← Тафсир

Тафсир · id 151159

تفسير العثيمين: ص

ابن عثيمين

Полный текст (253 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

وأنّ محمدًا رسول الله، وقال: بيتي لبيت مال المسلمين، لما رأى العدل، انبهر وأسلم. ونقول: قد يكون سليمان ﵇ أراد بهذا العمل أن يُظهر قوة سلطانه وعظمته أمام أعدائه، وأن يفصَّل بين ما يكون فيه غرضٌ مقصود وبين ما ليس فيه غرض، والإنسان بشكل عامٍّ لا يشرع له أن يُذهب ماله ببناء القصور وتفخيمها. أما ذو السلطة الذي يريد أن يُظهر سلطته ليكون مهيباً أمام النَّاس حتَّى يتم له الأمر؛ لا حرج عليه في هذا. قال تعالى: ﴿وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ (٣٧) وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ (٣٨) هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ (٣٩)﴾. ١ - من فوائد هذه الآيات: كمال ملك سليمان ﵇ وسلطانه وتنظيمه لعمله وعمّاله، حيث جعل لكل طائفة ما يختص بها من العمل، فمنهم البنّاء، ومنهم الغوّاص. ومن تمام سلطانه؛ أن العاصي منهم والمتمرد قد صفده وقرنه مما يدل على عقوبة هؤلاء المخالفين. ٢ - ومن فوائدها: جواز التعزير بمثل هذا العمل؛ أي: بالشد والغلّ، وذلك لأنَّ التعزير لا يختصُّ بعقوبةٍ معينة، لأنّ المقصود به الإصلاح، فأي عقوبة كان بها الإصلاح، فهي الواجبة. وقد يكون التعزير بالضرب وبالحبس وبالحرمان من بعض الحقوق، وبالتغريم المالي، وبالتوبيخ أمام النَّاس، والتعزير يُقْصَد به الإصلاح، فأي طريق يُقْصَد به الإصلاح كان به التعزير.

стр. 177

٣ - ومن فوائدها: أن الله تعالى أباح لسليمان العطاء والإمساك كما يشاء، بدون أن يحاسبه على اختياره، ولكنّا نعلم أنّ سليمان لن يتجرأ على الإعطاء في معصية الله، ولا الإمساك عما أوجب الله، لأنَّه نبيٌّ من الأنبياء لا يُقر على خطأ، وتكون الإباحة له هنا في الأشياء التي يُباح له فعلها أو تركها، ويكون هذا من باب التوسعة الصريحة له أن يُمسك أو يعطي. ٤ - ومن فوائدها: أن الله لما ذكر بأنّه أنعم عليه في هذه الدُّنيا، وكان الواهم قد يتوهّم أن ذلك ينقص من ثوابه يوم القيامة؛ بين أنّ ثوابه في الآخرة لا ينقص بهذا العطاء الذي أعطاه له في الدُّنيا، فقال تعالى: ﴿وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ (٤٠)﴾. ٥ - ومن فوائد هذه الآية: أنّ النَّاس يختلفون في القرب من الله تعالى لقوله: ﴿وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ (٤٠)﴾. وأقربهم من الله جواراً يوم القيامة أقربهم من عبادته في الدُّنيا، فكلما كان الإنسان في الدُّنيا أقوم بطاعة الله، وأقرب إلى الله؛ كان في الآخرة كذلك، لأنّ الجزاء من جنس العمل. ٦ - ومن فوائدها: أنَّه ينبغي للإنسان أن ينظر إلى مآبه ومآله، هل هو حسن أو سيئ، حتَّى إذا كان سيئاً سعى في إصلاحه، وإن كان حسناً حمد الله وازداد من فضله. * * *

стр. 178

قال الله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ (٤١)﴾. الخطاب لرسول الله ﷺ ، ويجوز أن يكون موجهاً لكل من يتأتى خطابه من البشر، وقوله: ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا﴾ أعاد الفعل ﴿وَاذْكُرْ﴾ مع أَنَّه في قصَّة سليمان لم يعده بل قال: ﴿وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ﴾ [ص: ٣٠] ولم يقل: (اذكر). قال بعض العلماء: لأنَّ سليمان بن داود فقصتهما متقاربة، وكأنما هي قصَّة نبي واحد، أما أيوب فهو منفصل عنهما، ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ﴾ والمراد بالعبد هنا المتذلل لطاعة الله، وهذه العبودية من عبودية أخص الخاصة، لأنَّها عبودية الرسالة. وقوله: ﴿أَيُّوبَ﴾: عطف بيان أو بدل من ﴿عَبْدَنَا﴾. ﴿إِذْ نَادَى رَبَّهُ﴾: إذ: متعلقة بـ ﴿وَاذْكُرْ﴾ ويجوز أن تتعلق بمحذوف حالًا من عبد، يعني في حال نداء ربه، ﴿إِذْ نَادَى رَبَّهُ﴾ أي: دعاه بصوت مرتفع، لأنَّ النداء يكون بالصوت المرتفع، والمناجاة تكون بالصوت المنخفض، قال تعالى: ﴿وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا﴾ [مريم: ٥٢]، ﴿إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ﴾ [أي: بأني ﴿مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ﴾] قدَّر المؤلف الباء هنا لأن همزة (أن) مفتوحة، والقاعدة: أن همزة (أن) تكون مكسورة إذا جاءت بعد القول، كما في قوله تعالى: ﴿قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ﴾ [مريم: ٣٠] ولكنها هنا مفتوحة، فقدر المؤلف الباء، لأنَّه إذا قدرنا الباء صارت تُسْبَك هي وما بعدها بمصدر، وإذا سبكت (أن) وما بعدها بمصدر، صارت مفتوحة الهمزة، كما قال ابن مالك: وهَمْزَ إنَّ افْتَحْ لِسَدِّ مصدَرِ ... مَسَدَّها وفي سِوى ذاكَ اكْسِرِ

стр. 179

و ﴿مَسَّنِيَ﴾ يعني أصابني، و ﴿الشَّيْطَانُ﴾ هو شيطان الجن. وكان الشَّيطان قد آذاه. ولكن هل هو إيذاء نفسي بأن ألقى في قلبه الوساوس التي أنهكت بدنه، أو أنَّه إيذاء حسّى كما قال بعضهم: إنّ الشَّيطان نَفَث في جسده، حتَّى أصبح جسده كله جدري يعني حبوباً ضارة، فالله أعلم؛ يُحتمل هذا وهذا. قوله: ﴿مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ (٤١)﴾ النصب يعني الضرر، والعذاب يعني الألم. يقول المؤلف: [ونسبَ ذلك إلى الشَّيطان، وإن كانت الأشياء كلُّها من الله تعالى، تأدباً معه تعالى] نسب ذلك إلى الشَّيطان، لأنَّه السبب، وإلا فالأمر كله بقدر الله، والله تعالى بحكمته سلّط عليه الشَّيطان، ولكن تسلطه كان بقضاء الله وقدره. وأقول: نسبه إلى الشَّيطان، لأنَّه هو المباشر للعلة، وهو سبب لا شك، ولكنه سبب مباشر. وفي الحقيقة أنّ الشَّيطان إنَّما سُلِّط عليه بقضاء الله وقدره. والمؤلف يرى أَنَّه نَسبَ إلى الشَّيطان تأدُّباً، وإلا فالأصل نسبته إلى الله، فهو كقوله تعالى: ﴿وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا﴾ [الجن: ١٠] فالجن قالوا: ﴿أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾، ومعلوم أنّ مُريد الشر هو الله لحكمة، ﴿أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا﴾، فهم حذفوا الفاعل تأدباً مع الله ؛ لأنّ الشر ليس إليه. على كلّ حالٍ الشَّيطان هو الذي مسَّ أيوب، ومسَّه إمَّا أن يكون مساً نفسياً أو حسياً.

стр. 180

ولما نادى ربه ، وتضرع إليه، وعلم أن لا ملجأ من الله إلَّا إليه، وبعد أن تفرغ قلبه من كل شيء سوى الله، جاءه الفرج فقيل له: ﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ ... ﴾ أي: اضرب برجلك الأرض، فضرب الأرض بها فنبع منها الماء بإذن الله، ولم يحتج إلى حفار ولا إلى أحد يساعده. بل ضرب الأرض برجله ضربة واحدة فنبع الماء، والله على كل شيء قدير، وهذه إحدى الضربات التي نبع بها الماء على أنَّه آية من آيات الله. والثانية: موسى ضرب الحجر فانفجرت منه اثنتا عشرة عيناً. والثالثة: جبريل ضرب بجناحيه مكان زمزم، فنبع الماء، والله على كل شيء قدير. قال المؤلف ﵀: [فنبعت عين ماء فقيل له: ﴿هَذَا مُغْتَسَلٌ﴾ أي: ماء تغتسل به ﴿بَارِدٌ وَشَرَابٌ﴾ أي: تشرب منه، فاغتسل وشرب فذهب عنه كل داء كان بباطنه وظاهره] أي: أبيح له أن يغتسل ويشرب من الماء الذي نبع من الأرض، والغالب أن الماء النابع من الأرض يكون ساخناً، ولكن هذا بارد، فشرب منه واغتسل به، فذهب عنه كل داء كان في باطنه وظاهره بقدرة الله وإرادته. ثم قال الله تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ﴾. قال المؤلف: [أحيا الله له مَن مات من أولاده، ورزقه مثلهم]. فجعل المؤلف الهبة بمعنى الإحياء، ولكن هذا فيه نظر، لأنّ الإحياء يحتاج إلى ثبوت الإماتة من قبله، وليس في الآية ما يدلّ على هذا، بل

стр. 181

إن الله تعالى وهب له أهله حيث أووا إليه بعد أن شردوا منه، لأنَّ الرجل بسبب مرضه الحسي البدني أو النفسي، شرد منه أهلُه، وعجزوا عن أن يعيشوا معه، ولما عافاه الله، أوى إليه أهله، فتكون هذه الهبة إعادة ما سبق، كما سمّى عمرُ بن الخطاب ﵁ إعادة قيام رمضان جماعة سماها بدعة، وهي ليست بدعة في الواقع، وهذه هبة مع أنَّها ليست هبة، ولكنها إعادة موهوب شرد. وأمَّا القول بإحيائهم بعد إماتتهم فهذا يحتاج إلى ثبوت الإماتة من قبل، ولكن الصَّحيح أنَّه لم تثبت الإماتة ولا الإحياء، وإنَّما هذه الهبة إعادة موهوب سابق، لأنهم نفروا منه، وشردوا عنه. وقوله: ﴿وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ﴾ نقول: إن الله رزقه أولاداً جدداً؛ لأنّ زوجته رجعت، وصلحت حاله، وصار ينجب، فبارك الله له في ولده. ثم قال تعالى: ﴿رَحْمَةً مِنَّا وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ (٤٣)﴾. ﴿رَحْمَةً﴾ قال المؤلف: [نعمة، ﴿وَذِكْرَى﴾ موعظة] قوله: ﴿رَحْمَةً﴾ إن كان عائدًا على الأهل ومَن وُهب له من جديد؛ فهي رحمة مخلوقاً، والرحمة قد تطلق على المخلوق، كما قال الله ﵎: "أنت رحمتي أرحم بك مَن أشاء" (١) ولذلك فإن تفسير المؤلف للرحمة بالنعمة تفسير صحيح؛ إذا جعلنا الرحمة هنا عائدة على الأهل والأولاد ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ﴾ فإنّ تفسيره صحيح؛ لأنَّ الرحمة مخلوقة.

стр. 182

وإن أريد بالرحمة صفة الله ؛ يعني: أن هذا من رحمتنا؛ أي: ناشئ عن رحمة الله، فالرحمة هنا غير مخلوقة؛ لأنّ صفات الله غير مخلوقة. إذا كلام المؤلف لا يمكن أن يُخطَّأ على الإطلاق؛ حيث فسر الرحمة بالنعمة، ومعلوم أنّ الأشاعرة يفسرون رحمة الله بالنعمة والإحسان، ولا يرون أن لله رحمة هي صفته، فكلام المؤلف لا ينتقد من كل وجه لاحتمال أن يكون المراد بالرحمة ما وهب الله له من الأهل ومثلهم معهم، يعني أراد بها الموهوب، والموهوب لا شك أنَّه مخلوق، أما إذا أردنا أن نفسر قوله: ﴿رَحْمَةً مِنَّا﴾ برحمة من عندنا، أي: الرحمة التي هي صفة الله ، أي: أن هذا ناشئ من رحمتنا، الرحمة التي نحن متصفون بها، فإن تفسير المؤلف هنا ليس صحيحًا؛ لأنَّ الرحمة هنا تكون صفة من صفات الله، وليست بمعنى نعمة يعني خلقاً بائناً عن الله . قوله: ﴿رَحْمَةً﴾ تُعرب مفعول لأجله، وهذه علة سابقة، والعلل قسمان: علل غائية منتظرة، وعلل سابقة موجبة، فمثلًا إذا غضب الإنسان وضرب ولده، الضرب هنا من الغضب، لأنَّ العلة سابقة موجبة. أما إذا سافر الإنسان ليتَّجر، فهنا العلة غائية لاحقة. ﴿رَحْمَةً مِنَّا﴾، ﴿مِنَّا﴾ يعني نفسه ﵎، وأتى بصيغة الجمع، تعظيماً لله . والغريب أن الجمع من الألفاظ المتشابهة التي استدل بها النصراني على تعدُّد الآلهة، لأنَّ النصراني

стр. 183

يقول: إنّ الله ثالثُ ثلاثة، ليس إلهاً واحدًا، ويقول عندي دليل: خلقنا، أنزلنا، من لدنا، منا، عندنا، كل هذه تدل على الجمع، فنقول له: إنّ في قلبك لزيغاً، لأنك اتبعت المتشابه، ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ﴾ [آل عمران: ٧]، ما الذي أعمى بصيرتك عن قول الله تعالى: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ١٦٣]؟ هذا محكم، والإتيان بصيغة الجمع للتعظيم أمرٌ وارد في اللُّغة العربيَّة، حتَّى النَّاس أنفسهم وهم بشر -لا يستحقون من العظمة ما يستحقه الخالق- يعبرون عن أنفسهم بصيغة الجمع تعظيماً لأنفسهم. ﴿رَحْمَةً مِنَّا﴾ أي: من عند الله، ﴿وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ (٤٣)﴾ أي: عظة لأصحاب العقول، ﴿رَحْمَةً مِنَّا﴾ هذه خاصة بأيوب وأهله، ﴿وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ (٤٣)﴾ عامة، يتذكر بها أصحاب العقول، يتذكرون بأنّ المصائب تكون على الرسل وعلى غيرهم، وبأنّ الشَّيطان يمكن أن يسلّط على الرسول، ويتذكرون بها أن الإنسان إذا لجأ إلى ربه، ودعا ربه، فإن الله يجيبه، ويتذكرون بها أَنَّه كلما اشتد الكرب، قرُب الفرج، وقال رسول الله ﷺ : "اعلموا أنّ النصر مع الصبر، وأنّ الفرج مع الكرب، وأنّ مع العسر يسراً" (١). وقال تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ [البقرة: ٢١٤]، يعني قريب من هذه الحال التي

стр. 184

وصلت بالرسل إلى أن يقولوا: متى نصر الله؟ يعني يطلبونه شوقاً، لا استبعاداً، كأنهم يقولون: يا ربّ عجّل لنا بالنصر، فقال الله تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ (٢١٤)﴾. إذا ذكرى لأولي الألباب فيما يلي: أولاً: أنّ البلاء يشمل الأنبياء. ثانياً: أنّ الشَّيطان قد يسلّط على الأنبياء. ثالثًا: أنّ الله تعالى يجيب دعوة المضطرين إليه، إذا صدق الإنسان في دعوته. رابعاً: أنَّه كلما اشتدت الأمور؛ فانتظر الفرج، فهذا أيوب لما اشتد به الأمر، ولجأ إلى الله، أجاب الله تعالى دعاءَه. خامساً: زوال كرب النَّبيُّ أيوب ﵇ كان على يده، لأنَّ الله تعالى لم يُنزل شفاءً دون سبب ظاهر، بل بسبب هو الذي يباشره. قيل له: ﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ﴾ فضرب برجله فخرج الدواء، وقيل له: ﴿هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ (٤٢)﴾ فاغتسل فعالج نفسه إذًا هو الذي استخرج الدواء، وباشر العلاج، وكان علاجه على يده باستخراج الدواء واستعماله. قال تعالى: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ﴾، قال المؤلف: [﴿ضِغْثًا﴾ هو حزمة من حشيش أو قضبان ﴿فَاضْرِبْ بِهِ﴾ زوجتك، وكان قد حلف ليضربنَّها مئة ضربة لإبطائها عليه يومًا ﴿وَلَا تَحْنَثْ﴾ بترك ضربها، فأخذ مئة عود من الإذخر أو غيره، فضرب بها ضربةً واحدة].

стр. 185

وهذه الفتوى من الله لأيوب، أفتاه بها تسهيلاً عليه وعلى أهله. وقد أشرنا قبل قليل أنَّه لما أصيب بهذه المصيبة مِن قِبل الشَّيطان، مصيبة نفسية ومصيبة بدنية ظاهرة شرد أهله، ومن ضمنهم زوجته التي كان ينبغي أن تبقى معه على السراء والضراء، فحلف أن يضربها مئة ضربة؛ لأنَّها أغضبته وتركته. فلما شفاه الله من المرض وجب عليه أن يفي بيمينه فيضرب زوجته مئة ضربة. والمئة ضربة قد يكون فيها شيء من الاشمئزاز بالنسبة لزوجته، ومن الإحراج بالنسبة له؛ فأفتاه الله تعالى هذه الفتوى ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا﴾ فيه مئة شمراخ، واضربها به مرَّة واحدة، تكفي عن مئة ضربة، فأخذ بيده ضغثاً وضربها به ضربةً واحدةً، فصار ذلك براً بيمينه، ولهذا قال: ﴿فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ﴾، ومفعول ﴿فَاضْرِبْ﴾ محذوف وحذف -والعلم عند الله- للستر، لأنَّه ليس في القرآن أمر بضرب الزوجة، ولكنه جاء في القصص المعروفة عن بني إسرائيل. وليس المقصود أن نعرف عين المضروب، ولكن المقصود أنّ الضرب الذي كان قد حلف عليه؛ يحصل بأخذ هذا الضغث والضرب به. وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْنَثْ﴾ أصل الحنث: الإثم، كما قال تعالى: ﴿وَكَانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ﴾ [الواقعة: ٤٦] يعني على الإثم العظيم. والمراد به هنا أن لا يبر بيمينَّه، وعدم البر باليمين أن يترك ما حلف على فعله، أو يفعل ما حلف على تركه، وهذا هو الحنث. على سبيل المثال: حلف ليشترينَّ كتاباً قال: والله لأشترين كتاباً ولم يشتِر، حنث بترك ما حلف على فعله. أو حلف أن لا يبيع

стр. 186

الكتاب قال: والله لا أبيع الكتاب وباعه، حنث بفعل ما حلف على تركه، أو حلف ليشترينَّ هذا الكتاب، فاشتراه، فهذا برّ بيمينه، أو حلف ألا يبيع هذا الكتاب، فلم يبعه؛ برّ بيمينه، إذا موافقة اليمين برّ، ومخالفتها حنث. قال أهل العلم: يُؤخذ من هذا أنّ عدم إبرار اليمين مكروه إلى الله تعالى، لأنَّه يسمى حنثاً، ولكن من نعم الله أنه رخّص لعباده بفعله، ولكن إذا فعلوه كفّروا بكفارة عن الحنث، لأنَّه لو كانت الكفارة عن اليمين لكان كل من يحلف يكفّر، لكنها عن الحنث، لأنّ الأصل الإثم في مخالفة اليمين. ولكن من رحمة الله أن رخّص لنا الحنث وأن نكفّر عنه، ولهذا قال: ﴿فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ﴾. ثم قال: ﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا﴾ أي: وجدنا أيوب ﵊، يعني ألفيناه صابراً، و (وجدَ) فعل ينصب مفعولين: الأوَّل: (الهاء) في قوله: ﴿وَجَدْنَاهُ﴾، والثاني: ﴿صَابِرًا﴾ وصبر أيوب ﵊ كان صبراً على قدر الله، وهذا ظاهر؛ لأنَّه صبر على ما مسه من الشَّيطان، وكان صبراً عن معصية الله، لأنَّه لم يجزع ولم يسخط، وكان صبراً على طاعة الله، لأنَّه لجأ إلى الله، ودعا الله فأجابه. وأحياناً يكون الدواء بالدعاء أنجع بكثير من الدواء الحسي المادي، وفيما سبق إذا تعسرت الولادة، يؤتى إلى شخص، ويطلب منه أن يقرأ للحامل عند تعسُّر الولادة،

стр. 187

فيقرأ في ماء، ويذهبون به ويمسحون به ما حول المنطقة، وتشرب منه الحامل، فتضع بدون ألم، وهذا شيء مجرّب ومشاهَد، وهذا أهون بكثير من المعالجة بالأدوية الحسية المادية، فهو ﵊ لجأ إلى الله، وطلب الشفاء منه، وهذا صبرٌ على طاعة الله، فحصل له أنواع الصبر كلها. ثم قال تعالى: ﴿نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ (٤٤)﴾. صبر أيوب ﵇ هذا الصبر العظيم على المرض وفقد الأولاد وفقد الأهل، ومع ذلك لم ينس الله ، لجأ إليه عند الشدائد. وقوله: ﴿نِعْمَ الْعَبْدُ﴾ نعم: فعل ماضٍ جامد لإنشاء المدح، والعبد: فاعل. وهذا الفعل وشبهه، يحتاج إلى شيئين: إلى فاعل ومخصوص بالمدح، فإن تقدَّم ما يدل على المخصوص، اُستغني بما تقدَّم، وإلا فإنَّه يقدّر، وإن كان ظاهراً، فظاهر، فمثلًا هنا ﴿نِعْمَ الْعَبْدُ﴾ السياق يدلُّ على المخصوص، وحينئذٍ لا حاجة إلى تقديره، لأنَّه من المعروف أنّ العبد هو أيوب، فلا حاجة إلى التقدير. ولكن بعض النَّحويين يقدر ولو عُلِم، لأنَّه يرى أَنَّه لا بد من ذكر الفاعل والمخصوص. فيقول المؤلف: [﴿نِعْمَ الْعَبْدُ﴾ أيوب] أيوب هو المخصوص، والعبد فاعل. ﴿إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ هذه جملة استئنافية تعليلية، تعليلاً للثناء على أيوب أَنَّه نعم العبد، لأنَّه كان ﴿أَوَّابٌ﴾ أي: رجّاع إلى الله .

стр. 188

فوائد الآيات: ١ - في هذه الآيات الثّناء على أيوب ﵊ بما ذُكر من أوصاف، وفيها الإشارة بمناقبه، حيث أمر الله نبيه محمدًا ﷺ أن يذكرَ عبده أيوب. ٢ - ومن فوائدها: بيان أنّ الأنبياء عليهم الصَّلاة والسلام لا يملكون لأنفسهم نفعاً ولا ضراً لقوله تعالى: ﴿إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ﴾. ٣ - بيان صدق لجوء الأنبياء عليهم الصَّلاة والسلام إلى الله تعالى في كونهم يفزعون إليه عند الشدائد لقوله: ﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ (٤١)﴾. ٤ - ومن فوائدها: جواز إضافة الأشياء إلى أسبابها، لأنَّ أيوب ﵇ أضاف هذا الضر إلى الشَّيطان لأنَّه سببه. ٥ - ومن فوائدها: جواز التوسُّل إلى الله تعالى بحال العبد، لأنّ أيوب ﵊ توسّل إلى الله تعالى بحاله؛ وهو أنَّه مسّه الشَّيطان بنُصب وعذاب. ونظير هذا قول موسى: ﴿رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ [القصص: ٢٤] فتوسّل إلى الله تعالى بذكر حاله وأنّه فقير إلى الله ، وهذا أحد أنواع التوسُّل الجائز. ويحسن هنا ذكر أنواع التوسل وهي: أولاً: التوسُّل إلى الله تعالى بأسمائه. ثانياً: التوسُّل إلى الله تعالى بصفاته.

стр. 189

ثالثًا: التوسُّل إلى الله تعالى بأفعاله. رابعاً: التوسُّل إلى الله تعالى بذكر حال الداعي. خامساً: التوسُّل إلى الله تعالى بدعاء مَن ترجى إجابته. سادساً: التوسُّل إلى الله تعالى بالإيمان. سابعاً: التوسُّل إلى الله تعالى بالعمل الصالح. كل هذه الأنواع من التوسُّل جائزة. فالتوسُّل إلى الله بأسمائه مثل أن تقول: اللهم يا غفور اغفر لي. والتوسُّل إلى الله بصفاته مثل قولك: اللَّهم برحمتك أستغيث، اللَّهم بعلمك الغيب وقدرتك على الخلق، أحيني إذا علمت الحياة خيراً لي. والتوسُّل إلى الله بأفعاله مثل: اللَّهم صلِّ على محمَّد وعلى آل محمَّد كما صلَّيت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم. والتوسُّل إلى الله بذكر حال الداعي: كما في هذه الآية: ﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ (٤١)﴾. والتوسُّل إلى الله تعالى بدعاء مَن تُرجَى إجابته: كتوسل الصّحابة بدعاء النَّبيِّ ﷺ . والتوسُّل إلى الله تعالى بالإيمان مثل قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ﴾ [آل عمران: ١٩٣].

стр. 190

والتوسُّل إلى الله بالعمل الصالح: كقصة الثلاثة الذين لجؤوا إلى الغار، فانطبقت عليهم الصخرة، فتوسَّل كل منهم بعمله الصالح (١). أما التوسُّل الممنوع: فهو التوسل إلى الله تعالى بما لم يجعله وسيلة، لا شرعًا ولا قدراً، وهذا التوسل محرّم. وهو نوع من الاستهزاء بالله ، كأنَ الإنسان يتقدَّم بشيء يجعله وسيلة، وهو ليس بوسيلة، فكأنّه يستجهل الله . ٦ - ومن الفوائد: بيان إجابة الله للدعاء، وهو دليل على منته على عباده لقوله تعالى: ﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ﴾. ٧ - بيان قدرة الله حيث أنبع الماء من ضرب الرِّجل. ٨ - إثبات الأسباب لقوله تعالى: ﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ﴾ ولو شاء الله تعالىٍ لأنبع له الماء بدون الركض بالرِّجل، ولكنّ الله تعالى جعل ذلك سبباً. ٩ - أنّ الله تعالى قد يجعل السبب الضعيف الذي لا يقوم بالمسبَّب سببًا مؤثِّراً، كما أنّه قادر على أن يمنع السبب المؤثِّر فلا يؤثِّر؛ فالركض بالرجل ليس من العادة أن يُنبع الماء، والإلقاء في النَّار من العادة أن يحرق، فإبراهيم ﵊ أُلقي في النَّار ولم يحترق، وأيوب ﵊ ركض برجله الأرض

стр. 191

فنبع الماء. ففيه دليل على أنّ الله تعالى قد يجعل السبب الضعيف قوياً مؤثِّراً، ويجعل السبب القوي المؤثِّر غير مؤثِّر. ١٠ - بيان القدرة الإلهية بكون هذا الماء النابع من جوف الأرض بارداً وصالحاً للشرب. ١١ - الإشارة إلى المطهر للباطن، وهو ما يعرف عند النَّاس الآن بالهلول، أي يتخذون أشياء ملينة للبطن، تنظِّفه، لقوله: ﴿هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ (٤٢)﴾. ١٢ - أنّ الله تعالى يمُنُّ على العبد بأكثر مما فقد إذا صبر واحتسب، لأنّ أيوب ﵊ وهب الله له أهلَه ومثلهم معهم، فأنت اصبر، تظفر. ١٣ - أنّ ما حصل للإنسان مِن نعمة فإنَّه بمقتضى رحمة الله تعالى، لقوله: ﴿رَحْمَةً مِنَّا﴾. ١٤ - أنّ في هذه القصة العظيمة ذكرى لأولي الألباب، وقد بينا وجوه هذه الذكرى. ١٥ - جواز استعمال الحِيل المباحة لقوله تعالى: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ﴾، وهذا الحكم ثابت حتَّى في الشريعة الإسلامية، فلو حلف رجلٌ على أن يضربَ شخصاً مئة مرَّة، وكان هذا الشخص لا يتحمل الضرب مئة مرَّة، قال أهل العلم: فله أن يأخذ ضغثاً به مئة شمراخ؛ ويضرب به ضربة واحدة، وبنوا على هذا ما لو زنى رجلٌ مريض مرضاً لا يُرجى زواله، ولا يتحمل الضرب مئة على

стр. 192

انفراد، قالوا: فإنَّه يُجمع له ضغث به مئة عود، ويُضرب به ضربةً واحدةً، أخذاً بما أفتى الله به أيوب ﵊. ١٦ - أنّ الحنثَ في اليمين في الأصل حرام؛ لقوله: ﴿وَلَا تَحْنَثْ﴾، ولكنَّ الله تعالى يسّر لعباده، وأجاز لهم الحنث مع الكفارة، ولهذا قال تعالى: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾ [المائدة: ٨٩]، إلى قوله: ﴿وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾ [المائدة: ٨٩]، قال العلماء: ﴿وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾ أي: لا تُكثروا اليمين، وقال بعضهم: أي: احفظوها من الحنث، فلا تحنثوا فيها، والوجهان كلاهما لا يتنافيان. والإنسان ينبغي له أن يحفظ يمينه فلا يحنث، ولكن مع ذلك أحياناً يكون الحنث خيراً. وقد قسّم العلماء الحنث في اليمين إلى الأحكام الخمسة: قالوا: قد يجب الحنث، وقد يحَرُم، وقد يُكرَه، وقد يُستحَب، وقد يباح. فإذا حلف أن لا يصليّ مع الجماعة؛ فالحنث واجب؛ لأنَّه يجب أن يصلِّي ويُكفِّر. ولو حلف أن يشرب الخمر، فالحنث واجب، يجب أن يدعه وأن يكفّر. ولو حلف على أن لا يشرب الخمر، كان الحنث محرّم، لأنَّه لو شربها لفعل محرّماً، ووقع في المحرّم. ولو حلف أن لا يصلِّي راتبةَ الظهر، فالحنث هنا مستحب. ولو حلف أن يأكلَ بصلاً أو ثوماً، وهو ممن يحضر المسجد؛ كان الحنث مستحباً. ولو حلف على أن لا يأكل البصل، يكون الحنث مكروهاً. المهم أن

стр. 193

المكروه والمستحب متضادان، والواجب والمحرَّم متضادان، أمّا المباح فهو إذا تساوت المصلحة والمفسدة، فهو مباح. ١٧ - الثّناء على أيوب ﵊ بالصبر، لقوله تعالى: ﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا﴾ وهذا يتعدى إلى غيره أيضاً، فإنّ من كان صابراً فهو محل للثناء. ١٨ - الثّناء على أيوب ﵇ بهذا الوصف: ﴿نِعْمَ الْعَبْدُ﴾ والعبودية لله لا شك أنها تمام الحرية، وكلُّ مَن كان لله أعبد، فهو أشد تحرراً ممن كان على العكس. وقد قال ابن القيِّم ﵀ بيتاً في النونية مفيداً، قال: هربوا من الرِّقِّ الذي خُلقوا له ... وبُلُوا برِقِّ النفسِ والشيطانِ هؤلاء هربوا من عبادة الله وصاروا عبيداً لنفوسهم وشياطينهم، فأشرف أوصاف الإنسان أن يكون عبدًا لله ، أسأل الله تعالى أن يجعلني وإياكم من عباده الصَّالحين. ١٩ - الثّناء على أيوب ﵇ بكونه رجّاعاً إلى الله بفعل الطاعات وترك المعاصي لقوله: ﴿إِنَّهُ أَوَّابٌ (٤٤)﴾. وعلى هذا يكون هذا الوصف لكل مَن اتّصف به، وكل مَن كان رجَّاعاً إلى الله فإنَّه يُثنى عليه. ٢٠ - إثبات الأسباب، وجواز نسبة الشيء إلى سببه المعلوم حِساً، أو شرعًا بدون أن يُنسب إلى الله. فلو قلت مثلًا: سقطت في البحر، ولولا فلان لغرقتُ، لكان هذا صحيحًا، لأنَّه أضافه إلى

стр. 194

سببٍ معلوم، فلان هو الذي انتشله من الماء. ومن ذلك قول الرسول ﷺ في عمِّه أبي طالب: "لولا أنا لكان في الدَّركِ الأسفلِ من النَّار" (١) فأضاف الشيء إلى سببه المعلوم. أمّا إذا أضافه إلى سبب غير معلوم، فهذا نوعٌ من الشِّرك، ثم قد يكون شركًا أكبر، وقد يكون شركاً أصغر، بحسب الحال. فإذا قال: سقطت في البحر ولولا فلان -الولي الميت- لهلكت، لكان هذا شركاً، وهو شرك أكبر في هذه الحالة. * * * قال تعالى: ﴿وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ (٤٥)﴾. اذكر يا محمَّد، وتذكر أيها المخاطَب هؤلاء السادة الأبرار، ﴿وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ﴾ إبراهيم بدل من عبادنا، بدل بعض من كل، وما عطف عليه يكمل الكل. والعبادة هنا أخصّ الخاصة، لأنهّا عبودية الرسالة والنبوة، وإبراهيم ﵊ إمام الحنفاء، الذي أُمرنا باتباع ملته: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ﴾ [النحل: ١٢٣]، وإسحاق ابنه، ويعقوب حفيده ابن ابنه. قوله تعالى: ﴿أُولِي الْأَيْدِي﴾ قال المؤلف: [أصحاب القوى في العبادة، ﴿وَالْأَبْصَارِ (٤٥)﴾ البصائر في الدين] يعني اذكرهم مشيراً إلى قوتهم في الدين، لأنَّ الأيدي جمع يد والمراد باليد هنا القوة، وكذلك

стр. 195

الأبصار أي: البصائر في دين الله، لأنهم رسل، وأبصر النَّاس في عبادة الله هم الرسل. ﴿وَاذْكُرْ عِبَادَنَا﴾ قال المؤلف: [وفي قراءة ﴿عَبْدَنَا﴾، وإبراهيم بيان له، وما بعده عطف على عبدنا]، أي: أنَّها تقرأ بالجمع وبالإفراد، والقراءة هنا سبعية؛ لأنَّ القاعدة أن المؤلف إذا قال: [وفي قراءة] فهي سبعية، وإذا قال: [قرئ] فهي شاذة. ثم قال: ﴿إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ﴾ أي: نقيناهم وصفيناهم، لأنَّ إخلاص الشيء أن تزيل شوائبه حتَّى يبقى خالصاً، ومنه إخلاص الدين لله وهو أن تزيل عنه شوائب الشرك. وقوله: ﴿بِخَالِصَةٍ﴾ بينها المؤلف بقوله: [هي ذكرى الدار] أفاد المؤلف أن ﴿ذِكْرَى﴾ هي خبر مبتدأ محذوف تقديره: هي ذكرى، ويجوز أن تكون (ذكرى) بدلًا من (خالصة) أو عطف بيان لها. والمراد بالدار هنا الآخرة، أي: ذكرى الدار الآخرة. ذكرها والعمل لها. وفي قراءة بالإضافة، أي: ﴿بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ (٤٦)﴾ وهي للبيان، أي الإضافة هنا بيانية على تقدير مِنْ، لأنَّ الإضافة البيانية تكون على تقدير مِنْ، كما تقول: خاتم فضة، أي: من فضة، أو تقول: ثوب خز، أي: من خز. باب خشب، أي: من خشب، وهكذا قال: ﴿ذِكْرَى الدَّارِ﴾ أي: الدار الآخرة، أي: تذكرها والعمل لها. ﴿وَإِنَّهُمْ﴾ الضمير يعود على الثلاثة: إبراهيم وإسحاق ويعقوب ﴿عِنْدَنَا﴾ عند الله. والعندية هنا عندية المرتبة لا عندية المكان، لأنَّ مرتبتهم عند الله أنهم من هؤلاء ﴿الْمُصْطَفَيْنَ﴾.

стр. 196

المصطفى اسم مفعول بمعنى المختار، وهنا ﴿الْمُصْطَفَيْنَ﴾ جمع مذكر سالم، ولكن فيه إشكال، وهو أن المعروف أن جمع المذكر السالم يكسر ما قبل الياء، نقول: المسلمِين والمؤمنِين والقانتِين والصابرِين والصادقِين، وهنا ما قبل الياء مفتوح، والمعروف أن الذي يفتح فيه ما قبل الياء هو المثنى، كما تقول: الرجلَيْن والمسلمَيْن والمؤمنَيْن وهكذا، فلماذا فتح ما قبل الياء في ﴿الْمُصْطَفَيْنَ﴾؟ قال النحويون: لأنَّ أصله المصطفى بالألف فحذفت الألف لأنَّها ساكنة، ولأن الياء بعدها ساكنة فتحذف، كما قال ابن مالك: إن ساكنين التقيا اكسر ما سبق ... وإن يكن ليناً فحذفه استحق فالآن التقى ألف وياء فتحذف الأولى منهما وهي هنا الألف وتبقى الفتحة دليل عليها، ﴿الْمُصْطَفَيْنَ﴾ يعني في العبادة والعلم والرسالة ﴿الْأَخْيَارِ (٤٧)﴾ [جمع خيِّر بالتشديد]، والخيِّر على وزن فيعل، وهو كثير الخير، ولا شك أن هؤلاء الرسل الثلاثة فيهم خير كثير، وجاء من نسلهم رسل كرام، وأمم من أفضل الأمم. جاء من نسل إبراهيم أمة محمد ﷺ ، وهي أفضل الأمم وأكرمها عند الله. الفوائد: ١ - من فوائد هذه الآيات: الثّناء على إبراهيم وإسحاق ويعقوب عليهم الصَّلاة والسلام بأنهم أصحاب قوة في عبادة الله، وبصيرة في دين الله تعالى. ٢ - ومن فوائد هذه الآيات: أنَّه ينبغي ذكر أهل الخير بالثناء، لأنَّ في ذلك فائدتين:

стр. 197

الفائدة الأولى: إحياء ذكر هؤلاء ليتبين فضلهم ويُدعى لهم. والفائدة الثانية: الاقتداء بهم واتباعهم فيما هم عليه مما استحقوا به الثناء. ٣ - ومن فوائد هذه الآيات: أن الله تعالى أخلص هؤلاء بخالصة، وهي تذكُّر الدار الآخرة، بحيث لا ينغمسون في ترف الدنيا. ٤ - ويتفرع عن هذه الفائدة: أن مَن أنعم الله عليه بهذه الصفة وهي تذكُّر الدار الآخرة فإن هذا من الأمر الذي يستحق الثناء عليه هو، ويستحق الربّ عليه الشكر، حيث لم يجعل هذا ممن ينطوي في سلك أهل الدنيا. ٥ - ومن فوائد هذه الآيات: أن لله تعالى عبادًا مصطفين لقوله: ﴿وَإِنَّهُمْ عِنْدَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ﴾ لأن "من" هنا إما للجنس أو للتبعيض، فتدل دلالة واحدة. ٦ - ومن فوائدها: أنه إذا كان العامل له مراتب فإن العمل كذلك له مراتب، لأن العامل إنما ينال المراتب بحسب عمله. ويتفرع عن هذه الفائدة ما فيه دليل لمذهب أهل السنة والجماعة: مِن أن الإيمان يزيد وينقص. ٧ - ومن فوائد هذه الآيات: أن إبراهيم وإسحاق ويعقوب عليهم الصلاة والسلام من هؤلاء المصطفين. ٨ - ومن فوائدها أيضًا: أن مَن اصطفاهم الله فإنهم أصحاب خير وفضل لقوله تعالى: ﴿الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيَارِ (٤٧)﴾ فرتب الخيرين على الاصطفاء.

стр. 198

﴿وَاذْكُرْ إِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ﴾ إسماعيل ابن إبراهيم أفرده بالذكر، لأن سلالته تختلف عن سلالة إسحاق ويعقوب، فإسحاق ويعقوب سلالتهما بنو إسرائيل، وهؤلاء سلالتهم العرب، ولهذا أفرده. ﴿وَالْيَسَعَ﴾ وهو نبي، واللام زائدة، فإذا كانت اللام زائدة فإن الأصل هو يسع، وهو نبي ولكنه نبي رسول، لأن كل نبي ذكر في القرآن فهو رسول. ﴿وَذَا الْكِفْلِ﴾ مختلف في نبوته، فقيل: إنه نبي، والكفل يعني العمل والنصيب، يعني صاحب العمل الكثير والنصيب، هذا على القول بأنه رسول، أما على القول بأنه غير رسول فقد قال المؤلف: [قيل: إنه كفل مئة نبي فروا إليه من القتل]، وكلمة قيل: تدل على أنه ضعيف، فالظاهر أن معنى ذا الكفل صاحب العمل الكثير، والجد والنشاط. ﴿وَكُلٌّ﴾ أي: كلهم، وعلى هذا فإن التنوين عوض عن اسم كلهم ﴿مِنَ الْأَخْيَارِ (٤٨)﴾ [جمع خيِّر بالتثقيل]. وقول المؤلف: [جمع خيِّر بالتثقيل] مثل قوله السابق: [جمع خيِّر بالتشديد]. الفوائد: ١ - من فوائد هذه الآية: الثناء على إسماعيل واليسع وذا الكفل عليهم الصلاة والسلام، لأن الله أمر بذكرهم للثناء عليهم، وبيان فضيلة هؤلاء الرسل الثلاثة: إسماعيل واليسع وذا الكفل عليهم الصلاة والسلام. ٢ - ومن فوائدها: أن لله عبادًا أخيارًا منهم هؤلاء الثلاثة، لقوله: ﴿وَكُلٌّ مِنَ الْأَخْيَارِ (٤٨)﴾.

стр. 199

٣ - ومن فوائدها: أن لله تعالى فضلًا على بعض العباد، يحُرمه البعض الآخر. حيث يجعل هؤلاء من المصطفين الأخيار، والآخرين على العكس من ذلك. ﴿هَذَا ذِكْرٌ﴾ قال المؤلف: [لهم بالثناء الجميل هنا ﴿وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ﴾ الشاملين لهم ﴿لَحُسْنَ مَآبٍ (٤٩)﴾ مرجع في الآخرة]. قوله: ﴿هَذَا ذِكْرٌ﴾ يحتمل ما قال المؤلف، أي: أن هذا ذكر لهؤلاء السادة بالثناء الجميل، ويحتمل أن المراد هذا ذكر للناس، أي: تذكير لهم، كما قال الله تعالى في أول السورة: ﴿ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ (١)﴾ وهذا الأخير أرجح، يعني هذا المذكور في آخر السورة ذكر لجميع الناس، ثم الناس ينقسمون إلى متَّقٍ وغير متَّقٍ ﴿وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ﴾ ومنهم الرسل بل سادة المتقين وعلى رؤوسهم، ﴿لَحُسْنَ مَآبٍ (٤٩)﴾ أي: مرجع، وهنا قال: ﴿لَحُسْنَ﴾ وفيه إشكال حيث إنه منصوب مع دخول اللام عليه، وهي لام الابتداء، وتسمى باللام المزحلقة دخلت على "حسن" اسم "إن" مؤخر، و ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾: خبر مقدم. ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾: بدل أو عطف بيان ﴿لَحُسْنَ مَآبٍ (٤٩)﴾ ولهذا نصبت (جَنَّاتِ﴾ لكن نصبت بالكسرة نيابة عن الفتحة، والجنة في الأصل البستان الكثير الأشجار، سمّي به لأن يَجُنُّ مَن كان فيه أي: يستره، والمراد بها دار النعيم التي أعدها الله للمتقين في الآخرة، وعدن بمعنى إقامة، أي: الجنات التي يقيم فيها ساكنها ولا يتحول

стр. 200

عنها، ولا يبغي عنها حولًا، ولا يرى أن لغيره فضلًا عليه، كلّ واحد من أهل الجنة يرى أنه لا فضل لأحد عليه، وهذا هو تمام النعيم، لأن الإنسان إذا رأى أن غيره أفضل منه احتقر ما أعطاه الله، ولهذا قال النبي ﷺ : "انظروا إلى من هو أسفل منكم ولا تنظروا إلى من هو فوقكم" (١). قال: ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوَابُ (٥٠)﴾ مفتحة ولم يقل: مفتوحة، وذلك لكثرة الفاتحين أو لكثرة الأبواب أو لهما جميعًا. فعلى الأول كثرة الفاتحين، يكون المعنى أن لهم خدمًا كثيرين يفتحون لهم الأبواب، وعلى الثاني يدل على أن أبوابها كثيرة لكثرة من يدخلها. ومن المعلوم أن أبواب الجنة الأصلية الكبيرة ثمانية، ولكن هناك غرف في وسط الجنة تجري من تحتها الأنهار لها أبواب فتفتح لهم الأبواب. ﴿مُتَّكِئِينَ فِيهَا﴾ أي: في هذه الجنات، والاتكاء يدل على الهدوء والطمأنينة وعدم القلق، وأيضًا يدل على أن الإنسان ذو سلطان يُخدمَ ولا يَخدِم. وقوله: ﴿فِيهَا﴾ أي: في الجنات. وبيَّن المؤلف على أي شيء يتكئون فقال: [على الأرائك]، كما جاء ذلك في آيات أخرى. ﴿يَدْعُونَ فِيهَا بِفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ﴾ يدعون، أي: يطلبون يعني يقولون: هاتوا فاكهة ﴿كَثِيرَةٍ﴾ كثيرة النوع وكثيرة العين، أي:

стр. 201

أنواع كثيرة، وكذلك أعيان كثيرة. لو تطلب أيّما تطلب حصل لك. ﴿وَشَرَابٍ (٥١)﴾: هذا الشراب بيَّن الله أنواعه وأجناسه بأنه أربعة ﴿فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى﴾ [محمد: ١٥] هذه أربعة أنواعٍ من شراب الجنة، ولكن هذه الأصناف تختلف عما في الدنيا اختلافا عظيمًا، أي: فلا تظن أن الماء كالماء الذي في الدنيا، أو أن العسل كالعسل الذي في الدنيا، أو أن اللبن كاللبن الذي في الدنيا، أو أن الخمر كالخمر الذي في الدنيا، بل تختلف اختلافًا عظيمًا لقوله تعالى: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ [السجدة: ١٧] ولو كان لا يختلف لكنا نعلم هذا، وقال الله تعالى في الحديث القدسي: "أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر" (١) اللهم اجعلنا من أهلها. ﴿وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ﴾ قال المؤلف: [حابسات العين على أزواجهن] قاصرات الطرف، أي: حابسات، والطرف: النظر، أي: أنهن يقصرن النظر على أزواجهن. هذا معنى من المعاني. والمعنى الثاني: قاصرات طرف أزواجهن فلا ينظر أزواجهن إلى غيرهن، والفرق بينهما ظاهر، ولكن اللفظ صالح للأمرين، فهن قاصرات طرفهن لا ينظرن إلى غير أزواجهن، وهن قاصرات طرف أزواجهن، فلا ينظر أزواجهن إلى غيرهن.

стр. 202

أما نساء الدنيا فإن بعض النساء إذا خرجت إلى السوق أخذت تنظر إلى الرجال، وتقارن بين هذا الرجل وبين زوجها، وكذلك الرجل إذا خرج إلى السوق فبعض الرجال يتطلع إلى النساء ويقارن بين مَن يرى من النساء وبين زوجته، وتجده إذا وجد من النساء من هي أجمل من امرأته انشغل قلبه بها، وأعرض عن امرأته، وزهد فيها، ولهذا كان من الحكمة العظيمة وجوب ستر الوجه لأن الرجل إذا لم ير وجه المرأة لم يتغير نظره بالنسبة إلى امرأته، لكن إذا رأى امرأة كالشمس، وزوجته على خلاف ذلك، تعلق قلبه بهذه المرأة التي كالشمس، وزهد في امرأته. ﴿أَتْرَابٌ (٥٢)﴾ يعني أنهن على سن واحدة شابات بنات ثلاث وثلاثين سنة. كذلك أهل الجنة يدخلون الجنة وهم أبناء ثلاث وثلاثين سنة، ولا يتغير أحد منهم، يبقى على ما هو عليه، وكونهن أتراب يقال: إنهن أتراب في السن، وأتراب في الجمال، وفي كل شيء، لئلا يميل الإنسان إلى من فاقت غيرها، ويكون نظره إليهن على حد سواء. قال الله تعالى: ﴿هَذَا مَا تُوعَدُونَ﴾ قال المؤلف: في القراءات في ﴿تُوعَدُونَ﴾ [بالغيبة والخطاب التفاتًا]، الخطاب (ما توعدون)، والغيبة (ما يوعدون)، والقراءتان سبعيتان قال المؤلف: [التفاتًا] أيهم الذي فيه التفات الغيبة أم الخطاب؟ قال تعالى: ﴿هَذَا ذِكْرٌ وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ (٤٩) جَنَّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوَابُ (٥٠)﴾ لهم غيبة ﴿مُتَّكِئِينَ فِيهَا يَدْعُونَ فِيهَا بِفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وَشَرَابٍ (٥١)﴾ يدعون غيبة ﴿وَعِنْدَهُمْ﴾ غيبة إذًا

стр. 203

الالتفات في أي شيء؟ الالتفات في الخطاب ﴿هَذَا مَا تُوعَدُونَ﴾ يعني يقال لهم: ﴿هَذَا مَا تُوعَدُونَ﴾ على ضمير الخطاب وعلى ضمير الغيبة يكون هذا خبر من الله بأن المذكور هو الذي يوعدون به يوم القيامة. ﴿لِيَوْمِ الْحِسَابِ (٥٣)﴾ قال المؤلف ﵀: [أي: لأجله] هذا ما مشى عليه المؤلف، أي: أن اللام في قوله: ﴿لِيَوْمِ﴾ للتعليل، ولكن الصحيح أن اللام للتوقيت فهي كقوله تعالى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١] فاللام هنا بمعنى "في" لأنها للتوقيت، أي: هذا ما توعدون في ذلك اليوم ﴿لِيَوْمِ الْحِسَابِ (٥٣)﴾ وهو يوم القيامة، وسمي يوم الحساب، لأن الناس يحاسبون فيه على أعمالهم. قال: ﴿إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِنْ نَفَادٍ (٥٤)﴾ إنّ هذا يعني المشار إليه ما ذكر من نعيم الجنة ﴿لَرِزْقُنَا﴾ لعطاؤنا، واللام في قوله: ﴿لَرِزْقُنَا﴾ للتوكيد، ﴿مَا لَهُ مِنْ نَفَادٍ (٥٤)﴾ من: حرف جر زائد لفظًا ومعنىً، نفاد: اسم مجرور لفظًا بـ "من" في محل رفع مبتدأ مؤخر. ﴿مَا لَهُ مِنْ نَفَادٍ (٥٤)﴾ أي: انقطاع، و"ما" هنا يتفق فيها التميميون والحجازيون لتقدم الخبر، ولا تكون ما حجازية إلا مع الترتيب، لقول ابن مالك: إعمالَ ليس أُعمِلَتْ ما دونَ إنْ ... مع بقا النفي وترتيبٍ زُكِنْ قال المؤلف: ﴿مَا لَهُ مِنْ نَفَادٍ﴾ أي: انقطاع، والجملة حال من (رزقنا) أو خبر ثانٍ لـ"إن" أي: دائمًا أو دائم]. اختصار شديد من المؤلف ﵀. والجملة حال من (رزقنا) وعلى هذا يكون المعنى

стр. 204

﴿مَا لَهُ مِنْ نَفَادٍ﴾ أي: انقطاع، دائمًا، أو نقول: خبر ثانٍ لـ"إن" هذا لرزقنا، إن هذا ما له من نفاد، ويكون التقدير دائم إذًا في الكلام لف ونشر مرتب. الفوائد: ١ - من فوائد هذه الآيات: أن القرآن الكريم ذِكْرٌ يُذْكَر به الله بتلاوته، وذكر يتذكر به الإنسان معاده ومعاشه. وذكر يُذكِّر به غيره. وقد ذكرنا هذا في أول السورة. ٢ - ومن فوائد هذه الآيات: بشارة المتقين بأن لهم حسن المآب، أي: المرجع، وعلى العكس من ذلك غير المتقين لهم سوء المآب، لأن الله إذا حكم للشيء بصفة من الصفات، فإنه يُحكَم له بضده إذا انتفت هذه الصفة. لو قال قائل: لماذا لا تقولون: إنه إذا انتفت هذه الصفة ولم تثبت الصفة المتضادة، فلا يستحق الثناء المثبت بالصفة، ولا القدح الذي يكون بضدها؟ فالجواب على ذلك أن نقول: لا شك أن الأمورَ طرفان ووسط، الطرفان متضادان، والوسط بينهما، لكن قد دل الكتاب والسنة على أن التقوى وضدها ليست طرفًا ووسطًا بل هما طرفان متقابلان، كما قال الله تعالى: ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ﴾ [يونس: ٣٢] فإذا ثبت للمتقين حسن المآب فلغيرهم سوء المآب، ولا نجعل هنا شيئًا وسطًا، لأنه لا وساطة بين الإيمان والكفر، والتقوى والفسوق. ٣ - ومن فوائد هذه الآية: الحث على التقوى وذلك بذكر ثوابها. لأن الحث على الشيء يكون بالأمر به كما هو ظاهر، ويكون

стр. 205

بالوعيد على تركه والثناء على فعله. وطرق الحث على الشيء متنوعة ومنها ذكر حسن المآب. ٤ - من فوائد قوله تعالى: ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوَابُ (٥٠)﴾: إثبات الجنات لهؤلاء، وأنها هي حسن المآب لقوله: ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾ ولا شك أن أحسن مآب يؤوب إليه البشر هو الجنات، فإن فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. وكل إنسان مؤمن إنما يسعى إلى الوصول إلى هذه الغاية العظيمة. ٥ - ومن فوائدها: أن الجنات دار إقامة لقوله: ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾ فالناس مقيمون فيها لا يرحلون عنها، ولا يبغون عنها حولًا ففيها إقامتان: إقامة لا ارتحال عنها. والإقامة الثانية لا يبغي المقيم عنها حولًا. يرى أنها محل إقامة وأنها أشرف مكان، وذلك لأنه لو رأى أن غيره أشرف منه لم يتم نعيمه، لأنه يرى أنه قاصر، وهذا بخلاف أهل النار فكل واحد يرى أنه لا أحد أشد منه عذابًا؛ لأنه لو رأى أن أحدًا أشد منه عذابًا لتسلى به، لكنه بالعكس يرى أنه أشد الناس عذابًا. وأهل الجنة لا يرى أحدهم أن أحدًا آخر أكمل منه نعيمًا، على وجه يفوقه، بل يرى أنه هو في أكمل ما يكون من النعيم حتى لا يتنغص عليه نعيمه. ٦ - ومن فوائد الآية: أن للجنة أبوابًا لقوله: ﴿مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوَابُ (٥٠)﴾.

стр. 206

٧ - ومن فوائدها: كثرة الخدم المستفاد من قوله: ﴿مُفَتَّحَةً﴾ ولم يقل: مفتوحة، بل هي تفتح. ويستقبلون بها، كلما دنوا من غرفة فتحت لهم الأبواب. ٨ - من فوائد قوله تعالى: ﴿مُتَّكِئِينَ فِيهَا يَدْعُونَ فِيهَا بِفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وَشَرَابٍ (٥١)﴾ وَعِنْدَهُمْ: أن أهل الجنة يطلبون كل ما يشتهون من الفواكه لقوله: ﴿مُتَّكِئِينَ فِيهَا يَدْعُونَ فِيهَا بِفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ﴾ في سورة الدخان: ﴿يَدْعُونَ فِيهَا بِكُلِّ فَاكِهَةٍ آمِنِينَ (٥٥)﴾ [الدخان: ٥٥]. ٩ - ومن فوائدها: أن لأهل الجنة شرابًا، يدعون فيها بكل شراب، وقد مر علينا في التفسير أن أنواع الشراب أربعة. ١٠ - من فوائد قوله تعالى: ﴿وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ أَتْرَابٌ (٥٢)﴾ ما في الجنة من الأزواج المطهرة العفيفات البالغات في الحُسْن غايته لقوله: ﴿وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ﴾. ١١ - ومن فوائدها: أن هؤلاء قاصرات الطرف، خيرات الأخلاق، طيبات ليس فيهن نشوز إطلاقًا لقوله: ﴿وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ﴾ في الدنيا الزوجة تارة تكون عندك، وتارة تغضب وتذهب إلى أهلها. لكن في الجنة زوجاتهم دائمًا عندهم، ليس هناك نشوز ولا غضب، بل أخلاق طيبة على ما ينبغي. ١٢ - ومن فوائدهما: كمال عفة هؤلاء النساء لكونهن قاصرات الطرف على أزواجهن، لا ينظرن إلى غير أزواجهن، وفيها كمال جمال هؤلاء النساء، لأنهن يقصرن أطراف أزواجهن عليهن، فالزوج لا ينظر إلى غيرها؛ لأنها قد ملأت عينه، وسرت قلبه.

стр. 207

١٣ - ومن فوائدها: أن هؤلاء النساء أو هؤلاء الأزواج أتراب متساويات في السن والخلق، بحيث لا تغار واحدة من الأخرى لكونها أجمل منها، أو أسن منها، أو ما أشبه ذلك لقوله: ﴿أَتْرَابٌ﴾. ١٤ - ومن فوائد قوله تعالى: ﴿هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِيَوْمِ الْحِسَابِ (٥٣)﴾: أنهم يخاطبون بما يسرهم، ويدخل السرور في قلوبهم لقوله: ﴿هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِيَوْمِ الْحِسَابِ (٥٣)﴾ عكس أهل النار فإنهم يوبخون ﴿أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ [غافر: ٥٠] وما أشبه ذلك، أما هؤلاء فيدخل في قلوبهم السرور فيقال لهم: ﴿هَذَا مَا تُوعَدُونَ﴾ به أخذتموه، ووصلتم إليه، وجنيتموه. ١٥ - ومن فوائد هذه الآية: إثبات يوم القيامة، وأنه يوم الحساب لقوله: ﴿لِيَوْمِ الْحِسَابِ (٥٣)﴾. ١٦ - ومن فوائدها: حث الناس على العمل، لأنه كلما تذكر الإنسان أنه سوف يحاسب عن عمله، فإنه سوف يحرص ويجتهد في العمل حتى لا يحاسب على شيء يكون عليه. ١٧ - من فوائد قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِنْ نَفَادٍ (٥٤)﴾ كان هذه الجنات التي وعد بها هؤلاء المتقون فضل من الله ومنَّة لقوله: ﴿إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا﴾. ١٨ - ومن فوائدها: أن هذا الرزق لا ينفد أبدًا، ولا ينقطع أبدًا. فالفاكهة في كل وقت، ولحم الطير في كل وقت، والشراب في كل وقت، والزوجات في كل وقت، وليس في الجنة فصل صيف

стр. 208

ليس فيه فاكهة شتاء، ولا فيها فصل شتاء ليس فيه فاكهة صيف. بل كل شيء ليس له نفاد. قال: ﴿هَذَا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ (٥٥)﴾ هذا: مبتدأ، لا بد له من خبر، وخبره محذوف قدَّره المؤلف بقوله: [للمؤمنين]، ولكن الصحيح أن نقدر: للمتقين، لأن الله قال: ﴿هَذَا ذِكْرٌ وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ (٤٩)﴾ فالأولى أن نقول: هذا للمتقين، فما لغيرهم؟ قال: ﴿وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ﴾ كلام مستأنف ﴿وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ﴾ الطاغين: جمع طاغية، والطاغي مَن تجاوز الحدَّ، وحد الإنسان أن يكون عبدًا لله ممتثلًا لأمره مجتنبًا لنهيه، فمن لم يمتثل للأمر فهو طاغ، ومن ارتكب النهي فهو طاغ. قال تعالى: ﴿اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى﴾ [طه: ٢٤]. فإن قال قائل: ما الشاهد على أن الطغيان تجاوز الحد؟ قلنا: قوله تعالى: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ﴾ [الحاقة: ١١]. أي: لما تجاوز الماء حدّه. ﴿لَشَرَّ مَآبٍ﴾ أي: شّر مرجع، وشر منصوبة على أنها اسم إن مؤخر. ما هو شر المآب؟ قال: ﴿جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمِهَادُ (٥٦)﴾ هذا عطف بيان ﴿لَشَرَّ مَآبٍ (٥٥)﴾ وهي نار جهنم، سميت بهذا الاسم لأنها تتضمن الجهمة لسوادها، لأنه ليس فيها نور، ولبعد قعرها -والعياذ بالله- فقد سمع النبي ﷺ ذات يوم وهو وأصحابه ﵃ في المدينة وجبة، يعني وقعة شيء، فقال: "أتدرون ما هذا"؟

стр. 209

قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: "هذا حجر رمي به في النار منذ سبعين خريفًا فهو يهوي في النار حتى انتهى إلى قعرها" (١) سبعين سنة، هو حجر كبير له صوت عظيم يهوي في النار، لأنها بعيدة القعر جدًا، ولهذا صارت مدلهمة -والعياذ بالله- سوداء. وقيل: إن لفظ جهنم ليس عربيًا وأن أصله في الفارسية كهنام، ولكنه عرب فصار جهنم. وعلى هذا فلا يرد علينا أنه من الجهمة، وهو السواد والبعد، فيقال: جهنم اسم للنار علم غير مشتق، وأيًّا كان فهو اسم من أسماء النار نعوذ بالله منها. ﴿يَصْلَوْنَهَا﴾ حال، لأن جهنم معرفة، والمعرفة تكون الجملة بعدها حالًا. ﴿يَصْلَوْنَهَا﴾ قال المؤلف: [أي: يدخلونها]، لكن هذا لا يكفي، بل يصلونها، يعذبون بصلاها، وهو شدة الحرارة ﴿فَبِئْسَ الْمِهَادُ (٥٦)﴾: الفراش، كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا﴾ [النبأ: ٦] وفي آية أخرى ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا﴾ [البقرة: ٢٢] ﴿فَبِئْسَ الْمِهَادُ (٥٦)﴾ أي: هي، لأنه -والعياذ بالله- افتراشها شديد، ولحافها شديد، قال تعالى: ﴿لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ﴾ [الزمر: ١٦] نعوذ بالله. ﴿هَذَا﴾ قال المؤلف ﵀: [أي: العذاب المفهوم مما بعده ﴿فَلْيَذُوقُوهُ﴾]، اللام في قوله: ﴿فَلْيَذُوقُوهُ﴾ للأمر، والدليل على أنها لام الأمر وليست لام التعليل، أنها سكنت بعد الفاء، ولام

стр. 210

الأمر تسكن بعد الفاء والواو وثم. ﴿فَلْيَذُوقُوهُ﴾ أي: فليكتووا بحره، والاكتواء بحره هو ذوق، وذوق كل شيء بحسبه، فالطعام والشراب يذوقه الإنسان بمذاق الفم، والنار يذوقها بحرارتها في أي موضع من مواضع الجسم، والبرد كذلك يذوقه بلسعه في أي موضع من الجسم ﴿فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ﴾ قال المؤلف: [أي: ماء حار محرق، ﴿وَغَسَّاقٌ﴾ بالتخفيف والتشديد ما يسيل من صديد أهل النار] نعوذ بالله. ﴿هَذَا﴾: مبتدأ، و ﴿حَمِيمٌ﴾: خبر، ﴿وَغَسَّاقٌ﴾: معطوف عليه، وتكون جملة ﴿فَلْيَذُوقُوهُ﴾ معترضة بين المبتدأ والخبر للمبادرة بإهانتهم، فإن قوله: ﴿فَلْيَذُوقُوهُ﴾ لا شك أنه إهانة، فمن أجل المبادرة قدّم هذا على الخبر، أي: قدّم قوله: ﴿فَلْيَذُوقُوهُ﴾ وأصل الكلام على الترتيب: هذا حميم وغساق فليذوقوه. انظر للشراب ﴿حَمِيمٌ﴾: ماء حار، وليست حرارته سهلة أو يسيرة، قال تعالى: ﴿وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ﴾ [الكهف: ٢٩] أولًا لا يأتيهم هذا الشراب بسهولة، إنما يأتيهم بعد أن يعطشوا عطشًا شديدًا ثم يسألوا الله أن يغيثهم من هذا العطش، وإذأ أغيثوا يغاثوا بهذا الماء كالمهل يشوي الوجوه، إذا دنى من وجوه مَن يشربوه شواها، قال العلماء: تتساقط لحوم الوجه، ثم إذا شربوا في البطون قطع أمعاءهم، قال تعالى: ﴿وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ﴾ [محمد: ١٥] فيقطع ظاهرهم وباطنهم والعياذ بالله، قارن بين هذا الشراب وبين شراب أهل الجنة: ﴿أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ

стр. 211

يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى﴾ [محمد: ١٥] ومع ذلك يشربون ما يشاؤون، وهذه الأنهار لا تجري في أخاديد، ولا ضمن جدران تمنع سيلان الماء، إنما تجري على وجه الأرض، قال ابن القيم في النونية: أنهارُها في غيرِ أخدودٍ جَرَتْ ... سبحانَ مُمْسِكِها عن الفيضان والغساق أيضًا -والعياذ بالله- بمجرد ما تسمع معناه تشمئز، صديد أهل النار، الصديد الذي يجري من أجسامهم من احتراقها هذا أيضًا نوع من شرابهم، فصار شرابهم إما ماء حار يشوي الوجوه ويقطع الأمعاء، وإما صديد أهل النار ﴿يَتَجَرَّعُهُ وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِنْ وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ﴾ [إبراهيم: ١٧]. قال الله : ﴿وَآخَرُ﴾ قال المؤلف ﵀: [بالجمع والإفراد] ﴿وَآخَرُ﴾ مفرد و ﴿وَأُخَرُ﴾ جمع، ففيها قراءتان سبعيتان، ﴿مِنْ شَكْلِهِ﴾ أي: من جنسه، [أي: مثل المذكور من الحميم والغساق ﴿أَزْوَاجٌ (٥٨)﴾ أي: أصناف، أي عذابهم من أنواع مختلفة]. ﴿وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ﴾ من جنسه، ﴿أَزْوَاجٌ (٥٨)﴾ أصناف من العذاب يعذبون بها كما أراد الله ، ويهانون غاية الإهانة، يقرعون ويوبخون، ثم يُمَنَّونَ بالخروج، ترتفع بهم النار حتى يقتربوا من أبوابها ﴿كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا﴾ [السجدة: ٢٠] وهذا من شدة العذاب. لو أن شخصًا محبوسًا، وكان يقرب من الباب، يظن أنه سيخرج فإذا به يرد، فهذا أشد عذابًا عليه مما لو

стр. 212

بقي في مكانه، فهم يُنَوَّع عليهم العذاب أنواعًا عظيمة لا تخطر بالبال، ولا تدور في الخيال. قال المؤلف: ﴿وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ (٥٨)﴾: أصناف، أي: عذابهم من أنواع مختلفة. ويقال لهم عند دخولهم النار بأتباعهم ﴿هَذَا فَوْجٌ﴾ جمع ﴿مُقْتَحِمٌ﴾ داخل ﴿مَعَكُمْ﴾ النار بشدة، فيقول المتبوعون: ﴿لَا مَرْحَبًا بِهِمْ﴾ أي: لا سَعة عليهم ﴿إِنَّهُمْ صَالُو النَّارِ (٥٩)﴾ ﴿قَالُوا﴾ أي: الأتباع: ﴿بَلْ أَنْتُمْ لَا مَرْحَبًا بِكُمْ أَنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ﴾ أي: الكفر ﴿لَنَا فَبِئْسَ الْقَرَارُ (٦٠)﴾ لنا ولكم النار] أعوذ بالله ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف: ٦٧] انظر كيف العداوة بين أهل النار ﴿كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا﴾ [الأعراف: ٣٨] وهكذا المجرمون في الدنيا الذين يوالي بعضهم بعضًا سوف يكونون يوم القيامة أعداء. فلا ولاية لأحد في الآخرة إلا من كان متقيًا، هؤلاء هم الذين تبقى ولايتهم، وأما غير المتقين فهم فإن كانوا أولياء في الدنيا فإن ولايتهم في الآخرة تزول نهائيًا. ﴿هَذَا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ﴾ الفوج: الطائفة، والغالب أنها تكون للطائفة الكبيرة ﴿مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ﴾ أي: داخل بمشقة، لأن الاقتحام لا بد أن يكون هناك ازدحام شديد ﴿فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ﴾ [البلد: ١١] أي: صعدها بشدة، هؤلاء أيضًا يدخلون النار بزحام شديد، فهو فوج مقتحم معكم، أي: يقال لهم، إذا دخلوا النار، وهذا من قيل أهل النار بعضهم لبعض، أو من قيل خزنة جهنم للقادة: ﴿هَذَا فَوْجٌ﴾: يعنون الأتباع، داخل معكم النار. فيقول القادة والرؤساء

стр. 213

المتبوعون: ﴿لَا مَرْحَبًا بِهِمْ﴾ أي: لا نريدهم، نتبرأ منهم، ولا تتسع صدورنا ولا أمكنتنا لهم، والمرحب مأخوذ من الرحبة، وهي السعة فيقولون: ﴿لَا مَرْحَبًا بِهِمْ﴾ أي: لا نرحب بهم ولا نريدهم، بل نحن ننابذهم غاية المنابذة ﴿إِنَّهُمْ صَالُو النَّارِ (٥٩)﴾ إنهم، أي: هؤلاء الذين اقتحموا معنا ﴿صَالُو النَّارِ (٥٩)﴾ كما صليناها، فيجيب أتباع هؤلاء الرؤساء المتبوعين، ﴿قَالُوا بَلْ أَنْتُمْ لَا مَرْحَبًا بِكُمْ﴾ بل إضراب إبطال، يعني أبطلوا قولهم: ﴿لَا مَرْحَبًا بِكُمْ أَنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنَا﴾ يعني: قدَّمتم لنا الكفر، وسهلتم لنا سلوك سبله، وزينتموه في نفوسنا حتى تبعناكم ﴿فَبِئْسَ الْقَرَارُ (٦٠)﴾ لنا ولكم النار. أعوذ بالله كل منهم الآن يتبرأ من الآخر. يقول الله : ﴿قَالُوا﴾ أي: الأتباع: ﴿رَبَّنَا مَنْ قَدَّمَ لَنَا هَذَا فَزِدْهُ عَذَابًا ضِعْفًا فِي النَّارِ (٦١)﴾ أي: مثل عذابه على كفره في النار]. ﴿مَنْ قَدَّمَ لَنَا هَذَا﴾ أي: مَن قدم لنا الكفر، وهم المتبوعون ﴿فَزِدْهُ عَذَابًا ضِعْفًا فِي النَّارِ (٦١)﴾ ضعفًا يعني زائدًا على عذاب الأصل، يعني عذبهم لكونهم كفروا، وعذبهم لكونهم قدموا لنا هذا الكفر، ولكن هذا ليس إليهم فلكل امرئ منهم ما عمل، وهؤلاء المتبوعون هل أجبروا الأتباع على اتباعهم؟ أبدًا لم يجبروهم، قال تعالى: ﴿وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا نَصِيبًا مِنَ النَّارِ (٤٧) قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُلٌّ فِيهَا إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ﴾ [غافر: ٤٧ - ٤٨] حكم بينهم بعدله فجازى كل واحد منهم ما يستحق.

стр. 214

ثم قال الله : ﴿وَقَالُوا مَا لَنَا لَا نَرَى رِجَالًا كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الْأَشْرَارِ (٦٢)﴾ يقول المؤلف: ﴿وَقَالُوا﴾ أي: كفار مكة وهم في النار] والصواب: أن المراد بهم كل الكفار. الكفار يرون أن المؤمنين كلَّهم ضالون. ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ (٢٩) وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ (٣٠) وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ (٣١) وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلَاءِ لَضَالُّونَ (٣٢)﴾ [المطففين: ٢٩ - ٣٢] وليس هذا خاص بكفار مكة، كلُّ الكفار إلى اليوم يرون أن المؤمنين أشرار ضالون. ويصفونهم بأنهم طغاة مفسدون في الأرض، والحقيقة أن الأمر بالعكس. الطغاة المفسدون في الأرض الضالون الظالمون المعتدون هم الكافرون، كما قال الله تعالى: ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة: ٢٥٤] فلا أحد أشد فسادًا وعدوانًا وظلمًا وطغيانًا من الكافر، لأنه يتمتع بنعم الله ويبارز الله بالكفر به. ثم يقول الكفار: ﴿مَا لَنَا لَا نَرَى رِجَالًا كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الْأَشْرَارِ (٦٢)﴾ كنا، أي: في الدنيا ﴿نَعُدُّهُمْ مِنَ الْأَشْرَارِ (٦٢)﴾ نعدهم يعني باعتقادنا ﴿مِنَ الْأَشْرَارِ (٦٢) أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيًّا﴾ [أي: في الدنيا ﴿أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصَارُ (٦٣)﴾ فلم نرهم؟ ] يقول بعضهم لبعض: ﴿مَا لَنَا لَا نَرَى رِجَالًا كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الْأَشْرَارِ﴾ ما لنا لا نرى فلانًا وفلانًا الذين كنا نعدهم من الأشرار؟ هل نحن اتخذناهم في الدنيا سخريًا، نسخر بهم ونقول: أنتم الشر، وأنتم الطغاة وما أشبه ذلك، وهم ليسوا كذلك؟ أم أنهم كما تصورناهم في الدنيا وعددناهم من الأشرار وأنهم الآن في النار، لكن أبصارنا زاغت عنهم.

стр. 215

فانظر كيف الاهتمام، يقولون: هل نحن اتخذناهم سخريًا في الدنيا وقلنا: إنهم من الأشرار وهم ليسوا منهم؟ هذا أولًا، وإذا كانوا ليسوا منهم فلن يدخلوا النار، أم أنهم كانوا أشرارًا حقيقة، وإن قولنا: إنهم كانوا أشرارًا كلامُ جَدٍّ، وهم الآن في النار، ولكن زاغت عنهم أبصارنا؟ والجواب الأول هو الحقيقي. ولهذا قال الله عنهم: ﴿أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيًّا﴾ الهمزة: للاستفهام الإنكاري، سقطت لأجلها همزة الوصل، استغناء عنها، واتخذناهم: فعل ماض، وفاعل، ومفعول به أول، وسخريًا: مفعول به ثانٍ، بضم السين "سُخريًا" وكسرها "سِخريًا" أي: كنا نسخر بهم في الدنيا، والياء للنسب فالسخري أقوى من السخر، كما قيل في الخصوص: خصوصية، للدلالة على قوة ذلك، فافهمه، فإنه جيد. ﴿أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيًّا﴾ [أي: أمفقودون هم ﴿أَمْ زَاغَتْ﴾ مالت ﴿عَنْهُمُ الْأَبْصَارُ (٦٣)﴾ فلم نرهم؟ ] والجواب أن يقال: إنكم اتخذتموهم سخريًا وسخرتم بهم، واستهزأتم بهم، ووصفتموهم بالعيب والشر، وهم برآء منه. قال المؤلف: ﴿أَمْ زَاغَتْ﴾: مالت ﴿عَنْهُمُ الْأَبْصَارُ﴾ فلم نرهم؟ وهم فقراء المسلمين، كعمار وبلال وصهيب وسلمان] هذا بناء على أن القائلين كفار مكة، أما إذا قلنا بالعموم، فكل زمان له أهل. قال تعالى: ﴿إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ النَّارِ (٦٤)﴾ ﴿إِنَّ ذَلِكَ﴾ أي: المشار إليه من كل ما ذكر من تخاصم أهل النار ﴿لَحَقٌّ﴾، أي: أمر ثابت واقع، وهذا تأكيد لخبر الله ، مع أن خبر الله كلَّه حقّ
следующие страницы →