← Тафсир

Тафсир · id 151158

تفسير العثيمين: الصافات

ابن عثيمين

Полный текст (376 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

الفوائد: من فوائد هذه الآية وما بعدها: ١ - إثبات الكلام لله لقوله: ﴿وَنَادَينَهُ﴾ أي: يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا، وأنه بصوت لقوله: ﴿وَنَادَينَهُ﴾ وبحرف لقوله: ﴿أَنْ يَاإِبْرَاهِيمُ (١٠٤) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٠٥)﴾ إلى آخره. ٢ - ومن فوائدها: أن الآية شهدت لما دل عليه الحديث الصحيح من قول النبي ﷺ : "واعلم أن النصر مع الصبر وأن الفرج مع الكرب" (١) فإن أشد كرب وقع لإبراهيم ﵊ بالنسبة لهذه القضية ما حصل منه حين تل ابنه على جبينه ليذبحه، فما تصورون لهذه الحال، إنه لكرب عظيم، وفي هذا الكرب العظيم جاء الفرج من الله : ﴿وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَاإِبْرَاهِيمُ (١٠٤) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٠٥)﴾. فالفرج يكون مع الكرب، وكلما اشتد الكرب والتجأ الإنسان إلى ربه كان الفرج إليه أسرع. ٣ - ومن فوائدها: أن فيها شاهدًا للحديث الصحيح أن الإنسان إذا قصد العمل وسعى به كتب له أجره لقوله: ﴿وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَاإِبْرَاهِيمُ (١٠٤) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا﴾ مع أنه لم يذبح، لكنه فعل ما أمر به، ولم يبق إِلَّا أن ينفذه. والحديث الذي تشهد له هذه الآية.

стр. 247

أولًا: ما ثبت في الصحيح في قصة الرجل الذي قال: "ليت لي مثل مال فلان فأعمل فيه مثل ما عمل فلان، وكان ينفق ماله في الخير" (١). وكذلك في قصة الرجلين يقتتلان كلاهما يدخل النار، فقيل: يا رسول الله، هذا القاتل فما بال المقتول؟ ! قال: "لأنه كان حريصًا على قتل صاحبه" (٢) فإذا كان من فعل السيئة ولم يتمها يؤزر عليها فمن فعل الحسنة ولم يتمها من باب أولى أن يؤجر عليها. ٤ - ومن فوائدها: أن العبادة ما أمر الله به وإن كانت في غير هذا الموضع معصية، فإن قتل الابن من أكبر الكبائر، فإذا أمر الله به صار طاعة، ومن أفضل الطاعات؛ لأن تنفيذه من أشق ما يكون على النفس، فإذا نفذه الإنسان مع قوة الداعي لمنعه كان ذلك أكمل وأفضل. ولهذا نظير، فالسجود لغير الله شرك، ولما أمر الله الملائكة أن يسجدوا لآدم صار السجود لآدم طاعة، فالحاصل أن العبادة ما أمر الله به، وإن كان جنسها قد يكون معصية في موضع آخر. ٥ - ومن فوائدها: العمل بالرؤيا إذا كانت صالحة، ولكن هل هذا في كل رؤيا؟

стр. 248

والجواب: أما رؤيا الأنبياء فيعمل بها؛ لأن رؤياهم وحي، وأما رؤيا غيرهم فإن شهدت النصوص الشرعية باعتبارها، أو وجدت قرائن حسية تشهد لها عُمل بها وإلا فلا. مثال الأول: ما ذكره ابن القيم ﵀ عن شيخه شيخ الإِسلام ابن تيمية ﵀ أنه رأى النبي ﷺ في المنام فسأله عن مسائل أشكلت عليه، ومنها أنه يقدم إليه جنائز لا يدري أمسلمون هم أم كافرون، فقال له النبي ﷺ : "عليك بالشرط يا أحمد". أي: أرشده إلى أن يشترط فيقول مثلًا: اللهم إن كان مؤمنًا فاغفر له وارحمه. فهذه الرؤيا شهد الشرع باعتبارها، وهو جواز الدعاء المعلق على شرط مثل قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (٦) وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٧) وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ (٨) وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٩)﴾ [النور ٥ - ٩]. فهنا دعاء معلق بشرط. مثال الثاني: ما ذكر عن ثابت بن قيس ﵁ الذي استشهد في اليمامة وأتاه رجل من الجيش فأخذ درعه ووضعه في رحله تحت قدر، فرأى أحد أصحاب ثابت بن قيس ثابتًا في المنام وأخبره بأنه مر به رجل وأخذ درعه ووضعه تحت قدر من الفخار وعنده فرس تستن، وذكر أشياء أوصى بها فلما بلغ ذلك أبا بكر ﵁ أنفذ وصيته، لأن الرجل الذي رأى

стр. 249

هذه الرؤيا ذهب إلى المكان الذي ذكره ثابت، فوجد الأمر كما قال (١). فهنا وجدت قرينة حسية تدل على صدق الرؤيا. من فوائد قوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾. ١ - أن كل محسن فإن الله تعالى يجعل له من كل هم فرجًا، ويكتب له أجر العبادة وإن لم يفعلها إذا سعى في أسبابها، وهذا له أمثلة كثيرة، نذكر منها ما جرى لرسول الله ﷺ في حجة الوداع، فإن النبي ﷺ حج قارنًا بلا شك وساق الهدي، ومع ذلك قال: "لو أني استقبلت من أمري ما استدبرت لجعلتها عمرة" (٢). فهنا تمنى ﷺ أن يكون قد تمتع ولكنه قرن، فيكتب له أجر التمتع، الذي قال عنه: "لو استدبرت من أمري ما استقبلت لجعلتها عمرة". فالإنسان الحريص على الخير قد يكتب الله له من الأجور ما هم أن يفعله وإن لم يفعله، وأن الله يفرج له كل كرب، وشاهد هذا قوله تعالى: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق: ٢ - ٣] ولكن لابد في هذه الحال من قيد، وهو أن ينتظر الإنسان فرج الله فلا يبعد بنفسه عن الله وييأس بل ينتظر الفرج، فإذا انتظر الفرج مع تقواه وإحسانه

стр. 250

فما أقرب الفرج إليه لقوله: ﴿إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٠٥)﴾. ٢ - ومن فوائدها: بيان عظمة الرب ، حيث أسند الفعل إليه بضمير العظمة: ﴿إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٠٥)﴾. ولا شك أن الله تعالى أثنى على نفسه بالعظمة والإحسان والفضل. ٣ - ومن فوائدها: أن الجزاء من جنس العمل ﴿إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٠٥)﴾. فكما أحسن في عبادة الله أحسن الله إليه، وقد قال الله في سورة الرحمن: ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ (٦٠)﴾ [الرحمن: ٦٠] يعني ما جزاء الإحسان إلا الإحسان. وبهذا يتبين لك كمال فضل الله ، فإن الله هو الذي أحسن إليك، أولًا بتوفيقك للطاعات والإحسان, ثم أحسن إليك ثانيًا بالجزاء عليه. فاعرف -أيها المؤمن- قدر نعمة الله عليك بالإحسانين: إحسان سابق للهداية، هداك الله ووفقك، وإحسان لاحق وهو الثواب العظيم، ونحن في الحقيقة في غفلة عن هذا، كثيرًا ما يعتمد الإنسان على نفسه بفعل الخير ولا يرى نعمة الله عليه به، مع أن الواجب أن ترى نعمة الله عليك به، إذا أتيت مثلًا إلى المسجد فاعرف قدر نعمة الله عليك، حيث سهل عليك المجيء إلى المسجد للصلاة، أو لقراءة العلم؛ لأن الله حرم أممًا كثيرة مما منّ الله به عليك، فما أكثر الذين لا يحضرون إلى المساجد، وما أكثر الذين يحضرون بأبدانهم لا بقلوبهم، وما أكثر الذين يحضرون عادة لا عبادة، وما أكثر الذين حرموا التردد إلى

стр. 251

المساجد لطلب العلم أو قراءة القرآن، فكل هذه يجب أن يتفطن لها الإنسان وأن يعرف قدر نعمة الله عليه بها، ثم يرجو ثواب الله عليها، ويحسن الظن بالله ، وقد قال الله : "أنا عند ظن عبدي بي وأنا معه إذا ذكرني" (١). * فوائد قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ (١٠٦)﴾. ١ - ومن فوائدها: بيان أن الله قد يختبر عبده المؤمن بمصائب يفعلها هو بنفسه، أو بمصائب يقدرها الله عليه لا اختيار له فيها، والأول أكمل من الثاني يعني أن يبتلي الله الإنسان بمصائب يفعلها هو بنفسه هذا أكمل من الثاني؛ لأن الثاني الذي يجري عليه بغير اختيار كما قال بعض السلف: "إما أن يصبر صبر الكرام، وإما أن يسلو سلو البهائم". لكن الشيء الذي يفعله بنفسه أعظم وأكمل، وما جرى لإبراهيم ﵊ من الاختبار من النوع الأول الذي قدر عليه المصيبة يفعلها هو بنفسه، وهو ذبح ابنه، فإنه سيفقده، وفقد الابن هذا السن -وهو أيَضًا وحيده الذي ليس له ولد سواه-، لا شك مصيبة عظيمة، ولهذا وصفه الله بأنه بلاء مبين. ٢ - ومن فوائدها: بيان حكمة الله فيما يقدره على عبده المؤمن من مكروه، فلا يقول الإنسان: لماذا ابتلاني الله

стр. 252

تعالى بهذا دون غيري؟ بل يقول: لله في ذلك حكم عظيمة، والله يبتلي المؤمن بالمصائب، فإذا صبر نال بذلك درجة الصابرين، وإذا احتسب الأجر بهذا الصبر نال بذلك ثواب الصابرين، والصبر مرتبة عالية يُوفّى فيها العامل أجره بلا حساب، ولا يمكن صبر بلا مصبور عليه، بل لابد من ابتلاء وامتحان يعلم به قدر صبر الإنسان حتى يثاب على قدر ما حصل منه من الصبر. ٣ - ومن فوائدها: فضيلة إبراهيم وإسماعيل -عليهما الصلاة والسلام-، وقد سبق، لكن من هذه الآية يتبين فضيلتهما بأنهما صبرا على هذا الابتلاء، صبرا صبر الكرام، وأسلما ولم يبق إلا التنفيذ حتى جاء الفرج من الله . * ومن فوائد قوله تعالى: ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ (١٠٧)﴾: ١ - بيان أن رفع الذبح عن الابن جعل له مقابلًا لتكميل التنفيذ والامتثال، وذلك بأن أمر إبراهيم ﵊ بأن يذبح فداء عن ابنه، ويكون هذا الذبح أي المذبوح عظيمًا، فلهذا قال: ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ (١٠٧)﴾ يعني أمرناه أن يذبح ذبحًا عظيمًا فداء له. ٢ - ومن فوائدها -على ما استنبطه بعض العلماء-: أن الإنسان إذا نذر ذبح ابنه وجب عليه أن يذبح فدية عنه كبشًا، قال: لأن هذا هو الذي أمر الله به إبراهيم ﵊ ليكون فداء عن ابنه، ومعلوم أن الإنسان إذا نذر أن يذبح ابنه فإنه لا يحل له أن يوفي به؛ لأنه نذر معصية، وقد قال النبي ﷺ : "من نذر أن

стр. 253

يعصي الله فلا يعصه" (١). وهذا الاستنباط جيد لولا مخالفته لظاهر السنة، وهو أن من نذر معصية فإنه يحرم عليه فعلها, ولكن يكفر كفارة يمين، فإذا قال شخص: لله عليَّ نذر أن أذبح أول ولد يأتيني، ثم أتاه ولد فإنه لا يحل له أن يذبحه ولكن نقول: عليك على القول الراجح أن تكفر كفارة يمين. * ومن فوائد قوله تعالى: ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (١٠٨) سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ (١٠٩)﴾: أنَّ الله تعالى أبقى لإبراهيم -عليه الصلاة السلام- ثناءً حسنًا وسلامًا في الآخرين. ثناء حسنًا يثني عليه بما حصل منه من الدعوة إلى الله والصبر على البلاء الذي حصل له بغير اختياره، والصبر على البلاء الذي حصل له باختياره. فمن البلاء الذي حصل له بغير اختياره الإحراق حين قال قومه: ﴿حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ﴾، [الأنبياء: ٦٨] ومن المعلوم ما يحصل للإنسان عندما يعزم على تحريقه لقاء الدعوة إلى الله؛ لأنه سيتألم لذلك ألمًا بدنيًّا وألمًا قلبيًّا. إن من الدعاة من إذا رأى عدم قبول الناس لدعوته تألم بمجرد أنهم لم يقبلوها فكيف إذا ردوها وأحرقوه من أجلها فإذا أشد ألمًا على القلب، ولا شك أن هذا بلاءً ومع ذلك صبر وأُلقي في النار، ولكن الله أمرها أن تكون بردًا وسلامًا عليه. البلاء الثاني الذي حصل باختياره هو الأمر بذبح ابنه وعزمه على أن ينفذ ذلك. هذا من الثناء الحسن على إبراهيم.

стр. 254

كذلك أيضًا إبراهيم اتفقت الأمم على الثناء عليه وعلى ألا يعاب، ولهذا قال: ﴿سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ (١٠٩)﴾. فإن قلت: إننا -نحن هذه الأمة- نسلم على إبراهيم وغيره فإننا نقول: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، قال النبي ﷺ : "إنكم إذا فعلتم ذلك فقد سلمتم على كل عبد صالح في السماء والأرض" (١). فالجواب: نعم إننا نسلم على كل عبد صالح في السماء والأرض، ولكن سلامنا على إبراهيم وأمثاله من أولي العزم من الرسل أشد وأبلغ من سلامنا على عامة الصالحين. * ومن فوائد الآية في قوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١١٠)﴾ أن الله تعالى كرر هذه الجملة المفيدة لهذا الحكم ترغيبًا للناس في الإحسان فيستفاد منها: أنه ينبغي لمن تكلم في أمر يرغب فيه أن يكرر؛ لأن النفوس كلما تكرر لها الحكم ازدادت طمأنينة فيه ورغبة فيه، وفي مقام الترهيب كذلك يكرر، ألم تروا إلى قوله تعالى في سورة المرسلات: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (١٥)﴾ [المرسلات: ١٥] حيث كررت عدة مرات تحذيرًا وإنذارًا، فلكل مقام مقال. والتكرار قد يكون من الركاكة ومن البعد عن البلاغة، لكن إذا كان في موضع يحسن فيه كان ذلك من البلاغة، وهنا كرر الله هذه الجملة ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١١٠)﴾ في عدة آيات. * ومن الفوائد في قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (١١١)﴾:

стр. 255

١ - الثناء على إبراهيم ﵊ بهذين الوصفين، وهما العبودية والإيمان, ويتفرع على ذلك: أن من اتصف بالعبودية والإيمان ناله من الثناء بقدر ما اتصف به منهما، فكلما كان الإنسان لله أعبد وبه آمن كان الثناء عليه أكثر وأعظم، ولا تغتر بما تلاقيه في الدنيا من مجابهات، فإن هذا قد يرد ولكن يكون امتحانًا وابتلاءً واختبارًا، ويكون الثناء ولو بعد موت الإنسان، كم من أئمة من هذه الأمة أوذوا في حياتهم، ولكن بعد مماتهم صار جزاء هذه الأذية أن الله تعالى رفع لهم الذكر. وصارت العاقبة لهم، والثناء الحسن بعد مماتهم، والشواهد على ذلك كثيرة. ٢ - ومن فوائدها: فضيلة العبودية لله ، والإيمان به لأنه لا شك أن المراد بقوله: ﴿إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (١١١)﴾ الثناء عليه، وإذا علق الحكم على وصف فإنه يقوى بقوته ويضعف بضعفه. فإذا كان الثناء معلقًا بالعبودية والإيمان فكلما كان الإنسان أشد عبادة وأقوى عبادة كان أحق بالثناء، وكلما كان الإنسان أقوى إيمانًا كان أحق بالثناء، والعكس بالعكس. * ومن فوائد قوله تعالى: ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ (١١٢)﴾: ١ - مشروعية البشارة بالولد -وقد سبقت- وذلك لأن الولد يسر به الإنسان بلا شك، لاسيما إذا بشر بأنه نبي كما في هذه الآية ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ (١١٢)﴾. أو بأنه غلام حليم كما في

стр. 256

الآية التي في إسماعيل ﵊. ٢ - ومن فوائدها: الدليل الظاهر على أن الذي أُمر إبراهيم بذبحه إسماعيل وليس إسحاق، وقد بينا فيما تقدم تسعة أوجه تدل على أن الذي أُمر بذبحه هو إسماعيل ﵇. ٣ - ومن فوائدها: إثبات نبوة إسحاق لقوله: ﴿بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا﴾. ٤ - أنه ينبغي عند البشارة أن يذكر ما يرجى من مستقبل ما بشر به، سواء كان ولدًا، أم مالًا، أم زوجة، أم بيتًا، أم غير ذلك، فالإنسان إذا توقع خيرًا في المستقبل فيما بشر به، فإنه ينبغي أن يقرن ذلك بالبشارة؛ لأن الله قرن نبوته بالبشارة به. ٥ - ومن فوائدها: الثناء على إسحاق ﵊ بكونه ﴿نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ والأنبياء -عليهم الصلاة والسلام- جمعوا بين الصلاح بأنفسهم والإصلاح لأممهم، فهم صالحون مصلحون. ٦ - ومن فوائد الآية الكريمة: أن النبوة وصف كمال؛ لأن الله تعالى قرنها بالبشارة، فلولا أنها وصف كمال يستبشر به الإنسان لكان ذكرها لغوًا لا فائدة منه. * ومن فوائد قوله تعالى: ﴿وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ (١١٣)﴾: ١ - أن الله بارك على إبراهيم وعلى إسحاق فمن بركات إبراهيم أن جميع الأنبياء من بعده كانوا من ذريته، لقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ

стр. 257

وَالْكِتَابَ﴾. [الحديد: ٢٦] فمن سبق إبراهيم فهو من ذرية نوح، وأما من بعده فهو من ذرية إسحاق وإبراهيم، والذي ليس من ذرية إسحاق من ذرية إبراهيم، والذي من ذرية إسحاق من ذرية إبراهيم وإسحاق. مثال: من لم يكن من ذرية إسحاق: إسماعيل ومحمد -صلى الله عليهما وسلم-. فإنهما من ذرية إبراهيم وليس من ذرية إسحاق. أما أنبياء بني إسرائيل فكلهم من ذرية إسحاق. ٢ - ومن فوائدها: أن ذرية إبراهيم وإسحاق انقسموا إلى قسمين: محسن وظالم، وهذا يشمل: الإحسان المطلق، ومطلق الإحسان, والظلم المطلق، ومطلق الظلم. فمطلق الإحسان يشترك معه مطلق الظلم؛ لأن من جمع حسنات وسيئات ففيه مطلق الإحسان ومطلق الظلم. أي ليس فيه الإحسان الكامل, لأن عنده ظلمًا، وليس فيه الظلم المطلق، لأن عنده إحسانًا. فيكون الإحسان المطلق والظلم المطلق متقابلان. الإحسان المطلق هو الذي إذا فعل معصية ذكر الله فاستغفر فرفع عنه أثر المعصية، والظلم المطلق هو الكافر الذي ظلم بالكفر، كما قال تعالى: ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة: ٢٥٤] فذرية إبراهيم وإسحاق ينقسمون إلى ثلاثة أقسام عند التفصيل: أ - المحسن المطلق هو المؤمن الذي إذا فعل فاحشة أو ظلم نفسه ذكر الله فاستغفر لذنبه ومن يغفر الذنوب إلا الله.

стр. 258

ب - الظالم المطلق وهذا الكافر. ج - من عنده مطلق الإحسان وهو المسلم الذي عنده معاصي، ومطلق الظلم وهو كذلك المسلم الذي عنده معاصي، فإن كثرت معاصيه على طاعاته صار إلى الظلم أقرب، وإن كثرت طاعاته على معاصيه صار إلى الإحسان أقرب. ٣ - ومن فوائد الآية الكريمة: ﴿وَظَالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ (١١٣)﴾ أن الظلم يكون بيّنًا أو مظهرًا لصاحبه، على حسب القول في ﴿مُبِينٌ (١١٣)﴾ هل هي بمعنى بيِّن أي: ظاهر، أو بمعنى مظهر لظلم صاحبه؛ لأن الظلم: قد يكون ظلمًا بيِّنًا واضحًا كالعدوان على الناس على أموالهم، ودمائهم، وأعراضهم، فهذا يكون الرجل فيه مظهرًا لظلمه، وقد يكون خفيًّا يستتر به الإنسان، فهذا ظلم بيِّن بالنسبة له، ولكنه ليس مظهرًا له؛ لأنه قد أخفاه عن الناس والله أعلم. * * * ﴿وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ (١١٤)﴾ موسى وهارون -عليهما الصلاة والسلام- من ذرية إسحاق، وأكد الله تعالى منته عليهما باللام، وقد، والقسم المقدر. والمنة هي: العطاء بلا ثمن، وأعظم عطاء يعطيه الله تعالى الإنسان هو النبوة، ولهذا قال المؤلف: [بالنبوة]. ﴿وَنَجَّيْنَاهُمَا وَقَوْمَهُمَا مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (١١٥)﴾ ذكر الله منته على موسى وهارون بالنبوة ثم بنجاتهما وقومهما من الكرب العظيم. والكرب يحتمل أنه الهلاك كما سبق في نظيرها، ويحتمل أنه ما لحقهما من الشدة

стр. 259

من فرعون، فإن فرعون استعبد بني إسرائيل، وصار يقتل أبناءهم ويستحيي نساءهم، يذبح أبناءهم فأحيانًا يذبحهم ذبحًا كالغنم، وأحيانًا يقتلهم قتلًا، إما بأحجار، أو بغيرها، وكان يؤذيهم أشد الإيذاء، يسومهم سوء العذاب، ولا شك أن هذا سيكون فيه كرب عظيم على هؤلاء القوم، فنجاهم الله من ذلك. فذكر الله منته عليهم به. ﴿وَنَصَرْنَاهُمْ﴾ الضمير يعود على موسى وهارون وقومهما أي: نصرناهم على عدوهم، وأعظم انتصار ما حصل في النهاية حيثما أمر موسى ﵊ أن يخرج من مصر فاتجه إلى البحر الأحمر، ولما بلغه أمر بضربه فضربه فانفلق، فخرج موسى وقومه سالمين، ودخل فرعون وقومه فهلكوا حتى أراهم الله جثة فرعون فوق الماء؛ ليطمئنوا بموته ويتيقنوا ذلك، فلهذا كان ذلك نصرًا لهم. وقوله: ﴿فَكَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ (١١٦)﴾ الغالبين في النهاية، وإلا فإن أول الأمر كان فرعون قد سامهم سوء العذاب، لكن العبرة بالنهاية، والنهاية أنهم غلبوا؛ لأن الله يقول في آل فرعون: ﴿كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٢٥) وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ (٢٦) وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ (٢٧)﴾ [الدخان: ٢٥ - ٢٧] يعني الأمر، كذلك مؤكد، ﴿كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آخَرِينَ (٢٨)﴾ [الدخان: ٢٨] وهؤلاء القوم هم بنو إسرائيل كما في آية الشعراء، فإذا من النصر العظيم أن الله تعالى يورث هؤلاء القوم الذين استضعفوا في الأرض، أرض هؤلاء العتاة الطغاة الفراعنة بكل سهولة.

стр. 260

﴿وَآتَيْنَاهُمَا الْكِتَابَ الْمُسْتَبِينَ (١١٧)﴾ أي: أعطيناهما الكتاب المستبين، وهو التوراة وسماه كتابًا؛ لأن الله كتبه بيده كما جاء ذلك في بعض الآثار (١)، فالله كتب التوراة بيده، قال الله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف: ١٤٥] فهي إذًا كتاب بمعنى مكتوب، ووصفه بأنه مستبين لأنه فيه تبيان كل شيء يحتاج إليه بنو إسرائيل، والمستبين أبلغ من المبين أو البيِّن؛ لأنه كلما كثرت الحروف كثرت المعاني في الغالب، ولهذا يقال: زيادة المبنى تدل على زيادة المعنى، لكن هذا ليس دائمًا، بل في الغالب، فمثلًا كلمة (شجرة) حروفها أكثر من شجر ومع ذلك شجر أكثر من شجرة، وكذلك بقر ونمل وما أشبهه. يقول الله تعالى: ﴿الْكِتَابَ الْمُسْتَبِينَ (١١٧)﴾. قال المؤلف ﵀: [البليَغ البيان] أتى المؤلف بكلمة: البليغ: البيان من قوله: ﴿الْمُسْتَبِينَ (١٧)﴾ لأن زيادة حروفها تدل على زيادة معناها [فيما أتى به من الحدود والأحكام وغيرها] , ولهذا يقال: إن أشمل كتاب بعد القرآن هو التوراة، وقد جعلها الله تعالى عمدة لبني إسرائيل ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ﴾ [المائدة: ٤٤]. ﴿وَهَدَيْنَاهُمَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (١١٨)﴾ الصراط: الطريق لكن

стр. 261

قال العلماء: إنه ليس كل طريق صراطًا، بل هو الطريق الواسع المستقيم المعتدل، الذي ليس فيه اعوجاج، وذلك لأنه مأخوذ من سرط أو زرط بمعنى التقمته بسرعة، فالطريق الواسع المستقيم العدل يسمى صراطًا، ولا شك أن صراط الله الذي وضعه لعباده طريق واسع يسع كل من تمسك به. وقوله: ﴿وَهَدَيْنَاهُمَا الصِّرَاطَ﴾ ولم يقل إلى الصراط؛ لأن المراد بذلك هداية التوفيق وهداية الدلالة، وإذا كان المراد بالهداية الهدايتان فإنه يتعدى بنفسه، فيقال: اهدنا الصراط. وانظر إلى قوله تعالى في سورة الفاتحة: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦)﴾ [الفاتحة: ٦] وقال في حق النبي ﷺ : ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٢)﴾ [الشورى: ٥٢] فإذا كانت الهداية بمعنى الدلالة تعدت بإلى، وإذا كانت بمعنى الدلالة والتوفيق تعدت بنفسها. ثم إنها إذا تعدت بنفسها تفيد الهداية إلى الصراط والهداية في الصراط، فتفيد المعنيين جميعًا: إلى الصراط بحيث يصل الإنسان إليه، وفيه بحيث لا يتجاوزه ولا يخرج عنه. فحذف الجار فيه هذه الفائدة أن يكون أعم مما لو تعين الجار، فيكون شاملًا لهدايته إليه وللهداية فيه. وقوله: ﴿الْمُسْتَقِيمَ﴾ وإذا جعلنا الصراط هو الطريق الواسع المعتدل صارت المستقيم بيانًا للواقع وصفة كاشفة؛ لأن لو حذفت وقيل: الصراط. لاستغني عنها إذا فسرنا الصراط بما ذكرنا. أما إن فسر الصراط بمطلق الطريق فلابد من ذكرها.

стр. 262

وقوله: ﴿الْمُسْتَقِيمَ (١١٨)﴾ يعني الذي استقام فليس فيه اعوجاج ولا انحراف، قال الله تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام: ١٥٣]. فالصراط المستقيم معتدل قائم، والسبل تخرج يمينًا وشمالًا، ولذلك من خرج عن الصراط المستقيم ضاع وتاه، قال الله تعالى: ﴿كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى﴾ [الأنعام: ٧١]. ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِمَا فِي الْآخِرِينَ (١١٩)﴾ قال المؤلف ﵀: [أبقينا عليهما في الآخرين ثناءً حسنًا ﴿سَلَامٌ﴾ منا ﴿عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ (١٢٠)﴾] يقال في هاتين الآيتين ما سبق، قال: [﴿إِنَّا كَذَلِكَ﴾ كما جزيناهما ﴿نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٢١) إِنَّهُمَا مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (١٢٢)﴾ أيضًا نقول فيها كما سبق. الفوائد: ١ - عظيم منة الله على موسى وهارون عليهما الصلاة والسلام بالرسالة؛ لأن الرسالة من أعلى مقامات البشر، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ﴾. [النساء: ٦٩]. ٢ - ومن فوائد الآية الكريمة: تأكيد رسالتهما لقوله: ﴿وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ (١١٤)﴾. ٣ - ومن فوائدها: أن منْ منّ الله عليه بإرث الأنبياء بالعلم، فإن ذلك من أعظم المنن، ولهذا قال أهل العلم: إن العلم أفضل من المال، فلو اجتمع عالم وغني، فالعالم أفضل من الغني حتى

стр. 263

وإن بذل الغني ماله في سبيل الله، فالعالم المنتفع بعلمه والمعلم لغيره أفضل من صاحب المال. ٤ - ومن فوائدها: جواز تعدد الرسل في آنٍ واحد، وهذا قبل بعثة الرسول ﵊، أما بعد بعثته فهو خاتم النبيين ولا نبي بعده. ٥ - ومن فوائد قوله تعالى: ﴿وَنَجَّيْنَاهُمَا وَقَوْمَهُمَا مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (١١٥)﴾ بيان منة الله على موسى وهارون وقومهما بالنجاة من الهلاك، سواء كان على أيدي الفراعنة، أو بعذاب من عند الله ، فإن الله نجاهما، وقد ذكَّر الله قوم موسى بهذه النعمة ﴿وَإِذْ أَنْجَيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُقَتِّلُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ﴾ [الأعراف: ١٤١] وفي آية أخرى: ﴿وَيُذَبِّحُونَ﴾، [إبراهيم: ٦] لأنهم تارة يقتلونهم، وتارة يذبحونهم، كما تذبح الشاة -والعياذ بالله- إرهابًا وإزعاجًا، فأنجاهم الله منهم. ٦ - ومن فوائد الآية الكريمة في قوله: ﴿مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (١١٥)﴾ أن بني إسرائيل أصابهم كرب عظيم بسبب ما حصل لهم من استعباد فرعون لهم؛ لأنه كان استذلهم استذلالًا عظيمًا، فمن العلماء من قال: إنه فعل ذلك لأنه قيل له: إنه سيولد منهم ولد يكون ذهاب ملكك على يده. ومنهم من قال: بل فعل ذلك لمجرد إذلالهم خشية من أن يكثروا، ويكون لهم عزة وشوكة ومنعة، وكونه فعل ذلك من أجل الخوف من هذا الذي قيل عنه ما -قيل- يحتاج إلى دليل.

стр. 264

٧ - ومن فوائد قوله تعالى: ﴿وَنَصَرْنَاهُمْ فَكَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ (١١٦)﴾ بيان منة الله على الإنسان بالنصر، فإن النصر من أعظم النعم، لأن الإنسان يكون له عزة وغلبة، ويكون عدوه خائفًا منه، ذليلًا أمامه. ٨ - ومن فوائدها: أن الغلبة صارت في النهاية لموسى ﵊ وقومه، ويتفرع على هذه الفائدة: أخذ العبرة من ذلك بأن النصر بيد الله قد ينصر من هو ضعيف، وقد يذل من هو قوي، كما قال تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٦)﴾ [آل عمران: ٢٦]. ٩ - ومن فوائد الآية الكريمة: أن هلاك عدوك يعتبر غلبة لك، سواء كان هلاكه على يدك أو بعذاب من عند الله، فإنه بلا شك لم يكن هلاك فرعون وقومه على يد موسى وقومه، بل كان بفعل الله، ومع ذلك جعل الله إنجاء موسى وقومه من فرعون غلبة. والتخلص من العدو يسمى نصرًا وفتحًا وغلبة، كما قال النبي ﷺ في غزوة مؤتة حين كانت الراية مع زيد بن حارثة، ثم كانت مع جعفر بن أبي طالب، ثم كانت مع عبد الله بن رواحة، وكلهم قتلوا ﵃ قال: "ثم أخذها خالد ففتح الله على يديه" (١)، وخالد ﵁ لم ينتصر على الروم ولم يغلبهم، ولكن نجا منهم، فسمى النبي ﷺ

стр. 265

هذه النجاة فتحًا، كما سمى الله تعالى هنا نجاة موسى وهارون وقومه من فرعون أنها نصر وغلبة. ١٠ - ومن فوائد قوله تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُمَا الْكِتَابَ الْمُسْتَبِينَ (١١٧)﴾ بيان عظيم منة الله بإيتاء الكتاب لموسى وهارون وهو من عطف الخاص على العام في قوله: ﴿وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ (١١٤)﴾ لأن إيتاء الكتاب أعظم منه، ويتفرع على هذا: أن من آتاه الله علم كتابه وسنة رسوله ﷺ فله نصيب من هذه المنة. ١١ - ومن فوائد الآية: الثناء على التوراة في قوله: ﴿الْكِتَابَ الْمُسْتَبِينَ﴾ أي: البالغ البيان، ولا شك أن التوراة هي أعظم كتاب أنزله الله تعالى علي بني إسرائيل. ١٢ - ومن فوائدها: أن الله ينزل الكتب تبيانًا للناس، فيؤخذ من ذلك أن العقول لا تستقل بمعرفة ما يجب لله من الحقوق، ولا بمعرفة ما يجب له من الصفات، ولا بمعرفة ما يجوز عليه ولا ما يمتنع. فيكون في ذلك رد على من حكموا العقول في باب أسماء الله وصفاته. ١٣ - ومن فوائد قوله تعالى: ﴿وَهَدَيْنَاهُمَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (١١٨)﴾ أن كل إنسان مفتقر إلى الله تعالى في الهداية مهما بلغت مرتبته، فهذا موسى وهارون منَّ الله عليهما بهدايتهما الصراط المستقيم، فلا يقول قائل: أنا عالم، أنا عابد. فيعتمد على نفسه ويعجب بها، بل يجب عليه أن يرى قدر نعمة الله عليه

стр. 266

بالهداية، فكم من أناس أضلهم الله وهم أقوى منه ذكاء. ١٤ - ومن فوائدها: أن صراط الله صراط مستقيم، لا اعوجاج فيه ولا ارتفاع ولا انخفاض، فهو سهل لسالكه، ومن المعلوم أن الصراط إذا كان معوجًّا أو فيه انخفاض أو ارتفاع فإنه يعيق سالكه، لكن صراط الله على العكس من ذلك مستقيم. ١٥ - ومن فوائدها: أن الإنسان محتاج في الهداية إلى الصراط المستقيم إلى هدايتين: هداية دلالة وهي التي تتعدى بإلى، وهداية توفيق وهي التي تتعدى بنفسها، ولهذا قال: ﴿وَهَدَيْنَاهُمَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (١١٨)﴾ ولم يقل: إلى الصراط. ١٦ - ومن فوائد قوله تعالى: ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِمَا فِي الْآخِرِينَ (١١٩)﴾ أن الله ذكر موسى وهارون -عليهما الصلاة والسلام- في الآخرين وأثنى عليهما بما يستحقانه. ١٧ - ومن فوائد قوله تعالى: ﴿سَلَامٌ عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ (١٢٠)﴾ أن الله دافع عن موسى وهارون، حيث سلمهما من الثناء القبيح في الآخرين، هذا على القول بأن سلام على موسى وهارون متعلق بقوله: ﴿وَتَرَكْنَا﴾ يعني أنه ترك ﵉ في الآخرين، أما إذا قلنا بأنه ترك عليهما ثناءً حسنًا وجعلنا السلام من الله، فهو جملة مستأنفة لا تتعلق بما قبلها. ١٨ - ومن فوائد قوله تعالى: ﴿إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي

стр. 267

الْمُحْسِنِينَ (١٢١)﴾ بيان فضل الله على عباده الذين أحسنوا، حيث يجزيهم بالحسنى، كما قال تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾. [يونس: ٢٦] ١٩ - ومنها أيضا بيان فضل الله على العباد من وجه آخر، وهو أنه هو الذي منّ عليهم بالإحسان أي جعلهم يحسنون، ثم منّ عليهم مرة ثانية بمجازاتهم على هذا الإحسان, وعلى هذا فكل إحسان تفعله فإن لله عليك فيه منتين. المنة الأولى: توفيقك لهذا الإحسان. والمنة الثانية: ثوابك على هذا الإحسان. ٢٠ - ومن فوائد الآية الكريمة: أن الله لا يجزي العامل لشخصه، وإنما يجزيه لعمله؛ ولهذا بين أن هذا الجزاء لا يختص بموسى وهارون، بل هو لكل إنسان محسن. ٢١ - ومن فوائد قوله تعالى: ﴿إِنَّهُمَا مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (١٢٢)﴾ الثناء على المؤمن الذي حقق عبودية الله، لقوله: ﴿إِنَّهُمَا مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (١٢٢)﴾. ٢٢ - ومن فوائدها: أن البشر مهما علت منزلتهم ومرتبتهم فهم داخلون ضمن العبودية؛ لأن موسى وهارون عليهما الصلاة والسلام من أكابر الأنبياء، ومع ذلك فإن الله تعالى وصفهما بالعبودية له . ومن المعلوم أن وصف الإنسان بالعبودية لله شرف له وعز؛ لأنه ما من إنسان إلا وهو عبد، إما أن يكون عبدًا لهواه، وإما أن يكون عبدًا لمولاه، وكل إنسان له إرادة، وكل إنسان متحرك

стр. 268

ولكن ما هي الإرادة؟ وإلى أين التحرك؟ إن كانت الإرادة إرادة لله والتحرك لدينه فهذه هي الحرية، وإذا كانت الإرادة لغيره والتحرك لغير شرعه فهذه رق. ولهذا نرى أن هؤلاء الفوضويين الذين يريدون أن يكون الناس فوضى مدعين أن هذه هي الحرية -نرى أن هؤلاء هم الذين ابتلوا بالرق؛ لأن الشيطان استرقهم وجعلهم عبيدًا له، ولو عبدوا الله لسلموا من هذا الرق، فهم تركوا الرق الذي خلقوا له وبلوا برق النفس والشيطان، كما قال ابن القيم ﵀ في النونية: هربوا من الرق الذي خلقوا له ... وبلوا برق النفس والشيطان الرق الذي خلقوا له هو العبودية لله، لكنهم بلوا برق النفس والشيطان، فما من إنسان يهرب من عبادة الله إلا وقع في عبادة الشيطان ولابد. فالعبودية وصف كمال للإنسان إذا كانت لله، وإذا كانت للشيطان فهي وصف نقص. ٢٣ - ومن فوائد الآية الكريمة فضيلة الإيمان، لقوله: ﴿إِنَّهُمَا مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (١٢٢)﴾. ٢٤ - ومن فوائدها: أن كل جزاء وكل وصف علق بالإيمان فإن للأنبياء منه الحظ الأوفر والأكمل. * * * ﴿وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (١٢٣)﴾ الجملة هذه مؤكدة بـ (إن) و (اللام). ويؤكد الله مثل هذه الأشياء التي يكفي فيها خبره

стр. 269

- عن كل توكيد جريًا على عادة العرب في توكيدهم الأمور الهامة، أو الأمور التي يكون المخاطب فيها شاكًّا، أو يكون المخاطب فيها منكرًا، فهم يؤكدون الخبر لأسباب منها هذه الأسباب الثلاثة: أن يكون المخبر به أمرًا هامًّا، أو أن يكون المخبر شاكًّا في الخبر، أو أن يكون منكرًا له، فيؤكدونه زيادة في طمأنينة المخاطب، وإلا فإن مجرد خبر الله تعالى في الشيء يغني عن كل توكيد، وقوله: ﴿إِلْيَاسَ﴾ قال المؤلف ﵀: [بالهمز أوله وتركه] يعني أن فيه قراءتين إلياس بهمزة قطع، وترك الهمزة ﴿لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ الذي يظهر أنه من أنبياء بني إسرائيل، قال المؤلف: ﵀[قيل: هو ابن أخي هارون أخي موسى، وقيل: غيره، أرسل إلى قوم ببعلبك ونواحيها] ليس هناك دليل على أنه ابن أخي هارون أخي موسى لا من القرآن ولا من السنة، وذكر قصته بعد قصتهما لا يفيد ذلك فالله تعالى يذكر قصة هود بعد نوح ومع ذلك بينهما زمن طويل، ونحن لا يهمنا صلة هذا النبي بالنبي الآخر من حيث النسب، لكن الذي يهمنا صلة دعوتهما ببعض، كما قال تعالى في قصة إبراهيم: ﴿وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ (٨٣)﴾ [الصافات: ٨٣] فإن الأنبياء دعواهم واحدة، كلهم يدعون إلى توحيد الله، أما النسب فليس بهام. فإلياس رسول أرسله الله تعالى إلى بعلبك -كما هو كلام المؤلف- ﴿إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ﴾ قال المؤلف ﵀[إذ منصوب

стр. 270

باذكر مقدرًا] أي اذكر إذ قال لقومه، وإذا قلنا: إنه منصوب باذكر مقدرًا فهل الخطاب للرسول ﷺ ؟ يعني اذكر إلياس لقومك، أو الخطاب لكل واحد يصح خطابه، ويكون المراد بقوله: اذكر المقدر أي: تذكر، يحتمل هذا وهذا، وعلى كل حال فإن الله أمر نبيه أن يذكر للناس هذه القصة، وأمر كل واحد أن يتذكر هذه القصة، لأن في ذلك عبرة. ﴿أَلَا تَتَّقُونَ (١٢٤)﴾ ﴿أَلَا﴾ هنا: أداة تحضيض وليست أداة عرض؛ لأنه لا يقصد عرض التقوى عليهم، ولكن يحضهم على هذا، قال المؤلف: (ألا تتقون الله) فقدر المفعول المحذوف باسم الجلالة، ولكن الأولى أن يقال: إنه أعم من ذلك، ألا تتقون الله، ألا تتقون النار، كما قال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا النَّار﴾ [آل عمران: ١٣١] ألا تتقون يوم الحساب كما قال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٨١] فحذف المفعول أعم، ولا ينبغي إذا دلت الآية على معنى أعم أن نقيدها بمعنى أخص؛ لأن هذا يعتبر نقصًا في تفسير الآية، بل إذا جاءت الآية عامة فلتبقى على عمومها، مطلقة فلتبقى على إطلاقها. والتقوى: اتخاذ وقاية من عذاب الله بفعل أوامره واجتناب نواهيه. ﴿أَتَدْعُونَ بَعْلًا﴾ الاستفهام هنا للتوبيخ والإنكار والتسفيه، وتدعون بمعنى تعبدون، فإن الدعاء يسمى عبادة. قال الله تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي﴾ [غافر: ٦٠] ولم يقل: عن دعائي، وهذا يدل على أن

стр. 271

الدعاء يراد به العبادة وهو كذلك، ويحتمل أن يكون المراد بدعوتهم لهذا الصنم دعوة المسألة، وأنهم يستغيثون بهذا الصنم، وإن لم يركعوا له ويسجدوا له، كما يوجد الآن في كثير من المسلمين مع الأسف من يدعو الأولياء في قبورهم وإن كانوا لا يركعون لهم، ولا يسجدون، فكوننا نجعل الدعاء بمعنى العبادة أعم من أن نجعله بمعنى السؤال؛ لأن السؤال نفسه عبادة كل إنسان يسأل الله ولو حاجة دنيوية، فإنه يعتبر عابدًا لله مثنيًا عليه؛ لأنه جعله المرجع وجعله ملاذه. ﴿أَتَدْعُونَ بَعْلًا﴾ قال المؤلف ﵀[اسم صنم لهم من ذهب، وبه سمي البلد أيضًا مضافًا إلى (بك) أي أتعبدونه ﴿وَتَذَرُونَ﴾ أي: تتركون أحسن الخالقين. وهنا قال: ﴿أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ (١٢٥)﴾ ولم يقل: تذرون الله، بل قال: أحسن الخالقين، فلابد أن يكون هناك نكتة، فالعدول عن اسم الله الذي يختص به وهو الله لابد أن يكون هناك نكتة، النكتة هنا هي: إقامة الحجة عليهم بعدم صلاحية معبودهم للعبادة، لأنه لا يستطيع الخلق، والله وحده هو الذي يقدر على الخلق وعلى أحسن الخلق، فالله تعالى أحسن الخالقين، وكل من خلق شيئًا فالله تعالى أحسن منه خلقًا حتى الذين يضاهئون بخلق الله لا يمكن أن يخلقوا مثل خلق الله، بل هم يقلدون على خلق الله، ولا يمكن أن يأتوا بمثله ولا أحسن منه، فالله هو أحسن الخالقين. وفي قوله: ﴿أَتَدْعُونَ بَعْلًا وَتَذَرُونَ﴾ إشكال، وهو أنه قد

стр. 272

يفهم فاهم من هذه الآية أنهم لو دعوا البعل ولم يذروا الله فلا إنكار عليهم، فما الجواب؟ الجواب أن يقال: يحتمل أن هؤلاء القوم يدعون البعل، ولا يدعون الله ولا يعبدون الله، كما يوجد الآن في طوائف الكفر من لا يرون أحدًا يطاع ويتقى إلا زعماؤهم ورؤساؤهم، فالدول الشيوعية مثلًا كانوا لا يعرفون إلا ستالين ومن سن لهم هذه القوانين، ويرون أنه هو الرب الذي يجب أن يطاع وأن يخشى، ولا يعرفون الله، وعلى هذا فيكون قوله: ﴿أَتَدْعُونَ بَعْلًا وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ (١٢٥)﴾ على ظاهره، أي أنهم يدعون هذا البعل، ولا يدعون الله. ويحتمل أنهم يدعون البعل، ويدعون الله، ولكن من دعا غير الله ودعا الله فإن الله غني عنه، فيكون كالتارك لدعاء الله، كما صح الحديث عن رسول الله ﷺ فيما يرويه عن ربه أنه قال: "أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملًا أشرك فيه معي غيره تركته وشركه" (١) وعلى هذا فيكون إلياس جعلهم تاركين لله لأنهم أشركوا به، ومن أشرك بالله معه غيره فالله غني عنه كأنه لم يعبد الله. وعلى هذا فإما أن يكونوا قد تركوا الله على سبيل الحقيقة إذا كانوا يعبدون البعل ولا يعبدون الله، أو يكونوا تركوا الله على سبيل الحكم إذا كانوا يعبدون البعل ويعبدون الله، فإن هؤلاء حقيقة تركوا عبادة الله؛ لأن الله تعالى غني عنهم.

стр. 273

﴿اللَّهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ (١٢٦)﴾. قال المؤلف: [برفع الثلاثة على إضمار هو، ونصبها على البدل من أحسن]. الثلاثة: الله، ربكم، ورب آبائكم. يقول فيها قراءتان: الأولى: الرفع، على أنها خبر مبتدأ محذوف يعني هو رب، وتكون هذه الجملة منقطعة عما قبلها، استئنافية لبيان من هو أحسن الخالقين. والقراءة الثانية بالنصب ﴿اللَّهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ (١٢٦)﴾ على أنها بدل من أحسن. أي وتذرون ﴿اللَّهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ (١٢٦)﴾. ومعنى الآية: فـ ﴿اللَّهَ﴾ بمعنى المألوه، وأصلها الإله، لكنها حذفت الهمزة للتخفيف لكثرة الاستعمال، ﴿رَبَّكُمْ﴾ أي: خالقكم ومالككم، والمدبر لأموركم، لأن الرب كما تقدم هو الخالق، المالك، المدبر، ﴿اللَّهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ (١٢٦)﴾، يعني السابقين وهم: الأجداد، وإنما قال: ﴿وَرَبَّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ (١٢٦)﴾ إشارة إلى: أولًا: أن الله هو الذي بيده خلق الحياة والموت، فإن هؤلاء الآباء الأولين قد أماتهم الله، فيذكر هؤلاء بأنهم سوف يموتون كما مات آباؤهم الأولون، ومن المعلوم أن الإنسان إذا كان له قلب وذكر بالموت وأنه سوف ينتقل من هذه الحياة التي هي حياة العمل إلى حياة أخرى وهي حياة الجزاء فلابد أن يلين قلبه، وأن يعمل للدار المستقبلة التي لابد أن يصير إليها،

стр. 274

فكونه يذكر الآباء الأولين إشارة إلى تذكيرهم بأنهم سيموتون كما مات هؤلاء فليستعدوا. ثانيًا: أن الله تعالى هو الخالق لموتهم وحياتهم، فإذا كان هو الخالق لذلك فإن الواجب أن يعبد وحده دون غيره، وهذا الصنم لا يخلق الموت ولا الحياة. ﴿فَكَذَّبُوهُ﴾ أي: كذبوا ما جاء به خبرًا وطلبًا. كذبوه أنه رسول، وقالوا كما قال غيرهم -والعلم عند الله- ﴿قَالَ إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِنَ الْقَالِينَ (١٦٨)﴾ [الشعراء: ١٦٨] بل كل الذين سبقوه من الرسل قيل لهم ذلك، قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ وَقَالُوا إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ (٩) قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ﴾ [إبراهيم: ٩ - ١٠] فكل من سبق يكذبون رسلهم يقولون: أنتم بشر، يعني ولو شاء الله أن يرسل رسولًا لجعله ملكًا، ولكن الله رد على هؤلاء قال: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا﴾ [الأنعام: ٩] أي في صورة الرجل؛ لأنه لا يتلاءم أن ينزل مَلَكٌ لبشر ليدلهم ويقودهم، وكيف يتبع الناس هذا الملك وهو على صورته الأصلية؟ لا يمكن لأنه لابد من التلاؤم، فلو أرسل الله ملكًا إلى البشر لجعله رجلًا مثلهم، وإذا جعله رجلًا عاد الأمر كما كان قالوا: نريد ملكًا، ولهذا قال: ﴿وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ (٩)﴾ [الأنعام: ٩] ﴿فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ (١٢٧)﴾ (الفاء): هنا للسببية، أي: فبسبب تكذيبهم

стр. 275

أنهم لمحضرون، أي محضرون إلينا يوم القيامة وسيجازون على ذلك. وأما قول المؤلف: [لمحضرون في النار] ففيه نظر؛ لأنه لم يسبق للنار ذكر، اللهم إلا أن يقال: إن الاستثناء ﴿إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (١٢٨)﴾ قد يدل على ذلك، لكن المعنى الذي أشرت إليه أولى: أي لمحضرون عندنا، كما قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ (٣٢)﴾. [يس: ٣٢] والمهم أن الله تعالى أخبر عن هؤلاء بأنهم سوف يحضرون إلى الله، وسوف يجازيهم على أعمالهم. ﴿فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ (١٢٧)﴾ وهذه الجملة مؤكدة بمؤكدين: إنّ، واللام ﴿إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (١٢٨)﴾ أي: الذين أخلصهم الله لنفسه، فأخلصهم من الشرك ومن تكذيب الرسل، والعبودية هنا عبودية خاصة. والاستثناء هنا متصل على كلام المؤلف ﵀، وعلى ما أشرت إليه يكون منقطعًا، وجه ذلك أنه إذا قلنا: إنهم محضرون إلى الله فإنه لا يستثني أحد، كل سيحضر، وعلى هذا فيكون الاستثناء منقطعًا، يعني لكن عباد الله المخلصين سوف ينجون من هذا الحضور، أي من العذاب الذي يترتب على هذا الحضور والمجازاة. أما على قول المؤلف ﴿فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ (١٢٧)﴾ في النار، فإن الاستثناء متصل، يعني أن قومه يحضرون في النار إلا المؤمن منهم ﴿إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (١٢٨)﴾. ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (١٢٩)﴾ قال المؤلف ﵀: [ثناءً

стр. 276

حسنًا ﴿سَلَامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ (١٣٠)﴾ هو إلياس المتقدم ذكره، وقيل: هو ومن آمن معه، فجمعوا معه تغليبًا، كقولهم للمهلب وقومه: المهلبون، وعلى قراءة (آل ياسين) بالمد، أي أهله المراد به إلياس أيضًا]. أفادنا المؤلف أن في الآية قراءتين: الأولى إلياسين، والقراءة الثانية: آل ياسين، أما على القراءة الأولى إلياسين فهل إلياسين، هو إلياس؟ أو من قومه؟ فيه قولان للعلماء: فمن العلماء من قال إن إلياسين هو إلياس، فيكون كقوله تعالى: ﴿سَلَامٌ عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ (١٢٠)﴾ وهنا لم يذكر إلياس قال: سلام على إلياس، لكن اختلف اللفظ؛ لأن الاسم أعجمي، والعرب إذا عربت الاسم الأعجمي صار فيه شيء من التصرف، مثل جهنم يقال أصلها جهنام، وأصلها الفارسي كهنام، وعلى هذا لا نحتاج إلى التعب، فنقول: من أين اشتقت جهنم؟ وعلى كل حال: إذا جعلنا إلياسين هو إلياس نفسه صار جاء مرة بإلياس ومرة بإلياسين بناء على أن العرب يتصرفون في الأسماء الأعجمية المعربة، وفيه معنى آخر على القراءة الأولى إلياسين على أن المراد قومه، وأن الياء والنون زيدت كما تزاد في مسلم فيقال: مسلمين، فتكون إلياسين جمع لإلياس كما قال المؤلف: (المهلبون)، وأصلها يقال: المهلبيون، نسبة إلى المهلب، فآل ياسين أصلها إلياس ثم زيدت الياء والنون، وصار المراد بذلك قومه. هذا على قراءة إلياسين. فيكون فيها معنيان.

стр. 277

المعنى الأول: أنه إلياس نفسه، وهذا التصرف في اللفظ بناء على أنه اسم أعجمي، والعرب تتصرف بالأسماء الأعجمية عند تعريبها. المعنى الثاني: أن المراد قومه وأنهم جمعوا باعتبار قومه. أما على القراءة الثانية (آل ياسين) فهي أيضًا في كلمة ياسين تصرف تعريبي؛ لأن ياسين هو إلياس، وعلى هذا فيكون المراد بآل ياسين: إلياس وقومه، فآل الشخص يدخل فيهم، الشخص إلا إن ذكر معهم لم يدخل فيهم، كما تقول: اللهم صل على محمَّد وعلى آل محمَّد، أما إذا لم يذكر معهم فإنه يدخل فيهم كما في قوله تعالى: ﴿أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ (٤٦)﴾ [غافر: ٤٦] ومنهم فرعون بل هو أولهم: ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ (٩٨)﴾ [هود: ٩٨] يقدم قومه يوم القيامة فأوردهم النار وبئس الورد المورود. الفوائد: ١ - من فوائد قوله تعالى ﴿وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (١٢٣)﴾ إثبات رسالة إلياس، وسبق لنا أن إلياس فيما يظهر من أنبياء بني إسرائيل. ٢ - ومن فوائد الآية الكريمة: أن الله يثني على عباده بما يستحقون من الأوصاف في الآخرين ليبقى ذكرهم مخلدًا. فإنه لولا أن الله ذكر هؤلاء الأنبياء لطويت صحائفهم وما علم عنهم شيء.

стр. 278

٣ - ومن فوائد قوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَلَا تَتَّقُونَ (١٢٤)﴾: دليل على أن التقوى تطلق على فعل الأوامر وترك النواهي، قال: ﴿أَلَا تَتَّقُونَ (١٢٤)﴾؟ يعني بعبادة الله، ويدل لهذا قوله: ﴿أَتَدْعُونَ بَعْلًا وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ (١٢٥)﴾. ٤ - ومن فوائدها: بيان تلطف الأنبياء عليهم الصلاة والسلام في دعوة قومهم؛ لأنه قال: ﴿أَلَا تَتَّقُونَ (١٢٤)﴾ وهذا للعرض والحث، ولم يقل لهم: اتقوا الله، مع أن الرسل قد يقولون: اتقوا الله، لكن ينزل كل مخاطب منزلته بما يليق به. ٥ - ومن فوائد هذه الآية -وهي في الحقيقة فائدة في كل ما سبق من الآيات- اختصاص رسالة الرسول فيما سبق بقومه، لقوله: ﴿إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَلَا تَتَّقُونَ (١٢٤)﴾. فإن قال قائل: إذا أخذتم من إضافة القوم إلى الرسول اختصاص الرسالة بقومه، فإن الله تعالى وصف النبي ﷺ بمثل ذلك فقال: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ﴾ [الزخرف: ٤٤] فهل تقولون: إن النبي ﷺ مرسل إلى العرب فقط؟ فالجواب: لا، لكننا نأخذ عموم رسالته من أدلة أخرى كقوله تعالى: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ﴾ [الأعراف: ١٥٨] وكقوله: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا (١)﴾. [الفرقان: ١] وكقوله ﷺ في الحديث الصحيح: "كان النبي يبعث إلى قومه خاصة، وبعثت إلى الناس عامة" (١).

стр. 279

٦ - ومن فوائد قوله تعالى: ﴿أَتَدْعُونَ بَعْلًا وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ (١٢٥)﴾: بيان سفه هؤلاء القوم, لأنهم يعبدون البعل وهو صنم ربما صنعوه بأيديهم فكان مخلوقًا، ويذرون الخالق الذي هو أحسن الخالقين، وهذا لا شك أنه غاية السفه، فإن أحق من يعبد هو الله . ٧ - ومن فوائد الآية الكريمة: أن الله أحسن الخالقين خلقًا، في كل ما يعود إلى صفة الخلق من كمال الخلقة وجمالها ومناسبتها لطبيعتها وغير ذلك، ومن أراد أن يتوسع في هذا المجال فليقرأ كتاب مفتاح دار السعادة لابن القيم ﵀ فإنه ذكر من ذلك العجب العجاب، في خلق الله . ٨ - ومن فوائد الآية: أن غير الله تعالى يوسف بأنه خالق لقوله: ﴿أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ (١٢٥)﴾، ووجه ذلك أن في هذه الآية مفضلًا ومفضلًا عليه والمفضل الله ، والمفضل عليه ما سواه. ونقول: هذا هو الواقع أن هناك خالقين غير الله، لكن هذا الخلق ليس كخلق الله ؛ لأن خلق الله خلق إيجاد وأما خلق غيره فخلق تغيير وتحويل فقط. مثال ذلك: الذي خلق الخشب الله ، ثم يخلقه الآدمي فيحوله إلى أبواب وسرر وما أشبه ذلك، ويقال: خالق. والذي خلق الحديد الله ويحوله الآدمي إلى أواني ومعدات ومراكب وما أشبه ذلك، هذا ليس خلق إيجاد حتى نقول: إنه مشاركة مع الله، ولكنه خلق تغيير وتحويل، يحول الشيء من شيء إلى شيء، ولهذا قال الرسول ﵊ في المصورين يقال لهم: "أحيوا ما

стр. 280

خلقتم" (١) وهم في الحقيقة ما خلقوا حتى وإن صوروا وأبدعوا في الصورة فإنهِم لم يخلقوا كخلق الله. ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ﴾ [الحج: ٧٣] حتى وإن أبدع المصور في تصويره الذي جعله على مثال الآدمي أو مثال الحيوان، فإنه لن يكون كخلق الله. ٩ - ومن فوائد قوله تعالى: ﴿اللَّهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ (١٢٦)﴾ أنه ينبغي للداعية أن يذكر الإنسان بما يكون سببًا لاتعاظه لقوله: ﴿اللَّهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ (١٢٦)﴾ فيذكرهم بأن آباءهم قد فنوا وذهبوا، وإنكم أنتم سوف تذهبون كما ذهب الآباء. ١٠ - ومن فوائد قوله تعالى: ﴿فَكَذَّبُوهُ﴾ دليل على أن الإنسان مهما بلغ في عرض الدعوة إلى الله وبيانها والبلاغة في العظة فإنه لا يستلزم أن يؤثر فيمن وجه الخطاب إليه؛ لأن إلياس عرض الدعوة عليهم عرضًا رقيقًا، وبيَّن لهم الأدلة على أن الله وحده المستحق للعبادة ومع ذلك كذبوه. ويتفرع على هذه الفائدة: أنه ينبغي للداعية إذا رُدّ قوله ألا يعتبر نفسه مقصرًا أو فاشلًا؛ لأنه أدى ما عليه وهو البلاغ، والهداية على الله : ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة:

стр. 281

٢٧٢] فلو أراد الله بهؤلاء خيرًا لانقادوا للهدى، أما أنت فقد أراد الله بك خيرًا لأنك بلغت ما عليك. ١١ - ومن فوائد هذه الآية الكريمة: ترتب الجزاء على العمل، وتؤخذ من الفاء الدالة على السببية ﴿فَكَذَّبُوهُ فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ (١٢٧)﴾ فالجزاء مترتب على العمل، وقد ذكر الله في آية أخرى أن الجزاء يكون من جنس العمل، فقال: ﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ﴾ [العنكبوت: ٤٠] قدرًا وكيفية ثم فصل الله هذا الأخذ. ١٢ - ومن فوائدها: إثبات الجزاء المتسبب على العمل في قوله: ﴿فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ (١٢٧)﴾. ١٣ - ومن فوائدها: إهانة هؤلاء وأمثالهم، حيث قال: ﴿لَمُحْضَرُونَ (١٢٧)﴾ ولم يقل: نحضرهم، ولكنه في آية أخرى قد يضيف العقوبة إلى نفسه ، مثل قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا (٦٨)﴾. [مريم: ٦٨]. ١٤ - ومن فوائد قوله تعالى: ﴿إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (١٢٨)﴾. بيان أن العباد المخلصين لا ينالهم عذاب هؤلاء في الآخرة قطعًا، وفي الدنيا فإنه يوشك أن يعم الله تعالى الصالح والفاسد بالعذاب، ولاسيما إذا قصر الصالح في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإن الناس إذا رأوا المنكر فلم يغيروه يوشك أن يعمهم الله بعقاب من عنده. ١٥ - ومن فوائدها: الثناء على هؤلاء الذين اتبعوا الرسل، لكونهم عبادًا لله ومخلصين. ١٦ - ومن فوائد قوله تعالى: ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (١٢٩) سَلَامٌ

стр. 282

عَلَى إِلْ يَاسِينَ (١٣٠)﴾ بيان أن الله تعالى يجازي المحسن بالإحسان حتى بعد موته، لقوله: ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (١٢٩)﴾، والواقع شاهد بذلك، فإن أئمة الإِسلام أبقى الله عليهم ثناء حسنًا في الآخرين، وصدّ كل لسان يقدح فيهم فجعل فيهم الثناء وسلمهم من القدح. ١٧ - ﴿إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٣١) إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (١٣٢)﴾ يستفاد منها ما سبق في قصة موسى وهارون -عليهما الصلاة والسلام-. * * * ﴿وَإِنَّ لُوطًا لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (١٣٣)﴾ سبق نظيرها في آيات أخرى وأن فيها توكيدًا من وجهين إن واللام. وأن التوكيد يؤتى به عند إنكار المخاطب أو شكه، أو أهمية المخبر به وإن لم يكن هناك شك أو إنكار. وقوله: ﴿وَإِنَّ لُوطًا لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (١٣٣)﴾ أي: لمن الذين أرسلهم الله تعالى، أرسل الله تعالى لوطا ﵊ إلى قومه وكانوا -والعياذ بالله- يأتون الفاحشة وهي اللواط: يأتي الذكرُ الذكرَ، وهذه من أسفل الأخلاق -نسأل الله العافية-، ولهذا قال الله تعالى عن الزنا: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا (٣٢)﴾ [الإسراء: ٣٢] وقال عن اللواط على لسان لوط: ﴿أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ﴾ [الأعراف: ٨٠]. يعني التي استقر فحشها في فطر الناس و (ال) تفيد التقبيح والتعظيم، ولا شك أن فاحشة اللواط أعظم من فاحشة الزنا؛ لأنها قلب للفطرة التي فطر الله تعالى الخلق عليها، ولأن فيها عزوفًا عما أحل الله ، وهكذا

стр. 283

الإنسان المبتلى بالمحرم يبتلى -والعياذ بالله- بالعزوف عن الحلال، فتجده مستغنيًا بما حرم الله عما أحل الله، بخلاف الذي استغنى بالحلال عن الحرام، فإن الله تعالى يعينه ويجمل الحلال في عينه، ففي هذه الفاحشة عزوف الناس عن النساء، وبذلك يقل النسل وتقل الأمة وتضعف، وفي هذه الفاحشة أيضًا أسباب لأمراض كثيرة، فإن الإنسان -والعياذ بالله- إذا استعمل هذه الفاحشة فقد أتى الدبر الذي هو محل النجاسة والأذى، وإذا كان الله تعالى قال في المحيض ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ [البقرة: ٢٢٢] فإن أذى العذرة أخبث من أذى الدم، فكان في هذا أذى وسبب لأمراض لا يعلم مداها إلا الله ، وفيها أيضًا قتل لمعنويات الرجال، فإن هذا المفعول به لن يبقى على حاله التي هو عليها، فسوف يكبر ويكون رجلًا فما مدى شعوره إذا قابل من كان يفعل به فعل الرجل بالمرأة؟ ! إنه ذل وخزي وعار -والعياذ بالله-، لهذا كانت هذه الفاحشة جديرة بأن يرسل الله تعالى رسولًا من أجل القضاء عليها، فإن لوطًا ﵊ أرسله الله تعالى بالتوحيد وبالقضاء على هذه الفاحشة العظيمة، ومع ذلك لم يؤمن معه إلا قليل، حتى أهله الذين هم أهله لم يتمحض إيمانهم، بل كان فيهم من ليس بمؤمن وهي امرأته، وبهذا نعرف مدى ما يناله الدعاة إلى الحق من الأذى والرد، ولا ينبغي للإنسان أن يستحسر إذا لم يجد قبولًا من الناس، فإن الرسل -عليهم الصلاة والسلام- وهم أكرم الخلق على الله لا يجدون قبولًا من كل أحد، قال النبي ﷺ :

стр. 284

"عرضت علي الأمم فرأيت النبي ومعه الرهط، والنبي ومعه الرجل والرجلان، والشعبي وليس معه أحد" (١). بل إن من الأنبياء من يقتل، فجدير بنا ونحن نسمع هذه القصص أن لا نضجر إذا لم نجد قبولًا، وأن لا نضجر إن رأينا أذى، وأن لا نضجر إن رأينا عدوانًا، فلنصبر ولنحتسب، والوعد بالثواب أو بالعقاب يكون غدًا. فلوط أرسله الله تعالى إلى قومه، ولكنهم لم يقبلوا قوله حتى إن الرسل الذين جاءوا إلى لوط جاءوا قومه يهرعون إليه، يسرعون يريدون هؤلاء الملائكة الذين أرسلهم الله تعالى على صورة شبان فتنة لهؤلاء، فراودوه عن ضيفه، فقال: هؤلاء بناتي إن كنتم فاعلين. أي خذوا النساء تزوجوهن، قالوا: لقد علمت ما لنا في بناتك من حق، وإنك لتعلم ما نريد. ولكن قال الله : ﴿فَطَمَسْنَا أَعْيُنَهُمْ﴾ [القمر: ٣٧] فهؤلاء الرجال الذين جاءوا قيل: إن جبريل ﵇ ضربهم بجناحه. وقيل: إن الله تعالى طمس على أعينهم والله أعلم بكيفية ذلك، وهذا القول أحسن إلا أن يصح عن الرسول ﵊، أن جبريل ضربهم، فهؤلاء رجعوا عميًا، طمس الله أعينهم حتى صاروا لا يبصرون، والحاصل أنه لم يستجب له أحد من قومه، ولهذا قال: ﴿إِلَّا عَجُوزًا فِي الْغَابِرِينَ (١٣٥)﴾. ﴿إِذْ نَجَّيْنَاهُ﴾ (إذ) ظرف لفعل محذوف تقديره: "اذكر" ولا

стр. 285

يصح أن تتعلق بالمرسلين؛ لأنه كان مرسلًا قبل أن ينجى ﴿وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ (١٣٤)﴾ أي أهل بيته ﴿إِلَّا عَجُوزًا﴾ مستثنى من أهل، فإنها لم تنج، وذلك لأنها كانت كافرة على دين قومها, ولهذا وصفها الله تعالى في سورة التحريم بالخيانة، والمراد بالخيانة الخيانة في الدين لا في العرض ﴿عَجُوزًا فِي الْغَابِرِينَ (١٣٥)﴾ قال المؤلف ﵀: [أي الباقين في العذاب] وذلك أن لوطًا ﵊ أمر أن يخرج من القرية هو وأهله إلا امرأته، فبقيت المرأة فأصابها ما أصاب قومها من العذاب، ولهذا قال: ﴿إِلَّا عَجُوزًا فِي الْغَابِرِينَ (١٣٥)﴾ أي: من جملة الغابرين الذين هلكوا ﴿ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ (١٣٦)﴾ كلمة دمرنا تفيد معنى عظيمًا وهو أن هذا الإهلاك كان إهلاك تدمير لم يبق لهم قائمة بعده، وهي أشد وقعًا في النفوس من (أهلكنا) فهي كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا (١٦)﴾ [الإسراء: ١٦] وأمر الله مترفيها أمر قدري وليس شرعي كما قاله بعض الناس، وليس المعنى كما قال بعضهم: أمرناهم بالشرع ففسقوا, لأن هذا يقتضي أن الله تعالى أمر بالشرع من أجل الفسق، والله تعالى أمر بالشرع من أجل الطاعة، ولكن الأمر هنا أمر كوني لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢)﴾ [يس: ٨٢] ﴿الْآخَرِينَ (١٣٦)﴾ أي كفار قومه، وذلك أن الله أرسل عليهم حجارة من سجيل تضرب بيوتهم وتهدمها حتى جعل عاليها سافلها، لأن البناء إذا تهدم صار أعلاه أسفله، فدمروا حتى هلكوا عن آخرهم، وهذا الجزاء موافق مناسب للعمل, لأن هؤلاء كما
следующие страницы →