← Тафсир

Тафсир · id 151159

تفسير العثيمين: ص

ابن عثيمين

Полный текст (253 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ (٤٥) الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ٤٥: ٤٦] إيماناً بملاقاة الله ، بل يجب على الإنسان أن يؤمن إيماناً يقينياً بأنه ملاقٍ ربه، والظن لا يكفي فيه، وإذا كان الظن لا يكفي فلا يمكن أن يكون مدحاً. [﴿وَظَنَّ دَاوُودُ﴾ أيقن ﴿أَنَّمَا فَتَنَّاهُ﴾ قال: أوقعناه في فتنة، أي: بلّية]. هذا ما ذهب إليه المؤلف ﵀ بناء على صحة القصة، ولكن الصحيح أن المراد بالفتنة الاختبار، فتناه، أي: اختبرناه، لأن الفتنة من معانيها الاختبار، قال الله تعالى: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ [الأنبياء: ٣٥]، أي: اختباراً وابتلاءً، كما قال تعالى عن سليمان: ﴿هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ﴾ [النمل: ٤٠] إذاً ﴿أَنَّمَا فَتَنَّاهُ﴾ أي: اختبرناه، وعلى رأي المؤلف، أي: ابتليناه بمحبة تلك المرأة، ولكن هذا ليس بصحيح. ﴿وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ﴾ الصحيح أنما اختبرناه، ولكن بأي شيء اختبرناه، لننظر: أولاً: داود ﵇ مأمور بأن يحكم بين الناس، فإنما وظيفته عامة، واختصاصه في الوقت بدخوله المحراب، وإغلاق الباب عليه، هذا يخالف مقتضى وظيفته. إذ مقتضى وظيفته أن يتفرغ للناس حتى يقابل الخصوم ويحكم بينهم، هذه واحدة، ولهذا سيأتينا - إن شاء الله - في الفوائد، أنه لا يجوز للحاكم بين الناس، ولمن كان في وظيفة عامة أن يشتغل بشيء خاص لنفسه.

стр. 107

ثانياً: أن داود ﵇ سمع كلام الخصم الأول ولم يستمع إلى كلام الخصم الآخر، لأن القرآن ليس فيه أنه سمع إلى كلام الخصم الآخر. ثالثاً: أنه حكم وقال: ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ﴾ والحكم قبل سماع جواب الخصم الآخر فيه شيء من التسرع ما دام الخصم حاضراً. لهذا علم داود ﵊ أن الله تعالى ابتلاه بهذه الخصومة التي جاءت وهو يتعبد في محرابه وتسوروا عليه المحراب، فاستغفر ربه وخر راكعاً وأناب. قال الله تعالى: ﴿فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ﴾ أي: طلب المغفرة، والمغفرة لغة: مأخوذة من المِغْفَر، وهو ما يستر به الرأس ليتقى به السهام. أما شرعاً: فالمغفرة هي ستر الذنب والتجاوز عنه، أي: إن الله يستر على العبد ذنبه فيما بينه وبين الخَلْق، ويتجاوز عنه فيما بينه وبين العبد، وهنا تتحقق الوقاية مع الإخفاء، لأنه إذا سُتِر عن الخَلْق، ثم عفي عنه من جانب الخالق ، حصلت الوقاية بالعفو من الخالق، والثاني الستر بعدم إظهار الخلق عليها. فداود ﵊ طلب من ربه أن يغفر له ما جرى منه ﴿وَخَرَّ رَاكِعًا﴾ خَرّ بمعنى نزل من أعلى إلى أسفل، ومنه خرير الماء من الميزاب أو من الشلال. وقوله: ﴿رَاكِعًا﴾ حال من فاعل خرّ، ولكن المؤلف ﵀ فسر الركوع بالسجود، فقال: [أي: ساجداً] وذلك لأن الركوع الذي هو الانحناء لا يمكن أن يكون فيه خرور، لأن الراكع

стр. 108

يبقى ثابتاً، ولا يُتَصوَّر الخرور إلا بالسجود، ولكن التعبير بالركوع عن السجود من باب التعبير بالمعنى العام عن المعنى الخاص، لأن أصل الركوع في اللغة العربية هو الذل، كما قال الشاعر: لا تُهينَ الفقيرَ عَلَّكَ أن ... تركع يوماً والدهرُ قد رفعَهْ (١) يعني أن تذل، والدهر قد رفعه: أي قد رفع هذا الفقير. إذاً فالذي عين أن يكون الركوع هنا بمعنى السجود هو قوله: ﴿وَخَرَّ﴾ ولكنه عبر بالركوع عن السجود لإظهار أن هذا الركوع ركوع ذلّ لله ، ثم قال: ﴿وَأَنَابَ﴾ أي: رجع إلى الله، والإنابة: الرجوع مع الخشية فهو رجع إلى الله مع خشية الله . قال الله تعالى: ﴿فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ﴾ أي: سترنا وتجاوزنا، له أي: لداود، واللام في ﴿لَهُ﴾ يحتمل أن تكون للتعدية، أو أن تكون للتعليل، لكنها للتعدية أولى، وفي كونها للتعليل تأمل، أي: أننا غفرنا لداود ذلك الذي وقع منه، وهي الفتنة التي افتتن بها، ولم يتخذ الإجراء اللازم في الحكم. قال: ﴿وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ﴾ مع المغفرة. أضاف الله له هذه المنقبة ﴿وَإِنَّ لَهُ﴾ أي: لداود عندنا ﴿لَزُلْفَى﴾ قال المؤلف رحمه الله تعالى: [أي: زيادة خير في الدنيا]، ويحتمل أن المرادَ بالزلفى زيادةُ القرب، كما قال تعالى: ﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ (٣١)﴾ [ق: ٣١] أي: قرِّبت، فالزلفى تفسيرها بزيادة الخير فيه شيء من النظر، والصواب أن المراد بالزلفى القربى، أما حسن المآب، فهو زيادة الخير، قال المؤلف

стр. 109

رحمه الله تعالى: [﴿وَحُسْنَ مَآبٍ (٢٥)﴾ مرجع في الآخرة]. هذا هو زيادة الخير، فصارت النتيجة بعد أن وقع من داود ما وقع ثم رجع إلى الله واستغفره، أن الله رفع عنه آثار هذا الذنب، فغفر له، وزاده على ذلك زيادتين عظيمتين مهمتين إحداهما: القرب من الله، والثانية: حسن المآب. الفوائد: ١ - أن هذه القصة عجيبة، وأنها مثار للعجب ولهذا شَوَّق الله إليها بقوله: ﴿وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ﴾. ٢ - ومن فوائدها: بلاغة القرآن حيث يأتي بمثل هذه الصيغة في الأشياء التي ينبغي للإنسان أن يتشوق إليها، ويهتم بها. ٣ - ومن فوائدها: أن الخصم يطلق على الواحد والمتعدد اعتباراً بالمعنى، فإن الجماعة إذا كانت دعواهم واحدة صاروا كأنهم رجل واحد. ٤ - ومن فوائدها: أن من أتى البيوت من غير أبوابها فإن فعله هذا سبب للخوف والفزع، لقوله: ﴿إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ﴾. ٥ - ومن فوائدها: أن داود ﵊ في هذه الحال كان قد أغلق الباب، أو جعل عليه حاجباً يمنع الناس من الدخول عليه. ٦ - ومن فوائدها: أن الحكم بين الناس أفضل من العبادات الخاصّة، لأن نفعه متعدٍّ، والعبادات الخاصّة نفعُها قاصر.

стр. 110

٧ - ومن فوائدها: أن الأنبياء يلحقهم من الطبائع البشرية ما يلحق غيرهم؛ لقوله: ﴿فَفَزِعَ مِنْهُمْ﴾ حيث لحقه الفزع كما يلحق سائر الناس. ٨ - ومن فوائدها: أنه ينبغي إن لم نقل يجب، أن يطمئن المُفْزِع مَن فزع منه بنفي سبب الفزع قبل كل شيء، حيث قالوا: ﴿لَا تَخَفْ﴾ ثم ذكروا القصة ولم يبدؤوا بالقصة مباشرة. ٩ - ومن فوائد القصة: بيان أن هذين الخصمين قد اعتدى بعضهم على بعض، أي أن المسألة ليست مسألة كلامية، أو ليس فيها عدوان، بل فيها عدوان اعتدى بعضهم على بعض بما ذكروا من السبب. ١٠ - ومن الفوائد: أن هذين الخصمين أساءا الأدب من بعض الوجوه، حيث قالا: ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلَا تُشْطِطْ﴾ ووجه الإساءة أنهم ما جاءا إلى الحَكَم إلا وهما يعتقدان أنه سيحكم بينهم بالحق، فإذا قالا: ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ﴾ فإن هذا قد يولد تهمة من أنه لن يحكم بالحق. ١١ - ومن الفوائد: أن الحُكَم يحتاج إلى إلزام لقولهم: ﴿وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ (٢٢)﴾ فإن هذا أمر زائد على الحُكَم، لأن الحُكَم أن يفصل بينهم، والهداية أن يدلهم على ذلك من أجل إلزامهم به. ١٢ - ومن فوائدها: أن كل البشر يطلب الصراط السوي الذي ليس فيه ميل ولا إجحاف، لقولهم: ﴿وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ (٢٢)﴾.

стр. 111

١٣ - ومن فوائد هذه القصة: لباقة هذين الخصمين حيث لم تثر الخصومة ضغينتيهما، ولهذا قال: ﴿إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ﴾ مع أنه قال في الأول: ﴿بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ﴾ لكن هذا البغي لم تُفقد به الأخوة؛ لقوله: ﴿إِنَّ هَذَا أَخِي﴾. ١٤ - ومن الفوائد لهذه القصة: أن هذه الخصومة غريبة، فإن أحدهما كان له تسع وتسعون نعجة، والآخر له نعجة واحدة، ومع هذا طمع الأول في الثاني، وكان الذي يتبادر في الذهن أن يضيف الأول صاحب النعاج الكثيرة إلى الثاني ما تيسر. ١٥ - ومن فوائد الآية الكريمة: أن بعض الخصوم قد يكون أقوى في المخاصمة من الآخر حتى يغلبه لقوله: ﴿وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ﴾ وثبت عن النبي ﷺ أنه قال: "إنكم تختصمون إليّ، ولعلّ بعضَكم أن يكون ألحن بحُجّته مِن بعض، فأقضي له بنحو مما أسمع منه، فمن قطعت له من حق أخيه شيئاً، فلا يأخذه، فإنما أقطع له به قطعة من النار" (١). ١٦ - ومن الفوائد: أنه ينبغي أن يكون الإنسان قوي الحجة، قوي البيان حتى يحصل له الغلبة على صاحبه، هذا إذا كان بحق، أما إذا كان بغير حق فإن الواجب على الإنسان أن يصمت لينطق غيره بالحق. ١٧ - ومن الفوائد في القصة: أن داود ﵊ حكم بينهم دون أن يسمع دفاع الخصم الآخر لقوله: ﴿لَقَدْ ظَلَمَكَ

стр. 112

بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ﴾ ولعل داود ﵊ أراد السرعة في إنهاء القضية، ليتفرغ لما احتجب له عن الناس من عبادة الله، وخاف أن يدلي هذا بشيء وهذا بشيء فيطول النزاع والخصام فبادر بالحكم. ١٨ - ومن فوائد القصة: أن أكثر الشركاء يحصل من أحدهم بغي على الآخر لقوله: ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ وهذا" من الغريب أن يكون الإنسان كلما قرب إلى الشخص تُوقِّعَ منه البغي أكثر مما لو كان بعيداً، لأن البعيد ليس بينه وبينه صلة، لكن الذي بينه وبينه صلة وهو الشريك، هو الذي ربما يجحده أو ينكره، أو يفعل شيئاً لم يأذن به أو ما شابه ذلك. ١٩ - ومن الفوائد في القصة: أنه ليس جميع الخلطاء يحصل منهم البغي، لقوله: ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ﴾. ٢٥ - ومن فوائد القصة: أنه كلما كان الإنسان أقوى إيماناً وأكثر عملاً من الصالحات كان أبعد عن الظلم والبغي. ٢١ - ومن فوائدها: أن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لا يحصل منهم البغي، والذي يمنعهم من ذلك هو إيمانهم بالله وبالحساب، وعملهم الصالح الذي يكون درعاً بينهم وبين العدوان والبغي، ووجهه أن استثناء الذين آمنوا وعملوا الصالحات، إنما كان من أجل إيمانهم وعملهم للصالحات، والحكم إذا علق بوصف ازداد قوة بقوة ذلك الوصف. وهذه قاعدة.

стр. 113

٢٢ - ومن الفوائد: أن العمل لا ينفع إلا إذا بُني على الإيمان وكان صالحاً، فعمل بلا إيمان لا يقُبل، كما قال تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ﴾ [التوبة: ٥٤]: ٥٤] وكذلك لو كان هناك إيمان، لكن لم يكن العمل صالحاً لِفَقْد الإخلاص أو الاتباع فيه فإنه لا ينفع. ٢٣ - ومن فوائد هذه القصة: أن الجمع بين هذين الوصفين: الإيمان والعمل الصالح قليل؛ لقوله تعالى: ﴿وَقَلِيلٌ مَا هُمْ﴾. ٢٤ - ومن فوائدها: أن الحاكم لا يحكم حتى يستوعب حجج الخصمين لقوله: ﴿وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ﴾. ٢٥ - ومن فوائدها: أن الحاكم الذي نصب نفسه ليكون حكماً بين العباد لا يحل له أن يختفي عنهم في الوقت الذي يكون وقتاً للتحاكم. ٢٦ - ومن فوائدها: أن الاشتغال بما فيه مصلحة عامة أفضل من الاشتغال بما فيه مصلحة خاصة. ٢٧ - ومن الفوائد: أن الأنبياء قد يفتنون ويختبرون لقوله تعالى: ﴿وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ﴾ ولكن الفتنة التي يفتن بها الأنبياء لا يمكن أن تعود إلى إبطال مقومات الرسالة والنبوة، كالفتنة التي تعود إلى الكذب أو الشرك أو الأخلاق الرديئة وما أشبهها، هذا لا يمكن أن يقع من الأنبياء. ٢٨ - ومن فوائد القصة: أن كل شخص محتاج إلى الله مفتقر إليه؛ لقوله: ﴿فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ﴾.

стр. 114

٢٩ - ومن فوائد هذه القصة: أن الاستغفار سبب لمحو ما حصل من الذنوب؛ لأن الفاء في قوله: ﴿فَاسْتَغْفَرَ﴾ مبنية على قوله: ﴿وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ﴾. ٣٠ - ومن فوائد القصة: أن السجود خضوعاً لله من سنن الأنبياء؛ لقوله: ﴿رَاكِعًا وَأَنَابَ (٢٤)﴾، وهل يشرع لمن أذنب أن يفعل كما فعل داود، أو أن يصلي ركعتين تامتين؟ الجواب: المشروع إذا أذنب الإنسان أن يتوضأ ويسبغ الوضوء، ويصلي ركعتين لا يحُدِّث فيهما نفسه، فمن فعل ذلك فإنه يغفر لى ما تقدم من ذنبه. ٣١ - ومن فوائد هذه القصة: إجابة الله سبحانه دعاء مَنْ دعاه؛ لقوله: ﴿فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ﴾ وهذا يستلزم عدة صفات، منها العلم والسمع والبصر، يؤخذ ذلك من قول: ﴿ذَلِكَ﴾ لأن الذي حصل من داود قول يسمع، وفعل يرى، فالقول الذي يسمع قوله: ﴿فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ﴾ والفعل الذي يرى قول: ﴿وَخَرَّ رَاكِعًا﴾ فلما قال: ﴿فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ﴾، عُلم أن الله قد سمع ما قال ورأى ما فعل، وتستلزم هذه الصفة ﴿فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ﴾ من الصفات - إضافة إلى العلم والسمع والبصر- القدرة، لأن المغفرة لا تقع إلا من قادر على الغفران، وتستلزم كذلك كرم الله ولطفه بعباده، حيث يغفر لكل من أستغفر مهما عظم ذنبه، كما قال تعالى: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٥٣)﴾ [الزمر: ٥٣]

стр. 115

٣٢ - ومن فوائد هذه القصة: أن الله تعالى غفر لداود ﵇، وبيَّن ما لديه من الثواب لداود في قوله: ﴿وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ﴾. ٣٣ - ومن الفوائد لهذه الآية: إثبات العندية لله، وهي عندية قرب وعندية علم، ففي قوله تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ﴾ [الأنعام: ٥٩]، هذه عندية علم، وفي قوله تعالى: ﴿وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ﴾ [الأنبياء: ١٩]، هذه عندية قرب، ﴿وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ (٢٥)﴾. ٣٤ - ومن فوائدها أيضاً: الثناء على داود ﵊ بحسن مآبه، أي: مرجعه إلى الله، لقوله: ﴿وَحُسْنَ مَآبٍ﴾. * * * ثم قال الله تعالى: ﴿يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى﴾ يخاطب الله تعالى داود ﵊ بالنداء، والمخاطبة بالنداء يراد بها التنبيه، لأن هناك فرقاً بين أن تقول: محمد قام وبين أن تقول: يا علي محمد قام، ففي القول الثاني تنبيه، وإذا كان الكلام يحتاج إلى تنبيه فإنه دليل على أهميته. إذ إن الكلام الذي يهتم به يقدم بين يديه ما يكون به التنبيه، فالله ينادي داود ﵊ تنبيهاً لما سيلقي عليه فيقول: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ﴾ أي: صيرناك، لأن جعل تارة يكون للتصيير، وتارة يكون للإيجاد كما في قوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ

стр. 116

وَالنُّورَ﴾ [الأنعام: ١] أي: أوجدهما، وفي قوله تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [الزخرف: ٣] أي: صيرناه، والفرق بينهما أنه إن تعدى إلى مفعول واحد، صار بمعنى الإيجاد، وإن تعدى إلى مفعولين صار بمعنى التصيير، ففي قوله تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ﴾ تعدى إلى مفعولين، الكاف وخليفه، فتكون بمعنى التصيير، ﴿خَلِيفَةً﴾ أي: خالفاً لنا في تبليغ شرعنا، وليس المراد أنه خالفاً لله أنه يأتي بعده، لأن الله تعالى هو الأول والآخر والظاهر والباطن، لكن خليفة لله في تبليغ شرعه وحكمه بين الناس. وقوله: ﴿فَاحْكُمْ﴾ الفاء هذه للتفريع، أي: فبناء على كونك خليفة في الأرض احكم. قال المؤلف ﵀: [﴿خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ﴾ تدبر أمر الناس] كما يدبر الخلفاء أمر مَن جعلهم الله راعين له، ﴿بِالْحَقِّ﴾ أي: بالعدل، لأن الحق إن كان في مقابلة الخبر فهو بمعنى الصدق، وإن كان في مقابلة الحكم فهو بمعنى العدل، فإذا قيل: أخبرني محمد بكذا وهو حق يعني صدق، وإذا قلت: حكم فلان بكذا وهو حق يعني عدلاً. هنا يقول: ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ﴾ أي: بالعدل، لأن الحق هنا وصف به الحكم فصار بمعنى العدل، وهذا يتضمن الحكم، وطريق الحكم، ولوازمه، فالحكم بأن تحكم بالشرع، وطريق الحق أن تعدل بين الخصمين في كل شيء، حتى إن العلماء يقولون: يجب على القاضي أن يعدل بين الخصمين في لفظه ولحظه وكلامه، وجلوسهما ودخولهما عليه، يعدل في كل شيء، ففي لفظه لا يغلظ القول لأحد الخصمين ويلين القول للآخر، وفي لحظه لا ينظر إلى

стр. 117

أحد الخصمين نظرة غضب وإلى الثاني نظرة رضا، وفي مجلسه لا يجلس أحد الخصمين إلى جانبه والآخر بعيد عنه، وفي دخولهما عليه لا يقول لأحدهما: ادخل، قبل الآخر حتى ولو كان كافراً، فإنه لا يقدّم المسلم عليه في الدخول، وإن كان بعض العلماء قد قال: إذا كان أحدهما كافراً فإنه يقدّم المسلم عليه في الدخول، ولكن المقام مقام حكم فالواجب فيه العدل، وهذا كفره عليه، وهذا إسلامه له، هذا إذا كان الدخول يحتاج إلى تقديم وتأخير. أما إذا كان الباب مفتوحاً فإنه لا يلزمه أن يجعل عند الباب رجلاً يقول: ادخلا جميعاً. يجعل الأمر موكولاً إلى الخصوم. مَن جاء فليدخل، قبل الآخر أو بعده، لكن إذا كان هناك ترتيب الدخول فلا يقدم أحدهما على الآخر، هذا طريق الحكم. أما الحكم فإذا علم أن الحق مع أحدهما وجب عليه أن يحكم له به مهما كان، سواء كان عدواً أم صديقاً. ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ﴾ الناس: أصلها الأناس، لكن حذفت الهمزة تخفيفاً كما حذفت من شر وخير، قال الله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ﴾ [المائدة: ٦٠] أي: بما هو أشر من ذلك، ثم قال: ﴿وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى﴾ أي: هوى النفس، وإنما نهاه عن اتباع الهوى تعظيماً لهذا الأمر، ولا يلزم من نهيه عنه أن يكون ممكناً في حقه، كما قال الله تعالى للنبي ﷺ : ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: ٦٥] ولا يلزم من هذا أن يكون الإشراك في حقه ممكناً. وقد يقال: إن الله

стр. 118

نهاه عن اتباع الهوى لقوة الهوى في البشر، فإن الهوى في البشر أمر مفطور عليه، لأنه يندر أن شخصاً يتقدم إليه أبوه مع شخص آخر عدوٍّ له، يندر ألا يكون له هوى، أو يتقدم إليه شخص من أصدقائه الحميمين مع آخر من أعدائه الألداء ثم لا يميل مع الأول، يندر هذا، فلقوة الداعي وهو الهوى نهى الله عنه، وإن كان لا يمكن في حقه. وقوله تعالى: ﴿فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ فيضلك الفعل هنا مضارع ولكنه منصوب لأنه وقع بعد النهي، والمضارع إذا اقترنت به الفاء - وهذه الفاء تدعى فاء السببية - بعد النهي صار منصوباً بأن مضمرة وجوباً. وقوله: ﴿فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أي: يجعلك تضل وتحيد يميناً وشمالاً، وقوله ﴿عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ قال المؤلف- ﵀: [أي: عن الدلائل الدالة على توحيده] وهذا التفسير ضعيف جداً، بل المراد بسبيل الله طريقه الموصل إليه، لأن السبيل في الأصل هو الطريق، وأضيف إلى الله لأن الله هو الذي وضعه، وهو الذي شرعه، ولأن هذا السبيل يؤدي إلى الله، فأضيف إلى الله باعتبار وضعه، وباعتبار نهايته, وإذا قلنا: إن المراد بسبيل الله، أي: طريقه وشرعه، صار أعمّ مما قال المؤلف، وألصق باللفظ، لأن السبيل في اللغة الطريق، وليست الدلائل الدالة على التوحيد، لكن الدلائل الدالة على التوحيد لا شك أن النظر فيها من شريعة الله. ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ (٢٦)﴾ لم يقل الله: إنك إن تتبع الهوى أو إن تضل عن سبيل

стр. 119

الله فلك عذاب شديد، بل أتى بالجملة الاستئنافية الاستقلالية، أولاً: تفادياً لمخاطبة داود ﵇ بذلك، وثانياً: ليكون أعم. إذن فيه فائدتان، ولهذا قال الله تعالى: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى (١) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى (٢) وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى (٣)﴾ [عبس: ١ - ٣] فعبر بالفعل الماضي الدال على الغائب، ولم يقل: عبست وتوليت أن جاءك الأعمى وما يدريك لعله يزكى، بل قال: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى﴾ تفادياً لمخاطبة الرسول ﷺ بمثل هذا الوصف. وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ (٢٦)] قال المؤلف: [﴿إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أي: عن الإيمان بالله] وهذا أيضاً فيه نظر، والصحيح أن سبيل الله هنا هو سبيل الله الأول، والمراد به شريعته، لأنها هي الطريق الموصل إليه. ﴿لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾ الجملة خبر إنَّ، واسمها (الذين) و ﴿لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾ خبرها، فالجملة هنا خبر لـ"إن"، وكل جملة تقع خبراً فلا بد فيها من رابط يربط بين هذه الجملة وبين المبتدأ، والرابط هنا الضمير في قو له: ﴿لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾ وقوله: ﴿شَدِيدٌ﴾ أي: قوي وعظيم، ويدلك على قوته وعظمته ما وصفه الله به في القرآن العظيم من صفات تنزعج لها القلوب، وتتفطر لها الأكباد. ﴿بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ (٢٦)﴾ أي: بسبب نسيانهم يوم الحساب، فالباء هنا للسببية، وما: مصدرية، ولهذا قال المؤلف: [بنسيانهم ﴿يَوْمَ الْحِسَابِ﴾ المرتب عليه تركهم الإيمان، ولو أيقنوا بيوم الحساب لآمنوا في الدنيا] وقوله: ﴿بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ (٢٦)﴾ المراد بيوم الحساب

стр. 120

يوم القيامة، وأضيف إلى الحساب؛ لأن الناس يحاسبون فيه على أعمالهم، وأوّل ما يحاسب عليه الإنسان فيما يتعلق بحقّ الله هو الصلاة، وأول ما يحاسب عليه فيما يتعلق بحق العالمين هو الدماء، كما قال النبي ﵊: "أول مما يقضى بين الناس بالدماء" (١). الفوائد: ١ - من فوائد هذه الآية: إثبات كلام الله، وأنه بحرف وصوت، وذلك من قوله تعالى: ﴿يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ﴾ فإن هذه الجملة مركبة من حروف، ولا بد أن تكون بصوت، لأنه يُخَاطَبُ بها داود، ولا بد أن يكون المخاطب سامعاً ولا سماع إلا بصوت، فيؤخذ منه الرد على الأشاعرة وغيرهم ممن قالوا: إن الله يتكلم، وأن كلامه هو المعنى القائم بذاته، الملازم له أزلاً وأبداً. ٢ - ومن الفوائد: أن الأمر أمر الله، هو الذي ينصب من شاء ويعزل من شاء. ٣ - ومنها: أنه لا مانع من أن يقول القائل للسلطان صاحب السلطة العليا في الأرض، أن يقول له: إنه خليفة الله، ولا يعني ذلك أن الله محتاج إلى أن يستخلف أحداً ليقوم عنه بتدبير الخلق، ولكنه خلَّفه، أي: جعله حاكماً بين الناس بما شرع الله .

стр. 121

٤ - ومن فوائد هذه الآية الكريمة: وجوب الحكم بين الناس بالحق لقوله: ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ﴾. ٥ - ويتفرع عن هذه الفائدة: أن منصب القضاء فرض كفاية، كما قال ذلك أهل العلم، وإذا لم يوجد إلا الشخص المعين المؤهل فإنه يكون فى حقه فرض عين. ٦ - ومن فوائد الآية: أنه لا ينبغي للشخص إذا وكل إليه تولي القضاء أن يفر منه ما دام يعرف من نفسه الكفاءة، وذلك لأنه إذا فرّ منه، وفرّ الثاني والثالث والرابع تعطل هذا المنصب العظيم الذي هو منصب الرسل عليهم الصلاة والسلام، ولكن إذا أتى الإنسان هذا الشيء بدون سؤال فليستعن بالله والله يعينه عليه. ٧ - ومن الفوائد: أنه يجب أن يحكم بين الناس بالحق، سوإء كان ذلك في طريق الحكم، أو في نفس الحكم، أما طريق الحكم فهو معاملة الخصمين بحيث تكون المعاملة بينهما على وجه العدل، وأما في الحكم فأن يحكم بما تقتضيه الشريعة. ٨ - ومن فوائد هذه الآية: أنه لا يجوز للقاضي الحاكم بين الناس أن يحابي أحداً لقرابة، أو صداقة، أو غنى، أو فقر، أو جاه، أو غير ذلك لقوله: ﴿بِالْحَقِّ﴾ ويؤيد هذا قوله: ﴿وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى﴾. ٩ - ويستفاد من هذه الآية: أنه في المقام المهم ينبغي أن يذكر الإثبات المطلوب ويذكر ضده، كأن يقال: احكم بالحق حكماً لا يدخله الهوى، لأن من الكمال إثبات الكمال ونفي ضده، فمثلاً:

стр. 122

احكم بين الناس بالحق، هذا إثبات كمال، ولا تتبع الهوى نفي ضده، وإنما يؤتى بنفي الضد من أجل أن يتبين أن المطلوب ينبغي أن يكون مجرداً عن كل ما ينافيه. ١٠ - ومن فوائد الآية الكريمة: أن اتباع الهوى سبب للإضلال عن سبيل الله لقوله: ﴿فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ ولكن هل الإضلال في نفس المخالفة؟ أم أن المخالفة نفسها ضلال، وتكون سبباً لإضلال آخر؟ الجواب هو الثاني، فإن الهوى يجلب للإنسان الضلال كما أنه هو نفسه ضلال، فإذا اتبعت الهوى في قضية ما، فانتظر اتباع الهوى في القضية التي تليها، لأن المعصية قبل أن يقع فيها الإنسان يجد نفسه تستوحش منها وتنفر، فإذا فعلها مرة هانت عليه، وانكسر الحجاب، فإذا هانت عليه أول مرة هانت عليه الثانية ثم الثالثة، حتى تصبح وكأنها لا شيء، ولهذا يضرب العامة مثلاً له فائدة، يقولون: بكثرة الإمساس يقل الإحساس، يعني إذا أكثر الإنسان مماسة الشيء قلّ إحساسه به. والحاصل أن اتباع الهوى ضلال بنفسه، وسبب للضلال، ووجه ذلك أن المعصية تنفر منها النفس، فإذا فعلتها مرة هانت عليها، ثم الثانية تكون أهون، ثم الثالثة أهون، والرابعة أهون، حتى تصبح المعصية وكأنها ليست بمعصية، ولهذا قال: ﴿فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾. فتجد القاضي مثلاً لا يمكن أن يحكم بالحيف والجور، وتجده نافراً من ذلك، فإذا حكم مرة هان عليه، ثم الثانية هان عليه، ثم الثالثة والرابعة وهكذا، لذلك قال: ﴿وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾.

стр. 123

ويمكن أن يقال: إن هذا لا يختص بالحكم بين الناس، أي: أن اتباع الهوى سبب للإضلال عن سبيل الله في كل شيء، حتى في غير الحكم، حتى في المعاصي الخاصة التي في نفسك إذا اتبعت هواك فيها فاعلم أن هذا سبب في الإضلال عن سبيل الله، فعليك أن تتوقى المعاصي فإنها شر كلها. ١١ - ومن الفوائد: أن دين الله تعالى واحد لا يتشعب لقوله: ﴿عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ فأفردها، ويدل لهذا قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام: ١٥٣]، فسبيل الله واحدة، وما خالفها فهو المتشتت. فهذا سببه الهوى، وهذا سببه خشية الناس، وهذا سببه كذا، وهذا سببه كذا، فتفرق السبل. ١٢ - ومن فوائد الآية الكريمة: الثناء العظيم على شريعة الله، وذلك بإضافتها إلى الله، لأن كل ما أضيف إلى الله فإنه إذا كانت الإضافة خاصة فإن الإضافة تدل على شرفه. ١٣ - ومن الفوائد: أن الضالين عن سبيل الله متوعدون بهذا الوعيد ﴿لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾ أي: قوي، ويتفرع من هذه الفائدة الحذر من الضلال عن سبيل الله. ١٤ - ومن الفوائد: أن من أسباب الضلال عن سبيل الله نسيان يوم الحساب، والغفلة عنه، والانغماس في الدنيا حتى تنسي الإنسان ما خُلِق له، وما هو مقبل عليه، ولهذا قال: ﴿بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ (٢٦)﴾ [ص: ٢٦] أي: غفلوا عنه. وليس المراد بالنسيان الذهول الذي يعفى عنه، بل المراد بالنسيان الترك الذي هو الغفلة وعدم المبالاة به.

стр. 124

١٥ - ومن فوائد الآية: الحذر من الانغماس في الدنيا الذي يوجب نسيان يوم الحساب. ومن ثم حرم الشرع كل لهو يلهو به الإنسان - إلا ما استثنى- يعني باطلاً ليس فيه خير، ثم قد يكون محرماً، وقد يكون ضياعاً للوقت بدون تحريم، لكن كل لهو يصد عن سبيل الله ينسي يوم الحساب، ولذلك تجد أقل الناس إيماناً بيوم الحساب أكثرهم ممارسة للملاهي. ولا يمكن أن يقع في قلبه تذكر ليوم الحساب إلا نادراً. إنْ وفق لسماع موعظة أو ما أشبه ذلك وإلا فهو غافل لاه. ١٦ - ويتفرع على هذا: أن يعرف الإنسان عداوة أعداء الله الذين أغرقونا بالملاهي وأنواعها حتى صرفوا الشباب عن ما ينبغي أن يؤهل نفسه له، فأغرقوه بالملاهي بأنواعها حتى صار الإنسان كأنما خلق لهذا اللهو، وصار رأس ماله وعقب ماله كله هو هذا اللهو، لا يتكلم إلا به، ومن فاز به، ومن لم يفز، فضاع الشباب بسبب هذا اللهو الذي انغمسوا فيه، ونسوا يوم الحساب إلا من شاء الله. ١٧ - ومن فوائد هذه الآية: إثبات الأسباب. تؤخذ من قوله تعالى: ﴿بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ (٢٦)﴾ لأن الباء هذه للسببية. ويتفرع عن هذه الفائدة إثبات حكمة الله ، وأنه تعالى لا يفعل شيئاً إلا لسبب يقتضيه، حتى إن بعض أهل العلم قال: إن كون الله خلق السماوات والأرض في ستة أيام دون أن يخلقها بلحظة من أجل ترتب هذا الخلق بعضه على بعض، حتى تكون الأسباب فاعلة فعلها فتنتج الشيء شيئاً فشيئاً حتى يتم، وهذا

стр. 125

ليس ببعيد ما دمنا نؤمن أن الله حكيم، وأن كل شيء يكون بسبب، فلا يستبعد أن يكون بقاء خلق السماوات والأرض ممتداً إلى ستة أيام هو من أجل هذا، من أجل أن يترتب الخلق بعضه على بعض، وينبني بعضه على بعض، حتى يكون مطابقاً للحكمة، وإلا فنحن نعلم علم اليقين أنه لو شاء الله تعالى لقال: كن فيكون بلحظة، لكن الله تعالى حكيم. ١٩ - ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الحساب في الآخرة؛ لقوله تعالى: ﴿بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ﴾ الحساب يختلف، حساب المؤمن أن يخلو الله به من غير أن يَطَّلع عليه أحد فيقرره بذنوبه، فيقول: فعلت كذا، وفعلت كذا، حتى إذا رأى أنه هلك، قال الله له: "إني قد سترتها عليك في الدنيا، وأنا أغفرها لك اليوم" (١)، هذا حساب المؤمن، وهذا حساب يسير، ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ (٧) فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾ [الانشقاق: ٧ - ٨] وما أيسر أن يخلو بك الله وحدك، وليس عندكما أحد، ويكلمك وليس بينكما ترجمان، ويقول: إني قد سترتها لك في الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم، الحمد لله على هذه النعمة. أما الكافر فليس كذلك، الكافر ينادى عليه على رؤوس الخلائق ﴿هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ (١٨)﴾ [هود: ١٨] يخزون ويفضحون ﴿هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ (١٨)﴾ فهم يخزون بأعمالهم ويفضحون بها.

стр. 126

قال الله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا﴾ قال المؤلف: [أي: عبثاً ﴿ذَلِكَ﴾ أي: خلق ما ذُكر لا لشيء ﴿ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ من هل مكة ﴿فَوَيْلٌ﴾ وادٍ ﴿لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ (٢٧)﴾]. يقول الله : ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا﴾ خلقنا أي: أوجدنا، فالخلق بمعنى الإيجاد، لكنه إيجاد عن تقدير، لأن الإيجاد قد لا يكون عن تقدير ولا عن ترتيب، ولكن الخلق لا بد أن يكون عن ترتيب وتقدير، يقول: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ﴾ السماء المراد بها الجنس، ويشمل جميع السموات، وكذلك الأرض، وقوله: ﴿وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ معطوف على السماء، أي: ما خلقنا ما بينهما باطلًا، والذي بين السماء والأرض من المخلوقات مخلوقات عظيمة، بعضها معلوم لنا، وبعضها مجهول لنا لم نعلمه حتى الآن، لكن يغلب على الظن أنها مخلوقات عظيمة، لأن الله تعالى جعلها قسيمة لخلق السماء والأرض، وقسيم الشيء لا بد أن يكون مقارباً له، أو مساوياً له. وقوله: ﴿بَاطِلًا﴾ هذا محط النفي، ولهذا نقول: لا يجوز الوقف على قوله: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ لأنك لو وقفت لأدى ذلك إلى أن يكون المعنى معنىً باطلًا، بل لا بد أن تصل فتقول: ﴿ ... وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا﴾، لأن ذلك هو محط النفي، يعني ما خلقناهم باطلاً، أي: لأجل الباطل، وهذا كقوله: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ (٣٨)﴾ [الدخان: ٣٨] فالباطل هنا بمعنى اللهو الذي لا فائدة فيه، فالله لم يخلق السماء والأرض باطلاً، ولو كان

стр. 127

خلقها باطلاً لكان ذلك في غاية السفه أن تخلق هذه المخلوقات العظيمة بما فيها لا لشيء بل للعب واللهو. ﴿بَاطِلًا﴾ هو قال المؤلف: [أي: عبثاً] ﴿ذَلِكَ﴾ أي: اعتقاد أن خلق السماء والأرض باطلاً ﴿ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ يعني هذا ظن الكافرين الذين يظنون أن خلق السموات والأرض لمجرد اللعب واللهو، ولا يترتب على ذلك شيء، ومن هذا قولهم: ﴿مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾ [الجاثية: ٢٤]، ومن ذلك ما يظنه بعض الناس أن المقصود من خلق السماء والأرض وجود هذه الخليقة ثم فناؤها إلى غير رجعة، فنقول: مَن ظن ذلك أي أن الله خلقها عبثاً ولعباً فهو كافر، ولهذا قال: ﴿ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ هم الذين يظنون: أن خلق السماء والأرض كان باطلًا، وقول المؤلف: [﴿ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ من أهل مكة] فيه نظر، لأنه قصر للدليل على بعض أفراده، والصواب أنه عامّ لأهل مكة وغيرهم، فالذين كفروا لا يظنون بالله إلا ظن السوء، فيظنون أن أفعاله عبث وباطل وليست لحكمة. قال تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ (٢٧)﴾ وقال المؤلف: ﴿فَوَيْلٌ﴾ وادٍ] في جهنم، ولكن هذا ليس صحيحاً بالنسبة للآية هذه، بل كلمة "ويل" كلمة وعيد بأمر شديد، لأنه قيل: ويل له من النار فهو يتوعد بها، كما تقول: ويل لك من فلان. وليس معنى ويل لك من فلان يعني وادٍ في فلان، بل هي كلمة وعيد على أمر شديد فقوله: ﴿فَوَيْلٌ﴾ أي: وعيد شديد للذين كفروا من النار، يعني ما أعظم ويلهم من نار جهنم - والعياذ بالله - وقوله: ﴿لِلَّذِينَ

стр. 128

كَفَرُوا﴾ خبر ويل، وقوله: ﴿مِنَ النَّارِ (٢٧)﴾ بيان لويل، أي: أن هذا الشيء العظيم يكون للذين كفروا من النار. ثم قال تعالى: ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ (٢٨)﴾ أم: هنا منقطعة؛ لأنه لم يذكر لها معادل، فهي بمعنى (بل) والهمزة، يعني بل أنجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات، وهذا الاستفهام المقصود به النفي والاستنكار، يعني لا يمكن أبداً أن نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض، والمراد بالاستفهام النفي والإنكار، والإضراب هنا انتقالي ﴿أَمْ نَجْعَلُ﴾ أي: نصيّر، فهي تنصب مفعولين: الأول: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾، والثاني: ﴿كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ﴾ أي: لا يمكن أن نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض. وقوله: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أي: صدقوا بما يجب التصديق به على وجه القبول والإذعان، أي: تصديقاً مستلزماً للقبول والإذعان، وقوله: ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ أي: عملوا الأعمال الصالحات، والأعمال الصالحات هي التي اجتمع فيها شيئان: الأول: الإخلاصِ لله ، والثاني: المتابعة لشريعة الله، فمن عمل عملاً موافقاً للشريعة في ظاهره لكنه يرائي فيه، فعمله ليس بصالح، لاختلال الإخلاص لله، والذي عمل عملاً مخلصاً فيه لله يريد به وجه الله، لكنه على غير الشريعة، ليس بصالح لأنه غير موافق لشريعة الله. فلا بد من أن يكون العمل خالصاً لله، وموافقاً لشريعة الله.

стр. 129

وقوله: ﴿كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ﴾، المفسد مقابل الذين آمنوا وعملوا الصالحات، فيكون المراد بالمفسدين في الأرض: الكفّار الذين يعملون السيئات. فكلُّ كافر فهو مفسد في الأرض، في مقابل: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾. وكلُّ عاصٍ، فهو مفسد في الأرض، في مقابل: ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾، فالشيء يُعرَف بمقابله. ولهذا فسَّر أهل العلم قوله تعالى: ﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا﴾ [الأعراف: ٥٦]، فسّروا ذلك بالمعاصي، قالوا: لا تفسدوا في الأرض بالمعاصي وهذا التفسير صحيح، يشهد له قوله تعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٤١)﴾ [الروم: ٤١]. فإن قيل: هل هدم البيوت فساد في الأرض؟ فالجواب أنها لا تُنْفي ولا تُثْبت، إنْ هدمَها الإنسان ظلماً وعدواناً، فهو فساد في الأرض، لأنه معصية لا يجوز للإنسان أن يعتدي على بيت أخيه، فيهدمه، وإنْ هدمَها لإصلاحها، فهذا ليس فساداً في الأرض. وقال تعالى: ﴿أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ (٢٨)﴾ أم هنا أيضاً بمعنى بل، وهمزة الاستفهام الذي يراد بها الإنكار والنفي. قال المؤلف ﵀: [﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ... ﴾ - لمّا قال كفار مكة للمؤمنين: إنّا نُعطى في الآخرة مثل ما تُعطون] هذا قد يكون صحيحاً، وقد لا يكون صحيحاً،

стр. 130

لكن إن كان صحيحاً فهو كقول اليهود: ﴿لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً﴾ [البقرة: ٨٠]، فكل أحد يدعي أنه على حق، وكل أحد يدعي أن الثواب له وأن الآخرة له، ولكن الشأن كل الشأن بمَن شهد الله له بذلك. يقول: [﴿أَمْ﴾ بمعنى همزة الإنكار] أم، يعني قوله: ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ﴾ لكن يقدَّر قبلها، بل لأن أم هذه تفيد الإضراب. ﴿أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ﴾ أي: نصيِّر المتقين كالفجار، أي: لا يمكن أن نجعل المتّقي كالفاجر. والمتقي مَن اتخذ وقاية من عذاب الله، بفعل أوامره، واجتناب نواهيه، وهذا أجمعُ ما قيل في تعريف المتقي. والفجّار خلاف المتقين، يعني الذين فجروا وخرجوا عن طاعة الله إلى معصيته. وهنا قابل المتقي بالفاجر، وفي سورة المطففين قابل الفاجر بالبَرِّ، قال تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ (٧)﴾ [المطففين: ٧]، ثم قال: ﴿كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ (١٨)﴾ [المطففين: ١٨]. ومنه نأخذ أنّ التقوى والبِرَّ إذا اجتمعا افترقا، وإذا افترقا اجتمعا، يعني أن البِرَّ كلمة إن ذُكرت وحدها، فهي شاملة للتقوى، والتقوى إن ذُكرت وحدها، فهي شاملة "للبِرِّ، وإن جُمعتا جميعاً، البِرّ والتقوى، صار البِرّ فِعل الطاعة، والتقوى اجتناب المعصية، كقوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٢] يعني على فعل الطاعات، وترك المعاصي.

стр. 131

الفوائد: ١ - من فوائد الآية: إثبات خلق السماء والأرض، وأنها حادثة بعد العدم، وليس في الكون شيء يكون أزلياً أبدياً أبداً. فالسموات ليست أزلية، بل هي مُبتدَعَة، وسوف تفنى، وكذلك كلّ شيء سوف يفنى إلا ما استثنى الله وخلقه للبقاء، مثل الأرواح، فإنها خُلقت للبقاء، ومثل ذلك ما في الجنة من النعيم والوِلْدان والحور، وما أشبهها، فما دل الكتاب والسنة على بقائه وأبديته، فهو باقٍ أبدي، ولكن كل شيء لا يمكن أن يكون أزلياً أي: ليس له أول إلا الله . ٢ - ومن فوائدها: أن الذي خلقها هو الله، لقوله: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ﴾، وهذا كقوله تعالى: ﴿أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ [الطور: ٣٦] يتحداهم: هل هم الذين خلقوا السموات والأرض؟ ٣ - ومن فوائدها: أن الله تعالى خلقها لحكمة عظيمة، ليس فيها سفه، لقوله: ﴿بَاطِلًا﴾ فإن نفي خلقها باطلاً يستلزم أنها خُلقت لحكمة عظيمة بالغة، وهو كذلك، وهذا فرد من أفراد مخلوقات الله ، فإن الله تعالى لم يخلق شيئاً عبثاً، ولم يَشْرَع شيئاً عبثاً، بل كل ما خلقه وشَرَعَه الله ودبّره، فهو لحكمة عظيمة، أحياناً نعرفها، وأحياناً لا نعرفها. ٤ - ومن فوائدها: إثبات الحكمة في أفعال الله، لقوله: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا﴾ إذ لو انتفت الحكمة لأمكن أن تُخلق السماء والأرض باطلًا.

стр. 132

٥ - ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنّ لا أحد يظنّ أن ذلك باطلاً إلا الكافر، لقوله: ﴿ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾. ٦ - ومن فوائدها: أنّ من ظن ذلك، فهو كافر. والفرق بين الفائدتين: أن الفائدة الأولى يكون الكفر سابقاً، على هذا الظن، فيكون الكفر سبباً لهذا الظن. أما الفائدة الثانية: أنّ هذا الظن سابقٌ على الكفر، فيكون هذا الظن سبباً للكفر. إذاً، لا يظن أحد أن الله خلق السماء والأرض باطلًا إلا الكفار، وإذا ظنّ أحد أن الله خلق ذلك باطلًا، صار كافراً. ٧ - ومن فوائدها: إثبات الوعيد للكفار في قوله: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ (٢٧)﴾ وأنهم سيدخلون النار، وهم أيضاً مخلدون فيها أبداً، كما ذكر الله تعالى ذلك في ثلاث آيات من كتاب الله في سورة النساء، في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا (١٦٨) إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [النساء: ١٦٨ - ١٦٩]، وفي سورة الأحزاب: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا (٦٤) خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [الأحزاب: ٦٤ - ٦٥]، وفي سورة الجن: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [الجن: ٢٣]. وبعد هذه الآيات الثلاث، لا ينبغي أن يلحقنا شك في أبدية النار، وإن قال ذلك من قاله من الناس، لأن هذا كلام الله، وهو خبر، والخبر في كتاب الله لا يمكن أن يَكْذِب، ولا يمكن أن يلحقه

стр. 133

النسخ، فلا عبرة بقول مَن قال: إن النار لا تؤبد، بل قوله مرفوض، باطل، مردود عليه، بدلالة القرآن الصريحة. ٨ - من فوائد الآيات كلها: أنّ من جملة الِحكمة، التي هي من صفات الله أنّه لا يمكن أن يجعل المؤمن العامل للصالحات كالمفسد في الأرض، لأن ذلك ينافي الحكمة منافاةً بالغةً، لا يمكن أن يستوي المؤمنون والكافرون، كما لا يستوي الأعمى والبصير، قال الله تعالى: ﴿مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالْأَعْمَى وَالْأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا﴾ [هود: ٢٤]. ٩ - ومن فوائد الآية الكريمة: ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ أنّ الإيمان والعمل الصالح سبب لصلاح الأرض، وهذا يؤيِّده آيات كثيرة، مثل قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٩٦)﴾ [الأعراف: ٩٦]. ١٠ - ومن فوائدها: أنّ المعاصي سبب للفساد في الأرض، لأنّه قابل هذا بالإيمان والعمل الصالح، ويشهد لهذا قوله تعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ﴾ [الروم: ٤١]، فكل فساد يحدث في الأرض من جدَب وفقر ومرض وفسادِ ثمارٍ، وغير ذلك، فإنه بسبب المعاصي، بما كسبت أيدي الناس. ١١ - ومن فوائدها: أنّ الله لا يمكن أن يجعل المتّقين كالفجّار في مآلهم، فالمتقي في جنات النعيم، والفاجر في عذاب الجحيم ﴿أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ (٢٨)﴾.

стр. 134

قال الله تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ﴾. ﴿كِتَابٌ﴾ قال المؤلف: [خبر مبتدأ محذوف، أي: هذا] والمشار إليه القرآن الكريم. وكتاب بمعنى: مكتوب. ووُصِف القرآن بأنه كتاب لعدة أوجه: الأول: أنه مكتوب في اللوح المحفوظ، كما قاله تعالى: ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ (٢١) فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ (٢٢)﴾ [البروج: ٢١ - ٢٢]. الثاني: أنه مكتوب في الصحف التي بأيدي الملائكة، كما قال تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ (١١) فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ (١٢) فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ (١٣) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ (١٤) بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (١٥) كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾ [عبس: ١١ - ١٦]. الثالث: أنّه يُكتب في المصاحف، كما هو معروف، وربما يدّعي مدّعٍ أنه بمعنى مفروض على الأمة الإيمان به، والعمل به. فيكون هذا معنى رابعاً لكلمة (مكتوب). وقوله: ﴿أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ﴾ أنزله الله إلى محمد ﷺ ، وإنزاله إلى محمد ﷺ من الله يدلُّ على أنه كلام الله. ووجه ذلك: أنّ هذا الكتاب كلام، والكلام لا بد له من متكلِّم، فإذا كان الله هو الذي أنزله، لزم أن يكون هو المتكلم به، فيكون في هذا إثبات أن القرآن كلام الله. وأحياناً ياتي التعبير بـ: ﴿أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ﴾ [النحل: ٦٤، طه: ٢] والجمع بينهما: أنّ "إلى" تفيد الغاية، أي: أنّ غاية هذا الإنزال إلى محمد ﷺ ، و"على" تفيد الاستعلاء.

стр. 135

وذلك لأن هذا القرآن جاء من (عَلٍ)، أي: من فوق، من الله ، ثم إن في "على" إفادة التحمل للشيء. أنزله عليك: يعني لتتحمله، وتقوم به. فالفرق إذاً من وجهين: الوجه الأول: أن (إلى) تفيد الغاية، أي: أن غاية الإنزال إلى محمد ﷺ ، لا يتعداه إلى غيره، ولا نبي بعده، وأما (على) فتفيد الاستعلاء، أي: أنه نزل إلى الرسول ﷺ من فوق، وتفيد أيضاً التحمل لأنه نزل عليه كأنه فوقه، والشيء الذي فوقك لا بد أن تتحمله، ويؤيِّد هذا قولُه تعالى: ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا (٥)﴾ [المزمل: ٥]، وقوله: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلًا (٢٣) فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ﴾ [الإنسان: ٢٣ - ٢٤] مما يدل على ثقله، وهو كذلك. قال: ﴿أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ﴾ مبارك: صفة لكتاب. و ﴿أَنْزَلْنَاهُ﴾ أيضاً صفة لكتاب، هذا بناء على إعراب المؤلف: أنّ ﴿كِتَابٌ﴾ خبر مبتدأ محذوف، ويجوز أن يكون ﴿كِتَابٌ﴾: مبتدأ، و ﴿مُبَارَكٌ﴾: خبره، وجملة ﴿أَنْزَلْنَاهُ﴾ صفة لكتاب، وسوّغ الابتداء به وهو نكرة، وَصْفُهُ بجملة ﴿أَنْزَلْنَاهُ﴾. وبركة القرآن من عدة أوجه: ١ - الوجه الأول في الثواب الحاصل بتلاوته، فإنّ من قرأ حرفاً واحداً منه، فله بكل حرف عشر حسنات، وهذه بركة عظيمة.

стр. 136

٢ - مباركٌ: من حيث الأثر المترتِّب على تلاوته، سواء كان عامّاً أم خاصّاً. فالخاصّ ما يحصل للإنسان بتلاوة القرآن من انشراح الصدر، ونور القلب وطمأنينته، كما هو مجرّب لمن قرأ القرآن بتدبر. وأمّا العام، فإن الله تعالى فتح بهذا القرآن مشارق الأرض ومغاربها، فإن المسلمين لما كانوا متمسكين بهذا الكتاب، سادوا العالم كله، ولا شك أن هذا من البركة بهذا القرآن. ٣ - ما يحصل بهذا القرآن من اجتماع الكلمة، وحفظ اللغة الأصيلة للقوم الذين نزل بلغتهم، فمن المعلوم أن الناس إذا كانوا على لغة واحدة، صاروا إلى الاجتماع أقرب، وإذا تفرَّقت لغاتهُم، صاروا إلى التفرُّق أقرب، لأنه إذا اتفقت لغاتهم، استطاعوا أن يتفاهموا فيما بينهم، وأن يعرف بعضهم ما عند بعض، وإذا اختلفت اللغات لم تحصل هذه الفائدة، فهذا من بركة القرآن الكريم. وله أوجه أخرى ربما لا نستطيع أن نستوعبَها في هذا المكان، لكنها ظاهرة لمن تأملها. وقوله: ﴿لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ﴾ هذه متعلقة بأنزلناه، يعني أنزلناه ليدبروا آياته، ليدبروا: اللام: لام التعليل، ويدبروا: فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد لام التعليل، والواو: فاعل والجار والمجرور متعلقان بـ ﴿أَنْزَلْنَاهُ﴾ يعني: أنزلناه ليتدبَّروا آياته. والتدبُّر معناه التأمل في أدبار الأمور وعواقبها، وتكرار اللفظ على القلب، مرَّةً بعد مرَّةٍ، حتى يتَّضح المعنى، أي معناه: التأمل في معاني القرآن، وترديد هذا التأمل، حتى يتضح ما فيه المعنى. وأصل هذه

стр. 137

الكلمة: ليتدبَّروا، فأدغمت التاء في الدال، وإذا أدغمنا التاء في الدال جعلنا التاء دالاً، فصارت ليدَّبَّروا آياته، وقوله: ﴿آيَاتِهِ﴾ جمع آية، والآية هي ما تنتهي بفاصلة. ومن حفظ الله لهذا القرآن أن آياته محفوظة مرقمة، أو محجوزة بعضها عن بعض، إلى يومنا هذا. والآيات هي: العلامات، وهي علامات على أنّ هذا القرآن من عند الله بما تحويه من اللفظ والمعنى. ولهذا كانت الآية الواحدة مُعجزة للبشر، بل معجزة للخَلْق كلهم، لأنها آية من آيات الله. قال المؤلف: [﴿لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ﴾: ينظروا في معانيها، فيؤمنوا]. هذه حكمة من حِكم إنزال القرآن أن يتدبر الإنسان في الآيات، الثانية: قال: [﴿وَلِيَتَذَكَّرَ﴾: يتّعظ ﴿أُولُو الْأَلْبَابِ (٢٩)﴾ أصحاب العقول] هذه فائدة ثانية، جعل التذكر بعد التدبر، لأنه لا يمكن أن يتّعظ الإنسانُ بالشيء إلا إذا عرف المعنى الذي يتضمنّه، فيتدبَّر أولاً، ثم يتذكَّر ثانياً. ففي المرحلة الأولى يقرأ الإنسانُ القرآن، وفي المرحلة الثانية يتدبَّره لفهم معانيه، ثم المرحلة الثالثة: يتّعظ به، والاتِّعاظ بالقرآن هو التأثُّر به في القلب والجوارح. والتأثر بالقلب: إخلاص العبد لله، وإنابته إليه، وتوكله عليه، وما أشبه ذلك من أعمال القلوب.

стр. 138

وتأثر الجوارح: القيام بطاعة الله بالجوارح الظاهرة مثل الطهارة والصلاة والزكاة والصوم، وغير ذلك. فالفائدة من إنزال هذا القرآن المبارك تتركز على شيئين، هما: التدبُّر والتذكُّر. ﴿وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (٢٩)﴾ أولو: بمعنى أصحاب، وهي ملحقة بجمع المذكر السالم، لأنه ليس لها مفرد من لفظها، بل لها مفرد من معناها. إذا قلنا: إنها بمعنى أصحاب، صار مفردها من المعنى صاحب، فأولو: جمع صاحب باعتبار المعنى. وقوله: ﴿أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ قال المؤلف: [أصحاب العقول] لأن صاحب العقل هو الذي يتعظ أما مَن لا عقل له، فإنه لا ينتفع بذلك. والعقول هنا، هي عقول الرشد، لأن العقل عقلان: عقل إدراك، وعقل رشد. فعقل الإدراك هو ما يتعلق به التكليف. وعقل الرشد ما يكون بحُسْن التصرُّف. فالكفار مثلاً لهم عقول إدراك، لأن هذا هو الذي يتعلق به التكليف وليس لهم عقول رشد، لأنهم لم يُحسنوا التصرف. وكل مَن لا يَحْسُن التصرف، فإنه يصح أن ينفى عنه العقل، قال تعالى: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٤٤)﴾ [البقرة: ٤٤] ونحن فيما بيننا إذا وجدنا شخصاً يسيء التصرف، قلنا: إنه غير عاقل، وإن كان عاقلًا من حيث الإدراك، لكنّه غير عاقل من حيث التصرف.

стр. 139

والعقل الذي يُمدح، هو عقل الرشد. أما عقل الإدراك، فهذا يحصل لكل أحد، حتى الكفار والفجّار. وقوله: ﴿الْأَلْبَابِ﴾ ألباب: جمع لب، ولب كل شيء المقصود منه. فالحبة مثلاً لبها ما كان بداخلها، المخ الذي بداخلها هو اللبّ، وما فوقه قشور، والبيضة الذي بداخلها هو اللب وما فوقه قشور. الفوائد: ١ - من فوائد هذه الآية: أنّ هذا القران كلام الله، لأن الله أضافه لنفسه في قوله: ﴿أَنْزَلْنَاهُ﴾ والقرآن كلامٌ، وإذا أضيف الكلام إلى أحد، لزم أن يكون صفة له، لأن الكلام معنى لا يقوم إلا بغيره. ٢ - ومن فوائد هذه الآية: إثبات علوّ الله لقوله: ﴿أَنْزَلْنَاهُ﴾. والإنزال لا يكون إلا من العُلو. وقد قرّرنا هذا كثيراً في عدة مجالس، قرّرنا علوَّ الله بذاته فوق خلقه، وبينا أنّه ثابتٌ بجميع أنواع الأدلة السمعية: الكتاب، والسنة، والإجماع، والعقل، والفطرة. ٣ - ومن فوائد هذه الآية: أن القرآن كتاب، أي: مكتوب. وقد بيَّنا أنه مكتوب في ثلاثة مواضع: أ- اللوح المحفوظ. ب- والكتب التي بأيدي الملائكة. جـ- والكتب التي بأيدي الإنسان.

стр. 140

٤ - ومن فوائد هذه الآية: إثبات رسالة النبي ﷺ بقوله: ﴿أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ﴾. ٥ - ومن فوائدها: فضيلة رسول الله ﷺ حيث كان أهلاً لأن ينزَّل عليه القرآن. والقرآن لا ينزل إلا على مَن هو أهلٌ لإنزاله عليه لجمعه صفات الكمال البشرية. ٦ - ومن فوائد هذه الآية: أنّ القرآن الكريم مبارك، حسب الوجوه التي ذكرناها. ٧ - ومن فوائدها: الحثُّ على العناية به والتزامه، لأنه إذا كان مباركاً، فإن كل أحد من البشر يريد أن ينال بركة هذا الشيء المبارك. ٨ - ومن الفوائد: أن القرآن يُستشفى به، كما دلّت على ذلك آياتٌ كثيرة أخرى، يُستشفى به من أمراض القلوب، ومن أمراض الأبدان، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (٥٧)﴾ [يونس: ٥٧]. إذاً فمن بركة القرآن؛ أنّه يُستشفى به من أمراض القلوب، ومن أمراض الأبدان. والاستشفاء به من أمراض الأبدان يقع على وجوه متنوعة: أ- منها: أن يُقرأ على المريض به، كقراءة الفاتحة على المريض، فإنها مفيدة جداً. ب- ومنها: أن يُكْتَب في إناء ويُصَبّ عليه الماءُ، ويدار عليه الماءُ حتى يتغير بهذه الكتابة، ثم يُشرب، وهذا مجرّب.

стр. 141

جـ- ومنها - على رأي بعض العلماء من السلف والخلف -: أن يعلَّق بصفة تميمة، أي: يُكتب في جلد أو ما شابهه، ثم يعلَّق على المريض، فإنّ هذا قد اختلف فيه السلف، فرخَّص فيه بعضهم، ومنعه بعضهم. ومن رخَّص فيه، استدلَّ بعموم الأدلة الدالة على أنّ القرآن فيه الشفاء (١). ٩ - ومن فوائد هذه الآية: أنّ مِن أعظم الِحكَم في إنزال القرآن؛ تدبر القرآن، لقوله تعالى: ﴿لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ﴾. ١٠ - ومن فوائدها: حثّ الإنسان على تدبُّر الآيات. وأن لا يُقرأ القرآن قراءةً لفظيةً فقط، فإنّ الله تعالى قد ذمَّ هذا الجنس من الناس، أعني الذين يقرؤونه قراءةً لفظيةً، فقال تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ﴾ [البقرة: ٧٨]. ﴿أَمَانِيَّ﴾: يعني قراءة لفظية فقط، فوصفهم الله بأنهّم أميون لأنهم لم ينتفعوا بالقرآن، إذ لا يمكن أن يُنتفع بالقرآن إلا بفهم معانيه. فإذا لم تُفهم معانيه، صار العربي والعجمي على حدٍّ سواء. ١١ - ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنّ تدبُّر القرآن فرض، لأن العملَ بالقرآن فرضٌ، ولا يتمّ العملُ إلا بالتدبُّر، وما لا يتمُّ الفرضُ إلا به، فهو فرض. ولكن هل التدبر فرض عين، أم فرض كفاية؟ حسب الحال. قد يكون فرضَ عين، وقد يكون فرضَ كفاية، فما لا يتمّ دينُ العبدِ

стр. 142

إلا به، فهو فرضُ عين، وما زاد على ذلك، فهو فرضُ كفاية. ولا بد أن يكون في الأمة الإسلامية مَن يفهم القرآن. ١٢ - ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنّ القرآن كله آيات دالة على المتكلم به ، ولهذا قال: ﴿لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ﴾ ولم يقل: آيات منه، أو عشر آيات، بل كل الآيات. ١٣ - ومن الفوائد أيضاً: أنّ من أعظم ما نزل القرآن لأجله: التذكر، لقوله: ﴿وَلِيَتَذَكَّرَ﴾. ١٤ - ومن فوائدها: أن القرآن الكريم نزل موعظة للناس، كما قال الله تعالى في آيات أخرى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [يونس: ٥٧]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ﴾ [النساء: ٥٨]، فالقرآن نزل ليؤثر، ولم ينزل ليتبرك الإنسان بقراءته، أو ينال الأجر بقراءته فقط، هذا سهل، ولكن لا بد أن يؤثر تذكراً وموعظة. ١٥ - ومن فوائد الآية: أنه لا يتذكر بالقرآن إلا أصحاب العقول، لقوله: ﴿وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (٢٩)﴾. ١٦ - من فوائدها: أن مَن تذكَّر بالقرآن، فهو صاحب عقل، ومَن لم يتذكَّر، فليس له عقل رشد، وجه ذلك أن الله جعل التذكر لمن اتصفوا بالعقول. ١٧ - ومن فوائدها: أنّ لب الإنسان وروحه هو العقل؛ عقل الرشد لأن الله تعالى سمى هذه العقول ألباب، جمع لب، كأسباب: جمع سبب.

стр. 143

قال: ﴿وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ﴾ وهبنا: أعطينا. ووصف الله ذلك بأنه هبة، لأنه محض فضل منه لا يحتاج منا إلى شيء. قال الله تعالى: ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ (٤٩) أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا﴾ [الشورى: ٤٩ - ٥٠] إذاً وهبنا لداود: أعطيناه هبة فضلاً منا. وقوله: ﴿سُلَيْمَانَ﴾ لم ينوّن، لأنّه ممنوع من الصرف للعلمية، ولزيادة الألف والنون. وداود: ممنوع من الصرف للعجمية والعلمية. قال المؤلف: [﴿سُلَيْمَانَ﴾ ابنه]، من أين عرف المؤلف أنه ابنه؟ ألا يجوز أن يكون المراد وهبنا لداود سليمان يعني خادمه؟ الجواب: لا؛ لأنّ الله سمّى الأولاد هبةً في قوله تعالى: ﴿يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ (٤٩) أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا﴾ يعني: يصنِّفهم ذكراناً وإناثاً ﴿وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا﴾ [الشورى: ٥٠]. قال: ﴿نِعْمَ الْعَبْدُ﴾ أي: سليمان، ونعم: فعل ماض جامد لإنشاء المدح، والجملة أُتي بها للمدح والثناء، وعلى نقيضها (بئس) فإنهّا كلمة لإنشاء الذمّ. وقوله: ﴿نِعْمَ الْعَبْدُ﴾ المعروف أنّ (نعم أو بئس) تحتاج إلى فاعل، ومخصوص بالمدح في (نعم)، والذم في (بئس)، ﴿نِعْمَ الْعَبْدُ﴾ العبد: هو الفاعل، نعم في الماضي والعبد فاعل والمخصوص بالمدح: إمّا أن نقدره اسماً ظاهراً، أو ضميراً.

стр. 144

﴿إِنَّهُ أَوَّابٌ (٣٠)﴾ هذا سبب ثناء الله على سليمان ﴿إِنَّهُ﴾ أي: سليمان. ﴿أَوَّابٌ﴾ أي: رجّاع إلى الله ، سواء كان ذلك بترجيع الصوت بالذِّكر، أو بالرجوع إلى طاعة الله . والظاهر أن الآية شاملة للمعنيين: ﴿إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ رجّاع إلى طاعة الله، و ﴿أَوَّابٌ﴾ رجّاع بالتسبيح، أي: يرجّع الصوت به ويردِّده. يقول المؤلف ﵀: [رجّاع بالتسبيح والذِّكر في جميع الأوقات] ولكن الصحيح أنه أعم مما قال المؤلف؛ أنّه رجّاع بالتسبيح والذِّكر، وكذلك رجّاع إلى الله بالتوبة والطاعة. وقوله: ﴿إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ (٣١)﴾. ﴿عُرِضَ﴾ العارض، أبهمه للتفخيم، لأن الفعل هنا مبني للمجهول. يعني كأنه يوحي بأنّ له جنوداً كثيرة يعرضون عليه ما يعرِضون. وقوله: ﴿بِالْعَشِيِّ﴾ هو ما بعد الزوال إلى غروب الشمس، وقوله: ﴿بِالْعَشِيِّ﴾ الباء هنا للظرفية؛ أي: فيه، ولكن الغالب أنّ الباء إذا جاءت في مكان "في" أنها تكون مستوعبة لجميع الوقت، كأنّ العشي صار كله مُستَوعباً؛ لهذا العرض، لكثرة الخيول التي تُعرَض عليه. ﴿الصَّافِنَاتُ﴾ الصافنات مرفوعة وهي نائب فاعل ﴿عُرِضَ﴾. فإذا قال قائل: ﴿الصَّافِنَاتُ﴾ جمع، والفعل مذكر ﴿عُرِضَ﴾ وهذا جمع ذات حِرٍ، يعني جمع مؤنث حقيقي، وابن مالك يقول في تاء التأنيث:

стр. 145

وتاءُ تأنيثٍ تلي الماضي إذا ... كان لأنثى كأبَتْ هندُ الأذى وإنّما تَلزمُ فعلَ مُضْمَر ... مُتَّصِلٍ أو مُفْهِمٍ ذاتَ حِرِ نقول: إنّما لم يجب التأنيث لوجود الفاصل، وهو قوله: ﴿عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ﴾. ﴿الصَّافِنَاتُ﴾ قال المؤلف: [الخيل، جمع صافنة، وهي القائمة على ثلاث، وإقامة الأخرى على طرف الحافِر، وهو من صَفنَ يَصْفِنُ صُفوناً]. ﴿الصَّافِنَاتُ﴾ هي: الخيل تقوم على ثلاث أرجل، وترفع الرابعة قليلًا، بحيث يكون طرف الحافر على الأرض، وهذا يدل على قوتها. وهو أيضاً من ناحية الجمال أجمل عند رؤيتها. ولو تصوَّرت الخيلَ مصفوفةً صافنةً، لكان لها أُبهّة، وتشعرُ بشيءٍ من العَظَمة من هذا المشهد الذي تشاهده. قوله تعالى: ﴿الْجِيَادُ (٣١)﴾ قال المؤلف: [جمع جواد، وهو السابق، المعنى: أنها إذا استُوقِفَت سكنت، وإن ركضت سبقت] يعني: أنّ هذه الخيل التي عُرضت عليه موصوفة بهذين الوصفين: أنها من الصوافن، وأنها من الجياد؛ فهي إذا استُوقِفت وقفت على أحسن هيئة، وهو الصّفون، وإذا ركضتْ؛ ركضتْ على أكمل هيئة، وهي الجود. جيدة في السّبق، وتتحمل المشاق، ولو طال السير، وهذا غاية ما يكون من جمال الخيل؛ أن تكون هيئتها حين الوقوف ممّا يسر النفس، وأن يكون فعلها وأداؤها حين السير مما ينفع، لكونها من ذوات الجود.
следующие страницы →