العظيم ولكن لا يتخذ له مناصرًا، هذا التصرف فيه نظر ولكن يجب أن تراعى الحكمة في هؤلاء المناصرين، هل الحكمة أن يذهبوا جميعًا، أو أن يتفقوا على رأي وإن تفرقوا في الذهاب؟ أقول: إنه يجب أن تستعمل الحكمة هنا؛ لأنه قد يكون من الحكمة أن يذهبوا جميعًا، وقد يكون من الحكمة أن يذهبوا متفرقين لكن يتفقون على رأي واحد، وهذه ترجع في الواقع إلى العمل الذي يريدون الاتفاق عليه، وإلى المواجه التي يريدون أن يواجهوه.
فإن بعض الناس قد يتأثر بالجماعة الكثيرة، ويخضع لهم، وبعض الناس قد تأخذه العزة بالإثم، ويظن أن هذا من باب التظاهر عليه، فلا يقبل منهم صرفًا ولا عدلًا.
والمهم أن الاجتماع على الشيء سبب للعزة والانتصار، ولكن كيف يعالج الشيء الذي اجتمعنا عليه؟ هل يعالج على سبيل الاجتماع أو الانفراد؟ هذا يرجع إلى ما تقتضيه الحال، والإنسان ينبغي أن يستعمل الحكمة في ذلك.
٢٧ - من فوائدها: أن أهل الباطل يسرعون إلى نيل غرضهم لقوله: ﴿فَأَقْبَلُواْ إِلَيْهِ يَزِفُّونَ﴾، وإذا كان أهل الباطل يسرعون إلى نيل غرضهم فينبغي أن يكون أهل الحق أسرع منهم؛ لأن أهل الحق منصورون وأهل الباطل مخذولون.
٢٨ - ومن فوائدها: أن هؤلاء القوم ينتصرون لأصنامهم ومعبوداتهم مع أنها باطلة، فينبغي أن يكون أهل الحق الذين ينتصرون لله أشد منهم انتصارًا في دين الله -سبحانه
стр. 212
وتعالى-، وإذا نظرت إلى واقع المسلمين اليوم وجدت أنهم متفرقون، فكل عالم لا يأوي إلى عالم ولا يشاوره ولا يأخذ برأيه، بل إنه مع الأسف ربما يضاده في رأيه مع علمه بأنه على حق، لكن يكون فيه شبه من اليهود الذين حسدوا العرب على ما أعطاهم الله من النبوة العظيمة التي جعلها فيهم، فإن اليهود كانوا يستفتحون على الذين كفروا ويؤملون النصر عليهم باتباع محمد ﷺ فلما جاء محمد كفروا بمحمد؛ لأنهم يظنون أنه يأتي من بني إسرائيل وأتى من العرب، وهم يظنون هذا تمنيًا وإلا فهم يعرفون النبي ﷺ كما يعرفون أبناءهم.
٢٩ - ومن فوائد قوله تعالى: ﴿أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحْتُونَ﴾ الإنكار على أهل الباطل بباطلهم عن طريق العقل، والاحتجاج على أهل الباطل بباطلهم عن طريق العقل، أي كيف تنحتونه أنتم وتصنعونه أنتم، ثم بعد ذلك تعبدونه أليس الأولى من الناحية العقلية أن يكون هذا المنحوت هو الذي يعبدكم، لأنكم أنتم الذين نحتموه وأوجدتموه، ولكن عقولهم منتكسة فصار الأمر بالعكس يعبدون ما ينحتون.
٣٠ - ومن فوائد الآية الكريمة: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ إقامة الدليل على أن الله وحده هو الذي يستحق أن يعبد لقوله: ﴿خلقكم﴾ الخالق هو الذي يجب أن يُعبد.
كيف تعبد من لم يخلقك وتدع من خلقك؟ أو تعبد من لم يخلقك مشركًا له مع من خلقك؟ ولهذا أقام الله البرهان على أنه لا يصح أن يعبد سواه في قوله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ
стр. 213
وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة: ٢١] ولم يقل: اعبدوا الله، إقامة للدليل عليهم بالربوبية.
٣١ - ومن فوائدها: أن أعمال العباد مخلوقة لله لقوله: ﴿خَلَقَكُمْ وَمَا تَعمَلُونَ﴾ سواء جعلنا (ما) مصدرية، أم موصولة، إن جعلناها مصدرية فالأمر واضح: خلقكم وخلق عملكم، وإن جعلناها موصولة فلأن خلق المعمول فرع عن خلق العمل، فإذا كان معمولك الذي باشرت أنت عمله مخلوق لله فكيف بعملك الذي كان من عند الله، وفي هذه الآية رد على القدرية الذين أنكروا أن يكون لله شأن في أعمال بني آدم، وقالوا: إن الإنسان مستقل بعمله، وليس لله فيه إرادة ولا خلق.
٣٢ - وفي الآية رد على الجبرية الذين يقولون: إن الإنسان مجبر على عمله، لقوله: ﴿تَعْمَلُونَ﴾ حيث أضاف العمل إليهم، وإضافة العمل إلى الإنسان تقتضي أنه هو العامل وهو الفاعل حقيقة وهو كذلك.
فالإنسان حقيقة هو الذي يعمل ويفعل ويريد ويختار، ففي الآية الكريمة رد على الطائفتين المنحرفتين، وأهل السنة والجماعة قالوا: إن الإنسان له قدرة واختيار وإيجاد لعمله، ولكن الذي خلقه وخلق هذه القدرة والإرادة هو الله، ففعله يضاف إلى الله خلقًا وتقديرًا، ويضاف إليه إيجادًا ومباشرة، فهو مضاف إلى العبد باعتبار، ومضاف إلى الله باعتبار آخر.
٣٣ - ومن فوائدها: ما سبقت الإشارة إليه وهو إقامة الحجة على أهل الباطل بباطلهم عن طريق العقل، فإذا كان الله خلقهم
стр. 214
وخلق ما يعملون فكيف يعبدون هذا المخلوق لله ويجعلونه شريكًا مع الله في العبادة؟ !
* * *
﴿قَالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ (٩٧)﴾ أي: قال بعضهم لبعض: ﴿ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا﴾. الأمر هنا إن كان من الرؤساء فهو أمر حقيقي، وإن كان من غير الرؤساء أو من الرؤساء بعضهم لبعض فهو أمر مشورة والتزام، وليس أمر إلزام، وذلك لأن أمر الإلزام إنما يكون من الأعلى إلى من دونه. وقالوا: ﴿ابْنُوا لَهُ﴾ اللام هنا ليست للملك، ولكنها للتعليل أي ابنوا لأجله بنيانًا، هذا البنيان بنوه من أجل أن يملؤوه حطبًا ثم يوقدوه على إبراهيم ﵊، فبنوا بنيانًا وأضرموا النار في الحطب، كما أشار بعضهم على بعض، ﴿فَأَلْقُوُه فِي الْجَحِيمِ﴾ يقول المؤلف: [ابنوا له بنيانًا فاملؤوه حطبًا وأضرموه بالنار، فإذا التهب فألقوه في الجحيم في النار الشديدة]، قوله: ﴿ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ﴾ هذه الآية فيها إيجاز حذف قدره المفسر، التقدير: [فاملؤوه حطبًا وأضرموه بالنار، فإذا التهب فألقوه في الجحيم]، وفي الإتيان بالفاء عقب قوله: ابنوا له بنيانًا، وحذف ما توسط بينهما إشارة إلى أنهم أرادوا الإسراع العظيم في هذا الأمر، كأنهم قالوا: ابنوا بنيانًا وألقوه مباشرة، وليس يلقى بالبنيان فقط ليتمتع فيه، ولكن بعد إيقاد النار فيه، وإنما أرادوا بهذا الإسراع والمبادرة كأنهم طووا ذكر ما بين البناء والإلقاء لعدم وجوده من سرعة المبادرة.
ويدل بذلك أيضًا قوله: ﴿فَألْقُوهُ﴾ والفاء تدل على الترتيب
стр. 215
والتعقيب، قال: ﴿فِي الْجَحِيمِ﴾ أي النار الشديدة. ففعلوا ذلك وألقوه في النار، ولكن خالق النار قال للنار: ﴿كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾، [الأنبياء: ٦٩] فكانت بردًا وسلامًا عليه، لم تكن بردًا شديدة البرودة حتى يهلك، ولم تكن حارة، بل كانت على عكس ما يريد به الأعداء أرادوا بالنار أن تكون حارة مهلكة، والله أراد أن تكون باردة مسلّمة، ﴿كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ [الأنبياء: ٦٩] فكانت بردًا وسلامًا عليه، وهنا نقف لنبين أن بعض المفسرين قالوا: إنه في تلك اللحظة صارت جميِع النيران في جميع أقطار الدنيا باردة، ولكن هذا قول ضعيف جدًّا، مخالف للقرآن، لأن الله تعالى قال: ﴿يا نار﴾ وهذا النداء يكون موجه للمقصود بالنداء، ولهذا يسميها أهل النحو: نكرة مقصودة، فالمراد تلك النار التي خوطبت فقط، فصارت تلك النار التي خوطبت بردًا وسلامًا، وأما الزعم أن جميع النيران في جميع أقطار الدنيا صارت بردًا مخالف لظاهر القرآن، وليس له أي فائدة.
﴿فَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَسْفَلِينَ (٩٨)﴾.
الكيد في الأصل: "التوصل إلى الإيقاع بالخصم من حيث لا يدري" والكيد والمكر والخداع بمعنى واحد، أو بمعنى متقارب، لكنها كلها تدل على أن الإنسان يوقع خصمه من حيث لا يشعر، هذا في الأصل، قال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا (١٥) وَأَكِيدُ كَيْدًا (١٦)﴾ [الطارق: ١٥ - ١٦] ولكنهم هم أرادوا بذلك إهلاكًا لإبراهيم ﵊.
стр. 216
ويحتمل أنهم لما بنوا هذا البناء والنار في وسطه لا تشاهد فيظن الإنسان إذا رآه أنه قصر فيقدم على أن يستسلم للإلقاء، لأنه اعلم ما في جوفه لكان يهرب أو يدافع، فيكون هذا معنى الكيد أَي أنهم لم يشقوا الأرض كما فعل أصحاب الأخدود ويضعوا فيها الحطب ويوقدوه، ولكن بنوا بنيانًا من رآه من الخارج ظن أنه منزل سكن، ولكنه في الواقع حسب صنعهم نار تتأجج. فيمكن أن يقال: إن هذا هو المراد من قولهم: ﴿كَيْدًا﴾ لأن الكيد كما أسلفنا هو التوصل إلى الإِيقاع بالخصم من حيث لا يشعر، ولكن الله تعالى جعلهم ﴿الأَسْفَلِينَ﴾ وذلك بعدم نيل مرادهم بخروج إبراهيم سالمًا، فكان العلو له من وجهين:
الوجه الأول: أنه سلم مما أرادوا من إهلاكه.
الوجه الثاني: أن الله أكرمه بأمر لم يكن معهودًا عند البشر، وهو سلامته من النار التي ظنوا أنها ستحرقه، فصاروا أسفلين من هذين الوجهين أنه سلم، وأن الله تعالى أكرمه بأمر لم يكن معهودًا، وهذا بلا شك يوجب أن يكون عاليًا عليهم، بل عاليًا علوًّا بالغًا؛ لأنه قال: ﴿الْأَسْفَلِينَ﴾ والأسفلين هذه اسم تفضيل أي البالغ في السفل غايته.
الفوائد:
١ - شدة كيد هؤلاء المكذبين لإبراهيم ﵊، حيث أروا الناس أنهم يبنون له بنيانًا دون أن يروه أنهم يريدون أن يحرقوه، لقوله: ﴿فَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا﴾.
٢ - من فوائدها: أن النار التي أضرموها في هذا البنيان
стр. 217
كانت عظيمة، لقوله: ﴿فِى الْجَحِيمِ﴾ والجحيم هي النار العظيمة.
٣ - ومن فوائدها: عتوهم لأنهم قالوا: ألقوه، والإلقاء يدل على العنف وعدم الرحمة، وهم كذلك إذ لو كانوا يريدون رحمته ما هموا بإحراقه.
٤ - ومن فوائدها أيضًا: أن نيتهم هذه نية عدوان، لأنه قالوا ﴿ابْنُواْ لَهُ﴾ واللام ذكرنا أنها للتعليل، يعني ما بنوا هذا البنيان إِلَّا بهذه النية السيئة.
ومن فوائد قوله تعالى: ﴿فَأَرَادُوا بِهِ كيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الأَسْفَلينَ﴾.
١ - بيان ما يكنه أعداء الإسلام للمسلمين وللإسلام من إرادة الكيد بالإسلام وأهله، وهذا كما أنه في الأمم السابقة فيكون في الأمم اللاحقة، لقول الله تعالى: ﴿كَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِّنَ الْمُجْرِمِينَ﴾ [الفرقان: ٣١].
٢ - ومن فوائدها: الرد على الجبرية لقوله: ﴿فَأَرَادُواْ بِهِ كَيْدًا﴾ والجبرية ينفون أن يكون للإنسان إرادة في فعله، لأنهم يرون أن الإنسان مجبر على الفعل، وأن فعله الواقع بإرادته كفعله الواقع بغير إرادته، والكل عندهم سواء.
٣ - ومن فوائد الآية الكريمة: أن هؤلاء الذين كادوا كاد الله بهم، فجعلهم هم الأسفلين.
٤ - ومن فوائدها: أن من يتعالى على الحق فإن الله تعالى يجازيه بنقيض قصده؛ لأن هؤلاء أرادوا العلو والفساد في
стр. 218
الأرض، فعاملهم الله تعالى بنقيض قصدهم فجعلهم الأسفلين.
٥ - ومن فوائد الآية الكريمة: أن الحكم لله ، وأن بني آدم مهما بلغوا من الطغيان فإنهم تحت حكم الله تعالى وسلطانه، لقوله: ﴿فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَسْفَلِينَ﴾.
٦ - أن الجزاء من جنس العمل، لأن هؤلاء لما طغوا واعتدوا وتعالوا عاقبهم الله تعالى بالسفل المناقض لما أرادوا، فكانت العقوبة مناسبة للفعل.
* * *
﴿وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ أي قال إبراهيم معلنًا هجرته من بلدهم إلى بلد الشام، وإنما قال ذلك لأنهم بلغوا إلى حد يكون به اليأس من هدايتهم، فإن قومًا أضرموا النار ليحرقوا بها داعيهم إلى الله قوم لا يرجى فيهم خير، ولهذا قال: ﴿إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾.
فإن قلت: هل أُمر بذلك أو أُذن له بذلك؟
فالجواب: نعم، أُذن له بذلك، والدليل أن الله أقره فلم ينكر عليه، لكن يونس ﵊ لما ذهب من غير أن يُؤذن له بين الله أن ذهابه عن غير إذن، فقال: ﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ﴾. [الأنبياء: ٨٧].
ولما ذكر هجرة إبراهيم ﵊ لم يذكر ما فيه انتقاد عليه، ولهذا قال: ﴿وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ قال
стр. 219
المؤلف: [مهاجر إليه من دار الكفر ﴿سَيَهْدِينِ﴾ إلى حيث أمرني ربي بالمصير إليه وهو الشام، فلما وصل إلى الأرض المقدسة قال: ﴿رَبِّ هَبْ لِي﴾]
﴿إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي﴾ ولم يقل: إلى الله، لأن المقام يختص بالربوبية أكثر، إذ إن الربوبية مقتضاها التدبير، وهو الآن يحتاج إلى مدبر يدبره إلى ما فيه مصلحته، فقال: ﴿ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي﴾ والإضافة هنا إضافة تعطف وتحنن، وهي من الربوبية الخاصة، يعني إلى الرب الذي أرجو منه أن يهديني ويدلني لما فيه الخير.
وقوله: ﴿سَيَهْدِينِ﴾ السين هذه للتنفيس وتفيد أمرين:
تحقق الوقوع وقربه.
والمراد بالهداية هنا هداية الدلالة، أي سيهدين إلى ما فيه الخير والصلاح لهذه الدعوة، وربما يقال: إنها تشمل هداية الدلالة وهداية التوفيق.
الفوائد:
١ - الثناء على إبراهيم ﵊ بإعلانه الهجرة من بلده الذي يتضمن تحدي قومه وعدم مبالاته بهم، لأنهم لم يمسكوه ولم يمنعوه عن الهجرة، وهذا من حكمة الله أن يظهر التحدي في مثل هذا ولا يقع.
٢ - ومنها: ثقة إبراهيم ﵊ بربه حيث قال: ﴿إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾.
٣ - ومنها: الإشارة إلى الإخلاص في العمل لقوله: ﴿إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي﴾ وهذا فيه إخلاص القصد لله ، وهذه هي
стр. 220
النية الصالحة أن يكون قاصدًا بعمله الوصول إلى رضوان الله .
٤ - ومن فوائدها: تحنن الإنسان إلى ربه بالدعاء بأن يأتي بالعبارات الدالة على التحنن والتعطف والافتقار إلى الرب. لقوله: ﴿إِلَى رَبِّي﴾ فأضاف الربوبية إلى نفسه من باب التلطف والتحنن إلى الله .
٥ - ومنعا: أنه ينبغي بل يجب على الإنسان أن لا يعتمد على نفسه، بل يعتمد على ربه لقوله هنا: ﴿سَيَهْدِينِ﴾.
* * *
﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ هو قال المؤلف ﵀: [هب لي ولدًا من الصالحين]، أشار المؤلف بقوله [ولدًا] إلى أن المفعول الثاني لهب محذوف تقديره: ولدًا.
وقوله: ﴿مِنَ الصَّالِحِينَ﴾، الصالح: هو الذي صلح ظاهره وباطنه، ولزم من صلاحه أن يكون قائمًا بحقوق الله وحقوق عباده، وهو ضد الفاسد، وفساد كل شيء بحسبه، وصلاح كل شيء بحسبه، فصلاح الإنسان أن يكون مستعدًا لما أمر به قائمًا بأمر الله في حقوقه وحقوق عباده.
﴿فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ﴾ الفاء في قوله: ﴿فَبَشَّرْنَاهُ﴾ تدل على الترتيب والتعقيب. وربما أيضًا تدل على السببية أي بسبب دعائه لله، أجاب الله دعوته وبشره ﴿بِغُلَامٍ حَلِيمٍ﴾.
стр. 221
﴿فَبَشَّرْنَاهُ﴾ البشارة هي الإخبار بما يسر، هذا هو الأصل إذا أخبر الإنسان بما يسر قيل: بُشر، وإذا أخبر بما يخوف قيل له: أُنذر، ولهذا يذكر الله دائمًا التقابل بين البشارة والإنذار ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالحَقِّ بَشِيَرًا وَنَذِيرًا﴾ [البقرة: ١١٩] ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ﴾ [النساء: ١٦٥] فالبشارة في الأصل هي الإخبار بما يسر، وقد تطلق على الإخبار بما يسوء كقوله تعالى: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٢٤)﴾ [الانشقاق: ٢٤] إما من باب التهكم بهم كما تقول مثلًا للشخص: أبشر بالعقوبة. تتهكم به، وإما من باب الجامع بينهما، وهو أن كلًّا منهما يؤثر على البشرة تأثيرًا يظهر، فالبشارة تؤثر سرورًا وفرحًا واستنارة وجه وراحة قلب، والإنذار بالعكس يظلم الوجه ويصفر، ويحصل فيه الغم.
﴿فَبَشَّرْنَاهُ﴾ أي بشرنا إبراهيم ﴿بِغُلَامٍ حَلِيمٍ﴾ قال المؤلف -رحمه الله تعالى-[أي ذي حلم كثير]. وأشار بذلك إلى أن ﴿حليم﴾ صيغة مبالغة ولكن يحتمل أن تكون صفة مشبهة، أي بغلام صفته الدائمة المستمرة الحلم.
والحلم: هو التأني وعدم التسرع في مقابلة الأمور، بل يتلقاها الإنسان بطمأنينة واتزان وتصرف رشيد.
وضد الحليم سريع الغضب سريع الانفعال الذي لا يتأنى في الأمور ولا يتروى فيها فتجده يرد الشيء مبادرة. أو يقبله مبادرة، فالحلم في الحقيقة هو غاية ما يكون من الرشد. ووصف الله هذا الغلام هنا بالحلم، وفي آيتين من كتاب الله وصف الغلام الذي لإبراهيم بالعلم، وذلك لأن الغلامين اثنان: أحدهما وصف
стр. 222
بالعلم، والثاني: وصف بالحلم. والذي وصف بالحلم سيأتينا إن شاء الله بيان منه، وأما الذي وصف بالعلم فهو إسحاق ﵊، كما تفيد الآيات التي جاء في سياقها.
﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ﴾ الضمير في ﴿بَلَغَ﴾ يعود على الغلام والضمير في ﴿مَعَهُ﴾ يعود على إبراهيم. والسعي إما أن يراد به الكسب، وإما أن يراد به المشي، وكلاهما صحيح، ولكن الأقرب عندي أن المراد به المشي، فإن السعي يطلق على المشي كثيرًا، كما في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩] وكذلك قال تعالى: ﴿وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ﴾ [البقرة: ٢٠٥] فالمراد بالسعي: يعني المشي، ولكن كلمة مع: تفيد المصاحبة، يعني صار تابعًا لأبيه يسير معه؛ لأن ليس صغيرًا، قد مكث في مكانه، وليس كبيرًا انفرد بنفسه، فالصغير الذي في المهد لا يبلغ السعي مع أبيه، والكبير الذي انفرد يبلغ السعي لا مع أبيه لأنه منفرد، أما هذا فقد بلغ مع أبيه السعي، وكان ملازمًا له، وهذا أشد ما يكون الأب تعلقًا بابنه إذا كان في مثل هذا السن؛ لأن الصغير الذي في المهد لا تتعلق به النفس تمامًا، والكبير الذي انفرد كذلك لا تتعلق به النفس تمامًا، وإنما تتعلق بمن كان في متل هذا السن، وهذه من حكمة الله أن ابتلي إبراهيم صلوات الله وسلامه عليه بهذا البلاء المبين.
قال: ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ﴾ قال المؤلف ﵀[أي أن يسعى معه ويعينه، قيل: بلغ سبع سنين، وقيل: ثلاث عشرة
стр. 223
سنة] ويحتمل أن يكون ما بين السبع إلى ثلاث عشرة سنة، لأنه إذا زاد على ذلك فقد يستقل بنفسه، وما دون السبع يحتاج إلى من يعوله، ولا تتعلق به النفس كثيرًا لاسيما نفس الأب، أما الأم فقد يكون تعلق نفسها بالصغير أكثر من تعلقها بالكبير، ولكن الأب تتعلق نفسه بمن في مثل هذا السن.
﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ﴾ امتحن الله إبراهيم بمحنة عظيمة لا يصبر عليها إِلَّا من كان في مثل حاله، واعلم أن هذا الولد هو بكر إبراهيم، يعني أنه أول مولود وُلد له.
وولد له كما قيل على كبر السن، يعني أنه كان كبيرًا، ولد له هذا المولود البكر الذي ليس له ولد سواه فامتحنه الله، فأراه الله في المنام أنه يذبح هذا الولد، وهذا خبر بمعنى الأمر، لأن الذبح هنا مجرد فعل، رأى في المنام أنه يذبح ولده، فهو كما لو أُخْبِرَ بأنه يذبح ولده.
والإراءة إخبار بالفعل، ولهذا قيل: الخبر ما ترى لا ما تسمع.
فالله أراه أنه يذبحه، وهذا خبر بمعنى الأمر، كما سيأتي إن شاء الله في قوله: ﴿افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ﴾ أراه الله ذلك فلم ينزعج إبراهيم ولم يتأثر واطمأن إلى هذا، ثم عرض الأمر على هذا الابن لا للاستشارة ولكن للاختبار، وإذ لا يمكن أن يستشير إبراهيم ابنه فيما أمره الله به. وإنما عرض عليه الأمر ليختبره بهذا وينظر مدى قوة تحمله لهذا الأمر العظيم.
فلما بلغ معه السعي وأُري ما رأى، ﴿قَالَ يَابُنَيَّ إِنِّي أَرَى﴾
стр. 224
أي: رأيت في المنام ﴿أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَاأَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ (١٠٢)﴾ انظر هذا التلطف ﴿يَابُنَيَّ﴾، ليبعد عن ابنه أنه ذكر ذلك عن جفاء؛ لأن الإنسان إذا كان يبغض ابنه فإنه لا يهمه أن يعذبه أو أن يذبحه ولا يتأثر بذلك، لكنه قال: ﴿يَابُنَيَّ﴾ من باب التلطف به، وبيان أن الحنان قد بلغ في قلبه كل مبلغ وصغّره فقال: ﴿يَابُنَيَّ﴾، ولم يقل: "يا ابني" زيادة في التلطف، قال: ﴿يَابُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ﴾ قال المفسر: [أي رأيت] ولكنه عبر بالمضارع عن الماضي ليدل على استمرار حكم هذه الرؤية. وأنه مستمر على تنفيذ حكم هذه الرؤية، أو أنه نزَّل الماضي منزلة الحال، كأنه الآن يرى أنه يذبحه، وعلى كل حال فإن أرى هنا أبلغ من رأيت، لأن (رأيت) شيء مضى، أما (أرى) فهو شيء حاضر يدل على الاستمرار، وأنه سينفذ حكم ما رأى.
قال المؤلف: [ورؤيا الأنبياء حق، وأفعالهم بأَمر الله تعالى]. هاتان كلمتان تعبران عن سؤال مقدر، أولًا: قوله: ﴿إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ﴾ قد يقول قائل: رؤيا المنام أضغاث أحلام، فأجاب عن ذلك بقوله: رؤيا الأنبياء حق، أنا لو رأيت في منامي أني أعتقت عبدي أو أوقفت دوري فلا يكون ذلك نافذًا؟ ولا أومر بذلك من أجل هذه الرؤيا، لكن رؤيا الأنبياء حق يعني أنها وحي. والثاني: [وأفعالهم بأمر الله] وهو أيضًا جواب عن سؤال مقدر، وإذا كانت هذه الرؤيا حقًّا فهل يثبت بها حكم شرعي؟
стр. 225
فأجاب المؤلف بما يقتضي: نعم. لأن أفعال الأنبياء بأمر الله لاسيما مثل هذا الفعل العظيم. هذا الفعل العظيم هو من أكبر الكبائر، لأنه قتل نفس بغير حق، وليست نفسًا بعيدة، بل قتل نفس قريبة، فهو جامع بين قتل النفس وبين قطيعة الرحم، لأن من قتل أجنبيًّا ليس كمن قتل قريبًا، لكن هذا القتل، هذا الذنب العظيم إذا كان بأمر الرب الذي له ملكوت السموات والأرض صار طاعة كما أن السجود لغير الله شرك، ولما كان بأمر الله تعالى كان تركه كفرًا، ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ (٣٤)﴾ [البقرة: ٣٤].
والمهم أن المؤلف أجاب عن هذه الرؤيا بأنها فعل من نبي، وأفعال الأنبياء تقع بأمرِ الله لأنهم معصومون.
قال: ﴿فَانظر مَاذَا تَرَى﴾ من الرأي، يعني فكر في أمرك وانظر ماذا ترى؟ فكان جوابه جوابًا عجيبًا عظيمًا، ﴿قَالَ يَاأَبَتِ افْعَل مَا تُؤمَرُ﴾ وهذا شبيه بما وقع من عائشة ﵂ حين خيّرها النبي ﷺ بين أن تبقى معه وأن تفارقه للدنيا، وقال لها: "استأمري أبويك"، يعني استشيريهم فقالت ﵂: أفي هذا أستأمر أبوي، إني أختار الله ورسوله والدار الآخرة (١).
﴿فَانظُرْ مَاذَا تَرَى﴾ وهذا من باب الاختبار في حال هذا
стр. 226
الابن وتهيئته لتنفيذ ما أمر الله به أباه، قال المؤلف: [من الرأي، شاوره ليأنس بالذبح وينقاد للأمر به]. أي لو أنه حين قام من النوم جَرَّ ابنه وذبحه بدون أن يخبره لفات في ذلك فائدتان عظيمتان:
الفائدة الأولى: عدم ظهور تقبل هذا الابن لأمر الله .
الفائدة الثانية: أنه إذا أتاه بغتة صار أشد وقعًا في نفسه وأشد ألمًا مما لو أخبر به؛ لأن الإنسان إذا أخبر بالشيء قبل أن يقع واستعدت نفسه له وتهيأت، صار الوارد العظيم يرد على النفس وهي متهيأة فيسهل عليها، بخلاف ما إذا ورد على غرة فإنه يكون أشد وقعًا، وأشد ألمًا، ولهذا قال المؤلف ﵀: [ليأنس بالذبح وينقاد للأمر به]. قال: ﴿يَاأَبَتِ﴾ التاء عوضًا عن ياء الإضافة، وأصلها يا أبي، ولكن العرب قد يبدلون الياء تاءً فيقولون: يا أبتي، وعلى هذا فالتاء بدلًا عن الياء فهي ياء المتكلم. ﴿افْعَل مَا تُؤْمَرُ﴾ سبحان الله! لم يقل: يا أبت لا مانع عندي، بل قال: "افعل" فحثه على أن يفعل ولم يقل: افعل ما رأيت، بل قال: ﴿تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ حثًّا لإبراهيم على أن يفعل؛ لأنه إذا ذكره أن هذا أمر الله فإنه يزيده قوة في تنفيذ هذا الأمر، لأن إسماعيل ﵊ خاف أن تدرك إبراهيم ﵊ رحمة الولد فيراجع الله في ذلك، فأشار عليه أن يبادر بفعل ما أُمر به (افعل)، ولم يقل: ما رأيت، ليكون هذا أشد حثًّا لإبراهيم على الإقدام، ولهذا ﴿سَتَجِدُنِي﴾، السين كما قلنا فيما سبق قريبًا للتنفيس، وتفيد شيئين: التوكيد، وقرب الوقوع.
стр. 227
والتأكيد يعني تحقق هذا الشيء، ولكنه لما كان أمرًا مستقبلًا والإنسان لا يثق أن يقوم بالأمر المستقبل، قال: ﴿إِن شَاءَ اللَّهُ﴾. وأتى بالاستثناء قبل ذكر المفعول الثاني للمبادرة به ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ ولم يقل: ستجدني من الصابرين إن شاء الله فبدأ بالاستثناء الدال على الاستدراك يعني إن لم يشأ الله لم تجدني كذلك، ولكن ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ وقوله: ﴿إِن شَاءَ اللَّهُ﴾ جملة معترضة بين مفعولي تجد، لأن المفعول الأول الياء، والثاني من الصابرين. أي من الصابرين على بلاء الله، وعلى هذا الأمر العظيم، لأن هذا من البلاء العظيم أن يصبر الإنسان على أن يقتل امتثالًا لأمر الله ، وهنا لم يقل ستجدني إن شاء الله صابرًا، بل قال: ﴿مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ إشارة إلى أنه ﵊ سيكون له تأسٍ بمن سبق حتى يكون من جملة المتصفين بهذا الوصف وهو الصبر، قال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا﴾ يعني استسلما لأمر الله وانقادا لأمره، عن رضا ورغبة من الأب الذي عزم على أن ينفذ أمر الله ، والابن الذي تقبل هذا الأمر بانشراح صدر، وحث لأبيه على أن يفعل ما أمره الله به تعالى، وهذا غاية ما يكون من الاستسلام، وهذا استسلام القلب ﴿وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ هذا استسلام الجوارح يعني أن إبراهيم ﵊ تل ابنه للجبين، يعني صرعه على الأرض على جبينه ليذبحه، وإنما صرعه على جبينه من أجل أن لا يرى وجهه حين يذبحه، ولئلا يرى الابن السكين فيفزع، ومعلوم أن رؤية المذبوح السكين
стр. 228
تريعه، ويروى عن النبي ﷺ أنه رأى رجلًا يحد الشفرة ليذبح شاة فقال: "أتريد أن تميتها ميتتان" (١) وإبراهيم ﵊ تل ابنه للجبين بسرعة وقوة في تنفيذ أمر الله . قال المؤلف ﵀: ﴿وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ [صرعه عليه، ولكل إنسان جبينان بينهما الجبهة، وكان ذلك بمنى، وأمر السكين على حلقه فلم تعمل شيئًا بمانع من القدرة الإلهية] ونحن نقول وقلنا سابقًا: إن قصص الأنبياء السابقين إنما تؤخذ من الكتاب والسنة الصحيحة، لقوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ﴾ [إبراهيم: ٩] ونحن في قصة إبراهيم ﵊ لا ينبغي لنا أن نتجاوز القرآن ولا أن نقدر شيئًا لا يقتضيه السياق فهنا نقول: ﴿وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ صرعه على جبينه، والجبين هو طرف الجبهة يعني القرنين، وتقدم ذكر الحكمة في تله هكذا، وأما قول المؤلف: [وذلك بمنى]، فهذا يحتاج إلى دليل، وهو لا شك أنه بمكة، لأن إسماعيل نشأ بمكة من صغره، ولكن كونه في منى هذا يحتاج إلى دليل من الكتاب أو السنة، وإلا وجب التوقف فيه، وقوله: [وأمر السكين على حلقه فلم تعمل شيئًا بمانع من القدرة الإلهية] هذا أيضًا يحتاج إلى دليل، وليس في القرآن الكريم أنه
стр. 229
أمرَّ السكين على حلقه، فالواجب علينا أن نتوقف في هذا، لا نصدق ولا نكذب؛ لأن القرآن لم يصدق ذلك ولم يكذبه، لكن عندي -والله أعلم- أن هذا لو وقع لكان من الحكمة أن يذكر، لأن فيه دلالة على آية من آيات الله ، وهي عدم تأثير السكين في حلقه، ولو وقع مثل هذا لذكره الله لما فيه من الدلالة على آية عظيمة من آيات الله، والذي نجزم به أنه تله للجبين ليذبحه فقط، وكفى بذلك فخرًا أنه لم يبق إِلَّا أن يمر السكين على حلقه فماذا كان؟
قال الله تعالى: ﴿وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَاإِبْرَاهِيمُ (١٠٤) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾، قوله: ﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ لما شرطية تحتاج إلى شرط وجوابه، فشرطها قوله: ﴿أَسْلَمَا﴾ ﴿وَتَلَّهُ﴾ معطوف عليه، ﴿وَنَادَيْنَاهُ﴾ لا يستقيم أن نجعله معطوفًا على ﴿أَسْلَمَا﴾ ولكن اختلف العلماء في الواو هنا فقيل: إنها زائدة وتقدير الكلام: فلما أسلما وتله للجبين وناديناه أن يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا.
وقال آخرون: ليست بزائدة؛ لأن زيادة الحروف المعنوية التي تقتضي المغايرة لا يمكن أن يقع في القرآن الكريم، بل هي معطوفة على شيء مقدر والتقدير: فلما أسلما وتله للجبين، تحقق تنفيذ أمر الله، أو ما أشبه ذلك من الكلام المناسب، ثم عطف على الجواب المحذوف قوله: ﴿وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَاإِبْرَاهِيمُ (١٠٤) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا﴾
стр. 230
الفوائد:
١ - أن كل أحد وإن علا قدره من البشر مفتقر إلى الله ، ومفتقر إلى من يعينه، لقوله: ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ﴾.
والمؤلف ﵀ قدر أن في الآية محذوفًا تقديره ولدًا، وكأنه خص هذا الطلب بالولد لقوله تعالى: ﴿فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ﴾ على أن الآية تحتمل أن المحذوف ليس كلمة ولد، وأنه حذف المعمول لإفادة العموم أي هب لي من الصالحين من يكون عونًا لي من الأولاد وغيرهم، لأن القوم الذين كان فيهم غير صالحين، فسأل الله أن يهب له من الصالحين من يعينه ويساعده، فكانت الإجابة من الله أن بشره بمن يعينه من صلبه في قوله: ﴿فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ﴾ فيكون هذا الوجه الذي ذكرنا أعم من الوجه الذي قاله المؤلف ﵀.
٢ - ومن فوائد الآية: الحث على الاستعانة بالصالحين، لقوله: ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ وأنه ينبغي للإنسان أن يكون قرناؤه من الصالحين؛ لأن القرين الصالح يعينك على الخير، ويحذرك من الشر، وكما مثَّل الرسول ﵊ الجليس الصالح بحامل المسك، إما أن يحذيك، وإما أن يبيعك وإما أن تجد منه رائحة طيبة (١).
من فوائد الآية الكريمة في قوله تعالى: ﴿فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ﴾.
стр. 231
١ - إجابة الله للدعاء لقوله: ﴿فَبَشَّرْنَاهُ﴾ والفاء تفيد التعقيب والترتيب والسببية، أي فبسبب دعائه ببشارته.
ويلزم من هذه الفائدة وهي إجابة الله لمن دعاه صدق وعده تعالى لقوله: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠] وقدرته على تحقيق ما وعد به؛ لأنه لو كان عاجزًا لم يعطِ ما دُعي به، ولكنه على كل شيء قدير.
٢ - ومن فوائد هذه الآية: الثناء على إسماعيل ﵇ لوصفه بالحلم.
٣ - ومن فوائدها: تبشير المرء بما ولد له من ولد، ولاسيما إذا كان ذكرًا؛ لأن الله عبر عن إخباره إبراهيم بأنه سيولد له بالبشارة فأخذ العلماء من هذا أنه تشرع بشارة من ولد له ولد ولاسيما إذا كان ذكرًا.
وهل يستفاد من الآية الكريمة إثبات كلام الله؟ لو كانت البشارة من الله لكان يستفاد من ذلك إثبات الكلام، لكن قد يكون بشرناه على لسان الملائكة يعني الملائكة هي التي بشرته فالله أعلم.
ومن فوائد الآية في قوله: ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَابُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَاأَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ (١٠٢)﴾.
١ - أن الله قد يبتلي عبده المؤمن ببلوى عظيمة شديدة على النفوس، وذلك بما أرى الله نبيه إبراهيم عليه الصلاة
стр. 232
والسلام من ذبح ولده، ونحن نعلم أن الله لو قدر على ولدك أن يموت لكان هذا مصيبة عظيمة، لكن إذا أمرك الله أن تذبحه أنت بنفسك صار هذا أعظم وأشد، وصار الصبر على هذا الأمر أشد وأفضل من الصبر على موته بقدر من الله .
٢ - ومن فوائدها: أن هذا الوقت الذي أمر إبراهيم فيه بذبح ابنه فيه كان وقتًا يكون فيه تنفيذ الأمر شديدًا لأنه بلغ معه السعي، فتنفيذ الأمر في هذا الحال يدل على كمال عبودية المأمور حيث نفذها في أشد ما يكون تعلقًا بابنه.
٣ - ومن فوائدها: أنه ينبغي لمن أراد أن ينفذ شيئًا مكروهًا لشخص أن يأتي بأسلوب يدل على أنه لا يريد الإضرار به، وإنما هو أمر لابد منه لقوله: ﴿يا بني﴾ فإن إتيانه على صيغة التلطف من أجل أن يبعد عنه تهمة أنه لا يحبه.
٤ - ومن فوائدها: أنه يجوز امتحان الشخص بما لا يؤخذ رأيه فيه، ولكن للاستعلام لقوله: ﴿إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى﴾ فإن إبراهيم ﵊ لا يريد أن ينظر إلى ابنه إن قال: لا تذبحني، ترك الذبح، بل يريد أن يعرف مدى قبوله واستعداده، فيكون في هذا تورية، والتورية لا شك أنها جائزة للاستعلام والاستخبار، ولاسيما عند الحكم في القضاء، وفي قصة سليمان ﵊ في المرأتين اللتين تخاصمتا في ولد بينهما، حيث تخاصمتا عند داود ﵊، فحكم به للكبرى، ثم تخاصمتا عند سليمان ﵊ فدعا بالسكين ليشقه نصفين بينهما،
стр. 233
وسليمان لن يفعل أبدًا، لكن هذا من باب التورية واستطلاع الحقيقة، فلما دعا بالسكين وأراهما أنه يريد أن يشقه نصفين، قالت الصغرى: هو ولدها يا نبي الله، فعرف أنه لها، لأنها أدركها حب الولد فتنازلت عن حقها منه ودعواها، والكبيرة رضيت لأنه لا يهمها أن يقتل ابن هذه المرأة، كما أكل الذئب ولدها. (١)
إذًا نأخذ من هذا أنه يجوز للإنسان أن يورّي للشيء لاستطلاع الأمر واستظهاره؛ لأن إبراهيم ﵊ لما قال لابنه: ﴿فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى﴾ فإن ظاهر ذلك أنه يريد أن يستشيره ويأخذ رأيه إن وافق وإلا لم ينفذ، وليس الأمر كذلك، بل أراد أن يختبره لينظر مدى قبوله لهذا الأمر واستعداده لتنفيذه.
٥ - ومن فوائدها: أن رؤيا الأنبياء حق، وذلك أن إبراهيم ﵊ اعتمدها ولو لم تكن حقًّا لم يعتمدها، ولكن لو رأى أحدنا مثل هذه الرؤيا أنه يذبح ابنه فهل هذا حق؟ الجواب: لا، ليس بحق قطعًا لأننا لا نؤمر أبدًا عن طريق المنام ولا عن طريق اليقظة بذبح أبنائنا، لكن إما أن تكون رؤيا ويكون فيها إشارة إلى شيء مشابه، وإما أن تكون من الشيطان ليحزنك، أما أن تكون أمرًا يجب تنفيذه فهذا لا يمكن.
٦ - ومن فوائدها: حسن أدب إسماعيل، ﵊، حيث قال في جواب أبيه: ﴿يَاأَبَتِ﴾ ولم يقل: يا هذا، أو يسكت، بل قال: ﴿يَاأَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ﴾.
стр. 234
٧ - ومن فوائدها: أن الخبر قد يكون بمعنى الأمر، لأن هذه الرؤيا كما مر علينا بمنزلة الخبر، حيث لم يقل له في الرؤيا: اذبح ولدك، بل رأى نفسه يذبح الولد، ولكن الخبر قد يكون بمعنى الأمر، وهل يحتاج إلى قرينة في هذا أم لا؟ الجواب: نعم، يحتاج إلى قرينة؛ لأن الأصل في الخبر أنه لا يدل على الطلب، ولكن إذا وجد قرينة تقتضي ذلك كان أمرًا.
٨ - جواز حث المفضول للفاضل على فعل الأوامر لقوله: ﴿افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ﴾ ويتفرع على هذه الفائدة أنه لا ينبغي للإنسان أن يحقر نفسه في الأمر بالخير، فيقول: هذا أجل مني، هذا أعلم مني، هذا أكبر مني، فلن آمره بشيء، بل نقول: مر بالخير سواء كنت أصغر سنًّا أو شأنًا من المأمور، أو مثله، أو أكبر منه.
٩ - أنه ينبغي للإنسان أن يعلق كل أمر مستقبل على مشيئة الله لقوله: ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ فإن هذا أمر مستقبل، وينبغي أن يعلق الإنسان كل أمر مستقبل بمشيئة الله .
فإن قال قائل: كيف نفهم هذا الحكم من قول إسماعيل ﵊؟
فالجواب: أن الله قصه علينا لنعتبر به، كما قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [يوسف: ١١١] ويؤيد هذا أيضًا شرعنا، فإن الله قال لنبيه محمد ﷺ : ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الكهف: ٢٣، ٢٤].
стр. 235
١٠ - ومن فوائدها: أن الصبر يكون على امتثال الأوامر وعلى المصائب، فإن قوله: ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ أي الصابرين على تنفيذ هذا الأمر، وعلى ما يقتضيه من الآلام لأنه ذبح.
والصبر ثلاثة أقسام دلت الآية على قسمين منها، والثالث: الصبر عن معصية الله.
١١ - ومن فوائد هذه الآيات في قوله: ﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ فضيلة إبراهيم وإسماعيل -عليهما الصلاة والسلام- حيث استسلما لأمر الله في هذا الأمر العظيم، الذي لا يُقدم عليه إِلَّا أمثالهما، ولا شك أن هذا من مناقبهما.
١٢ - ومن فوائدها: أنه ينبغي للإنسان أن يحول بين نفسه وبين كل شيء قد يعيقه عن تنفيذ أمر الله، لقوله: ﴿وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ فإن هذا يهون عليهما الأمر فيهون عليهما التنفيذ.
وربما يتفرع على هذه الفائدة العمل بسد الذرائع ومنعها، أي الذرائع التي تحول بين المرء وبين تنفيذ أمر الله، أو توجب أن يقع فيما نهى الله عنه.
* * *
ثم قال تعالى: ﴿وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَاإِبْرَاهِيمُ (١٠٤) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٠٥)﴾.
﴿وَنَادَيْنَاهُ﴾ ضمير الفاعل يعود على الله .
والنداء يكون بالصوت العالي للمنادى، بخلاف المناجاة، فتكون بالصوت المنخفض، ولا شك أن الصوت العالي يقال لمن
стр. 236
كان بعيدًا، والصوت المنخفض يقال لمن كان قريبًا.
وقوله: ﴿أَنْ يَاإِبْرَاهِيمُ﴾ أن هذه تفسيرية، لأن التفسيرية هي التي تأتي بعد فعل، أو بعد عامل يتضمن معنى القول دون حروفه، فهي بمعنى: أي ﴿قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا﴾ صدقتها أي فعلت ما يقتضي تصديق هذه الرؤيا، وقد رأى أنه يذبح ابنه وعزم على ذلك، وقام ببعض العمل الذي يكون بين يدي الذبح، فجعل الله ذلك تصديقًا.
والرؤيا: ما يراه الإنسان في منامه.
وما يراه الإنسان في منامه وينقسم إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول: رؤيا.
القسم الثاني: حلم.
القسم الثالث: يكون عن حديث النفس، لقول النبي ﷺ : "الرؤيا ثلاث: فالرؤيا الصالحة بشرى من الله، ورؤيا تخويف من الشيطان، ورؤيا مما يحدث المرء نفسه" (١).
أما الأول فإنه من الله، وقد أخبر النبي ﵊ أن الرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة (٢).
وأما الثاني فهو من الشيطان، وغالبًا ما يكون هذا فيما يمتنع شرعًا، أو حسًّا، أو عقلًا، أي أن الشيطان يصور للشخص شيئًا ممتنعًا في الشرع، أو ممتنعًا في العقل، أو ممتنعًا بالحس.
стр. 237
أو من أجل إحزان الرائي وإخلال عقله، وقد حدَّث رجل النبي ﷺ أنه رأى في منامه أنه قد ذبح وأن رأسه تدحرج وأنه يشتد وراء رأسه، فقال النبي ﷺ : "لا تحدث الناس بما يتلاعب بك الشيطان في منامك" (١) لأن هذا الشيء غير معقول، إنسان قطع رأسه وهرب الرأس وذهب يشتد وراءه ليأخذه ويضعه على رقبته، هذا شيء ينافي العقل.
وأحيانًا يضرب لك الشيطان مثلًا بما يمتنع شرعًا كما يذكر عن عبد القادر الجيلاني ﵀ أنه رأى نورًا عظيمًا وسمع من هذا النور قولًا يقول: إني أنا ربك. وحدثه، فقال: إنه قد وضح عنه الصلاة فقال له: كذبت ولكنك الشيطان وعرف أنه كاذب، لأنه حدثه بما يمتنع شرعًا، فإن وضع الصلاة لا يمكن أن يكون أبدًا وهي أهم أركان الإسلام، والوحي قد انقطع، فإذا رأى إنسان في منامه ما يمتنع شرعًا فإنه من الشيطان.
الثالث ما يريه الشيطان للإنسان في منامه، لأجل أن يحزن، وهذا كثير جدًّا، ودواء هذا ما أخبرنا به رسول الله ﷺ أن الإنسان إذا رأى في منامه ما يكره، فليقم وليتفل عن يساره ثلاثًا، وليقل: أعوذ بالله من شر الشيطان ومن شر ما رأيت، ثم ينقلب إلى الجنب الآخر، ولا يحدث الناس بما رأى، وبعد ذلك لا يضره هذا الحلم (٢).
стр. 238
القسم الثالث: ما يحدث به الإنسان نفسه في اليقظة، فإنه لشدة تعلق نفسه به قد يراه في منامه وهذا كثير.
﴿قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا﴾ قال المؤلف ﵀[بما أتيت به بما أمكنك من أمر الذبح، أي يكفيك ذلك، فجملة (ناديناه) جواب (لما) بزيادة الواو] هذا سبق البحث فيه، وبينا أن الصحيح فيه أن الواو ليست زائدة، ولكنها عاطفة على مقدر مناسب للمقام، لأن الواو من حروف المعاني وتفيد فائدة لا نستفيدها إذا قلنا بزيادتها، وما كان كذلك فإنه لا يمكن أن يكون زائدًا.
﴿إِنَّا كَذَلِكَ﴾ أي: مثل جزائنا إياك ﴿نَجْزِى الْمُحْسِنِينَ﴾ وذلك بإزالة الشدة عنهم إذا فعلوا ما أمروا به، وشاهد هذا قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق: ٢، ٣] ﴿يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا (٤)﴾ [الطلاق: ٤].
فهاتان آيتان تدلان أن الإنسان كلما اتقى الله زالت عنه الهموم وفرجت عنه.
وقوله: ﴿الْمُحْسِنِينَ﴾ يشمل الإحسان في عبادة الله، والإحسان إلى عباد الله. وقد تقدم ذلك.
﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ﴾، هذه الجملة مؤكدة بثلاثة مؤكدات أولها: إن، والثاني: اللام، والثالث: ضمير الفصل.
﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ﴾ ولا شك أن الأمر كما قال ربنا : إنه بلاء مبين، اختبار عظيم ظاهر أن أمر بذبح ابنه الذي فيه هلاكه وموته على يديه، والواحد منا قد لا يطيق الصبر على موت ابنه الذي جرى بفعل الله فكيف يصبر على
стр. 239
أن يذبح ابنه بيده؟ ! ولهذا قال الله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ﴾ وفسر المؤلف المبين هنا بالبين، ولكن يحتمل أن يكون المراد به المبين: المظهر يعني الذي أظهر حقيقة إبراهيم ﵊، وأنه يقدم محبة الله على ما يحب، قال أهل العلم: ولهذا جعله الله تعالى خليلًا له، والخلة هي أعلى أنواع المحبة، حيث قدم ﵊ ما يحبه الله على ما تحبه نفسه.
﴿وَفَدَيْنَاهُ﴾ قال المؤلف ﵀[أي: المأمور بذبحه وهو إسماعيل أو إسحاق قولان (بذبح) بكبش عظيم من الجنة، وهو الذي قربه هابيل جاء به جبريل ﵇ فذبحه السيد إبراهيم مكبرًا]. تسمية إبراهيم ﵇ بالسيد فيه نظر، ولا شك أن إبراهيم ﵊ سيد من سادات الخلق، لكن كونه يعبر عنه بهذا الوصف عند ذكره وندع وصفه بالرسالة أو بالعبودية وما أشبه ذلك فيه نظر.
﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾، أي فدينا الذبيح، والذبيح الذي أمر بذبحه، أي جعل الله له فداء، فنقل الأمر من ذبح هذا الولد إلى ذبح الكبش؛ لأن الشيء الذي يقع فداء للشيء يكون بدلًا عنه ونائبًا منابه. فانتقل الأمر من ذبح هذا المولود إلى ذبح الكبش فصار فداءً له، وقول المؤلف: [بكبش عظيم] الكبش: هو الكبير من الضأن، أي: الكبير الجسم، وزيد في ذلك قوله (عظيم) يعني أنه من عظيم الكباش، ويقول المؤلف: [إنه الذي قرَّبه هابيل]، وهابيل هو أخو قابيل وكان هابيل قد قرب قربانًا فتُقبَّل منه، وقرب
стр. 240
قابيل قربانًا فلم يتقبل منه، فحسده قابيل وقال له لأقتلنك، فقال له هابيل: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (٢٧)﴾ [المائدة: ٢٧]، يعني فلو اتقيت الله لقبل منك، والقصة معروفة في ابني آدم ﵊، ولكن ما قاله المؤلف -رحمه الله تعالى- دعوى تحتاج إلى دليل، وليس هناك دليل من الكتاب والسنة، بل إن الدليل على خلافه، لأن القربان الذي تقرب به هابيل لا يتعين أن يكون كبشًا، ثم على فرض أنه كبش فإنه قد ذُبح وأُكل ولن ينال الله لحومها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى منكم. لكن هذا مما يأخذه بعض المفسرين ﵏ عن الإسرائيليات، ولا يجوز أن يؤخذ عن الإسرائيليات مثل هذا الكلام؛ لأن هذا كلام يقطع بكذبه، وأخبار بني إسرائيل إذا كان يقطع بكذبها لا يجوز نقلها، إِلَّا على سبيل التكذيب لها.
وقول المؤلف ﵀: [إن الكبش من الجنة] ليس هناك دليل على أنه من الجنة. ولا على أن في الجنة كباشًا، فالصواب أنه ذبح من بهيمة الأنعام الموجودة في وقته أمر إبراهيم ﵊ أن يذبحه، وظاهر الآية الكريمة أنه ذبحه فداء عن إسماعيل، ويجوز أيضًا أن يكون مع الفداء شكرًا لله على نعمته بزوال هذا البلاء المبين.
وأما قول المؤلف ﵀: [وهو إسماعيل أو إسحاق قولان] فالأمر كما ذكر اختلف العلماء ﵏ من هو الذي أُمر بذبحه هل هو إسماعيل أو إسحاق؟ والصحيح أنه إسماعيل بل إنه هو المتعين لعدة أوجه:
стр. 241
١ - منها ما سيأتي في كلام المؤلف في قوله: ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ﴾. حيث قال المؤلف: [استدل بذلك على أن الذبيح غيره].
٢ - ومنها أن الله تعالى قال في إسحاق: ﴿وَبَشَّرُوهُ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ (٢٨)﴾ [الذاريات: ٢٨]، وفي الذبيح قال: ﴿فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ (١٠١)﴾ [الصافات: ١٠١]، وهذا غير هذا لأن الذي وصف بالحلم هو الذي صبر على الذبح، وتنفيذ أمر الله .
٣ - ومنها أن الله وصف إسماعيل بأنه صادق الوعد ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ﴾ [مريم: ٥٤]، وهذا الوصف إنما يقال في أمر عظيم صدق به الإنسان، والوعد الذي وعد هو قوله لأبيه: ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ (١٠٢)﴾ وقد وفَّى بذلك.
٤ - ومنها أن الله تعالى وصف إسماعيل بأنه من الصابرين، ولم يصف بذلك إسحاق، فقال تعالى: ﴿وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ (٨٥)﴾ [الأنبياء: ٨٥]، ولم يذكر إسحاق ولم يصفه بالصبر، ومعلوم أن الصبر الذي صبره إسماعيل هو الصبر الذي يستحق أن يثنى به عليه؛ لأنه صبر عظيم.
٥ - ومنها أن الله بشر بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب، فقال: ﴿وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ (٧١)﴾ [هود: ٧١]، ولو كان إسحاق الذي أمر بذبحه لكان هناك تناقض؛ لأنه كيف يؤمر بذبحه وقد بشر بابن له أي: لإسحاق؛ لأن يعقوب بن إسحاق، فإذا كان قد بشر بأن له ولدًا اسمه يعقوب، فلا يليق أن يؤمر بذبحه.
стр. 242
وقد يقول قائل: إنه بشر بيعقوب باعتبار المآل؛ لأنه إذا نسخ وجوب الذبح بقي هذا الولد ورزق ولدًا.
فيقال: نعم هذا يمكن أن يرد به لكن تفوت البشارة عندما يؤمر بالذبح، ومعلوم أن الإنسان المبشر بالشيء لا يمكن أن يزعج بضده، فإذا أزعج بضده انقلبت البشارة سوءًا.
٦ - قوله تعالى هنا: ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ﴾ بعد أن ذكر قصة الذبح كاملة، ولا يمكن أن يكون في القرآن تكرار.
٧ - أن الله تعالى ذكر البشارة بإسحاق للأم ﴿وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ﴾ ولم يذكر ذلك في إسماعيل.
٨ - أن الله تعالى قال في إسحاق: ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ وإذا كان قد بُشر بأنه نبي، فإنه لا يليق ولا يسوغ أن يؤمر بذبحه بعد أن بشر بنبوته.
٩ - أنه روى عن النبي ﷺ أنه قال: "أنا ابن الذبيحين" (١) يعني إسماعيل وأباه عبد الله بن عبد المطلب.
فإن صح هذا الحديث فهو أيضًا دليل واضح على أن الذبيح إسماعيل؛ لأن النبي ﷺ كان من ذرية إسماعيل ولم يكن من ذرية إسحاق.
﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (١٠٨)﴾ تركنا: قال المؤلف: [أبقينا عليه في الآخرين ثناء حسنًا ﴿سَلَامٌ﴾ منا ﴿عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾].
стр. 243
أفاد المؤلف ﵀ أن الترك هنا بمعنى الإبقاء، وأن مفعوله محذوف تقديره ثناءً حسنًا، وهذا أحد القولين في المسألة.
والقول الثاني: إن المفعول لتركنا هو قوله: ﴿سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ يعني أن الله ترك عليه في الآخرين السلام، أي أن يسلم من الثناء القبيح، ورجح هذا ابن القيم ﵀ في كتابه: "جلاء الأفهام" وقال: إن مفعول تركنا هو الجملة في قوله: ﴿سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ ولهذا يثنى عليه إلى يوم القيامة، ويقال: "اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد". كما يقرأ في القرآن الكريم صفاته التي يثنى بها عليه.
وقوله: ﴿سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ السلام يعني السلامة من النقائص والعيوب التي تعتري البشر، ومن الثناء القبيح الواقع عليه من غيرهم، ولهذا إبراهيم ﵊ كان الناس كلهم يفخرون بالانتساب إليه حتى اليهود قالوا نحن على ملة إبراهيم، والنصارى قالوا نحن على ملة إبراهيم.
قال الله تعالى: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٦٧)﴾ [آل عمران: ٦٧].
﴿كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ تقدم الكلام عليها.
﴿إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ﴾ الجملة هذه استئنافية يقصد بها الثناء على إبراهيم بغاية ما يثنى به وهو الإيمان والعبودية. فالعبودية في قوله: ﴿إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا﴾، والعبودية هنا العبودية
стр. 244
الخاصة بل خاصة الخاصة؛ لأن العبودية تنقسم إلى قسمين: عامة مثل: ﴿إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (٤٤)﴾ [غافر: ٤٤]
وخاصة: مثل: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾. [الفرقان: ٦٣]
ومنها ما هو أخص وهي عبودية الرسالة في قوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا (١)﴾. [الفرقان: ١]
وكلما كان أخص فهو أكمل، والأخص ينافي الأعم؛ لأن العبودية الخاصة في ضمن العبودية العامة، فكل من كان عبدًا لله بالمعنى الخاص فهو عبد له بالمعنى العام، ولا عكس يعني ليس كل من كان عبدًا لله في المعنى العام يكون عبدًا لله في المعنى الخاص.
﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ﴾ بشرنا إبراهيم بإسحاق يعني أعلمناه به على وجه يسر به بعد البشارة الأولى بإسماعيل، ولهذا كان إسماعيل أكبر من إسحاق عليهما الصلاة والسلام.
وقوله: ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا﴾ قال المؤلف ﵀[نبيًا: حال مقدرة أي يوجد مقدرًا نبوته]. أي بولادته ووجوده نبيًّا حال من إسحاق، وأفادنا المؤلف بأنها حال مقدرة، لكن لما كانت أمرًا واقعًا لا محالة وصف بها حال البشارة وإلا فإنه حال البشارة ليس بنبي إذ إنه صغير، ولكن سيكون نبيًّا، ولما كان هذا الأمر محققًا جعل كأنه حال واقعة وأمر واقع.
وقوله: ﴿مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ أي: القائمين بحق الله تعالى وحق عباده.
стр. 245
﴿وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ﴾ أي: على إبراهيم قال المؤلف ﵀[بتكثير ذريته ﴿وَعَلَى إِسْحَاقَ﴾ ولده بجعلنا أكثر الأنبياء من نسله].
أي: بارك الله على إبراهيم ﵊ حيث جعل في ذريته النبوة والكتاب، فكل الأنبياء بعد إبراهيم من نسله وعلى إسحاق ﵊ -أيضًا؛ لأن أنبياء بني إسرائيل كلهم من نسل إسحاق، وليس من ولد إسماعيل نبي إِلَّا محمد ﷺ .
قال: [﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ﴾ مؤمن ﴿وَظَالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ كافر ﴿مُبِينٌ﴾، بين الكفر].
﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا﴾ أي: ذرية إبراهيم وإسحاق. ﴿مُحْسِنٌ﴾ أي: قائم بحق الله وحق عباده، ومنهم ﴿وَظَالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ بارتكاب المعاصي والعدوان على الحق وعلى الخلق.
﴿مُبِينٌ﴾ أي: بيّن الظلم كما قال المؤلف. وعلى هذا فهي من أبان اللازم، ويجوز أن تكون من أبان المتعدي، ويكون المعنى: مظهر لظلمه، والواقع أن ذرية إسماعيل وإسحاق يتصفون بهذا الوصف: ظالم ومحسن. ولهذا لما قال إبراهيم حين قال له الله : ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ (١٢٤)﴾ [البقرة: ١٢٤]، فكان في قوله: ﴿لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ (١٢٤)﴾ [البقرة: ١٢٤] إشارة أنه سيكون من ذرية إبراهيم من هو ظالم لا يستحق أن يكون إمامًا في دين الله .
стр. 246
الفوائد:
من فوائد هذه الآية وما بعدها:
١ - إثبات الكلام لله لقوله: ﴿وَنَادَينَهُ﴾ أي: يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا، وأنه بصوت لقوله: ﴿وَنَادَينَهُ﴾ وبحرف لقوله: ﴿أَنْ يَاإِبْرَاهِيمُ (١٠٤) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٠٥)﴾ إلى آخره.
٢ - ومن فوائدها: أن الآية شهدت لما دل عليه الحديث الصحيح من قول النبي ﷺ : "واعلم أن النصر مع الصبر وأن الفرج مع الكرب" (١) فإن أشد كرب وقع لإبراهيم ﵊ بالنسبة لهذه القضية ما حصل منه حين تل ابنه على جبينه ليذبحه، فما تصورون لهذه الحال، إنه لكرب عظيم، وفي هذا الكرب العظيم جاء الفرج من الله : ﴿وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَاإِبْرَاهِيمُ (١٠٤) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٠٥)﴾.
فالفرج يكون مع الكرب، وكلما اشتد الكرب والتجأ الإنسان إلى ربه كان الفرج إليه أسرع.
٣ - ومن فوائدها: أن فيها شاهدًا للحديث الصحيح أن الإنسان إذا قصد العمل وسعى به كتب له أجره لقوله: ﴿وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَاإِبْرَاهِيمُ (١٠٤) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا﴾ مع أنه لم يذبح، لكنه فعل ما أمر به، ولم يبق إِلَّا أن ينفذه.
والحديث الذي تشهد له هذه الآية.
стр. 247
أولًا: ما ثبت في الصحيح في قصة الرجل الذي قال: "ليت لي مثل مال فلان فأعمل فيه مثل ما عمل فلان، وكان ينفق ماله في الخير" (١).
وكذلك في قصة الرجلين يقتتلان كلاهما يدخل النار، فقيل: يا رسول الله، هذا القاتل فما بال المقتول؟ ! قال: "لأنه كان حريصًا على قتل صاحبه" (٢) فإذا كان من فعل السيئة ولم يتمها يؤزر عليها فمن فعل الحسنة ولم يتمها من باب أولى أن يؤجر عليها.
٤ - ومن فوائدها: أن العبادة ما أمر الله به وإن كانت في غير هذا الموضع معصية، فإن قتل الابن من أكبر الكبائر، فإذا أمر الله به صار طاعة، ومن أفضل الطاعات؛ لأن تنفيذه من أشق ما يكون على النفس، فإذا نفذه الإنسان مع قوة الداعي لمنعه كان ذلك أكمل وأفضل. ولهذا نظير، فالسجود لغير الله شرك، ولما أمر الله الملائكة أن يسجدوا لآدم صار السجود لآدم طاعة، فالحاصل أن العبادة ما أمر الله به، وإن كان جنسها قد يكون معصية في موضع آخر.
٥ - ومن فوائدها: العمل بالرؤيا إذا كانت صالحة، ولكن هل هذا في كل رؤيا؟
стр. 248
والجواب: أما رؤيا الأنبياء فيعمل بها؛ لأن رؤياهم وحي، وأما رؤيا غيرهم فإن شهدت النصوص الشرعية باعتبارها، أو وجدت قرائن حسية تشهد لها عُمل بها وإلا فلا.
مثال الأول: ما ذكره ابن القيم ﵀ عن شيخه شيخ الإِسلام ابن تيمية ﵀ أنه رأى النبي ﷺ في المنام فسأله عن مسائل أشكلت عليه، ومنها أنه يقدم إليه جنائز لا يدري أمسلمون هم أم كافرون، فقال له النبي ﷺ : "عليك بالشرط يا أحمد". أي: أرشده إلى أن يشترط فيقول مثلًا: اللهم إن كان مؤمنًا فاغفر له وارحمه.
فهذه الرؤيا شهد الشرع باعتبارها، وهو جواز الدعاء المعلق على شرط مثل قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (٦) وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٧) وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ (٨) وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٩)﴾ [النور ٥ - ٩]. فهنا دعاء معلق بشرط.
مثال الثاني: ما ذكر عن ثابت بن قيس ﵁ الذي استشهد في اليمامة وأتاه رجل من الجيش فأخذ درعه ووضعه في رحله تحت قدر، فرأى أحد أصحاب ثابت بن قيس ثابتًا في المنام وأخبره بأنه مر به رجل وأخذ درعه ووضعه تحت قدر من الفخار وعنده فرس تستن، وذكر أشياء أوصى بها فلما بلغ ذلك أبا بكر ﵁ أنفذ وصيته، لأن الرجل الذي رأى
стр. 249
هذه الرؤيا ذهب إلى المكان الذي ذكره ثابت، فوجد الأمر كما قال (١).
فهنا وجدت قرينة حسية تدل على صدق الرؤيا.
من فوائد قوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾.
١ - أن كل محسن فإن الله تعالى يجعل له من كل هم فرجًا، ويكتب له أجر العبادة وإن لم يفعلها إذا سعى في أسبابها، وهذا له أمثلة كثيرة، نذكر منها ما جرى لرسول الله ﷺ في حجة الوداع، فإن النبي ﷺ حج قارنًا بلا شك وساق الهدي، ومع ذلك قال: "لو أني استقبلت من أمري ما استدبرت لجعلتها عمرة" (٢). فهنا تمنى ﷺ أن يكون قد تمتع ولكنه قرن، فيكتب له أجر التمتع، الذي قال عنه: "لو استدبرت من أمري ما استقبلت لجعلتها عمرة".
فالإنسان الحريص على الخير قد يكتب الله له من الأجور ما هم أن يفعله وإن لم يفعله، وأن الله يفرج له كل كرب، وشاهد هذا قوله تعالى: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق: ٢ - ٣] ولكن لابد في هذه الحال من قيد، وهو أن ينتظر الإنسان فرج الله فلا يبعد بنفسه عن الله وييأس بل ينتظر الفرج، فإذا انتظر الفرج مع تقواه وإحسانه
стр. 250
فما أقرب الفرج إليه لقوله: ﴿إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٠٥)﴾.
٢ - ومن فوائدها: بيان عظمة الرب ، حيث أسند الفعل إليه بضمير العظمة: ﴿إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٠٥)﴾.
ولا شك أن الله تعالى أثنى على نفسه بالعظمة والإحسان والفضل.
٣ - ومن فوائدها: أن الجزاء من جنس العمل ﴿إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٠٥)﴾. فكما أحسن في عبادة الله أحسن الله إليه، وقد قال الله في سورة الرحمن: ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ (٦٠)﴾ [الرحمن: ٦٠] يعني ما جزاء الإحسان إلا الإحسان. وبهذا يتبين لك كمال فضل الله ، فإن الله هو الذي أحسن إليك، أولًا بتوفيقك للطاعات والإحسان, ثم أحسن إليك ثانيًا بالجزاء عليه.
فاعرف -أيها المؤمن- قدر نعمة الله عليك بالإحسانين: إحسان سابق للهداية، هداك الله ووفقك، وإحسان لاحق وهو الثواب العظيم، ونحن في الحقيقة في غفلة عن هذا، كثيرًا ما يعتمد الإنسان على نفسه بفعل الخير ولا يرى نعمة الله عليه به، مع أن الواجب أن ترى نعمة الله عليك به، إذا أتيت مثلًا إلى المسجد فاعرف قدر نعمة الله عليك، حيث سهل عليك المجيء إلى المسجد للصلاة، أو لقراءة العلم؛ لأن الله حرم أممًا كثيرة مما منّ الله به عليك، فما أكثر الذين لا يحضرون إلى المساجد، وما أكثر الذين يحضرون بأبدانهم لا بقلوبهم، وما أكثر الذين يحضرون عادة لا عبادة، وما أكثر الذين حرموا التردد إلى