← Тафсир

Тафсир · id 151159

تفسير العثيمين: ص

ابن عثيمين

Полный текст (253 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

جـ- ومنها - على رأي بعض العلماء من السلف والخلف -: أن يعلَّق بصفة تميمة، أي: يُكتب في جلد أو ما شابهه، ثم يعلَّق على المريض، فإنّ هذا قد اختلف فيه السلف، فرخَّص فيه بعضهم، ومنعه بعضهم. ومن رخَّص فيه، استدلَّ بعموم الأدلة الدالة على أنّ القرآن فيه الشفاء (١). ٩ - ومن فوائد هذه الآية: أنّ مِن أعظم الِحكَم في إنزال القرآن؛ تدبر القرآن، لقوله تعالى: ﴿لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ﴾. ١٠ - ومن فوائدها: حثّ الإنسان على تدبُّر الآيات. وأن لا يُقرأ القرآن قراءةً لفظيةً فقط، فإنّ الله تعالى قد ذمَّ هذا الجنس من الناس، أعني الذين يقرؤونه قراءةً لفظيةً، فقال تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ﴾ [البقرة: ٧٨]. ﴿أَمَانِيَّ﴾: يعني قراءة لفظية فقط، فوصفهم الله بأنهّم أميون لأنهم لم ينتفعوا بالقرآن، إذ لا يمكن أن يُنتفع بالقرآن إلا بفهم معانيه. فإذا لم تُفهم معانيه، صار العربي والعجمي على حدٍّ سواء. ١١ - ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنّ تدبُّر القرآن فرض، لأن العملَ بالقرآن فرضٌ، ولا يتمّ العملُ إلا بالتدبُّر، وما لا يتمُّ الفرضُ إلا به، فهو فرض. ولكن هل التدبر فرض عين، أم فرض كفاية؟ حسب الحال. قد يكون فرضَ عين، وقد يكون فرضَ كفاية، فما لا يتمّ دينُ العبدِ

стр. 142

إلا به، فهو فرضُ عين، وما زاد على ذلك، فهو فرضُ كفاية. ولا بد أن يكون في الأمة الإسلامية مَن يفهم القرآن. ١٢ - ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنّ القرآن كله آيات دالة على المتكلم به ، ولهذا قال: ﴿لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ﴾ ولم يقل: آيات منه، أو عشر آيات، بل كل الآيات. ١٣ - ومن الفوائد أيضاً: أنّ من أعظم ما نزل القرآن لأجله: التذكر، لقوله: ﴿وَلِيَتَذَكَّرَ﴾. ١٤ - ومن فوائدها: أن القرآن الكريم نزل موعظة للناس، كما قال الله تعالى في آيات أخرى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [يونس: ٥٧]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ﴾ [النساء: ٥٨]، فالقرآن نزل ليؤثر، ولم ينزل ليتبرك الإنسان بقراءته، أو ينال الأجر بقراءته فقط، هذا سهل، ولكن لا بد أن يؤثر تذكراً وموعظة. ١٥ - ومن فوائد الآية: أنه لا يتذكر بالقرآن إلا أصحاب العقول، لقوله: ﴿وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (٢٩)﴾. ١٦ - من فوائدها: أن مَن تذكَّر بالقرآن، فهو صاحب عقل، ومَن لم يتذكَّر، فليس له عقل رشد، وجه ذلك أن الله جعل التذكر لمن اتصفوا بالعقول. ١٧ - ومن فوائدها: أنّ لب الإنسان وروحه هو العقل؛ عقل الرشد لأن الله تعالى سمى هذه العقول ألباب، جمع لب، كأسباب: جمع سبب.

стр. 143

قال: ﴿وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ﴾ وهبنا: أعطينا. ووصف الله ذلك بأنه هبة، لأنه محض فضل منه لا يحتاج منا إلى شيء. قال الله تعالى: ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ (٤٩) أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا﴾ [الشورى: ٤٩ - ٥٠] إذاً وهبنا لداود: أعطيناه هبة فضلاً منا. وقوله: ﴿سُلَيْمَانَ﴾ لم ينوّن، لأنّه ممنوع من الصرف للعلمية، ولزيادة الألف والنون. وداود: ممنوع من الصرف للعجمية والعلمية. قال المؤلف: [﴿سُلَيْمَانَ﴾ ابنه]، من أين عرف المؤلف أنه ابنه؟ ألا يجوز أن يكون المراد وهبنا لداود سليمان يعني خادمه؟ الجواب: لا؛ لأنّ الله سمّى الأولاد هبةً في قوله تعالى: ﴿يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ (٤٩) أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا﴾ يعني: يصنِّفهم ذكراناً وإناثاً ﴿وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا﴾ [الشورى: ٥٠]. قال: ﴿نِعْمَ الْعَبْدُ﴾ أي: سليمان، ونعم: فعل ماض جامد لإنشاء المدح، والجملة أُتي بها للمدح والثناء، وعلى نقيضها (بئس) فإنهّا كلمة لإنشاء الذمّ. وقوله: ﴿نِعْمَ الْعَبْدُ﴾ المعروف أنّ (نعم أو بئس) تحتاج إلى فاعل، ومخصوص بالمدح في (نعم)، والذم في (بئس)، ﴿نِعْمَ الْعَبْدُ﴾ العبد: هو الفاعل، نعم في الماضي والعبد فاعل والمخصوص بالمدح: إمّا أن نقدره اسماً ظاهراً، أو ضميراً.

стр. 144

﴿إِنَّهُ أَوَّابٌ (٣٠)﴾ هذا سبب ثناء الله على سليمان ﴿إِنَّهُ﴾ أي: سليمان. ﴿أَوَّابٌ﴾ أي: رجّاع إلى الله ، سواء كان ذلك بترجيع الصوت بالذِّكر، أو بالرجوع إلى طاعة الله . والظاهر أن الآية شاملة للمعنيين: ﴿إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ رجّاع إلى طاعة الله، و ﴿أَوَّابٌ﴾ رجّاع بالتسبيح، أي: يرجّع الصوت به ويردِّده. يقول المؤلف ﵀: [رجّاع بالتسبيح والذِّكر في جميع الأوقات] ولكن الصحيح أنه أعم مما قال المؤلف؛ أنّه رجّاع بالتسبيح والذِّكر، وكذلك رجّاع إلى الله بالتوبة والطاعة. وقوله: ﴿إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ (٣١)﴾. ﴿عُرِضَ﴾ العارض، أبهمه للتفخيم، لأن الفعل هنا مبني للمجهول. يعني كأنه يوحي بأنّ له جنوداً كثيرة يعرضون عليه ما يعرِضون. وقوله: ﴿بِالْعَشِيِّ﴾ هو ما بعد الزوال إلى غروب الشمس، وقوله: ﴿بِالْعَشِيِّ﴾ الباء هنا للظرفية؛ أي: فيه، ولكن الغالب أنّ الباء إذا جاءت في مكان "في" أنها تكون مستوعبة لجميع الوقت، كأنّ العشي صار كله مُستَوعباً؛ لهذا العرض، لكثرة الخيول التي تُعرَض عليه. ﴿الصَّافِنَاتُ﴾ الصافنات مرفوعة وهي نائب فاعل ﴿عُرِضَ﴾. فإذا قال قائل: ﴿الصَّافِنَاتُ﴾ جمع، والفعل مذكر ﴿عُرِضَ﴾ وهذا جمع ذات حِرٍ، يعني جمع مؤنث حقيقي، وابن مالك يقول في تاء التأنيث:

стр. 145

وتاءُ تأنيثٍ تلي الماضي إذا ... كان لأنثى كأبَتْ هندُ الأذى وإنّما تَلزمُ فعلَ مُضْمَر ... مُتَّصِلٍ أو مُفْهِمٍ ذاتَ حِرِ نقول: إنّما لم يجب التأنيث لوجود الفاصل، وهو قوله: ﴿عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ﴾. ﴿الصَّافِنَاتُ﴾ قال المؤلف: [الخيل، جمع صافنة، وهي القائمة على ثلاث، وإقامة الأخرى على طرف الحافِر، وهو من صَفنَ يَصْفِنُ صُفوناً]. ﴿الصَّافِنَاتُ﴾ هي: الخيل تقوم على ثلاث أرجل، وترفع الرابعة قليلًا، بحيث يكون طرف الحافر على الأرض، وهذا يدل على قوتها. وهو أيضاً من ناحية الجمال أجمل عند رؤيتها. ولو تصوَّرت الخيلَ مصفوفةً صافنةً، لكان لها أُبهّة، وتشعرُ بشيءٍ من العَظَمة من هذا المشهد الذي تشاهده. قوله تعالى: ﴿الْجِيَادُ (٣١)﴾ قال المؤلف: [جمع جواد، وهو السابق، المعنى: أنها إذا استُوقِفَت سكنت، وإن ركضت سبقت] يعني: أنّ هذه الخيل التي عُرضت عليه موصوفة بهذين الوصفين: أنها من الصوافن، وأنها من الجياد؛ فهي إذا استُوقِفت وقفت على أحسن هيئة، وهو الصّفون، وإذا ركضتْ؛ ركضتْ على أكمل هيئة، وهي الجود. جيدة في السّبق، وتتحمل المشاق، ولو طال السير، وهذا غاية ما يكون من جمال الخيل؛ أن تكون هيئتها حين الوقوف ممّا يسر النفس، وأن يكون فعلها وأداؤها حين السير مما ينفع، لكونها من ذوات الجود.

стр. 146

وقول المؤلف: [كانت ألف فرس، عُرضت عليه، بعد أن صلَّى الظهر، لإرادته جهاد العدوِّ عليها، فعند بلوغ العرض منها تسع مئة، غربت الشمس، ولم يكن صلى العصر، فاغتم]. تقديره هذه الخيل بألف فرس يحتاج إلى دليل عن معصوم، عن النبي ﷺ ، وليس هناك دليل عن رسول الله ﷺ بأنها ألف أو ألفان أو أقلّ أو أكثر. وحينئذ تكون مسؤوليتنا أن نقفَ حيث يقف القرآن، فلا نحددها بألف ولا بأكثر ولا بأقل، إنما هؤ عُرضت عليه في آخر النهار هذه الخيول الصافنات الجياد، فلما عرضت عليه نسي أن يصليِّ لقوة ما في قلبه من التعلُّق بهذه الخيول التي أعدّها للجهاد في سبيل الله، أو أعدها للزينة والتمتع؛ لأن سليمان كان من الأنبياء الملوك، قال تعالى: ﴿وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾ [ص: ٣٥] والملوك من عادتهم أن يُسّروا ويبتهجوا بالنظر إلى الخيول، وسواء كان أعدّها للجهاد إن كان قد أُمر به، أو أعدّها للتمتع بها بصفته أنه ملك ﴿فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي﴾. أحببت، أي: أردت، حب الخير. يعني محبة الخير، والخير يطلق على المال عموماً، كما في قوله: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ (٦) وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ (٧) وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ [العاديات: ٦] أي: لحب المال، والدليل على أن الخير هو المال قولُه تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ﴾ [البقرة: ١٨٠]. فقوله: ﴿حُبَّ الْخَيْرِ﴾ أي: حب المال، وتفسير المؤلف ﵀ لهذا الخير بالخيل أخص من دلالة اللفظ، وقد مرَّ علينا أنه لا

стр. 147

يجوز أن يفسر اللفظ الأعم بالمعنى الأخص، لأنَّ هذا قصور في التفسير، لكن قد يكون عذر المؤلف أن السياق في الخيل، فيكون حمله لهذا العامّ على الخاصّ بقرينة السياق. وهنا إشكال، وهو قوله: ﴿أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ﴾ هل الحب يُحب؛ أي: لو قال قائل: لماذا لم تكن الآية: إنِّي أحببت الخير، كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ [العاديات: ٨]؟ لقد أوَّل المؤلف ﵀ المحبّة التي جاءت بلفظ الفعل بالإرادة فقال: " [﴿إِنِّي أَحْبَبْتُ﴾ أي: أردت ﴿حُبَّ الْخَيْرِ﴾] لكنَّه ﵀ وإن تخلص من تضارب اللفظ لم يتخلص من فساد المعنى؛ لأنَّه إذا قال: أردت ﴿حُبَّ الْخَيْرِ﴾ فالمراد قد يحصل، وقد لا يحصل مع أن حبه حاصل. والجواب أن نقول: إن ﴿أَحْبَبْتُ﴾ الأوَّل على بابها و ﴿حُبَّ﴾ الثَّانية على بابها من باب التوكيد، كأنه أَحَبَ حُبَ الخير فضلاً عن الخيل، ومن أحب حب الشيء لزم أن يكون محباً للشيء، كما لو قلت: أنا أحب أن أحب فلانًا، أو أنا أحب أن أحب قراءة الكتاب الفلاني، فيكون هذا من باب التوكيد، كأنه كرّر المحبة مرتين، وبهذا نتخلص من الإيراد الذي يَرِدُ على تفسير المؤلف ﵀. وقوله تعالى: ﴿عَنْ ذِكْرِ رَبِّي﴾، قال المؤلف: [أي: صلاة العصر]، وهذا أيضاً فيه تفسير للعامّ بما هو أخصّ، وهو قصور في التفسير، وذلك لأنَّ الذِّكر أعمّ من الصَّلاة، فكل صلاة ذكر، وليس كل ذى صلاة، إذاً إذا فسَّرنا الذِّكر بالصلاة فقد فسَّرنا الأعمّ

стр. 148

بالأخصّ، وهذا قصور، لكن ربما يُعتذر عن المؤلف بسياق الآية، ولكن هذا العذر لا يقبل؛ من الذي يقول: إن سليمان أراد بذكر ربه صلاة العصر؟ إذ قد يكون أنه أراد ذكر الله في المساء، لأن المساء له أذكار معينة، وتكون صلاة العصر داخلة في هذا الذكر، وهذا هو الصحيح، أن المراد بالذكر في قوله: ﴿ذِكْرِ رَبِّي﴾ عموم الذكر، الذي يدخل فيه صلاة العصر. وقوله: ﴿عَنْ ذِكْرِ رَبِّي﴾ يشمل التذكر الذي هو ذكر القلب، ويشمل القول الذي هو ذكر اللسان، ويشمل الفعل الذي هو أفعال الجوارح إذا أدخلنا صلاة العصر في هذا؛ لأن صلاة العصر تشتمل على أنواع الذكر الثلاثة، فيها ذكر بالقلب، وذكر باللسان، وذكر بالجوارح. وقوله: ﴿عَنْ ذِكْرِ رَبِّي﴾ في إضافة الربوبية إلى الله، استعطاف من سليمان لله حيث أذعن له في الربوبية التي تقتضي أن يكون مشغولاً بذكره . وقوله: ﴿إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي﴾ استشكل بعض العلماء تعدي الفعل بـ "عن". قيل: إن "عن" تعني البدلية هنا، أي: بدل ذكر ربي، وقال بعض العلماء: إن ﴿أَحْبَبْتُ﴾ ضُمّن معنى آثرت، أي: آثرت حب الخير عن ذكر ربي. ومرّ علينا فيما سبق أنه إذا جِيء بمُتعلِّق لا يناسب المتعلَّق ظاهراً فإن لعلماء النحو في ذلك قولين:

стр. 149

الأوَّل: تضمين المتعلَّق معنى يناسب المتعلَّق. والثَّاني: أن يضمَّن الحرف الذي لا يناسب المتعلَّق حرفاً يناسب المتعلَّق. وذكرنا أن الأولى أن يكون التجوز بالفعل. قوله: ﴿حَتَّى تَوَارَتْ﴾ قال المؤلف: [أي: الشَّمس (٣٢)﴾ أي: استترت بما يحجبها عن الأبصار]. إذا قال قائل: ﴿تَوَارَتْ﴾ الفاعل ضمير مستتر، والشمس لم يسبق لها ذكر، فلماذا لا يقال: ﴿حَتَّى تَوَارَتْ﴾ أي: الخيل ﴿بِالْحِجَابِ﴾ يعني أنَّها أبعدت حتَّى استترت عنه، وكأنه شغل بالنظر إليها، وهي تتطارد وتتسابق حتَّى وصلت إلى مسافة بعيدة بحيث غابت عنه؟ نقول: لا شك أنَّه معنى محتمل في الآية: ﴿إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ (٣٢)﴾ أي: هذه الخيول أبعدت واستترت. ولكن وردت أحاديث تؤيد ما ذهب إليه المؤلف من أن التي توارت هي الشَّمس. ﴿بِالْحِجَابِ﴾ أي: بما يحجبها عن الأبصار. فما هو هذا الحجاب؟ الحجاب هو الأرض، كما قال الله تعالى عن ذي القرنين: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ﴾ [الكهف: ٨٦] أي: في البحر، إذاً، الذي يسترها إذا غابت هي الأرض، لأنَّ الأرض كروية الشكل؛ إذا دارت الشمس عليها ووصلت الجانب المنحني؛ لا بد أن تغيب، وهكذا تغيب عن كل قومٍ شيئًا فشيئاً، حتَّى تطلع على مَن غابت عنهم أولاً.

стр. 150

﴿رُدُّوهَا عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ (٣٣)﴾. ﴿رُدُّوهَا﴾ الضمير راجعٌ إلى الخيل التي عُرضت عليه. أمر أن تُردَّ عليه، وترجع عليه مرَّة ثانية، من أجل أن يقضي عليها غضباً لله ، وتنكيلاً لنفسه التي تعلّقت بهذه الخيول، وأعرضت بها عن ذكر الله. ﴿فَطَفِقَ﴾، طفق: فعل ماض من أفعال الشروع، ويكون خبرها فعلًا. وبناءً على ذلك فإن قوله: ﴿مَسْحًا﴾ ليست خبراً لها، بل مصدراً (مفعولاً مطلقًا) للفعل المحذوف الذي هو الخبر، والتقدير: فطفق يمسح مسحاً، والجملة: خبر طفق. قوله: ﴿مَسْحًا بِالسُّوقِ﴾ يعني يضربها مع سوقها جمع ساق و ﴿وَالْأَعْنَاقِ﴾ مع العنق، لأنّ الخيل تتعلق بها النَّفس، باعتبار المشي، وباعتبار الصفون عند الوقوف، وباعتبار الرقبة وطولها، وما عليها من الشعر وحسن العنق وهو دال على فراهتها، ولهذا ضرب ﵊ مواقع الحسن في الخيل، وهي سوقها وأعناقها. يقول المؤلف ﵀: [ذبحها وقطع أرجلها تقرباً إلى الله حيث اشتغل بها عن الصَّلاة، وتصدق بلحمها فعوضه الله خيراً منها وأسرع وهي الرِّيح تجري بأمره كيف شاء] يُحتمل ما قاله المؤلف، ويُحتمل أنَّه لم يتصدق بها؛ لأنَّه ذبحها تقرباً إلى الله تعالى بإتلافها، وما كان كذلك فإنَّه لا يؤكل. وعلى كل حال يحتمل أن سليمان تصدق بها كما قال المؤلف، أو أكلها، أو تركها، والله أعلم.

стр. 151

الفوائد: ١ - أن الأولاد هبة من الله للعبد، ويتفرع على ذلك أَنَّه يجب على العبد شكر الله على هذه النعمة. ٢ - الثّناء على سليمان في قوله: ﴿نِعْمَ الْعَبْدُ﴾ والعبودية هنا: العبودية الخاصة. ٣ - إثبات العِلل والأسباب لقوله: ﴿إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾، فإن هذا هو سبب الثناء عليه. ٤ - فضيلة الأوبة إلى الله ، والرجوع إليه بالقلب والعمل، لأنَّ الله أثنى على سليمان بسبب ذلك. ٥ - من فوائد هذه الآية: ﴿إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ (٣١)﴾ بيان عظمة ملك سليمان ﵇، حيث كان النَّاس يَعرِضُون عليه هذه الخيول للتمتُّع بها، ومن أجل الاطِّلاع عليها وتفقدها، ووجه ذلك أنَّه قال: ﴿إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ﴾. وهذا يدل على أنّ هناك أناساً يَعرِضون عليه هذه الخيول. ٦ - أنّ هذه العادة، وهي عرض الخيول والتمتُّع بجريها في آخر النهار، عادة قديمة ما زال النَّاس عليها إلى اليوم. يعني لا تكاد تجد أحدًا يجُري مسابقة على الخيل في أول النهار؛ إنَّما يكون في آخر النهار، وهذا من العادات القديمة في النَّاس إلى اليوم. ٧ - أنَّه ينبغي اختيار الخيل الجيدة الجميلة، التي تَسُرُّ النَّفس في رؤيتها، وفي جريها لقوله: ﴿الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ﴾.

стр. 152

٨ - ينبغي اقتناء الخيل؛ حيث كان هذا من دأب الرسل عليهم الصَّلاة والسلام. وقد قال الرسول ﷺ : "الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة" (١). فمتى كانت الخيل أداة حرب، فالخير في نواصيها إلى يوم القيامة. ٩ - ذكر أنموذج من وصف سليمان ﵇ بالأوّاب، حيث قال: ﴿إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي﴾. ١٠ - أن المال خير، وهو كذلك، لأنَّ الإنسان إذا رُزق المال تمكّن من أن يتمتع تمتعاً كاملًا فيما يختص بالمال، بخلاف إذا ما ضُيِّقَ عليه المالُ، فإنَّه لا يستطيع أن يتمتع. ١١ - أنّ الإعراض عن ذكر الله بأمور الدُّنيا أمرٌ مذمومٌ، لأنَّ سليمان ﵊ وبّخ نفسه في كونه أحب الخير وقدّمه على ذكر الله. ١٢ - إثبات أن الشَّمس تجري دائماً، وليست تغيب بمعنى أنَّها تحتجب عن الأنظار في السماء، لقوله: ﴿حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ (٣٢)﴾. ١٣ - إثبات أنّ الشَّمس هي التي تدور على الأرض في طلوعها وغروبها؛ لأنَّه أضاف الفعل إليها فقال: ﴿حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ (٣٢)﴾ ولو كان الأمر كما يقول أهل الجغرافيا اليوم: إنّ الأرض هي التي تدور وتحتجب الشَّمس بسبب دورانها لقال: حتَّى توارينا بحجاب،

стр. 153

أو حتَّى توارى بالحجاب؛ لأنَّه إذا كنت أنت الذي تدور، ومقابلك ثابت؛ فالذي يتوارى هو الدائر. فإذا كان الله تعالى أثبت أن التواري للشمس، دل هذا على أنَّها هي التي تدور، وهذا كقوله: ﴿وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ﴾ [الكهف: ١٧] وهذه أربعة أفعال أضيفت كلها إلى الشَّمس. وفي الصَّحيح عن أبي ذر ﵁ أنَّه كان مع النَّبيِّ ﷺ حين غربت الشَّمس، قال له: "أتدري أين تذهب؟ "، قلت: الله ورسوله أعلم، قال: "فإنَّها تسجدُ تحت العرش، فتستأذن، فإن أُذن لها وإلا قيل: فارجعي من حيث جئت، فتخرجُ من مغربها" (١). هذا هو ظاهر القرآن. والواجب على المؤمن أن يتّبع ظاهرَ القرآن، لأنَّ هذا هو الطَّريق في كل شيء، كما في أسماء الله وصفاته نتبع ظاهر القرآن، وكما في الأحكام الشرعيّة نتبع ظاهر القرآن. إذا في الأمور الكونية نتبع ظاهر القرآن، لأنَّ ظاهر القرآن صدر من الخالق العليم، فهو أعلم مِن خَلْقِه بخَلْقِه، قال الله تعالى: ﴿مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ﴾ [الكهف: ٥١] فإذا كان هذا صادراً من رب العالمين، يجب علينا أن نصدِّقه. فالواجب علينا إذاً إجراء ظواهر الكتاب والسنة على ما هي عليه حتَّى يقوم لنا دليل حسي واضح يبيّن أن اللفظ ليس على

стр. 154

ظاهره، فلو فُرض أنَّه تبيّن تبيناً واضحاً مثل الشَّمس، أن الأرض هي التي تدور، فإننا نقول: عبّر بهذه الأفعال التي ظاهرها أن الشَّمس هي التي تدور باعتبار ما نشاهد، فتكون غربت باعتبار مشاهدتنا، لأنَّ المشاهَدَ المحسوسَ حسب الأمر الظاهر لعامة النَّاس أن الأرض ثابتةٌ والشمسُ تدور عليها، فيكون التعبير بحسب ما يشاهد النَّاس في الظاهر ولكن لا نحتاج إلى تأويل الآيات إلَّا إذا ثبت ثبوتاً حسّياً قطعياً لا إشكال فيه، لأنَّ الظاهرَ دلالتُه ظنيّة، ولا يمكن زحزحة هذه الدلالة إلَّا بدليل قطعي يكون أقوى منها. ١٤ - ومن فوائد الآية: أن الأرض كروية لأنَّه لما أثبت أنَّها تتوارى بالحجاب، دلّ هذا على أن الأرض هي التي تحجبها، وهي كما نشاهد تنزل شيئًا فشيئاً حتَّى تكون في الأرض فيدل ذلك على أن الأرض كروية، وهذا أيضاً أمر مقطوع به ولا إشكال فيه، فهو ظاهر من القرآن، وظاهر في الواقع، ففي القرآن يقول الله تعالى: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ (١) وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ (٢) وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ (٣) وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ﴾ [الانشقاق: ١ - ٤]. ﴿وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ (٢)﴾ وذلك يكون يوم القيامة، فقوله: ﴿وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ (٣)﴾ يدل على أنَّها قبل هذا ليست ممدودة، بل هي كروية، وهذا لا يعارض قوله تعالى: ﴿أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (١٧) وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ (١٨) وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ (١٩) وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ﴾ [الغاشية: ١٧ - ٢٠]، لأنَّ سطحها باعتبار المشاهدة، فأنت الآن إذا وقفت على الأرض تجدها مستوية إلى مد البصر.

стр. 155

١٥ - ومن فوائد الآية في قوله: ﴿رُدُّوهَا عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ (٣٣)﴾: جواز التعزير بإتلاف المال، وهذه مسألة اختلف فيها الفقهاء، هل يجوز أن نعزر الإنسان بإتلاف ماله؟ أو لا يجوز؟ فمن العلماء من قال: إنَّه لا يجوز؛ لأنَّ إتلاف المال إفساد له، ويمكن أن نعزره بأخذ المال دون إتلافه. نأخذه منه وننفقه في جهة نافعة. ومنهم من قال: بل إن ذلك جائز، واستدلوا لذلك بأن الغالّ من الغنيمة الذي يكتم ما غنم يحرَّق رحله، وهذا إتلاف له، مع أن الجيش قد يكون فيه حاجة إلى ماله، ومع هذا أُتلف، وهذا هو القول الراجح: أنَّه يجوز التعزير بإتلاف المال؛ أولاً: لدلالة السنة على ذلك. ثانياً: لأنَّ إتلافه أنكى وأعظم أثرًا؛ لأنَّه لو أُخذ وجعل في مصالح صار التنكيل خفياً، ثم قد يكون فتح باباً للولاة الظلمة إذا أرادوا المال أقاموا دعوى على شخص ما ثم قالوا: نعزره بأخذ ماله، ثم يأخذون ماله على أن يكون في بيت المال، ولكنه سيكون في جيوب هؤلاء الظلمة، فإذا قلنا: بأنه يحُرق ويُتلف أمام النَّاس، زال هذا المحظور، وبناء على ذلك إذا وجدنا مع الإنسان آلة لهو تصلح أن تستخدم في غير اللهو، وعزرناه بتكسيرها. كان ذلك سائغاً ولا نقول: حوِّلها إلى آلة غير آلة اللهو، لأن إتلافها أمام النَّاس أنكى وأشد مما لو أتلفت بإنفاقها في جهة ما. ١٦ - ومن فوائد الآية: أن الإنسان لا بأس أن يعزر نفسه بإتلاف ماله بنفسه لفعل سليمان ﵊. فلو فرضنا أن الإنسان اشتغل بشيء معه عن ذكر الله تعالى وأراد أن يكسره،

стр. 156

لكان ذلك سائغاً جائزًا؛ لأنَّ هذا يؤدي إلى أن لا يعود مرّة أخرى إلى التشاغل عن ذكر الله بشيء من المال. ١٧ - ومن فوائد هذه الآية: قوة سلطان سليمان ﵊ في أمره ونهيه لقوله: ﴿رُدُّوهَا عَلَيَّ﴾ فإن هذا يدلّ على أن له جنوداً كثيرة تأتمر بأمره، إذ لم يقل: رُدَّها، لو قال: ردَّها، لكان الخادم واحدًا، لكن لما قال: ﴿رُدُّوهَا﴾ دل على أن له جنوداً وخدماً كثيرون يخدموه. ١٨ - ومن فوائدها: سرعة مبادرة سليمان ﵇ في تنفيذ ما أراد من إتلاف هذا المال لقوله: ﴿فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ (٣٣)﴾. قد يقول قائل: أليس في هذا تعذيب للحيوان إذا جعل يضرب سوقه بالسيف، فيقال: بلى، ولكن الظاهر أنَّه يعقرها أولاً، ثم يقطع عنقها ثانيًا، وهذا لا بأس به، لأنَّ الألم لا يدوم. وإنَّما خصّ السوق بالضرب، لأنَّها صافنات، والصافنة إذا رفعت حافرها بعض الشيء، صار لسوقها منظر جميل، فهو متعلَّق الرغبة، ولهذا جعل يضرب السوق، وأمَّا الأعناق فظاهر من أجل إتلافها نهائياً. قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ (٣٤)﴾ هذه الجملة مؤكدة بثلاث مؤكدات وهي القسم المقدر، واللام المؤكدة للقسم، والثالث قد في قوله: ﴿وَلَقَدْ﴾. ﴿فَتَنَّا سُلَيْمَانَ﴾، أي:

стр. 157

اختبرناه، والضمير في ﴿فَتَنَّا﴾ يعود على الرب ، وجاء بضمير الجمع تعظيماً، لا تعديداً، لأنَّ الله واحد، ولكنه تارةً يعبِّر عن نفسه بلفظ الإفراد، وتارةً يعبِّر عن نفسه بلفظ الجمع، ولم يبين الله هذه الفتنة، لا عينها ولا نوعها، ولهذا ينبغي لنا أن نبهمَ ما أبهمه الله، ونُجمل ما أجمله، ونعلم أَنَّه إذا كان هنالك فائدة لنا في تعيين ما أبهمه لذكره، لأنَّ الله تعالى يقول: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل: ٨٩] فكل شيء فيه مصلحة لا بد أن يبيِّنه الله لنا، ولهذا نقول: إنّ هذه الفتنة إذا سألنا سائل: ما نوعُها، وما عيُنها؟ نقول: الله أعلم، لأنَّ الله تعالى لم يبيِّنها لنا، ولم تَرد في خبر عن معصوم، فوجب علينا أن نسكت. وأمَّا ما ذُكر في هذا الموضع من الإسرائيليات؛ فإنَّها إسرائيليات كاذبة لا تليق بمقام النبوة، ولكن الإسرائيليون أتوا بها لأنهم لا يعتقدون أنّ داود وسليمان رسولان، بل يعتقدون أنَّهما مَلِكان، والملِك يجوز عليه كل شيء. يقول المؤلف: [﴿فَتَنَّا سُلَيْمَانَ﴾: ابتليناه بسلب ملكه] ثم بدأ المؤلف بذكر القصة الإسرائيلية بسلب مُلكه، وذلك لتزوجه بامرأة هواها، وكانت تعبدُ الأصنام -نسألُ الله العافية-، هم جعلوا داود وسليمان كليهما عشيقين، ليس لهما همّ إلَّا النساء. وداود، -كما قالوا- أراد أن يتزوّج امرأة شخص، وكان عنده تسع وتسعون المرأة، فأراد أن يكمل المئة.

стр. 158

أما سليمان فيقول حسب القصة الكاذبة: إنَّه هَوِي امرأةً وعشقها، وكانت تعبدُ الأصنام في داره من غير علمه إذن صارت الدار دار كفر وشرك، وهذا نقطع بأنّه كذب، لأنَّه لو كان كذلك لبيَّنه الله كما بّينه في قصَّة امرأتي نوح ولوط. وقال: [وكان مُلكه في خاتمه، فنزعه عند إرادة الخلاء، ووضعه عند امرأته المسمّاة بالأمينة على عادته، فجاءها جنيٌّ في صورة سليمان، فأخذه منها]. ومما يدل على كذب هذه القصة قولهم: (فإذا أراد دخول الخلاء، نزعه) لماذا ينزعه؟ واسم سليمان ليس فيه لفظ الجلالة حتَّى يقول قائل: إنَّه تحرّز من الدخول بشيء فيه ذكر الله، وأيضًا يضعه عند امرأته المسماة بالأمينة على عادته. وهذا أيضاً يدلُّ على كذب القصة. ثانياً: كيف يكون المُلك في الخاتم فقط؟ ثالثًا: إذا كان مُلكه في خاتمه فهل يمكن أن يفرِّط فيه هذا التفريط، يلقيه عند امرأة. وقد يقول قائل: إنَّها أمينة. ولكن نقول: ما هو الدليل على هذا؟ [فجاءها جنيّ في صورة سليمان، فأخذه منها] فلما أخذ الخاتم، صار سليمان بلا مُلك، لأن المُلك يتبع هذا الخاتم. قال تعالى: ﴿وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ (٣٤)﴾، قال المؤلف: [هو ذلك الجني، وهو صخر أو غيره، جلس علي كرسي سليمان، وعكفت عليه الطير وغيرها، فخرج سليمان في غير هيئته، فرآه على كرسيه، وقال للنَّاس: أنا سليمان، فأنكروه]. لما جاء وجد هذا الجني المسمى بصخر أو غيره على الكرسي، فجعل يقول للنَّاس: أنا

стр. 159

سليمان، ويقولون له: لست سليمان، لأنَّ سليمان جالسٌ على كرسي المُلك، فأما أنت، فلستَ سليمان. فكيف ستكون حسرته؟ لا بد أن تكون حسرة شديدة وهذا هو القول الأوَّل. وقال بعض العلماء: إن الله سلط شيطاناً دون أخذ الخاتم وبقطع النظر عن كون المُلك في الخاتم، وأنَّه أعطاه امرأته، وأنّ الِجنِّي جاءها، وأخذه منها، يقول الله تعالى: ﴿وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا﴾ يعني في غيبة سليمان، لأنّ سليمان ليس دائماً على الكرسي، ولكنّ الله تعالى سلّط عليه شيطاناً، جلس على الكرسي، جعل يدبِّر شؤون الدولة، وسليمان لما جاء إلى مكان جلوسه وجده مشغولاً بهذا العفريت، وعَجَزَ عن إنزاله عن الكرسي، وعن تولِّي تدبير شؤون الدولة، فعرف أنَّه مفتون، وأن الله تعالى سلّط عليه هذا الشَّيطان ليختبره. هذا قول بعض العلماء. وقد رُوي عن ابن عباس- ﵄ أنَّه شيطان، ولكن ابن عباس -كما هو معلوم- كان قد أخذ عن بني إسرائيل كثيرًا، وربما يكون هذا مما أخذه. والقول الثالث: أنّ الجسد هو شقّ الولد، الذي اختبر الله تعالى به سليمان ﵇، حيث قال: "لأطوفنّ الليلة على تسعين امرأة تلد كل واحدة منهن غلاماً يقاتل في سبيل الله". حلف أن يطوف -يعني يجامع تسعين امرأة- وأنّ كل امرأة تلد غلاماً يقاتل في سبيل الله، فقال له المَلَك: قل: إن شاء الله، فلم يقل اعتماداً على ما في نفسه من العزم على تنفيذ ما أراد، فنفَّذ ما أراد، وجامع تسعين

стр. 160

امرأة، ولكن ما أراده لم يتمكن منه، وهو أن تلد امرأة غلاماً يقاتل في سبيل الله، لأنَّ إرادة الله هي النافذة، فلم تحمل منهن إلَّا امرأة واحدة، فولدت شق إنسان (١)، لأجل أن يعرف سليمان وغيره أنّ الأمر بيد الله، وأنَّه لا يجوز أن يتألّى أحد على ربه . يقول بعض المفسرين: إن هذا الولد هو الجسد، لأنَّ هذا الولد ليس كامل التدبير، نصف إنسان كيف يدبِّر؟ هذا هو الذي أُلقي على الكرسي ففتن به سليمان ﵇. القول الرابع: أن قوله: ﴿وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا﴾ يعني بها سليمان نفسه، أي: ألقيناه هو نفسه على الكرسي جسداً، والجسد هو الذي لا يدبِّر، وليس عنده تفكير، أي: أن الله سلب من سليمان تفكيره الذي يدبِّر به شؤون مملكته فصار لا يحسن التدبير، ومَن لا يحسن التدبير كالجسد بلا روح، فيكون المراد بالجسد سليمان نفسه، ويكون تقدير الكلام: وألقيناه جسداً على كرسيه لا يحسن التدبير، وهذا أيضاً قريب، أن الله تعالى يسلب عن الإنسان عقله وتفكيره حتَّى يكون جسداً بلا روح، ومن المعلوم أن مملكة عظيمة كمملكة سليمان إذا فُقد منها المدبِّر سوف تتخلخل وتتزعزع. فهذه أربعة أقوال في معنى قوله: ﴿وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ (٣٤)﴾.

стр. 161

أما ما ذكره المؤلف فهو باطل بلا شك، وأمَّا ما ذكر من أنَّه الولد الشق فالظاهر أنَّه ضعيف. بقي عندنا قولان: الأوَّل: أنَّه شيطان سلط على كرسي سليمان فبقي فيه، وصار يدبِّر شؤون مملكته. والثَّاني: أنَّه سليمان نفسه سلب الله منه التفكير وتدبير شؤون المملكة فصار لا يحسن التدبير. هذان القولان محتملان، أقربهما إلى اللفظ الأوَّل، أي: أنَّه شيطان ألقي على الكرسي، لأنَّ جسداً نكرة تقتضي أن يكون الملقى غير الملقى على كرسيه، ولكن الثَّاني أقرب من حيث المعنى، أي: أن الله تعالى إذا سلب من الإنسان عقله وتفكيره وسلطته فهو بمنزلة الجسد. وعلى كل حال هذه الفتنة التي حصلت لسليمان ﵇ بإلقاء الجسد على كرسيه، سواء أكان هو نفسه أم شيطان جلس على الكرسي، لا شك أنَّها فتنة عظيمة، ولا يتصوّرها أحد لم تمسَّه هذه الفتنة، لأنَّ ما نسمع من المصائب والفتن وغيرها نسمعها على أنَّها تمر علينا مروراً ذهنياً، وليس هذا كالذي يباشر المصيبة والقضية نفسها. وعلى كل حال سليمان ﵇ لما وصل به الأمر إلى هذه الحال أناب إلى الله، لأنَّ من طبيعة الإنسان إذا أصيب بمصيبة أن يحاسب نفسه. أما قبل أن يصاب فقد يغفل، لكن إذا أصيب صار يحاسب نفسه، ورجع إلى الله، حتَّى المشركون إذا ركبوا في الفلك، وأصابتهم الأمواج التي يضرب بعضها بعضاً، يلجؤون إلى الله ، يدعونه مخلصين له الدين أن ينجيهم. فمن طبيعة

стр. 162

الإنسان أن يعود إلى القوة التي يمكنها أن تدفع عنه المصيبة التي نزلت به، إلَّا مَن خرج عن هذه الطبيعة، وقد يخرج عن هذه الطبيعة ناس كثيرون، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ﴾ [المؤمنون: ٧٦] فقد يخرج بعض النَّاس عن هذه الطبيعة الفطرية فتصيبه المصائب والنكبات والعذاب، ولكن قلبه يكون قاسياً لا يتأثر. نسأل الله العافية. قال المؤلف: [﴿ثُمَّ أَنَابَ (٣٤)﴾ أي: رجع سليمان إلى ملكه بعد أيَّام، بأن وصل إلى الخاتم فلبسه، وجلس على كرسيه] هذا من أبعد ما يكون في التحريف لكلام الله ، والمتعيَّن أن المعنى: أناب إلى الله، أي: أنَّه عرف أن هذا الذي نزل به لأمر صدر منه، فرجع إلى الله وأناب إليه، وأحسن التوبة، وأصلح العمل. ﴿قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (٣٥)﴾ بدأ بطلب المغفرة قبل طلب المُلك العظيم، الذي لا ينبغي لأحد من بعده، وذلك لأنَّ زوال أثر الذنوب هو الذي يحصل به المقصود، فالذنوب في الحقيقة تتراكم على القلب، وتمنعه من كثير من المصالح، فيسأل الإنسانُ التخلُّص من آثار هذه الذنوب، قبل أن يسأل ما يريد. والمغفرة مأخوذة من المِغْفَر، وهو الذي يوضَع على الرأس، لاتِّقاء السهام في حال القتال، وهو شيء من حديد يُلبس تحت البيضة، أي: الخوذة، فهو يقي الرأس، وفي نفس الوقت يستره.

стр. 163

ولهذا نقول: إن مغفرة الذنوب سترها عن الخلق، مع التجاوز عن عقوبتها، أي: أن المغفرة جامعة لمعنيين هما: الستر والتجاوز عن الذنب، أي: أنّ الله تعالى لا يُعاقب عليه. ﴿وَهَبْ لِي مُلْكًا﴾ يعني أعطني ملكًا لا ينبغي لأحد من بعدي، أي: لا يصلح أن يكون لأحد من بعدي. يعني مُلكاً عظيماً، لا يفكِّر فيه أحدٌ من بعدي، فغفر الله له واستجاب له. قال المؤلف: [﴿مِنْ بَعْدِي﴾ أي: سواي نحو: ﴿فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ﴾ [الجاثية: ٢٣] أي: سوى الله]، وليس المراد من بعدي زمناً، بل لا ينبغي لأحد في زمني أو زمن بعد زمني، ولكن المراد بـ: ﴿من بعدي﴾: سواي، واستشهد لذلك بقوله: ﴿فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ﴾ [الجاثية: ٢٣] ومعلوم أنَّه لا أحد بعد الله، فالله هو الآخر الذي ليس بعده شيء، ولكن ﴿مِنْ بَعْدِ اللَّهِ﴾ أي: من سوى الله. والقول الثَّاني: أنّ المراد ﴿لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾ أي: ملكًا لا يغلبه عليه أحد، ويؤيد القول الأوَّل قوله ﵊ حين تفلَّت عليه عفريت وهو يصلِّي، وأراد أن يمسكه وأن يربطه بسارية المسجد ليلعب به صبيان أهل المدينة، وقال: "لولا أنِّي ذكرتُ قول أحْي سليمان: ﴿وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾ لفعلت" (١)، وهذا يدلُّ على المراد ﴿مِنْ بَعْدِي﴾ زمناً.

стр. 164

والمرجَّح أنّ سليمان ﵊ سأل مُلكاً عظيماً لا يكون لأحد من بعده، وبناءً عليه، فإنَّه يحصل الإشكال: لماذا تحجَّر هذا المُلك؟ قد نقول: إنّ القول الثَّاني أصح، وإنّ النَّبيَّ ﷺ ترك ذلك تورُّعاً، لأنَّه خاف أن يكون مراد سليمان زمناً، فترك هذا من باب التورُّع، ولكن هذا الجواب فيه أيضاً بعض الشيء، لأنّ النَّبيُّ ﷺ إذا فسر الآية بشيء أو أتى بشيء يقتضي تفسيرها على وجه ما، فإنَّه لا شكّ أولى من الاحتمال الآخر، وأن يكون المراد ﴿مِنْ بَعْدِي﴾ أي: مِن سواي، والله أعلم. ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (٣٥)﴾: هذه جملة تعلقها بما قبلها، أنَّها من باب التوسل. لما سأل الله مُلكاً توسَّل إلى الله بالاسم الذي يناسب ما دعا به: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ (أنت): يسمِّيها العلماء ضمير الفصل، وتفيد ثلاثة أشياء: التوكيد، والحصر، والتمييز أو الفصل بين الصفة والخبر. وقوله: ﴿الْوَهَّابُ﴾: صيغة مبالغة، وذلك لكثرة هِبات الله، وكثرة مَن يهبه الله، كل ما في الخلق من نعمة فهو من هبات الله، وما أكثر النِّعم على الإنسان، وما أكثر من أنعم الله عليه، ولهذا جاءت صورة المبالغة: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾. قال تعالى: ﴿فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ (٣٦)﴾. الفاء: للسببية من وجه، وللتعقيب من وجه آخر؛ أي: بسبب دعائه، وفور دعائه ﴿فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ﴾ يعني ذللناها له، والريح: الهواء.

стр. 165

يقول الله تعالى: ﴿تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ﴾: تجري أي: تسير، ﴿بِأَمْرِهِ﴾ أي: على وفق أمره. ﴿رُخَاءً﴾ أي: لينة في سيرها وهبوبها، لينة في طاعتها، لا تستعصي، مثلًا: إذا كانت الرِّيح جنوباً وهو يريد أن يذهب إلى الجنوب يأمرها أن تهب شمالاً، فتهب شمالاً، فتحمله حيث أراد. قد يقول قائل: كيف يتم الجمعِ بين قوله: ﴿رُخَاءً﴾ وبين قوله في آيات أخرى: ﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨١]؟ والجواب: أنّ الجمع بينهما سهل، فهي رخاء؛ أي: ليس فيها زعزعة، وهي عاصفة؛ أي: سريعة، لأنَّ غُدوُّها شهر ورواحها شهر، يعني تمشي في الصباح، ولا يأتي زوال الشَّمس إلَّا وقد قطعت مسافة شهر. وبعد الزَّوال تمشي ولا يأتي الغروب، إلَّا وقد قطعت مسافة شهر، قال أهل العلم: إنَّه يضع على الأرض شيئًا كالبساط، ويجلس هو وحاشيته على البساط ثم يأمر الرِّيح فتحمله فيطير بين السماء والأرض، ومع ذلك هي رخاء، وكان المتبادر إلى الذهن أن مثل هذا الطيران يزعج الراكبين، على هذا البساط، ولكن الله تعالى جعلها رخاءً لينة، حتَّى كأنهم لا يطيرون، وليس فيها إزعاج، وهذا من آيات الله. ﴿حَيْثُ أَصَابَ﴾ أي: حيث أراد؛ أي: الجهة التي يريد، وهذا لم يحصل لرسول غيره فيما نعلم، ولا لملك من الملوك يأمر الرِّيح فتسير به حيث أراد.

стр. 166

ثم قال: ﴿وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ (٣٧)﴾ يعني سخَّرنا له الشياطين، والشياطين جمع شيطان، وهم عفاريت الجن. سخّر له ﴿كُلَّ بَنَّاءٍ﴾، يبني الأب نية العجيبة، ﴿وَغَوَّاصٍ (٣٧)﴾ إن في البحر يستخرج اللؤلؤ. ﴿وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ (٣٨)﴾ أي: مشدودين في الأصفاد، وهي القيود، بجمع أيديهم إلى أعناقهم، سخَّر الله له الشياطين، أي: ذلّلهم له، يطيعونه، وينفذون أوامره، وقد صنفهم ورتبهم حسب قدراتهم واختصاصاتهم، منهم من يبني له البناء الشامخ العجيب، "و ﴿يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ﴾ [سبأ: ١٣]. والقسم الآخر: ﴿وَغَوَّاصٍ (٣٧)﴾ يغوصون في البحار، يأتون له بأنواع اللؤلؤ والمرجان والدُّرر وغيرها، يأتون بكلِّ ما يريد. وفيهم قوم مردة من الشياطين يؤدّون النَّاس، وربما يتمردون عليه ويعصونه، هؤلاء يقرنهم في الأصفاد، ويشدّ أيديهَم إلى أعناقهم، ويحبسهم في الأصفاد. وقد يقول قائل: هل هذا من التسخير؟ نقول: نعم، هذا من التسخير. أنّ الله تعالى جعل له سلطة عليهم، فالله تعالى جعلهم يعصونه ويتمردون عليه، ويؤذون من في مملكته من أجل أن يُنزل بهم هذا العذاب؛ حتَّى يتبيَّن بذلك كمال سلطانه على هؤلاء الشياطين، لأنَّه لا يُعرف تمام السلطان إلَّا بإنزال العقوبات على المتمردين. أما إذا كان السلطان يداهن المتمرِّدين، فإن هذا يدلُّ على ضعف السلطان، وأنّه ليس عنده قدرة على تدبير مملكته. وجعل الله تعالى

стр. 167

هؤلاء يتمرّدون على سليمان، أو يؤدّون من في مملكته؛ لأجل أن ينزل بهم بطشه، ويُعرف أَنَّه قوي، وذو سلطة، وسيطرة على هؤلاء الجن. قال تعالى: ﴿هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ (٣٩)﴾، ﴿هَذَا﴾ المشار إليه ما سخَّره الله له من الرِّيح والسلطة على الشياطين. ﴿عَطَاؤُنَا﴾ يعني الذي أعطيناك إياه؛ لأنَّه قال: ﴿وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾ [ص: ٣٥] فأعطاه الله هذا العطاء، والذي فهمنا مما أعطاه تسخير الرِّيح، وتسخير الشياطين. قال المؤلف: [﴿هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ﴾ أعط منه من شئت، ﴿أَوْ أَمْسِكْ﴾ عن العطاء ﴿بِغَيْرِ حِسَابٍ (٣٩)﴾ أي: لا حساب عليك في ذلك]. أعطاه الله تعالى هذا المُلك، وقال له: أنت بالخيار، امنن على مَن شئت، وأمسك المنّة عمّن شئت، لا حساب عليك في ذلك. وهذا من التخيير المطلق في التصرف. وقال: ﴿وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ (٤٠)﴾، لما ذكر الله ما مَنَّ على سليمان ﵇ في الدُّنيا؛ ذكر ما منَّ عليه في الآخرة، وهو أن له عند الله مرتبة عالية في الآخرة، ﴿لَزُلْفَى﴾ قريبة من الله ، ﴿وَحُسْنَ مَآبٍ (٤٠)﴾ أي: حسن مرجع، لأنَّ مرجعه إلى الجنَّة، التي فيها ما لا عينٌ رأت، ولا أذنٌ سمعت، ولا خطر على قلب بشر. ﴿وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى﴾ ذكرنا فيما سبق أن العندية المضافة إلى الله تنقسم إلى قسمين: عندية علم (عندية الصفة)، وعندية قرب، كما

стр. 168

في هذه الآية. أما عندية العلم (عندية الصفة) كما في قوله تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ﴾ [الأنعام: ٥٩] فإن هذه عندية علم (عندية صفة). أما عندية القرب فتكون منفصلة عن الله، يكون الشيء عند الله؛ أي: قريب منه، وقوله: ﴿لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ (٤٠)﴾ الزلفى؛ أي: القربى، لأنَّ أعلى مراتب الخلق هي مراتب الأنبياء، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ﴾ [النساء: ٦٩]. فوائد الآيات: قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ (٣٤)﴾. ١ - من فوائد هذه الآية: أن الله قد يختبر عباده المصطفين عنده بما يشاء من اختبار، وينبغي أن نُبْهِم ما أبهمه الله تعالى، وأن لا نبحث عنه، ونتكلف ذلك كما يفعل بعض النَّاس. ٢ - ومن فوائدها: أنّ لسليمان ﵇ كرسياً يجلس عليه كما يجلس الملوك؛ لأنّ الله جمع له بين النبوة والملك. ٣ - ومن فوائدها: أنّ الإنسان قد يُسلَب بعض النِّعم؛ إمّا جزاء على عملٍ عمله، واستحق عليه أن يُسلَب بعض النِّعم، وإما من أجل أن يترقَّى إلى درجة الصابرين، لأن الصبر درجة عالية لا تنال إلَّا بأسبابها.

стр. 169

والصبر ثلاثة أقسام: ١ - صبر على طاعة الله. ٢ - وصبر عن معصيته. ٣ - وصبر على أقداره. أما الصبر على طاعة الله، وعن المعصية فهو باختيار الإنسان، وأمَّا الصبر على أقدار الله، فالأقدار بغير اختياره، فقد يَبتلي الله العبد بأقدار تحتاج إلى صبر ومصابرة من أجل أن يستكمل مراتب الصبر. ومنه إلقاء الجسد على كرسي سليمان ﵊. ٤ - ومن فوائدها: أنّ الأنبياء عليهم الصَّلاة والسلام لا بد أن يرجعوا إلى الله، وينتبهوا، وهذا مستفاد من قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَنَابَ (٣٤)﴾ بخلاف غيرهم، فإنهم قد يُبتلون بالذنوب، ولا يرجعون عنها، وهذا هو الفرق بين الأنبياء وغيرهم: أنّ الأنبياء معصومون عن الاستمرار في المعاصي، أما غيرهم، فلا. ٥ - ومن فوائدها: أنّ مسلوب التصرف والسُّلطة كأنه جسدٌ بلا روح، لقوله: ﴿وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا﴾، وهذا على أحد الأقوال الأربعة التي ذكرناها. وقال تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (٣٥)﴾. ١ - من فوائد هذه الآية: أن الأنبياء عليهم الصَّلاة والسلام معنيون أكثر بأمور الآخرة، ولهذا طلب من الله المغفرة قبل أن يطلب المُلك.

стр. 170

٢ - ومن فوائدها: أنّ الأنبياء عليهم الصَّلاة والسلام محتاجون إلى مغفرة الله، لقوله: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي﴾. ٣ - ومن فوائدها: أنهّم مربوبون، وليسوا أرباباً لقوله: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي﴾. ٤ - ومن فوائدها: جواز الذنوب على الأنبياء عليهم الصَّلاة والسلام، وهذا مستفاد من قوله: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي﴾، وذلك أنَّه لو لم يكن ذنب لما استغفر. ٥ - ومن فوائدها: جواز طلب الإنسان المُلك، لقوله: ﴿وَهَبْ لِي مُلْكًا﴾، ولكن يشترط في ذلك أن يكون لدى الإنسان استعداد للقيام بما سأل، أما أن يقول: رب هب لي ملكًا، وبِنِيَّتِه أن يضيِّعه؛ فإن هذا لا يجوز. وقد اختلف أهل العلم في جواز سؤال الإمارة، هل يجوز للإنسان أن يسأل الإمارة أو القضاء أو ما أشبهها من الولايات؟ ! منهم مَن قال: إنّ ذلك جائز، ومنهم مَن قال: إنَّه محرَّم، ومنهم من فصَّل. أمّا مَن قال: إنَّه جائز، فاستدلوا بقصة يوسف، حيث قال لملك مصر: ﴿قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: ٥٥] فسأل الولاية، وشرعُ مَن قبلنا شرعٌ لنا، ما لم يرد في شرعنا ما يخالفه.

стр. 171

كما استدلوا بحديث عثمان بن أبي العاص حين قال للنبي ﷺ : اجعلني إمام قومي. قال: "أنت إمامُهم" (١). أمّا مَن منع ذلك، فاستدل بحديث عبد الرحمن بن سمرة ﵁ أنّ النَّبيَّ ﷺ قال له: "لا تسأل الإمارة، فإنّك إن أعطيتَها عن مسألة وُكلت إليها، وإن أُعطيتها من غير مسألة، أُعِنت عليها" (٢). فنهاه النَّبيُّ ﷺ أن يسأل الإمارة، وبين له السبب؛ أنّ مَن أُعطيها عن مسألة، وُكِلَ إليها، ولم يعنه الله، ومَن أتته من دون مسألة، أعانه الله عليها. واستدلوا أيضاً بأن رجلًا طلب من الرسول ﷺ أن يكون عاملًا، فقال: "إنا لا نوليِّ هذا الأمر أحدًا سأله" (٣). وهذا يدلُّ على أَنَّه لا يسأل، وأنّ مَن سأل، فليس أهلًا لأن يولَّى. وفصَّل آخرون، فقالوا: إنْ سألها لإصلاح ما فسد منها، فإن ذلك جائز، إذا علم مِن نفسه القدرة، وإلا فلا يجوز، لأنَّ السلامة للإنسان أسلم. وهذا القول التفصيلي هو الصَّحيح، لأنَّ به تجتمع الأدلة، فإن الإنسان، مثلًا، إذا رأى ولايةً قام عليها شخص ليس أهلاً لها، إمّا

стр. 172

في دينه، أو أمانته، وتصرفه، وهو يعلمُ من نفسه القدرة على القيام بها على أحسن حال، أو على الأقل بوجه أحسن مما كانت عليه، فلا بأس أن يسألها، لأنّ غرضه بذلك غرضٌ عملي وإصلاحي وليس غرضه شخصياً. أمّا إذا لم يكن هنالك سبب، أو يعرف الإنسان من نفسه أَنَّه ضعيف لا يستطيع القيام به، فلا يسأل، ولا يجوز أن يسأل. ٦ - ومن فوائد هذه الآية: الثّناء على الله تعالى بأنه وهّاب يُعطي العطاء الكثير لقوله: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (٣٥)﴾. ٧ - ومن فوائدها: التوسُّل إلى الله تعالى بالاسم المناسب لما يدعو به لأنَّ قوله: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (٣٥)﴾ يناسب قوله: ﴿وَهَبْ لِي﴾ وهذا هو أحد معاني قول الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٨٠] فإن أحد معانيها أن تجعلها وسيلةً لما تدعو به، فإن أردتَ أن تسأل المغفرة تقول: يا غفور، أو الرحمة فتقول: يا رحيم ... وهكذا. ثم قال تعالى: ﴿فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ (٣٦)﴾. ١ - من فوائد هذه الآية: بيان قدرة الله ، وكمال سلطانه، حيث سخّر الرِّيح وذلَّلها. ٢ - ومن فوائدها: عموم سلطان الله على الجماد والحي وغير ذلك؛ لأنَّه أمر الرِّيح، وهي جماد، فامتثلت. ٣ - ومن فوائدها: أنّ الله تعالى قد يسخِّر شيئًا من الكون لعبدٍ من عباده، كما سخَّر الرِّيح لسليمان ﵇، فإنَّه من الجائز أن يسخِّرها لغيره، إذا دُعي.

стр. 173

٤ - ومن فوائد هذه الآية: أن الرياح لها شعور واختيار، لقوله تعالى: ﴿تَجْرِي بِأَمْرِهِ﴾ لأنَّه إذا كان يأمرها وتشعر بالأمر، ثم تمتثل، فهو دليلٌ أن لها شعوراً ولها إرادة. وهكذا كل شيء في الكون له شعور، وله إرادة، بحسب ما يليق به؛ لقول الله تعالى: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ﴾ [الإسراء: ٤٤] ولا تسبيح إلَّا بإرادة، ولا تسبيح إلَّا بشعور بعظمة المسبَّح. ومن هنا نردُّ على مَن قالوا: إنّ المراد بقوله تعالى: ﴿جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ﴾ [الكهف: ٧٧] أَنَّه مجاز، لأنّنا نقول لهم: ما الذي يمنع من إرادة الجدار؟ هو له إرادة، ولكن ليست كإرادة البشر، أو إرادة الحيوان المتحرك الذي يتحرك بإرادة، لكن الجدار له إرادة وهو ساكن لا يتحرك. ٥ - ومن فوائدها: أنّ هذه الرِّيح المسخَّرة تجري بسهولة ولين، وليس بعصفٍ مقلق، كما هي عادة الرياح، إنَّما هي رُخاء ولينة سهلة، كأنهّم على سطح. ٦ - ومن فوائدها: أن مَن ترك شيئًا لله، عوَّضه الله شيئًا خيراً منه؛ لأن كثيرًا من المفسرين جعلوا تسخير الرِّيح لسليمان ﵊، تنقله حيث يشاء، عوضًا عن الخيل التي أتلفها غضباً لله ، حينما ألهته عن ذكر الله. وهذا قد يكون حقيقة، أنّ هذا الذي أعطاه الله تعالى من تسخير الرِّيح، كان جزاء له على فعله بالخيل. ولا شكّ أن مَن ترك شيئًا

стр. 174

لله، عوّضه الله خيراً منه، وهذا يقع كثيرًا في مسائل عديدة. وإن أردتَ أن تطبِّق هذا على نفسك، فجرِّب. ٧ - ومن فوائدها: أنّ هذه الرِّيح تتجه حيث أراد سليمان ﵊، ولو كانت في الأصل على وجهٍ آخر بمعنى أنَّه إذا كانت الرِّيح جنوبية، وأراد أن يذهب بها إلى الجنوب، فإنَّه يأمرها أن تكون شمالية، لتحمله إلى الجنوب. ثم قال تعالى: ﴿وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ (٣٧)﴾. ١ - من فوائد هذه الآية: بيان ما بسط الله لسليمان ﵊ من السلطان، حيث كانت الشياطين المؤذية لبني آدم مسخَّرة له على هذا الوجه العظيم، وعلى هذا التقسيم. ٢ - ومن فوائدها: حُسن تدبير سليمان ﵊؛ حيث وزَّع هذا الجند من الشياطين حسب ما يليق بهم؛ فمنهم البنَّاء، ومنهم الغوَّاص. ٣ - ومن فوائدها: جواز تفخيم الأبنية وتكثيرها، والبناء الذي تبنيه الشياطين لا بد أن يكون فخماً محُكماً، ولكن هل يقال: إنّ هذا كان في شريعة سليمان؛ لأنَّه مَلِك يحتاج إلى أبهّة وعَظَمة، وإظهار قوة، وإظهار غنى، وإظهار سلطة، أم أنَّها عامة؟ أما أنها عامة للناس فلا. ولهذا جاءت شريعتنا بذمِّ مَن يجعل ماله في البناء. وربما يقال: إنَّه يفرَّق بين المَلِك السلطان وبين غيره، لأن إظهار المَلِك السلطان نفسه بمظهر العظمة أمام أعدائه؛ لا شك أن ذلك أمرٌ مطلوب.

стр. 175

ويُذكر أن معاوية بن أبي سفيان ﵁، وكان أميراً على الشَّام، في إمارة عمر بن الخطاب ﵁، وكان معاوية إذا أتى الإنسان إليه يجد حُجاباً وحرّاساً وشيئاً من الأبهة، وإذا جاء إلى الخليفة الذي فوقه، يجد أمراً بخلاف ذلك، يجد رداءً مرقعاً، وشخصاً ينام في المسجد، يكوِّم كتلةً من الرمل والحصباء ويتوسَّدها وليس بين يديه حاجب، ولا حوله جنود، فيتعجب كيف أمير هذا الرجل بهذه الأبَّهة؟ وهذا الخليفة الذي فوقه بهذا التواضع؟ ! أجاب العلماء عن ذلك بأنّ معاوية ﵁ كان في بلاد الشَّام، وكانوا لا يخضعون لأمرائهم وسلاطينهم إلَّا إذا كانوا أمامهم على وجهٍ فيه أبهَّة وعَظَمة، فرأى معاوية أَنَّه من المناسب للحال أن يكوِّن نفسَه هذا التكوين، وليس قصده أن يتعاظم (١)، والدليل على هذا أَنَّه لما أتاه كتاب عمر ﵁، وأَظنُّه في كِسرْة عظم، في قصَّة اليهودي الذي أدخل معاوية بيته في بيت المال، بعد أن أُعطي عنه عِوَضاً كثيرًا؛ فرأى أنّ ذلك ظلم، فركب إلى عمر في المدينة يشكو معاوية، يقول: إنّ معاوية غصبني، وأخذ بيتي، وأدخله في بيت المال، فكتب عمر إلى معاوية يأمره بأن يرد عليه بيته، فلما جاءه الكتاب، أخذه معاوية ووضعه على رأسه تعظيماً للكتاب، وقال لليهودي: الآن افعل ما تشاء، تُريد أن نعيد إليك بيتك ونبنيه بأحسن ما تريد، أو تأخذ القيمة؟ فلما رأى هذا الأمر انبهر؛ كيف أن معاوية يفعل في كتاب عمر هذا الفعل، فشهد أن لا إله إلَّا الله

стр. 176

وأنّ محمدًا رسول الله، وقال: بيتي لبيت مال المسلمين، لما رأى العدل، انبهر وأسلم. ونقول: قد يكون سليمان ﵇ أراد بهذا العمل أن يُظهر قوة سلطانه وعظمته أمام أعدائه، وأن يفصَّل بين ما يكون فيه غرضٌ مقصود وبين ما ليس فيه غرض، والإنسان بشكل عامٍّ لا يشرع له أن يُذهب ماله ببناء القصور وتفخيمها. أما ذو السلطة الذي يريد أن يُظهر سلطته ليكون مهيباً أمام النَّاس حتَّى يتم له الأمر؛ لا حرج عليه في هذا. قال تعالى: ﴿وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ (٣٧) وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ (٣٨) هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ (٣٩)﴾. ١ - من فوائد هذه الآيات: كمال ملك سليمان ﵇ وسلطانه وتنظيمه لعمله وعمّاله، حيث جعل لكل طائفة ما يختص بها من العمل، فمنهم البنّاء، ومنهم الغوّاص. ومن تمام سلطانه؛ أن العاصي منهم والمتمرد قد صفده وقرنه مما يدل على عقوبة هؤلاء المخالفين. ٢ - ومن فوائدها: جواز التعزير بمثل هذا العمل؛ أي: بالشد والغلّ، وذلك لأنَّ التعزير لا يختصُّ بعقوبةٍ معينة، لأنّ المقصود به الإصلاح، فأي عقوبة كان بها الإصلاح، فهي الواجبة. وقد يكون التعزير بالضرب وبالحبس وبالحرمان من بعض الحقوق، وبالتغريم المالي، وبالتوبيخ أمام النَّاس، والتعزير يُقْصَد به الإصلاح، فأي طريق يُقْصَد به الإصلاح كان به التعزير.

стр. 177

٣ - ومن فوائدها: أن الله تعالى أباح لسليمان العطاء والإمساك كما يشاء، بدون أن يحاسبه على اختياره، ولكنّا نعلم أنّ سليمان لن يتجرأ على الإعطاء في معصية الله، ولا الإمساك عما أوجب الله، لأنَّه نبيٌّ من الأنبياء لا يُقر على خطأ، وتكون الإباحة له هنا في الأشياء التي يُباح له فعلها أو تركها، ويكون هذا من باب التوسعة الصريحة له أن يُمسك أو يعطي. ٤ - ومن فوائدها: أن الله لما ذكر بأنّه أنعم عليه في هذه الدُّنيا، وكان الواهم قد يتوهّم أن ذلك ينقص من ثوابه يوم القيامة؛ بين أنّ ثوابه في الآخرة لا ينقص بهذا العطاء الذي أعطاه له في الدُّنيا، فقال تعالى: ﴿وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ (٤٠)﴾. ٥ - ومن فوائد هذه الآية: أنّ النَّاس يختلفون في القرب من الله تعالى لقوله: ﴿وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ (٤٠)﴾. وأقربهم من الله جواراً يوم القيامة أقربهم من عبادته في الدُّنيا، فكلما كان الإنسان في الدُّنيا أقوم بطاعة الله، وأقرب إلى الله؛ كان في الآخرة كذلك، لأنّ الجزاء من جنس العمل. ٦ - ومن فوائدها: أنَّه ينبغي للإنسان أن ينظر إلى مآبه ومآله، هل هو حسن أو سيئ، حتَّى إذا كان سيئاً سعى في إصلاحه، وإن كان حسناً حمد الله وازداد من فضله. * * *

стр. 178

قال الله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ (٤١)﴾. الخطاب لرسول الله ﷺ ، ويجوز أن يكون موجهاً لكل من يتأتى خطابه من البشر، وقوله: ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا﴾ أعاد الفعل ﴿وَاذْكُرْ﴾ مع أَنَّه في قصَّة سليمان لم يعده بل قال: ﴿وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ﴾ [ص: ٣٠] ولم يقل: (اذكر). قال بعض العلماء: لأنَّ سليمان بن داود فقصتهما متقاربة، وكأنما هي قصَّة نبي واحد، أما أيوب فهو منفصل عنهما، ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ﴾ والمراد بالعبد هنا المتذلل لطاعة الله، وهذه العبودية من عبودية أخص الخاصة، لأنَّها عبودية الرسالة. وقوله: ﴿أَيُّوبَ﴾: عطف بيان أو بدل من ﴿عَبْدَنَا﴾. ﴿إِذْ نَادَى رَبَّهُ﴾: إذ: متعلقة بـ ﴿وَاذْكُرْ﴾ ويجوز أن تتعلق بمحذوف حالًا من عبد، يعني في حال نداء ربه، ﴿إِذْ نَادَى رَبَّهُ﴾ أي: دعاه بصوت مرتفع، لأنَّ النداء يكون بالصوت المرتفع، والمناجاة تكون بالصوت المنخفض، قال تعالى: ﴿وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا﴾ [مريم: ٥٢]، ﴿إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ﴾ [أي: بأني ﴿مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ﴾] قدَّر المؤلف الباء هنا لأن همزة (أن) مفتوحة، والقاعدة: أن همزة (أن) تكون مكسورة إذا جاءت بعد القول، كما في قوله تعالى: ﴿قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ﴾ [مريم: ٣٠] ولكنها هنا مفتوحة، فقدر المؤلف الباء، لأنَّه إذا قدرنا الباء صارت تُسْبَك هي وما بعدها بمصدر، وإذا سبكت (أن) وما بعدها بمصدر، صارت مفتوحة الهمزة، كما قال ابن مالك: وهَمْزَ إنَّ افْتَحْ لِسَدِّ مصدَرِ ... مَسَدَّها وفي سِوى ذاكَ اكْسِرِ

стр. 179

و ﴿مَسَّنِيَ﴾ يعني أصابني، و ﴿الشَّيْطَانُ﴾ هو شيطان الجن. وكان الشَّيطان قد آذاه. ولكن هل هو إيذاء نفسي بأن ألقى في قلبه الوساوس التي أنهكت بدنه، أو أنَّه إيذاء حسّى كما قال بعضهم: إنّ الشَّيطان نَفَث في جسده، حتَّى أصبح جسده كله جدري يعني حبوباً ضارة، فالله أعلم؛ يُحتمل هذا وهذا. قوله: ﴿مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ (٤١)﴾ النصب يعني الضرر، والعذاب يعني الألم. يقول المؤلف: [ونسبَ ذلك إلى الشَّيطان، وإن كانت الأشياء كلُّها من الله تعالى، تأدباً معه تعالى] نسب ذلك إلى الشَّيطان، لأنَّه السبب، وإلا فالأمر كله بقدر الله، والله تعالى بحكمته سلّط عليه الشَّيطان، ولكن تسلطه كان بقضاء الله وقدره. وأقول: نسبه إلى الشَّيطان، لأنَّه هو المباشر للعلة، وهو سبب لا شك، ولكنه سبب مباشر. وفي الحقيقة أنّ الشَّيطان إنَّما سُلِّط عليه بقضاء الله وقدره. والمؤلف يرى أَنَّه نَسبَ إلى الشَّيطان تأدُّباً، وإلا فالأصل نسبته إلى الله، فهو كقوله تعالى: ﴿وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا﴾ [الجن: ١٠] فالجن قالوا: ﴿أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾، ومعلوم أنّ مُريد الشر هو الله لحكمة، ﴿أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا﴾، فهم حذفوا الفاعل تأدباً مع الله ؛ لأنّ الشر ليس إليه. على كلّ حالٍ الشَّيطان هو الذي مسَّ أيوب، ومسَّه إمَّا أن يكون مساً نفسياً أو حسياً.

стр. 180

ولما نادى ربه ، وتضرع إليه، وعلم أن لا ملجأ من الله إلَّا إليه، وبعد أن تفرغ قلبه من كل شيء سوى الله، جاءه الفرج فقيل له: ﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ ... ﴾ أي: اضرب برجلك الأرض، فضرب الأرض بها فنبع منها الماء بإذن الله، ولم يحتج إلى حفار ولا إلى أحد يساعده. بل ضرب الأرض برجله ضربة واحدة فنبع الماء، والله على كل شيء قدير، وهذه إحدى الضربات التي نبع بها الماء على أنَّه آية من آيات الله. والثانية: موسى ضرب الحجر فانفجرت منه اثنتا عشرة عيناً. والثالثة: جبريل ضرب بجناحيه مكان زمزم، فنبع الماء، والله على كل شيء قدير. قال المؤلف ﵀: [فنبعت عين ماء فقيل له: ﴿هَذَا مُغْتَسَلٌ﴾ أي: ماء تغتسل به ﴿بَارِدٌ وَشَرَابٌ﴾ أي: تشرب منه، فاغتسل وشرب فذهب عنه كل داء كان بباطنه وظاهره] أي: أبيح له أن يغتسل ويشرب من الماء الذي نبع من الأرض، والغالب أن الماء النابع من الأرض يكون ساخناً، ولكن هذا بارد، فشرب منه واغتسل به، فذهب عنه كل داء كان في باطنه وظاهره بقدرة الله وإرادته. ثم قال الله تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ﴾. قال المؤلف: [أحيا الله له مَن مات من أولاده، ورزقه مثلهم]. فجعل المؤلف الهبة بمعنى الإحياء، ولكن هذا فيه نظر، لأنّ الإحياء يحتاج إلى ثبوت الإماتة من قبله، وليس في الآية ما يدلّ على هذا، بل
следующие страницы →