← Тафсир

Тафсир · id 151158

تفسير العثيمين: الصافات

ابن عثيمين

Полный текст (376 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

٢٧٢] فلو أراد الله بهؤلاء خيرًا لانقادوا للهدى، أما أنت فقد أراد الله بك خيرًا لأنك بلغت ما عليك. ١١ - ومن فوائد هذه الآية الكريمة: ترتب الجزاء على العمل، وتؤخذ من الفاء الدالة على السببية ﴿فَكَذَّبُوهُ فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ (١٢٧)﴾ فالجزاء مترتب على العمل، وقد ذكر الله في آية أخرى أن الجزاء يكون من جنس العمل، فقال: ﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ﴾ [العنكبوت: ٤٠] قدرًا وكيفية ثم فصل الله هذا الأخذ. ١٢ - ومن فوائدها: إثبات الجزاء المتسبب على العمل في قوله: ﴿فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ (١٢٧)﴾. ١٣ - ومن فوائدها: إهانة هؤلاء وأمثالهم، حيث قال: ﴿لَمُحْضَرُونَ (١٢٧)﴾ ولم يقل: نحضرهم، ولكنه في آية أخرى قد يضيف العقوبة إلى نفسه ، مثل قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا (٦٨)﴾. [مريم: ٦٨]. ١٤ - ومن فوائد قوله تعالى: ﴿إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (١٢٨)﴾. بيان أن العباد المخلصين لا ينالهم عذاب هؤلاء في الآخرة قطعًا، وفي الدنيا فإنه يوشك أن يعم الله تعالى الصالح والفاسد بالعذاب، ولاسيما إذا قصر الصالح في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإن الناس إذا رأوا المنكر فلم يغيروه يوشك أن يعمهم الله بعقاب من عنده. ١٥ - ومن فوائدها: الثناء على هؤلاء الذين اتبعوا الرسل، لكونهم عبادًا لله ومخلصين. ١٦ - ومن فوائد قوله تعالى: ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (١٢٩) سَلَامٌ

стр. 282

عَلَى إِلْ يَاسِينَ (١٣٠)﴾ بيان أن الله تعالى يجازي المحسن بالإحسان حتى بعد موته، لقوله: ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (١٢٩)﴾، والواقع شاهد بذلك، فإن أئمة الإِسلام أبقى الله عليهم ثناء حسنًا في الآخرين، وصدّ كل لسان يقدح فيهم فجعل فيهم الثناء وسلمهم من القدح. ١٧ - ﴿إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٣١) إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (١٣٢)﴾ يستفاد منها ما سبق في قصة موسى وهارون -عليهما الصلاة والسلام-. * * * ﴿وَإِنَّ لُوطًا لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (١٣٣)﴾ سبق نظيرها في آيات أخرى وأن فيها توكيدًا من وجهين إن واللام. وأن التوكيد يؤتى به عند إنكار المخاطب أو شكه، أو أهمية المخبر به وإن لم يكن هناك شك أو إنكار. وقوله: ﴿وَإِنَّ لُوطًا لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (١٣٣)﴾ أي: لمن الذين أرسلهم الله تعالى، أرسل الله تعالى لوطا ﵊ إلى قومه وكانوا -والعياذ بالله- يأتون الفاحشة وهي اللواط: يأتي الذكرُ الذكرَ، وهذه من أسفل الأخلاق -نسأل الله العافية-، ولهذا قال الله تعالى عن الزنا: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا (٣٢)﴾ [الإسراء: ٣٢] وقال عن اللواط على لسان لوط: ﴿أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ﴾ [الأعراف: ٨٠]. يعني التي استقر فحشها في فطر الناس و (ال) تفيد التقبيح والتعظيم، ولا شك أن فاحشة اللواط أعظم من فاحشة الزنا؛ لأنها قلب للفطرة التي فطر الله تعالى الخلق عليها، ولأن فيها عزوفًا عما أحل الله ، وهكذا

стр. 283

الإنسان المبتلى بالمحرم يبتلى -والعياذ بالله- بالعزوف عن الحلال، فتجده مستغنيًا بما حرم الله عما أحل الله، بخلاف الذي استغنى بالحلال عن الحرام، فإن الله تعالى يعينه ويجمل الحلال في عينه، ففي هذه الفاحشة عزوف الناس عن النساء، وبذلك يقل النسل وتقل الأمة وتضعف، وفي هذه الفاحشة أيضًا أسباب لأمراض كثيرة، فإن الإنسان -والعياذ بالله- إذا استعمل هذه الفاحشة فقد أتى الدبر الذي هو محل النجاسة والأذى، وإذا كان الله تعالى قال في المحيض ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ [البقرة: ٢٢٢] فإن أذى العذرة أخبث من أذى الدم، فكان في هذا أذى وسبب لأمراض لا يعلم مداها إلا الله ، وفيها أيضًا قتل لمعنويات الرجال، فإن هذا المفعول به لن يبقى على حاله التي هو عليها، فسوف يكبر ويكون رجلًا فما مدى شعوره إذا قابل من كان يفعل به فعل الرجل بالمرأة؟ ! إنه ذل وخزي وعار -والعياذ بالله-، لهذا كانت هذه الفاحشة جديرة بأن يرسل الله تعالى رسولًا من أجل القضاء عليها، فإن لوطًا ﵊ أرسله الله تعالى بالتوحيد وبالقضاء على هذه الفاحشة العظيمة، ومع ذلك لم يؤمن معه إلا قليل، حتى أهله الذين هم أهله لم يتمحض إيمانهم، بل كان فيهم من ليس بمؤمن وهي امرأته، وبهذا نعرف مدى ما يناله الدعاة إلى الحق من الأذى والرد، ولا ينبغي للإنسان أن يستحسر إذا لم يجد قبولًا من الناس، فإن الرسل -عليهم الصلاة والسلام- وهم أكرم الخلق على الله لا يجدون قبولًا من كل أحد، قال النبي ﷺ :

стр. 284

"عرضت علي الأمم فرأيت النبي ومعه الرهط، والنبي ومعه الرجل والرجلان، والشعبي وليس معه أحد" (١). بل إن من الأنبياء من يقتل، فجدير بنا ونحن نسمع هذه القصص أن لا نضجر إذا لم نجد قبولًا، وأن لا نضجر إن رأينا أذى، وأن لا نضجر إن رأينا عدوانًا، فلنصبر ولنحتسب، والوعد بالثواب أو بالعقاب يكون غدًا. فلوط أرسله الله تعالى إلى قومه، ولكنهم لم يقبلوا قوله حتى إن الرسل الذين جاءوا إلى لوط جاءوا قومه يهرعون إليه، يسرعون يريدون هؤلاء الملائكة الذين أرسلهم الله تعالى على صورة شبان فتنة لهؤلاء، فراودوه عن ضيفه، فقال: هؤلاء بناتي إن كنتم فاعلين. أي خذوا النساء تزوجوهن، قالوا: لقد علمت ما لنا في بناتك من حق، وإنك لتعلم ما نريد. ولكن قال الله : ﴿فَطَمَسْنَا أَعْيُنَهُمْ﴾ [القمر: ٣٧] فهؤلاء الرجال الذين جاءوا قيل: إن جبريل ﵇ ضربهم بجناحه. وقيل: إن الله تعالى طمس على أعينهم والله أعلم بكيفية ذلك، وهذا القول أحسن إلا أن يصح عن الرسول ﵊، أن جبريل ضربهم، فهؤلاء رجعوا عميًا، طمس الله أعينهم حتى صاروا لا يبصرون، والحاصل أنه لم يستجب له أحد من قومه، ولهذا قال: ﴿إِلَّا عَجُوزًا فِي الْغَابِرِينَ (١٣٥)﴾. ﴿إِذْ نَجَّيْنَاهُ﴾ (إذ) ظرف لفعل محذوف تقديره: "اذكر" ولا

стр. 285

يصح أن تتعلق بالمرسلين؛ لأنه كان مرسلًا قبل أن ينجى ﴿وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ (١٣٤)﴾ أي أهل بيته ﴿إِلَّا عَجُوزًا﴾ مستثنى من أهل، فإنها لم تنج، وذلك لأنها كانت كافرة على دين قومها, ولهذا وصفها الله تعالى في سورة التحريم بالخيانة، والمراد بالخيانة الخيانة في الدين لا في العرض ﴿عَجُوزًا فِي الْغَابِرِينَ (١٣٥)﴾ قال المؤلف ﵀: [أي الباقين في العذاب] وذلك أن لوطًا ﵊ أمر أن يخرج من القرية هو وأهله إلا امرأته، فبقيت المرأة فأصابها ما أصاب قومها من العذاب، ولهذا قال: ﴿إِلَّا عَجُوزًا فِي الْغَابِرِينَ (١٣٥)﴾ أي: من جملة الغابرين الذين هلكوا ﴿ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ (١٣٦)﴾ كلمة دمرنا تفيد معنى عظيمًا وهو أن هذا الإهلاك كان إهلاك تدمير لم يبق لهم قائمة بعده، وهي أشد وقعًا في النفوس من (أهلكنا) فهي كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا (١٦)﴾ [الإسراء: ١٦] وأمر الله مترفيها أمر قدري وليس شرعي كما قاله بعض الناس، وليس المعنى كما قال بعضهم: أمرناهم بالشرع ففسقوا, لأن هذا يقتضي أن الله تعالى أمر بالشرع من أجل الفسق، والله تعالى أمر بالشرع من أجل الطاعة، ولكن الأمر هنا أمر كوني لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢)﴾ [يس: ٨٢] ﴿الْآخَرِينَ (١٣٦)﴾ أي كفار قومه، وذلك أن الله أرسل عليهم حجارة من سجيل تضرب بيوتهم وتهدمها حتى جعل عاليها سافلها، لأن البناء إذا تهدم صار أعلاه أسفله، فدمروا حتى هلكوا عن آخرهم، وهذا الجزاء موافق مناسب للعمل, لأن هؤلاء كما

стр. 286

قلبوا فطرتهم التي خلقهم الله تعالى عليها قلبت منازلهم فجعل عاليها سافلها. وقال بعض أهل العلم: إن جبريل ﵊ حمل قراهم وهي سبع قرى حتى بلغ بها جو السماء ثم قلبها ثم أرسلت عليهم الحجارة (١). ولكن في هذا نظر؛ لأن إرسال الحجارة عليهم بعد أن يقلبوا من السماء لا فائدة منه، إذ سيهلكون بدون هذه الحجارة، فالظاهر ما ذهب إليه بعض العلماء من أن هذه الحجارة ضربت بيوتهم حتى هدمتها فصار أعلاها أسفلها. وقولهم. إن القرى سبع. ظاهر القرآن أنها قرية واحدة قال الله تعالى عن الملائكة الذين أرسلوا ﴿إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ﴾ , [العنكبوت: ٣١] وفي قوله: ﴿ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ (١٣٦)﴾ دليل على أن التدمير كان بعد أن نُجِّىَ لوط ﵊، وهو كذلك، فإن لوطًا لما فارق هذه القرى وأهله نزل بهم العذاب، ﴿وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ (١٣٧)﴾ قال المؤلف ﵀: [على آثارهم ومنازلهم في أسفاركم] ﴿وَإِنَّكُمْ﴾ الخطاب في هذه الآية الكريمة قال المؤلف إنه لأهل مكة، ويمكن أن يقال: إنه عام لكل من يمر بقراهم إلى يوم القيامة؛ لأن هذا القرآن للأمة إلى يوم القيامة ﴿لَتَمُرُّونَ﴾ أكد المرور بمؤكدين: (إن) و (اللام). فإن قال قائل: لماذا أكده بمؤكدين مع أنهم لا ينكرون أنهم يمرون؟ قيل: الجواب على ذلك: أن استمرارهم في تكذيب

стр. 287

الرسول ﷺ مع أنهم يمرون على ديار الذين أهلكوا يشبه المنكر والمكذب، فنزلوا منزلة المنكر المكذب؛ لأنهم لم يعتبروا, ولم ينتفعوا بهذا المرور، فهو كقوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ (١٥)﴾ [المؤمنون: ١٥]. فالموت لا ينكر، فكل يقر بالموت لكن العاصي فعله فعل المنكر؛ لأنه لم يرتدع ولم يقم بما يجب عليه. ﴿مُصْبِحِينَ (١٣٧)﴾ حال. وأول المؤلف ﵀ الإصباح هنا إلى النهار، فيكون من باب التعبير بالبعض عن الكل، ولكن قد ينازع في ذلك، ويقال: إن الناس يمرون عليهم مصبحين، لأن أكثر سير الناس في السفر يكون في الليل وفي أول النهار، ولهذا قال النبي ﷺ : "استعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدلجة، والقصد القصد تبلغوا" (١) والغدوة أول النهار، والروحة آخر النهار، فوسط النهار يكون المسافر نازلًا للراحة "وشيء من الدلجة" يعني أول الليل وفي آخر الليل يكون مستريحًا "والقصد القصد تبلغوا" يعني لا ترهقوا أنفسكم فتعجزوا "إن المنبت لا أرضًا قطع، ولا ظهرًا أبقى". فالأولى إبقاء الآية على ظاهرها وأنهم يمرون عليهم في الصباح أول النهار حين يكون السير أطيب ﴿وَبِاللَّيْلِ﴾ قال النحويون: إن الباء هنا بمعنى (في) فتكون للظرفية، و (في) تأتي بمعنى الباء فتكون للسببية مثل قوله ﷺ : "دخلت النار امرأة في

стр. 288

هرة" (١) ففي هنا بمعنى الباء، أي بسبب هرة. ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ (١٣٨)﴾ أي أفلا يكون لكم عقول، والمراد بالعقول هنا عقول الرشد لا عقول الإدراك، لأن عقل الإدراك موجود عند هؤلاء، وهم في الإدراك عقلاء أذكياء، ولكن عقول الرشد غير موجودة عندهم, لأن كل شخص يكفر بالله أو يعصي الله فإنه لا عقل عنده، لكن إن كان كافرًا فقد انتفى عنه العقل بالكلية، وإن كان عاصيًا فقد انتفى عنه من العقل بقدر معصيته. والاستفهام في قوله: ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ (١٣٨)﴾ للتوبيخ، لأن شخصًا يمر على ديار المكذبين ويرى آثارهم ولا يتعظ يستحق أن يوبخ، و (الفاء) هنا حرف عطف، والمعطوف عليه قيل: على ما سبق أي على ﴿لَتَمُرُّونَ﴾ وعلى هذا الوجه تكون الهمزة في غير محلها، أي أن الفاء تقدر قبل الهمزة فيكون التقدير: "إنكم لتمرون عليهم أفلا تعقلون". وقيل: إن الهمزة مدخولها محذوف والتقدير: أسفهتم أو جهلتم أو ما أشبه ذلك مما يقتضيه المعنى، والفاء عاطفة على ذلك المحذوف. وقد سبق لنا أن القول بأنها معطوفة على ما سبق أسهل؛ لأنه أحيانًا يصعب عليك أو يتعذر أن تدرك المعنى المناسب الذي يمكن أن يكون معطوفًا عليه، فلهذا نقول: إن القول بأنها معطوفة على ما سبق على تقدير تأخير الهمزة الأولى.

стр. 289

س (١): قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ (٨٢)﴾ [هود: ٨٢] ألا يدل أنهم قلبوا ثم أتبعوا بالحجارة؟ ج: لو كان العطف بـ (ثمَّ) لكان يدل على ذلك، لما أمطروا بالحجارة تهدمت بيوتهم فصار عاليها سافلها. س: أين مكان قرى لوط؟ ج: يقال: إن البحر الميت هو محل قرية قوم لوط. س: إذا كانت قرية قوم لوط البحر الميت فكيف تمر عليهم قريش؟ ج: يقولون: إنهم في ذهابهم إلى الشام يمرون عليهم. س: كيف يمرون على البحر هل هم في سفينة؟ ج: يمرون عليهم أي من عندهم في البر لا في السفينة. * الفوائد: ١ - أن لوطًا ﵊ كان من الرسل، وقد مر علينا في التفسير أنه أرسل إلى قوم يأتون الفاحشة، وهي إتيان الذكران من العالمين، ويتركون ما خلق الله لهم من الأزواج. ٢ - ومن الفوائد: عناية الرب بالقضاء على سفاسف الأخلاق؛ لأن فاحشتهم هذه أوجبت أن يرسل الله إليهم رسولًا لدحضها والقضاء عليها. ٣ - ومن فوائد قوله تعالى: ﴿إِذْ نَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ (١٣٤)﴾ أن

стр. 290

الله ينجي الذين اتقوا بمفازتهم، وأن الله نجا لوطًا وأهله إلا امرأته، ويتفرع على ذلك: أنه ينبغي للإنسان المؤمن أن يغلب جانب الرَّجاء إذا كان قد قام بحق الله تعالى، وذلك حيث نجَّا الله المؤمنين المخلصين من عباده من عقوبة المكذبين المستكبرين. ٤ - ومن الفوائد: أنه قد تكون المرأة الكافرة تحت الرجل المؤمن من غير أن يعلم بها لقوله: ﴿إِلَّا عَجُوزًا فِي الْغَابِرِينَ (١٣٥)﴾ وقد بيَّن الله سبب ذلك، أي سبب وقوع العذاب عليها بأنها كانت قد خانت زوجها بالكفر من غير أن يعلم، ويتفرع على هذه الفائدة: أنه ينبغي للإنسان أن يتفقد أهله، وأن يتحرى، وأن يسبر أمورهم. ٥ - ومن فوائد قوله تعالى: ﴿ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ (١٣٦)﴾ التحذير من أن يفعل الإنسان كفعل هؤلاء فيدمر، وتدمير قوم لوط حسي، ولكن ربما يدمر من شابههم تدميرًا معنويًّا، وقد يدمر تدميرًا حسيًّا، فيرسل الله مثلًا عليهم الصواعق والبرد وغير ذلك مما يدمرهم، لكن التدمير المعنوي محقق، وذلك بانقلاب الذكور إناثًا؛ لأن هؤلاء المفعول بهم -والعياذ بالله- يكونون كالمرأة تمامًا هو نفسه يطلب الرجال ويتتبعهم، لعلهم يفعلون به -والعياذ بالله- لأنه انقلب وصار كالمرأة تمامًا، ولا شك أن هذا تدمير للرجولة وقلب للمجتمع. ٦ - ومن فوائد قوله تعالى: ﴿وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ (١٣٧)﴾ الإشارة إلى أن الإنسان إذا رأى الشيء بعينه كان

стр. 291

ذلك أقوى يقينًا، مما إذا أخبر به لقوله: ﴿وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ (١٣٧)﴾ وتشاهدون آثارهم، وهذا يسمى حق اليقين، والخبر به يسمى علم اليقين. ٧ - قد يقال إن قوله: ﴿وَبِاللَّيْلِ﴾ إشارة على أن السير في الصباح أحسن منه في آخر النهار، لقوله: ﴿مُصْبِحِينَ (١٣٧) وَبِاللَّيْلِ﴾ هذا إن قلنا: إن المراد بالإصباح الوقت الخاص وهو أول النهار، أما إذا قلنا: إن المراد بالإصباح كل النهار وأنه عبر بالبعض عن الكل، كما أشار إليه المؤلف فليس في ذلك دليل. ٨ - ومن فوائد هذه الآية: جواز المسير بالليل. ووجه ذلك أن الله أقرهم فقال: ﴿وَبِاللَّيْلِ﴾ ولكن هذه الفائدة فيها نظر؛ لأن الله يتحدث عن فعل هؤلاء المكذبين، فقد يقال: إن المراد بيان إقامة الحجة لا إقرارهم، ولكن السنة قد دلت على جواز المشي بالليل. ٩ - ومن فوائد الآية الكريمة: النداء على من لم يتعظ بالسفة وعدم العقل لقوله: ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ (١٣٨)﴾. ١٠ - ومن فوائدها: أن العقل حقيقة هو ما أرشد صاحبه إلى فعل الخير وترك الشر، وليس العقل هو الذكاء، فالعقل شيء، والذكاء شيء آخر، وكل من كان مكذبًا للرسل مستكبرًا عما جاءوا به فإنه ليس بعاقل، حتى وإن كان من أدهى الناس، فالإنسان المكذب للرسل المستكبر عما جاءوا به ليس بعاقل وإن كان ذكيًّا حتى وإن كان ذا شرف وجاه، فإنه ليس بعاقل لقوله: ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ (١٣٨)﴾ وقد قال الله مثل هذا في بني إسرائيل الذين

стр. 292

يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم وهم يتلون الكتاب فقال: ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ والله الموفق. * * * ﴿وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (١٣٩)﴾ هذه الجملة مؤكدة بمؤكدين: الأول: إن، والثاني: اللام، وسبب التأكيد أن إثبات الرسالة أمر ينكره كثير من الناس، والشيء الذي ينكر يجب أن يؤكد بما يدل على ثبوته، سواء كان ذلك عن طريق التأكيد اللفظي بأدوات مؤكدات، أو عن طريق التأكيد المعنوي بذكر الآيات والشواهد الدالة على ثبوته، والأنبياء -عليهم الصلاة والسلام- قد ثبتت رسالتهم: أي بالتوكيد اللفظي والتوكيد المعنوي، فأيدهم الله تعالى بالآيات الكونية والشرعية، وأيد الله رسالتهم بالمؤكدات اللفظية، كما في هذه الآية. ﴿لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (١٣٩)﴾ يعني لمن القوم الذين أرسلهم الله تعالى إلى عباده، ولم يبين إلى من أرسلوا، لكن قد ذكر في آيات أخرى أنه أرسل إلى قومه، وكذلك صح عن رسول الله ﷺ أن كل نبي يبعث إلى قومه خاصة إلا النبي ﷺ فإنه بعث إلى الناس عامة (١)، ويونس ﵊ هو أحد أنبياء بني إسرائيل، أرسله الله تعالى إلى قومه، وسيأتي -إن شاء الله تعالى- بيان قصته هنا. ﴿إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (١٤٠)﴾ قال المؤلف ﵀:

стр. 293

[هرب ﴿إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (١٤٠)﴾: السفينة المملوءة حين غاضب قومه] ﴿إِذْ أَبَقَ﴾ يحتمل أن تكون ﴿إِذْ﴾ متعلقة بالمرسلين، أي لمن المرسلين في هذه الحال، أي أن إيباقه لم يسلبه الرسالة، ويحتمل أنها متعلقة بمحذوف تقديره: اذكر إذ أبق إلى الفلك المشحون. وهذا أحسن أن تكون متعلقة بمحذوف؛ لأنه لما أثبت رسالته بين حالًا من حالاته وهو إيباقه ﵊، وعلى هذا فنقول ﴿إِذْ أَبَقَ﴾ ليست متعلقة بالمرسلين، لأن رسالته كانت قبل أن يأبق، لكنها متعلقة بمحذوف، التقدير: اذكر إذ أبق، والإيباق هو الهرب، وكأنه ﵊ خرج مسرعًا؛ لأنه خرج مغاضبًا لقومه حين لم يؤمنوا ولم ينزل بهم العذاب. قال: ﴿الْفُلْكِ﴾ يعني السفينة وهي مراكب الماء، وقد أنعم الله على العباد بالفلك تجري في البحر بأمره، تحمل الأرزاق من جهة إلى جهة، وامتن الله بها على العباد وعظمت منته في عصرنا الحاضر، فإن الفلك في عصرنا الحاضر ليس كالفلك فيما سبق، فالفلك كان على الشراع والهواء، وكان له معوقات وفيه مخاطر عظيمة. أما الفلك الآن فعلى العكس من ذلك، ومنَّ الله أيضًا بالفلك على عباده في عصرنا الحاضر بأن تنوعت هذه الفلك فصارت فلكًا مائيًا، وفلكًا بريًّا، وفلكًا هوائيًّا، فالهوائي الطائرات، والبري السيارات، والمائي السفن، وكل هذا داخل في قوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ (١٢) لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾. [الزخرف: ١٢ - ١٣].

стр. 294

﴿الْمَشْحُونِ (١٤٠)﴾ يعني المملوء من الركاب، فركب البحر مغاضبًا لقومه لما لم ينزل بهم العذاب الذي وعدهم به، فركب السفينة فوقفت في لجة البحر، فقال الملاحون: هنا عبد أبق من سيده تظهره القرعة، هكذا قال المؤلف ﵀: إن السفينة وقفت في لجة البحر، وأن وقوفها كان بسبب إيباق يونس. فقال الملاحون وهم قواد السفينة: هنا عبد أبق من سيده تظهره القرعة، ولكن ما ذكره المؤلف ﵀ ليس عليه دليل، وهو من الإسرائيليات البعيدة، بل إن هذه السفينة المشحونة لما كانت في عرض البحر وهي مملوءة وصارت في لجة البحر ثقل الحمل، وإذا ثقل الحمل فلابد من أحد أمرين: إما أن يخفف الحمل، وإما أن يغرق الجميع، ولا شك أن تخفيف العمل أولى من غرق الجميع؛ لأنه إذا خفف الحمل نجا من بقي، وإذا بقي الحمل على ما هو عليه غرق الجميع، وبقاء البعض أولى من هلاك الكل، وهذا أمر عقلي، فاقترعوا إذ ليس إلقاء بعضهم في البحر أولى من إلقاء الآخر، فلا سبيل حينئذ إلى التخلص من هذه المشكلة إلا بالقرعة، فاقترعوا ﴿فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ (١٤١)﴾ اقترعوا أيهم الذي يلقى. ومن المعلوم أننا إذا علمنا من يلقى علمنا من يبقى، ولهذا قال الله : ﴿فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ (١٤١)﴾ قال المؤلف ﵀: [ساهم أي قارع أهل السفينة ﴿فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ (١٤١)﴾ المغلوبين بالقرعة فألقوه في البحر]. وظاهر صنيع المؤلف ﵀ أنه لم يلق أحد سوى يونس، ولكن الآية تدل على خلاف ما يدل عليه كلام المؤلف،

стр. 295

لأنه ﴿فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ (١٤١)﴾ (من) هنا للتبعيض أي: بعضًا منهم، وهذا يدل على أن القرعة أصابته وأصابت غيره أيضًا، فالمسألة الآن واضحة فالفلك كان مملوءًا، ولابد أن يغرق إلا أن يلقى بعض ركابه، وإلقاء بعض الركاب أولى من هلاك الجميع. ولا سبيل إلى إلقاء البعض على التعيين؛ لأننا لو عينا أحدًا دون أحد كان في ذلك ظلم، وامتنع من عيناه، وصار في هذا خصومة، وربما غرقت السفينة في أثناء هذه الخصومة، إذًا فالطريق إلى تعيين من يلقى هو القرعة، فاقترعوا فأصابت القرعة قومًا ونجا منها قوم، وكان يونس ﵊ من جملة الذين أصابتهم القرعة، فكان من المدحضين فألقي في البحر، قال الله تعالى: ﴿فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ﴾ ابتلعه ﴿وَهُوَ مُلِيمٌ (١٤٢)﴾ قال المؤلف ﵀: [أي آت بما يلام عليه من ذهابه إلى البحر وركوبه السفينة بلا إذن من ربه]. التقمه الحوت التقامًا ولم يمضغه؛ لأنه لو مضغه لتكسر وهلك، لكن الله تعالى سخر له هذا الحوت فالتقمه التقامًا وابتلعه حتى وصل إلى مقر بطنه دون أن يصيبه أذى. وقوله: ﴿وَهُوَ مُلِيمٌ (١٤٢)﴾ الجملة هنا في موضع نصب على الحال من الهاء في قوله: ﴿فَالْتَقَمَهُ﴾ لا من الفاعل في التقمه، لأن الفاعل الحوت، والحوت ليس بمليم، بل المليم الملتقَم ﴿فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ (١٤٢)﴾ أي: يونس ومعنى (مليم): آت بما يلام عليه، كما يقال: (منجد) لمن دخل نجدًا مثلًا، فمفعل قد تأتي بمعنى التلبس بالشيء، فالمليم هو الذي فعل ما يلام عليه،

стр. 296

والذي يلام عليه أنه خرج من قومه مغاضبًا لهم قبل أن يأذن الله له، وكان الواجب أن يصبر، ولهذا قال الله لنبيه ﷺ : ﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ (٤٨) لَوْلَا أَنْ تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ (٤٩) فَاجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ (٥٠)﴾. [القلم: ٤٨ - ٥٠] فيونس ﵊ التقمه الحوت في حال يلام عليها، ووجه ذلك أنه خرج مغاضبًا من عند قومه بدون إذن من ربه . ﴿فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ (١٤٣) لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (١٤٤)﴾. (لولا) ترد كثيرًا في القرآن الكريم، وفي السنة النبوية، وفي كلام الناس وهي ثلاث أدوات: (لو) و (لما) و (لولا): * لو حرف امتناع لامتناع: لو جاء زيد لأكرمته، فالممتنع الإكرام لامتناع وجوده. * ولما حرف وجود لوجود، لما جاء زيد أكرمته، فالذي وجد الإكرام لوجود المجيء. * ولولا حرف امتناع لوجود تقول: لولا مجيء زيد لأكرمت فلانًا. فالذي امتنع إكرام فلان لوجود مجيء زيد. وهنا ﴿فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ (١٤٣) لَلَبِثَ﴾ الذي امتنع اللبث لوجود التسبيح، لولا أنه أي: يونس ﴿كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ (١٤٣)﴾ قال المؤلف ﵀: [الذاكرين بقوله كثيرًا في بطن الحوت ﴿أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (٨٧)﴾ [الأنبياء: ٨٧]

стр. 297

يعني لولا أنه كان من المسبحين بهذا اللفظ أو بغيره، وهذا أولى أن نقول بهذا اللفظ أو بغيره، أي: كان ممن يسبح الله . إما قبل أن يلتقمه الحوت، أو في أثناء وجوده في بطن الحوت لولا هذا ﴿لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ﴾ أي: في بطن الحوت ﴿إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (١٤٤)﴾ لصار بطن الحوت قبرًا له إلى يوم القيامة. ولكن لوجود التسبيح السابق أنجاه الله ، ﴿فَنَبَذْنَاهُ﴾ النبذ بمعنى الطرح والإلقاء، وهنا قال، ﴿فَنَبَذْنَاهُ﴾ بصيغة الجمع مع أن النابذ واحد، ولكن أتى بصيغة الجمع من باب التعظيم، وذلك لكمال صفاته وكثرة صفاته عظم نفسه، ﴿بِالْعَرَاءِ﴾ قال المؤلف ﵀: [أي ألقيناه من بطن الحوت بالعراء بوجه الأرض أي بالساحل من يومه، أو بعد ثلاثة، أو سبعة أيام، أو عشرين، أو أربعين يومًا]. (العراء) وجه الأرض، والمراد به وجه الأرض الذي ليس فيه ما يظل من شجر ولا بناء، وسمي عراء لعروه عما يكسوه من الأشجار والبناء، فبقي ﵊ على الساحل ليس عنده بناء ولا أشجار تظله بل عراء، ولكن الله لطف به؛ لأن رحمة الله سبقت غضبه. ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا﴾ [غافر: ٧] وأما قول المؤلف: [إنه من يومه، أو بعد ثلاثة، أو سبعة، أو عشرين، أو أربعين يومًا] فهذه أقاويل وكلها ليس عليها دليل، لكن لا شك أن الله أبقاه في بطن الحوت ما شاء الله أن يبقى، وأما تعيين ذلك فلابد فيه

стр. 298

من دليل عمن قوله حجة وهو الرسول ﷺ ، وما عدا ذلك في مثل هذه الأمور فإنها لا تقبل. ﴿وَهُوَ سَقِيمٌ (١٤٥)﴾ قال المؤلف ﵀: [عليل كالفرخ الممعط]، قوله: عليل تفسير للسقيم، والسقم بمعنى: المرض والعلة، وأما كونه كالفرخ الممعط، يعني: المنتوف شعره، فهذا ليس في الآية ما يدل عليه، لكن لا شك أن المريض يكون ضعيف البدن وليس عنده قدرة على مقاومة الشمس والهواء، وقوله: ﴿وَهُوَ سَقِيمٌ (١٤٥)﴾ يدل بظاهره على أن يونس بقي في بطن الحوت مدة أدت إلى سقمه. ﴿وَأَنْبَتْنَا عَلَيْهِ﴾ ولم يقل: (أنبتنا له)؛ لأنه بحاجة إلى ظل، فأنبت الله عليه ظلاًّ، ﴿شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ (١٤٦)﴾، (من) لبيان الجنس، كما يقال: خاتم من حديد، واليقطين هو: القرع، والقرع أنواع منها قرع يسمى عندنا (قرع نجد) هذا له شجر، وأشجاره لينة كالإِبْرَيْسَم ويقال: إنه لا يقع عليه الذباب. النوع الثاني: من القرع فهو قرع ورقه خشن، حتى إن الإنسان إذا لمسه بيده يحس بالخشونة، والظاهر أن الذي أنبت الله عليه من النوع الأول اللين الذي يكون كالإبريسم، وهو أيضًا بارد الظل، فأنبت الله عليه هذه الشجرة، وأما قول المؤلف: [تظله بساقِ على خلاف العادة] فهذا يحتاج إلى دليل، لكن لا شك أن الله أَنبت عليه شجرة تظله، ولابد أن يكون لها نوع من الارتفاع، قال ﵀: [وكانت تأتيه وعلة صباحًا ومساء يشرب من لبنها حتى قوي]. الوعلة: الأنثى من الظباء يعني أنثى الأوعال،

стр. 299

فكانت تأتيه ويشرب من لبنها حتى قوي. وهذا الخبر يحتاج إلى دليل عن المعصوم، وليس فيه دليل عن رسول الله ﷺ ، فهو خبر إسرائيلي نتوقف فيه لا نصدق ولا نكذب، إن كان الله تعالى قيض له ذلك، فالله على كل شيء قدير، وهذا سبب حسي؛ لأن الإنسان يحتاج إلى غذاء، وإن كان الله تعالى قد قواه على تحمل الجوع والعطش، فهذا أيضًا ليس ببعيد، وحينئذ نجعل الآية فيه: أن الله قواه على خلاف العادة. أما إذا جعلناها وعلة فهنا يكون بقاؤه وتغذيته على حسب العادة من وجه، ومعجزة من وجه آخر، حسب العادة، حيث تغذى باللبن كغيره من البشر، وعلى خلاف العادة حيث قيض الله له هذه الوعلة التي ليست من جنسه، تأتي حتى يشرب من لبنها، لكن إذا قلنا: إن الله قوَّاه على تحمل الجوع والعطش صار هذا آية محضة، وليس هذا ببعيد، فإن النبي ﷺ لما نهى عن الوصال قالوا: يا رسول الله إنك تواصل، والوصال يعني أن يقرن الصائم بين يومين لا يفطر بينهما، قال: "إني ليست كهيئتكم إني يطعمني ربي ويسقيني" (١) يعني بلا أكل ولا شرب، ومع ذلك يكتفي بما أودع الله في قلبه من محبة الله وذكره عن الغذاء الجسدي، أي يكتفي بالغذاء الروحي عن الغذاء الجسدي، فالله على كل شيء قدير، ونظير هذا من بعض الوجوه أن الله قال: ﴿إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ

стр. 300

الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ﴾ [التوبة: ٤٠] فهنا لم يذكر الله كيف نصره على قريش وهو في الغار، فعلى أي شيء يحمل؟ وردت أحاديث ضعيفة بأنه عششت عليه العنكبوت، وأنه صار على فم الغار حمامة، وأن الله أنبت شجرة تحجز رؤية المشركين للرسول ﷺ وصاحبه أبي بكر ﵁ (١) فهذه الثلاث أمور حسية تمنع من رؤية النبي ﷺ وصاحبه في الغار، ولكن وجودها في هذا الوقت آية، فالله أنبت هذه الشجرة، وسخر هذه الحمامة لتقف على باب الغار، وسخر العنكبوت لتنسج على بابه، وهذه آية لا شك، ولكن هناك آية أعظم من هذا، وهي آية محضة وهي أن الله أعمى أبصارهم عن رؤية النبي ﷺ وصاحبه لأنهم وقفوا على الغار على أقدامهم حتى قال أبو بكر ﵁: "لو نظر أحدهم إلى قدمه لأبصرنا" (٢) كما صح ذلك عند البخاري ومسلم وغيرهما، وهذا مما يدل على ضعف قصة العنكبوت والحمامة

стр. 301

والشجرة، لأن هذا الثاني أبلغ آية من الأول، وكلام أبي بكر ﵁ يدل على أنه ليس هناك حاجز حسي يمنع من الرؤيا لا شجرة ولا عش عنكبوت، وليس هناك ما يبعد أن يوجد في الغار أحد من وقوع الحمامة على بابه، والحمامة قد تقع على باب الحجرة ولو كان فيها أحد - كما هو مشاهد كثير. فالحاصل أن بعض الناس يأتون بمثل هذه الآيات ولا يفكرون بأنها تضعف جانب الآية، لأن كون الآية أن الله أعمى أبصار قريش عن رؤية الرسول ﷺ مع أنهم واقفون على الغار أبلغ بكثير من نسيج العنكبوت، أو الشجرة، أو الحمامة، وأحسن هذه الروايات من حيث السند نسج العنكبوت ومع ذلك فهو ضعيف، وإذا كان ضعيف السند وشاذ المتن لمخالفته ما جاء في الصحيحين فإنه لا يكون مقبولًا. ﴿وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ (١٤٧)﴾ أي أرسله الله تعالى بعد ذلك إلى قومه، وأتم رسالته إلى مئة ألف، وقوله: ﴿أَوْ يَزِيدُونَ (١٤٧)﴾ اختلف العلماء هنا: فقيل: إن (أو) بمعنى بل، كما قاله المؤلف: [بل يزيدون عشرين، أو ثلاثين، أو سبعين] وتعيين الزيادة بعشرين أو ثلاثين أو سبعين ألفًا لا دليل عليه، ولا يمكن أن تكون الزيادة سبعين ألفًا. لأنه لو كانت الزيادة سبعين ألفًا ما صح أن يقال: مئة ألف أو يزيدون، بل يقال إلى مئة وسبعين ألفًا، لأن الفارق بين العدد الأول والثاني كثير، فعلى كلام المؤلف يكون الله تعالى أرسله إلى أكثر من مئة ألف وتكون (أو) هنا بمعنى (بل)، والمراد ببل التي

стр. 302

كانت (أو) بمعناها الإضراب الانتقالي، وليس الإضراب الإبطالي. وذهب بعض العلماء إلى أن (أو) هنا للتحقيق، وليست للإضراب، أي إن لم يزيدوا على مئة ألف، لم ينقصوا، فكأن ما بعد (أو) لتأكيد ما قبلها، وليس للزيادة عليه، كما لو سألك سائل عن قوم: كم عددهم؟ فقلت: مئة ألف أو أكثر. يعني أنهم إن لم يزيدوا لم ينقصوا، وليس المراد إثبات الأكثرية أو الزيادة على هذا العدد، بل المراد تأكيد هذا العدد. وعلى هذا تكون (أو) هنا إما بمعنى (بل) وإما للتحقيق، أي: تحقيق العدد السابق. فعلى القول الأول يكون المرسل إليهم زائدين على مئة ألف، وعلى الثاني يكون المرسل إليهم مئة ألف، لكن أكد ذلك بقوله: ﴿أَوْ يَزِيدُونَ (١٤٧)﴾. ﴿فَآمَنُوا فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ (١٤٨)﴾ أي: أبقيناهم إلى حين، وهذا الحين هو وقت آجالهم التي قدرها الله لهم، يعني أنهم لم يهلكوا بهذا العذاب الذي أصابهم، كما قال تعالى: ﴿فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ (٩٨)﴾ [يونس: ٩٨]. في هذه الآيات فوائد: ١ - إثبات رسالة يونس ﵊ ويتفرع على هذه الفائدة: وجوب الإيمان به رسولًا من عند الله.

стр. 303

٢ - ومن فوائدها: الثناء على يونس لقوله: ﴿لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (١٣٩)﴾ لأنه لا شك أن مقام الرسالة أعلى مقامات البشر، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ﴾ [النساء: ٦٩] وهذا الذي عليه أمة الإسلام، أن مقام الرسالة أفضل من كل مقام، وأنها أعلى مقامات البشر، خلافًا لمن زعم أن أعلى مقامات البشر الولاية ثم النبوة ثم الرسالة، وقال في ذلك بعض الصوفية قولًا منكرًا، فقال: "مقام النبوة في برزخ، فويق الرسول ودون الولي"، فالولي أعلى شيء، ولقد كذبوا في ذلك، فمقام الرسالة أعلى المقامات، وكل رسول فهو ولي، ولا عكس، ثم النبوة ثم الولاية. ٣ - ومن فوائد الآية الكريمة: أنه لا يجوز القدح في يونس ﵊ من أجل ما حصل منه من عدم الصبر، فإن الله قال: ﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ﴾. [القلم: ٤٨] لكنه لا يجوز أن نقدح فيه لذلك، لأنه أحد الرسل، والقدح بالرسل كفر، بل إن النبي ﷺ قال: "لا ينبغي لعبد أن يقول: أنا خير من يونس بن متى" (١)؛ لئلا يؤدي تفضيل الرسول ﷺ إلى احتقار يونس ﵊. ٤ - ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات جماعة الرسل لقوله: ﴿لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (١٣٩)﴾ ويقول الله : ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا

стр. 304

فِيهَا نَذِيرٌ (٢٤)﴾ [فاطر: ٢٤] أي ما من أمة من الأمم إلا جاءها رسول تقوم به عليها الحجة، كما قال تعالى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥]. ٥ - ومن فوائد الآيات: أن مقام النبوة لا يمنع من فعل بعض ما لا يكون محبوبًا إلى الله، أي أن الرسول قد يفعل بعض المعاصي، أو يقوم بشيء لم يؤمر به، دليل ذلك قوله: ﴿إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (١٤٠)﴾ والإيباق هرب العبد من سيده، والعبد إذا أبق من سيده فقد هرب منه تمردًا عليه، ولكن لا شك أن هذا الوصف إنما ينطبق على العبد المملوك للبشر لا على يونس ﵊، لكن الله عبر عن خروجه بالإيباق؛ لأنه خروج لم يؤمر به، وهذه المسألة أعني مسألة عصمة الرسل -عليهم الصلاة والسلام- محل خلاف طويل عريض بين العلماء -وقد سبق لنا في غير هذه الموضع بيان ذلك على وجه التفصيل- فذكرنا أنهم معصومون من كل ما يخدش الرسالة وينافي الرسالة مثل: الكذب والخيانة والشرك وما أشبه هذا، فهذا معصومون منه قطعًا؛ لأنهم إنما جاءوا لهدم الشرك، ولا يمكن أن يصدر منهم الكذب والخيانة، لأن هذا يؤدي إلى الشك فيما جاءوا به. وثانيًا: هم معصومون أيضًا من كل ما يخل بالشرف، كالسرقة وشبهها مما يعد دناءة وخسة، وذلك لأن النبوة أعلى مقامات البشر، فلا ينبغي أن يتخلق من اتصفوا بها بأرذل أخلاق البشر. ثالثًا: أنهم معصومون من الاستمرار في المعصية، ولا

стр. 305

يمكن أن يقروا عليها، بل لابد أن ينبهوا عليها ويحصل منهم التوبة بخلاف غيرهم من الناس فإنهم قد يفعلون المعصية، ويقرون عليها ولا يوفقون للتوبة منها. وأما القول بأنه لا ذنوب لهم مطلقًا، فهذا قول يخالف الكتاب والسنة، فإن الله تعالى قال في كتابه لأشرف الرسل ﵊: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [محمد: ١٩] وقال له: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (١) لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (٢)﴾ [الفتح: ١ - ٢] وكان النبي ﷺ يقول: "اللهم اغفر لي ذنبي كله، دقه وجله، علانيته وسره، وأوله وآخره" (١)، "اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت وما أسررت وما أعلنت" (٢) وكل هذا صريح في أن الرسول ﷺ قد يقع منه الذنب، ولكن الشأن كل الشأن أنه لا يقر عليه. ٦ - ومن فوائدها: أن الله قد ييسر للعبد ما لا يكون له في الحسبان، وذلك من قوله: ﴿إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (١٤٠)﴾ حيث قدر له أن يركب هذا الفلك المملوء من أجل الغاية التي أرادها الله، وهي أن يلتقمه الحوت ويغيبه ويضيق عليه حتىِ يتبين له أنه لا مفر من قدر الله، كما قال تعالى: ﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (٨٧)﴾ [الأنبياء: ٨٧]

стр. 306

٧ - ومن فوائدها: جواز المساهمة يعني: القرعة لقوله: ﴿فَسَاهَمَ﴾ فإن قال قائل: هذا من شرع من قبلنا، فالجواب: أن شرع من قبلنا شرع لنا ما لم يرد شرعنا بخلافه، فكيف وقد ورد شرعنا بوفاقه، فإن النبي ﷺ كان إذا أراد سفرًا أقرع بين نسائه، فأيهما خرج سهمها خرج بها (١)، إذًا: يستفاد منه جواز المساهمة يعني: القرعة. فإن قال قائل: المساهمة فيها خطر فهي ميسر، لأن الإنسان قد يكون غانمًا وقد يكون غارمًا. فالجواب على ذلك من أحد وجهين: الأول: المنع بأن نقول إن الإنسان لا يمكن في القرعة أن يكون غانمًا أو غارمًا، بل هو إما غانم وإما سالم، إما أن يغرم شيئًا فلا. الثاني: التسليم بأنها فيها غرر، لكن الضرورة دعت إليها، إذ لا يمكن التوصل إلى التمييز بين المشتركين في حق من الحقوق إلا بالقرعة، ولذلك إذا أمكن التمييز بينهما بغير القرعة فإنه يجب التمييز بينهما بدون القرعة. فمثلًا أقرع النبي ﷺ بين زوجاته إذا أراد السفر لأنه لا يمكن أن يذهب بهن جميعًا، لأنه لو أمكن لذهب بهن جميعًا، إذًا لابد أن نميز من الذي يستحق أن يخرج، فهنَّ متساويات في الحقوق، ولا سبيل إلى التعيين إلا بالقرعة، فإذا خرجت القرعة لواحدة فالباقيات لم يغرمن شيئًا، غاية ما

стр. 307

هنالك أنه فإتهنَّ ما يرغبن فقط، ولهذا إذا خرجت القرعة عن هذا إلى الميسر صارت حرامًا. مثال ذلك: أراد اثنان مشتركان في قمح أن يقتسما القمح بينهما وهما شريكان بقدر النصف كل واحد له نصف، فقسم القمح أثلاثًا، أي: جعل ثلثان في جهة وثلث في جهة أخرى، وأرادوا القرعة أيهما يأخذ الثلثين فالقرعة هنا حرام؛ لأن أحدهما إما غانم وإما غارم، إما أن يأتيه أكثر من حقه، وإما أن ينقص حقه، فهذه تكون حرامًا؛ لأنها صارت ميسرًا، وإذا قسمنا القمح نصفين، وأردنا أن نميز كل واحد في حقه فما هو الطريق إذا لم يتنازل أحدهما للآخر ويخيره؟ فلا طريق لنا إلى التمييز بينهما إلا بالقرعة. وهل ذكرت القرعة في القرآن في غير هذا الموضع؟ نعم في سورة آل عمران، ﴿وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ (٤٤)﴾ [آل عمران: ٤٤]. ٨ - من فوائد الآية الكريمة: أنه ليس للمساهمة طريق معين فيسلك فيها ما يحصل به التميز: إما بكتب رقاع، أو بأحجار، أو بلفائف خرق أو بأي طريق، لأن المساهمة وردت في النصوص، ولم تعين طريقًا خاصًّا لها، فأي طريق توصلنا به إليها جاز. ٩ - من فوائدها: ارتكاب أدنى الضررين؛ لدفع أعلاهما، ووجه ذلك: أن هذه القرعة سيكون فيها هلاك بعض الركاب وهو أهون من هلاك الجميع، إذًا فالواجب إذا كان لابد من الضررين ارتكاب الأدنى، لأن ارتكاب الأدنى يسقط عنا ارتكاب المفسدة الزائدة، واجتناب المفسدة الزائدة واجب، ولهذا نقول: يجب

стр. 308

ارتكاب أدنى الضررين لدفع أعلاهما. ١٠ - وفي هذه الآيات: دليل على العمل بمثل هذه القضية يعني لو كان الناس في مركب، وكان المركب مشحونًا وكان لابد من إلقاء بعض الركاب أو هلاك الجميع، فإنه يجوز أن يلقى بعض الركاب لكن عن طريق القرعة، ليبقى البقية. فإن قال قائل: كيف نلقي هذا الرجل في البحر في الهلاك؟ وهل هذا إلا قتل نفس، فما الجواب؟ فالجواب: نعم هو قتل نفس لكن لإبقاء نفوس، وأيما أولى أن يقتل الجميع، أو أن ينجو البعض، الثاني بلا شك أولى، وهذا أمر لابد منه؛ لأننا لو أبقينا الجميع لكنا تسببنا لهلاك الجميع، وكوننا نتسبب لهلاك البعض أهون من كوننا نتسبب لهلاك الجميع، لكن هذا بشرط ألا يكون هناك احتمال ولو ضعيفًا بالنجاة، فإذا كان هناك احتمال فإنه لا يجوز ارتكاب مثل هذا، وإذا كانت الفلك مشحونة بأمتعة وأطعمة وأغنام وآدميين، فنبدأ بإلقاء بالأمتعة الشيء الذي ليس فيه روح، فإن أمنا، وإلا ألقينا الأطعمة، فإن أمنا وإلا ألقينا الحيوان، فإن أمنا وإلا أقرعنا بين البشر. ١١ - من فوائدها: حصول آية من آيات الله وذلك بتسخير هذا الحوت ليونس حتى التقمه بدون مضغ، ولا شك أن هذا من آيات الله، لأن مثل هذا بعيد في العادة، لأن العادة أنه يمضغ، لكن هذا التقمه جميعًا، لم يُكسر له عظم ولم يُهشم له شيء من أضلاعه أو غيرها.

стр. 309

١٢ - ومن فوائدها: حب الإعذار من الله ، وأنه يحب الإعذار من خلقه، أي إقامة العذر لما فعله حتى لا ينسب فعله للظلم وللسفه، وتؤخذ من قوله: ﴿فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ (١٤٢)﴾ يعني ليس في حال لا يلام عليها، حتى يقال: إن في هذا ظلمًا له أو سفهًا في حقه، بل التقمه الحوت في حال هو مستحق فيها لذلك، ولهذا قال: ﴿وَهُوَ مُلِيمٌ (١٤٢)﴾. ١٣ - ومن فوائدها: أن الأنبياء قد يأتون ما يلامون عليه، ولكن ييسر لهم الخروج من ذلك لقوله: ﴿وَهُوَ مُلِيمٌ (١٤٢)﴾. ١٤ - ومن فوائدها: أن الطاعات السابقة تكون سببًا للنجاة من المهلكات اللاحقة، لقوله: ﴿فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ (١٤٣) لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (١٤٤)﴾ فيكون في هذا شاهد لقول النبي ﷺ : "تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة" (١). وهذا كما أنه مقتضى النصوص القولية فهو مقتضى النصوص الحالية، فإن أصحاب الغار الثلاثة الذين انطبق عليهم الغار نفعهمِ الله تعالى بما سبق من أعمالهم الصالحة (٢)، فأنت إذا عملت عملًا صالحًا، فإن هذا العمل قد يكون سببًا لنجاتك من مكاره عظيمة، تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة، وهنا قال : ﴿فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ (١٤٣) لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (١٤٤)﴾.

стр. 310

١٥ - ومن فوائدها: أنه لو بقي في بطنه لكان فيه آية من آيات الله، أن يبقى هذا الحوت من ذلك الوقت إلى يوم القيامة، لأن هذا ظاهر اللفظ أنه يبقى في بطنه إلى البعث. ١٦ - ومن فوائدها: أن أفعال المخلوقات تنسب إلى الله تقديرًا وقضاء، وتنسب إلى العامل مباشرة وكسبًا. وتؤخذ من قوله: ﴿فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاءِ﴾ لأنه من المعلوم أن الذي لفظه هو الحوت، ومع ذلك لا نجزم بهذا، لأنه ربما أن الحوت لفظه، ويسر الله له من الريح ما يحمله إلى أن يصل إلى الأرض اليابسة، ويحتمل أن الحوت لفظه في الأرض اليابسة والله أعلم، المهم أن الله يسر له من أسباب الوصول إلى الأرض اليابسة ما أوصله إليها. ١٧ - ومن فوائدها: أن الإنسان لا ينبغي له أن ييأس من الشفاء ولو بلغ به من المرض ما بلغ، لقوله: ﴿وَهُوَ سَقِيمٌ (١٤٥)﴾ إلى قوله: ﴿وأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ (١٤٧)﴾ فهذا الرجل السقيم الذي بقي في بطن الحوت -ما شاء الله- وخرج سقيمًا عافاه الله وشفاه فلا تيأس من رحمة الله بما يصيبك من المرض، فإن الله قد ييسر لك ما يكون سببًا لشفائك. ١٨ - ومن فوائدها: إثبات تأثير الأسباب، لقوله تعالى: ﴿وَأَنْبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ (١٤٦)﴾ لأن هذه الشجرة تظله وتبرد عليه وهي -كما أسلفنا- لينة الملمس، ويقال: إن الذباب لا يقع عليها، والله قادر على أن يظله بغمامة، وقادر على أن يبقيه في الشمس في العراء، ولا يتأثر، لكن الله يبين لعباده أن

стр. 311

الأشياء تكون بأسبابها، ومرّ علينا في أصول الفقه بيان أن الأسباب مؤثرة، لكن لا بنفسها ولكن بما أودعه الله بها من أسباب التأثير. ١٩ - ومن فوائدها: أن الله يرسل الرسل السابقين إلى قوم مخصوصين لقوله: ﴿وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ (١٤٧)﴾. ٢٠ - استدل بعض المتأخرين بقوله تعالى: ﴿وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ (١٤٧)﴾ على إثبات الإحصاء السكاني لأنه قال: ﴿إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ (١٤٧)﴾ فأحصاهم عددًا، مع أنه لو قال: فأرسلناه إلى قومه. كفى لكن عدهم عدًّا، ولا نعلم لهذا فائدة إلا الإحصاء، ولا شك أن الإحصاء إذا كان فيه فائدة فإنه داخل في عمومات النصوص الدالة على وجود ما فيه الفائدة، أما إذا لم يكن فيه فائدة وإنما يكون تطويلًا للمدة وإضاعة للوقت، وإتلافًا للمال بما ينفق عليه، فإنه كغيره مما لا فائدة منه لا يكون مطلوبًا. ٢١ - ومن فوائدها: أن الله أنجى قوم يونس بعد أن عاينوا العذاب لقوله: ﴿فَآمَنُوا فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ (١٤٨)﴾. فإذا قال قائل: ما الحكمة أن يخص قوم يونس بأنه تقبل منهم التوبة بعد نزول العذاب. فالجواب: أن الحكمة من هذا أن نبيهم لم يصبر حتى تتم إقامة الحجة عليهم، بل خرج منهم مغاضبًا قبل أن يؤذن له فلم تتم إقامة الحجة، فكان لهم شبه عذر في تأخير العذاب عنهم.

стр. 312

٢٢ - ومن فوائدها: أن الإنسان وإن نجا من الأسباب المهلكة فلن ينجو من الموت، بل لابد أن يموت طال الزمن أم قصر، لقوله: ﴿فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ﴾. ٢٣ - ومن فوائدها: أن الإيمان سبب لطول الحياة لقوله: ﴿فَآمَنُوا فَمَتَّعْنَاهُمْ﴾ ولا شك أن الإيمان سبب لطول الحياة، لأن نوحًا قال لقومه: ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ [نوح: ٤] فبين لهم أنه إذا حصل منهم الإيمان والتوبة غفر الله لهم وأخرهم إلى أجل مسمى. وإن لم يفعلوا أهلكهم الله. ٢٤ - ومن فوائد الآيات كلها: إثبات عظمة الله لكونه يضيف الأفعال إلى نفسه بضمير الجمع، ومن المعلوم أن الله واحد، وقد اشتبه هذا على النصارى -عليهم لعنة الله- فقالوا بتعدد الآلهة لجمع الضمير الذي يضاف إلى الله ، وهذا من اتباع المتشابه فإنهم اتبعوا هذا المتشابه وأعرضوا عن الصريح في قوله تعالى: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (١٦٣)﴾ [البقرة: ١٦٣]. * * * قال الله : ﴿فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ الْبَنَاتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ (١٤٩)﴾. الأمر في قوله: ﴿فَاسْتَفْتِهِمْ﴾ يعود إلى رسول الله ﷺ والهاء في قوله: ﴿فَاسْتَفْتِهِمْ﴾ تعود إلى المشركين الذين جعلوا لله البنات ولهم البنون. وقوله: ﴿فَاسْتَفْتِهِمْ﴾ أي اطلب منهم أن يفتوك. والفتوى في الأصل: بيان الحكم الشرعي. وتوجيه الاستفتاء إليهم من

стр. 313

باب التهكم بهم، كأنهم نصبوا أنفسهم حكمًا يحكمون بما يشاؤون، وهذا كقوله تعالى: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ (٤٩)﴾ [الدخان: ٤٩] على أحد القولين في تفسيرها، وإلا فإن هؤلاء ليسوا أهلًا للاستفتاء فضلًا على أن يستفتوا عن هذا الأمر العظيم، لكن هذا من باب التهكم ثم بين المستفتي عنه فقال: ﴿أَلِرَبِّكَ الْبَنَاتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ (١٤٩)﴾ والاستفهام هنا للتوبيخ، يعني يوبخهم على هذا الحكم المعلوم من قبل، لأنهم جعلوا لله البنات، وجعلوا لهم البنين، ولهذا قال المؤلف ﵀: [﴿فَاسْتَفْتِهِمْ﴾ استخبر كفار مكة توبيخًا لهم] هذا يعود على الاستفهام، وأما التهكم فتوجيه الاستفتاء إليهم قال: ﴿أَلِرَبِّكَ الْبَنَاتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ (١٤٩)﴾ بزعمهم أن الملائكة بنات الله، ﴿وَلَهُمُ الْبَنُونَ (١٤٩)﴾ فيختصون بالأسنى] أي بالأشرف، يعني هل هذا حكم صحيح عادل، أو حكم باطل جائز؟ والجواب: معلوم لكل أحد أن هذا حكم باطل جائر، ولهذا قال الله تعالى في سورة النجم: ﴿أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى (٢١) تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى﴾ [النجم: ٢١، ٢٢] أي جائرة. وقوله: ﴿وَلَهُمُ الْبَنُونَ (١٤٩)﴾ ليست الجملة حالية، بل هي معطوفة على الجملة التي قبلها، فهي داخلة في ضمن الاستفهام، يعني كيف يكون لله البنات ولهم البنون، فإن هذا حكم جائر، ولهذا قال: ﴿أَمْ خَلَقْنَا الْمَلَائِكَةَ إِنَاثًا وَهُمْ شَاهِدُونَ (١٥٠)﴾ (أم) هنا منقطعة، و (أم) المنقطعة هي التي تكون للإضراب، ولهذا تقدر بـ (بل) والهمزة، فمثلًا: أم خلقنا الملائكة، تقدير الكلام:

стр. 314

بل أخلقنا الملائكة إناثًا، و (أم) تكون متصلة وتكون منقطعة، فإذا حل محلها بل وهمزة الاستفهام فهي منقطعة، وإذا كانت بمعنى (أو) فهي متصلة، تقول: أعندك زيد أم عمرو؟ يعني أو عمرًا ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ [المنافقون: ٦] يعني أو لم تستغفر لهم، والمتصلة تأتي بعد همزة التسوية غالبًا. ﴿أَمْ خَلَقْنَا الْمَلَائِكَةَ إِنَاثًا﴾ أي: جعلناهم إناثًا، وعلى هذا فتكون إناثًا مفعولًا ثانيًا لخلقنا، ويجوز أن نجعل خلقنا على بابها، وتكون إناثًا منصوبة على الحال، يعني أم خلقنا الملائكة حال كونها إناثًا والجواب: لا ما خلق الله الملائكة إناثًا، بل ولا ذكورًا، ولهذا لا نصف الملائكة بالأنوثة ولا بالذكورة، لأن الملائكة لا يتوالدون ولا يأكلون ولا يشربون، لكن هم قالوا: إن الملائكة بنات الله، فجعلوا الملائكة إناثًا. ﴿وَهُمْ شَاهِدُونَ (١٥٠)﴾ في موضع نصب على الحال، يعني هل خلقنا الملائكة إناثًا حال كون هؤلاء شاهدين على خلقنا إياهم إناثًا؟ والجواب: لا، فما خلق الله الملائكة إناثًا ولا شهدوا خلقهم، وهذا كقوله في الآية الأخرى: ﴿وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ (١٩)﴾ [الزخرف: ١٩] والحاصل أن الله بين لهؤلاء حالين: الحال الأولى: الحكم الجائر الذي حكموا به بينهم وبين الله، حيث جعلوا لله الملائكة وجعلوا لأنفسهم البنين، وهذا جور، كما تدل عليه آية النجم.

стр. 315

الحال الثانية: جعلهم الملائكة إناثًا، سواء جعلوا لأنفسهم البنين أم لم يجعلوا، وهذا أيضًا كذب وافتراء، لأنهم لم يشهدوا خلقهم حتى يحكموا عليهم بأنهم إناثًا، ولهذا قال: ﴿أَمْ خَلَقْنَا الْمَلَائِكَةَ إِنَاثًا وَهُمْ شَاهِدُونَ (١٥٠)﴾. والملائكة: عالم غيبي خلقَهم الله من نور، لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون. فهم عالم غيبي لا نشاهدهم إلا أن يرينا الله إياهم على سبيل الكرامة، أو على سبيل الآية، لأنه ما من إنسان إلا لديه ملكان عن اليمين وعن الشمال قعيد، وملائكة يحفظونه من بين يديه، يحفظونه من أمر الله، ومن خلفه، ونحن لا نشاهدهم، وملائكة يحضرون مجالس الذكر ولا نشاهدهم لأنهم عالم غيبي، والملائكة خلقوا من نور، كما ثبت ذلك عن رسول الله ﷺ (١)، وخلقوا صمدًا يعني لا يأكلون ولا يشربون، لأنهم يسبحون الليل والنهار لا يفترون، والملائكة منهم من علمنا بأعيانهم ومنهم من لم نعلم، فمن علمنا بأعيانهم جبريل وميكائيل وإسرافيل الذي كان النبي ﷺ يسميهم في افتتاح صلاة الليل، فيقول: "اللهم رب جبرائيل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السموات والأرض عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي إلى صراط مستقيم" (٢) فجبريل ﵇ موكل بما في حياة

стр. 316

القلوب وهو الوحي. وميكائيل موكل بما فيه حياة الأرض وهو المطر والنبات، وإسرافيل بما فيه حياة الأجساد عند نفخ الصور، فإنه قد التقم الصور ينتظر متى يؤمر، فيجب علينا أن نؤمن بالملائكة إجمالًا فيما لم نعلم اسمه، وتعيينًا فيمن علمنا اسمه، ونؤمن أيضًا بما نعلم من أوصافهم كجبرائيل له ست مئة جناح قد سد الأفق، وبما نعلم من أحوالهم وعباداتهم، لأن هذا من أصول الإيمان التي بينها الرسول ﷺ لجبريل ﵇ حين سأله عن الإيمان قال: "أن تؤمن بالله وملائكته" (١) وعلينا أيضًا أن نحب هؤلاء الملائكة وأن نجلهم ونعظمهم لأنهم عباد الله، عباد مكرمون منقادون لأمر الله، فنحبهم لله ، وعلينا أن نكرمهم فنبغض من عاداهم كاليهود مثلًا الذين عادوا جبريل، ونبغض أيضًا كل من سبهم أو تعرض لأذاهم، لأنهم من أشرف عباد الله. وقد اختلف العلماء: هل الملائكة أفضل. أم صالح البشر أفضل؟ والخلاف في هذا معروف مشهور، وأكثره خلاف جدلي، لأن المقام والمرتبة عند الله تدل على أن البشر أفضل، لأن البشر يدخلون الجنة يرزقون فيها بغير حساب، ﴿وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ (٢٣) سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ (٢٤)﴾ [الرعد: ٢٣ - ٢٤]. ولهذا قال شيخ الإسلام ﵀: البشر أفضل باعتبار

стр. 317

النهاية، والملائكة أفضل باعتبار البداية، لأن البشر خلقوا من طين والملائكة من نور، والنور أشرف من الطين. ثم قال الله تعالى مبينًا حكمهم الباطل الذي قد علم مسبقًا قبل أن يستفتوا قال: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ (١٥١) وَلَدَ اللَّهُ﴾ هذه الجملة مؤكدة بثلاثة مؤكدات: ألا، وإن، واللام. أما (ألا) فإنها تأتي بلا شك للتوكيد، كما تأتي كذلك للتنبيه والاستفتاح، ولهذا يقال: ألا أداة استفتاح يراد بها التنبيه، والتوكيد، والتحقيق أي تحقق ما بعدها. ﴿أَلَا إِنَّهُمْ﴾ أي هؤلاء الذين جعلوا الملائكة إناثًا، وهؤلاء الذين جعلوا لله البنات ولهم ما يشتهون ﴿إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ﴾ أي من كذبهم ليقولون ولد الله، وهنا قدم السبب على المسبب. السبب هو: الإفك، والمسبب القول، وقدم الإفك على القول لأهميته، ومن أجل أن يتبين للإنسان بطلانه من قبل أن يؤتى به، وإلا فمقتضي السياق أن يقال: "ألا إنهم ليقولون ولد الله"؛ لأن (ليقولون) خبر إن، وكان مقتضى السياق أن تباشر الاسم، لكن أخرت لبيان أن هذا القول باطل، حتى يرد على الذهن، وقد علم بطلانه، و (من) هنا للسببية، أي: ألا إنهم بسبب إفكهم. ويجوز أن تكون للتبعيض، يعني: ألا إنهم ليقولون هذا القول المأفوك من جملة إفكهم؛ لأن إفكهم كثير، فهم جعلوا لله ولدًا، وجعلوا لله شريكًا، وجعلوا لله زوجة، وكل هذا من الإفك. فالحاصل أن ﴿مِنْ﴾: يجوز أن تكون للتبعيض، ويجوز أن

стр. 318

تكون سببية، وقوله: ﴿مِنْ إِفْكِهِم﴾ أي كذبهم، لأن الإفك هو الكذب، كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ﴾ [النور: ١١] أي بالكذب. ﴿لَيَقُولُونَ (١٥١)﴾ الجملة خبر إن، ومقول القول ﴿وَلَدَ اللَّهُ﴾ وعلى هذا فنقول: إن ﴿وَلَدَ اللَّهُ﴾ في محل نصب مقول القول. وكيف قالوا: ولد الله؟ وبأي صيغة؟ قال المؤلف ﵀: [بقولهم الملائكة بنات الله]، ومعلوم أن البنت من الولد فإن الولد في اللغة العربية يطلق على البنت والابن، قال الله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء: ١١]. ﴿وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (١٥٢)﴾. هذه الجملة مؤكدة بمؤكدين: إن واللام، والمراد بها إبطال هذا القول، فيكون الله أبطل هذا القول قبل التحدث عن مقوله، وبعده، فأبطله قبل التحدث عن مقوله في قوله: ﴿مِنْ إِفْكِهِم﴾ وبعده بقوله: ﴿وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (١٥٢)﴾ ونحن نشهد أنهم كذابون في هذا، فإن الله تعالى واحد أحد صمد، لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوًا أحد. وقد برهن الله على بطلان هذا في سورة الأنعام. فقال تعالى: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ (١٠٠) بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١٠١)﴾ [الأنعام: ١٠٠ - ١٠١] فقال ﴿أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ﴾ [الأنعام: ١٠١] كيف يكون له ولد وليس له صاحبة، يعني زوجة؛ هذا مستحيل.

стр. 319

والثانية: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ والخالق لكل شيء لا يمكن أن يكون له ولد؛ لأن الولد جزء من الوالد، وإذا كان جزءًا منه لم يكن شيئًا مخلوقًا، لأن جزء الخالق يكون خالقًا مثله، قال الله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ (١٥)﴾ [الزخرف: ١٥]. ﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١٠١)﴾ [الأنعام: ١٠١]، وقد أعلمنا أنه ليس له ولد فكيف يكون خبره غير مطابق للواقع. فبرهن الله على امتناع وجود الولد من وجوه ثلاثة: امتناع الصاحبة، وأنه خلق كل شيء، وأنه بكل شيء عليم، وعلمه بكل شيء وقد أخبرنا بأنه لم يلد يقتضي أنه لم يلد كذلك حقًا، لأن هذا الخبر لابد أن يكون مطابقًا لعلمه. ﴿أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ (١٥٣)﴾ اصطفى أصلها اصتفى، وهي مأخوذة من الصفوة، وصفوة الشيء خياره، وعلى هذا فيكون معنى اصطفى اختار. وهنا قال: ﴿أَصْطَفَى﴾، والمعروف أن همزة اصطفى همزة ووصل لا همزة قطع، فلماذا كانت هنا همزة قطع؟ قال ﵀: [بفتح الهمزة للاستفهام]. فالهمزة هنا ليست همزة الوصل التي يؤتى بها للتوصل إلى النطق بالساكن، ولهذا لا يكون ما بعدها إلا ساكن، فالهمزة هنا ليست همزة وصل، ولكنها همزة استفهام، فاستغني بها عن همزة الوصل؛ لأنها أي: -همزة الاستفهام- مفتوحة فيسهل النطق بالساكن بعدها، وأصل همزة الوصل جيء بها من أجل التوصل إلى النطق بالساكن، وإذا كان لدينا همزة قطع فإننا نستغني بها عن

стр. 320

همزة الوصل، مع أنه يجوز وجه آخر في غير هذه الآية أصطفى البنات، فتقلب همزة الوصل إلى مد، ومنه قوله تعالي: ﴿آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ (٥٩)﴾ [النمل: ٥٩] ﴿آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ (٥٩)﴾ [يونس: ٥٩] قال المؤلف ﵀: [﴿أَصْطَفَى﴾ أي: أختار] أي هل يختار الله البنات على البنين؟ يعني لو فرض فرضًا ممتنعًا غاية الامتناع أن الله يتخذ ولدًا فهل يصطفي البنات على البنين؟ لا، لأن البنين أشرف من البنات، ولا يمكن أن يختار الله البنات على البنين، لو فرض الفرض الممتنع المقطوع بامتناعه أن الله يختار ولدًا ما اختار البنات على البنين، كما أنكم أنتم لم تختاروا البنات على البنين، جعلتم البنين لكم ولله البنات، ولهذا قال: ﴿أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ (١٥٣)﴾ الجواب لا، لا يمكن. ﴿مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (١٥٤)﴾ (ما) استفهامية وليست نافية وهي مبتدأ، والجار والمجرور (لكم) خبر. والمعنى: أي شيء لكم حتى تحكموا هذا الحكم فتقولوا: إن لله البنات وهم الملائكة، وهذا الاستفهام للتوبيخ والإنكَار، ﴿كَيْفَ تَحْكُمُونَ (١٥٤)﴾ أي هذا الحكم الفاسد، وهذا الحكم الجائر ﴿تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى (٢٢)﴾ [النجم: ٢٢] فهو حكم فاسد جائر. ﴿أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (١٥٥)﴾ الاستفهام هنا أيضًا للتوبيخ وكل الاستفهامات هنا تفيد التوبيخ والتقريع مع فائدة أخرى إذا دل المقام عليها. ﴿أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (١٥٥)﴾ قال المؤلف ﵀: [بإدغام التاء
следующие страницы →