أكره هذا، أو لا يعجبني، أو لا يفعل، أو تركه أحب إليّ أو ما أشبه ذلك، ولكن كان إمامًا، وصار الناس يتداولون هذه الكلمات ويحللونها، هل إذا قال: لا تعجبني، يعني التحريم أو الكراهة، ثم بدأ الناس يتلقون كلامه ويحللونه, لأنه ﵀ خاف الله واتقاه فجعل الله لكلماته نورًا، بخلاف الذين يقولون الآن: الإِسلام يحرم كذا وكذا، وإذا رأيت الإِسلام يحلله، ويمكن أن يوجبه في بعض الأحيان، وهذا يقول: يحرمه الإِسلام، يتكلم واحد معرض للخطأ باسم الإِسلام. وأنت لو قلت: أرى أن هذا حرام، قلنا: هذا رأيك، ويمكن أن تخطئ وتصيب. أما أن تقول: حرّم الإِسلام، وقال الإِسلام، وفعل الإِسلام، فهذه الأقوال خطيرة, لأن أعداء المسلمين إذا أخذوا مثل هذه الأقوال، وقالوا: هذا الإِسلام وكانت تخالف الإِسلام، أخذوا من هذا سببًا للقدح في الإِسلام. والإِسلام بريء منه، لكن بعض الناس يجعل لنفسه منصبًا عاليًا فوق مستواه.
٢ - ومن فوائد هذه الآية: تسلية الرسول ﵊، لأنه إذا قيل له: سنهلك أعداءك، سوف يتسلى.
٣ - ومن فوائد هذه الآية: أن العذاب إذا أخذهم فإنه لن يرجع ولن يتأخر، قال تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ (٨٤) فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا﴾ [غافر: ٨٤ - ٨٥].
* * *
стр. 72
﴿وَقَالُوا رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ (١٦)﴾ لما توعدهم الرسول ﵊ بيوم القيامة، وأن لهم العذاب فيه، تحدوا الرسول ﵊، بل تحدوا الله ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا﴾ بمعنى نصيبنا، يقولون ذلك تحديًا واستكبارًا وعنادًا -والعياذ بالله- وهذا كقولهم: ﴿وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأنفال: ٣٢] هذا قول معاند مستكبر، وكان الواجب عليهم أن يقولوا: اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فاهدنا إليه ووفقنا له. هذا الواجب، أما أن يقولوا: ﴿فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ﴾ فهذا لا شك أنه في غاية الاستكبار -والعياذ بالله-.
قال المؤلف: [وقالوا لما نزلت ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ﴾ [الحاقة: ١٩] ﴿رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا﴾ أي: كتاب أعمالنا ﴿قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ﴾ قالوا ذلك استهزاءً] ما ذهب إليه المؤلف يحتمله اللفظ، لكن لا دليل عليه فيه، والصحيح أن المراد بقطنا، أي: نصيبنا من العذاب الذي توعدتنا به، وقلت إنه سيأتيكم عذاب كما أتى الأحزاب من قبلكم، فكأنهم يقولون: إذا كان الأحزاب قد أوتوا العذاب من قبلنا فليأتنا نصيبنا. وهذا لا شك أنه في غاية ما يكون من التحدي والسخرية والاستكبار -والعياذ بالله- وأنت تعجب أن تصل الحال بالبشر، إلى هذا التحدي -والعياذ بالله- ولكن الشيطان عدو للإنسان، فإذا أطاعه حمله على شيء، يكاد الإنسان أن يقول: إن هذا الشيء لا يمكن أن يقع.
стр. 73
الفوائد:
قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ (١٦)﴾ في هذه الآية من الفوائد:
١ - اعتراف المشركين بالربوبية لقولهم: ﴿رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا﴾ وهم مقرّون بالربوبية، ومقرّون بانفراد الله تعالى بها، قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزخرف: ٨٧]، وقال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان: ٢٥].
٢ - ومن فوائدها: أن الإقرار بالربوبية لا يخرج الإنسان من الكفر إذا كان لم يقرّ بتوحيد الألوهية؛ لأن هؤلاء مقرون بالربوبية، وأن الله هو الخالق الرازق والمنفرد بالخلق والرزق، لكنهم يشركون به في العبادة، يعبدون معه غيره، فلم يدخلهم ذلك في الإِسلام.
٣ - ومن فوائدها: بطلان ما ذهب إليه كثير من المتكلمين في تفسير التوحيد، حيث قالوا في تفسير التوحيد: (أن تؤمن بأن الله واحد في ذاته لا قسيم له، واحد في أفعاله لا شريك له، واحد في صفاته لا شبيه له)، فإن هذا لم يتعرضوا فيه لذكر الألوهية إطلاقًا، قالوا: إن الله واحد في ذاته لا قسيم له ... إلخ هذا هو التوحيد عند عامة المتكلمين، ولا شك أن هذا التوحيد لم يدخل فيه توحيد الألوهية الذي جاءت الرسل بتحقيقه وإثباته والقتال عليه، لم يقولوا واحد في ألوهيته لا يُعبد غيره، أسقطوا هذا نهائيًا، ولا شك أن هذا قول باطل في أن هذا هو التوحيد الذي دعت إليه الرسل، بل هذا من التوحيد الذي دعت إليه الرسل، وليس هو التوحيد كله، بل فيه
стр. 74
أيضًا إجمال في قولهم: واحد في صفاته لا شبيه له، ولكن هذا ليس موضوعنا, لأننا نتكلم عن التفسير.
فالمشركون الذين قاتلهم الرسول ﷺ ، واستباح دماءهم وأموالهم ونساءهم وذريتهم، كانوا يقرون بما يدعي المتكلمون أنه هو التوحيد.
٤ - ومن فوائدها: استكبار هؤلاء المكذبين للرسول ﵊ حيث تحدوه هذا التحدي وقالوا: ﴿رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا﴾ أي: نصيبنا من العذاب، وهذا غاية ما يكون من الاستكبار والعناد.
٥ - ومن فوائد الآية الكريمة: إيمانهم بيوم الحساب. يؤخذ من قوله: ﴿قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ﴾ ممكن أن نقول هكذا ويمكن أن نقول: إنهم قالوا ذلك على سبيل التهكم، فيكون هذا أشد في العناد والاستكبار، أي: قبل يوم الحساب الذي يزعمه محمَّد، فيكون المراد بهذا، التهكم برسول الله ﷺ ، وبما أخبر به من يوم الحساب، وهذا هو الظاهر، أي: كأنهم يقولون: عجل لنا نصيبنا من العذاب قبل هذا اليوم الذي يقوله هذا الرجل.
* * *
فقال الله تعالى: ﴿اصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ﴾ هم بقولهم: ﴿رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا﴾ يريدون بذلك مضايقة الرسول ﵊ حتى يضجر ويتعب نفسيًا وفكريًا وربما جسميًا، ولا شك أن هذا يؤذي الداعية.
стр. 75
وأنت لو دعوتَ إلى الله وقام واحد وقال: أهذا ما تتوعدنا به! ائتنا به، عجل لنا به، لا شك أنك تضيق، فالرسول ﷺ بشر، لكنِ الربّ يُصَبِّره شرعًا، ويعينه على ذلك قدرًا، يصبره شرعًا بالأمر اصبر اصبر ويعينه -على ذلك قدرًا، فقد صبر النبيُّ صبرًا لا يصبره أحد، قال تعالى: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ﴾ [الأحقاف: ٣٥].
والعجيب أن من صبره أنه صبر حين المقدرة عليهم، صبر على العذاب الذي يكون بيده، وعلى العذاب الذي يكون من عند الله، صبر على العذاب الذي يكون بيده حين فتح مكة ووقف على باب الكعبة وقريش تحته وقال: "يا معشر قريش، ما ترون أني فاعل بكم؟ " قالوا: خيرًا، أخ كريم، وابن أخٍ كريم، قال: "اذهبوا فأنتم الطلقاء" (١) في هذا الحال يستطيع أن يبطش بهم فكلهم أذلة بين يديه، لكن قال: "اذهبوا فأنتم الطلقاء" بل قال قبل ذلك: "من دخل داره فهو آمن، ومن دخل المسجد فهو آمن، ومن دخل دار أبي سفيان فهو آمن" (٢) كل هذا من باب التسامح والعفو مع المقدرة.
أما عفوه وتسامحه مع المقدرة بأمر يوقعه الله سبحانه تعالى فيهم، فإنه لما رجع من الطائف بعد أن فعل به أهل الطائف ما فعلوا أرسل الله إليه جبريل ومعه ملك الجبال، وقال: إن الله يقرئك
стр. 76
السلام وهذا ملك الجبال يفعل ما تأمر به، فقال له ملك الجبال: إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين لفعلت، ولكن الرسول ﷺ قال: "بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده، لا يشرك به شيئًا" (١) اللهم صلِّ وسلم عليه.
انظر إلى العفو وإلى النظر البعيد، فأخرج الله -ولله الحمد- من أصلاب هؤلاء مَن عبد الله ولم يشرك به، وكانوا أئمة يهدون بأمر الله، فالنبي ﵊ يجد المضايقات العظيمة من قريش لكنه يصبر على كل أذى، ولهذا قال الله له: ﴿اصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ﴾ [ص: ١٧] اصبر على ما يقولون من أقوال الاستهزاء والسخرية والكذب، قالوا: إنه ساحر مجنون كذاب كاهن، ولكنه يصبر، صبر على ما يقولون، وصبر على ما يفعلون أيضًا، أعظم شيء علمت به أنه كان ذات يوم ساجدًا عند الكعبة في آمن مكان، وأعظمه حرمة، وأقرب ما يكون من ربه، ساجدًا لله، وكان حوله ملأ من قريش، فقالوا: من ينتدب لنا يأتي بسلا جزور بني فلان يضعه على محمَّد وهو ساجد، فانتدب أشقاهم، وذهب وأتى بسلا الجزور ووضعه على ظهره، دم وروث وقدر ونجاسة على ظهره وهو ساجد، ولكنه لم يقم من السجود حتى جاءت ابنته فاطمة وهي صغيرة فأزاحته عنه، فقام ﷺ ، ثم لما فرغ من الصلاة دعا الله عليهم، فأجاب الله دعوته، فعذبهم بيده، وسُحِبوا في قليب بدر في غزوة بدر جثثًا منتنة خبيثة،
стр. 77
وطرحوا في أحد الآبار هنالك (١). اللهم انصر الحق أينما كان يا رب العالمين.
قال تعالى: ﴿اصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ﴾ الخطاب في قوله تعالى: ﴿اصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ﴾ لرسول الله ﷺ ، أمره الله أن يصبر على ما يقوله له أعداؤه مما يتعلق بجانب الرب من إنكار توحيده، ومما يتعلق بالرسول ﷺ من وصفه بأنه كذاب وساحر ومجنون، ومما يتعلق بأصحابه، وكل ما يقولون مما يسوءُ الرسولَ ﵊. أمره الله تعالى أن يصبر عليه، وكذلك أيضًا أن يصبر على ما يفعلون؛ لأن أذية المشركين له كانت بالقول وبالفعل جمعًا وإفرادًا.
والصبر هو حبس النفس عما لا يجوز في مقابلة البلية والمصيبة. وقد قسم العلماء ﵏ الصبر إلى ثلاثة أقسام فقالوا: صبر على أقدار الله المؤلمة، وصبر عن محارم الله، وصبر على طاعة الله، وهذا الأخير هو أعلى أنواع الصبر, لأن الصبر الأول هو صبر قهري. فالصبر على المصائب صبر قهري, لأن المصائب لم تقع باختيارك، وإنما هي بغير إرادتك فأنت أمامها إما أن تصبر صبر الكرام، وإما أن تسلوا سلوَّ البهائم، ثم الصبر عن محارم الله دون الصبر على أوامره، وذلك أن الصبر على محارم الله ليس فيه إلا كف النفس فقط، والكف أسهل من الفعل، وأما الصبر على الطاعة فهو أعلاها؛ لأن فيه صبرًا على
стр. 78
كفّ النفس وعلى فعلها، على كف النفس عن ترك هذا المأمور به، وعلى الفعل يرغمها على أن تفعل؛ ولهذا قال أهل العلم: إن الصبر على أوامر الله أفضل من الصبر عن نواهيه، والصبر عن نواهي الله أفضل من الصبر على أقدار الله المؤلمة.
ومن ثم لو سألنا سائلٌ: أيما أعلى مقامًا وأفضل، صبر يوسف ﵊ على الحبس، أو صبره عن فعل الفاحشة بامرأة العزيز؟ قلنا: صبره عن الفاحشة أعظم وأعلى مرتبة.
قال تعالى: ﴿اصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ﴾ أي: في الله أولًا, لأن السورة من أولها في إنكار توحيد ألوهية الله، وفي الرسول، وفيما جاء به، وفي أصحابه. ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ﴾ اذكر يحتمل أن يكون من الذكر، أي: الإخبار عن حاله، أي: اذكر للناس قصة داود، ويحتمل أن اذكر بمعنى تذكر داود، وإذا كان اللفظ يحمل معنيين لا يتنافيان، فالقاعدة التفسيرية أن يحمل عليهما جميعًا, لأنه كلما كانت دلالة الآية أشمل وأعمّ كان أولى. ﴿عَبْدَنَا دَاوُودَ﴾ وصف الله داود ﵊ بالعبودية، وهذه أخص أنواع العبودية, لأن العبودية إما عامة، وإما خاصة، وإما خاصة الخاصة، فوصف الرسل بالعبودية خاصة الخاصة، ووصف المؤمنين بالعبودية خاصة، ووصف عموم الناس بالعبودية عامة، وعليه فالعبودية في قوله تعالى: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ [مريم: ٩٣] عامة، وفي قوله تعالى: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾ [الفرقان: ٦٣] خاصة، وفي قوله: ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ﴾ خاصة الخاصة، وداود من
стр. 79
أنبياء بني إسرائيل وهو بعد موسى، والدليل قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا﴾ [البقرة: ٢٤٦] وفي أثناء القصة قال: ﴿وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ﴾ [البقرة: ٢٥١] إذًا فهو من بني إسرائيل من بعد موسى ﵊.
قال: ﴿دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ﴾ قال المؤلف ﵀: [﴿ذَا الْأَيْدِ﴾ أي: القوة في العبادة] إذًا فالأيد ليست جمع يد، بل هي مفرد مصدر آد يئيدُ أيْدًا، ونظيره في التصريف باع يبيع بيعًا، وكال يكيل كيلًا، إذًا الأيد: القوة، ونظيرها قوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ﴾ [الذاريات: ٤٧] أي: بقوة، وقول المؤلف ﵀: [القوة في العبادة]، ينبغي أن يقال: القوة مطلقًا في العبادة وغير العبادة حتى في الملك؛ لأن الله قال في هذه الآيات: ﴿وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ﴾ [ص: ٢٠] فهو ذو أيد في كل ما تكون القوة فيه صفة مدح، إذًا الأيد الأَوْلى أن نجعلها عامة في كل ما تكون القوة فيه، وهذه صفة مدح؛ لأن المقام مقام مدح لداود ﵊، ولهذا أمر الله نبيه ﷺ أن يذكره.
قال المؤلف: [﴿ذَا الْأَيْدِ﴾ أي: القوة في العبادة، كان يصوم يومًا ويفطر يومًا، ويقوم نصف الليل، وينام ثلثه، ويقوم سدسه] هذا عكس ما جاء في الحديث: "كان ينام نصف الليل، ويقوم ثلثه، وينام سدسه" (١) فالعبارة فيها انقلاب على المؤلف، كان عليه الصلاة
стр. 80
والسلام ينام نصف الليل؛ ليعطي نفسه حظها من الراحة، وليجدد نشاطه, لأن في النوم فائدتين للجسم: الأولى: قطع التعب السابق والاستراحة منه، كما قال الله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا﴾ [النبأ: ٩] أي: قطعًا لا حصل من المشقة والتعب، واستعداد الجسم للقوة في المستقبل، ولهذا إذا نام الإنسان وهو مشته للنوم، ثم قام وجد نفسه نشيطًا، فكان ينام نصف الليل، ويقوم ثلثه، وينام سدسه، لأجل أن يعطي نفسه راحتها من تعب قيام الليل، وهكذا كان الرسول ﵊ يفعل، فكان لا تُلْفِيهِ السحرَ إلا نائمًا، أي: غالب أحيانه ينام ﵊ في آخر الليل.
يقول الله تعالى: ﴿إِنَّهُ أَوَّابٌ (١٧)﴾ الجملة استئنافية لبيان حال داود: أنه قوي، وأنه رجَّاع إلى الله ، كلما حدثته نفسه بالكسل عاد فنشط، وكلما حصل منه زلة عاد فتاب إلى الله. والأواب صيغة مبالغة من آب يؤوب، واسم الفاعل "آئِب"، وصيغة المبالغة أوّاب. قال المؤلف: [رجاع إلى مرضاة الله].
الفوائد:
ومن فوائد قوله تعالى: ﴿اصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ﴾.
١ - أن الرسول ﷺ يتأثر بتكذيبهم، ولهذا أمره الله بالصبر لأجل أن يعينه على صبره عليهم، وهذا أمر لا شك فيه، أي: أن الرسول ﵊ يتأثر من تكذيبهم ويتألم, لأنه ﵊ جاء رسولًا من عند الله، فإذا كذَّبه هؤلاء، فإنهم
стр. 81
يكونون قد كذَّبوا الله ، فيتألم النبيُّ ﷺ لذلك، كما أنه بشر يتألم بمقتضى الطبيعة البشرية أيضًا، فإن البشر لا بد أن يتألم إذا رُد قوله وكُذِّب وعُورض وقُدح فيه من أجله، لا بد أن يتأثر مهما كانت حاله.
٢ - ومن الفوائد: وجوب الصبر على أذى الكفار، لقوله تعالى: ﴿اصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ﴾.
٣ - ومن الفوائد: أن النبي ﷺ عبد مأمور, يُؤمر ويُنهى، وليس ربًا آمرًا ناهيًا، ولولا أن الله أمرنا بطاعته لكان كغيره من البشر، لا تجب طاعته، لكنه رسول الله، أمرنا الله بطاعته ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٥٩].
٤ - ومن الفوائد: أن هذا الأمر الصادر صادر منهم جميعًا، أو من أكثرهم، أو من أشرافهم ووجهائهم، لقوله: ﴿عَلَى مَا يَقُولُونَ﴾ فأضاف القول إلى الجميع، فإما أن يكون الجميع كلهم يقولون هذا، وإما أن يكون الأكثر يقول بذلك، فنسب إلى الجميع اعتبارًا بالأكثر، وإما أن يكون القائل هم الأشراف والوجهاء، فيكون قول هؤلاء قولًا للجميع, لأن الأتباع سوف يقلدونهم.
٥ - ومن الفوائد: ذكر ما يتسلى به العبد، وتذكيره بذلك لقوله: ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ﴾.
٦ - ومن فوائدها: فضيلة داود ﵊، وأنه عبد.
стр. 82
٧ - ومن فوائدها: أن داود قويٌّ في عبادته لقوله: ﴿عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ﴾ ذا الأيد أي: القوة في الوصف الذي وصفناه به وهو العبودية.
٨ - ومن فوائد الآية الكريمة: الثناء على القوي في العبادة لقوله: ﴿عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ﴾ أي: ذا القوة في العبادة، وعليه يتنزل قول الرسول ﷺ : "المؤمن القوي خير وأحبّ إلى الله من المؤمن الضعيف" (١) فإن المراد بالقوة هنا القوة في الإيمان, يعني القوي في إيمانه, لأن القوي وصف يعود على المؤمن، فيكون المراد القوي في هذا الوصف، وليس قوي البدن, لأن قوة البدن قد تنفع وقد تضر، بخلاف قوة الإيمان فإنها نافعة لا مضرة فيها.
٩ - ومن الفوائد: فضيلة داود أيضًا من جهة أخرى وهو أنه مع قوته في العبادة رجّاع إلى الله من ذنبه في قوله: ﴿إِنَّهُ أَوَّابٌ (١٧)﴾ أي: رجّاع إلى ربه لو أذنب فإنه يرجع إليه كما تدل عليه القصة التي ستأتي.
١٠ - ومن فوائد الآية الكريمة أيضًا: إثبات العلل والأسباب، لأن الجملة في قوله: ﴿إِنَّهُ أَوَّابٌ (١٧)﴾ تعليلية لكون داود ﵊ موصوفًا بالقوة والعبودية, لأنه رجّاع إلى الله ، وكل من كان رجاعًا إلى الله فسوف يكون قويًا في عبوديته.
* * *
стр. 83
ثم ذكر الله تعالى ما مَنَّ به عليه فقال: ﴿إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ﴾ أي: ذللناها له، والله يذل له كل شيء، فسخر الله الجبال، أي: ذللها حتى تسبح بتسبيح داود، وهي، أي: الجبال تسبح تسبيحًا مطلقًا، وهذا هو التسبيح العام، وتسبح تسبيحًا خاصاً، كما أمرت أن تسبح مع داود ﵊، وإلا فهي تسبح تسبيحًا عامًّا مطلقًا، كما قال الله تعالى: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ [الإسراء: ٤٤] أي: ما من شيء إلا يسبح بحمده ﴿وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ [الإسراء: ٤٤].
أما التسبيح الذي سخر الله الجبال عليه مع داود فهو تسبيح خاصّ ﴿إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ (١٨)﴾ والجبال جمع جبل وهو معروف، ﴿مَعَهُ﴾، أي: مع داود قال المؤلف ﵀: [يسبحن بتسبيحه ﴿بِالْعَشِيِّ﴾: وقت صلاة العشاء ﴿وَالْإِشْرَاقِ﴾: وقت الضحى]. قوله: ﴿يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ﴾ الباء هنا ظرفية بمعنى "في" لكن يظهر- والله أعلم- أنه إذا أريد بالظرفية استيعاب الوقت أُتي بدل "في" بالباء, لأن الباء تدل على الاستيعاب والإحاطة كما في قوله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ﴾ [الحج: ٢٩] وكما قال: ﴿فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ [البقرة: ١٥٨] ولهذا لا بد من استيعاب البيت بالطواف، واستيعاب ما بين الصفا والمروة في السعي. إذًا الباء هنا للظرفية لكنها جاءت مكان "في" للدلالة على الاستيعاب، يعني كل العشي.
стр. 84
وقول المؤلف: [﴿بِالْعَشِيِّ﴾: وقت صلاة العشاء، هذا فيه نظر، والصحيح أن المراد بالعشي آخر النهار، كما قال تعالى: ﴿وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [الأحزاب: ٤٢]. فالمراد بالعشي آخر النهار، وفي حديث أبي هريرة المشهور بحديث ذي اليدين، قال: صلىَّ بنا الرسول ﷺ إحدى صلاتي العشي (١). يعني الظهر أو العصر.
قال المؤلف: [﴿وَالْإِشْرَاقِ﴾: وقت صلاة الضحى، وهو أن تشرق الشمس ويتناهى ضوؤها] هناك إشراق، وهناك شروق، وبينهما فرق، فالشروق ظهور الشمس، يقال: شرقت الشمس، يعني ظهرت، والإشراق: ارتفاع الشمس حتى يصحو ضوؤها وتكون بيضاء، فالإشراق معناه دخول الشمس في الإضاءة الكاملة البيضاء، والشروق ظهور الشمس، فإذا طلع حاجب الشمس من المشرق، يقال له: شروق، وإذا ارتفعت حتى زادت حمرتها أو صفرتها، يقال: إشراق. ﴿يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ﴾ أي: بعد أن ترتفع الشمس ويحسن ضوؤها.
﴿وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً﴾ قال المؤلف ﵀: [وسخرنا الطير] أفادنا المؤلف أن الطير معطوفة على الجبال. أي: سخرنا الجبال وسخرنا الطير، وليست معطوفة على الضمير المستتر في قوله: ﴿يُسَبِّحْنَ﴾ على أنها مفعول معه، وقد يقول القائل: يسبحن والطيرَ، كقوله: ﴿يَاجِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ﴾ [سبأ: ١٠] فالمؤلف ﵀ أفادنا بتقدير:
стр. 85
سخرنا، أن الطيرَ معطوفة على الجبال، وقوله: ﴿مَحْشُورَةً﴾ منصوبة على الحال، يعني والطير حال كونها محشورة.
فإذا قال قائل: لماذا لا تجعلونها صفة للطير؟ قلنا: الذي يمنع من أن تكون صفة أنها لم توافق الموصوف في التعريف، والصفة تتبع الموصوف في التنكير والتعريف، و (محشورة) نكرة، بينما (الطير) معرفة.
﴿مَحْشُورَةً﴾ يقول المؤلف: [مجموعة إليه تُسبِّح معه] لو قال قائل: أليست الحال صفة؟ فلماذا لا نقول: محشورة صفة للطير؟ نقول: هي صفة في المعنى، والخبر خبر مبتدأ صفة للمعنى، وما يعرف بالنعت عند النحويين صفة، لكن لا يلزم من الصفة في المعنى أن تكون صفة له في اللفظ.
قال المؤلف: [﴿كُلٌّ﴾ من الجبال والطير ﴿لَهُ أَوَّابٌ (١٩)﴾ رجَّاع إلى طاعته بالتسبيح]. ﴿كُلٌّ﴾ منونة تنوينًا يُسمّى تنوين العَوض. كلّ وبعض تنوينهما تنوين عوض، وذلك لأنه لا بد من إضافة، ولكن قد يحذف المضاف إليه ويعوض عنه التنوين. كمثل كلّ والتقدير بدون قطع الإضافة: كلهن، أي: الجبال والطير, لأنها لا تعقل، كلهن له أواب، فحذف المضاف إليه وعوض عنه التنوين. قال المؤلف: [من الجبال والطير] هذه بيان للمضاف إليه، يعني أنها على تقدير كلهن، أي: الجبال والطير، ﴿لَهُ﴾ أي: لداود ﴿أَوَّابٌ﴾ أي: رجّاع إلى طاعته بالتسبيح، ويحتمل أن يكون رجّاع بمعنى أن هذه الطيور تذهب وتتعيش ثم ترجع لأجل أن تُؤَوِّب معه، والسياق
стр. 86
والمعنى لا يمنعه، فكلٌّ من الجبال والطير أواب إلى داود بمعنى مطيع له، وبمعنى آخر بالنسبة للطير أنها ترجع إليه بعد أن تذهب لتقوم بقوتها ثم تعود إليه.
الفوائد:
١ - بيان أن الأمور كلها بيد الله لقوله: ﴿إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ﴾ أي: ذللناها، والجبال خلق عظيم لا يستطيع أحد أن يؤثر فيه، ولكن الله تعالى بقدرته يسخرها ويذللها.
٢ - ومن الفوائد أيضًا: أن للجماد إرادة، يدل عليه قوله: ﴿يُسَبِّحْنَ﴾ لأن التسبيح لا بد أن يكون بإرادة، ويدل على ذلك قوله: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ ويترتب على هذه الفائدة ردُّ قول من يقول: إن قوله تعالى: ﴿جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ﴾ [الكهف: ٧٧] فيه مجاز حيث قالوا: إنه لا إرادة للجدار، ونحن نقول: بل له إرادة, لأن الله تعالى أثبت له الإرادة.
٣ - ومن فوائد الآية الكريمة: أن كل شيء خاضع لأمر الله، الطير التي تسبح في الهواء خاضعة لأمر الله، وهذا هو ما أكده الله في قوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمَنُ﴾ [الملك: ١٩].
٤ - ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الجبال والطير تسبح مع داود ﵇ وترجّع معه؛ لقوله: ﴿كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ (١٩)﴾ أي: كل
стр. 87
لداود رجّاع، أي: مُرجّع معه، إذا سبّح سبّحت الجبال، إذا سبح سبحت الطيور المجموعة إليه، وقيل: إن الأواب: الرجّاع وليس المرجّع الذي يرجع إلى داود، والمعنيان متلازمان؛ لأنه إذا كان رجّاع يرجع إلى داود ليسبح معه فهو مرجّع معه، على أن في الآية قولًا آخر في مرجِع الضمير في قوله: ﴿لَهُ أَوَّابٌ (١٩)﴾ فإن من أهل العلم من قال: إن الضمير في قوله: "له" يعود إلى الله، وأنه من باب الالتفات بدلًا من أن يقول: كل لنا أواب، قال: كل له أواب، ولكن هذا المعنى لا يتعين، بل المعنى الأول أظهر كما مشى عليه المؤلف ﵀.
* * *
ثم قال الله تعالى: ﴿وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ﴾ أي: قَوَّينا مُلْكَه, لأن الشد يأتي بمعنى التقوية، قال الله تعالى: ﴿وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا﴾ [النبأ: ١٢] أي: قوية بدليل قوله: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ﴾ [الذاريات: ٤٧] أي: بقوة، فالشد هنا بمعنى القوة، أي: قَوَّينا مُلْكَه، وتقوية الملك فسرها المؤلف بقوله: [قَوَّيناه بالحرس والجنود] وهذا لا شك نوع من التقوية أن يكون لدى الملك حراس وجنود، الحراس هم الموالون له، والجنود هم التابعون له وإن لم يوالوه، لكنهم جنود له، متى أمرهم ائتمروا، وأما الحراس فهم المباشرون للملك، فالله شدَّ مُلْكَه بالحراس والجنود، هذا وجه من شدِّ المُلك، وشدَّ ملكه بقوة السلطان؛ لأن السلطان إذا كان ضعيفًا مهما كان عنده من الحرس والجنود فإنه ضعيف، لكن إذا أعطاه الله القوة والعزيمة وعدم المبالاة
стр. 88
بأعدائه فهذا شدُّ ملك. يوجد ملك عنده آلاف الجنود والحراس ولكنه ضعيف، يخاف من ظله، ولا يحمي حدوده، هذا لا شك أنه وإن كان عنده حراس كثيرون وجنود، فإن ملكه ضعيف, لأن غاية ما ينفعه الجنود به أن يكونوا مدافعين فقط، لكن إذا قَوَّى الله ملكه بما عنده من قوة العزيمة والجلد والصبر والتحمل وعدم المبالاة بالأعداء، صار حينئذ عنده قوة مهاجمة ومدافعة، الأمرين جميعًا. أمّا من عنده جنود فالغالب أنه يُحرَس لضعفه، ولا أحد يشك بأن عمر ابن الخطاب ﵁ من أقوى الناس ملكًا لكن خلافة، ومع ذلك ليس عنده جنود يحرسونه، بل هو بنفسه كان يجمع الحصباء في المسجد، ويضع رداءه عليها وينام عليه، ليس عنده أحد ومع ذلك فقد حماه الله .
إذًا شدُّ المُلكِ ليس مقتصرًا على كثرة الحرس والجنود، بل قد يكون في الحرس والجنود ما يؤدي إلى الضعف، إذا كان الإنسان لا يقوَى ولا يتحرك إلا بالحرس والجنود، فهذا قد يكون دليلًا على ضعفه وخوفه وعدم أمنه، لذلك فإن اقتصار المؤلف ﵀ على كثرة الحرس والجنود في شد الملك، لا شك أنه ضعيف جدًا، وأهم شيء أن يقوى ملكه بما لديه من الشخصية وقوة العزيمة وعدم المبالاة بأعدائه.
قال ﵀: ﴿وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ﴾ قويناه بالحرس والجنود، وكان يحرس محرابه في كلّ ليلة ثلاثون ألف رجل] هذه إسرائيلية بلا شك، لم ترد عن معصوم، وبناء على ذلك، فإن كانت قريبة من التصور فإننا لا نصدقها ولا نكذبها، وإن كانت بعيدة من التصور فإننا
стр. 89
نكذبها. والبعيد من الواقع الذي لم يرد عن معصوم يُكَذَّب, لأنه ليس فيه خبر ثابت، فإذا لم يكن هناك خبر ثابت رجعنا إلى تحكيم العقل. فهل يعقل مثلًا أن يكون عند داود كلّ ليلة ثلاثون ألفًا يحرسون محرابه! على كل حال هذا خبر إسرائيلي، وأقرب ما يكون عندي أنه كذب، وأنه إن صح أن عنده حرسًا فليكونوا خمسة أو عشرة وما أشبه ذلك، ثم إنه سيأتينا في قصة الخصوم أنهم تسوروا المحراب، فهل يتسورون المحراب وحوله ثلاثون ألفًا؟
فالحاصل أن مثل هذه القصص الإسرائيلية تكون عندنا على ثلاثة أوجه:
الأول: ما شهد شرعنا ببطلانه فهو باطل.
الثاني: ما شهد شرعنا بصدقه فهو حق بشهادة شرعنا.
الثالث: ما لم يشهد شرعنا بخلافه فإننا نرجع إلى العقل إن كان قريبًا فإننا لا نصدق ولا نكذب، وإن كان بعيدًا فإننا نكذب, لأن هذا لما انتفى فيه الدليل الشرعي، نرجع فيه إلى الدليل العقلي، فإذا كان العقل يستبعده أبعدناه.
يقول تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ (٢٠)﴾ آتيناه: أعطيناه، وهناك فرق بين آتيناه وأتيناه، آتيناه بمعنى أعطيناه، وتنصب مفعولين، من باب كسى، وأتيناه بمعنى جئناه، وتنصب مفعولًا واحدًا ﴿قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ [فصلت: ١١] أي: جئنا طائعين، ﴿وَأَتَيْنَاكَ بِالْحَقِّ﴾ [الحجر: ٦٤] أي: جئناك بالحق، أما آتى بالمد بمعنى أعطى، فتنصب مفعولين ليس أصلهما المبتدأ والخبر، قال تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُ
стр. 90
الْحِكْمَةَ﴾ هنا نصبت مفعولين: الأول: الهاء، والثاني: الحكمة. وما هي الحكمة؟ قال المؤلف: [النبوة والإصابة في الأمور]، لأن النبوة حكمة بلا شك. كل نبي فإنه مؤتىً للحكمة، قال الله تعالى: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [البقرة: ٢٦٩] والإصابة في الأمور أيضًا حكمة، كون الإنسان يوفق للإصابة في الأمور مثل أن يكون ذا رأي سديد، فإن هذا لا شك أنه حكمة، ولهذا يقال: فلان حكيم زمانه، أي: لإصابته في الأمور.
وقوله: ﴿وَفَصْلَ الْخِطَابِ﴾ قال المؤلف: [البيان الشافي في كل قصد] فصل الخطاب، هل المعنى أنه يفصل الخطاب الصادر من غيره بمعنى أنه يفصلِ بين الخصوم، ما تخاطبوا فيه، كما يدل عليه قوله: ﴿وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ﴾ لأن المتخاصمين كل منهما يأتي بحجة، يتكلم ويقول، ولهذا قال ﷺ : "إنكم تختصمون إليَّ، ولعلَّ بعضَكم أن يكون ألحن بحجته من بعض، وإنما أقضي بنحو ما أسمع" (١). إذًا فصل الخطاب يعني فصل الخطاب الحاصل من غيره، أي: يفصل في خطاب الناس، أو فصل الخطاب يعني خطابه هو، يعني أن خطابه كان فصلًا، أي: ذا بيان وفصاحة، نقول: المعنيان محتملان، فالآية تحتمل هذا وهذا، وهما لا يتنافيان، فيجب أن تكون الآية محمولة عليهما، حتى إن بعضهم قال: إن فصل الخطاب هو قوله: أما بعد, لأن "أما بعد" تفصل ما قبلها عن ما بعدها, ولكن هذا ليس
стр. 91
بصحيح. أما بعد لا شك أنها تعطي الكلام رونقًا وجمالًا وتفصيلًا، لكن كوننا نجعلها هي فصل الخطاب فيه نظر، والله أعلم.
الفوائد:
١ - من فوائد هذه الآية: أن الله قَوَّى ملك داود بما ذكرنا من التقوية المعنوية والحسية.
٢ - ومن فوائدها: أن تقوية المُلْك من أكبر أوصاف المَلِك التي يتمتع بها؛ لأن الله تعالى مَنَّ بها على داود ﵇ في قوله: ﴿وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ﴾.
٣ - ومن فوائدها: الثناء على داود ﵇ بأن الله تعالى مع تقوية ملكه آتاه الحكمة في تصرفه، قال تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ﴾.
٤ - ومن فوائدها: أن الله تعالى مَنَّ على داود ﵇ بفصل الخطاب، أي: الخطاب الفصل البين الذي يفصل به بين الناس، ويفصل به بين الحق والباطل، وبين الضار والنافع.
* * *
قال الله : ﴿وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ (٢١)﴾ الواو عاطفة والجملة معطوفة على ما سبق لأن الكلام كله في شأن داود، والاستفهام هنا يقول المؤلف: [للتعجب والتشويق إلى استماع ما بعده] يعني أن هذه القصة عجيبة، وأنها لكونها عجيبة مما يشوق إليه، والاستفهام كما نعلم جميعًا تختلف معانيه بحسب السياق، وإلا فإن الأصل فيه أنه الاستخبار عن
стр. 92
الشيء، أي: طلب الإفهام عنه، يقال: استفهم عن كذا، أي: طلب الإفهام عنه. هذا الأصل، لكن سياق الكلام يغير المعاني الأصلية إلى ما يقتضيه السياق، فالمراد به هنا التشويق، وله نظير، مثل قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الصف: ١٠] المراد به هنا التشويق، وقد يكون المراد بالاستفهام التهويل مثل: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾ [الغاشية: ١] يقول: [﴿هَلْ﴾ استفهام هنا للتعجب والتشويق إلى استماع ما بعده ﴿أَتَاكَ﴾ يا محمَّد] جعل المؤلف الخطاب هنا للرسول ﵊، ولكن يجوز أن يكون الأمر كما ذهب إليه المؤلف، ويجوز أن تكون الكاف لكل مَن يصح خطابه، أي: وهل أتاك أيها المخاطب، وإذا قلنا بهذا القول صارت دلالة الآية أعمّ.
والقاعدة عندنا في التفسير أنه كلما كان أعم فإنه أولى، وعليه فيكون المراد بالكاف هنا المخاطبة لكل من يصح خطابه، واعلم أن كل خطاب في القرآن الكريم موجه إلى مخاطب فإنه على ثلاثة أقسام:
الأول: أن يدل الدليل على أنه عامّ فيؤخذ بعمومه.
الثاني: أن يدل الدليل على أنه خاصّ فيؤخذ بخصوصه.
الثالث: أن لا يكون هناك دليل لهذا ولا لهذا فيؤخذ بعمومه.
مثال الأول: قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ [الطلاق: ١]
стр. 93
فـ ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ﴾ خطاب موجّه إلى النبي ﵊، لكن حكمه عامّ؛ لقوله: ﴿إِذَا طَلَّقْتُمُ﴾ فجعل الحكم عامًا لجميع الأمة.
وما دل الدليل على خصوصه فمثل قوله تعالى: ﴿يس (١) وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ (٢) إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [يس: ١ - ٣] هذا خطاب خاصّ بالرسول ﵊ لا يَشْرَكُهُ غيره.
وما كان محتملًا لهذا وهذا، فهو كثير ومنه هذه الآية ﴿وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ﴾.
﴿وَهَلْ أَتَاكَ﴾ مر علينا قريبًا الفرق بين أتاك وآتاك، ﴿نَبَأُ الْخَصْمِ﴾ نبأ بمعنى خبر، ولكنه لا يقال غالبًا إلا في الخبر الهام ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ (١) عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ﴾ [النبأ: ١ - ٢]. فهنا نبأ بمعنى خبر، لكنه في أمر هام، وقوله: ﴿الْخَصْمِ﴾ أي: المتخاصمين بدليل قوله: ﴿إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ﴾ فالخصم لفظه مفرد لكن معناه الجمع، وسمّي المتخاصمون خصمًا؛ لأن كل واحد منهما يريد أن يَخْصِمَ صاحبه، أي: أن يغلبه في الحجة، ويقطع حجته ﴿إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ﴾ قوله: إذ متعلقة ولا يصح أن تتعلق بـ ﴿أَتَاكَ﴾؛ لأن تسورهم للمحراب سابق ولا بـ (النبأ)؛ لأن تسورهم للمحراب أيضًا سابق، ولكنها تتعلق بشيء مقدر يدل عليه السياق، يعني اذكر إذ تسوروا المحراب. قال المؤلف: [محراب داود، أي: مسجده، حيثما مُنعوا الدخول عليه من الباب لِشَغَلِهِ بالعبادة ﴿تَسَوَّرُوا﴾ بمعنى دخلوا مع سوره لأن المكان مسور, لأنه بيت يتعبد فيه، فهو مسور وله أبواب، فجاؤوا ذات يوم -أي الخصم- فوجدوا الباب مغلقًا، والخصوم كما
стр. 94
تعرفون كل ذي حاجة فهو أعمى، قالوا: هذا الذي أغلق باب بيته أو محرابه نتسلق أو نتسور عليه، نأتيه من فوق، فتسوروا المحراب، يقول المؤلف: [حيث مُنعوا الدخول عليه من الباب لِشَغَلِهِ بالعبادة، أي: خبرُهم وقصتُهم] فهو ﵊ أغلق الباب, لأنه أراد أن يتعبد لله، وهذا لا شك أنه يمنع من وصول الخصوم إليه، لكن الله سلط هؤلاء حيث جاؤوا فوجدوا الباب مغلقًا، أو مُنعوا من الدخول، فتسوروا المحراب من السور.
قال الله تعالى: ﴿إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُودَ﴾ "إذ" بدل من "إذْ" الأول، ويحتمل أن تكون متعلقة بتسوروا، وأنا أقول هكذا؛ لأن إذ: ظرف، والظرف والجار والمجرور لا بد لهم من متعلق، ﴿فَفَزِعَ مِنْهُمْ﴾ أي: خاف، وذلك لأنهم جماعة وتسوروا المحراب، ومثل هؤلاء يخيفون. أرأيت لو أن أحدًا تسوّر عليك البيت وهم جماعة، لا شك أنك ستخاف، والخوف هنا طبيعي تقضيه الطبيعة والجبلة، ففزع منهم، فلما رأوه قد فزع ﴿قَالُوا لَا تَخَفْ﴾ يعني أننا ما جئنا لقتل ولا نهب ولا تخريب ﴿خَصْمَانِ﴾ أي: نحن خصمان، [قيل: فريقان ليطابق ما قبله من ضمير الجمع، وقيل: اثنان، والضمير بمعناهما]، يعني خصمان، أي: طائفتان مختصمتان، والذين قالوا: إن المراد هنا بالخصمين الطائفتان استدلوا بدليل الجمع السابق، وهو قوله: ﴿تَسَوَّرُوا﴾ و ﴿دَخَلُوا﴾ وقيل: إنهم خصمان، أي: رجلان اثنان اختصموا، [والضمير بمعناهما]، أي: ضمير الجمع السابق بمعنى هما، أي: بمعنى الاثنين، ولكن الذي يظهر الأول، خصمان، أي:
стр. 95
فريقان مختصمان, لأن ذلك هو المطابق لضمير الجمع، ولأن ذلك هو الذي يحصل منه الفزع؛ لأنهم إذا كانوا جماعة صار الفزع منهم أكثر.
وقول المؤلف: [والخصم يطلق على الواحد وأكثر، صحيح فيقال لمدّعٍ خصم ومدعَى عليه خصم، ولو كان واحدًا، ويقال لجماعة مع جماعة: هم أيضًا خصم.
يقول المؤلف ﵀: [وهما مَلَكان جاءا في صورة خصمين، وقع لهما ما ذُكر على سبيل الفرض لتنبيه داود على ما وقع منه، وكان له تسع وتسعون امرأة، وطلب امرأة شخص ليس له غيرها، وتزوجها ودخل بها] يقول المؤلف: إن هذين الخصمين مَلَكان أرسلهما الله إلى داود من أجل أن ينبهه على قضية معينة. هذه القضية كما تقول الإسرائيليات: إنه عشق امرأة رجل، فأمر زوجها أن يخرج للجهاد لعله يُقتل، فإذا قُتل تزوجها، فأرسل الله تعالى إليه الملكين من أجل أن ينبهاه على بشاعة هذه القضية, لأنها بشعة من أدنى الناس فكيف تكون من نبي؟ ! وكأن الله لم يشأ أن ينبهه بالوحي فيقول: يا داود لِمَ تفعل كذا؟ كما نبَّه الله آدم حينما أكل من الشجرة بدون ضرب مثل، وكذلك نبه الله محمدًا ﵊ حين عفى عن قوم من المنافقين بدون أن يتبين أمرهم بدون ضرب مثل، ونبّهه على تحريمه ما أحل الله له لابتغاء مرضاة أزواجه بدون ضرب مثل، إلى غير ذلك من الشواهد الكثيرة التي تدل على أن الله ينبه على ما يحصل من
стр. 96
الرسل بدون أن يضرب لهم أمثالًا، لكن هذه القصة الإسرائيلية أبت إلا أن يضرب مثلًا لفعل داود المدّعى المزعوم.
والحقيقة أن هذه القصة باطلة، لا يحل لأحد أن يعتقدها في داود ﵊، أنه عشق امرأة رجل وأراد أن يتزوجها، وأنه كان عنده تسع وتسعون امرأة، فأراد أن يكمل بها المئة. هذا غير لائق بأدنى واحد من الناس فضلًا عن نبي من أنبياء الله، لكن اليهود -لعنة الله عليهم- لا يبالون أن يلطخوا الأنبياء كما لطخوا مَنْ أرسلَ الأنبياءَ فقالوا: ﴿يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ [المائدة: ٦٤] وقالوا: ﴿إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ﴾ [آل عمران: ١٨١] وقالوا: إن الله يتعب، فليس غريب أن يلطخوا الأنبياء بالعشق والحيل والمكر، فلهذا لطخوا داود ﵇ بهذه الكذبة.
والصحيح الذي لا شك فيه أنهم خصمان من البشر وليسوا ملائكة، خصمان من البشر تنازعا في قضية بينهما ستأتي في القرآن الكريم، وكل ما سوى ذلك فإنه كذب, لأن القرآن يكذبه فإن القرآن إذا أتى بالقصة فلا بد أن يأتي بها على وجه الكمال؛ لتكون عبرة، وعلى وجه الصراحة؛ لئلا يكون فيها التباس أو اشتباه، فالقصة كما هي في القرآن تمامًا، لا يوجد ملائكة ولا يوجد رجل له زوجة حسناء أرادها داود أبدًا، ولا يجوز للمسلم أن يعتقد هذا في أحد من أنبياء الله.
والقصة هي: أنهم دخلوا عليه فقالوا: ﴿لَا تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ فَاحْكُمْ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلَا تُشْطِطْ﴾ خصمان بغى بعضهما على
стр. 97
بعض، أي: اعتدى عليه؛ لأن البغي هو العدوان، وطلبوا منه: أن يحكم بينهم لكنهم أضافوا كلمة ليست بجيدة قالوا: ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ﴾ ومثل هذا لا ينبغي أن يقال لنبي من الأنبياء، بل ولا ينبغي أن يقال لأي حَكَم يُتحاكم إليه، لأنك إذا تحاكمت إلى رجل مع خصمك فإنكما تعتقدان أن ما يقوله هو الحق. ليس الحَكَم في مقام تهمة حتى يقال: احكم بيننا بالحق، ولهذا انتقد الصحابة ﵃ في قصة العسيف (١) الذي زنى بامرأة من استأجره لما حضر أبو الولد الزاني وزوج المرأة، قال أحدهما: للرسول ﷺ : أَنْشُدُك اللهَ إلا قضيتَ بيننا بكتاب الله، فناشد الرسولَ ﷺ أن يقضي بينهم بكتاب الله، قالوا: وقال الآخر، وكان أفقه منه: نعم فاقض بيننا بكتاب الله، ولم يناشد الرسول ﷺ ، لأن طلبَ المناشدة في هذا المقام خطأ. فأنت ما جئت إليه إلا وأنت تعلم أنه يحكم بكتاب الله، فلا حاجة لأن تناشده.
هؤلاء قالوا: ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ﴾ وهو لن يحكم إلا به حتى بإقرارهم، لأنهما جعلاه حكماً ﴿تُشْطِطْ﴾ الشطط يعني النقص أو الجور، ولهذا قال المؤلف في تفسيره: [لا تحر] أي: لا تجر بالحكم فتميل مع أحدنا ﴿وَاهْدِنَا﴾ أرشدنا ﴿إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ﴾ وسط الطريق الصواب] يعني إذا حكمت فاحكم بالحق، بالعدل، بدون جور ﴿وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ﴾ أي: دلنا إلى الصراط السواء، يعني إلى
стр. 98
وسط الصراط، أو إلى الصراط المستقيم، وعليه فتكون ﴿سَوَاءِ﴾ من باب إضافة الصفة إلى موصوفها. يعني اهدنا إلى الطريق السوي العدل، والهداية هنا هداية دلالة وإرشاد لأنه لا يستطيع أن يجبرهم على ما يحكم به، لكن هي دلالة، فلو قال المؤلف في ﴿وَاهْدِنَا﴾ لو قال: دلنا لكان أحسن.
والقضية هي: أن أحد الخصمين قال: ﴿إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً﴾ سبحان الله، هذان الخصمان غريبان، يتخاصمان ثم يقول أحدهما للآخر: ﴿إِنَّ هَذَا أَخِي﴾ والخصومة عادة، أن الخصم يسبّ خصمَه فيقول: هذا المعتدي الظالم الفاجر، أما هذا فقال: ﴿إِنَّ هَذَا أَخِي﴾ وهو يدل على أن الخصومة ليست تحمل وراءها شيئاً من العداوة والبغضاء.
قال المؤلف: [﴿إِنَّ هَذَا أَخِي﴾ أي: على ديني] وقال المؤلف هذا؛ ليفيد أن الأخوة هنا ليست أخوة نسب، بل هي أخوة الدين، ﴿لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً﴾ أي: مئة إلا واحدة.
و﴿نَعْجَةٌ﴾ منصوبة على أنها تمييز، وكلّ عدد له تمييز، لأن العدد إذا لم يذكر المعدود كان مبهماً، وإذا ذكر المعدود كان هذا تمييزه، ثم هذا التمييز قد يكون مجروراً وقد يكون منصوباً ففي قولنا: عشرة رجال، التمييز مجرور، وفي قولنا: عشرون رجلًا، التمييز منصوب، هنا ﴿نَعْجَةٌ﴾ التمييز منصوب؛ لأن كل ألفاظ العقود من عشرين إلى تسعين كلها يكون تمييزها منصوباً.
стр. 99
قال المؤلف في تفسير ﴿نَعْجَةٌ﴾: [يعبر بها عن المرأة] يفيد بأن هذا ليس هو الأصل في النعجة، وهو كذلك، فالأصل أن النعجة أنثى الغنم، أنثى الشياه وليست هي المرأة، فإذا كان هذا هو الأصل فمن ادعى أن المراد بالنعجة هنا المرأة فعليه الدليل، لأن كل من ادعى خلاف الأصل فعليه الدليل، فالنعجة ليست هي المرأة، في هذه الآية، بل هي واحدة الضأن.
قال الله : ﴿إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ﴾ أي: مئة إلا واحدة ﴿وَلِيَ نَعْجَةٌ﴾ وأكّدها بقوله: ﴿وَاحِدَةٌ﴾ من أجل تقليلها، وإلا فإن الواحدة مفهومة من قوله: ﴿وَلِيَ نَعْجَةٌ﴾ لكنه قال: ﴿وَاحِدَةٌ﴾ تأكيداً للقلة، أي: ليس لي إلا واحدة شم قال: ﴿أَكْفِلْنِيهَا﴾ أي: اجعلني كافلها، وذلك بأن تضمها إلى نعاجي؛ لأنه إذا ضمها إلى نعاجه صارت في ملكه، وهو الكافل لها، ﴿وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ﴾ غلبني في الخطاب، قال المؤلف: [أي: الجدال] يعني أنه صار يجادلني حتى غلبني فأقررت له [وأقره الآخر على ذلك] الآخر يعني المدّعَى عليه، وليس في الآية ما يدلّ على أن المدّعَى عليه أقرّ أو أنه أنكر. المدَّعَى عليه مسكوت عنه، فدعوى أنه أقرّه يحتاج إلى دليل، ولو كان هذا هو الواقع لذكره الله ، لما في حذفه من الإيهام الذي يجعل حكم داود حكماً فيه شيء من الجور. لأن حذفه يؤدي إلى سوء الظن بداود ﵊، حيث لم يستكمل مجريات القضية.
فالظاهر -والله أعلم - أن داود ﵊ لما سمع هذا العدوان من هذا الشخص الذي أنعم الله عليه بنعم كثيرة، ثم
стр. 100
ذهب يحاول أن يستلب حقّ هذا الفقير الذي ليس عنده إلا نعجة واحدة، كأنه ﵊ غضب وحكم للمدَّعي فقال: ﴿لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ﴾ الجملة هنا مؤكدة بثلاث مؤكدات: القسم المقدر واللام وقد، لأن تقدير الكلام: والله لقد ظلمك.
وقوله: ﴿ظَلَمَكَ﴾ أصل الظلم في اللغة: النقص، ومنه قوله تعالى: ﴿كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا (٣٣)﴾ [الكهف: ٣٣] ويطلق في الشرع على النقص والعدوان، يعني على نقص الحقّ والعدوان في طلب ما ليس للإنسان، فهو في الحقيقة العدوان سواء كان بنقص ما يجب أو بادعاء ما لا يستحق، فمن ضرب شخصاً أو أخذ ماله، قيل: إنه ظلمه، ومن جحد ما هو له وأنكر، قيل: إنه ظلمه. والظلم في قوله ﴿لَقَدْ ظَلَمَكَ﴾ من العدوان، ولهذا قال المؤلف: [﴿لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ﴾ ليضمها ﴿إِلَى نِعَاجِهِ﴾] قدر المؤلف: ليضمها، من أجل أن يصح التعبير بـ "إلى" لأن السؤال لا يتعدى بـ "إلى" لكنه مضمن معنى الضم، أي: بسؤاله أن يضم نعجتك إلى نعاجه.
وجه الظلم في هذا ظاهر، لأن صاحب التسعة والتسعين قد أنعم الله عليه نعمة كبيرة، وصاحب الواحدة معدم فقير، وأيضاً فإن هذه الواحدة ملك له، فكيف يعتدي هذا ويقول: أعطنيها، ويلح عليه حتى يغلبه في الحجاج والخاصمة.
ثم قال داود: ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ﴾ الشركاء ﴿لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ﴾ عندنا كثير وقليل، كثير يبغي بعضهم على بعض، وقليل لا يبغي بعضهم على بعض، فالقليل
стр. 101
الذي لا يبغي بعضهم على بعض هم الذين وصفهم الله بقوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ فالمؤمن العامل للصالحات لا يحدث منه البغي لما معه مِن الإيمان والعمل الصالح، ومَن فاته شيء مِن هذا الوصف حصل منه مِن البغي بمقدار ما فاته مِن الوصف، فمن نقص إيمانه حصل منه البغي، ومَن قلَّت أعماله الصالحة حصل منه البغي، لأن الأعمال الصالحة يجرّ بعضها بعضاً، فإذا عمل الإنسان عملاً صالحاً أتبعه بعمل آخر، لأن للطاعة لذة وسروراً في القلب، إذا قام الإنسان بها ازداد رغبة فيها، وإذا أعرض قلَّت أهمية الطاعات عنده وضعف قصده للطاعات وتجرّأ على المعاصي.
قوله: ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ﴾ يعني الشركاء ﴿لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ اللام في قوله: ﴿لَيَبْغِي﴾ للتوكيد، ويبغي: من البغي، وهو العدوان، وهذا هو الواقع: أن كثيراً من الشركاء يبغي بعضهم على بعض، إما بأخذ بعض من مال الشركة، أو بكتمان الربح لو ربحت، أو التغرير بالمال بحيث يتصرف فيه على وجه ليس فيه حظ للشركة، أو بادعاء أن المشترك ملك خاص له. وأنواع العدوان بين الشركاء كثيرة، ولكن كثيراً من الشركاء يبغي بعضهم على بعض، ولهذا إذا أصلح الشركاء النية، ونصح بعضهم بعضاً أفلحوا، وفي الحديث: "إن الله تعالى يقول: أنا ثالث الشريكين ما لم يخن أحدُهما صاحبه فإذا خانه خرجت من بينهما" (١).
стр. 102
قال الله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ إلا: أداة استثناء وما بعدها في محل نصب، لأن الجملة السابقة كلام تام موجب، وإذا سبق الاستثناء كلام تام موجب وجب النصب. قال ابن مالك:
ما اسْتَثْنَتْ إلاّ مع تمامٍ يَنْتَصِبْ ... وبَعْدَ نَفْى أو كَنَفْيٍ انْتُخِبْ
إتباعُ ما اتَّصَلَ وانْصِبْ ما انْقَطَعْ ... وعَنْ تميمٍ فيه إبدالٌ وَقَعْ
ولتمام الفائدة: إذا جاءت "إلا" بعد كلام تام موجب وجب نصب ما بعدها على الاستثناء، وإذا جاءت بعد كلام تام منفي، أي: مستكمل المفاعلة لكنه منفي، جاز فيما بعدها وجهان: الأول: النصب على الاستثناء، وإتباع ما بعدها لما قبلها في الإعراب، إلا إذا كان الاستثناء منقطعاً، أي: أن ما بعد "إلا" ليس من جنس ما قبلها فيجب النصب، وإذا وقعت "إلا" بعد كلام منفي ناقص كانت بحسب العوامل التي قبلها، إن كان العامل يقتضي رفعاً رُفع، وإن كان يقتضي نصباً نُصب، وإن كان يقتضي جرّاً جُر،
ونضرب لذلك أمثلة: (قام القومُ إلا زيداً)، بالنصب، لأن الكلام تام موجب. قام القومُ تم الكلام، موجب ليس به نفي، فتقول: إلا زيداً، وإذا قلت: (ما قام القوم إلا زيداً، أو إلا زيدٌ) جاز الوجهان الرفع على البدل، والنصب على الاستثناء، فيجوز أن تقول: (ما قام القوم إلا زيدٌ) بتنوين ضم، أو (ما قام القوم إلا زيداً) بتنوين الفتح.
стр. 103
أما قولنا: (ما قام القوم إلا بعيراً)، هنا يتعين النصب، لأن البعير ليس من جنس القوم، فالاستثناء منقطع، فيجب النصب هنا لتعذر البدلية، وعلى هذا إذا قال قائل: ما قام القوم إلا بعيرٌ قلنا: هذا خطأ، لأن الاستثناء منقطع فيجب النصب، وإذا قلت: (ما قام إلا زيدٌ) بالرفع؛ لأن ما قبلها ناقص منفي، فيجب أن تقول: (ما قام إلا زيدٌ)، وفي قولنا: (ما رأيت أحداً إلا زيداً) هذا تام منفي، وهذا منصوب على كل حال، ويجوز الوجهان، لكنه منصوب لأنك إن قلت: ما رأيت أحداً إلا زيداً، هو مستثنى فهو منصوب، وإن أعربته بدلاً فهو منصوب، إذاً يجوز الوجهان إعراباً أما شكلاً فلا يجوز إلا وجهاً واحداً وهو النصب، لأنك حتى وإن جعلته بدلاً سيكون منصوباً.
وفي الآية هنا ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ تام موجب، فالذين إذاً في محل نصب. ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ آمنوا بقلوبهم، وعملوا الصالحات بجوارحهم.
والعمل يطلق على القول والفعل، بخلاف الفعل فإنه يطلق على فعل الجوارح والقول على قول اللسان. ﴿الصَّالِحَاتِ﴾ هذه صفة لموصوف محذوف، أي: عملوا الأعمال الصالحاتِ، وجمعها باعتبار أنواع الصالحات: صلاة، وصدقة، وصيام، وحج، وبر، وصلة، وأنواع كثيرة فلهذا جمعت. وأحياناً يقول: عَمِلَ صالحاً فيفرد باعتبار جنس العمل على سبيل العموم.
والأعمال الصالحات قال أهل العلم: هي ما جمعت شرطين، وهما: الإخلاص لله، والمتابعة لرسوله ﷺ ، فلا صلاح مع شرك،
стр. 104
ولا صلاح مع بدعة، قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠)﴾ [الكهف: ١١٠]، وعلى هذا لو أن رجلاً صلىّ رياء فعمله غير صالح لفقد الإخلاص. ولو أن رجلًا تعبد لله بما لم يشرعه الله، ولكنه مخلص يريد التقرب إليه، لا يريد شيئاً من الدنيا، فعمله غير صالح لعدم المتابعة.
وقد دل على بطلان ما فيه الشرك آيات من القرآن متعددة، وأحاديث من السنة متعددة، مثل قوله ﷺ عن الله تعالى في الحديث القدسي: "قال الله ﵎: أنا أغنى الشركاء عن الشرك، مَن عمل عملاً أشرك فيه معي غيري تركتُه وشِرْكَه" (١).
ودل أيضاً على اشتراط المتابعة آيات وأحاديث منها قوله ﷺ : "من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد" (٢) أي: مردود عليه.
قال الله تعالى: ﴿وَقَلِيلٌ مَا هُمْ﴾ الواو: حالية، وقليل: خبر مقدم، وهم: مبتدأ مؤخر، يعني وهم قليل، و"ما" في قوله: ﴿وَقَلِيلٌ مَا هُمْ﴾ زائدة لفظاً وزائدة معنى، والمقصود بها تأكيد القلة، أي: قلة قليلة من العباد الصالحين من المؤمنين العاملين للصالحات.
وإذا تدبرنا الواقع وجدنا الآية منطبقة تماماً عليه، فإن الله يقول يوم القيامة: "يا آدم، فيقول: لبيك وسعديك. فيقول: أخرج بعث جهنم من ذريتك فيقول: يا ربِّ كم أُخرج؟ فيقول: أخرجْ من كل
стр. 105
مئةٍ تسعة وتسعين" (١) هؤلاء كلهم في النار وواحد في الجنة، إذاً القلة قليلة، واحد من مئة قليل جهداً. قال أبن القيم في النونية:
يا سلعةَ الرحمن ليس ينالُها ... في الألفِ إلاّ واحدٌ لا اثنانِ
إذن نقول: إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات من بني آدم قليلون جهداً، ويؤكد القلة قوله: ﴿مَا﴾ في ﴿وَقَلِيلٌ مَا هُمْ﴾ قال المؤلف ﵀: [﴿مَا﴾ لتأكيد القلة، فقال الملكان صاعدين في صورتيهما إلى السماء: قضى الرجلُ على نفسه، فتنبَّه داود] الرجل يعني داود، لأنه حسب القصة الإسرائيلية المزعومة أن له تسعاً وتسعين امرأة، فطلب من رجل ليس عنده إلا امرأة واحدة أن يطلق امرأته ليتزوجها داود. وفي وجه آخر للقصة أنه أمره أن يخرج في الجيش من أجل أن يُقْتل حتى يتزوج امرأته. وقد بينا أن هذا لا دليل عليه، وأنه لا يليق بمقام العقلاء فضلاً عن الأنبياء، وأن هذه قصة مزعومة من اليهود، فهم الذين ركبوها على داود ﵇، لأن اليهود لا يعتقدون داود نبياً، وإنما هو على زعمهم مَلِك.
قال تعالى: ﴿وَظَنَّ دَاوُودُ﴾ قال المؤلف: [أي: أيقن أنما أوقعناه في فتنة، أي: بلّية بمحبته تلك المرأة] ظن، أي: أيقن، وإنما نفسره باليقين لأن الأمر أمر واقع من داود حسب القصة، والشيء الواقع لا يقال: إنه ظن، بل يقال: إنه علم، فإن قال قائل: هل لديك شاهد على أن الظن يأتي بمعنى العلم؟ قلت: نعم، قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّهَا
стр. 106
لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ (٤٥) الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ٤٥: ٤٦] إيماناً بملاقاة الله ، بل يجب على الإنسان أن يؤمن إيماناً يقينياً بأنه ملاقٍ ربه، والظن لا يكفي فيه، وإذا كان الظن لا يكفي فلا يمكن أن يكون مدحاً.
[﴿وَظَنَّ دَاوُودُ﴾ أيقن ﴿أَنَّمَا فَتَنَّاهُ﴾ قال: أوقعناه في فتنة، أي: بلّية]. هذا ما ذهب إليه المؤلف ﵀ بناء على صحة القصة، ولكن الصحيح أن المراد بالفتنة الاختبار، فتناه، أي: اختبرناه، لأن الفتنة من معانيها الاختبار، قال الله تعالى: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ [الأنبياء: ٣٥]، أي: اختباراً وابتلاءً، كما قال تعالى عن سليمان: ﴿هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ﴾ [النمل: ٤٠] إذاً ﴿أَنَّمَا فَتَنَّاهُ﴾ أي: اختبرناه، وعلى رأي المؤلف، أي: ابتليناه بمحبة تلك المرأة، ولكن هذا ليس بصحيح. ﴿وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ﴾ الصحيح أنما اختبرناه، ولكن بأي شيء اختبرناه، لننظر:
أولاً: داود ﵇ مأمور بأن يحكم بين الناس، فإنما وظيفته عامة، واختصاصه في الوقت بدخوله المحراب، وإغلاق الباب عليه، هذا يخالف مقتضى وظيفته. إذ مقتضى وظيفته أن يتفرغ للناس حتى يقابل الخصوم ويحكم بينهم، هذه واحدة، ولهذا سيأتينا - إن شاء الله - في الفوائد، أنه لا يجوز للحاكم بين الناس، ولمن كان في وظيفة عامة أن يشتغل بشيء خاص لنفسه.
стр. 107
ثانياً: أن داود ﵇ سمع كلام الخصم الأول ولم يستمع إلى كلام الخصم الآخر، لأن القرآن ليس فيه أنه سمع إلى كلام الخصم الآخر.
ثالثاً: أنه حكم وقال: ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ﴾ والحكم قبل سماع جواب الخصم الآخر فيه شيء من التسرع ما دام الخصم حاضراً.
لهذا علم داود ﵊ أن الله تعالى ابتلاه بهذه الخصومة التي جاءت وهو يتعبد في محرابه وتسوروا عليه المحراب، فاستغفر ربه وخر راكعاً وأناب.
قال الله تعالى: ﴿فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ﴾ أي: طلب المغفرة، والمغفرة لغة: مأخوذة من المِغْفَر، وهو ما يستر به الرأس ليتقى به السهام. أما شرعاً: فالمغفرة هي ستر الذنب والتجاوز عنه، أي: إن الله يستر على العبد ذنبه فيما بينه وبين الخَلْق، ويتجاوز عنه فيما بينه وبين العبد، وهنا تتحقق الوقاية مع الإخفاء، لأنه إذا سُتِر عن الخَلْق، ثم عفي عنه من جانب الخالق ، حصلت الوقاية بالعفو من الخالق، والثاني الستر بعدم إظهار الخلق عليها.
فداود ﵊ طلب من ربه أن يغفر له ما جرى منه ﴿وَخَرَّ رَاكِعًا﴾ خَرّ بمعنى نزل من أعلى إلى أسفل، ومنه خرير الماء من الميزاب أو من الشلال. وقوله: ﴿رَاكِعًا﴾ حال من فاعل خرّ، ولكن المؤلف ﵀ فسر الركوع بالسجود، فقال: [أي: ساجداً] وذلك لأن الركوع الذي هو الانحناء لا يمكن أن يكون فيه خرور، لأن الراكع
стр. 108
يبقى ثابتاً، ولا يُتَصوَّر الخرور إلا بالسجود، ولكن التعبير بالركوع عن السجود من باب التعبير بالمعنى العام عن المعنى الخاص، لأن أصل الركوع في اللغة العربية هو الذل، كما قال الشاعر:
لا تُهينَ الفقيرَ عَلَّكَ أن ... تركع يوماً والدهرُ قد رفعَهْ (١)
يعني أن تذل، والدهر قد رفعه: أي قد رفع هذا الفقير. إذاً فالذي عين أن يكون الركوع هنا بمعنى السجود هو قوله: ﴿وَخَرَّ﴾ ولكنه عبر بالركوع عن السجود لإظهار أن هذا الركوع ركوع ذلّ لله ، ثم قال: ﴿وَأَنَابَ﴾ أي: رجع إلى الله، والإنابة: الرجوع مع الخشية فهو رجع إلى الله مع خشية الله .
قال الله تعالى: ﴿فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ﴾ أي: سترنا وتجاوزنا، له أي: لداود، واللام في ﴿لَهُ﴾ يحتمل أن تكون للتعدية، أو أن تكون للتعليل، لكنها للتعدية أولى، وفي كونها للتعليل تأمل، أي: أننا غفرنا لداود ذلك الذي وقع منه، وهي الفتنة التي افتتن بها، ولم يتخذ الإجراء اللازم في الحكم.
قال: ﴿وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ﴾ مع المغفرة. أضاف الله له هذه المنقبة ﴿وَإِنَّ لَهُ﴾ أي: لداود عندنا ﴿لَزُلْفَى﴾ قال المؤلف رحمه الله تعالى: [أي: زيادة خير في الدنيا]، ويحتمل أن المرادَ بالزلفى زيادةُ القرب، كما قال تعالى: ﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ (٣١)﴾ [ق: ٣١] أي: قرِّبت، فالزلفى تفسيرها بزيادة الخير فيه شيء من النظر، والصواب أن المراد بالزلفى القربى، أما حسن المآب، فهو زيادة الخير، قال المؤلف
стр. 109
رحمه الله تعالى: [﴿وَحُسْنَ مَآبٍ (٢٥)﴾ مرجع في الآخرة]. هذا هو زيادة الخير، فصارت النتيجة بعد أن وقع من داود ما وقع ثم رجع إلى الله واستغفره، أن الله رفع عنه آثار هذا الذنب، فغفر له، وزاده على ذلك زيادتين عظيمتين مهمتين إحداهما: القرب من الله، والثانية: حسن المآب.
الفوائد:
١ - أن هذه القصة عجيبة، وأنها مثار للعجب ولهذا شَوَّق الله إليها بقوله: ﴿وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ﴾.
٢ - ومن فوائدها: بلاغة القرآن حيث يأتي بمثل هذه الصيغة في الأشياء التي ينبغي للإنسان أن يتشوق إليها، ويهتم بها.
٣ - ومن فوائدها: أن الخصم يطلق على الواحد والمتعدد اعتباراً بالمعنى، فإن الجماعة إذا كانت دعواهم واحدة صاروا كأنهم رجل واحد.
٤ - ومن فوائدها: أن من أتى البيوت من غير أبوابها فإن فعله هذا سبب للخوف والفزع، لقوله: ﴿إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ﴾.
٥ - ومن فوائدها: أن داود ﵊ في هذه الحال كان قد أغلق الباب، أو جعل عليه حاجباً يمنع الناس من الدخول عليه.
٦ - ومن فوائدها: أن الحكم بين الناس أفضل من العبادات الخاصّة، لأن نفعه متعدٍّ، والعبادات الخاصّة نفعُها قاصر.
стр. 110
٧ - ومن فوائدها: أن الأنبياء يلحقهم من الطبائع البشرية ما يلحق غيرهم؛ لقوله: ﴿فَفَزِعَ مِنْهُمْ﴾ حيث لحقه الفزع كما يلحق سائر الناس.
٨ - ومن فوائدها: أنه ينبغي إن لم نقل يجب، أن يطمئن المُفْزِع مَن فزع منه بنفي سبب الفزع قبل كل شيء، حيث قالوا: ﴿لَا تَخَفْ﴾ ثم ذكروا القصة ولم يبدؤوا بالقصة مباشرة.
٩ - ومن فوائد القصة: بيان أن هذين الخصمين قد اعتدى بعضهم على بعض، أي أن المسألة ليست مسألة كلامية، أو ليس فيها عدوان، بل فيها عدوان اعتدى بعضهم على بعض بما ذكروا من السبب.
١٠ - ومن الفوائد: أن هذين الخصمين أساءا الأدب من بعض الوجوه، حيث قالا: ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلَا تُشْطِطْ﴾ ووجه الإساءة أنهم ما جاءا إلى الحَكَم إلا وهما يعتقدان أنه سيحكم بينهم بالحق، فإذا قالا: ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ﴾ فإن هذا قد يولد تهمة من أنه لن يحكم بالحق.
١١ - ومن الفوائد: أن الحُكَم يحتاج إلى إلزام لقولهم: ﴿وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ (٢٢)﴾ فإن هذا أمر زائد على الحُكَم، لأن الحُكَم أن يفصل بينهم، والهداية أن يدلهم على ذلك من أجل إلزامهم به.
١٢ - ومن فوائدها: أن كل البشر يطلب الصراط السوي الذي ليس فيه ميل ولا إجحاف، لقولهم: ﴿وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ (٢٢)﴾.