← Тафсир

Тафсир · id 151158

تفسير العثيمين: الصافات

ابن عثيمين

Полный текст (376 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

٤ - ومن فوائدها: القدح والثناء بالسوء على هذه الشجرة، لأنه وصفها بأنها شجرة زقوم يتزقمها الإنسان تزقمًا يعني يبتلعها ابتلاعًا مكروهًا؛ لأنها -أي هذه الشجرة- كريهة المنظر، مرة الطعم، قبيحة الرائحة، ولهذا يتكرهونها لكن لضرورتهم إليها وشدة جوعهم يأكلونها. * * * قال الله : ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ (٦٣)﴾ قال المؤلف ﵀: [أي للكافرين من أهل مكة، إذ قالوا: النار تحرق الشجر فكيف تنبته]. شجرة الزقوم جعلها الله فتنة للظالمين أي اختبارًا يُختبرون بها، وفتنة أي سببًا للضلال، لأن الفتنة تطلق على الاختبار وتطلق على ما كان سببًا للضلال، ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [البروج: ١٠] أي كانوا سببًا في إضلالهم، ويقول الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ﴾ [الدخان: ١٧] أي اختبرناهم. أو إن شئت قل أضللناهم؛ لأن الله اختبر آل فرعون ولكنهم ضلوا -والعياذ بالله- فأضلهم الله. ﴿فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ (٦٣)﴾ أي: اختبارًا لهم وسببًا لضلالهم، اختبارًا لهم لأنهم لو آمنوا لصدقوا ولم يعترضوا، وسببًا لضلالهم لأنها جعلتهم يتخذون من هذا طعنًا فيما أخبر به الرسول ﵊، يقولون: هذا محمد يزعم أن الأشجار تنبت في النار، والعادة أن النار تحرق الأشجار فكيف تنبت في النار؟ ! ومعلوم أن الجواب على هذا يسير بالنسبة لنا، نقول: إن الله على

стр. 142

كل شيء قدير، وهي شجرة نارية توافق طبيعتها النار ولا تناقضها، قال الله : ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ (٦٣)﴾ المراد بالظالمين هنا الكفار، ولا شك أن الكفر ظلم، قال تعالى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ (١٣)﴾ [لقمان: ١٣] ومعلوم أيضًا أن الظلم يختلف، فهو درجات متفاوتة عظيمة، منها ما يصل إلى الكفر، ومنها ما يصل إلى الفسق، ومنها ما هو دون ذلك. سؤال: يقول بعض الناس: كيف يعذب الله إبليس وهو مخلوق من النار في النار؟ . الجواب أن يقال: إنّ مادته لم تجعله نارًا. كما أن مادة الطين لم تجعل الآدمي طينًا. الفوائد: ١ - من فوائد الآية: بيان الحكمة في مخلوقات الله ، وأنه قد يفتن العبد بما يظهره من آياته. ٢ - ومن فوائدها: أن المكذب بما أخبر الله به يعتبر من المفتونين الذين فتنهم الله وأضلهم. ٣ - ومن فوائدها أيضًا: أن ذلك من الظلم، ولكن هذا الظلم هل هو ظلم لله ورسله أو ظلم لأنفسهم؟ . الجواب: أنه ظلم لأنفسهم ﴿وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٥٧)﴾ [البقرة: ٥٧] فكل من حاد عن الصراط المستقيم فإنه ظالم لنفسه، لأن الواجب عليه أن يحسن رعاية هذه النفس،

стр. 143

فيقودها إلى ما فيه الخير والصلاح، ويذودها عما فيه الشر والفساد، وإذا كان الإنسان يجب عليه أن يرعى من ولاه الله عليهم من بني آدم ومن البهائم، فوجوب رعاية نفسه من باب أولى، ولهذا بدأ بالنفس في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾. [التحريم: ٦]. ٤ - ومن فوائد الآية: إطلاق الظلم على الكفر، مع أن الظلم أعم من الكفر، ولكن المراد به هنا الظلم المطلق الذي أشار الله إليه في قوله: ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٢٥٤)﴾ [البقره: ٢٥٤] فالظلم المطلق هو ظلم الكافر، والظلم المقيد هو ظلم الفاسق، فالمعاصي ظلم لكنها ظلم مقيد، فمثلًا يقال: هذا ظالم نفسه بأكل الربا، هذا ظالم نفسه بفعل الزنا، هذا ظالم نفسه بالاعتداء على الخلق، وهكذا، أما الظلم المطلق فهو ظلم الكافر؛ لأن الكافر -والعياذ بالله- لم يأتِ بعدل إطلاقًا حتى يقال: إن ظلمه ظلم مقيد. ﴿إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ (٦٤)﴾ هذه الجمل عن شجرة الزقوم بينها انقطاع بلاغي؛ لأن الاتصال هو العطف بالواو، وهنا كل جملة مستقلة، والحكمة من ذلك من أجل أن يعلم الإنسان عن هذه الشجرة من كل آية بصفة مستقلة، كأن كل صفة مستقلة تغني عن بقية الصفات. فكونها فتنة للظالمين هذا من أعظم ما يكون من الأوصاف التي يخاف منها عند إنكار هذه الشجرة، ﴿إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ (٦٤)﴾ قال المؤلف ﵀[أي: قعر جهنم وأغصانها ترتفع إلى دركاتها]،

стр. 144

وهل هذه الشجرة واحدة للشخص، أو هي واحدة بالنوع والجنس؟ في ذلك احتمالان: الأول: يحتمل أنها شجرة كبيرة تملأ النار كلها، ويتفرع منها أغصان في دركاتها كما هو ظاهر كلام المؤلف. الثاني: يحتمل أنها شجرة متعددة، لكن أفردت باعتبار نوعها، كما تقول -مثلًا- إذا شاهدت شجرة: هذه مذاقها مر، مذاقها حلو، مذاقها كذا، لا تريد هذه الشجرة الواحدة، بل تريد هذا الجنس وهذا النوع، فشجرة الزقوم يحتمل أنها شجرة واحدة قد ملأت النار بأغصانها والله على كل شيء قدير، وإلا فإن النار بعيدة القعر، كما في حديث أبي هريرة ﵁ قال: كنا مع النبي ﷺ فسمعنا وجبة فقال: "أتدرون ما هذا؟ " قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: "هذا حجر رمي به في النار حتى وصل إلى قعرها منذ سبعين خريفًا" (١) يعني سبعين سنة وهو يهوي في النار ما وصل إلى قعرها، هذه الشجرة إذا قلنا: إنها واحدة وأن أغصانها ملأت دركات النار فالله على كل شيء قدير، وإن قلنا: إنها واحدة بالجنس والنوع فليس في ذلك إشكال. يقول جل وعلا: ﴿إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ (٦٤)﴾ وما ظنك بهذه الشجرة النارية التي تخرج في أصل الجحيم، فيكون لمنبتها أثر فيها؛ لأن المنبت يؤثر على النابت، حتى إن

стр. 145

النوع الواحد إذا غرس في هذه الأرض اختلف عما إذا غرس في أرض أخرى وهو نوع واحد، هذه الشجرة التي تخرج في أصل الجحيم سوف يكون لمنبتها أثر فيها، ولهذا قال الله ﴿فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ (٦٤)﴾ ولم يقل: في الجحيم، ليبين أنها عميقة الجذور -والعياذ بالله- في النار. الفوائد: ١ - أن شجرة الزقوم خبيثة المنبت، لقوله تعالى: ﴿تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ (٦٤)﴾ والخبيث المنبت يكون هو خبيثًا أيضًا؛ لأن العادة أن النبات يكون على حسب أرضه، كما يكون على حسب مائه أيضًا. ٢ - ومن فوائدها: بيان قدرة الله حيث خلق هذه الشجرة في وسط النار، مع أن المعروف أن النار تحرق الأشجار، ولكن الله على كل شيء قدير، فها هي نار إبراهيم ﵊ تحرق الأجسام بلا شك، ولكن لما قال الله لها ﴿كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ (٦٩)﴾ [الأنبياء: ٦٩] لم تحرقه، بل كانت بردًا وسلامًا عليه. ٣ - ومن فوائدها: أن هذه الشجرة تنتشر إما أغصانها -كما قال المؤلف- أو أنواعها في النار كلها؛ لأن الله أخبر أن أهل النار يأكلون منها، ومعلوم أن النار دركات بعضها أسفل من بعض، فيلزم من ذلك أن تكون هذه الشجرة إما ذاتها ومنتشرة أغصانها، وإما نوعها موجودًا في جميع النار.

стр. 146

﴿طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ (٦٥)﴾ قال المؤلف ﵀: [المشبه بطلع النخل كأنه رؤوس الشياطين أي: الحيات القبيحة المنظر]، ﴿طَلْعُهَا﴾ يعني الثمر الذي يشبه طلع النخل كأنه رؤوس الشياطين، والشياطين جمع شيطان، وهل المراد الشيطان الحقيقي، أو المراد نوع من الحيات كما قال المؤلف؟ إذا نظرنا إلى ظاهر اللفظ قلنا: إن المراد الشيطان الحقيقي، واحتمال أن يكون المراد نوع من الحيات قبيحة المنظر وارد، لأن السيئ من الحيوان قد يسمى شيطانًا، كما قال النبي ﵊: "الكلب الأسود شيطان" (١) ولكن الواجب علينا إجراء القراَن على ظاهره، وأن نقول المراد بالشياطين: الشيطان المعروف، وإنما شبهت برؤوس الشياطين مع عدم رؤية الناس لها، لأن كل أحد يعرف أن ما ينسب إلى الشيطان فهو قبيح منفر، لا يركن إليه أحد، فالتشبيه هنا تشبيه بما يتخيل فكرًا، لا بما يعلم حسًّا، وعلى هذا فهو من أبلغ ما يكون من التشبيه في القبح ولا حاجة إلى أن نقول: إنها حيات، حتى لو قلنا بأنها حيات فهل هذه الحيات معلومة لكل أحد؟ إن حيات لا يعرفها إلا النادر من الناس لا ينفر الناس منها، بل إن المؤلف لما قال: إنها حيات، هبطت قيمة هذا القبح في نفس الإنسان، لكن كأنها رؤوس الشياطين، يقشعر جسم الإنسان ويقف شعره عندما يسمع هذا التشبيه القبيح، وعلى هذا فالصحيح أن المراد بذلك رؤوس الشياطين الحقيقية، ولكنها شبهت بها للعلم بأنها قبيحة عند جميع الناس وأنها منفرة.

стр. 147

الفوائد: ١ - من فوائد الآية الكريمة: بيان أن هذه الشجرة لها طلع، ولكن طلعها أقبح ما يكون من الطلع؛ لأنه يشبه رؤوس الشياطين. ٢ - ومنها: أن من أغراض التشبيه ما يسمى عند البلاغيين بالتقبيح، فيشبه الشيء بما يستقبح نفسيًّا، وإن لم يكن معلومًا حسيًّا لقوله: ﴿كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ (٦٥)﴾. ٣ - ومن فوائدها: أن رؤوس الشياطين مستكرهة مستقبحة؛ لأنه شبه بها القبح، والتشبيه إلحاق الشيء بما هو أعلى منه في الصفة التي ألحق فيها، لأن المشبه دون المشبه به. ٤ - ومن فوائدها: إثبات أن للشياطين رؤوسًا. ٥ - ومن فوائدها: الرد على من يقول: إن الشياطين والجن هي قوى الشر، والملائكة قوى الخير، وليس هناك أجسام تحس، ووجه الدلالة أنه أثبت للشياطين رؤوسًا، ولا يمكن أن يكون في الأمور المعنوية التي لها قوى. ٦ - ومن فوائدها: ضلال من يعتمد على العقل في إثبات الأشياء أو نفيها؛ لأن الاعتماد على العقل يؤدي إلى أن يرد الإنسان ما في الكتاب والسنة من أجل ما يدعي أنه عقل. * * * ﴿فَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ مِنْهَا فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ (٦٦)﴾ ﴿فَإِنَّهُمْ﴾ أي: الكفار ﴿لَآكِلُونَ مِنْهَا﴾ مع قبحها لشدة جوعهم، الجملة هنا اسمية

стр. 148

مؤكدة بـ (إنّ) و (اللام) لإفادة أن أكلهم مستمر، لأن الجملة الاسمية تفيد الثبوت والاستمرار، وأكدت بـ (إنّ) و (اللام) للدلالة على أنهم يأكلون منها أكلًا مؤكدًا مع أنها قبيحة المنظر، كريهة الطعم والرائحة، لكن -والعياذ بالله- الجوع الشديد يضطرهم إلى أن يأكلوا منها قصرًا من غير شهوة ومن غير لذة، لكن لملء بطونهم فقط، وأكد أكلهم منها لئلا يقول قائل: إنها ما دامت على هذا الوصف فلن يأكل منها أحد، ومع ذلك فإن الإنسان لو كان في الدنيا ربما يفضل الموت على الأكل من هذا. لكن في النار يعذبون بالأكل فيها، ولهذا قال تعالى: ﴿فَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ مِنْهَا فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ (٦٦)﴾ يعني: أنهم لا يشبعون ولا يقتصرون على الضرورة، وأنت عندما يعرض لك في الدنيا وأنت جائع جوعًا شديدًا لحم منتن لا تملأ منه البطن وإنما تأكل بقدر الضرورة فقط، لو حاولت أن تملأ بطنك أبت عليك نفسك، ولو أنك ملأته لأوشك أن تتقيأه، لكن في النار يعذبون بذلك فلا يأكلون بقدر الحاجة بل يملؤون بطونهم، يأكل ويقول: هات هات، كما أنهم يجبرون على شرب الحميم ويشربونه شرب الهيم، شرب الإبل الهائمة العطشى، وهذا من شدة عذابهم -والعياذ بالله- أن تصل بهم الحال إلى الجوع الشديد الذي يضطرهم إلى أكل هذه الشجرة الخبيثة يملؤون بطونهم منها، وإلى العطش الشديد الذي يضطرهم إلى شرب الحميم، وهو الماء الحار الذي لا يستفيدون منه، بل قد قال الله تعالى: ﴿وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ (١٥)﴾. [محمد: ١٥]

стр. 149

وقال في اغتسالهم ﴿يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ (١٩) يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ (٢٠)﴾ [الحج: ١٩ - ٢٠] تصل حرارته إلى ما في البطون مع حيلولة بقية الجسم دونها لكن تصل الحرارة إلى ذلك، كما قال الله تعالى: ﴿نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ (٦) الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ (٧)﴾ [الهمزة: ٦ - ٧] تصل إلى القلوب، نسأل الله السلامة، اللَّهم نجنا من النَّار. يقول تعالى: ﴿فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ (٦٦)﴾ قوله: ﴿الْبُطُونَ (٦٦)﴾ "ال" هنا للعهد الذهني، ولا يمكن أن نقول: إن "ال" العهد الذكري لأنَّه؛ سبق ما يدل على البطن لأنَّ العهد الذكري لابد أن يتقدم نفس اللفظ، وهنا لم يتقدم اللفظ، لكن تقدم ما يدل عليه في قوله: ﴿فَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ﴾ لأنَّه لا يأكل إلَّا من له بطن. الفوائد: ١ - من فوائدها: إثبات أكلهم منها على سبيل التأكيد لقوله: ﴿فَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ مِنْهَا﴾. ٢ - ومن فوائدها: أنَّه ينبغي تأكيد الشيء المستبعد أمام المخاطب من أجل اطمئنان نفسه وإقراره به، ولهذا قال علماء البلاغة: إن المخاطب له ثلاث حالات: ١ - ابتداء. ٢ - وشك. ٣ - وإنكار. ١ - ففي الابتداء لا يحسن أن تؤكد له الخبر، بل تلقيه إليه غير مؤكد؛ لأنك إذا أكدته بدون سبب للتأكيد فقد يشك، ويقول: لولا أن هذا الرجل كاذب ما ذهب يؤكد الخبر بدون سبب،

стр. 150

فالفصاحة أن تلقيه إليه مجردًا من التأكيد. فمثلًا: إذا أردت أن تخبر بقدوم زيد، تقول: قدم زيد، إذا كنت تخاطب رجلًا خطاب ابتداء، ليس عنده شك في قدومه ولا إنكار. ٢ - أن يكون عند المخاطب شك في الأمر فهنا يحسن أن يؤكد، ولكن لا يجب، فهذا الرجل الذي تخشى أن يكون شاكًّا بقدوم زيد لاستبعاده إياه، يحسن عندما تخبره أنَّه قادم أن تؤكد له، فتقول: قد قدم زيد، أو إن زيدًا قادم. ٣ - أن يكون منكرًا ففي هذه الحال يجب أن يؤكد له الخبر من أجل أن يزول عنه الإنكار ويطمئن إلى مدلول الخبر، كما لو كنت تخاطب شخصًا ينكر أن يكون فلان قدم البلد فتقول له: لقد قدم، وإن رأيت أنَّه يحتاج إلى زيادة. قلت: والله لقد قدم. هذا باعتبار حال المخاطب أي: أنَّه يحسن توكيد الخبر، أو تجريده من التأكيد، أو وجوب تأكيده باعتبار حال المخاطب، وقد يكون التأكيد وعدمه باعتبار حال مدلول الخبر فإذا كان المدلول أمرًا هامًّا فإنَّه يؤكد حتَّى وإن كنت تخاطب من لا ينكر، مثل قوله تعالى: ﴿لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ (١) وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ (٢)﴾ [القيامة: ١ - ٢] وأشباه ذلك مما أقسم الله به على البعث وهو يخاطب المؤمنين، فهنا نقول: تأكيد هذا الخبر مع إقرار المخاطب به يقصد بذلك بيان أهميته، وأنَّه أمر يجب أن يتأكد في قلب الإنسان، وأن يثبت فيه ويرسخ. قال أهل العلم: وقد ينزل المقر منزلة المنكر لفعله فعل المنكر مثل قوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ

стр. 151

ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ (١٥)﴾ [المؤمنون: ١٥] وهل الموت متردد فيه أو منكر؟ أبدًا، لا يتردد فيه ولا ينكره أي أحد من النَّاس، إذًا فلماذا يؤكد؟ لأنَّ المخاطب قد تكون حاله حال المنكر لعدم استعداده للموت، فيؤكد له الخبر. ﴿فَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ مِنْهَا﴾ هنا أكد الله أنهم سيأكلون؛ لأنَّ المقام مقام استبعاد للأكل، فقد يستبعد الإنسان أن يأكل هؤلاء من هذه الشجرة التي تخرج في أصل الجحيم وطلعها كأنه رؤوس الشياطين. فأكد الله ذلك بـ (إن) و (اللام) وأتى أيضًا بالجملة الاسمية الدّالة على استمرار أكله. ٣ - من فوائد الآية الكريمة: أن الله يعذب أهل النَّار بالأكل من هذه الشجرة بكونهم لا يشبعون، لقوله: ﴿فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ (٥٣)﴾ فلا يأكلون منها بقدر الضرورة كما يأكل المضطر من الميتة بقدر الضرورة، ولكن يأكلون أكلًا يملأ بطونهم، كلما فرغ البطن قليلًا أكلوا. * * * ﴿ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْبًا مِنْ حَمِيمٍ (٦٧)﴾ (ثم): حرف عطف يدل على الترتيب والتراخي، مما يدل على أنهم إذا أكلوا عطشوا، وإذا عطشوا لا يأتيهم الماء في الحال، بل يأتيهم بعد مهلة بيّنها الله بقوله: ﴿وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ﴾ [الكهف: ٢٩] فهم ليسوا إذا أكلوها وعطشوا بها أعطوا الماء بسرعة، بل يستغيثون ويدعون أن يأتيهم ماء يبرد عليهم لهيب العطش، ولكن إذا أعطوا هذا الماء يعطونه شوبًا من حميم،

стр. 152

يعني: ماءً حارًّا حرارة عظيمة، والشوب: وهج النَّار. وهذا الوهج يبينه الله في الآية التي سقتها إذا قرب الماء من وجوههم ليشربوه شوى وجوههم -والعياذ بالله- شواها حتَّى إن لحومها لتتساقط من شدة حرارته، فإذا شربوه فإن أمعاءهم تستقبله لكنها تتقطع به ﴿وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ (١٥)﴾ [محمد: ١٥] كل هذا سيكون، ليس خبر الأولين، ولهذا يجب علينا إذا قرأنا مثل هذه الآيات أن نشعر بأن هذا هو علم اليقين، وأنَّه سيكون حق اليقين، هذا الأمر بعد أن يعطشوا ويستغيثوا لا يغاثون بماء بارد ولا بماء عذب، بل بشوب من حميم أي: ماءً حارًا، فيشربونه فيختلط بالمأكول منها فيصير شوبًا له، فسر المؤلف ﵀ الشوب هنا بالخلط، ومنه شبت الماء باللبن أبي خلطه، وهو يصلح بهذا وهذا، فهو خلط، وهو أيضًا وهج حرارة هذا الحميم كل ذلك يكون، فالوهج يكون قبل الشرب، والشوب بعد الشرب. ﴿ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ (٦٨)﴾ يعني ثم بعد ذلك مرجعهم إلى الجحيم، والجملة جملة اسمية لم يقل ثم يرجعون، بل قال: ﴿ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ (٦٨)﴾ مؤكدة بمؤكدين وهما: (إنّ) و (اللام)، وهذا التَّرتيب فيُه إشكال، فهل هو ترتيب ذكري أو هو معنوي؟ المؤلف يرى أنَّه ترتيب معنوي؛ أي: أنهم يخرجون من النَّار لشرب الحميم، ويحتمل أن يكون ترتيبًا ذكريًّا يعني بعد أن ذكر الله ما لهم من هذا العذاب بين أن مرجعهم في يوم القيامة إلى هذا الجحيم لا يرجعون إلى سواه. أما المؤلف ﵀ فيقول: [يفيد أنهم يخرجون منها لشرب الحميم وأنَّه

стр. 153

خارجها]، وهذه الفائدة فائدة ضعيفة بالواقع، وكوننا نستفيد هذه الفائدة من هذه الجملة ليس بمتعين، والله يقول: ﴿وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ (٤٨)﴾ [الحجر: ٤٨] فكيف يقال: إنهم يخرجون ويشربون الحميم ثم يردون، هذا بعيد جدًا، لكن إما أن نجعل التَّرتيب هنا للترتيب الذكري، أي: أن الله بعد أن ذكر أنواعًا من العقوبات لهم بين أن مآلهم إلى الجحيم الذي فيه هذه العقوبات. والترتيب الذكري موجود في اللغة العربي، ومنه قول الشَّاعر: إن من ساد ثم ساد أبوه ... ثم ساد من بعد ذلك جده وسيادة الأب سابقة على سيادته، وسيادة الجد سابقة على سيادة الأب. أو يقال: إنهم كما قال الله عنهم: ﴿كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا﴾ [السجدة: ٢٠] وأنهم يقربون من أبوابها ويسقون هذا الحميم فيقربون لتتطلع نفوسهم إلى الخروج، فيكون عندهم بعض الأمل، فإذا أمّلوا هذا الأمل ثم ردوا إلى أصل الجحيم صار هذا أشد عذابًا عليهم، لأن حصول اليأس بعد الأمل أشد من بقاء اليأس؛ لأن الأمل يرفع اليأس، وإذا أعيد إلى العذاب عاد اليأس، فكان أشد وقعًا. أرأيت لو أن رجلًا مغلولًا بين يديك، وصرت تحاول فك عنقه، فإنه يفرح، لكن إذا عدت ثم شددته ربطًا وأتيت بغلٍّ آخر ازداد يأسًا وغمًّا إلى غمه، بعد أن رأى بصيص الأمل يعاد فيهان هؤلاء -والعياذ بالله- كلما أرادوا أن يخرجوا منها وحصل لهم

стр. 154

بعض الأمل أعيدوا فيها، فيكون ﴿ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ (٦٨)﴾ أي: إلى أصل الجحيم الذي كانوا قد أملوا أن يخرجوا منه حين قربوا من أبوابها. الفوائد: من فوائد الآية الكريمة: أن هذه الشجرة إذا أكلوها -والعياذ بالله- عطشوا وطلبوا الماء طلب المضطر إليه، بدليل قوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ﴾ [الكهف: ٢٩] فهم يعطشون كثيرًا ويسألون سؤال المضطر، يستغيثون بالله فإذا أغيثوا أغيثوا بماء كالمهل يشوي الوجوه -والعياذ بالله- ولهذا قال: ﴿ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْبًا مِنْ حَمِيمٍ (٦٧)﴾ يعني مع هذا الأكل القبيح المستكره المبتلى بمحبته يشربون عليه من الحميم الذي يخالطه، وقد سبق أن هذا الحميم يقطع أمعاءهم. ٢ - ومن فوائد قوله: ﴿ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ (٦٨)﴾ أن هؤلاء الذين في النَّار كلما أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا فيها، وهذا فيه زيادة تعذيبهم، لأن الإنسان إذا انفتح له باب الأمل والرجاء، ثم عاد إلى الخيبة صار ذلك أشق وأشد عليه مما لو استمر في خيبته، فيكون في هذا زيادة تعذيب له ﴿ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ (٦٨)﴾. ٣ - ومن فوائدها أيضًا: أن هؤلاء لن يذوقوا نعيمًا أبدًا؛ لأن مرجعهم ومآلهم إلى الجحيم، فلا يمكن أن يخرجوا منها، نسأل الله لنا ولكم السلامة.

стр. 155

٤ - ومن فوائدها: أن ظاهرها يفيد تأبيد النَّار، لأنَّها المرجع النهائي، وهذا يقتضي أنَّه ليس هناك سواه، وهذا القول أعني أن النَّار مؤبدة هو القول المتعين الذي لا يجوز اعتقاد سواه، وذلك لأنَّ الله تعالى ذكر التأبيد في ثلاثة مواضع: في سورة النساء، وفي سورة الأحزاب، وفي سورة الجن. ففي سورة النساء يقول الله : ﴿لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا (١٦٨) إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾. [النساء: ١٦٨ - ١٦٩]. وفي سورة الأحزاب يقول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا (٦٤) خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾. [الأحزاب: ٦٤ - ٦٥] وفي سورة الجن: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا (٢٣)﴾. [الجن: ٢٣] وبعد هذه الآيات الثلاث من عالم الغيب والشهادة لا يجوز العدول عن القول بمدلولها، فإذا كان الساكن خالدًا خلودًا مؤبدًا لزم أن يكون المسكون كذلك، أي مؤبدًا لا يمكن فناؤه، والقول بجواز فناء النَّار أو بوجوب فناء النَّار، قول ضعيف جدًا، وقد علق شيخنا الشَّيخ عبد الرحمن السعدي ﵀ على ابن القيِّم ﵀ في كتابه "شفاء العليل" حيث ذكر الخلاف عن بعض السلف بأنه قول ضعيف جدًا، واستغرب أن يقع هذا من ابن القيِّم ﵀ لأنَّه قول منافٍ للقرآن، ولكن لكل جواد كبوة.

стр. 156

﴿إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آبَاءَهُمْ ضَالِّينَ (٦٩) فَهُمْ عَلَى آثَارِهِمْ يُهْرَعُونَ (٧٠)﴾ ﴿إِنَّهُمْ﴾ أي: هؤلاء الظالمين الذين يعذبون بهذا العذاب ﴿أَلْفَوْا﴾ أي: وجدوا آباءهم ضالين تائهين عن الحق، وألفى بمعنى وجد، ومنه قوله تعالى: ﴿وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ﴾ [يوسف: ٢٥] ﴿وَأَلْفَيَا﴾ وجدا سيدها. ﴿فَهُمْ عَلَى آثَارِهِمْ يُهْرَعُونَ (٧٠)﴾ هم وجدوا آباءهم ضالين بعد أن قامت عليهم الحجة بضلال آبائهم، ولكن لم يتبعوا الحجة. قال: ﴿فَهُمْ﴾ يعني بعد أن وجدوا آباءهم ضالين -والعياذ بالله- هم ﴿عَلَى آثَارِهِمْ يُهْرَعُونَ (٧٠)﴾ أي: يساقون ويزعجون، وهرع بمعنى عجّل وأسرع في الشيء، فهم على آثار آبائهم وعلى ما كانوا عليه من الشرك والظلم ﴿يُهْرَعُونَ (٧٠)﴾ أي: يساقون بشدة ويسرعون إلى اقتفاء آثارهم، وقد جاءتهم الرسل بالحجة، ولكن قالوا: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ (٢٣)﴾ [الزخرف: ٢٣] وفي الآية الأخرى: ﴿وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ (٢٢)﴾ [الزخرف: ٢٢] فهم علموا أن آباءهم ضالين، ومع ذلك بقوا على ما هم عليه، بل صاروا يسابقون ويتمسكون أشد بما كان عليه آباؤهم. الفوائد: ١ - أن هؤلاء المكذبين اتبعوا آباءهم على الضلال، لقوله: ﴿إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آبَاءَهُمْ ضَالِّينَ (٦٩)﴾ فضلوا مثلهم. ٢ - ومن فوائدها: الإشارة إلى ذم التقليد المخالف للحق؛ لأنَّ الله تعالى ذكر هذا تنديدًا بهم وتوبيخًا لهم أن يجدوا آباءهم ضالين ثم يتبعوهم ويدعوا طريق الحق.

стр. 157

فإذا كان التقليد للضرورة بحيث إن الإنسان لا يتمكن من الوصول إلى الحكم عن طريق الاستدلال، فهنا يجوز التقليد للضرورة؛ لقول الله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٤٣)﴾ [النحل: ٤٣] ولم يقل: فاستنبطوا من القرآن والسنة إن كنتم لا تعلمون؛ لأنَّ من لا علم عنده لا يمكن أن يستنبط بنفسه، ولو حاول استنباط الأحكام من الأدلة وهو ليس عنده علم فسوف يضل ويتخبط خبط عشواء، فالإنسان الذي ليس عنده علم فرضه التقليد، والذي عنده علم فرضه الاجتهاد، وهذا القول وسط بين من يشددون في الإنكار على التقليد، وبين من يشددون في الإنكار على المجتهدين، فيكون التقليد للضرورة. ٣ - ومن فوائدها: إطلاق الآباء على الأجداد؛ لأنَّ الظاهر أن قوله: ﴿آبَاءَهُمْ﴾ يشمل الأب الأدنى والأب الأعلى. وإطلاق الأب على الجد ولو كان بعيدًا معروف في الكتاب والسنة، قال الله تعالى: ﴿مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ﴾ [الحج: ٧٨] فسمى الله إبراهيم ﵇ أبًا مع أنَّه جد بعيد، ويتفرع على هذه القاعدة: ترجيح القول بأن الجد من قبل الأب يسقط الإخوة مطلقًا أي سواء كانوا أشقاء، أو لأب، أو لأم في باب الميراث، وهو القول الراجح لأنَّه أب، وهذا القول هو قول أبي بكر الصِّديق ﵁، وروي عن ثلاثة عشر صحابيًّا، وهو مذهب أبي حنيفة ﵀ واختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ وهو القول الراجح المتعين، ووجه ذلك أن القائلين بالتوريث أتوا بتفصيلات لو كانت هي الشرع لوجب أن تبيّن في كتاب الله تعالى وسنة

стр. 158

رسوله ﵊. ٤ - ومن فوائدها: قبح عمل هؤلاء المقلدين، حيث كانوا يهرعون على آثار آبائهم في الضلال، أما في الحق فإنهم ينكصون على أعقابهم. فيتفرع على هذا حظر هؤلاء النَّاس الذين إذا جاء الحق موافقًا لأهوائهم أسرعوا إليه، وإذا كان غير موافق نكصوا عنه، وصاروا يتباطؤون فيه، وهؤلاء فيهم شبه ممن قال الله تعالى عنهم: ﴿وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ (٤٩)﴾ [النور: ٤٩] فإذا كان الحق لهم أتوا إليه مذعنين، وإذا كان الحق عليهم نكصوا، وحاولوا أن يلووا أعناق النصوص لتوافق أهواءهم. * * * ﴿وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الْأَوَّلِينَ (٧١)﴾ هذه الجملة مؤكدة بثلاثة مؤكدات: اللام، وقد، والقسم المقدر، ففي هذه الآية الكريمة تأكيد ضلال من خالف الرسل -عليهم الصَّلاة والسلام-، وفيها تسلية النَّبيُّ ﷺ ؛ لأنَّ كل ما سبق فيه التحدث من أخبار قريش، فأراد الله أن يسلي رسوله ﷺ بأن قومك ليسوا أول من ضل، بل قد ضل قبلهم أكثر الأولين. وفيها تأكيد لخبر هؤلاء الأمم الماضية التي قد يشك في خبرها من يشك. كما أن فيها أيضًا زيادة تهديد لهؤلاء المكذبين؛ لأنَّ الله تعالى قال: (﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا فِيهِمْ مُنْذِرِينَ (٧٢)﴾ وأكد أيضًا هذه الجملة بالوجوه الثلاثة التي قد أشرنا إليها في قوله: ﴿وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الْأَوَّلِينَ (٧١)﴾.

стр. 159

وقوله: ﴿ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الْأَوَّلِينَ (٧١)﴾ يعني لا كلهم، فإن من الأولين من اهتدى، ولكن أكثرهم ضل حتَّى قال رسول الله ﷺ حين عرضت عليه الأمم: "رأيت النَّبيُّ ومعه الرهط، والنبي ومعه الرجل والرجلان، والنبي وليس معه أحد" (١) وقوله: ﴿أَكْثَرُ الْأَوَّلِينَ (٧١)﴾ أي: السابقين، فكل من سبق هذه الأمة فإنَّه يعتبر من الأولين. الفوائد: ١ - في الآية الكريمة دليل على أن الأمم السابقة قد ضل أكثرهم، وهو كذلك، وقد تقدم أن الرسول ﷺ رأى النَّبيُّ ومعه الرهط، والنبي ومعه الرجل والرجلان، والنبي وليس معه أحد. ٢ - ومن فوائدها: تسلية النَّبيُّ ﷺ بذكر المماثل للدَّين كذبوه؛ لأنَّ الإنسان يتسلى ويتأسى بغيره. ٣ - ومن فوائدها: عناية الله برسوله ﷺ حيث كان، يضرب له من الأمثلة ما يسليه بها؛ لأنَّ سلو الإنسان بغيره يكون عليه الأمر وفي يده قوة واندفاعًا فيما يدعو إليه. ٤ - ومن فوائدها: تهديد هؤلاء المكذبين لرسول الله ﷺ أن يصيبهم مثل ما أصاب الأمم السابقة. * * * ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا فِيهِمْ مُنْذِرِينَ (٧٢)﴾ هذه الجملة مؤكدة بما سبق بالقسم، واللام، وقد.

стр. 160

وقوله: ﴿أَرْسَلْنَا فِيهِمْ مُنْذِرِينَ (٧٢)﴾ يعني رسلًا منذرين، كما قال الله تعالى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ﴾ [النساء: ١٦٥] لكنَّه هنا لم يذكر البشارة؛ لأنَّ المقام مقام تهديد، فكان طي البشارة أنسب والاقتصار على الإنذار أنسب، فقال: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا فِيهِمْ مُنْذِرِينَ (٧٢)﴾ والرسول قال أهل العلم: الذي أوحي إليه بالشرع وأُمِرَ بتبليغه، فإن قلت: ماذا نصنع في قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾؟ [الحج: ٥٢] حيث قال: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ﴾ [الحج: ٥٢] فهو يقتضي أيضًا أن النَّبيُّ وهو الذي أوحي إليه بالشرع ولم يؤمر بالتبليغ قد أرسل. فالجواب: أن تقدير الآية: وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبأنا من نبي. فهو على حد قول الشَّاعر: (علفتها تبنًا وماءً باردًا) فالماء البارد لا يعلف ولكنه يسقى، وهو على تقدير: وسقيتها ماء باردًا. ومن المعلوم أن حذف ما يعلم جائز، كما قال ابن مالك ﵀ في ألفيته: وحذف ما يعلم جائز كما ... تقول: زيد بعدما من عندكما. ﴿مُنْذِرِينَ (٧٢)﴾ اسم فاعل من أنذر ينذر، والمنذر المخوف، أي مخوفين من خالف بالعقوبة وحرمان الثواب،

стр. 161

فالرسل -عليهم الصَّلاة والسلام- كلهم ينذرون من خالفهم بالعقوبة، وحرمان الثواب، لأنَّ العاصي يحرم من ثواب الطاعة، إذ لو شاء لأحل محل المعصية طاعة، وكذلك يعاقب بما تقتضيه هذه المعصية. الفوائد: ١ - في الآية الكريمة دليل على أن الله تعالى أقام الحجة على كل أمة لقوله: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا فِيهِمْ﴾ أي في الأولين ﴿مُنْذِرِينَ (٧٢)﴾ ويؤيد ذلك قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ (٢٤)﴾ [فاطر: ٢٤] فكل الأمم قامت عليهم الحجة. ٢ - ويستفاد من الآية: أن من لم تبلغه الرسالة فلا حجة عليه؛ لأنَّه لم يبلغه الإنذار، وهو كذلك، ولكن ما حكمه في الدُّنيا والآخرة؟ فنقول: أما في الدُّنيا فيحكم بما يتعبد به ويتدين به، فإن كان يتدين باليهودية فهو يهودي، وإن كان بالنصرانية فهو نصراني، أو بالمجوسية فهو مجوسي، أو بالشيوعية فهو شيوعي، أي أننا لا نجري عليه أحكام المسلمين في هذه الحال؛ لأنَّه يدين بغير الإسلام، وليس لنا إلَّا الظاهر. أما في الآخرة فحكمه إلى الله وأصح الأقوال في هذا: أن الله يمتحنهم بما يشاء، فمن أطاع منهم دخل الجنَّة ومن عصى دخل النَّار. فإذا قال قائل: وهل في الآخرة تكليف؟ أليس التكليف ينقطع بالموت؟

стр. 162

فالجواب: نعم، في الآخرة تكليف، قال الله : ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ (٤٢)﴾ [القلم: ٤٢] ودعوتهم إلى السُّجود تكليف. ٣ - ومن فوائدها: أنَّه ينبغي في الخطاب أن يذكر ما يناسب المقام، وأن يحذف ما تكون الفصاحة في حذفه، وجهه أنَّه اقتصر هنا على ذكر الإنذار بالنسبة للرسل مع أن الرسل -عليهم الصَّلاة والسلام- حالهم الإنذار والتبشير، قال الله تعالى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥]. ٤ - ومن فوائد الآية: رحمة الله بالخلق، حيث لم يكلهم إلى عقولهم في تعبدهم لربهم ، وجهه أنَّه أرسل إليهم الرسل، وأرسل إليهم الرسل أيضًا ليس مجرد أن يقولوا: اركعوا واسجدوا واعبدوا ربكم وافعلوا الخير، بل قرن دعوتهم بالإنذار والتبشير، ليكون ذلك حافزًا لهم على فعل الأوامر واجتناب النواهي. * * * ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ (٧٣)﴾ الخطاب هنا موجه لواحد مذكر فمن هو؟ أهو الرسول ﵊ أم من يصح أن يوجه إليه الخطاب؟ الجواب: الثَّاني أعم. أي: فانظر أيها المخاطب، أو أيها السامع كيف كان عاقبة المنذرين، وهنا قال: ﴿كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ (٧٣)﴾ ولم يقل: (ماذا

стр. 163

كان) أي: انظر إلى الكيفية وإلى الغاية. لأنَّ من نظر إلى الكيفية نظر إلى الغاية، لو قال: ماذا كان عقابهم؟ لكان الجواب: الهلاك. لكن كيف عقابهم؟ انظر إليه: إلى الكيفية. ﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا﴾ [العنكبوت: ٤٠] فانظر إلى كيفية العاقبة لتستفيد بهذا النظر شدة العقوبة وملاءمتها للذنب؛ لأنَّ الله قال: ﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ﴾ [العنكبوت: ٤٠] أي: إن عقوبته ملائمة لذنبه، وأنت إذا تأملت هذا وجدت الأمر كما قال الله ، فمثلًا كانت عاد تفتخر بقوتها وتقول: من أشد منا قوة؟ فأهلكوا بألطف الأشياء وهي الرِّيح، أرسل الله عليهم ريحًا فدمرتهم، فأصبحوا لا يرى إلَّا مساكنهم، وكان فرعون يفتخر بالأنهار التي تجري من تحته، فأهلك بما كان يفتخر به وهو الماء، وهكذا كلما تأملت هلاك القوم المكذبين للرسل وجدت أن عقوبتهم مناسبة تمامًا لذنوبهم. إذا (انظر كيف) أبلغ من (انظر ماذا كان عاقبتهم)، وجه ذلك أنَّها تدل على شدة الأخذ وعلى مناسبته للذنب، ثم إنك إذا نظرت إلى الكيفية ستنظر إلى العاقبة لكن إذا قيل: انظر إلى عاقبتهم، لم تأمر إلَّا بالنظر إلى عاقبتهم فقط. وقوله: ﴿كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ (٧٣)﴾ الجملة هنا استفهامية ولكنها في محل نصب مفعول، (انظر)، وهذا النظر بالقلب، والغالب أن النظر بالعين يعدى بـ (إلى) فيقال: نظر إليه، وأن نظر القلب يكون متعديًا بنفسه. ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ

стр. 164

وَالْأَرْضِ﴾ [يونس: ١٠١] يعني بالقلوب، أما بالأعين فلا يفيد إذا لم يتأثر بذلك القلب. وقوله: ﴿كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ (٧٣)﴾ المنذرين هنا اسم مفعول، الذين أنذروا وخوفوا، ولكن لم يخافوا ولم يؤثر فيهم الإنذار، فكيف كان عاقبتهم، قال المؤلف ﵀: [أي عاقبتهم العذاب]. يعني: أن العاقبة كانت وخيمة -والعياذ بالله-، عوقبوا بالعذاب المدمر المهلك. الفوائد: ١ - في الآية الكريمة: تنبيه العاقل إلى النظر في عواقب المكذبين، وكذلك النظر في عواقب المجيبين، فإن الإنسان مأمور بالنظر في حال هؤلاء وهؤلاء، فإذا نظر في عواقب المجيبين وأنها عواقب حميدة صار منهم، وإذا نظر إلى عواقب المكذبين حذر منهم وابتعد عنهم، لقوله تعالى: ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ (٧٣)﴾. ٢ - ومن فوائدها: أن الله لا يعاقب على الذنب إلَّا بعد قيام الحجة، لقوله: ﴿عَاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ﴾، فهم أنذروا فكانت العاقبة. ٣ - ومن فوائدها: الإشارة إلى أنَّه ينبغي للناظر أن ينظر إلى كيفية العقوبة، لتكون أعظم في تصوره من وجه، وليعرف حكمة الله في مناسبة العقوبة للذنب من وجه آخر. فينظر إلى هذين الأمرين لبيان هذه العقوبة وشدتها ولبيان مناسبتها للذنب، ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ (٧٣)﴾.

стр. 165

ثم قال : ﴿إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (٧٤)﴾ فسرها المؤلف: باسم الفاعل أي المؤمنين، إشارة إلى أن المخلص هنا اسم فاعل، لأنَّ المفسِّر يطابق المفسَّر فيقول: ﴿إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (٧٤)﴾ الاستثناء هنا منقطع؛ لأن ما بعده من غير جنس ما قبله. وإذا كان ما بعد إلَّا من غير جنس ما قبلها فهو استثناء منقطع، والاستثناء المنقطع يكون علامته أن يحل محل لكن، ولكن لماذا يؤتى بـ (إلا) بدل لكن؟ إشارة إلى قوة اتصال ما بعدها بما قبلها، فهي تفيد الاستدراك مع ارتباط ما قبلها بما بعدها، من حيث المعنى وإن كان هذا يختلف عن ذلك. وقوله: ﴿إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ﴾ المراد بالعبودية هنا الخاصة. بدليل قوله تعالى: ﴿الْمُخْلَصِينَ (٧٤)﴾. وسبق لنا قريبًا بيان أن العبودية تنقسم إلى عامة وخاصة. أي: المؤمنين، فإنهم نجوا من العذاب لإخلاصهم في العبادة. وهذا على قراءة كسر اللام، أو لأنَّ الله أخلصهم له على قراءة فتح اللام، فأفاد المؤلف ﵀ أن في الآية قراءتين: المخلِصين والمخلَصين، لكن لم يصرح بهما، وإنما أتى بمضمونهما. ففي الآية قراءتان في ﴿مخلِصين﴾ لإخلاصهم لله، لأنهم أخلصوا القصد لله رب العباد، إليه الوجه والعمل، فلم يلتفتوا إلى ما سوى الله، والإنسان المخلص لله الذي أخلص قلبه له يوفق وتكون عاداته عبادات؛ لأنَّه دائمًا مع الله ودائمًا يتفكر في آيات الله، ودائمًا يحب القرب من الله، فيسعى إلى أن يكون قوله وفعله وتركه كله لله ، وهذا في

стр. 166

الحقيقة هو الرابح الذي ربح الوقت وربح العمر لم تضع عليه لحظة من اللحظات إلَّا وهو كاسب فيها، ولكن أكثر الناس في غفلة عن هذا الشيء، لم يخلصوا أنفسهم لله ، بل إن من الناس من قد تكون العبادات في حقه عادات يقوم ويتوضأ ويصلي لأنَّ هذه عادته كأن هذه العبادات عمل يومي يقوم به، ولهذا لا نجدها تؤثر في القلب للغفلة الشديدة عن الإخلاص لله ، فهم مخلصون لله بالعبادة، وكذلك مخلصون أخلصهم الله، قال المؤلف: ﵀[لها] أي: العبادة ولو قيل معنى أسمى من هذا لكان أولى، أخلصهم الله لنفسه واختصهم من بين سائر العباد. ﴿وَإِنَّهُمْ عِنْدَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ﴾ [ص: ٤٧] الذين اصطفاهم الله وجعلهم صفوة عباده لنفسه، وهذا أبلغ في الثّناء مما قال المؤلف ﵀ من أن الله أخلصهم للعبادة، بل نقول: أخلصهم له من بين سائر العباد. الفوائد: ١ - في الآية الكريمة: إشارة إلى أن المخلِص أو المخلَص -وهما متلازمان إخلاصهم هم وإخلاص الله لهم- إلى أن عاقبتهم النجاة، وجهه الاستثناء، ﴿إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (٧٤)﴾ فإن هؤلاء عاقبتهم النجاة وعاقبتهم حميدة. ٢ - ومن فوائدها: حث الإنسان على أن يكون من هؤلاء العباد لينجو. ٣ - ومن فوائدها: فضيلة الإخلاص لقوله: ﴿إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (٧٤)﴾ والإخلاص هو الذي أمرنا به ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا

стр. 167

لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة: ٥] ﴿فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [غافر: ١٤] ﴿فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ (٢)﴾ [الزمر: ٢]. ٤ - ومن فوائدها: تشريف هؤلاء المخلصين بإضافة عبوديتهم إلى الله تعالى، فإنَّه لا شك أنَّه من يضاف إلى الله ينال الشرف، ولهذا شرف الله تعالى بيته بإضافته إليه فقال: ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ﴾ [الحج: ٢٦] وشرف الله المساجد بإضافتها إليه ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٤] وسماها النَّبيُّ ﵊ بيوت الله "ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله" (١) وهذا لا شك تشريف للمضاف. ٥ - ومن فوائدها: بيان نعمة الله على هؤلاء العباد، حيث أخلصهم لنفسه فلم يكن لهم مقصود إلَّا الله . فإن قال قائل: أليس هؤلاء العباد لهم مقصود؟ فهم يأكلون قصدًا ويشربون قصدًا ويتمتعون بالمساكن وبالنساء قصدًا، فقد دخل في قصدهم قصد ما سوى الله، فما الجواب؟ الجواب: أنهم يتقربون إلى الله بهذا القصد. فمثلًا في الأكل: يأكل الإنسان تشهيًا بلا شك شهوة ودفعًا للضرورة، لكن يمكن أن يكون هذا الأكل عبادة من وجوه: أولًا: إذا قصد به امتثال أمر الله؛ لأنَّ الله أمر بالأكل والشرب. ثانيًا: إذا قصد به حفظ صحته وقيامِ بنيته؛ لأنَّ الإنسان مأمور بمراعاة نفسه، قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾. [النساء: ٢٩]

стр. 168

وقال النَّبيُّ ﵊: "إن لنفسك عليك حقًّا" (١). ثالثًا: إذا قصد بذلك الاستعانة بهذا الأكل والشرب على طاعة الله، ولاسيما إذا كان معينًا إعانة مباشرة، كما في قوله ﵊: "تسحروا فإن في السحور بركة" (٢). رابعًا: إذا قصد بذلك التبسط بنعم الله تعالى، فإن الله تعالى يحب من عبده أن يتبسط بنعمته، لأنَّ الكريم يحب أن يتبسط الناس بكرمه، ومن أشرف وقت عند الكريم أن يطرق بابه الضيوف ليكرمهم. لكن البخيل بالعكس فإذا قصد الإنسان التنعم بنعمة الله والتبسط بها لا شك أن هذا قربة لله ؛ لأنَّ الله يحب إذا أنعم على أحد نعمة أن يرى أثر نعمته عليه. فمن العلماء من يقول إذا قامت الحجة سواء فهم المدعو أو لم يفهم فلا عذر له، ومنهم من يقول: لابد أن تقام عليه الحجة ويفهمها، أما إذا قيل لهم بعث رسول يدعو إلى الهدى ولكنه ما فهم هذا الشيء فإنَّها لا تقوم عليه الحجة، لأنَّ الله تعالى يقول: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [إبراهيم: ٤] بعد أن بين أنَّه ينقسم الناس بهؤلاء الرسل إلى ضال ومهتدٍ، والمسألة تحتاج إلى تأمل في

стр. 169

الواقع: هل يكتفى بمجرد قيام الحجة؟ وعليه أن يبحث عن المعنى، فيقال: أنت فرطت، لماذا لم تأتِ تستفهم؟ فأنت مقصر. أو يقال: إن الرجل إذا قامت عليه الحجة وبلغته لكن على وجه مهوش فهذا معذور لاسيما إذا مات في زمن لم يتمكن فيه من البحث والاستفسار، على كل حال هي مسألة لها غور عظيم، وتحتاج إلى مراجعة كلام أهل العلم في هذه المسألة مراجعة تامة، لأنَّها في وقتنا الحاضر تدعو الحاجة إلى فهمها، إذ إن فيه كثيرًا من المسلمين على هذا الوجه، يعني: بُين لهم الحق أو عرض لهم الحق عرضًا مهوشًا كما يوجد بين أهل البدع الآن، مثلًا فيه ناس عندها بدعة الرافضة أو بدعة الخوارج أو بدعة الأشعرية أو بدعة المعتزلة. بدع كثيرة مهوش على النَّاس فيها، ولبس فيها الحق بالباطل، فكثير من الناس يقولون: إن الحق معهم، وهم على بدعة وضلالة. فالمسألة في الحقيقة تحتاج إلى بحث تام في هذا الموضوع ومراجعة كلام أهل العلم، لاسيما العلماء المتحررون في أفكارهم مثل شيخ الإسلام ابن تيمية والشَّيخ محمَّد بن عبد الوهاب ومن أشبههم. ﵏. * * * ﴿وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ (٧٥)﴾ هذه الجملة كالتفصيل لقوله: ﴿وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الْأَوَّلِينَ (٧١)﴾ فهنا شرع الله يبين كيف كان هذا الضلال؟ ومتى كان؟ كان من أول رسول أرسله الله إلى أهل الأرض، وهو نوح -عليه الصَّلاة

стр. 170

والسلام-، ونوح أول رسول أرسله الله إلى أهل الأرض بدليل الكتاب والسنة. أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [النساء: ١٦٣] إذا ليس هناك نبي مرسل قبل نوح ﵇. وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ﴾ [الحديد: ٢٦]. فإذا كانت النبوة والكتاب في ذريتهم، فليس قبل نوح أحد أوتي النبوة والكتاب، والمراد بالنبوة نبوة الرسالة، أم نبوة الوحي والعبادة فقد سبقت لآدم، فإن آدم نبي مكلم لكنَّه ليس نبيًّا مرسلًا. وأمَّا من السنة فقد صح عن رسول الله ﷺ في حديث الشفاعة: "أن النَّاس يأتون إلى نوح ويقولون: أنت أول رسول أرسله الله إلى أهل الأرض" (١). فنوح ﵊ هو أول الرسل ولبث في قومه ألف سنة إلَّا خمسين عامًا، يدعوهم ليلًا ونهارًا. ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا (٥) فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَارًا (٦)﴾ [نوح: ٥ - ٦] يدعوهم سرًّا وعلنًا ﴿ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا (٩)﴾ [نوح: ٩] ولكنهم -والعياذ بالله- لا يزيدهم ذلك إلَّا نفورًا واستكبارًا مع قوة الرسالة والآيات العظيمة نكصوا

стр. 171

واستكبروا، وما آمن معه إلَّا قليل، ولما رأى ﵊ ما حصل من قومه وأيس منهم دعا عليهم: ﴿وَقَالَ نُوحٌ رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا (٢٦) إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا (٢٧)﴾ [نوح: ٢٦ - ٢٧]. وقال: ﴿فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ (١٠)﴾ [القمر: ١٠] فأجاب الله تعالى دعاءه، ولهذا قال: ﴿وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ (٧٥)﴾ فانتصر الله له وأجاب دعاءه، قال الله تعالى: ﴿فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ (١١) وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ (١٢)﴾ [القمر: ١١ - ١٢] ماء ينزل من السماء، وماء ينبع ويفور من الأرض فورانًا عظيمًا، يشمل كل الأرض حتَّى التنور الذي هو موضع إيقاد النَّار صار يتفجر ماء، والسماء تهطل بماء منهمر عظيم، فالتقى الماء حتَّى بلغ قمم الجبال، ولم ينجُ منه أحد إلَّا من كان مؤمنًا فإنَّه مع نوح ﵊ في السفينة. ولهذا قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ (٧٥)﴾. فنوح هو أول الرسل وآخرهم محمَّد ﷺ . قال الله تعالي: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب: ٤٠] ولم يقل: وخاتم المرسلين، مع قوله: ﴿وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ﴾ إشارة أنَّه لا يمكن أن يأتي بعده لا نبي ولا رسول. الجملة: ﴿وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ﴾ مؤكدة بثلاثة مؤكدات كما سبق: القسم، واللام، وقد، ونقول في توجيه التوكيد ما قلناه فيما سبق.

стр. 172

وقوله: ﴿فَلَنِعْمَ﴾ الفاء: حرف عطف تفيد التَّرتيب والتّعقيب، واللام: موطئة للقسم، وتقدير الكلام: فوالله لنعم المجيبون. والمجيبون: فاعل نعم، ونعم وبئس وشبههما. تحتاجان إلى فاعل وإلى مبتدأ لتكون جملتهما خبرًا عنه. هذا المبتدأ يسمى المخصوص. بالمدح أو بالذم. فأين المخصوص في هذه الآية؟ يقول المؤلف: ﵀ (نحن) أي: فلنعم المجيبون نحن، وصدق ربنا نعم المجيب: الله فإن إجابته ليست كإجابة غيره إجابة محققة، لكن بشرط أن تتم شروط الإجابة وأن تنتفي الموانع. فإن لم تتم شروط الإجابة فإنَّه لا يجيب ؛ لأنَّ إجابته كسائر أفعاله مبنية على الحكمة، والحكمة وضع الشيء في موضعه، فإذا تمت شروط الاستجابة صار للاستجابة محل فحلت الإجابة. وإذا لم تتم لم يكن للإجابة محل، فلم تتحقق الإجابة. ولابد من انتفاء الموانع وسيأتي -إن شاء الله تعالى- ذكر هذه الشروط والموانع عند ذكر الفوائد، فالله تعالى أثنى على نفسه بأنه نعم المجيب وصدق الله العظيم، فإنَّه تعالى نعم المجيب: يجيب عباده إذا اقتضت الحكمة ذلك بوجود الشروط وانتفاء الموانع. ﴿فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ (٧٥)﴾ فهو قال المؤلف ﵀[له نحن أي دعانا على قومه فأهلكناهم بالغرق]. دعا الله على قومه

стр. 173

فأهلكهم بالغرق، فغرقوا عن آخرهم. وذكر أن النَّبيُّ ﷺ قال. "لو كان الله تعالى منجيًا أحدًا من الغرق لأنجى أم الصبي" (١). وأم الصبي امرأة كان معها صبي فلما رأت الماء يتزايد خافت على نفسها من الغرق، فلجأت إلى جبل فارتفع الماء حتَّى وصل إليها، ثم ارتفعت حتَّى وصلها الماء، ثم ارتفعت حتَّى وصلها الماء حتَّى بلغت قمة الجبل فوصلها الماء، فلما رأت الماء قد وصلها وألجمها رفعت الصبي فوق يدها لتغرق قبله، قال النَّبيُّ ﷺ فيما يذكر عنه: "لو رحم الله أحدًا لرحم أم الصبي" لأنَّ هذا من أبلغ ما يكون في الرحمة، أن تجعل موتها قبل موته، ترفعه على يديها حتَّى يدركها الغرق قبله. فهؤلاء وغيرهم من الأمم لا ينفعهم الإيمان إذا رأوا البأس، وانظر إلى فرعون لما أدركه الغرق قال الله تعالى: ﴿آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٩٠)﴾. [يونس: ٩٠] لكن ما نفعه ذلك، قيل له: ﴿آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ﴾. [يونس: ٩١] لم يكن أحد من الأمم نفعهم إيمانهم لما رأوا البأس ﴿إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ (٩٨)﴾. [يونس: ٩٨] قال أهل العلم: والحكمة من ذلك: أن نبيهم خرج منهم مغاضبًا قبل أن يؤذن له، فلم تحق عليهم الكلمة لعدم تمام الإنذار في حقهم، فلهذا لما آمنوا كشف الله عذاب الخزي في الحياة الدُّنيا ومتعهم إلى حين،

стр. 174

وسيجدون ما يستحقونه من العقوبة أو المثوبة. قال الله : ﴿وَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (٧٦)﴾. الأهل هنا هل نقول: المراد المؤمنون؟ أو نقول: إن الأهل هم خاصة الرجل، لأنَّ هناك فرقًا بين آل وأهل، آل: أتباع، وأهل: هم الخواص، خاصة الرجل كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ [الأحزاب: ٣٣] أهل البيت الخاصة لا يشمل الأمة كلها. فهل نقول: المراد أهله الذين هم خاصته؟ هذا هو الأقرب من الآية، لكن في آيات أخرى تدل على أن الذي نجا هو ومن آمن معهم. يستثنى من أهل نوح، ابنه الذي كفر به فإنَّه أدركه الغرق، ولما سأل نوح ﵊ ربه قال: ﴿رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ (٤٥) قَالَ يَانُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ (٤٦)﴾، [هود: ٤٥ - ٤٦] ويستثنى من ذلك امرأته كما قال الله تعالى في سورة التحريم. ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا﴾ [التحريم: ١٠] أي: بالكفر لا بالفاحشة والزنى، لأنَّه من المستحيل أن يجعل الله امرأة نبي تزني، لأنَّ الزنى خبث، وقد قال الله تعالى: ﴿الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ﴾ [النور: ٢٦] فخيانة امرأة نوح وامرأة لوط كانت بالكفر، والكفر قد يكون في امرأة النَّبيُّ وهو لا يعلم، ولهذا قال: ﴿فَخَانَتَاهُمَا﴾ يعني أخفت الكفر عن نوح وعن لوط -عليهما الصَّلاة والسلام-.

стр. 175

فـ (أهل) هنا ليس على عمومه، وإنَّما هو عام مخصوص، لأنَّ العام الذي أريد به الخاص لابد أن يكون معلومًا للمخاطب أنَّه لم يرد به إلَّا الخاص من أول الأمر، فأمَّا الشيء الذي لم يعلم إلَّا بنص آخر فإن هذا يسمى عامًا مخصوصًا. ﴿مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (٧٦)﴾. الكرب: ضد السعة، والإنسان المكروب هو الذي أصابه ما يكرب به، ولا شيء أعظم من كرب الموت. وهذا الكرب الذي أصاب قومه كرب عظيم؛ لأنَّه غرق يموت الإنسان وهو ينظر، وموت الإنسان بمرض يعلم أنَّه لا قدرة له على إزالته، لكن بالغرق يموت وهو يؤمل أن ينجو، ولهذا تجده بكلِّ قواه يحاول النجاة ولكن لا تحصل، فكأنه يموت ويقطعه الموت وهو ينظر إليه، فلهذا صار كربًا عظيمًا؛ لأنَّه بالغرق، ومثله الموت بالحرق بالنار فإن الإنسان يموت بأمر يشعر بنفسه أنَّه يستطيع التخلص منه، ولكن يعجز فيكون وقع الموت عليه أشد، ﴿وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ (٧٧)﴾ في الآية إشكال إعرابي، وهو أن الباقين منصوبة مع أنَّها بعد ﴿هُمُ﴾ وهم يكون مبتدأ، والمبتدأ خبره مرفوع، وجاءت منصوبة هنا لأن (هم) ضمير فصل، وضمير الفصل ليس له محل من الإعراب، وعلى هذا فتكون الباقين المفعول الثَّاني لجعلنا؛ لأنَّ جعلنا من أفعال التصيير، فهي بمعنى صيرنا وتنصب مفعولين: المفعول الأوَّل ذريته، والمفعول الثَّاني الباقين.

стр. 176

وقوله: ﴿هُمُ الْبَاقِينَ (٧٧)﴾ (هم): ضمير فصل، وضمير الفصل ليس له محل من الإعراب، لكن له محل من المعنى، فهو يميز بين الخبر والصفة، ويفيد التوكيد، ويفيد الحصر. ﴿ذُرِّيَّتَهُ﴾ أي: نسله فقد جعل نسل نوح ﵊ هم الباقين، ولهذا يقال: إن نوحًا ﵊ هو الأب الثَّاني للبشرية، والأب الأوَّل آدم ﵊. ويقال: إن إبراهيم ﵊ أبو الأنبياء ولا يقال: أبو البشرية؛ لأنَّ البشر لم ينحصروا في ذرية إبراهيم ﵊ لكنَّه أبو الأنبياء، لأنَّ الأنبياء من بعده كلهم من ذريته كما قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ﴾ [الحديد: ٢٦] فما قبل إبراهيم ﵊ من الأنبياء فهم من ذرية نوح ﵊؛ وما بعد إبراهيم ﵊ من ذرية إبراهيم ونوح -عليهما الصَّلاة والسلام-؛ لأنَّ إبراهيم ﵊ من ذرية نوح ﵊ ﴿وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ (٧٧)﴾ قال المؤلف: ﵀[فالناس كلهم من نسله ﵇ وكان له ثلاثة أولاد: سام، وهو أبو العرب والفرس والروم، وحام: وهو أبو السودان، ويافث: وهو أبو الترك والخزر ويأجوج ومأجوج وما هنالك]. ما ذكره ﵀ هو المشهور عند المؤرخين أن أولاد نوح ﵊ كانوا ثلاثة: سام، وحام، ويافث، لكن لم يأتِ هذا بسنة صحيحة عن النَّبي ﷺ ولا في

стр. 177

القرآن ما يدل على ذلك، فالأولى أن نقول: إن الناس بعد نوح من ذريته، وأمَّا هذا التقسيم فيحتاج إلى دليل، وليس هناك دليل من كتاب الله تعالى ولا سنة رسوله ﷺ على ذلك، والله ذكر أن الأمم السابقة لا يعلمهم إلا الله، فقال جل وعلا: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ﴾ [إبراهيم: ٩] فإذا نفى الله علم أحد بهم إلَّا الله وجب أن يتلقى علمهم من الله لا من غيره، فنرجع إلى الوحي، وعلى هذا ما في كتب المؤرخين من أحوال الأمم الماضية إذا لم يكن عليه دليل من الكتاب والسنة فإنَّه مما يتوقف فيه، ولا يلزم به، كحديث بني إسرائيل، فهؤلاء الثلاثة الأبناء لنوح ممن يتوقف فيهم، ونحن لا يهمنا الباقون من أولاده ثلاثة أو ثلاثون، المهم أن نؤمن بما دل عليه كتاب الله وهو أن ذرية نوح هم الذين بقوا، وأمَّا من آمن معه فإما أنه ليس له ذرية أو قد يكون لهم ذرية ولكن لم تبق، فالله أعلم، ومن الجائز أن يكون له ابن ثم ينقطع نسله، فلا نعلم لكن الذي بقي نسله هو نوح. ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (٧٨)﴾ يعني أبقينا له ثناء حسنًا، ولم يقل: تركنا له بل قال: ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (٧٨)﴾ إشارة إلى أن تركنا مضمنة معنى يناسب حرف الجر المذكور، فلابد أن يضمن تركنا معنى مناسب لعلى، والمعنى المناسب لعلى هو الثّناء، يعني: أثنينا عليه ثناءً متروكًا في الآخرين، وهو كذلك. فإن الله أثنى عليه ثناء من أفضل الثّناء، قال -عز

стр. 178

وجل-: ﴿ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا (٣)﴾ [الإسراء: ٣] هذا ثناء أعظم ما يكون من الثّناء، وأشرف ما يكون من الفخر أن الله يصف واحدًا من بني آدم فيقول: ﴿إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا (٣)﴾ يعني: قائمًا بالعبودية، وقائمًا بالشكر، ﵊. فالله أبقى عليه ثناء حسنًا في الآخرين إلى آخر الأمم بل إلى يوم القيامة؛ لأنَّ هذا الكتاب سيبقى إلى أن يرفعه الله عند قرب قيام الساعة. ﴿فِي الْآخِرِينَ (٧٨)﴾ [من الأنبياء والأمم إلى يوم القيامة]، والظاهر من الآيات الكريمة أن جميع الأنبياء الذين جاءوا من بعد نوح ﵊ كان يذكر فيهم نوح بالثناء الحسن، فتكون الأنبياء كلهم والأمم يطرون نوحًا ﵊ بما أثنى الله به عليه؛ لأنَّه مذكور في كل الكتب ﴿سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ (٧٩)﴾ (سلام) مبتدأ، ونُكِّر من أجل التعظيم أي: سلام عظيم، لأنَّه سلام من الله ، وهذا السَّلام معناه: أن الله سلَّمه من القوادح التي تقدح فيه، وحل محل هذه القوادح من البشر الثّناء من الله ، فجمع الله له بين أمرين: الثّناء، وبين تسليمه مما يقدح فيه، ولهذا نقول: ﴿سَلَامٌ﴾ بمعنى تسليم، أي: أن الله سلمه من كل ما يضره من القوادح التي تقدح فيه من بني آدم. ﴿فِي الْعَالَمِينَ (٧٩)﴾. المراد بالعالمين هنا: مَن بعد نوح لا مَن قبله فيما يظهر، وعلى هذا فيكون عامًّا يراد به الخاص. ﴿إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٨٠)﴾ المراد بالجمع ﴿إِنَّا﴾

стр. 179

التعظيم، فإن الله واحد ، ولكنه إذا ذكر اسمه بما يدل على الجمع فالمراد به التعظيم. ﴿كَذَلِكَ﴾ أي: مثل هذا الجزاء نجزي ﴿الْمُحْسِنِينَ (٨٠)﴾ فكل من أحسن فإن الله يجزيه كما جزى نوحًا ﵊، وقد جزى الله نوحًا بأمرين: بما ترك عليه في الآخرين، وبما سلمه في العالمين. فكذلك من كان مؤمنًا بالله ، محسنًا في عبادته، وإلى عباده فإن الله تعالى يجزيه كما جزى نوحًا، ولذلك تجد أن الله تعالى وضع في قلوب الناس وألسنتهم الثّناء على أئمة المسلمين على الرغم من أن من النَّاس من يقدح فيهم، لأنَّ كل واحد من أهل الخير لابد أن يقدح فيه واحد من أهل الشر ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ﴾ [الفرقان: ٣١] وكذلك كل من تمسك بهدي نبي فإن له عددًا من المجرمين بلا شك. لكن يقيض الله لهذا المؤمن من يبدل هذا القدح بالثناء، ومن يدفع هذا القدح. ولهذا قال : ﴿إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٨٠)﴾ الذين أحسنوا، والإحسان ينقسم -كما تقدم- إلى قسمين: ١ - إحسان في عبادة الله تعالى. ٢ - إحسان إلى عباد الله تعالى. فالإحسان في عبادة الله لا نفسره بأحسن من تفسير رسول الله ﷺ حيث قال: "الإحسان أن تعبد الله كأنَّك تراه، فإن لم تكن تراه فإنَّه يراك" (١).

стр. 180

والعبادة في قوله: "أن تعبد الله كأنَّك تراه" عبادة طلب كأنَّك تراه، ومعلوم أن الله تشتاق إليه النفوس، فإذا كان يعبد الله كأنه يراه فسوف يلح في العبادة ليصل إلى محبوبه وهو الله ، "فإن لم تكن تراه" يعني إن لم تصل إلى هذه الدرجة وهي عبادة الرغبة والطلب، "فإنَّه يراك" فاعبده عبادة هرب وخوف منه، وهذا ليس كالأول؛ لأنَّ هذا يعبد الله خوفًا منه، والأول يعبده طمعًا، فالمرتبة الأولى أكمل من المرتبة الثَّانية، ولهذا جعلها النَّبيُّ ﷺ في الدرجة الثَّانية، إن لم تكن تراه وتعبده كأنَّك تراه فإنَّه يراك. فإياك أن تخالفه أو تقع في معصيته. أما الإحسان إلى عباد الله فهو بذل المعروف إليهم بالمال والبدن والجاه، وبعضهم قال: هو بذل الندى، وكف الأذى، وطلاقة الوجه. بذل الندى: يعني العطاء، وكف الأذى: ألا تؤذي أحدًا لا بقولك ولا فعلك، وطلاقة الوجه: ألا تقابل الناس بوجه عابس مكفهر، لأنَّ الإنسان مهما كان إذا لقي الناس بوجه عابس مكفهر فليس محسنًا إليهم، بل إن الله عاتب النَّبيُّ ﷺ وهو أفضل الخلق حين حصل له ما حصل مع عبد الله بن أم مكتوم، ﵁ مع أن الرسول ﷺ حصل له ما حصل اجتهادًا منه، فقال الله تعالى في ذلك ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى (١) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى (٢) وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى (٣) أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى (٤) أَمَّا مَنِ
следующие страницы →