير؟ وما وجه التغير؟ فتشترك جميع الالتفاتات في كل موضع بأن الغرض من ذلك التنبيه، ثم ينفرد كل موضع بما يختص به، فهنا التفات من الغيبة إلى الخطاب، لأن الخطاب أبلغ في الزجر، ﴿إِنَّكُمْ لَذَائِقُو الْعَذَابِ الْأَلِيمِ (٣٨)﴾ أبلغ من إنهم لذائقوا العذاب الأليم. ولهذا إذا تأملنا قصة الخضر مع موسى ﵊، أول ما عتب عليه قال له: ﴿أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (٧٢)﴾ [الكهف: ٧٢] وفي الثانية: ﴿قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (٧٥)﴾ [الكهف: ٧٥] فالخطاب لا شك أن فيه قرعًا للذهن مباشرًا، فيكون أشد وقعًا من ضمير الغيبة. وقوله: ﴿إِنَّكُمْ لَذَائِقُو الْعَذَابِ الْأَلِيمِ (٣٨)﴾ هذا فيه حق اليقين؛ لأن هؤلاء تُوُعِّدوا بهذا العذاب، وتوعدهم بالعذاب هو علم يقين، ثم رأوا النار كما قال تعالى: ﴿وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا وَلَمْ يَجِدُوا عَنْهَا مَصْرِفًا (٥٣)﴾ [الكهف: ٥٣] وهذا عين اليقين ثم قيل لهم: ﴿إِنَّكُمْ لَذَائِقُو الْعَذَابِ الْأَلِيمِ (٣٨)﴾ وهذا حق اليقين، فاجتمع في وعيد هؤلاء المراتب الثلاث: العلم، والعين، والحق. ﴿الْعَذَابِ الْأَلِيمِ (٣٨)﴾ المراد به عذاب جهنم -والعياذ بالله- لأنه مؤلم، وقد أخبر الله عن إيلام هذا العذاب بأنواع عظيمة، ذكرها الله في كتابه، وذكر منها النبي ﷺ شيئًا كثيرًا في السنة، قال: ﴿وَمَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٣٩)﴾ أي: ما تجزون من هذا العذاب إلا شيئًا قدمتموه أنتم لأنفسكم، وهنا قال المؤلف

стр. 88

في تقدير الآية: [إلا جزاء ما كنتم تعملون]. وهذا أمر معلوم؛ لأن الذي عملوه كان وبان، إذ إن العمل كان في الدنيا ومضى، والجزاء في الآخرة، فهم لم يجزوا العمل نفسه، وإنما جوزوا جزاء العمل، ومن ثمَّ قال المؤلف: إلا جزاء ما كنتم تعملون. وإذا قال قائل: ما الفائدة من أن يُعبَّرَ عن الجزاء بالعمل؟ قلنا: الفائدة في ذلك أمران: الأمر الأول: أن يعلم بأن الجزاء من جنس العمل، فكما تدين تدان، فإذا عبر عن الجزاء بالعمل فإن هذا معناه أو مقتضاه أن هذا الجزاء بقدر العمل. الفائدة الثانية: قوة التوبيخ لهؤلاء؛ لأن الجزاء من فعل غيرهم، فإذا عبر عنه بالجزاء فإنه يكون أهون بعض الشيء، لكن إذا عبر بالعمل عن الجزاء صار أشد في التوبيخ، كأنه يقال لهم: هذا فعلكم أنتم بأنفسكم، ولهذا عبر عن الجزاء بالعمل. وقوله: ﴿وَمَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٣٩)﴾ من حيث الإعراب: نقول: إن (الواو) نائب فاعل في (تجزون)، و (ما): اسم موصول في محل نصب مفعول آخر؛ لأن جزاء تنصب مفعولين، ولكن هل هي من باب ظن التي مفعولاها أصلهما المبتدأ والخبر، أو من باب (كسا) التي مفعولاها ليس أصلهما المبتدأ والخبر؟ الجواب الثاني: لأنه لو قدرت أن الواو مبتدأ، و (ما) خبر ما صح الكلام. ﴿إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (٤٠)﴾ قال المؤلف ﵀: [أي

стр. 89

المؤمنين استثناء منقطع]، قوله تعالى: ﴿إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ﴾ هذا استثناء منقطع، والاستثناء المنقطع هو الذي يحل محله، (لكن). فإن قيل: لماذا لم يعبر بـ (لكن بدل إلا؟ مادام أن المعنى على الاستدراك؛ لأن الاستثناء منقطع فلماذا لم يؤت بحرف الاستدراك الأصلي الذي هو لكن؟ قلنا في الجواب على ذلك: إنه أتى ليفيد قوة اتصال الثاني بما بعده؛ لأن الأصل في الاستثناء الاتصال، والأصل في (لكن) الانقطاع. فإذا جاءت (لكن) فصلت بين ما قبلها وما بعدها، لكن إذا جاءت (إلا) صار في ذلك إشارة إلى قوة اتصال ما بعدها بما قبلها وهو كذلك، فإنه لما ذكر جزاء المجرمين ذكر جزاء المخلصين، وهذا من كون القرآن العظيم مثاني تثنى فيه المعاني المتقابلة إذا ذكر الوعيد ذكر الوعد، وإذا ذكر المؤمن ذكر الكافر، وإذا ذكرت الجنة ذكر النار، وهكذا، فهو مثاني، لأنه لو جاء الكلام على نسق واحد في ذكر الخوف والنار لغلب على القارئ جانب الخوف وأدى ذلك إلى القنوط من رحمة الله. ولو جاء الكلام على نسق واحد في الوعد والترغيب لأدى ذلك إلى الرجاء فيقع الإنسان في الأمن من مكر الله . فكان القرآن يأتي بهذا وبهذا، جنبًا إلى جنب، من أجل أن يكون الإنسان دائمًا بين الخوف والرجاء. وقوله: ﴿إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ﴾ المراد بالعبودية هنا عبودية الشرع، لأن العبودية نوعان: عبودية القدر، وعبودية الشرع.

стр. 90

فعبودية القدر شاملة لكل أحد. يعني للمؤمن والكافر، والبر والفاجر، كما قال تعالى: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا (٩٣)﴾ [مريم: ٩٣] فالكل خاضعون لقدر الله ، لا يمكنهم الفرار منه ولا مصادمته ولا الاستكبار عنه. أما عبودية الشرع فهي خاصة بمن أطاع الله وتعبد لله بشرعه، فيخرج منها الكافرون؛ لأن الكافر لا يتعبد لله بشرعه، بل هو مستكبر عن شرعه، هذه الآية: ﴿إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (٤٠)﴾ من عبودية الشرع يعني إلا الذين تعبدوا لله بشرعه وأخلصهم الله تعالى لطاعته، فهؤلاء ليسوا كمن سبق. قال: ﴿إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (٤٠)﴾ قال المؤلف: ﵀[أي المؤمنين] ولكن المخلَص فيه نوع اصطفاء أخلصهم الله لنفسه، فكانوا عبادًا لله لا لغيره؛ لأن التزام طاعة الله هو تحقيق عبادة الله تعالى، والإنسان العاصي لله تعالى عنده من الخروج عن عبادة الله بقدر ما حصل منه من المعصية؛ لأن الله تعالى قال: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ﴾ [الجاثية: ٢٣]. فهذا يدل على أن كل إنسان عصى الله فهو إنما يعصيه لهوى في نفسه، فإنه قد نقص من عبودية الله بقدر ما فعل من المعصية. إذًا فالمخلص فيه نوع من الاصطفاء. أخلصهم الله لنفسه فكانوا عبادًا لله تعالى حقًّا، ولهذا قال ﴿الْمُخْلَصِينَ (٤٠)﴾. وعباد الله المخلصون هم الذين أخلصهم الله لنفسه، فلم يجعل للشيطان عليه سلطانًا، كما قال تعالى في حق الشيطان: ﴿لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٢) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (٨٣)﴾ [ص: ٨٢ - ٨٣] فالمخلص

стр. 91

محفوف برعاية الله وحمايته عن الشيطان، والمخلص أشد وقعًا من المؤمن. ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ (٤١)﴾ أولئك الضمير يعود على عباد الله المخلصين، وأتى بأولئك الدال على البعد مع قرب ذكرهم ولم يقل: (هؤلاء)، بل قال: ﴿أُولَئِكَ﴾ تعظيمًا لشأنهم وبيانًا لعلو مرتبتهم. والإشارة بالبعيد تأتي لتعلية الشأن وتعظيمه، كما قال الفرزدق يخاطب جريرًا: أولئك آبائي فجئني بمثلهم ... إذا جمعتنا يا جرير المجامع قال: أولئك آبائي أشار إليهم بإشارة البعيد، تعظيمًا لشأنهم وتعلية لهم. ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ (٤١)﴾ (أي عطاء)، قال المؤلف: ﵀[في الجنة]، والأولى أن تطلق كما أطلق الله . وقد يقال: يجازون أيضًا في الدنيا، لكن ظاهر سياق الآية: ﴿فَوَاكِهُ وَهُمْ مُكْرَمُونَ (٤٢) فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (٤٣)﴾ يدل على أنه المراد الرزق الحاصل لهم في الجنة. وقوله: ﴿رِزْقٌ﴾ بمعنى عطاء ﴿مَعْلُومٌ﴾، يقول المؤلف: [بكرة وعشيًّا]، فكأنه يشير إلى أن المراد بالمعلوم معلوم الوقت. ولو قيل: إنه أعم فهو معلوم الوقت ومعلوم النوع ومعلوم في الدنيا ومعلوم عند ملاقاته لكان أشمل، فإن هذا الرزق معلوم في الدنيا لأن الله تعالى أعلمنا به وهو أيضًا معلوم الوقت لقوله:

стр. 92

﴿وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا (٦٢)﴾، [مريم: ٦٢] وهو معلوم العين والنوع إذا لاقوه. كما قال تعالى في سورة البقرة: ﴿وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا﴾ [البقرة: ٢٥] فهو معلوم لديهم في الدنيا وكذلك في الآخرة، ﴿فَوَاكِهُ﴾ قال المؤلف ﵀[بدل أو بيان للرزق وهو ما يؤكل تلذذًا لا لحفظ الصحة]، ﴿فَوَاكِهُ﴾ بالرفع بدل، أو بيان للرزق؛ لأن كلمة رزق أعم من الفواكه، فيكون ﴿فَوَاكِهُ﴾ بدل بعض من كل، لأن الرزق أعم. ﴿فَوَاكِهُ﴾ هنا لم تنون؛ لأنها ممنوعة من الصرف صيغة منتهى الجموع. ﴿فَوَاكِهُ﴾ على وزن فواعل. وقال المؤلف ﵀ في الفاكهة [هي ما يؤكل تلذذًا لا لحفظ صحة] يعني أن الفاكهة ما يأكله الإنسان للتلذذ لا للتقوت به، فهو عبارة عن أكل كمالي، وهكذا أهل الجنة يأكلون ما يأكلون فيها من باب التفكه لا لحفظ الصحة؛ لأن صحتهم مضمونة، فإن لهم أن يصحوا فلا يسقموا أبدًا، وأن يعيشوا فلا يموتوا أبدًا، فيكون كل ما يأكلونه في الجنة من قسم الفاكهة؛ لأن أهل الجنة؛ كما يقول المؤلف -: [مستغنون عن حفظها -أي حفظ الصحة- بخلق أجسامهم للأبد]. ولهذا جاء في الحديث: "أنهم لا يبولون ولا يتغوطون، وإنما يخرج ما يأكلونه رشحًا -يعني عرقًا- كَريح المسك" (١) فيتنعمون بهذا الأكل عند أكله وعند خروجه؛ لأنه يخرج رشحًا كرائحة المسك، كما لو طُلِي

стр. 93

الإنسان بالمسك، فإنه يجد لذة ورائحة طيبة. ﴿وَهُمْ مُكْرَمُونَ (٤٢)﴾ بثواب الله في جنات النعيم. وجملة ﴿وَهُمْ مُكْرَمُونَ (٤٢)﴾ جملة اسمية تفيد الثبوت والاستمرار، يعني هم مكرمون في هذه الجنة من كل وجه من قبل الله ، يكرمهم الله فينظرون إليه، ويعدهم رضوانه فلا يسخط عليهم أبدًا، ومكرمون من قبل الملائكة، ﴿وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ (٢٣) سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ (٢٤)﴾. مكرمون من جهة الخدم ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ (١٧) بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ (١٨)﴾ مكرمون من كل وجه لا يجدون يومًا من الأيام لحظة من اللحظات شيئًا من الإهانة، بل هم في غاية الإكرام من كل وجه، لو لم يكن إلا أن الله أكرمهم وأباح لهم النظر إلى وجهه، ويتحدث إليهم ، وهذا غاية ما يكون من السرور، لا شيء أسر ولا أنعم ولا أفضل من مناجاة الله ، وهم ينظرون إلى وجهه. ﴿فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (٤٣)﴾ الجنات جمع جنة، والجنة في اللغة العربية البستان الكثير الأشجار، وسمي بذلك؛ لأنه يجن من فيه، أي يستره ويغطيه، وأصل هذه المادة الجيم والنون أصلها من الستر، ولذلك تجد كل معانيها تعود إلى هذا، فالجنان القلب وهو مستتر، والجنة ما يجتن به المقاتل ويستتر به عن السهام، والجن عالم غيبي مستتر، والجنة بستان مستور بالأشجار، ولكن لا نفسر جنَّة النعيم بهذا، بل نقول: هي "الدار التي أعدها الله لأوليائه، وفيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على

стр. 94

قلب بشر"؛ لأنك لو قلت: إنها البستان الكثير الأشجار فإن الشوق إليها والنظر إليها يضعف، إذ إن المخاطب يتصور أن هذه الجنة كبساتين الدنيا، فيجول في بساتين الناس أي بستان أعظم؟ بستان فلان بن فلان فلا يتجاوز قلبه أو يتصوره هذا البستان، مع أن الجنة فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، كما قال الله : ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٧)﴾ [السجدة: ١٧] وقال الله تعالى في الحديث القدسي: "أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر" (١). فالأحسن أن نفسر جنة الخلد بأنها الدار التي أعدها الله تعالى لأوليائه، وفيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. وقوله: ﴿النَّعِيمِ (٤٣)﴾ هذا من باب إضافة الشيء إلى نوعه، أي جنات نعيم لا بؤس فيها ولا شقاء، نعيم للقلب وهو السرور، نعيم للبدن لأنهم يحلون فيها من أساور من ذهب ولؤلؤ ولباسهم فيها حرير. فهم منعمون في أبدانهم، ومنعمون فى قلوبهم، وانظر إلى قوله تعالى: ﴿عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُنْدُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِنْ فِضَّةٍ وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا (٢١)﴾ [الإنسان: ٢١] وقال تعالى أيضًا: ﴿وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا (١١)﴾ [الإنسان: ١١] فالنضرة في الوجه وهو الحسن، والسرور في القلب، فكان الحسن فيهم ظاهرًا وباطنًا، ولهذا سميت جنة النعيم لتنعم الإنسان فيها ظاهرًا

стр. 95

وباطنًا، فقلبه منعَّم بالسرور، وبدنه منعَّم بالنضرة ولباس الحرير. ﴿عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ (٤٤)﴾ ﴿عَلَى سُرُرٍ﴾ جمع سرير وهي الكراسي التي يجلس عليها، ولكن ليست كسرر الدنيا، بل ﴿عَلَى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ (١٥)﴾ [الواقعة: ١٥] مخروزة من الذهب، ولا يمكن أن تتصور حسن هذه السرر؛ لأن فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، وما لم يخطر على قلب بشر لا يمكن أن يتصوره الإنسان؛ لأنه فوق ما يتصور، فكل شيء تقدره من النعيم والحسن فالجنة أعلى وأعظم، وقوله: ﴿مُتَقَابِلِينَ (٤٤)﴾ حال من الضمير المستتر في قوله: ﴿عَلَى سُرُرٍ﴾ يعني: حال كونهم متقابلين، وهذا يدل على كمال أدبهم وسعة مجالسهم. على كمال الأدب؛ لأنهم متقابلون لا يولي أحدهم قفاه للآخر، كذلك أيضًا يدل على سعة المجالس؛ لأنهم إذا كانوا كثيرين وصاروا متقابلين لابد أن تكون الدائرة واسعة، إذًا فالمجالس واسعة مهما جاء من الناس، فإنها تسعهم ويتقابلون فيها، والظاهر أن جلوس الإنسان مع أهله وخاصته على هذا الوجه متقابلين لكمال أدبهم. ﴿يُطَافُ عَلَيْهِمْ﴾ يطاف: فعل مضارع مبني للمجهول، ولم يذكر من يطوف عليهم، لكن ذكر في آية أخرى أنه ﴿وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَنْثُورًا (١٩)﴾ [الإنسان: ١٩] نسأل الله من فضله. ولدان يعني: غلمان صغار كأنهم لؤلؤ مكنون، إذا رأيتهم حسبتهم لؤلؤًا منثورًا من جمالهم وصفائهم وحسنهم. منثورًا لتفرقهم في خدمة أسيادهم. واللؤلؤ إذا نثر تبعثر في الأرض فهم متبعثرون في خدمة أسيادهم كل له عمل، وهذا يَسرُّ الإنسان أن

стр. 96

يجد هؤلاء الغلمان كل في عمله، ليس فيهم متعطل، وليس فيهم منتظر للآخر. ليسوا كغلمان الدنيا يتزاحمون كل واحد ينتظر الأجر، بل كل في خدمة معينة، وهذا ألذ ما يكون للسيد إذا رأى هؤلاء الغلمان قائمين بخدمته على هذا الوجه، ﴿إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَنْثُورًا (١٩)﴾ [الإنسان: ١٩]. وقوله: ﴿بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ (٤٥)﴾ قال المؤلف: ﵀[هو الإناء بشرابه]، الكأس معروف وهو الإناء بشرابه، وقد بين الله أن هذا الكأس دهاق ﴿وَكَأْسًا دِهَاقًا (٣٤)﴾ [النبأ: ٣٤] أي مملوءة. ومع ذلك مملوءة بقدر معلوم ليست كبيرة، فإذا شربها الإنسان تعب، وإن أبقى منها فضلة صارت غير شهية، وليست صغيرة بحيث لا ترويه، وهم لا يعطشون، ولكن تلذذًا، بل قال الله تعالى: ﴿مِنْ فِضَّةٍ قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا (١٦)﴾ [الإنسان: ١٦] يعني: جُعِلَتْ بقدر ما يتلذذ به الشارب لا كبيرة ولا صغيرة. وقوله: ﴿بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ (٤٥)﴾ قال المؤلف ﵀: [من خمر يجري على وجه الأرض كأنهار الماء]، المعين في الأصل الماء الجاري، والمراد هنا بكأس من معين أي من خمر ﴿مَعِينٍ﴾ كعين الماء يجري. وقد بين الله في سورة القتال أنهار الجنة ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى﴾ [محمد: ١٥] أنهار تجري. والذي خلق من هذا الطائر الذي يشبه الذباب هذه الكميات الكثيرة من العسل قادر على أن يخلق أنهارًا من العسل في الجنة وليس هذا بغريب، وليست هذه

стр. 97

الأنهار تأتي من نحل، لكن تأتي بقول الله: كن فيكون، عسل مصفى لا شمع فيه ولا شوائب من أحسن ما يكون رؤية وطعمًا ورائحة. وقد قال ابن القيم ﵀ في النونية بناء على حديث ورد في ذلك: أنهارها في غير أخدود جرت ... سبحان ممسكها عن الفيضان يعني: ليست كأنهار الدنيا تحتاج إلى أخدود تمنعها من الذهاب يمينًا وشمالًا، أو حفرة تحفر للنهر؛ لئلا تجري على سطح الأرض، بل على حسب ما يريده أهلها من غير عمال يوجهونها حفرًا أو إقامة أخدود، بل تجري على ما تريد من غير تعب. قال: سبحان ممسكها عن الفيضان. والذي أمسك البحر أن يغرق أهل الأرض -وهو ليس بشيء بالنسبة للجنة- قادر على أن يمسك هذه الأنهار لا تزيغ يمينًا ولا شمالًا. الفوائد: في هذه الآيات فوائد كثيرة منها: ١ - أن هؤلاء المكذبين أو المستكبرين عن قول (لا إله إلا الله) سيذوقون العذاب لقوله: ﴿إِنَّكُمْ لَذَائِقُو﴾ وهذه الجملة مؤكدة بمؤكدين وهما: إن، واللام. ٢ - ومن فوائدها: أن عذاب هؤلاء عذاب مباشر، كما يباشر الإنسان الأكل لقوله: ﴿لَذَائِقُو الْعَذَابِ﴾، والأصل فى الذوق أن يكون في الطعام الذي يؤكل، ثم أُطْلِقَ على كل شيء محقق وقوعه.

стр. 98

٣ - ومن فوائدها: أن عذاب هؤلاء -والعياذ بالله- أليم أي: مؤلم، وهو ألم لا يمكن للأبدان في الدنيا أن تتحمل جزءًا منه؛ لأنهم -والعياذ بالله- يعذبون بنار أشد من نار الدنيا بتسعة وستين جزءًا، وكلما نضجت جلودهم بُدِّلوا جلودًا غيرها ليذوقوا العذاب. فهو عذاب أليم ألمًا لا نظير له في الدنيا، ولا يمكن أن يتخيله الإنسان لشدته، نسأل الله أن يجيرنا منه. ٤ - ومن فوائدها: كمال عدل الله حيث جعل الجزاء من جنس العمل، لقوله: ﴿وَمَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ بخلاف الملوك في الدنيا أو أولياء الأمور في الدنيا فإن جزاءهم على العمل قد يكون أكثر مما يستحق، قد يغضب الإنسان فيجازي من له سلطة عليه بأكثر مما يستحق، أما الله فإنه لا يجازي الإنسان إلا بعمله. ٥ - ومن فوائدها: إثبات الجزاء، ولازمه إثبات البعث؛ لأن الجزاء الكامل على العمل إنما يكون يوم القيامة فيكون في الآية دليل على إثبات البعث وإثبات الجزاء. ٦ - ومن فوائدها: الرد على الجبرية الذين يقولون: إن عمل الإنسان لا ينسب إليه؛ لأنه مجبر عليه فتحرك الإنسان بالقول أو بالفعل كتحركه الاضطراري، بل كتحرك الريشة بالهواء، ولكن هذا القول ترده النصوص والعقول. ٧ - ومن فوائدها: أن القرآن مثاني، تثنى فيه المعاني، حتى يكون الإنسان بين الخوف والرجاء فيما إذا ثني الترغيب والترهيب كما في هذه الآيات ﴿إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (٤٠)﴾.

стр. 99

٨ - ومن فوائدها: شرف القائمين بأمر الله تعالى حيث أضافهم الله إلى عبوديته في قوله: ﴿إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (٤٠)﴾، ولا شك أن فخرًا للإنسان أن ينسب إلى عبادة الله، ولهذا يذكر الله وصف نبيه محمد ﷺ في أشرف مقاماته بالعبودية عند ذكر إنزال القرآن عليه ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ﴾ [الفرقان: ١] ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا﴾ [البقرة: ٢٣] ووصفه بالعبودية في مقام الإسراء والمعراج ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [الإسراء: ١] وقال في المعراج: ﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى (١٠)﴾ [النجم: ١٠] ووصفه بالعبودية في مقام الدفاع عنه: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾ [البقرة: ٢٣] هذا تحدي للمكذبين للرسول ﵊ أن يأتوا بمثل ما جاء به. ٩ - ومن فوائدها: أن الله يمنّ على من يشاء فيخلصهم لنفسه حتى لا يكونوا عبيدًا لغيره في قوله تعالى: ﴿إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ﴾، وهذا أبلغ من المخلصين، وإن كان لكل منهما مزية، ولكن المخلص الذي أخلصه الله لنفسه فلم يكن له إرادة سوى ربه هذا أبلغ. ١٥ - ومن فوائدها: أن عباد الله ينقسمون إلى قسمين: عباد مخلصون، وعباد غير مخلصين. فالعباد بمعنى: عبودية القدر هؤلاء غير مخلصين، بل هم

стр. 100

كالأنعام، بل هم أضل، وأما العباد لله تَعبُّد شَرْع فإن هؤلاء هم المخلصون. ١١ - من فوائدها: أن هؤلاء المخلصين لهم عطاء عند الله معلوم عنده وعندهم ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ (٤١)﴾ فإن الله تعالى أخبر عباده بما ينالونه يوم القيامة من أنواع الثواب. فإن قال قائل: هل هو معلوم بالحقيقة أو بالمعنى؟ فالجواب: أنه معلوم بالمعنى، أما الحقيقة فليس بمعلوم يعني: أننا لا نعلم كنه هذا النعيم، أو هذا الرزق، لقول الله تعالى: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٧)﴾. [السجدة: ١٧]. ولقوله تعالى في الحديث القدسي: "أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر" (١). إذًا لا نعلم من نعيم الآخرة إلا الأسماء فقط، أما الحقائق فإنها ليست معلومة، كما قال ابن عباس ﵄: "ليس في الجنة شيء مما في الدنيا إلا الأسماء" (٢)، لكن الحقائق تختلف اختلافًا عظيمًا. فهو معلوم المعنى لا معلوم الحقيقة والكنه؛ لأن ذلك لا يدرك إلا بحق اليقين.

стр. 101

١٢ - ومن فوائدها: أن أهل الجنة يأكلون هذا الرزق تفكهًا وتنعمًا لا اقتياتًا يحتاجون إليه، لقوله: ﴿فَوَاكِهُ﴾ وفي الدنيا يأكل الإنسان الطعام أحيانًا اقتياتًا للحاجة إليه، وأحيانًا تفكهًا وتلذذًا. أما في الآخرة فكل طعامها تلذذ. ١٣ - ومن فوائد الآيات: أن أهل الجنة مكرمون من وجوه ثلاثة: ١ - من قبل الله . ٢ - من قبل الملائكة عليهم الصلاة والسلام. ٣ - من قبل الخدم، الغلمان. فهم مكرمون من كل وجه. ١٤ - ومن فوائدها: أن جزاء الله تعالى للمحسن أكثر من عمله بكثير؛ لأن إحساننا نحن للعمل لو نسب إلى ثواب الله لم يكن شيئًا. قال النبي ﵊: "لموضع سوط أحدكم في الجنة خير من الدنيا وما فيها" (١). ثم إحساننا مهما بلغ فهو منتهي بالموت، لكن ثواب الله لا انتهاء له. ثواب الآخرة لا منتهى له. إذًا يتبين من ذلك أن فضل الله وجزاءه أكثر بكثير من عمل العامل، فيكون هذا مصداقًا لقوله تعالى: ﴿كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٢٦١)﴾. [البقرة: ٢٦١] ١٥ - ومن فوائدها: أن الجنة أصناف وأنواع تؤخذ من

стр. 102

قوله: ﴿فِي جَنَّاتٍ﴾ ولكنها تشترك كلها في أنها جنات نعيم. ١٦ - ومن فوائدها أيضًا: أن الجنة كلها نعيم، نعيم للبدن، ونعيم للقلب، فنعيم القلب بالسرور والانبساط والفرح الدائم الذي لا يعتريه هم ولا غم ولا حزن، والبدن ﴿وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا (١١)﴾ [الإنسان: ١١] ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاعِمَةٌ (٨) لِسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ (٩)﴾ [الغاشية: ٨ - ٩] إلى غير ذلك من الآيات الدالة على تنعم نفس البدن، وما يلبسه أيضًا من الزينة والحلي كذلك منعم فيه. ١٧ - ومن فوائدها: سعة محلات أهل الجنة لكونهم متقابلين على السرر؛ لأن التقابل يؤدي إلى سعة المكان لاسيما مع كثرتهم. ١٨ - ومن فوائدها: كمال أدب أهل الجنة حيث كانوا يتقابلون بحيث لا يقفو أحدهم الآخر، بل كلهم يكونون مستقبلي بعضهم بعضًا. وهذا لا شك أنه من كمال الأدب. والأدب كما أنه حسن في أهل الجنة فهو حسن في أهل الدنيا أيضًا، قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾ [القلم: ٤] ولا شك أن الإنسان إذا كان مؤدبًا كان محبوبًا عند الناس، فالجفاء وعدم المبالاة بالناس خلق ذميم، ومن ثم ننظر في مسائل نعملها: الأولى: مسألة السلام نجد كثيرًا من الناس مع أنهم حريصون على العبادة لكنهم لا يبالون بالسلام لا ابتداء ولا ردًّا، وهذا خلاف حال المؤمن مع أخيه، فمن حق المسلم على أخيه إذا لقيه أن يسلم عليه، ويسلم عليه سلامًا حقيقيًّا مقرونًا بالبشاشة، أما أن يسلم عليه برأس أنفه لولا حرف الصفير ما علمت أنه يسلم، فهذا

стр. 103

ليس بسلام، وأقبح من ذلك أن يسلم الإنسان على أخيه بصوت بين واضح المخارج مسموع، ثم يرد ذلك عليه بصوت لا يسمع، بل يرد عليه بأنفه أو بيده .. فإن هذا لا شك أنه حرام عليه؛ لأن الله يقول: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ [النساء: ٨٦] فلابد أن يكون إما مثل وهو أدنى الواجب، أو أحسن وهو الأكمل. الثانية: نجد بعض الناس يستدبر إخوانه ولا يهتم بهم، وهذا خطأ، ولا ينبغي، وأنا أراه بعض الأحيان إذا سلمت من الصلاة يأتي واحد من الناس يتقدم ما يشعر أن وراءه بشر مثله لماذا تتقدم عليه؟ هذا مما يوجب اختلاف القلوب، ولهذا قال الرسول -عليه الصلاة السلام- في القوم عند صف الصلاة قال: "لا تختلفوا فتختلف قلوبكم" (١) فجعل الاختلاف في التقدم والتأخر سببًا لاختلاف القلوب، أنا لو كنت بجنب هذا الرجل شعرت بأن هذا الرجل أهانني، حيمث تقدم عليَّ وولاني ظهره. ويتعلل بعض الناس بأنه فيه ضيق وأنه يحب أن يريح رجليه، فيتقدم ليتربع. فنقول: إذا كنت هكذا: إما أن تتقدم كثيرًا ثم تكون بعيدًا وإما أن تتأخر. يقول: لا أقدر أتأخر؛ لأن ورائي صفًّا يقضون الصلاة، نقول: إذن قم وتقدم بعيدًا حتى لا تستدبر الناس، أما أن تستدبر عباد الله بعد أن فرغوا من الصلاة وتجعلهم وراء ظهرك

стр. 104

فهذا لا شك أنه سوء أدب وأن الذي إلى جانبك سوف يشعر بأنك أهنته. الثالثة: يوجد عند بعضنا، أن الصغير لا يقدر الكبير، يتقابل اثنان عند باب المسجد أو عند باب الدار ثم يتقدم الصغير بعجلة ليدخل قبل الكبير وهذا ليس فيه توقير الكبير. فتوقير واحترام الكبير من الخصال الطيبة ومن صفات المؤمن. فكون الإنسان لا يبالي ولا يهتم بغيره لا شك أنه خلاف الأدب. فأهل الجنة -اللهم اجعلنا منهم- يكونون على السرر متقابلين، يجعلونها دائرة حتى يقابل بعضهم بعضًا. ١٩ - ومن فوائدها: راحة أهل الجنة حيث كانوا متفرغين على السرر، يتحدث بعضهم إلى بعض، ويأنس بعضهم إلى بعض على وجه التقابل. ٢٥ - ومن فوائدها: أنه في حال جلوسهم على السرر فالخدم تطوف عليهم بأنواع الملذات والمشروبات. ومنها أنها تطوف عليهم بكأس من معين، كأس الخمر الصافي الخالي من الشوائب، وهذا الكأس يكون مقدرًا على حسب ما يحتاجه الشارب، ليس كبيرًا فيتعبه، ولا صغيرًا فينقص من لذته، كما قال الله تعالى: ﴿وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ كَانَتْ قَوَارِيرَا (١٥) قَوَارِيرَ مِنْ فِضَّةٍ قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا (١٦)﴾ [الإنسان: ١٥ - ١٦] * * * ﴿بَيْضَاءَ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ (٤٦)﴾. ﴿بَيْضَاءَ﴾ قال المؤلف ﵀: [أشد بياضًا من اللبن] هكذا قال المؤلف: إنها أشد بياضًا

стр. 105

من اللبن. والواقع أن الآية لا تدل على أنها أشد بياضًا، وإنما جاء أشد بياضًا من اللبن في وصف حوض النبي ﷺ الذي يكون في عرصات القيامة، فقد جاء في وصفه أنه أشد بياضًا من اللبن، وأحلى من العسل، وأطيب من رائحة المسك (١)، أما الخمر في الجنة فوصفه الله تعالى بالبياض فقط، قال: ﴿بَيْضَاءَ﴾ و ﴿لَذَّةٍ﴾ لذيذة وهنا عبّر بلذة المصدر عن اسم الفاعل أو اسم المفعول؛ لأن لذيذ يصلح لاسم الفاعل واسم المفعول، لأن الوصف بالمصدر أبلغ من الوصف بالمشتق من المصدر، فأنت إذا قلت: فلان عدل. أبلغ من إذا قلت: فلان عادل. كأنك جعلته هو العدل بنفسه، فهنا وصف هذا الخمر أو هذه الكأس بأنها لذة يعني كأنها هي اللذة لا الشيء المتصف باللذة، فالتعبير بالوصف عن الموصوف أبلغ من التعبير بالموصوف؛ لأنه تعبير بالأصل عما تفرع منه، فالمشتق متفرع من المصدر، ﴿لِلشَّارِبِينَ (٤٦)﴾ هذا من باب التوكيد يعني أنهم في حال شربهم إياها يتلذذون بها. قال المؤلف: [بخلاف خمر الدنيا، فإنها كريهة عند الشرب]، أما خمر الآخرة فهي لذة للشاربين. وهي سالمة من الآثار السيئة كما قال تعالى: ﴿لَا فِيهَا غَوْلٌ وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ (٤٧)﴾. ﴿يُنْزَفُونَ﴾ قال المؤلف ﵀: [بفتح الزاي وكسرها من نزف الشارب وأنزف أي: يسكرون بخلاف خمر الدنيا].

стр. 106

قال الله تعالى: ﴿لَا فِيهَا غَوْلٌ﴾ يعني ليس في هذه الكأس، والمراد الخمر الذي فيها غول، ورفعت غول مع أن (لا) نافية؛ لأنه يشترط لعملها عمل (إنّ) الترتيب، يعني أن يتقدم الاسم على الخبر، فإن تأخر وجب الرفع، وقوله ﴿غَوْلٌ﴾ أي: [ما يغتال عقولهم]، ففسر المؤلف الغول بأنه ما يؤثر على العقل. أي يسكرون، والسكر هو اغتيال العقل، فالقول الراجح في هذه الآية أن المراد بالغول ما يغتال أبدانهم من صداع في الرأس ووجع في البطن فخمر الآخرة لا غول فيها بخلاف خمر الدنيا، فإنه يكون فيها صداع، ويكون فيها وجع للبطن، كما ذكر ذلك ابن كثير وغيره، أما النزف فقال: ﴿وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ (٤٧)﴾ يقول المؤلف: [من نزف الشارب وأنزف إذا سكر بخلاف خمر الدنيا]، فإن الإنسان يسكر فيها ويزول عقله. أما في الآخرة فهي خالية من هذا، إذًا يصدق عليها ما وصفها الله في قوله: ﴿وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا﴾ [الإنسان: ٢١] أي: مطهرًا من كل ما يحصل من خمر الدنيا. قال: ﴿وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ عِينٌ (٤٨)﴾ (عندهم) أي: عند أصحاب الجنة الذين هم عباد الله المخلصون، لأن الله قال: ﴿إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (٤٠)﴾ ثم ذكر ما لهم من الثواب فيكون الضمير عائدًا على عباد الله المخلصين، ﴿وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ﴾ قال المؤلف ﵀: [حابسات الأعين على أزواجهن، لا ينظرن إلى غيرهم لحسنهم عندهن]. قوله: ﴿قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ﴾ قاصرات اسم فاعل مضاف إلى

стр. 107

فاعله، أي التي قصرت أطرافهن على أزواجهن، يعني أنهن لا ينظرن إلى غير أزواجهن، وهذا لا شك أنه من نعمة الله على الزوج، ومن كمال السعادة ألا تنظر المرأة إلى غير زوجها؛ لأنها إذا نظرت إلى غير زوجها فسوف يلقي الشيطان في قلبها مودة هذا المنظور وكراهة الزوج، فإذا كانت قد قصرت طرفها على زوجها فإن هذا من كمال السعادة الزوجية. ومن وجه آخر أنهن ﴿قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ﴾ أي قاصرات أطراف أزواجهن أي أن الزوج لا ينظر إلى سواها، فهو قد قصر طرفه عليها، وذلك لكمالها وحسنها في نظره، وحينئذ يكون لقاصرات الطرف معنيان: المعنى الأول: أنهن قد قصرن أطرافهن على أزواجهن. المعنى الثاني: أن أزواجهن قد قصروا أطرافهم عليهن وكلا المعنيين صحيح. ﴿عِينٌ﴾ جمع عيناء، والمعنى أنهن حسنات العيون، وحسن العين يكون بأمرين: ١ - سعة الأعين. ٢ - حسن الأعين، يعني: أن العين واسعة ومع سعتها فإنها جميلة حسنة. ولا شك أن حسن العين يوجب حسن الوجه ويزيده حسنًا إلى حسن، كالقلادة مثلًا تزيد المرأة حسنًا إلى حسنها، وقال: ﴿كَأَنَّهُنَّ﴾ قال المؤلف: ﵀[أي في اللون بيض للنعام ﴿مَكْنُونٌ (٤٩)﴾ مستور بريشه لا يصل إليه غبار، ولونه وهو البياض فيه صفرة أحسن ألوان النساء]. لما وصف هؤلاء النساء

стр. 108

بأنهن عين وصف بقية أجسامهن فقال: ﴿كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ (٤٩)﴾ وكأنَّ هذه للتشبيه، والبيض في الآية الكريمة مُنَكَّر، ولكن المؤلف حمله على بيض معين، وهو بيض النعام، وببيض النعام أبيض في صفرة، قالوا: وهذا أحسن ألوان النساء. والذي خصصه ببيض النعام؛ لأن هذا هو المعروف عند العرب. وقيل: إن البيض مطلق، والمعنى أنهن يشبهن في البياض والرقة البيض، وليس المراد البيض القشور، بل البيض الذي هو بياض البيضة لرقته وبيانه وحسنه، ﴿مَكْنُونٌ (٤٩)﴾ بما على البيضة من القشرة. وهذا الأخير هو الأقرب لظاهر اللفظ؛ لأن الله أطلق قال: ﴿كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ﴾ ولو كان المراد ما قاله المؤلف -رحمه الله تعالى- بيضًا معينًا لقال: كأنهن البيض المكنون، لتكون "ال" دالة على معهود ذهني، فالصواب أنه عام، وأنهن لرقتهن وبياضهن ونعومة الملمس كأنها البيض أي البياض الذي في البيض وهو مكنون بقشره، أما على رأي المؤلف فهو المكنون بالريش الذي تضعه النعامة على بيضها حتى لا يأتيه الغبار. الفوائد: يستفاد من هذه الآية: ١ - صفة هذا الخمر أو الكأس من المعين وأنه أبيض، لقوله: ﴿بَيْضَاءَ﴾ ٢ - ومن فوائدها: أن خمر الآخرة في غاية ما يكون من اللذة، ووجه ذلك أنه عبَّر باللذة عنه، والتعبير بالمعنى عن المتصف به أقوى من التعبير بالمشتق من ذلك المعنى، فإذا قلنا:

стр. 109

فلان عدل فهو أقوى من قولنا فلان عادل. ولهذا يرون أن النعت بالمصدر أوكد من النعت باسم الفاعل. ٣ - ومن فوائدها: أنها لذيذة حين الشرب خلافًا لخمر الدنيا فإنها كريهة حين الشرب، ولهذا قال: ﴿لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ (٤٦)﴾ فتفيد أنهم في هذه الحال يتلذذون بها غاية اللذة. أما خمر الدنيا فإنها كريهة، ولكن الإنسان يتلذذ بها بما ينتج عنها من السكر نسأل الله العافية. ٤ - ومن فوائدها: أن خمر الآخرة ليس فيها ضرر عقلي ولا بدني. قوله تعالى: ﴿لَا فِيهَا غَوْلٌ وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ (٤٧)﴾. ٥ - ومن فوائدها: أن هؤلاء كما يتلذذون بالشراب، يتلذذون أيضًا بالنساء والزوجات لقوله: ﴿وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ عِينٌ (٤٨)﴾. ٦ - ويستفاد أيضًا: أن هؤلاء النساء حاضرات لا يغبن عن أزواجهن لقوله: ﴿وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ﴾ أما في الدنيا فإن الزوجات قد يكن عند الإنسان، وقد يغبن باختياره، وقد يغبن بغير اختياره. أما في الجنة فإنهن حاضرات لا يغبن عن أزواجهن لقوله: ﴿وَعِنْدَهُمْ﴾. ٧ - ربما نأخذ من هذا أيضًا فائدة: أنهن لا يذهبن إلى غير أزواجهن، وذلك بتقديم الخبر ﴿وَعِنْدَهُمْ﴾ والمعروف في قواعد البلاغة أن تقديم ما حقه التأخير يفيد الحصر. ٨ - ومن فوائدها: كمال أدب هؤلاء النساء لكونهن قاصرات الطرف على أزواجهن.

стр. 110

٩ - ومن فوائدها: أن المرأة إذا نظرت إلى غير زوجها فإن ذلك فتنة؛ لأن الله امتدح نساء الجنة بكونهن قاصرات الطرف على أزواجهن. ويتفرع على ذلك أنه يجب على الإنسان أن يراعي زوجته في هذا الباب بحيث يمنعها من التطلع إلى غيره، سواء كان هذا التطلع إلى الرجل مباشرة، أو بواسطة الوسائل الإعلامية. فيمنعها من مشاهدة مجلات الأزياء الخبيثة التي يحصل بها الشر والفساد. ويتفرع على هذه الفائدة أيضًا: أن يمنعها من الخروج إلى الأسواق إلا لحاجة؛ لأن المرأة إذا خرجت إلى الأسواق ورأت الناس فربما تعجب بأحدهم ويتعلق قلبها به فتعزف عن زوجها. وينقلب حبها لزوجها ضعيفًا، أو ربما يفقد، لكن نساء أهل الجنة لا ينظرن إلى غير أزواجهن. ١٠ - ومن فوائدها بناء على المعنى الثاني في ﴿قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ﴾: أن نساء أهل الجنة في غاية الكمال والجمال بحيث لا ينظر الرجل إلى سواها؛ لأنها تقصر طرفه عن غيرها. وهنا ذكر الله صفتهن الحسية، ولهن صفة معنوية ذكرها الله تعالى بقوله: ﴿فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ (٧٠)﴾ [الرحمن: ٧٠] خيرات الأخلاق، حسان الأجسام، فتكون نساء أهل الجنة جامعات بين الحسن الظاهر والحسن الباطن. ١١ - ومن فوائدها: حسن أعين هؤلاء النساء لقوله: ﴿عِينٌ (٤٨)﴾ وحسن العين يكون بجمال الشكل والسعة
следующие страницы →