← Тафсир

Тафсир · id 151158

تفسير العثيمين: الصافات

ابن عثيمين

Полный текст (376 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

وقوله: ﴿هُمُ الْبَاقِينَ (٧٧)﴾ (هم): ضمير فصل، وضمير الفصل ليس له محل من الإعراب، لكن له محل من المعنى، فهو يميز بين الخبر والصفة، ويفيد التوكيد، ويفيد الحصر. ﴿ذُرِّيَّتَهُ﴾ أي: نسله فقد جعل نسل نوح ﵊ هم الباقين، ولهذا يقال: إن نوحًا ﵊ هو الأب الثَّاني للبشرية، والأب الأوَّل آدم ﵊. ويقال: إن إبراهيم ﵊ أبو الأنبياء ولا يقال: أبو البشرية؛ لأنَّ البشر لم ينحصروا في ذرية إبراهيم ﵊ لكنَّه أبو الأنبياء، لأنَّ الأنبياء من بعده كلهم من ذريته كما قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ﴾ [الحديد: ٢٦] فما قبل إبراهيم ﵊ من الأنبياء فهم من ذرية نوح ﵊؛ وما بعد إبراهيم ﵊ من ذرية إبراهيم ونوح -عليهما الصَّلاة والسلام-؛ لأنَّ إبراهيم ﵊ من ذرية نوح ﵊ ﴿وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ (٧٧)﴾ قال المؤلف: ﵀[فالناس كلهم من نسله ﵇ وكان له ثلاثة أولاد: سام، وهو أبو العرب والفرس والروم، وحام: وهو أبو السودان، ويافث: وهو أبو الترك والخزر ويأجوج ومأجوج وما هنالك]. ما ذكره ﵀ هو المشهور عند المؤرخين أن أولاد نوح ﵊ كانوا ثلاثة: سام، وحام، ويافث، لكن لم يأتِ هذا بسنة صحيحة عن النَّبي ﷺ ولا في

стр. 177

القرآن ما يدل على ذلك، فالأولى أن نقول: إن الناس بعد نوح من ذريته، وأمَّا هذا التقسيم فيحتاج إلى دليل، وليس هناك دليل من كتاب الله تعالى ولا سنة رسوله ﷺ على ذلك، والله ذكر أن الأمم السابقة لا يعلمهم إلا الله، فقال جل وعلا: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ﴾ [إبراهيم: ٩] فإذا نفى الله علم أحد بهم إلَّا الله وجب أن يتلقى علمهم من الله لا من غيره، فنرجع إلى الوحي، وعلى هذا ما في كتب المؤرخين من أحوال الأمم الماضية إذا لم يكن عليه دليل من الكتاب والسنة فإنَّه مما يتوقف فيه، ولا يلزم به، كحديث بني إسرائيل، فهؤلاء الثلاثة الأبناء لنوح ممن يتوقف فيهم، ونحن لا يهمنا الباقون من أولاده ثلاثة أو ثلاثون، المهم أن نؤمن بما دل عليه كتاب الله وهو أن ذرية نوح هم الذين بقوا، وأمَّا من آمن معه فإما أنه ليس له ذرية أو قد يكون لهم ذرية ولكن لم تبق، فالله أعلم، ومن الجائز أن يكون له ابن ثم ينقطع نسله، فلا نعلم لكن الذي بقي نسله هو نوح. ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (٧٨)﴾ يعني أبقينا له ثناء حسنًا، ولم يقل: تركنا له بل قال: ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (٧٨)﴾ إشارة إلى أن تركنا مضمنة معنى يناسب حرف الجر المذكور، فلابد أن يضمن تركنا معنى مناسب لعلى، والمعنى المناسب لعلى هو الثّناء، يعني: أثنينا عليه ثناءً متروكًا في الآخرين، وهو كذلك. فإن الله أثنى عليه ثناء من أفضل الثّناء، قال -عز

стр. 178

وجل-: ﴿ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا (٣)﴾ [الإسراء: ٣] هذا ثناء أعظم ما يكون من الثّناء، وأشرف ما يكون من الفخر أن الله يصف واحدًا من بني آدم فيقول: ﴿إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا (٣)﴾ يعني: قائمًا بالعبودية، وقائمًا بالشكر، ﵊. فالله أبقى عليه ثناء حسنًا في الآخرين إلى آخر الأمم بل إلى يوم القيامة؛ لأنَّ هذا الكتاب سيبقى إلى أن يرفعه الله عند قرب قيام الساعة. ﴿فِي الْآخِرِينَ (٧٨)﴾ [من الأنبياء والأمم إلى يوم القيامة]، والظاهر من الآيات الكريمة أن جميع الأنبياء الذين جاءوا من بعد نوح ﵊ كان يذكر فيهم نوح بالثناء الحسن، فتكون الأنبياء كلهم والأمم يطرون نوحًا ﵊ بما أثنى الله به عليه؛ لأنَّه مذكور في كل الكتب ﴿سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ (٧٩)﴾ (سلام) مبتدأ، ونُكِّر من أجل التعظيم أي: سلام عظيم، لأنَّه سلام من الله ، وهذا السَّلام معناه: أن الله سلَّمه من القوادح التي تقدح فيه، وحل محل هذه القوادح من البشر الثّناء من الله ، فجمع الله له بين أمرين: الثّناء، وبين تسليمه مما يقدح فيه، ولهذا نقول: ﴿سَلَامٌ﴾ بمعنى تسليم، أي: أن الله سلمه من كل ما يضره من القوادح التي تقدح فيه من بني آدم. ﴿فِي الْعَالَمِينَ (٧٩)﴾. المراد بالعالمين هنا: مَن بعد نوح لا مَن قبله فيما يظهر، وعلى هذا فيكون عامًّا يراد به الخاص. ﴿إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٨٠)﴾ المراد بالجمع ﴿إِنَّا﴾

стр. 179

التعظيم، فإن الله واحد ، ولكنه إذا ذكر اسمه بما يدل على الجمع فالمراد به التعظيم. ﴿كَذَلِكَ﴾ أي: مثل هذا الجزاء نجزي ﴿الْمُحْسِنِينَ (٨٠)﴾ فكل من أحسن فإن الله يجزيه كما جزى نوحًا ﵊، وقد جزى الله نوحًا بأمرين: بما ترك عليه في الآخرين، وبما سلمه في العالمين. فكذلك من كان مؤمنًا بالله ، محسنًا في عبادته، وإلى عباده فإن الله تعالى يجزيه كما جزى نوحًا، ولذلك تجد أن الله تعالى وضع في قلوب الناس وألسنتهم الثّناء على أئمة المسلمين على الرغم من أن من النَّاس من يقدح فيهم، لأنَّ كل واحد من أهل الخير لابد أن يقدح فيه واحد من أهل الشر ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ﴾ [الفرقان: ٣١] وكذلك كل من تمسك بهدي نبي فإن له عددًا من المجرمين بلا شك. لكن يقيض الله لهذا المؤمن من يبدل هذا القدح بالثناء، ومن يدفع هذا القدح. ولهذا قال : ﴿إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٨٠)﴾ الذين أحسنوا، والإحسان ينقسم -كما تقدم- إلى قسمين: ١ - إحسان في عبادة الله تعالى. ٢ - إحسان إلى عباد الله تعالى. فالإحسان في عبادة الله لا نفسره بأحسن من تفسير رسول الله ﷺ حيث قال: "الإحسان أن تعبد الله كأنَّك تراه، فإن لم تكن تراه فإنَّه يراك" (١).

стр. 180

والعبادة في قوله: "أن تعبد الله كأنَّك تراه" عبادة طلب كأنَّك تراه، ومعلوم أن الله تشتاق إليه النفوس، فإذا كان يعبد الله كأنه يراه فسوف يلح في العبادة ليصل إلى محبوبه وهو الله ، "فإن لم تكن تراه" يعني إن لم تصل إلى هذه الدرجة وهي عبادة الرغبة والطلب، "فإنَّه يراك" فاعبده عبادة هرب وخوف منه، وهذا ليس كالأول؛ لأنَّ هذا يعبد الله خوفًا منه، والأول يعبده طمعًا، فالمرتبة الأولى أكمل من المرتبة الثَّانية، ولهذا جعلها النَّبيُّ ﷺ في الدرجة الثَّانية، إن لم تكن تراه وتعبده كأنَّك تراه فإنَّه يراك. فإياك أن تخالفه أو تقع في معصيته. أما الإحسان إلى عباد الله فهو بذل المعروف إليهم بالمال والبدن والجاه، وبعضهم قال: هو بذل الندى، وكف الأذى، وطلاقة الوجه. بذل الندى: يعني العطاء، وكف الأذى: ألا تؤذي أحدًا لا بقولك ولا فعلك، وطلاقة الوجه: ألا تقابل الناس بوجه عابس مكفهر، لأنَّ الإنسان مهما كان إذا لقي الناس بوجه عابس مكفهر فليس محسنًا إليهم، بل إن الله عاتب النَّبيُّ ﷺ وهو أفضل الخلق حين حصل له ما حصل مع عبد الله بن أم مكتوم، ﵁ مع أن الرسول ﷺ حصل له ما حصل اجتهادًا منه، فقال الله تعالى في ذلك ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى (١) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى (٢) وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى (٣) أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى (٤) أَمَّا مَنِ

стр. 181

اسْتَغْنَى (٥) فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى (٦) وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى (٧) وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى (٨) وَهُوَ يَخْشَى (٩) فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى (١٠)﴾ [عبس: ١ - ١٠] كلمات عظيمة لكنها مع ذلك خففها الله بأن بدأها بضمير الغيبة فقال: ﴿عَبَسَ﴾ كأنما يتحدث عن شخص آخر لا عن الرسول ﷺ ، ولم يقل: عبست وتوليت، لأنَّه كما مر علينا كثيرًا بأن المخاطب بصيغة الخطاب أعظم وأشد من التحدث بضمير الغيبة. أما قولهم: الإحسان إلى عباد الله هو: بذل المعروف إليهم بالمال والبدن والجاه. أما بالمال فظاهر، وبالبدن أن تخدمهم، ومع هذا إذا خدمت الإنسان وأعنته فأنت مأجور، كما قال الرسول ﷺ : "وتعين الرجل في دابته فتحمله عليها، أو ترفع له عليها متاعه صدقة" (١). ومن البذل البدني: طلاقة الوجه؛ لأنَّها تتعلق بالبدن. أما الجاه بأن تنفع النَّاس بالتوسط والشفاعة فيما فيه الخير لهم ولك. الفوائد: ١ - في هذه الآية من الفوائد: بيان تأكيد الشيء بالقسم إذا دعت الحاجة إليه، وأن هذا من فصيح الكلام؛ لأنَّ الله أكد هذا بالقسم واللام وقد. ٢ - ومن الفوائد: حث النَّبي ﷺ وغيره على دعاء الله

стр. 182

- ، وأن الله إذا ناداه عبده بالدعاء أجابه. ٣ - ومن فوائدها: إثبات سمع الله لقوله: ﴿وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ (٧٥)﴾ ولا إجابة إلَّا بعد السمع. ٤ - ومن فوائدها: الثّناء على نوح ﵊، وذلك بلجوئه إلى رب عند حلول المضايق. ٥ - ومن فوائدها: الثّناء على الله بكمال الإجابة؛ لأنَّ الثّناء على المجيب يستلزم الثّناء على الإجابة. فإجابة الله ليست كإجابة غيره، بل هي إجابة فضل وإحسان، قد يعطي الإنسان أكثر مما سأل. ٦ - ومن فوائدها: بيان رحمة الله في إجابة دعوة الداعي. ولكن لإجابة الدعاء شروط لابد أن تتحقق، وهي: الشرط الأوَّل: الإخلاص لله بأن يخلص الإنسان في دعائه إلى الله بقلب حاضر صادق في اللجوء إليه، عالم بأنه قادر على إجابة الدعوة، مؤهل الإجابة في الله. . الشرط الثَّاني: أن يشعر الإنسان حال دعائه بأنه في أمس الحاجة، بل في أمس الضرورة إلى الله وأن الله -تعالى- وحده هو الذي يجيب دعوة المضطر إذا دعاه ويكشف السوء. الشرط الثالث: أن يكون متجنبًا لأكل الحرام، فإن أكل الحرام حائل بين الإنسان والإجابة. فهذه الشروط لإجابة الدعاء، إذ لم تتوفر فإن الإجابة تبدو

стр. 183

بعيدة، فإذا توافرت ولم يستجب الله للداعي، فإنَّما ذلك لحكمة يعلمها الله ولا يعلمها هذا الداعي، فعسى أن تحبوا شيئًا وهو شر لكم، وإذا تمت هذه الشروط ولم يستجب الله فإنَّه إمَّا أن يدفع عنه من السوء ما هو أعظم، وإما أن يدخرها له يوم القيامة فيوفيه الأجر أكثر وأكثر، لأنَّ هذا الداعي الذي دعا بتوفر الشروط ولم يصرف عنه السوء ما هو أعظم، يكون قد فعل الأسباب ومنع الجواب لحكمة، فيعطي الأجر مرتين مرَّة على دعائه ومرَّة على مصيبته بعدم الإجابة فيدخر له عند الله ما هو أعظم وأكمل. ٧ - ومن فوائدها: بيان قدرته على إجابة الدعوة؛ لأنَّ الإجابة تستلزم القدرة عليها؛ لأنَّ العاجز لا يمكن أن يجيب. ٨ - ومن فوائدها: بيان عظمة الله، وذلك بالإتيان بالواو في صفته بقوله: ﴿الْمُجِيبُونَ (٧٥)﴾ فإن هذه قطعًا ليست للجمع، لأنَّ الله واحد ولكنها للتعظيم. ومن فوائد قوله: ﴿وَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (٧٦)﴾: ١ - بيان أن قومه أصيبوا بكرب عظيم وهو الهلاك بالغرق، وأن الله نجَّى نوحًا وأهله. ٢ - ومن فوائدها أيضًا: بيان قدرة الله حيث حل العذاب بهذه الأمة، فنجى قومًا وغرق قومًا. ٣ - ومن الفوائد: كمال عدله حيث جازى كل واحد بما يستحق، فمن استحق النجاة نجَّاه، ومن

стр. 184

استحق الهلاك أهلكه. ٤ - جواز إطلاق العام وإن كان مخصوصًا؛ لأنَّ قوله: ﴿وَأَهْلَهُ﴾ يشمل المؤمن والكافر منهم، وقد دلت آية أخرى على أن من أهله ممن لم ينجُ. * ومن فوائد قوله: ﴿وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ (٧٧)﴾: أن نوحًا هو الذي بقي نسله من بني آدم فكل من بقي من بعد نوح فهو من نسله، ولهذا يسمى الأب الثَّاني للبشرية. وهنا سؤال وهو أن يقال: إن النَّبيُّ ﷺ ذكر أن الله خصه أنَّه بعثه إلى الناس كافّة، وكان النَّبيُّ ﷺ يُبعث إلى قومه خاصة، وظاهر هذه الآية الكريمة أن نوحًا بعث إلى البشر جميعًا لقوله: ﴿وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ (٧٧)﴾ وذريته كانوا مباشرين له لم يكونوا في مكان آخر؟ والجواب على ذلك: أن هذه الآية لا تستلزم ما ذكر، فقد يكون هناك أمم في أماكن بعيدة لكنها فنيت ولم يبق إلَّا ذرية نوح، وتكون الأمم البعيدة التي لم تشملها دعوة نوح لها رسل ثم فنيت هذه الأمم والرسل الذين بعثوا إليها ولم يبق إلَّا ذرية نوح. * ومن فوائد قوله: ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (٧٨)﴾ بيان فضل الله على العبد بثناء الآخرين عليه؛ لأنَّ الإنسان إذا مات انقسم الناس فيه إلى قسمين: قسم يثني ثناءً حسنًا، وقسم يثني ثناء سيئًا، وكل من تتفق الأمة عليه بالثناء وأعني بالأمة أمة الإجابة، فأمة الإجابة كثيرًا ما يتفقون على الثّناء على شخص معين، لكن أمة الدعوة التي فيهم الكافر والمؤمن والفاسق

стр. 185

والعاصي لا يتفقون على الثّناء على شخص؛ لأنَّ كل من قوي إيمانه ودعوته إلى الله فسيجد مضادا من أعداء الله ، لكن أهل الخير والإيمان يحبون الداعية إلى الله ويثنون عليه ما يستحق. * وفي قوله: ﴿سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ (٧٩)﴾ من الفوائد: ١ - أن نوحًا ﵊ قد برأه الله في الآخرين، حيث يقولون القول الذي فيه سلامته من القدح، فيكون الله قد جمع له بين الثّناء الحسن ودفع الثّناء السيئ لقوله: ﴿سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ (٧٩)﴾. ٢ - ومن فوائد الآية: إطلاق العام وإرادة الخاص؛ لأنَّ قوله: ﴿فِي الْعَالَمِينَ (٧٩)﴾ لا يتناول مَنْ قبل نوح، فإن الظاهر أنَّه لم يسبق له ذكر فيما سبق. * ومن فوائد قصَّة نوح ﵇ ككل: - إدخال البشارة على رسول الله ﷺ وأصحابه، حيث يكون لهم أسوة في نوح ومن نجا معه، وتهديد المكذبين له، حيث يكون لهم إنذار لما جرى للمكذبين لنوح ﵊. * ومن فوائد قوله: ﴿إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٨٠)﴾: ١ - أن المحسن يجازى بمثل ما جوزي به نوح ﵊، وذلك بإنجائه من الهلاك وسلامة عرضه من الذكر السيئ، وكلما كان الإنسان أكثر إحسانًا كان أكثر ثوابًا وأسلم.

стр. 186

٢ - ومن فوائد الآية: إثبات القياس لقوله: ﴿إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٨٠)﴾ يعني مثل هذا الجزاء نجزي كل محسن. ٣ - ومن فوائدها: أن الله يرتب الجزاء والعقوبة والثناء والقدح على الأوصاف لا على الأشخاص؛ لأنَّه هنا علّق الجزاء على الإحسان، ولهذا لم يأتِ شيء من أحكام الله مقيدًا بشخص لشخصه أبدًا حتَّى خصائص الرسل ليست من باب خصائص الأشخاص، لكن من باب خصائص الأوصاف؛ لأنَّ فيهم وصفًا زائدًا على غيرهم، وهو وصف النبوة والرسالة فخصوا ببعض الأحكام المناسبة لمقامهم، أما أن يخص شخص بعينه لأنَّه فلان ابن فلان مثلًا فهذا لا يوجد في الشريعة؛ لأنَّ الله يرتب الأحكام ويعلقها على الأوصاف لا على الأشخاص. * ومن فوائد قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (٨١)﴾ الإشارة إلى كمال هذين الوصفين وهما العبودية والإيمان، وأنهما أشوف وصف يتصف به الإنسان أن يكون عبدًا لله مؤمنًا به؛ لأنَّ الله تعالى قال: ﴿إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (٨١)﴾ يعني نوحًا، ونوح ﵊ من أولي العزم من الرسل، فإذا كان من مناقبه وفضائله أن يكون من عباد الله المؤمنين دَلَّ ذلك على فضيلة العبودية والإيمان. * ومن فوائد قوله: ﴿ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ (٨٢)﴾: ١ - بيان حكمة الله حيث أغرق هؤلاء المكذبين لرسوله ﵊، بل المكذبين لرسله؛

стр. 187

لأنَّ الله قال: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ (١٠٥)﴾. [الشعراء: ١٠٥] وتكذيب قوم نوح ليس من أجل نوح، ولكن من أجل ما جاء به، ولهذا كان تكذيب رسول واحد تكذيب لجميع الرسل؛ لأنَّه تكذيب لجنس الرسالة وليس لشخص المرسل. ٢ - ومن فوائدها: إقامة العدل بإغراق هؤلاء المكذبين؛ لأنَّ الله لم يغرقهم ظلمًا، بل هم الذين ظلموا أنفسهم. * * * ﴿وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ (٨٣)﴾ هذه الجملة مكونة من (إنَّ) واسمها وخبرها، واسمها متأخر: إبراهيم والخبر مقدم "من شيعته"، واللام هنا لام التوكيد، أي: أن إبراهيم ﵊ من شيعة نوح ﵊، والشيعة تطلق في اللُّغة على كل من شايع الإنسان وتابعه وأعانه وناصره فهو شيعته. وإبراهيم ﵊ من شيعة نوح ﵊ أي: من أتباعه وأشكاله وناصري ما جاء به من الشرع، فإن من نصر الشرع في أي زمان ومكان فإنَّه ناصر لجميع الشرائع؛ لأنَّ تأييد الشرع الذي جاء من الله في أي زمان ومكان تأييد لشرع الله كله، ولهذا نحن نفرح بانتصار الرسل -عليهم الصَّلاة والسلام- وأتباعهم ولو كانوا في زمن بعيد، ولو كانوا ليسوا من الذين أرسلوا إلينا خاصة، فإبراهيم ﵊ من شيعة نوح أي: من مؤيديه وأتباعه فيما جاء به، وليس في نفس الشريعة، ولكن في الجنس أي أنَّه يؤيد وينصر

стр. 188

الوحي الذي هو من جنس الوحي الذي جاء به نوح ﵊، ولهذا قال المؤلف: ﵀[أي: ممن تابعه في أصل الدين] وهو قبول وحي الله والعمل به والدعوة إليه، إذ جميع الرسل بعضهم لبعض شيعة، لأنهم كلهم يتناصرون ويؤمنون بالوحي كله. وقوله ﵀: [وإن طال الزمان بينهما وهو ألفان وستمائة وأربعون سنة وكان بينهما هود وصالح]. وقوله: [وإن طال الزمان بينهما] هذا صحيح ولا شك أن بين نوح ﵊ وإبراهيم زمانًا طويلًا، لكن تقييدها بما ذكره المؤلف يحتاج إلى دليل صحيح، إمَّا من كتاب الله أو سنة رسول الله ﷺ ، ولا نعلم لهذا أصلًا في القرآن ولا في السنة، فإن قيل: فإنَّما هو مما نقل عن بني إسرائيل فإننا لا نصدق به ولا نكذب به. وقوله: [وكان بينهما هود وصالح]، دليل ذلك أن الله يقرن قصَّة هود دائمًا بقصة نوح، ومن بعدها قصَّة صالح، وهذا مما يدل على أن هؤلاء الثلاثة قبل إبراهيم. أما نبي الله إدريس فقد ذكر بعض المؤرخين أنَّه كان قبل نوح، ولكنه قول ضعيف جدًا؛ لأنَّه سبق لنا أن نوحًا ﵊ هو أول رسول أرسله الله إلى أهل الأرض، والقول بأن إدريس قبله قول ضعيف، بل هو باطل في الواقع، فنوح أول الرسل، وإدريس يظهر والله أعلم أنَّه من أنبياء بني إسرائيل. ﴿إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (٨٤)﴾ قال المؤلف ﵀[أي:

стр. 189

تابعه وقت مجيئه] يحتمل ما قال المؤلف، وأن في ﴿إِذْ﴾ متعلقة بقول ﴿شِيعَتِهِ﴾ أي: وممن شايعه حين جاء ربه بقلب سليم إبراهيم. ويحتمل أن ﴿إِذْ﴾ استئنافية، وأن تقدير الكلام: اذكر إذ جاء ربه بقلب سليم، وهذا هو الأصح، فالصحيح أنها ليست متعلقة بذلك، وأنَّه من شيعته وقت المجيء، بل هو من شيعته وقت المجيء وغيره، لكن أراد الله تعالى أن ينوه بهذا الوصف العظيم لإبراهيم ﵊ ﴿إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (٨٤)﴾ ومتى مجيئه لربه هل المراد جاء ربه حين لاقاه بعد الموت، أو جاء ربه حين آذاه قومه وهددوه بالإحراق، أم نطلق كما أطلق الله؟ الأولى أن نطلق كما أطلق الله ونقول: جاء ربه في الوقت الذي يعلم الله مجيئه فيه بقلب سليم. قال المؤلف: [سليم من الشَّك وغيره] والصحيح أن السلامة أعم مما قال المؤلف، فهو سليم من الشبهات، ليس فيه شك بأي وجه من الوجوه، بل هو على علم ويقين بما آمن به. وسليم من الشهوات ليس في قلبه هوى يخالف ما جاء به الوحي، وهذه هي سلامة القلب أن يكون سالمًا من الشبهات التي تعرض له، والشكوك فيكون مؤمنًا حقًا، ويكون سالمًا من الشهوات، والشهوات هي: الإرادات المخالفة لما جاء به الوحي، وليس كل قلب يهوى ما جاء به الوحي. فالقلوب جوَّالة يمينًا وشمالًا، أحيانًا قلب الإنسان نفسه يتجول، في بعض الأحيان يكون مقبلًا غاية الإقبال على الوحي محبًّا له

стр. 190

مطبقًا له، وأحيانًا يجد فتورًا عن الإقبال على الوحي وفتورًا عن تطبيق ما جاء به الوحي، ولهذا ينبغي للإنسان دائمًا أن يسأل الله تعالى الثبات على الأمر وثبات القلب؛ لأنَّ القلب بين أصبعين من أصابع الله يقلبهما كيف يشاء. فعلى الإنسان ألا يغتر بنفسه ولا يعجب بعقيدته، بل عليه أن يسأل الله دائمًا الثبات؛ لأنَّ القلب يعتريه شبهات ويعتريه شهوات، فأحيانًا يكون الإنسان مؤمنًا حقًّا ثم يلقي الشَّيطان في قلبه شبهة فيعمى -والعياذ بالله-، ويضل، وأحيانًا يكون الإنسان صالحًا مستقيما على أمر الله فيلقي الشَّيطان في قلبه شهوة فيضل، ويتبع الشهوات، فالقلب السليم: هو السالم من الشبهات والشهوات، فيكون إذا سلم من ذلك مستقيمًا على طاعة الله . ﴿إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَاذَا تَعْبُدُونَ (٨٥)﴾ ﴿إِذْ﴾ نقول فيه كما قلنا في قوله: ﴿إِذْ جَاءَ رَبَّهُ﴾ أنَّه جملة استئنافية لبيان حال إبراهيم ﵊، فكان قلبه سليمًا صالحًا في نفسه، ومع ذلك يحاول إصلاح غيره قال المؤلف ﵀: [موبخًا لهم]، فالاستفهام هنا بمعنى التوبيخ، والتوبيح يستلزم الإنكار عليهم وزيادة، لأنك قد تنكر على الإنسان بدون توبيخ، ولكن إذا وبخته فإن توبيخك مستلزم للإنكار عليهم، قوله: ﴿إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ﴾ سمى الله هذا الأب في سورة الأنعام فقال: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا﴾ [الأنعام: ٧٤] وكان أبوه مشركًا ووعده ﵊ أن يستغفر له، ﴿سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا (٤٧)﴾ [مريم: ٤٧] فاستغفر له، ولكنه لما تبيّن له أنَّه

стр. 191

عدو لله تبرأ منه، ومحاورته بينه وبين أبيه في سورة مريم واضحة كيف كان يخاطبه بالرفق واللين، ولكن ذلك يخاطبه بالشدة والعنف، ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي﴾ [مريم: ٤٦] أي: دعني واتركني ﴿مَلِيًّا﴾ أي زمنًا طويلًا. ﴿مَاذَا تَعْبُدُونَ (٨٥)﴾ أن هذه الجملة استفهامية، ولكن هل (ذا) ملغاة، أو اسم موصول؟ يجوز الوجهان، فإن جعلناها اسمًا موصولًا أعربنا "ما": مبتدأ، و"ذا" خبره، وجعلنا العائد محذوفًا، والتقدير: ما الذي تعبدونه. وإن جعلناها ملغاة فإننا نعرب "ماذا" جميعًا، ونقول: "ماذا" اسم استفهام، مفعول مقدم لتعبدون، أو نقول "ما" اسم استفهام مقدم لتعبدوه و (ذا) لا محل لها من الإعراب، حرف أو بمنزلة الحرف، ليس لها محل من الإعراب، والمعنى أنَّه أنكر عليهم وقال: ما الذي تعبدون؟ هل تعبدون إلهًا حقًّا أو تعبدون إلهًا باطلًا ﴿أَئِفْكًا﴾ قال المؤلف ﵀[في همزتيه ما تقدم] وهو التحقيق، وتسهيل الثَّانية، وإدخال الفاء بينهما في التحقيق والتسهيل، فتكون القراءات أربعًا. يقول: قال المؤلف: [إفكا مفعول له، وآلهة مفعول به لتريدون. والإفك أسوأ الكذب أي تعبدون غير الله]. المؤلف ﵀ أعرب لنا هذه الجملة فقال: إن "إفكًا" مفعول له أي مفعول لأجله، وأن قوله "آلهة" مفعول لتريدون، و"دون الله" صفة لآلهة والاستفهام في قوله: ﴿أَئِفْكًا آلِهَةً﴾ كالذي قبله، يعني أتريدون آلهة غير الله من أجل الإفك

стр. 192

والكذب، ويحملكم على هذا الإفك، وهو أسوأ الكذب. والمعنى: أتريدون آلهة دون الله تعبدونها، فالإرادة هنا بمعنى القصد، والآلهة بمعنى المألوهة أي: المعبودة تريدون ذلك للإفك الذي أفكتموه وهو أسوأ الكذب، ولا شك أن أسوأ الكذب وأظلم الكذب من جعل مع الله إلهًا آخر فإنَّه أكذب الكاذبين، وأظلم الكاذبين، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ (١٣)﴾ [لقمان: ١٣] وهنا قال: ﴿دُونِ اللَّهِ﴾ أي سواه وغيره، وربما تشعر بدون المنزلة أنَّها لا تساوي الله فكيف تريدونها آلهة وتقصدونها. ﴿فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٨٧)﴾ الاستفهام هنا استفهام تهديد على كلام المؤلف، يعني ماذا تظنون أن الله فاعل بكم إذا عبدتم غيره، أتظنون أن يترككم؟ والجواب: لا. ويحتمل أن المعنى إذا اتخذتم مع الله غيره إلهًا فما ظنكم به؟ أتظنون أنَّه يقبل هذه الشركة، فالله لن يقبل، قال الله تعالى: في الحديث القدسي: "أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملًا أشرك فيه معي غيري تركته وشركه" (١). أو ﴿فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٨٧)﴾؟ فما ظنكم بعظمته وجلاله، لو كنتم عظمتموه حق تعظيمه ما أشركتم به غيره. فالاستفهام في قوله: ﴿فَمَا ظَنُّكُمْ﴾ تشمل كل هذه المعاني:

стр. 193

١ - ما ظنكم به أن يترككم هملًا بدون عقاب. ٢ - ما ظنكم به إذا اتخذتم معه غيره أنكم تنقصتموه. ٣ - ما ظنكم به أنَّه يرضى أن تعبدوا معه غيره، كل هذا أمر إن كانوا يظنونه فقد أساءوا الظن بالله، ولم يقدروا الله حق قدره، ولكن هذه الظنون تلزمهم إذا اتخذوا مع الله غيره ولا يمكن أن يفروا عنها. وقوله: ﴿بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٤٧)﴾ سبق لنا أن المراد بالعالم هنا ما سوى الله فكل ما سوى الله فهو عالم، وسُمّوا عالمًا؛ لأنهم علم على الله، فيستدل بمخلوقاته عليه، كما قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ﴾ [فصلت: ٣٧]. ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ (٢٠)﴾ [الروم: ٢٠] ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ (٢٢)﴾ [الروم: ٢٢] إلى آخر ما استدل الله به على نفسه من آياته. فقوله: ﴿بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٨٧)﴾ الربوبية هنا عامة، ولم يقل: ما ظنكم بالله إشارة إلى أن هذه الآلهة المعبودة مربوبة لله ، فكيف تكون معبودة من دونه؟ وقد ضرب الله مثلًا في الإنسان المملوك هل يرضى سيده أن يشاركه أحد فيما يختص به؟ ﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ﴾ [الروم: ٢٨] الجواب: لا، فليس لنا مما ملكت أيماننا من شركاء فيما رزقنا الله.

стр. 194

وتأمل قوله (فيما رزقكم الله) يتبين لك أن هذا رزق الله ومع ذلك يحتكره الأسياد عن العبيد ﴿فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ﴾ وهذا هو محط الاستفهام، والجواب: لا. وإنَّما قلنا: هذا محط الاستفهام؛ لأنهم شركاء فيما رزقهم الله، لكن بقدر القوت والضرورة، فالعبد يشارك سيده، يأكل ويشرب ويلبس كما يفعل السيد، وهذا كله مشاركة في رزق الله لكن هل هم مساوون لأسيادهم في ذلك؟ لا، إذا كان هكذا فلماذا تساوون غير الله مع الله في عبادته؟ فالمهم أنَّه ﵊ أراد إقامة البرهان على أن هذه الآلهة لا تصح أن تكون آلهة؛ لأنَّها مربوبة لله والمربوب عبد لا يصح أن يكون ربًّا. قال المؤلف: ﵀[وكانوا نجامين فخرجوا إلى عيد لهم وتركوا طعامهم عند أصنامهم، زعموا التبرك عليه فإذا رجعوا أكلوه، وقالوا للسيد إبراهيم: أخرج معنا ﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ (٨٨)﴾. إيهامًا لهم أنَّه يعتمد عليها ليعتمدوه]. قوله ﵀[قالوا للسيد إبراهيم]. تسمية إبراهيم ﵊ بالسيد فيه نظر، ولو أنَّه قال: إبراهيم الخليل أو الرسول، أما السيد في هذا المقام فممَّا لم يرد، ولا شك أن إبراهيم ﵊ سيد من سادات الخلق، لكن أن نعبر عنه بهذا الوصف عند ذكره ﵊ وندع وصفه بالرسالة أو بالعبودية فهذا فيه نظر. وهذا الكلام المتقدم الذي ذكر المؤلف أنَّه محذوف من

стр. 195

باب الإيجاز بالحذف يحتاج إلى دليل يثبت أن هؤلاء القوم صنعوا طعامًا ووضعوه عند هذه الأصنام للتبرك عليه، وأنهم أرادوا أن يأكلوه بعد رجوعهم وطلبوا خروج إبراهيم معهم، كل هذا يحتاج إلى دليل، وذكرنا فيما سبق أن قصص الأنبياء السابقين لا يعلمها إلَّا الله ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ﴾ [إبراهيم: ٩] فإذا كان الأمر كذلك فإننا لا نتلقى أخبار هؤلاء إلَّا من الوحي، إمَّا بالكتاب وإما بالسنة، وما جاء من أخبارهم من غير هذا الطَّريق -أي طريق الوحي- فإننا نتوقف فيه ما لم نعلم مناقضته للشرائع، فإن علمنا مناقضته للشرائع وجب علينا رده، فإذًا نقتصر في القصة على ما ذكره الله ، وأن إبراهيم ﵇ في يوم من الأيَّام نظر نظرة في النجوم من أجل محاجة قومه وإظهار عجزهم، فهو كما ذكر الله في سورة الأنعام عن محاجة إبراهيم لقومه لما جنّ عليه الليل رأى كوكبًا فقال: هذا ربي، فلما أفل -أي غاب- قال: لا أحب الآفلين؛ لأنَّ الرب لا يمكن أن يغيب عن مربوبه، فلما غاب هذا النجم علم أنَّه ليس برب، لأن الرب لابد أن يكون له كمال الرِّعاية لمن كان ربًّا له، فلما رأى القمر بازغًا، قال: هذا ربي والقمر أظهر وأبين من الكوكب، فلما أضل قال: ﴿لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ (٧٧)﴾. [الأنعام: ٧٧] وهذا تعريض لقومه بالضلال. فانظر التدرج كيف يكون؟ قال: لا أحب الآفلين، يعني هو تبرأ من ذلك، ثم عرَّض بأن قومه

стр. 196

ضالون ﴿لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ (٧٧)﴾. [الأنعام: ٧٧]. ﴿فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ﴾ [الأنعام: ٧٨] وهو صحيحٌ، فالشمس أعظم من القمر، فلما أفلت قال: يا قوم إنِّي بريء مما تشركون، فأعلن بشركهم وبالبراءة منهم، وهذا من كمال محاجته. فلا يبعد أن تكون هذه الآية ﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ (٨٨)﴾ من جنس المحاجة المذكورة في سورة الأنعام. ﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ (٨٨)﴾ أي: إبراهيم ﵊ نظر نظرة في النجوم، أي: نظر إليها، وإنَّما فعل ذلك؛ لأنَّ قومه كانوا يعبدون النجوم، ويضعون لها الهياكل في الأرض، وأصل العبادة للنجوم، فنظر في هذه النجوم فلما نظر قال: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ (٨٩)﴾ وإنما نظر فيها وهو لا يعتقد ﵊ من باب التورية، وهذا تورية بالفعل، فكما تكون التورية بالقول تكون التورية بالفعل. فالتورية بالقول كثيرة معروفة، التورية بالفعل: أن يري الإنسان غيره أنَّه يرى شيئًا وهو لا يريده، أو أنَّه معرضًا عن شيء وهو قد وضع باله عليه. فهذا من التورية بالفعل، لأنك أظهرت لغيرك خلاف ما يراه، والتورية بالقول أظهرت لغيرك خلاف ما يسمعه، فإبراهيم ﵊ ورّى بالنظر بالنجوم ثم قال: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ (٨٩)﴾. وفسّر المؤلف ﵀ (سقيم) بمعنى سأسقم وهذه

стр. 197

تورية قولية، لأنَّ ظاهر اللفظ (إنِّي سقيم) يعني الآن، ولا أستطيع الخروج معكم، ولكنه يريد سأسقم، لأنَّ اسم الفاعل صالح للزمان الحاضر والزمان المستقبل، فيصح أن تقول: إنِّي حاضر الآن، وإني حاضر غدًا، فلما كان صالحًا للأمرين، ونظر نظرة في النجوم وقال: إنِّي سقيم، تولوا عنه وتركوه وهو يريد ﵊ بفعله هذا أمرًا سيتبين فيما بعد ﴿فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ (٩٠)﴾ ﴿فَرَاغَ إِلَى آلِهَتِهِمْ﴾ أي: مال في خفية إلى آلهتهم وهي الأصنام التي يعبدونها قال المؤلف: [وعندها الطَّعام]. فأخذ المؤلف من قوله: ﴿أَلَا تَأْكُلُونَ (٩١)﴾ أن الطَّعام عندها، لأنَّ عرض الأكل عليهم يدل على أن الأكل كان موجودًا. ﴿فَرَاغَ إِلَى آلِهَتِهِمْ﴾ أي: مال بخفية وانطلق بخفية، والروغان كما هو معروف هو: سرعة الإنسان لكن على وجه لا أحد يَحْس به، فقال: ﴿أَلَا تَأْكُلُونَ (٩١)﴾؟ و"ألا" هنا للعرض، وهذا القول ليس على سبيل الإلزام، ولا يمكن أن يلزمها بأن تأكل لأنَّه يعلم أنَّها لن تأكل، ولكنه قاله على سبيل الاستهزاء والسخرية، وإلزام هؤلاء العابدين بأن هذه الأصنام لا تستحق العبادة، لا لأنها مستغنية عن الطَّعام ولكن لأنها لا تعقل ولا تعلم، والذي لا يعقل ولا يعلم لا يمكن أن يكون معبودًا، ثم إن صح وضع الطَّعام عندها من قبلهم فإن هذا دليل على أنَّها ليست صالحة للألوهية؛ لأنَّ الإله مستغن عن غيره، ولهذا أقام الله تعالى الدليل على أن عيسى ابن مريم وأمه ليس بإلهين بكونهما يأكلان الطَّعام، وأنَّه وحده الإله الحق بكونه يُطْعِم ولا يُطْعَم، فاحتياج ما يعبد إلى

стр. 198

الطعام دليل على نقص وأنه لا يصح أن يكون إلهًا. لكن هم من سخافتهم يجعلون هذا الطعام عندها كأنها تحتاجه وتأكله وتتصرف فيه. ﴿مَا لَكُمْ لَا تَنطِقُونَ﴾ الاستفهام هنا للتحقير، أي أنه يحقرها لكونها لا تنطق، وخاطب هذه الأصنام مخاطبة العقلاء في قوله: ﴿مَا لَكُمْ﴾ ولم يقل: مالكن. تنزلًا مع أصحابها الذين يجعلونها من ذوات العلم وذوات القبول والدفع عنهم. ﴿مَا لَكُمْ لَا تَنطَقُونَ﴾ يعني أي شيء يمنعكم من النطق إن كنتم آلهة؟ فإذا قال قائل: هذا الخطاب لهذه الأصنام هل كان في غيبة عابديها؟ إن قلت: نعم، فما فائدة هذا الخطاب؟ وإن قلت: لا، فكيف الجواب عن قوله: ﴿فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ (٩٠)﴾؟ والجواب: أن نقول: إن عابديها لم ينصرفوا كلهم عنها، بل كان عندها من الحراس ما يقتضي أن يتكلم إبراهيم ﵊ على هذه الأصنام بمثل هذا الكلام، وإلا لو لم يكن عندها أحد لكان كلامه هذا لغوًا لا فائدة منه، لكن عندها من الحراس من يستطيع أن يعلم عنها ما علمه إبراهيم، بسبب أنه عرض عليهم الأكل، وإن هذه لم تنطق، وإذا كانت لم تنطق وليس لها إرادة ولا شعور لم تكن صالحة للعبادة. ﴿فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ (٩٣)﴾ في أول الآيات يقول: ﴿فَرَاغَ إِلَئَالِهَتِهِمْ﴾ أي: مال بخفية و (إلى) للغاية أما هنا فقال ﴿فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا﴾ وإنما قال: "عليهم" دون "إليهم" لوقوع ذلك الضرب على هذه الأصنام ليكسرها ﵊، ﴿فَرَاغَ عَلَيْهِمْ﴾ أي: على هذه الآلهة، وكما أشرت أولًا أنه خاطبها مخاطبة العاقل فأتى بميم

стр. 199

الجمع. ﴿فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ (٩٣)﴾، قوله: "ضربًا" مصدر في موضع الحال، أي: فراغ عليهم ضاربًا باليمين، ويجوز أن تكون مصدرًا لفعل محذوف، والتقدير: فراغ عليهم يضرب ضربًا. وقول المؤلف: ﵀ ﴿باليمين﴾ [بالقوة] لا يتعين، بل يجوز أن يكون باليمين أي باليد اليمنى، وضرب بها لأن اليد اليمين هي آلة العمل غالبًا، ولأن اليد اليمنى أقوى من اليد اليسرى في الغالب، ولهذا تجد من النادر أن يكون بعض الناس أعسر يعمل بيده اليسرى عمله بيده اليمنى، ﴿فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ (٩٤)﴾ لما بلغ قومه ما صنع أقبلوا ﴿إِلَيْهِ يَزِفُّونَ (٩٤)﴾ أي: يسرعون على وجه الجماعات بدليل قوله: ﴿فَأَقْبَلُوا﴾ بالواو فهم أقبلوا إليه مسرعين للإنكار عليه، لماذا كسرها؟ وقد ذكر الله تعالى في سورة الأنبياء عنهم: ﴿قَالُوْا مَن فَعَلَ هَذَا بآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِين﴾ [الأنبياء: ٥٩] فجعلوا ذلك ظلمًا وعدوانًا، فجاءوا يزفون لينتصروا لآلهتهم، وهكذا العابدون للأصنام ينتصرون للأصنام، والأصنام لا يستطيعون نصرهم، لكن هم جند محضرون لها. فهؤلاء أقبلوا يزفون إلى إبراهيم لينتصروا لآلهتهم، ولكنه ﵊ كان قويًّا في ذات الله، ﴿قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ (٩٥)﴾ والاستفهام هنا للتوبيخ والإنكار، والاستهزاء بهم: كيف تعبدون شيئًا أنتم تنحتونه بأيديكم؟ وهل يليق عقلًا أن يكون المعبود مصنوعًا لعابده؟ هذا لا يليق، ولا يفعل هذا إِلَّا أسفه السفهاء. شيء تصنعه أنت بيدك ثم تعبده وتتضرع إليه وتنيب وتتعلق به وترجو منه النفع والضرر، هذا من

стр. 200

السفه، ولكن -والعياذ بالله- الإنسان إذا أعمى الله بصيرته لا يغنيه بصر العين، وكانوا في الجاهلية يفعلون شبه هذا الفعل، كانوا إذا نزلوا أرضًا في سفر جمعوا أربعة أحجار، ثلاثة منها للقدر، وواحدًا للعبادة، فصار هذا الحجر المعبود مساويًا لمناصب القدور، وبعضهم كانوا يعجنون إلهًا من العجوة يعني من التمر، بعبدونه من دون الله، فإذا جاعوا أكلوه، ولم يقولوا: أطعمنا، أو هيئ لنا طعامًا. هو نفسه يؤكل، هذا من السفه، كذلك قوم إبراهيم ﵇ صنعوا أصنامًا بأيديهم ثم صاروا يعبدونها. وقول المؤلف: ﵀[أصنامًا] إشارة إلى أن ﴿تنحتون﴾ تنصب مفعولين: أحدهما: العائد للموصول الذي تقديره: ما تنحتونه، والثاني: هذا المحذوف الذي قدره المؤلف: أتعبدون ما تنحتون أصنامًا. ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعمَلُونَ﴾ قال المؤلف ﵀[من نحتكم ومنحوتكم فأعبدوه وحده، وما مصدرية، وقيل: موصولة، وقيل: موصوفة]. ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ﴾ إذا كان الله هو الخالق فهو أحق بالعبادة، هل الأحق بالعبادة من خلقكم أو من خلقتموه؟ من خلقكم، ولهذا قال: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ (٩٦)﴾ قول المؤلف: [من نحتكم ومنحوتكم]. أتى ﵀ بالمصدر وأتى باسم المفعول من نحتكم إشارة إلى أن (ما) يجوز أن تكون مصدرية، ويجوز أن تكون

стр. 201

موصولة، فإذا جعلناها مصدرية صار التقدير: من نحتكم، وإذا جعلناها موصولة صارت: من منحوتكم. وإذا جعلنا التقدير: والله خلقكم وعملكم، صارت (ما) مصدرية. وإذا جعلنا التقدير: والله خلقكم ومعمولكم، صارت (ما) موصولة. وإذا جعلنا (ما) موصولة فلابد من عائد يعود على (ما) وهو في الآية محذوف؛ أي: وما تعملونه، واللازم واحد على الاحتمالين، فإذا قلنا: إن المعنى "والله خلقكم وعملكم" فإن خالق العمل خالق للمعمول. وإذا جعلنا المعنى "والله خلقكم ومعمولكم"، فإنه إذا كان الله قد خلق المعمول وهم الذين باشروا عمله دل ذلك على خلق العمل وخلق العامل أيضًا. وعلى كل تقدير ففي الآية إقامة الحجة على أن هذه الأصنام لا تصلح أن تكون معبودة؛ لأنها معمولة، وقوله: [وقيل: موصوفة]. الموصوفة هي التي يعبر عنها بالنكرة بالموصوف. يعني خلقكم وصنمًا تعملونه، أو وأصنامًا تعملونها، ولا نقول: والذي تعملون بل نقول: وأصنامًا تعملونها، وأفادنا المؤلف الآن أن لـ (ما) ثلاثة معانٍ: أن تكون مصدرية، وموصولة، وموصوفة، وهذه ثلاثة من عشرة لأن (ما) لها عشرة معاني. محامل ما عشر إذا رمت عدها ... فحافظ على بيت سليم من الشعر ستفهم شرط الوصل فاعجب لنكرها ... بكف ونفي زيد تعظيم مصدر (ستفهم) الاستفهامية مثل: ما هذا؟

стр. 202

(شرط) الشرطية ﴿وَمَا تَفعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يعْلَمْهُ اللَّهُ﴾. [البقرة: ١٩٧] (الوصل): موصولة. (فاعجب): التعجبية مثل: ما أحسن هذا! ! (لنكرها): النكرة الموصوفة. أو النكرة الواصفة. تقول: مررت بما معجب لك، أي بشيء معجب لك. وتقول: عرفته نوعًا ما، يعني نوعًا قليلًا، فهي نكرة واصفة. (بكف) كافة مثل: ﴿إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [النساء: ١٧١] فهنا كفت (ما) عن العمل. (ونفي): نافية: ما حضر زيد. (زيد): زائدة ﴿وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ﴾ [الشورى: ٣٧] ويا طالبًا خذ فائدة: ما بعد إذًا زائدة. (تعظيم) يعني أنها تأتي للتعظيم، وهذه غير التعجب مثل أن تقول: مررت بما مذهل، أي بعظيم مذهل. وربما نقول: إن ما التعجبية فيها نوع من التعظيم فإنها تدل على التعظيم والتعجب. (مصدر): المصدرية ومنه هذه الآية: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعمَلُونَ﴾. [الصافات: ٩٦]. فهذه محامل (ما) عشرة وينبغي لطالب النحو أن يحفظ مثل هذه الأبيات، لأنه تحصل له المعاني. الفوائد: ١ - ﴿وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ (٨٣)﴾ من فوائد هذه الآية

стр. 203

وما بعدها: أن أصل دين الأنبياء واحد، فكلهم شيعة للآخر مقوٍّ لدعوته، ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (٢٥)﴾ [الأنبياء: ٢٥]. أي: رسول كان إِلَّا نوحي إليه أنه لا إله إِلَّا أنا فاعبدون. ٢ - أن الأنبياء وإن طال الزمن بينهم، فإنهم إنما يأتون بالوحي من الله، لأنه إذا طال الزمن تناسى الناس العهد واضمحل وانتهى، ولكن إذا كان بوحي من الله فإنه يتجدد بحسب تجدد هذا الوحي لأن بين إبراهيم ونوح أزمانًا طويلة. ٣ - ومن فوائدها: الثناء على إبراهيم، ﵇ ووجهه أنه كان شيعة لمن كان يدعو إلى توحيد الله ، وكل من كان شيعة لمن يدعو إلى الله فإنه بلا شك محل ثناء. ٤ - ومن فوائد قوله: ﴿إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (٨٤)﴾ الثناء على إبراهيم أيضًا بكونه جاء الله بقلب سليم، وهذه الصفة وإن كانت سلبية لكنها تتضمن كمالًا، لأن القلب إذا سلم من الشبهات والشهوات صار خالصًا لله تعالى: قصدًا وإرادة وعملًا، ففيها الثناء على إبراهيم بسلامة القلب. ٥ - ومن فوائدها: عناية الله بإبراهيم، ﵇ وذلك بإضافة الربوبية إليه ﴿إِذْ جَاءَ رَبَّهُ﴾ وهذه ربوبية خاصة، والربوبية الخاصة تقتضي عناية أكثر من الربوبية العامة، لأن المربوبين بالربوبية العامة شملتهم الرحمة العامة، لكن الربوبية الخاصة يكون لهم الرحمة الخاصة. ٦ - ومن فوائد قوله: ﴿إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَاذَا تَعْبُدُونَ (٨٥)﴾

стр. 204

بيان قوة إبراهيم ﵊ وأنه لم تأخذه في الله لومة لائم، لأن رجلًا يخاطب أباه وقومه بهذه العبارة قوي في ذات الله ، إذ إن العادة أن الإنسان يحابي أباه وقومه، لكن إبراهيم ﵊ لم يحابهم، بل أنكر عليهم، وقال: ﴿مَاذَا تَعْبُدُونَ﴾. ٧ - ومن فوائدها: أن قرب النسب من أهل الخير لا يفيد الإنسان شيئًا، فإبراهيم بالنسبة لأبيه أقرب شيء لأنه بضعة منه، ومع ذلك لم ينتفع به أبوه، بل كان مشركًا، يحاج ولده على ذلك، ويؤيد هذا قوله تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ (١٤) وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا﴾ [لقمان: ١٤، ١٥] فهذا يدل على تباين ما بين الابن والأبوين، حتى إنهما ليجاهدانه على الإشراك بالله، ومع ذلك قال الله تعالى: ﴿عِلْمٌ فَلَا﴾. ٨ - ومن فوائدها: صحة نسبة القوم إلى الرسول وإن كذبوه، لقوله: ﴿إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ﴾ والانتساب بالنسب لا يعني التبرؤ من الدين فيصح أن ينتسب الإنسان إلى أبيه الكافر، ولا يقال: إن هذا من باب الموالاة، بل هذا من باب الحقيقة، والنسب لا يزول باختلاف الدين أبدًا، وانظر إلى قوله تعالى للنبي ﷺ : ﴿وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ﴾ [الأنعام: ٦٦] فأضافهم إليه مع نسبة تكذيبه إليهم، وهذا يدل على أن الإنسان قد يكون من قوم كافرين وينسب إليهم، وأن ذلك لا يخدش في دينه. ٩ - ومن فوائدها: سفه هؤلاء القوم حيث كانوا يعبدون مع

стр. 205

الله غيره، ولهذا أنكر عليهم من كان من أعقل الخلق إبراهيم ﵊ فقال: ﴿مَاذَا تَعْبُدُونَ﴾؟ وقد أرشد الله إلى هذا في قوله: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ [البقرة: ١٣٠] وملة إبراهيم هي الحنيفية المبنية على الإخلاص، فكل من خالف ذلك فقد سفه نفسه، أي: أوقعها في السفه، الذي هو ضد الرشد والعقل. ١٠ - ومن فوائد قوله: ﴿أَئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ﴾ أن كل من زعم أن مع الله إلهًا يعبده فهو آفك كاذب، لقوله: ﴿أَئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ﴾. ١١ - ومن فوائدها: أن دعوى كون هذه آلهة لا يعطيها سمة الألوهية؛ لأن الكذب لا يقلب الحقائق عن أصلها، فلو قلت مثلًا: قدم زيد، وهو لم يقدم لم يكن قادمًا، فهذه الآلهة وإن جعلوها آلهة لن تكون آلهة، كما قال الله تعالى في آية أخرى: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴾ [النجم: ٢٣]. ١٢ - ومن فوائدها: أن عابدي الآلهة من دون الله يقصدونها قصدًا حقيقيًّا بقلوبهم، كما يتجهون إليها بجوارحهم ولهذا قال: ﴿دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ﴾. فليسوا يعبدونها مجرد عادة، ولكنهم يعبدونها قصدًا وعبادة، حتى إنهم نسوا الله . ١٣ - ومن فوائد قوله: ﴿فَمَا ظَنُّكُمْ بَربِّ العَالَمَينَ﴾؟ الإنكار الشديد من إبراهيم ﵊ على قومه،

стр. 206

حيث سألهم موبخًا لهم: ما الذي تظنونه برب العالمين إذا عبدتم غيره؟ هل تظنونه ناقصًا لا يستحق أن يعبد وحده؟ هل تظنونه غافلًا عن عملكم فيدعكم بدون عقوبة؟ هل تظنونه يرضى بأن يُعبد معه غيره؟ كل هذا لم يكن، فظنكم ظنٌّ خاطئ. ١٤ - ومن فوائدها: عموم ربوبية الله لقوله: ﴿بَربِّ العَالَمِينَ﴾. ١٥ - ومن فوائدها: إقامة الحجة على الخصم بما لا ينكره لقوله: ﴿بَربِّ العَالَمِينَ﴾ لأن العالم تشمل حتى آلهتهم التي يعبدونها، فإذا كانت آلهتهم مربوبة فكيف يمكن أن تكون معبودة؟ هذا تناقض، وقد مرّ علينا أن من أقر بانفراد الله بالربوبية لزمه أن يقر بانفراده بالألوهية وإلا صار متناقضًا. إذ لا يستحق العبادة إِلَّا الرب الخالق المالك المدبر، ومن لم يكن كذلك فإنه لا يستحق أن يُعبد. ١٦ - ومن فوائدها: أن الخلق علم وآية ودليل على خالقهم، والخلق باعتبار كونه آية على وجود الله وقدرته وكمال سلطانه وتدبيره أمر معلوم، لكن قد يكون آية على معنى خاص، فمثلًا نزول المطر آية على الرحمة، والنكبات والخوف والنقص في الأموال والأنفس آية على عقوبته وغيرته وانتقامه ممن عصاه، فهناك معنىً عامًا تشترك فيه جميع الآيات، وهو كونها دالة على وجود الخالق وكمال ربوبيته وسلطانه، وأنه لا يعارضه شيء من هذه المخلوقات. وهناك معنىً خاصًّا للآية وما تدل عليه بعينها، كدلالة

стр. 207

الغيث على الرحمة، ودلالة الجدب على الانتقام ممن عصاه. ١٧ - ومن فوائد قوله تعالى: ﴿فَنَظَرَ نَظرَةً فِي النُّجُومِ﴾ جواز التورية، وهي أن يظهر للمخاطب ما لا يريده، ويفهم منه المخاطب معنىً غير المراد، والتورية قد تكون واجبة، وقد تكون مستحبة، وقد تكون جائزة، وقد تكون مكروهة، وقد تكون محرمة، فتجري فيها الأحكام الخمسة. فإذا توقف على التورية إنقاذ معصوم من هلكة صارت واجبة، مثل أن يأتي شخص ظالم يسأل عن إنسان يريد أن يقتله وأنت تعرف مكان هذا الإنسان فهنا يجب عليك أن توري، لأن في ذلك إنقاذًا للمعصوم من الهلاك، وقد تكون مستحبة كما لو سألك سائل عن عمل صالح عملته تخشى أن تقع في الرياء إن أخبرته به فهنا التورية مستحبة. وقد تكون مباحة، كما لو ورّيت على شخص يريد منك شيئًا لا تريد أن تعطيه، مثل أن يقول: يا أخي أقرضني مثلًا مئة ألف ريال. وأنت تعرف أن هذا الرجل مماطل لا يفي بالواجب، فهنا تكون التورية مباحة. وقد تكون مكروهة كما إذا كانت لغير سبب، فالصحيح أنها مكروهة لما يخشى فيه من نسبة الإنسان إلى الكذب؛ لأن الإنسان إذا ورّى ثم ظهر الأمر على خلاف ما فهمه السامع نسبه إلى الكذب، فهذه مكروهة لا يبيحها إِلَّا السبب. وقد تكون محرمة كما لو تخاصم رجلان إلى القاضي فادّعى أحدهما على الآخر بدعوى، فالمدعي عليه البينة، والمنكر عليه اليمين، فعجز المدعي عن البينة فحلف المدعى

стр. 208

عليه عند القاضي وقال: والله ما له عندي شيء. فالقاضي في مثل هذا التعبير يفهم براءة هذا المدعى عليه. والمدعى عليه أراد بما أن تكون اسم موصول. يعني: "والله الذي له عندي شيء". هذه التورية نقول: إنها حرام، لأنها تتضمن جحد الحق الواجب عليه أداؤه. فإذا قال قائل: ما الأصل فيها الإباحة أو الكراهة؟ فالأقرب أن الأصل فيها الكراهة، ولكن قد تكون مباحة، وقد تكون مستحبة، وقد تكون واجبة، وقد تكون حرامًا. ١٨ - ومن فوائدها: جواز إسناد الوصف إلى الإنسان باعتبار المستقبل، تؤخذ من قوله: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ فإنه الآن ليس بسقيم، لكن كل إنسان عرضة لأن يسقم، على أنه يمكن أن يريد بقوله إني سقيم أي ضعيف باعتبار قوله تعالى: ﴿وَخُلِقَ الْإِنسَانُ ضَعِيفًا﴾. [النساء: ٢٨] فيكون الوصف هنا حاليًّا. ١٩ - ومن الفوائد في قوله: ﴿فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِريِنَ﴾ أن هؤلاء القوم لما قال لهم هذا القول، وبعد أن نظر نظرة في النجوم اقتنعوا، فيتفرع على ذلك أن الإنسان المبطل قد يقتنع بالشيء ولو كان باطلًا في حقيقته وهو كذلك، فالإنسان المبطل إذا ورّى له في باطله ظن أنه حق فأخذ به واعتبره. ٢٠ - ومن فوائد قوله تعالى: ﴿فَرَاغَ إِلَى آلِهَتِهِمْ فَقَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ (٩١)﴾ إلى آخر الآيات بيان قوة إبراهيم -كما سبق- ما ذهب بسرعة وخفاء إلى هذه الآلهة ليكسرها، ولكنه ﵊ لم يكسرها إِلَّا بعد أن أقام البينة على من كان عندها بأن

стр. 209

هذه الآلهة لا تصلح أن تكون آلهة. لأنها لا تعقل، لا تنطق، ولا تعرف ما ينفعها ولا تجلب لنفسها نفعًا، فلغيرها من باب أولى، ولهذا قال: ﴿أَلَا تَأْكُلُونَ (٩١) مَا لَكُمْ لَا تَنْطِقُونَ﴾. ٢١ - ومن فوائدها: جواز التورية كما سبق؛ لأنه ﵊ يعلم أن هذه الأصنام لا تأكل ولا تنطق، لكن أراد بهذا السؤال إقامة الحجة على من كانوا عندها يحرسونها وينتصرون لها: بأن هذه الأصنام غير صالحة للعبادة؛ لأنها لا تعرف ما ينفعها ولا يضرها، ولا تجلب لنفسها نفعًا ولا تدفع عن نفسها ضررًا. ٢٢ - ومن فوائد قوله تعالى: ﴿فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ﴾ بيان قوة إبراهيم ﵊. ٢٣ - ومن فوائدها أيضًا: أنه ينبغي للإنسان إذا عمل عملًا أن يكون فيه جادًّا وحازمًا، فيفعله بقوة لا بتوان وكسل، خلاف لما يقوم به بعض الناس من الأعمال، حيث تجده يواجه عمله بضعف وتوانٍ وكسل. والإنسان في الحقيقة مع نفسه على ما اعتاد، إذا اعتاد الحزم والقوة وألا يدع عملًا لوقت مستقبل صار حازمًا في أعماله مدركًا لآماله، أما إذا كان كسولًا متهاونًا يقول: أدع هذا الشيء إلى غدٍ. فإن الأعمال سوف تتراكم عليه، وسوف يجد في النهاية أنه عاجز عنها، لأنه إذا أخر عمل يوم إلى غد اجتمع عليه غدًا عملان: عمل الماضي وعمل الحاضر، فإن أخَّره مرة أخرى اجتمع عليه ثلاثة أعمال، وهكذا حتى يعجز ويكل، ولهذا منع

стр. 210

الإنسان الذي عليه قضاء رمضان أن يؤخره إلى ما بعد رمضان الثاني؛ لأنه إذا أخره إلى الثاني تراكمت عليه الديون ثم عجز بالتالي عن قضاء هذه الديون. ٢٤ - ومن فوائد الآية الكريمة في قوله تعالى: ﴿فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ (٩٤)﴾ بيان شدة انتصار هؤلاء لآلهتهم لأن قوله: ﴿فَأَقْبَلُواْ﴾ يدل على الترتيب والتعقيب والسببية أيضًا، أي: بسبب ما عمل بهذه الآلهة أقبلوا إليه ﴿يَزِفُّونَ﴾. والفاء تدل على الترتيب والتعقيب، ففيها دليل على شدة انتصار هؤلاء لآلهتهم مع بطلان هذه الآلهة. ٢٥ - ومن فوائدها: أن الاجتماع له أثر حتى في الباطل لقوله: ﴿فَأقبَلُواْ إِلَيْهِ﴾ يعني جميعًا، والناس إذا اجتمعوا صار بعضهم لبعض ظهيرًا. ومعلوم أن الإنسان ينتصر ويقوى بغيره. ٢٦ - ويتفرع على هذه الفائدة أن الإنسان إذا أراد عملًا مهمًّا وخشي أن يعجز عنه بنفسه فالأفضل أن يستعين بغيره ولا يقول: إن هذا استعانة بغير الله تعالى، لأن الله قال لنبيه محمد ﷺ : ﴿هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤمِنِينَ (٦٢) وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ﴾ [الأنفال: ٦٢ - ٦٣] ولا يعد هذا نقصًا في التوكل على الله ؛ لأن النبي ﵊ سيد المتوكلين، ومع ذلك فإن الله تعالى قال له: ﴿هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بنَصْرِهِ وَبِالْمُؤمِنِينَ﴾. [الأنفال: ٦٢] وقال ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾. [آل عمران: ١٥٩]. وهذه مسألة يغفل عنها بعض الناس، تجده يهم بالأمر

стр. 211

العظيم ولكن لا يتخذ له مناصرًا، هذا التصرف فيه نظر ولكن يجب أن تراعى الحكمة في هؤلاء المناصرين، هل الحكمة أن يذهبوا جميعًا، أو أن يتفقوا على رأي وإن تفرقوا في الذهاب؟ أقول: إنه يجب أن تستعمل الحكمة هنا؛ لأنه قد يكون من الحكمة أن يذهبوا جميعًا، وقد يكون من الحكمة أن يذهبوا متفرقين لكن يتفقون على رأي واحد، وهذه ترجع في الواقع إلى العمل الذي يريدون الاتفاق عليه، وإلى المواجه التي يريدون أن يواجهوه. فإن بعض الناس قد يتأثر بالجماعة الكثيرة، ويخضع لهم، وبعض الناس قد تأخذه العزة بالإثم، ويظن أن هذا من باب التظاهر عليه، فلا يقبل منهم صرفًا ولا عدلًا. والمهم أن الاجتماع على الشيء سبب للعزة والانتصار، ولكن كيف يعالج الشيء الذي اجتمعنا عليه؟ هل يعالج على سبيل الاجتماع أو الانفراد؟ هذا يرجع إلى ما تقتضيه الحال، والإنسان ينبغي أن يستعمل الحكمة في ذلك. ٢٧ - من فوائدها: أن أهل الباطل يسرعون إلى نيل غرضهم لقوله: ﴿فَأَقْبَلُواْ إِلَيْهِ يَزِفُّونَ﴾، وإذا كان أهل الباطل يسرعون إلى نيل غرضهم فينبغي أن يكون أهل الحق أسرع منهم؛ لأن أهل الحق منصورون وأهل الباطل مخذولون. ٢٨ - ومن فوائدها: أن هؤلاء القوم ينتصرون لأصنامهم ومعبوداتهم مع أنها باطلة، فينبغي أن يكون أهل الحق الذين ينتصرون لله أشد منهم انتصارًا في دين الله -سبحانه

стр. 212

وتعالى-، وإذا نظرت إلى واقع المسلمين اليوم وجدت أنهم متفرقون، فكل عالم لا يأوي إلى عالم ولا يشاوره ولا يأخذ برأيه، بل إنه مع الأسف ربما يضاده في رأيه مع علمه بأنه على حق، لكن يكون فيه شبه من اليهود الذين حسدوا العرب على ما أعطاهم الله من النبوة العظيمة التي جعلها فيهم، فإن اليهود كانوا يستفتحون على الذين كفروا ويؤملون النصر عليهم باتباع محمد ﷺ فلما جاء محمد كفروا بمحمد؛ لأنهم يظنون أنه يأتي من بني إسرائيل وأتى من العرب، وهم يظنون هذا تمنيًا وإلا فهم يعرفون النبي ﷺ كما يعرفون أبناءهم. ٢٩ - ومن فوائد قوله تعالى: ﴿أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحْتُونَ﴾ الإنكار على أهل الباطل بباطلهم عن طريق العقل، والاحتجاج على أهل الباطل بباطلهم عن طريق العقل، أي كيف تنحتونه أنتم وتصنعونه أنتم، ثم بعد ذلك تعبدونه أليس الأولى من الناحية العقلية أن يكون هذا المنحوت هو الذي يعبدكم، لأنكم أنتم الذين نحتموه وأوجدتموه، ولكن عقولهم منتكسة فصار الأمر بالعكس يعبدون ما ينحتون. ٣٠ - ومن فوائد الآية الكريمة: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ إقامة الدليل على أن الله وحده هو الذي يستحق أن يعبد لقوله: ﴿خلقكم﴾ الخالق هو الذي يجب أن يُعبد. كيف تعبد من لم يخلقك وتدع من خلقك؟ أو تعبد من لم يخلقك مشركًا له مع من خلقك؟ ولهذا أقام الله البرهان على أنه لا يصح أن يعبد سواه في قوله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ

стр. 213

وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة: ٢١] ولم يقل: اعبدوا الله، إقامة للدليل عليهم بالربوبية. ٣١ - ومن فوائدها: أن أعمال العباد مخلوقة لله لقوله: ﴿خَلَقَكُمْ وَمَا تَعمَلُونَ﴾ سواء جعلنا (ما) مصدرية، أم موصولة، إن جعلناها مصدرية فالأمر واضح: خلقكم وخلق عملكم، وإن جعلناها موصولة فلأن خلق المعمول فرع عن خلق العمل، فإذا كان معمولك الذي باشرت أنت عمله مخلوق لله فكيف بعملك الذي كان من عند الله، وفي هذه الآية رد على القدرية الذين أنكروا أن يكون لله شأن في أعمال بني آدم، وقالوا: إن الإنسان مستقل بعمله، وليس لله فيه إرادة ولا خلق. ٣٢ - وفي الآية رد على الجبرية الذين يقولون: إن الإنسان مجبر على عمله، لقوله: ﴿تَعْمَلُونَ﴾ حيث أضاف العمل إليهم، وإضافة العمل إلى الإنسان تقتضي أنه هو العامل وهو الفاعل حقيقة وهو كذلك. فالإنسان حقيقة هو الذي يعمل ويفعل ويريد ويختار، ففي الآية الكريمة رد على الطائفتين المنحرفتين، وأهل السنة والجماعة قالوا: إن الإنسان له قدرة واختيار وإيجاد لعمله، ولكن الذي خلقه وخلق هذه القدرة والإرادة هو الله، ففعله يضاف إلى الله خلقًا وتقديرًا، ويضاف إليه إيجادًا ومباشرة، فهو مضاف إلى العبد باعتبار، ومضاف إلى الله باعتبار آخر. ٣٣ - ومن فوائدها: ما سبقت الإشارة إليه وهو إقامة الحجة على أهل الباطل بباطلهم عن طريق العقل، فإذا كان الله خلقهم

стр. 214

وخلق ما يعملون فكيف يعبدون هذا المخلوق لله ويجعلونه شريكًا مع الله في العبادة؟ ! * * * ﴿قَالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ (٩٧)﴾ أي: قال بعضهم لبعض: ﴿ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا﴾. الأمر هنا إن كان من الرؤساء فهو أمر حقيقي، وإن كان من غير الرؤساء أو من الرؤساء بعضهم لبعض فهو أمر مشورة والتزام، وليس أمر إلزام، وذلك لأن أمر الإلزام إنما يكون من الأعلى إلى من دونه. وقالوا: ﴿ابْنُوا لَهُ﴾ اللام هنا ليست للملك، ولكنها للتعليل أي ابنوا لأجله بنيانًا، هذا البنيان بنوه من أجل أن يملؤوه حطبًا ثم يوقدوه على إبراهيم ﵊، فبنوا بنيانًا وأضرموا النار في الحطب، كما أشار بعضهم على بعض، ﴿فَأَلْقُوُه فِي الْجَحِيمِ﴾ يقول المؤلف: [ابنوا له بنيانًا فاملؤوه حطبًا وأضرموه بالنار، فإذا التهب فألقوه في الجحيم في النار الشديدة]، قوله: ﴿ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ﴾ هذه الآية فيها إيجاز حذف قدره المفسر، التقدير: [فاملؤوه حطبًا وأضرموه بالنار، فإذا التهب فألقوه في الجحيم]، وفي الإتيان بالفاء عقب قوله: ابنوا له بنيانًا، وحذف ما توسط بينهما إشارة إلى أنهم أرادوا الإسراع العظيم في هذا الأمر، كأنهم قالوا: ابنوا بنيانًا وألقوه مباشرة، وليس يلقى بالبنيان فقط ليتمتع فيه، ولكن بعد إيقاد النار فيه، وإنما أرادوا بهذا الإسراع والمبادرة كأنهم طووا ذكر ما بين البناء والإلقاء لعدم وجوده من سرعة المبادرة. ويدل بذلك أيضًا قوله: ﴿فَألْقُوهُ﴾ والفاء تدل على الترتيب

стр. 215

والتعقيب، قال: ﴿فِي الْجَحِيمِ﴾ أي النار الشديدة. ففعلوا ذلك وألقوه في النار، ولكن خالق النار قال للنار: ﴿كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾، [الأنبياء: ٦٩] فكانت بردًا وسلامًا عليه، لم تكن بردًا شديدة البرودة حتى يهلك، ولم تكن حارة، بل كانت على عكس ما يريد به الأعداء أرادوا بالنار أن تكون حارة مهلكة، والله أراد أن تكون باردة مسلّمة، ﴿كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ [الأنبياء: ٦٩] فكانت بردًا وسلامًا عليه، وهنا نقف لنبين أن بعض المفسرين قالوا: إنه في تلك اللحظة صارت جميِع النيران في جميع أقطار الدنيا باردة، ولكن هذا قول ضعيف جدًّا، مخالف للقرآن، لأن الله تعالى قال: ﴿يا نار﴾ وهذا النداء يكون موجه للمقصود بالنداء، ولهذا يسميها أهل النحو: نكرة مقصودة، فالمراد تلك النار التي خوطبت فقط، فصارت تلك النار التي خوطبت بردًا وسلامًا، وأما الزعم أن جميع النيران في جميع أقطار الدنيا صارت بردًا مخالف لظاهر القرآن، وليس له أي فائدة. ﴿فَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَسْفَلِينَ (٩٨)﴾. الكيد في الأصل: "التوصل إلى الإيقاع بالخصم من حيث لا يدري" والكيد والمكر والخداع بمعنى واحد، أو بمعنى متقارب، لكنها كلها تدل على أن الإنسان يوقع خصمه من حيث لا يشعر، هذا في الأصل، قال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا (١٥) وَأَكِيدُ كَيْدًا (١٦)﴾ [الطارق: ١٥ - ١٦] ولكنهم هم أرادوا بذلك إهلاكًا لإبراهيم ﵊.
следующие страницы →