ولهذا أمر النَّبِي ﵊ زيدَ بْنَ ثابِتٍ ﵁: أن يتَعَلَّم لغة اليهود (١)، مع أن تعلُّم اللغاتِ الأَجْنَبِيَّة ليس محمودًا ولا مأمورًا به، لكن لمَّا كان وسيلةً إلى مَعْرِفَة ما يأتي من الكتاباتِ من اليهود والرَّدِّ عليهم بِلُغَتِهِم أمره النَّبِي ﷺ أن يتعَلَّم لغة اليهود، وتَعَلَّمَ لُغَةَ اليهودِ في خلال سِتَّةَ عَشَرَ يومًا، لأنَّ زيد بن ثابت ﵁ من الأَذْكياء فتعَلَّمَها، ثم إنَّ اللغة العِبْرِيَّة قريبة من اللُّغَة العَربيَّة فسَهُل تَعْليمُها.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ: أن أصحاب العُقُول هم أهل الاتِّعاظِ؛ لقوله: ﴿إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ: أن من لا يتذكَّر فهو ناقِصُ العقل؛ لأنَّه إذا كان لا يتذَكَّر إلا أصحابُ العقولِ، فمن لا يتذكَّر يكون ناقِصَ العقل ولا شكَّ، ونقصان عقله بحسب نَقْصِه من التَّذَكُّر.
ووجه ذلك من النَّاحِيَة العَقْلِيَّة النَّظَرِيَّة: أنَّ الإنسان العاقل لا يمكن أن يختارَ لنفسه إلا ما فيه النَّجاةُ، ولا نجاة من عذاب الله إلا بالتَّذكُّر والاتِّعاظ، فلهذا كان العقل السليم يَسْتَلْزِم أن يتذكَّر الإنسان ويتَّعِظَ من أجل طلب ما هو أحضُّ للنفس وأَنْفَع ﴿وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى﴾ [الضحى: ٤].
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ: الثَّناء على ذوي العقول؛ حيث جعلهم هم المتذَكِّرينَ المُتَّعِظينَ المُنْتَفِعينَ بما يسمعون.
стр. 107
الآية (١٠)
قَالَ اللهُ : ﴿قُلْ يَاعِبَادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر: ١٠].
ثم قال الله : ﴿قُلْ يَاعِبَادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ﴾ قوله: ﴿قُلْ﴾ الخطابُ للرَّسول ﷺ ، أو لِكُلِّ من يصِحُّ توجيه الخطاب إليه؛ فعلى الأول يكون التَّقدير: قل يا محمَّدُ، وعلى الثاني يكون التقدير: قل أيها الإنسانُ.
وقوله: ﴿يَاعِبَادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ﴾: (عبادِ) هنا فيها شيء محذوفٌ، وهو الياء التي دلت عليها الكَسْرة في قوله: ﴿يَاعِبَادِ﴾ وحُذِفَتِ الياء تخفيفًا.
قوله: ﴿الَّذِينَ﴾ عَطْف بيان أو وَصْف.
قوله: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ الإيمان في اللغة: التَّصديق أو الإقرار؛ بل نقول: الإقرارُ؛ لأنَّه هو المطابق للإيمان في التَّعَدِّي والعمل، يقال: أقَرَّ بكذا وآمَنَ بكذا، والتَّصْديق لا يطابِقُه تمامًا، وعلى هذا فنقول: الإيمانُ هو الإقرار، لكنه ليس مجرَّد الإقرار كما قاله بعض طوائف المُبْتَدِعَة - مُرْجِئَة الجَهْمِيَّة - بل نقول: هو الإقرار المُسْتَلْزِم للقَبُول والإذعان، هذا الإيمانُ، إذا لم يستلزم للقَبُول والإذعان فإنه ليس بإيمانٍ.
قوله: ﴿اتَّقُوا رَبَّكُمْ﴾ قال المُفَسِّر ﵀: [أي عذابَه]، وفي هذا نَظَرٌ، بل المراد: تقوى الله ، والله يضيف التقوى أحيانًا إلى نفسه، وأحيانًا إلى النَّار،
стр. 108
وأحيانًا إلى يوم الجزاء؛ فقد قال الله ﵎: ﴿وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٣١] بعد أن قال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٣٠) وَاتَّقُوا النَّارَ﴾ [آل عمران: ١٣٠, ١٣١]؛ فلو فَسَّرْتَ تقوى الله بتقوى عذابه لكان في الآية تَكرار.
فالصواب: أنَّ الله يُضيف التقوى أحيانًا إلى نفسه، وأحيانًا إلى النَّار، وأحيانًا إلى يوم الجزاء، كما في قوله: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٨١].
والصَّحيح: أنَّها تُفَسَّرُ بما تُضاف إليه؛ فقوله: ﴿اتَّقُوا اللهَ﴾ أي: اتَّقوا الله نَفْسَه لِعَظَمَةِ وكمالِ سُلْطانِهِ .
قال المُفَسِّر ﵀: [﴿اتَّقُوا اللهَ﴾ أي: عذابه، بأن تطيعوه]، نقول: الصَّحيحُ: أي الله نفسه. وقوله: [بأن تطيعوه] هذا تفسيرٌ للتقوى، وعلى هذا نقول: التقوى: طاعة الله بفِعْل أوامِرِه واجتنابِ نَواهيه؛ لأنَّ أَصْلَ التقوى مأخوذٌ مِنَ الوِقَايَة، ولهذا يقولون: إنَّ أصلها (وَقْوَى) من الوِقايَة.
والوقاية هي اتخاذُ ما يَقي الإنسانَ، ولا يقي الإنسانَ من عذابِ الله إلا طاعَةُ الله، ولهذا نقول: إنَّ أَجْمَعَ ما قيل في التقوى أنَّها طاعةُ الله؛ كما قال المُفَسِّر ﵀؛ أو اتخاذُ وقاية من عذابه بفِعْل أوامره واجتنابِ نَواهيه.
ثم قال تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ﴾: ﴿لِلَّذِينَ﴾ خبر مُقَدَّم و ﴿حَسَنَةٌ﴾ مبتدأ مؤخَّر ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا﴾ الإحسانُ يكون في عبادة الله، ويكون إلى عبادِ الله، أما الإحسانُ في عبادة الله فلا أَجْمَع ولا أصدق من تفسيرِ النَّبِي ﷺ له حين سأله جبريلُ عن الإيمان؛ فقال: "أنْ تُؤْمِنَ بالله"؛ وقال ﷺ حين
стр. 109
سأله عن الإحسان، فقال: "أَنْ تَعْبُدَ اللهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ" (١) فإذا عبد الإنسانُ ربَّه كأنه يراه فسوف يعبُدُه حقَّ العبادة؛ لأنَّه يَعبُد اللهَ كأنَّه يرى الله، وهذا تكون عبادَتُه مبنِيَّةً على كمال اليَقينِ، وإذا كانت كذلك فلا بدَّ أن تكون موافِقَةً للأمر، ولا بد أن تكون خالِصَة.
إذن: الإحسانُ تمام الإخلاص، وتمام المُتابَعَة؛ فتمامُ الإخلاصِ وتمام المُتابَعَة؛ لقوله: "أَنْ تَعْبُدَ اللهَ كَأَنَّكَ ترَاهُ" وعبادة الله على هذا الوَجْه هي مَبْنيَّة على تمام اليقين، وهذه المرتبة أعلى من المرتبة الثانية: "فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ" يعني: فإن لم تَعْبُدْه على هذا الوجه فاعْلَمْ أنه يراك.
ويقال: إنَّ الأوَّلَ إحسانُ الطَّلب، والثاني إحسانٌ في الهَرَب؛ (إحسانٌ في الهَرَب) يعني: العابد طلبًا أكْمَل حالًا من العابِدِ هربًا؛ وهذا يلزم منه أن تكون العبادة خالصةً لله متابَعًا فيها شريعَةُ الله.
أما الإحسان إلى عباد الله فيكون بالمالِ والبَدَنِ وهو كثير؛ فقد تُحْسِن إلى عباد الله بالمالِ؛ كالصَّدْقات والهدايا والهِباتِ، وقد تُحْسِن إلى عباد الله بالبَدَنِ كالمساعدة وما أشبه ذلك، وتُعينُ الرَّجُلَ في دابَّتِه فتحْمِلُه عليها أو تَرْفَعُ عليها متاعه، وتعين عباد الله بالجاهِ والشَّفاعَة عند الحاجة إلى ذلك.
المهم: أنَّ الإحسانَ إلى عباد الله مُتَنوِّعٌ كثيرٌ، وقد فسَّرَه بعضهم بأنه كَفُّ الأذى وبَذْلُ النَّدى وطلاقة الوجه؛ فكفُّ الأذى عن النَّاس؛ لأنَّ مَن لم يَكُفَّ أذاه فإنه لم يُحْسِنْ، والثاني: بَذْل الندى. أي: المَعْروف، والثالث: طلاقَة الوجه، بأن تَلقى
стр. 110
النَّاس بوجهٍ مُنْطَلِقٍ مُنْشَرِحٍ لا بوجهٍ مُقَطَّب مُعَبَّس.
فالإحسان إذن: إحسانٌ في عبادة الله، وإحسانٌ إلى عبادِ الله؛ ولهذا قال تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا﴾ أي: في عبادة الله، وإلى عباد الله.
وقوله: ﴿فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ﴾ هل نجعل ﴿فِي هَذِهِ الدُّنْيَا﴾ مُتَعَلِّقًا بـ (أَحْسن)؛ أو نقول: هو خبرٌ مُقَدَّم و ﴿حَسَنَةٌ﴾ مبتدأ مؤخَّرٌ، والجملة من المبتدأ والخبر خَبَرٌ ﴿لِلَّذِينَ﴾؟
الجواب: ننظر: إذا قلنا: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ﴾ في هذه الدنيا متعلِّقة بـ (أحسن)، و ﴿حَسَنَةٌ﴾ مبتدأٌ خَبَرُه ﴿لِلَّذِينَ﴾ هذا وجه.
الوجه الثاني: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا﴾ وينتهي الكلام، ثم: ﴿فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ﴾ مبتدأٌ وخَبَرٌ.
والأول أَحْسَنُ؛ فإنَّ إحسانَهُم في الدنيا وجزاؤهم حَسَنَةٌ، هذا ما مشى عليه المُفَسِّر ﵀؛ يقول: [﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا﴾ بالطَّاعَةِ].
إذن: ﴿فِي هَذِهِ الدُّنْيَا﴾ مُتَعَلِّقَة بـ ﴿أَحْسَنُوا﴾ وقول المُفَسِّر ﵀: [بالطَّاعَة] فيه قصور؛ وجهه: أنَّنا قُلْنا إنَّ الإحسانَ يَشْمَلُ الإحسان في عبادة الله، والإحسان إلى عباد الله، وعلى كلام المُفَسِّر ﵀: في العبادة فقط، ولكنَّ الصَّحيح ما ذكرنا.
قوله: ﴿حَسَنَةٌ﴾ قال المُفَسِّر ﵀: [هي الجَنَّة]، ولعله اعتمد في هذه التفسير على قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦] فإن الحُسنى هي الجَنَّة، والزيادة: النَّظَرُ إلى وجه الله، ولكن: هل ﴿حَسَنَةٌ﴾ هنا تُطابِقُ ﴿الْحُسْنَى﴾ هناك؟
لا، فالحُسنى اسم تفضيل، وهنا ﴿حَسَنَةٌ﴾ نكِرَة لا تدل على التَّفْضيل، فعندي
стр. 111
أن في تَفْسيرِ هذه الآية بما تُفسَّرَ به تلك الآيةُ نظرًا، بل نقول: لهم حَسَنَةٌ، وهذا مُطْلَقٌ، فيُحْتَمَل أنَّ المعنى: للذين أحسنوا في هذه الدنيا حَسَنةٌ أي: جزاءٌ على إحسانِهِم؛ أي: لكلِّ إحسانٍ يُحْسِنونه حسَنَةً؛ لأنَّ الله تعالى لم يُعَرِّف الكلمة الحسَنَة حتى نقول: إنَّها دَخَلَت عليها (أل) التي للعَهْد، وأيضًا الجَنَّة وصفها الله باسم التفضيل ﴿الْحُسْنَى﴾ التي ليس شيء أحْسَن منها بخلاف ﴿حَسَنَةٌ﴾ وهذه تشبه قول الله تعالى: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً﴾ [البقرة: ٢٠١] لأنَّها مطابقة لها.
قوله: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ﴾: ﴿وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ﴾ ما المناسبة بين قوله: ﴿وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ﴾ وبين قوله: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ﴾؟ المناسبة: أنَّ مِن جُمْلة الإحسانِ في الدنيا الِهجْرَة لا شكَّ؛ لأنَّ الهجرة من أكبر ما يدُلُّ على صِدْق العامل؛ إذ إن المهاجِرَ يَدَعُ أَهْلَه ووطنه وعَشيرَتَه وماله لله.
وقوله تعالى: ﴿وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ﴾ قال المُفَسِّر ﵀: [فَهَاجِرُوا إلَيْهَا مِنْ بَيْن الْكُفَّار وَمُشَاهَدَة المُنْكَرَات] وصدق الله : ﴿وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ﴾ فإذا ضاقت بك الأَرْضُ يومًا فثَمَّ السَّعَةُ اخرج تَسْلَمْ في دِينك وعِرْضِك، ولا تَشَحَّ بِمَالِكَ ودارِكَ وأَهْلِكَ وعَشيرتِكَ؛ فإن الدِّينَ أغلى من ذلك كُلِّه.
وقوله: ﴿وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ﴾ والدَّارُ التي كانوا فيها ضَيِقة، نعم، هي ضيِّقَة لكنَّ ضِيقَها ضيقٌ معنويٌّ؛ لأنَّ السَّعةَ والضيق في الحقيقَةِ إنما يكون في القَلْب، فكم من إنسان في بيتٍ ضَيِّق، حُجَرُه بِقَدْر فِراشِه، وتجده مسرورًا مُنْشَرِح الصَّدْر، وكم من إنسان في قُصُورٍ مُشَيَّدة ولكنه في ضيق وغَمٍّ؛ فسعة الأرض في الحقيقة بالنِّسْبة للمهاجر واضِحَة جدًّا؛ لأنَّ بقاءه يشاهِدُ المُنْكَرَات ويشاهِدُ ما يؤذيه وما يُؤْلِمُه لا شكَّ أن هذا ضيقٌ.
стр. 112
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ قوله: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى﴾ أي: يُعطَى، و ﴿إِنَّمَا﴾ أداة حصر، والمعنى: ما يُوَفَّى الصَّابرون أجْرَهُم إلا بغير حساب؛ أي: أجرًا كثيرًا أكثرَ من الأَعْمال.
ولماذا قال: ﴿الصَّابِرُونَ﴾ ولم يقل: الصَّابرين؛ والمعروف أنَّ المفعول به يكون منصوبًا فيقال: الصابرين؟
الجواب: لأنَّها نائِبُ فاعل، ونائب الفاعل مفعولٌ به في المعنى، فاعلٌ في اللَّفْظ، يعني أنه يُعْرَبُ إعرابَ الفاعل، ولكنه في المعنى مفعولٌ به؛ قال ابن مالك:
يَنُوبُ مَفْعُولٌ بِهِ عَنْ فَاعِلِ ... فِيمَا لَهُ كَنِيلَ خَيْرُ نَائِلِ (١)
وقوله: ﴿الصَّابِرُونَ﴾ قال المُفَسِّر ﵀: [عَلَى الطَّاعَة وَمَا يُبْتَلَوْنَ بِهِ]، فذكر نوعين من أنواع الصَّبر وأضاف عليه واحدًا، وهو: الصَّبْر عن معصية الله، إلَّا أنْ يُقال: إنَّ الطاعة بالمعنى الأَعَمِّ تَشْمَل امتثال الأمر واجتنابَ النهي، فيكون قد وفَّى المُفَسِّر ﵀ أنواعَ الصَّبْر.
أنواع الصَّبْر ثلاثة:
١ - صبرٌ على طاعة الله.
٢ - وصبرٌ عن مَعْصِيَة الله.
٣ - وصَبْرٌ على أقدارِ الله المُؤْلِمَة.
فأعلاها: الصَّبْرُ على طاعة الله، ثم الصَّبْرُ عن معصية الله، ثم الصَّبْر على أقدار الله، هذا من حيث نوعُ الصَّبْر نفسه، أما من حيث الصَّابر، فإنَّ الإنسان أحيانًا
стр. 113
يعاني من الصَّبْر عن المعصية أكْثَرَ مما يعاني على الصَّبْر على الطاعة، وكذلك الصَّبْر على البلاءِ قد يعاني منه أكْثَرَ مما يعاني من الصَّبْر على المَعْصِيَة وعلى الطَّاعَة.
لكن نقول من حيث نوعُ الصَّبْر بقطع النظر عن الصَّابِر؛ أفضله: الصَّبْرُ على الطاعة، ثم على المعصية، ثم على الأقدار؛ لأنَّ الصَّبْر على الطَّاعة يحتاج إلى جُهْدٍ نَفْسِيٍّ وجهدٍ بدني، بفعل الطاعة نفْسِها، فمُعالَجَة النَّفْس عندما يؤَذِّن الفَجْر وأنت في الفِراش تبدأ تتمطى وتَسْهو، وتقول: ما زِلْنا مُبَكِّرين، حتى تَفُوتَ الصلاة؛ فهذا يحتاج إلى جُهد، عالِجْ نفسك وقُمْ، أما الصَّبْر على المعصية فيحتاج إلى جُهْدٍ نَفْسِيٍّ فقط؛ لأنَّه كَفٌّ، فتَرْكُ المَعْصِيَة ليس عليك أي تَعَبٍ، لكنَّ النَّفْسَ تَتْعَبُ، إذا كانت المَعْصِيَة مما تدعو إليه النَّفْس وكَفَفْتَ عنها تَعِبَتِ النَّفْسُ لا شك.
وأما الصَّبْر على أقدار الله المؤلِمَة فهو أدناها؛ لأنَّ الأَمْرَ ليس إليك، فالأَمْرُ تَمَّ، فهو كما قال بعضُ السَّلَف: إما أن تَصْبِرَ صَبْرَ الكِرَامِ، وإمَّا أن تَسْلُوَ سُلُوَّ البهائمِ. فهو ليس منك، فأيُّ عمل لا بد أن يُصيبَكَ أصابَكَ؛ ويقولون: إنَّ يُوسُفَ ﷺ ؛ إنه ابْتُلِي بأنواع الصَّبْرِ الثلاثة:
أليس هو قد دعا إلى الله وهو في السِّجْن؛ فقال: ﴿أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ [يوسف: ٣٩] هذا - لا شك - صبْرٌ، إنسانٌ مَسْجونٌ ويدعو النَّاس إلى التَّوحيد!
والصَّبْرُ عن المعصية امتناعُهُ عن موافقة امرأةِ العَزيزِ حين راوَدَتْه عن نفسها.
والصَّبْر على أقدار الله المُؤْلِمة؛ ما حصل من إِخْوَتِه.
وقوله: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾: ﴿أَجْرَهُمْ﴾ أي: ثوابَهم، والله عَزَّ وَجَلَّ
стр. 114
بِكَرَمِه سَمَّى الثَّواب: أجرًا من باب اطمئنان العامِلِ إلى استيفائِهِ؛ لأنَّ الأَجْرَ مقابِلَ عملٍ لا بد أن يُسَلَّمَ، كأنَّ العمل والجزاء معاوَضَة وعَقْد بين الله وبين العابِدِ؛ أنَّ الله يعطيه الثَّمَن؛ الأَجْر مع أنَّ الله هو المتفَضِّل أولًا وآخرًا؛ أولًا بالتَّوفيق للعَمَل، ولولا أنَّ الله أعانك وسَدَّدَك ما قَدَرْتَ، ثم المُتَفَضِّل ثانيًا بالأَجْر.
وقوله: ﴿بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ يقول ﵀: [بِغَيْرِ مكيالٍ ولا مِيزانٍ] يعني: الأَجْرُ الذي يعطيه الله عن العَمَل ليس على سبيل التَّدْقيق والمعاوَضَة التي تكون بين العباد؛ فالمعاوَضةُ بين العباد عَدْل، يعني: ما يعطيكَ أَكْثَرَ مما تستحِقُّ، وأما ثوابُ الله على الصَّبْر فهو أكْثَرُ، بدون حساب، فالحَسَنَة بعَشْرِ أمثالِها إلى سَبْعِ مئَةِ ضِعْفٍ إلى أضعاف كثيرة، والصَّبْرُ لا حساب له.
إذن: يتوقَّع الصابر بأن له جزاءً لا يدركه عَقْلُه من كَثْرَتِه؛ لأنَّ الله قال: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر: ١٠].
كما أنَّ الصَّبْر فيه فائِدَةٌ عظيمة للإنسان نفْسِه، وهو: ترويضُ النَّفْس على التَّحَمُّل، كثيرٌ من النَّاس يريد أن تكونَ الأُمُورُ بِسُرْعة، يدعو الله بكَشْفِ ضُرٍّ وتتأخَّر الإجابة، فيقول: لماذا؟ وييأَس، نقول: اصْبِر، وقد يَحْصُل للناس مصائِبُ عامَّة فتجده يريد السُّرْعة في انجلائها، فنقول: اصْبِر، وطِّنْ نَفْسَك على الصَّبْر، هذه تَرْبِيَة؛ أن تُوَطِّنَ نفسَك على الصَّبْر.
والصَّبْرُ مع انْتِظارِ الفَرَجِ يُعْتبَرُ من أعظم العبادات؛ لأنَّك إذا كنت تَنْتَظِرُ الفرج فأنت تَنْتَظِرُ الفرج من الله ، وهذه عبادة، وقد قال النَّبِي ﵊: "وَاعْلَمْ أَنَّ النَّصْرَ مَعَ الصَّبْرِ، وَأَنَّ الْفَرَجَ مَعَ الْكَرْبِ"؛ فكلما اكْتَرَبَتِ الأمورُ فإن
стр. 115
الفرج أَقْرَبُ إليك، "وَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا" (١).
من فوائد الآية الكريمة:
الْفَائِدَة الأُولَى: في هذه الآية أُمِرَ النَّبِي ﷺ بأن يقولَ للنَّاس: ﴿يَاعِبَادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ﴾.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أنه لا بد مع الإيمان من التقوى؛ لقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ﴾، وهذه الصِّيغة ﴿قُلْ يَاعِبَادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ﴾ لن يقولَها الرَّسول ﷺ بهذا اللَّفْظِ، لكن سيقول: يا عبادَ اللهِ، أو كلمةً نحوَها، لكنَّ الله أضاف ذلك إلى نفسه؛ ليُبَيِّن الإخلاص لله في هذه العبادة.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: أنَّ الرَّبَّ وهو الخالق المالِك المُدَبِّر؛ هو أهل التقوى دون غيره، كما قال تعالى في سورة المدثر: ﴿هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ﴾ [المدثر: ٥٦].
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أنَّ للمُحْسنين في هذه الدنيا حَسَنَةٌ؛ لقوله: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ﴾.
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: أنَّ الله تعالى بِفَضْله وكَرَمِه يُعَجِّل الثَّواب لمن يَسْتَحِقُّ الثَّواب في الدنيا قبل الآخرة؛ لأنَّ حَسَنَةَ الدنيا دون حَسَنَة الآخرة بكثيرٍ.
الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: وجوب المهاجَرَة إلى الله ورسوله إذا كان الإنسانُ في بلد كُفْرٍ لا يَقْدِرُ على إظهار دِينِهِ؛ لقوله: ﴿وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ﴾.
الْفَائِدَةُ السَّابعَةُ: أن من الدَّعوة إلى الله ومن حُسْنِ الدعوة إقامَةَ الحُجَّة؛ لقوله: ﴿وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ﴾ فإنه لا عُذْرَ لأحد أن يقول: لا أَجِدُ مَلْجَأً، أو لا أَجِدُ مُهَاجَرًا.
стр. 116
الْفَائِدَةُ الثَّامِنَةُ: أنَّ الأرض لله؛ لقوله: ﴿وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ﴾ وهذا كما قال موسى لقومه: ﴿إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الأعراف: ١٢٨].
الْفَائِدَةُ التَّاسِعَةُ: فضيلة الصَّبْر وأنَّ صاحبه يُوَفَّى أَجْرَه بغير حسابٍ؛ لقوله: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾.
الْفَائِدَةُ الْعَاشِرَةُ: كَرَمُ الله ؛ حيث جعل الثَّوابَ بِمَنْزِلة الأَجْرِ كأنه معاوَضَة يعاوِضَ به المعامَل؛ لقوله: ﴿أَجْرَهُمْ﴾.
стр. 117
الآية (١١)
قَالَ اللهُ : ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ [الزمر: ١١].
ثم قال تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ قوله: ﴿قُلْ﴾ يعني: يا محمد.
قوله: ﴿إِنِّي أُمِرْتُ﴾ أي: أمرني ربِّي، وهذه الصيغة تأتي بالبناء للمَجْهول؛ لأنَّ الفاعل معلومٌ، وهذا يُشْبِهُ حديث ابن عباس ﵄ أنَّ الرَّسول ﷺ قال: "أُمِرْتُ أَنْ أَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أَعْظُمٍ" (١)؛ (أُمِرْتُ) لأنَّ الآمِرَ معلومٌ، وهو الله.
فقوله: ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾، وجاءت بكلمة ﴿أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ﴾ للإشارة إلى مقامِ النَّبِي ﷺ ، وأنه عَبْدٌ يُؤْمَر ويُنْهَى، وليس له من حَقِّ الربوبِيَّة شَيءٌ.
وقوله: ﴿أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ﴾ أي: أتذَلَّلَ له، والعبادة تطلق على مَعْنيينِ:
المعنى الأول: التَّذَلُّل لله الذي هو فِعْل العابِدِ.
والمعنى الثاني: المُتَعَبَّد به، وهي العبادات على جميع أنواعها، وعلى هذا المعنى يكون تعريفُ شيخِ الإسلام ابن تَيْمِيَةَ العبادةَ في قوله: "العبادةُ اسْمٌ جامِعٌ لكلِّ ما
стр. 118
يُحِبُّه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الباطِنَة والظَّاهِرَة" (١) وقوله: ﴿مُخْلِصًا﴾ حالٌ من فاعل ﴿أَعْبُدَ﴾ أي حالَ كَوْني مُخْلِصًا لله من الشِّرْك، لأنَّ الإخلاص يعني التَّنْقِيَة من الشِّرك؛ لأنَّ العمل إذا شابه الشِّرْك أفسده وأبطله؛ قال الله تعالى في الحديث القُدُسِيِّ: "أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ، مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِيَ غَيْرِي ترَكْتُهُ وَشِرْكَهُ" (٢).
وقوله: ﴿مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ قال ﵀: [مِنَ الشِّرْك]، والمراد بـ ﴿الدِّينَ﴾ هنا: العمل الذي يفعله الإنسان لِيُدَان به، وأما عَمَلٌ لا يُؤمِّل أن يُدانَ به فهذا لا يُسَمَّى: (دِينًا) وإن كان عَمَلًا، لا بد أن يكون عامِلًا من أجل أن يُدانَ بهذا العمل.
يقول : ﴿مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾، وتقدَّم كثيرًا أنَّ الدِّينَ يُطْلَق على العمل ويطلق على الجَزَاء، ففي قوله تعالى: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة: ٤]: أي الجزاء؛ وفي قوله: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ [الكافرون: ٦]؛ أي: العمل.
من فوائد الآية الكريمة:
الْفَائِدَة الأُولَى: أنَّ الإنسانَ مأمورٌ بأن يُعْلِنَ ما أمر الله به من عبادَتِهِ؛ لقوله تعالى: ﴿أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ ولهذا فائدتان:
الفائِدَة الأولى: الحَثُّ على اتِّباعِه في هذا.
والفائِدَة الثَّانية: بيانُ اسْتِحْقاق الله لذلك، وأنه هو المُسْتَحِقُّ أن يُعْبَد وحده ﴿إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا﴾.
стр. 119
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أنه يَجِبُ في العبادة الإخلاصُ؛ لأنَّه أُمِرَ أن يعبد الله على هذا الوَصْفِ: ﴿مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: أنَّ من لم يُخْلِصْ لم يَكُنْ قد أتى بالأَمْر.
ويتفرَّع على هذه القاعدة: أنَّ عَمَلَه يكون مردودًا عليه، فإذا أشرك يكون قد عَمِلَ عملًا ليس عليه أَمْرُ الله ورسولِهِ، وقد قال النَّبِي ﷺ : "مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ" (١).
стр. 120
الآية (١٢)
* قَالَ اللهُ : ﴿وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الزمر: ١٢].
قال المُفَسِّر ﵀: [أي: بِأَنْ]، فجعل اللام بمعنى الباء؛ وذلك لأنَّ أَمَرَ إنما تتعدَّى بالباء ولا تتعدى باللام، فلهذا فسَّرَها المُفَسِّر ﵀ بالباء، وهذا أحد المَسْلَكَيْنِ للنُّحاة فيما إذا تلا الفِعْلَ حرفٌ لا يتعدَّى به غالبًا فإنهم يجعلون هذا الحَرْف بمعنى الحَرْف الذي يتعدى به العامِلُ؛ أي: الفعل أو غير الفعل غالبًا؛ فمثلًا هنا: ﴿وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ﴾ يجعلون اللام بمعنى الباء؛ وفي قوله ﵎: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ﴾ [الإنسان: ٦] يجعلون الباء بمعنى مِنْ؛ أي: يَشْرَبُ مِنْها.
والمسلك الثاني للنحاة: أنَّهُم يحوِّلون الفِعْل إلى فعلٍ مناسِبٍ للمُتَعَلِّق، ويُسَمُّون هذا: تَضْمِينًا؛ أي: إنَّ الفعل المذكورَ ضُمِّنَ معنى فِعْلٍ يتعدَّى بالحَرْف المذكور؛ فمثلًا: ﴿يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ﴾ يقولون: المعنى: يَرْوَى بها، فضُمِّنَ الشُّرْبُ معنى الرِّيِّ.
ولا شك أن هذا يُعْطِي النَّصَّ معنًى أكْثَرَ؛ لأنَّه يُبْقِي الحرف على ما هو عليه، ويُعْطي الفعْلَ المذكور معنًى زائدًا على ما يَدُلُّ عليه لفظه، فيكون هذا المَسْلَك أولى، لكن أحيانًا يَصْعُب على طالب العلم - ولا سيما المبتدئ - أن يُقَدِّرَ الفِعْل المناسب الذي يكون مُضَمَّنًا للفِعْل المذكور، حينئذٍ يلجأ إلى الأسهل، وهو تحويل الحَرْف إلى حرف يناسب الفِعْل المذكور.
стр. 121
فهنا في قوله: ﴿وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ﴾ لا شكَّ أنه من السَّهْل أن أقول: إنَّ اللَّام بمعنى الباء، يعني أُمِرْتُ بأنْ أَكونَ.
لكن لو أردنا أن نُضَمِّنَ أُمِرْتُ معنًى يناسبُ اللَّامَ؛ أُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ؛ فهذا يحتاج إلى تأمُّلٍ وتَفْكيرٍ في المعنى؛ لماذا قال: ﴿وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ﴾؟
فيمكن أن نُقَدِّرَ: أُمِرْتُ أن أَعْبُدَ الله لِأَنْ أكونَ أَوَّلَ المسلمين، فتكون اللام تعليلًا للفِعْلِ المَحْذوفِ، وهو أن أَعْبُدَ الله لأنْ أكون أوَّلَ المسلمين؛ يعني: وُجِّهَ الأَمْرُ إليَّ أولًا لأنْ أكونَ أَوَّلَ المسلمين؛ أي: المنقادينَ لِأَمْر الله، وحينئذٍ نستفيد من هذا معنيين: معنى الأمْرِ، ومعنى العبادة التي حُذِفَت ليَصِحَّ تَعْليقُ الحَرْفِ بها.
قال المُفَسِّر ﵀: [﴿وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ﴾ من هذه الأُمَّة] وكلمة: ﴿أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ﴾ الإسلام يُطْلَق على الانقياد، لأنَّه مأخوذٌ من: أَسْلَمَ أَمْرَه إلى غيره، ومنه الاستسلامُ في الحرب؛ لأنَّ المُسْتَسْلِم ينقادُ للغالب الذي غَلَبَه، فالإسلام هو الانقيادُ ظاهرًا.
وبناءً على هذا: يكون المنافقون مُسْلِمينَ ظاهرًا، ولهذا يُطْلَق الإسلامُ على ضعيف الإيمان، كما قال تعالى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ [الحجرات: ١٤] وأحيانًا يُطْلَق الإسلام على الشَّريعَةِ كُلِّها فيشمل الاستِسْلام ظاهرًا وباطنًا، وهو: الإيمان، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣]؛ فليس المراد الاستسلامَ الظَّاهِرَ، وإنما المراد: الشَّرائِعُ كُلُّها؛ شرائِعُ الإِسْلام كلُّها، ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ﴾ أي: شرائِعَ الإسلامِ كلَّها دينًا.
стр. 122
يقول أهل العلم: الإسلامُ إذا قُرِنَ بالإيمان فُسِّرَ الإسلامُ بالأَعْمال الظاهرة، والإيمانُ بالأَعْمال الباطِنَة، قالوا: ومن ذلك: حديثُ جِبْريلَ لما سألَ النَّبِي ﷺ عن الإسلام؛ قال: "أَنْ تَشْهَدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، وَتُقِيمَ الصَّلَاةَ، وَتُؤْتِيَ الزَّكَاةَ، وَتَصُومَ رَمَضَانَ، وَتَحُجَّ الْبَيْتَ"، ولما سأله عن الإيمانِ، قال: "أَنْ تُؤْمِنَ بِاللهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ؛ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ" (١).
أمَّا إذا أُفْرِدَ أَحَدُهُما فإنه يَشْمَل الآخَر؛ فالإسلام إذا ذُكِرَ وحده شَمِلَ جَميعَ الشَّرائع، ومنه: الإيمانُ، والإيمان إذا ذُكِرَ وَحْدَه شَمِلَ جَميعَ الشرائِع، ومنه: الإسلامُ.
ويقول المُفَسِّر ﵀ هنا: [﴿وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ﴾ من هذه الأمَّة]؛ وقيَّد الآيةَ مع أنَّها مطلقة؛ لأنَّه ﵀ فَهِمَ أنَّ الأَوَّلِيَّة هنا أَوَّلِيَّة الزَّمَن، وإذا كانت أوَّلِيَّة الزَّمَن فإنه لا يَصِحُّ أن يكون النَّبِي ﷺ أوَّلَ المسلمين؛ لأنَّ قَبْله أُمَمًا مُسْلِمَةً كثيرة، فكان لا بدَّ أن نُقَيِّد هذا بأَوَّلِ المسلمينَ من هذه الأُمَّة؛ ومنه قوله تعالى في سورة الأنعام: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام: ١٦٢، ١٦٣]؛ فعلى ما مشى عليه المُفَسِّر ﵀ من الفَهْم نقول: وأنا أوَّلُ المسلمين من هذه الأُمَّة.
وهناك احتمالٌ آخرُ: أنَّ الأوَّليَّة هنا أوَّليَّة الصِّفَة؛ يعني أنني أَسْبَقُ المسلمينَ من حيثُ التَّقَدُّم إلى الإسلام، كما تقول مثلًا لمن يُخاطِبُك: إنْ كان هذا الذي قُلْتَه حقًّا فأنا أوَّلُ من يساهم؛ مثلًا: لو قال إنه فَتَحَ مَشْروعًا في البلد خَيْرِيًّا، فقلتَ: إذا كان حقًّا فأنا أوَّلُ من يساهم؛ يعني أول من حيث الانقياد والصِّفَة؛ هذا احْتِمالٌ، وإذا كان هذا المعنى في الآيَةِ الكريمة فإنَّنا لا نحتاج إلى القَيْدِ الذي قاله المُفَسِّر ﵀؛
стр. 123
لأنَّنا نَعْلَمُ أنَّ رسول الله ﷺ هو أوَّلُ من ينقاد لله ، وأنه أَعْظَمُ النَّاس انقيادًا وأَشَدُّهُم.
من فوائد الآية الكريمة:
الْفَائِدَة الأُولَى: أنه يَجِبُ المبادَرَة بالإسلام من غير توقُّف؛ لأنَّ الله أمَر بذلك، وهذا بناءً على أنَّ المراد بالأَوَّليَّة هنا أوَّليَّة الصِّفَة يعني السَّبْق.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أنَّ الرَّسول ﷺ عبدٌ مأمورٌ.
ويتفرَّع على هذا: أنَّه ليس له مِن الأمْرِ شيءٌ، وقد صرَّحَ الله بذلك في قوله: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ [آل عمران: ١٢٨].
ويتفرَّعُ على ذلك أيضًا: ضلالُ أولئك القَوْم الذين يَدْعُون رسول الله ﷺ أن يُغِيثَهُم، أو أن يَجْلِبَ لهم الخَيْرَ ويدفع عنهم الشَّرَّ.
стр. 124
الآية (١٣)
* قَالَ اللهُ : ﴿قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الزمر: ١٣].
ثم قال تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ قوله: ﴿عَذَابَ﴾ مفعولُ ﴿أَخَافُ﴾.
وقوله: ﴿قُلْ إِنِّي أَخَافُ﴾ الخَوْفُ لا يمكن أن نُعرِّفه بأَبْيَنَ مِن لَفْظِه، فكُلُّنا يَعْرِفُ الخَوْف؛ ولهذا نقول: إنَّ الانفعالاتِ النَّفْسِيَّة لا يمكن لأحَدٍ أن يُعَرِّفَها؛ لأنَّه ليس هناك شيءٌ أَبْيَنُ مِن لَفْظِها أبدًا؛ لو قال إنسانٌ: عَرِّفْ لِيَ الكَراهَة فماذا تقول؟
تقول: (الكراهَةُ مَعْرُوفة)؛ فالكراهَةُ هي الكراهَةُ، وكذلك لو قال: عَرِّفْ لي المحبة؟ لا تَقْدِرْ أن تقول: المَحَبَّة هي المَحَبَّة.
ولو قال قائل: المَحَبَّة هي المَيْل؛ فالجواب: المَيْل آثارُ المَحَبَّة، فبعدما يُحِبُّ يَميل؛ ولهذا يقول ابنُ القَيِّم ﵀ (١): لا يمكن أن نَحُدَّ المَحَبَّة بأَبْيَنَ مِن لَفْظِها أبدًا؛ فكُلُّ الذين عرَّفوها - فيها أكثر من عشرين تعريفًا - كُلُّهم إنما يُفَسِّرونَها بِلَوازِمِها ونتائجها. وصدق ﵀، فالانفعالات النَّفْسِيَّة لا يستطيع الإنسان أن يُعَرِّفَها بأكْثَرَ مِن لَفْظِها.
стр. 125
قوله: ﴿عَصَيْتُ﴾ المعصية: المُخالَفَة، وتكون بأمْرَيْنِ: إمَّا بِتَرْكِ مَأْمورٍ وإمَّا بفِعْلِ مَحْظورٍ، هذا إذا أُفْرِدَتْ عن الطاعة، فإن قرنت بالطَّاعة صارت الطَّاعةُ فِعْلَ المأمور والمَعْصِيةُ ارتكابَ المَحْظورِ؛ وهنا: ﴿عَصَيْتُ﴾ مُفْرَدَة عن الطاعة، فتشمل المعْنَيَينِ: مُخالَفَته بفعل المنْهِيِّ عنه أو بِتَرْك المأمور به.
وفي قوله: ﴿رَبِّي﴾ إشارةٌ إلى أنه هو الذي له الأمْرُ والنَّهْيُ؛ لأنَّه ربٌّ، والرَّبُّ خالقٌ مالكٌ مدَبِّر.
وقوله: ﴿عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ هو يومُ القيامة، ووصَفَهُ الله تعالى في القرآن الكريم بعِدَّة أوصاف؛ منها: العظيم؛ وذلك لشِدَّتِه وشِدَّة أهواله وشِدَّة ما يكون فيه، وإذا رأيت الأوصافَ، أو إذا سَمِعْتَ الأوصافَ التي ذكرها الله لهذا اليوم العظيم، فإنه - لا شَكَّ - يَعْتريكَ من الخوف بِقَدْرِ ما أنت مُؤْمِنٌ به؛ فكُلَّما كان الإنسان أقوى إيمانًا باليوْمِ الآخر فهو منه أشَدُّ خوفًا، وكُلَّما ضَعُفَ إيمانه باليوم الآخِرِ ضَعُفَ خَوْفُه منه.
ولهذا لدينا عبارة مأثورة: كُلُّ من كان بالله أَعْرَفَ كان منه أَخْوَفَ، وكُلُّ من كان أيضًا باليَوْمِ الآخِرِ أَعْرَفَ وأقوى إيمانًا كان أقوى إخافَةً.
من فوائد الآية الكريمة:
الْفَائِدَة الأُولَى: أنَّه ينبغي - بل يجب - على الرَّسولِ ﵊ أن يُعْلِنَ هذا الإعلانَ للمَلَأِ: أنَّه يَخافُ عذابَ يومٍ عظيمٍ إنْ عصَى الله؛ وفائدته: ما ذكَرْنا قبلَ قليلٍ مِن أجْل التأَسِّي به في ذلك، ومن أجْلِ بيان عَظَمَةِ الله وأنه مُسْتَحِقٌّ أن يخاف منه.
стр. 126
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: إثبات اليوم الآخر؛ لقوله: ﴿عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ وهل يمكن أن يُسْتَفاد منها أنَّ النَّبِي ﷺ تَجوزُ عليه المَعْصِيَة؛ لقوله: ﴿إِنْ عَصَيْتُ﴾؟
ولكن قد يقول قائل: في هذا نظَرٌ؛ لأنَّ الشَّرْط قد يتحَقَّقُ وقد لا يتحقَّق، وقد يكون تحَقُّقُه مُمْتَنِعًا، مثل قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ﴾ [الزخرف: ٨١]، وقوله تعالى لرسوله: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الزمر: ٦٥].
إِذَنْ: فهذه الفائِدَة فيها نظر؛ لأنَّ قوله: ﴿إِنْ عَصَيْتُ﴾ لا يدلُّ على أنَّ المعْصِيَة تقع منه، لكن على فَرْضِ أن تقع فإنِّي أخاف.
وقد يقول قائل: إنَّ كَوْنَه يخاف أمرٌ مُحَقَّقٌ ﴿إِنِّي أَخَافُ﴾ وإذا كان أمرًا محققًا فإن المُعَلَّق عليه وهو المعصية يكون كذلك؛ أي: يمكن أن يكون، يعني معناه: أنَّني إن عَصَيْتُ فإنِّي أخاف.
وعلى كلِّ حال: فإن الرَّسولَ ﵊ ثبت عنه أنه كان يدعو الله أن يَغْفِرَ الله له ذَنْبَه أوَّلَه وآخِرَه (١)، وثبت أنه ﷺ يقول: "اللَّهُمَّ بَاعِدْ بَيْنِي وَبَيْنَ خَطَايَايَ، اللَّهُمَّ نَقِّنِي مِنْ خَطَايَايَ، اللَّهُمَّ اغْسِلْنِي مِنْ خَطَايَايَ" (٢).
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: تعظيم يوم القيامة وأنَّه يومٌ عظيم.
ويتفرَّع على هذا: أنَّه ينبغي للعاقِلِ أن يَحْذَر منه.
стр. 127
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: جواز وَصْفِ غير الله بالعِظَم؛ لقوله: ﴿يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾، وقد قال الله تعالى عن ملكة سبأ: ﴿وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ﴾ [النمل: ٢٣]، ووصف الإِفْك بأنه عظيم، إلى غير ذلك، فوَصْفُ غَيْرِ الله بالعِظَم لا بأس به، لكنَّ العِظَم المُطْلَقَ إنَّما يكون لله .
стр. 128
الآيتان (١٤، ١٥)
* قَالَ اللهُ : ﴿قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي (١٤) فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ [الزمر: ١٤, ١٥].
يقول : ﴿قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي﴾ في الآية الأُولى قال: ﴿أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ في الأَوَّل يفعل هو يَعْبُد الله مخلصًا له الدِّين، وفي الثاني أُمِرَ أن يُعْلِنَ للمَلَأِ أنه مُخْلِصٌ، وإعلانه أنه مُخْلِصٌ؛ يعني أنه متبَرِّئٌ من شِرْكِهم.
وقوله: ﴿قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ﴾ إعرابُ اسم الجلالة: مفعولٌ به لـ ﴿أَعْبُدُ﴾ قُدِّم المفعول به للحَصْر؛ يعني لا أعبد غَيْرَه، ونظيره من حيث التَّرْكيبُ قولُه تعالى: في سورة الفاتحة: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ [الفاتحة: ٥] ثم أكد هذا أيضًا بقوله: ﴿مُخْلِصًا لَهُ دِينِي﴾ يعني: لا أعبد غَيْرَ الله، وفي عبادتي له أيضًا أَكونُ مُخْلِصًا له لا يَشوبُ عبادتي إياه شَيءٌ من الشِّرْك.
وقوله: ﴿دِينِي﴾ يعني: عَمَلي، قال المُفَسِّر ﵀: [من الشِّرْك].
وإذا جَمَعْت بين الآيتين: الآية الأولى: وهي قوله: ﴿إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ والثانية هنا؛ عَرَفْتَ شِدَّة امتثال الرَّسولِ ﵊ لرَبِّه، وأنه عَبَدَ الله مُخْلِصًا له الدِّين، وأَعْلَنَ ذلك للمَلَأِ غيرَ مُبالٍ بمخالَفَتِهِم.
قوله تعالى: ﴿فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ﴾: ﴿فَاعْبُدُوا﴾ هذا يُحْتَمل أن يكون تهديدًا،
стр. 129
ويُحْتَمَل أن يكون تحَدِّيًا، فالمُفَسِّر ﵀ يقول: [فيه تَهْديدٌ]، ويمكن أن يكون تحَدِّيًا، أما كوْنُه تهديدًا فظاهِرٌ ﴿فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ﴾ لأنَّه قال بعده: ﴿قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ﴾ إلخ، وأما كونه تَحَدِّيًا فلأنَّه لمَّا ذكر أنه يعبد الله وحده مُخْلِصًا تحدَّاهم، قال: أنا لا أُبالي، أنتُم اعبُدوا ما شِئتُم وأنا لا أُبالي بكم، فسوف لا أُشْرِك بالله، وسوف أَعْبُد اللهَ وَحْدَه مُخْلصًا.
والقاعدة عندنا في التَّفْسير: أنَّه إذا كانت الآيةُ تَحْمِلُ مَعْنيينِ لا يتنافيان تُحْمَلُ عليهما جميعًا.
وقوله: ﴿مَا شِئْتُمْ﴾ يعني الذي شئتم.
وقوله: ﴿مِنْ دُونِهِ﴾ أي: مِن سواه، اعبدوا ما تشاؤون مِن سواه، مَلِك، وَلِي، شَجَر، حجر، شمس، قمر؛ أي أَحَد تعبدونه، فلا يُهِمُّني، وأنا سوف أبقى مُخْلِصًا لله، وأنتم اعبدوا ما شئتم.
يقول المُفَسِّر ﵀: [﴿مِنْ دُونِهِ﴾ غَيْره] أي: غير سواه [فيه تهديدٌ لهم، وإيذانٌ بأنَّهُم لا يعبدون الله تعالى]: [إيذان] يعني إعلان؛ أي: إنَّ هذه الجملةَ فيها تهديدٌ، وفيها أنَّهُم لا يعبدون الله وإنما يَعْبُدون غيره.
وقوله: ﴿قُلْ﴾ يعني: قل لهم مع تهديدك إيَّاهم: ﴿إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ والجملة فيها تأكيدٌ وفيها حَصْر؛ فالتَّأكيد: ﴿إِنَّ الْخَاسِرِينَ﴾، والحصر أنَّ طَرَفَيِ الجملة مَعْرِفتانِ: ﴿الْخَاسِرِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ خَسِرُوا﴾، فكأنه قال: إنَّ الخاسرينَ هم الذين خسِروا أنْفُسَهم وأهليهم يوم القيامة.
وقوله: ﴿إِنَّ الْخَاسِرِينَ﴾ الخاسِرُ بيَّنَه الله في قوله: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [العصر: ٢، ٣] يعني: الخُسران ضِدُّ الربح، وذلك أنَّ المُعامِل إما أن
стр. 130
يأخُذَ رأس ماله، وإمَّا أن يَخْسَر فيأتيه أقَلُّ من رَأْسِ ماله، وإما أن يَرْبَحَ فيأتيه أكثر، والخُسْران الحقيقي هو ما ذكره الله هنا ﴿الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾، فهؤلاء هم الذين خَسِروا، وليس الخاسِرُ من فقد ملايينَ الدَّراهم، وليس الخاسِرُ من فقد أهله في الدنيا، وليس الخاسر من فقد نَفْسَه في الدنيا، بل الخاسِرُ من خسر نفسه وأهله يوم القيامة.
يقول المُفَسِّر ﵀: [بِتَخْلِيدِ الْأَنْفُس فِي النَّار وَبِعَدَمِ وُصُولهِمْ إلَى الْحُور المُعَدَّة لَهُمْ فِي الْجَنَّة لَوْ آمَنُوا] قوله: بتخليد الأنفس في النار؛ هذا بيانٌ لخسرانِهِم أنْفُسَهم؛ لأنَّه خَسِرَ نفسه في الحقيقة؛ ووجه الخسران: أنَّ حياته في الدُّنيا لم يَسْتَفِدْ منها في الآخرة إطلاقًا، فخسر نفسه، خَسِرَ عُمُرَه كله راح هباءً منثورًا؛ فلو أنه مؤمن مُخْلِص لاستفاد، لكان كلُّ حياته الدنيا رِبْحًا؛ لأنَّه سوف يُخَلَّد في الجنة التي فيها ما لا عينٌ رأت ولا أذنٌ سَمِعَت ولا خطر علي قلب بشر؛ أمَّا الآن فسَيُخَلَّد في النار؛ هذه خسارة النفس.
وأما خسارَةُ الأَهْل فقد فسَّرها المُفَسِّر ﵀: بأنه يَفوته الحُورُ العِينُ في الجنة لو آمن، وهذا وإن كان له وَجْهٌ لكنه بعيدٌ من الصَّواب؛ وذلك لأنَّ الحور في الجنة لم تكن أهلًا له حتى يقال: خَسِرَهم، وإنما المراد: خَسِرُوا أَهْليهم؛ لأنَّ أهليهم إن كانوا مؤمنين فهم في الجَنَّة ولم يَجْتَمِعوا بهم، وإن كانوا كفَّارًا فهم في النار ولم يجتمعوا بهم أيضًا، ولو كانوا مؤمنين وذُرِّيَّتهم مؤمنة لكانوا كما قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ [الطور: ٢١] يعني لن يَجْتَمِع أحدٌ مع أهله في الآخِرَة إلا إذا كان هو وهم مُؤْمِنينَ، فسيجتمعون اجتماعًا لا فِرَاقَ بعده، أما من لم يكن كذلك فلا اجتماعَ.
وعلى كلِّ حال: الصَّحيحُ أنَّ المراد بـ (أهليهم) يعني أهليهم الذين في الدنيا؛
стр. 131
حيث خسروا الاجتماع بهم في الآخِرَة.
قال الله : ﴿أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ إِيْ واللهِ، ﴿أَلَا ذَلِكَ﴾ وهذا التَّأكيد البالغ؛ فقوله: ﴿أَلَا﴾ أداة اسْتِفْتاح، والفائِدَة منها: التَّوْكيد والتَّنْبِيه ﴿ذَلِكَ﴾ إشارة للبُعْد؛ لأنَّه خُسْرانٌ سحيقٌ - والعياذ بالله - يعني لم يقل: ألا هذا، مع أن ذِكره قريبٌ لكنه خسرانٌ سحيقٌ، فأشير إليه بإشارَةِ البعد، ثم حَصَر، قال: ﴿هُوَ الْخُسْرَانُ﴾ يعني: لا غَيْره، ثم أكَّدَ بفداحَتِه فقال: ﴿الْمُبِينُ﴾ أي: [البَيِّن] الذي لا يَخْفَى على أحد، نسأل الله أن يجعلنا وإياكم من الرَّابِحينَ.
من فوائد الآيتين الكريمتين:
الْفَائِدَة الأُولَى: أنَّه ينبغي للإنسانِ أن يُعْلِنَ بالحَقِّ الذي هو عليه، ولا يبالِي بمن خالَفَه؛ لقوله: ﴿قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي (١٤) فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ﴾ يعني: فلا أبالي بكم، أنا سأعبد الله وأسيرُ على الطَّريقَة السَّليمَة، وأنتم سيروا على ما شِئْتُم.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أنَّ النَّبِيَّ ﷺ مِن أشَدِّ النَّاس امتثالًا لأَمْرِ الله؛ لأنَّه قال فيما سبق: ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: أنَّ النَّبِيَّ ﷺ مُحْتاجٌ إلى العمل الذي يُنْجِيه من عذاب الله؛ لقوله: ﴿مُخْلِصًا لَهُ دِينِي﴾ بالياء بالإضافَةِ، وهو كذلك، ولمَّا حَدَّث أصحابه بأنه: "لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ أَحَدٌ بِعَمَلِهِ"، قالوا: ولا أَنْتَ يا رسول الله؟ قال: "وَلَا أَنَا إِلَّا أَنْ يَتَغَمَّدَنِيَ اللهُ بِرَحْمَتِهِ" (١).
стр. 132
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: تحريم عبادَةِ غَيْرِ الله؛ تؤخَذُ من قوله: ﴿فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ﴾ لأنَّنا ذَكَرْنا أنَّ الأَمْرَ هنا للتَّهْديد، ولا تهديدَ إلا على شيء مخالِفٍ ومَعْصِيَةٍ.
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ إلخ؛ بيان أنَّ الخَسارة الفادِحَة التي ليس معها رِبْحٌ هي خسارة هؤلاء الذين خَسِروا أنْفُسَهم وأهليهم يومَ القِيامَة.
الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: الإشارَةُ إلى أنَّ الشِّرْكَ هو سبب هذه الخَسَارَة؛ لأنه تلا قوله: ﴿فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ﴾.
الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: أنَّ أَهْلَ الشِّرْك يَوْمَ القيامة لا يَجْتَمِعون بأَهْليهم؛ لقوله: ﴿الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ﴾.
الْفَائِدَةُ الثَّامِنةُ: أنَّ عُمُرَ الإنسان حقيقةً هو ما أمضاه في طاعَةِ الله؛ ولهذا وصَف الله هؤلاء بأنَّهُم قد خَسِرُوا أَنْفُسَهم؛ لأنَّهُم لم يعملوا خيرًا.
الْفَائِدَةُ التَّاسِعَةُ: أنَّ هذه الخَسارَةَ أعْظَمُ خَسارةٍ تكون؛ لقوله: ﴿أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾.
فضمير الفصل حرفٌ ليس اسمًا على القَوْلِ الرَّاجِحِ، فليس له مَحَلٌّ من الإعراب، لكنه يُؤْتَى به لفوائِدَ ثلاثٍ:
الأولى: حتى لا يَشْتَبِهَ الخَبَرُ بالصِّفَة؛ يعني: يَفْصِل بين الخَبَر والصِّفَة، ويظهر هذا بالمثال؛ فلو قُلْتَ: زيدٌ الفَاضِلُ فهنا يُحْتَمَل أن يكون الفاضِلُ صِفَةً، وأنَّ الخبر محذوفٌ؛ أي: زيدٌ الفاضِلُ في البيت مثلًا، فإذا قلت: زيدٌ هو الفاضِلُ. تعَيَّن أن تكون الفاضِلُ خبرًا.
стр. 133
الثانية: الحَصْر؛ فإنك إذا قُلْتَ: زيدٌ هو الفاضِلُ؛ يعني: لا غيره، بخلاف لو قلت: زيدٌ الفاضِلُ، فهو فاضل وقد يكون غَيْرُه فاضلًا أيضًا.
الثالثة: التَّوْكيد؛ لأنَّ قَوْلَ القائِلِ: زيدٌ هو الفاضل، أَوْكَدُ من قوله: زيدٌ الفاضل.
أما هو فليس له محلٌّ من الإعراب؛ ودليل ذلك في القرآن؛ قال الله تعالى: ﴿لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ﴾ [الشعراء: ٤٠] ولو كان له مَحَلٌّ من الإعراب لكانَ مُبْتَدَأً ولَرُفِعَ الذي بعده، ولكانت الآيَةُ: لَعَلَّنَا نَتَّبعُ السَّحَرَةَ إن كانوا هُمُ الغالِبونَ.
стр. 134
الآية (١٦)
* قَالَ اللهُ : ﴿لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ يَاعِبَادِ فَاتَّقُونِ﴾ [الزمر: ١٦].
ثم قال الله تعالى: ﴿لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ﴾ قوله: ﴿لَهُمْ﴾ الضَّميرُ يعود على الخاسِرينَ الذين خَسِرُوا أَنْفُسَهم وأَهْليهم يَوْمَ القيامة وهم الكُفَّار.
قوله: ﴿لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ﴾ من فوق رُؤُوسِهِم، وكلمة: ﴿مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ تدلُّ على أن هذه الظُّلَل مُحِيطةٌ بهم.
وقوله: ﴿ظُلَلٌ﴾ قال المُفَسِّر ﵀: [طِباقٌ ﴿مِنَ النَّارِ﴾] وهذه الطِّباقُ من النار لا نعلم كَيْفِيَّتَها، فلا نعلم هل هي حديدٌ مُحَمَّاة، أو حجارة، أو غير ذلك؟ لكن إذا تأمَّلْنا قوله تعالى: ﴿وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [البقرة: ٢٤] فقد نقول: إنَّها من الحِجَارة، وليست أيضًا كحِجَارَتِنا، بل هي حجارةٌ لا تُعْلَم كَيْفِيَّتُها.
وقوله: ﴿وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ﴾ أي: [من النار] كما قال المُفَسِّر ﵀، وهذا كقوله تعالى: ﴿لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ﴾ [الأعراف: ٤١]. أي: شَيْءٌ يَغْشاهم؛ أي: يُغَطِّيهم.
قوله: ﴿ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ﴾: ﴿ذَلِكَ﴾ أي: المشارُ إليه مِنْ ذِكْرِ هذه الظُّلَل.
стр. 135
قوله: ﴿بِهِ﴾ الضمير يعود على العذاب المَذْكورِ، والباء للسَّبَبِيَّة؛ أي: يخوف بِسَبَبِه، ويجوز أن تقول: للتَّعْدِيَة؛ أي: يُخَوِّف به نَفْسِه.
وقوله: ﴿عِبَادَهُ﴾ قال: [أَيِ المُؤْمِنِينَ لِيَتَّقُوهُ يَدُلُّ عليه: ﴿يَاعِبَادِ فَاتَّقُونِ﴾] المُفَسِّر ﵀ سلك في تفسير الآية أنَّ المرادَ بالعباد هنا: شيءٌ خاصٌّ وهم المؤمنون، مع أنَّ ظاهِرَ الآيَةِ العُمُومُ، وأنَّ المراد بالعباد هنا من يتعَبَّدون لله بالمعنى العامِّ، وهي العبودية الكَوْنِيَّة؛ لأنَّ العبادة نوعان: عبادةٌ يَتَعَبَّد الإنسانُ لله بالشَّرْع، وهذه خاصَّةٌ بالمؤمنين؛ وعبادَةٌ يتَعَبَّد الإنسان لله بالكَوْن، أي: يكون عبْدًا لله كَوْنًا وقَدَرًا، يفعل الله فيه ما شاء.
فقوله: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ [مريم: ٩٣] هل المراد بالآية هنا: العبادة العامَّة، وأنَّ الله يوجِّهُ الخطاب إلى جَميعِ العِبادِ؛ جميع النَّاس أن يتَّقُوه، أو هي خاصَّةٌ؟ يرى المُفَسِّر ﵀ أنها خاصَّة، ولكن لا دليل على ذلك، وإذا لم يكن هنالك دليلٌ فالأَوْلى إبقاءُ النَّصِّ على عمومه، فكما أنَّ المؤْمِنَ يُخَوَّف بهذا الوَعيدِ فكذلك الكافر، فالكافِرُ أيضًا يُخَوَّفُ، بل إنَّ تَخْويفَ الكافر أَوْكَدُ من تخويف المُؤْمِن؛ لأنَّ مع المؤمن ما يُنْجيه من الخُلْدِ في النار، لكنَّ الكافِرَ ليس معه ما يُنْجيه من الخُلُودِ في النار.
إذن: الأَرْجَحُ العموم؛ وَجْهُه: أنَّ هذا هو ظاهِرُ النَّصِّ، وأنَّ الكافِرَ أَوْلَى أن يُخَوَّف بالنَّارِ من المُؤْمِن؛ لأنَّ مع المؤمن ما ينجو به من الخلود في النَّار، وليس مع الكافر شيءٌ ينجو به، فكيف نَصْرِفُ التَّخويف عمن هو أحَقُّ بالتَّخويفِ؟!
إذن: فالصَّحيح أنَّ المراد بالعباد العُمُوم؛ يعني: يُخَوِّف اللهُ بهذا العذابِ جَميعَ النَّاسِ. ثم وجَّه اللهُ الخطابَ إلى النَّاس عُمُومًا، فقال: ﴿يَاعِبَادِ فَاتَّقُونِ﴾: ﴿يَاعِبَادِ﴾
стр. 136
يعني: جميع العباد، كما قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لَا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ﴾ [لقمان: ٣٣]، وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ [النساء: ١]، والآيات كثيرةٌ في تَوْجيهِ الأَمْر بالتَّقْوى إلى جميع النَّاس، والكافر محتاجٌ للتَّقْوى؛ كما أنَّ المؤْمِنَ كذلك؛ فقول المُفَسِّر ﵀: [يَدُلُّ عليه] فيه نظر، ففي حكم المُفَسِّر ﵀ نَظَرٌ، وفي الاستدلال لهذا الحُكْم نَظَرٌ. وقوله: ﴿فَاتَّقُونِ﴾ غريبٌ أن تأتي النونُ مع فِعْلِ الأمر، والمعروف أنَّ فِعْل الأمر المقرون بواو الجماعَةِ أو ألفِ الاثْنَينِ أو ياء المخاطبة تُحْذَفُ منه النون؛ وهذه النونُ هي للوِقايَة؛ وأَصْلها: فاتَّقُونِي؛ والدليل: كَسْرُ النون؛ لأنَّها لو كانت نونَ الرَّفْعِ لكانت بِفَتْحِ النون، فإنَّ نون الرفع تكون مَفْتوحَةً.
ومن مثال ذلك أيضًا: قوله ﵎ في سورة الأنبياء: ﴿فَلَا تَسْتَعْجِلُونِ﴾ [الأنبياء: ٣٧] بعض الطَّلَبَة يُشْكِل عليه كيف قال: (لا تَسْتَعْجِلونِ) لا الناهية، وتأتي النون مع النَّاهِيَة؟ نقول: النون هنا للوِقَايَة بدليلِ أنَّها مَكْسُورة، ولو أنَّكَ واصلتَ فقلت: فلا تَسْتَعْجلونِي وَجَبَ الكَسْرُ، وكذلك في سورة الذَّارياتِ قوله تعالى: ﴿فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوبًا مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحَابِهِمْ فَلَا يَسْتَعْجِلُونِ﴾ [الذاريات: ٥٩]؛ فالنون هنا للوِقايَة وليست نونَ الرَّفْع.
أمَّا قوله تعالى: ﴿يَاعِبَادِ فَاتَّقُونِ﴾ فقد سبق معنى التَّقْوى مرارًا، فلا حاجة لإعادتها؛ ومن جملة التقوى تَرْكُ الكُفْر؛ لأنَّ التقوى اتخاذ الوِقايَة من عذاب الله؛ ومن جُمْلَتِها الإيمانُ؛ ولهذا جاءت الآية: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لَا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ﴾ [لقمان: ٣٣] ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ﴾ أي: عمومًا؛ وجاءت آية أخرى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ
стр. 137
عَظِيمٌ﴾ [الحج: ١]، وكذلك قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ [النساء: ١].
من فوائد الآية الكريمة:
الْفَائِدَة الأُولَى: بيانُ عُقوبَةُ الخاسرينَ الذي خسروا أنْفُسَهُم وأهليهم يوم القيامة؛ قال تعالى في بيان عُقُوبَتِهِم: ﴿لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ﴾.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: شِدَّةُ العذاب على أهْلِ النَّار؛ لأنَّ العذاب يغشاهُم من فَوْقِهم ومن تحت أَرْجُلِهم، وإذا كان الإنسانُ لا يَتَحَمَّل النَّار إذا أَتَتْه من وجهٍ ولو بعيدًا، فكيف إذا أتته من الوَجْهَينِ الفَوق والتَّحت!
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: أنه يجب على الإنسان أن يخاف مما خَوَّفه الله حتى يُحَقِّقَ العبوديَّة؛ لقوله: ﴿ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ﴾.
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أنَّه يَنبغي للإنسان أن يسيرَ إلى الله على جانبٍ من الخَوْف من العذابِ، وقد ذكَرنا كثيرًا: هل يُغَلِّبُ السَّائِرُ إلى الله جانب الخَوْف أو جانب الرجاء على ما سبق.
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: أنَّ الله رَبُّ كُلِّ شيء، وأنَّ كُلَّ شيءٍ فهو عابدٌ لله؛ لقوله: ﴿ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ﴾.
الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: وجوب التقوى؛ لقوله تعالى: ﴿يَاعِبَادِ فَاتَّقُونِ﴾.
стр. 138
الآيتان (١٧، ١٨)
* قَالَ اللهُ : ﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى فَبَشِّرْ عِبَادِ (١٧) الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [الزمر: ١٧، ١٨].
قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ﴾ قوله: ﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا﴾ أي: ابْتَعَدُوا عن الطَّاغُوت؛ لأنَّه مأخوذٌ من الجَنْب وهو الشَّيْء المُنْفَصِل عن الشَّيْء؛ يعني تقول: إلى جانبي فلان؛ أي: إنَّه مُنْفَصِل غيرُ مُتَّصِل.
وقوله: ﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ﴾ أي: ابْتَعَدوا عنه. والطاغوت اسمٌ من الطُّغْيانِ والتاءُ فيه للمبالَغَة، فما هو الطَّاغوتُ الذي اشْتُقَّ من الطُّغْيانِ؛ يقول ابن القيم ﵀: "الطَّاغُوتُ كُلُّ ما تجاوَزَ به العَبْدُ حَدَّهُ من معبودٍ أو مَتْبُوعٍ أو مُطَاعٍ" (١).
فكل ما تجاوز به الإنسان حَدَّه، وإنما قال: ما تجاوز به حَدَّه من أجل أن يَصْدُق عليه أنه طُغْيانٌ من مَعْبودٍ أو مَتْبوعٍ أو مُطاعٍ؛ فمثلًا: الأصنامُ التي يَعْبُدها الكُفَّار تسمَّى: طواغيت، المَتْبوعينَ من العلماء طَوَاغِيت، المَتْبوعينَ المطاعِينَ من الأمراء كذلك أيضًا طَوَاغيتُ.
لكن كلام ابن القيم ليس على ظاهره، مرادُهُ بالمعبود الذي لا إرادَة له كالأصنام
стр. 139
من الجماداتِ، أو المعبود الذي رَضِيَ بِعِبادَتِهم، وأما المعبود الذي عُبد وهو لا يَرْضى بالعبادة فلا يُسَمَّى طاغُوتًا؛ ولهذا لا يُمْكِنُ أن نُسَمِّيَ عيسى بْنَ مريم: (طاغوتًا)؛ وكذلك أيضًا: (المَتْبوعُ)؛ فالعلماء الذين لا يرضون أن يَعْبُدَهم النَّاس ليسوا طواغيتَ، و (المُطاعُ) أيضًا، الأمراء الذين لا يَرْضَوْنَ أن يَعْبُدَهم النَّاس لا يُسَمَّوْن طواغيتَ.
فكلام ابن القيم إذن ليسَ على إطلاقه، ويمكن أن نقول: إنَّ قَوْلَ ابنِ القَيِّم: "ما تجاوز به العَبْدُ حَدَّه من معبودٍ أو متبوعٍ أو مطاعٍ". أنه عائِدٌ على العمل، يعني: أنَّ الطاغوتَ عَمَلُ الإنسان في معبوداته أو من يُطيعُهُم أو من يَتْبَعُهُم؛ يعني معصية الله في طاعَةِ هؤلاء، فيكون الوَصْف الطغيانُ عائِدًا على الفِعْل لا على المفعول، وحينئذٍ نَسْلَمُ من الإشكال الذي قلنا: إنَّه لا بدَّ أن يُقَيَّد المَعْبودُ والمتبوعُ والمطاعُ بأنه راضٍ.
وعلى كلِّ حالٍ: فإن الطاغوت مأخوذ من الطُّغْيان وهو مجاوَزَةُ الحَدِّ، والصيغة فيه صيغَةُ مبالَغَة.
قال المُفَسِّر ﵀: [الأَوْثان] ففسَّر الطَّاغوت بالمعبودات وهي الأَوْثان؛ ولهذا قال: ﴿أَنْ يَعْبُدُوهَا﴾: (أن) هذه مَصْدَرِيَّة، وتأويلُ المَصْدَر بعدها منصوبٌ على أنه بدلٌ من الطاغوت، بدل اشْتِمال، فنقول: ﴿أَنْ يَعْبُدُوهَا﴾ في مَحَلِّ نصبٍ بدلٌ من ﴿الطَّاغُوتَ﴾.
وقوله: ﴿أَنْ يَعْبُدُوهَا﴾ هم يعبدون الأَصْنامَ بِدُعائِها، ولكن يَدَّعُونَ أنَّهُم لا يعبدونها إلا لِتُقَرِّبَهُم إلى الله. وقوله: ﴿وَأَنَابُوا﴾ أَقْبَلُوا إلى الله] والإنابة تكون بمعنى الإِقْبال؛ كما قال المُفَسَّر ﵀، وتكون بمعنى الرُّجوع؛ أي رَجَعوا إلى الله، والرُّجوع إلى الله يَسْتَلْزِم الإقبال عليه؛ لأنَّ الإنسانَ يَفِرُّ بالمَعْصِيَة بعيدًا عن الله، فإذا تاب وأناب ورجع إلى الله فهو مُقْبِلٌ.
стр. 140
وقوله: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى﴾ الجملة هذه خَبَريَّة قُدِّم فيها الخَبَر ﴿لَهُمُ﴾ لإفادَةِ الحَصْر؛ لأنَّ ما كان حَقُّه التَّأخيرَ إذا قُدِّمَ أفاد الحَصْر. وقوله: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى﴾ الجملة هذه خَبَر ﴿الَّذِينَ﴾، فالذين اجتنبوا الطاغوت لهم البشرى؛ فتكون هذه الجملة في مَوْضِعِ رَفْعٍ على الخَبَر. والبشرى: ما تَحْصُل به البِشَارة، والبشارة هي في الأصل: الخَبَرُ السَّارُّ، وسُمِّيَ الخبر السارُّ بِشارَةً؛ لأنَّه يظهر أثَرُه على البَشَرَة التي هي الجِلْد، فإنَّ الإنسان إذا أُخْبِر بما يَسُرُّه استنار وَجْهُه وتغَيَّر فسُمِّيَتْ بُشْرَى.
وقول المُفَسِّر ﵀: [الجَنَّة] هذا لا شك أنه مما يَدْخُل في البشرى، لكنه أعَمُّ مِمَّا قال المُفَسِّر ﵀, كما قال تعالى: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ [يونس: ٦٤] فمن البُشْرَى الرُّؤْيا الصَّالِحَة يراها الإنسانُ لِنَفْسِه أو يراها له مُؤْمِن، فإن هذه مِنَ البُشْرى.
وكما قال النَّبِي ﷺ : "تِلْكَ عَاجِلُ بُشْرَى المُؤْمِنِ" (١)، وقال: "الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ يَرَاهَا أَوْ تُرَى لَهُ" (٢)؛ مثل: أنْ يرَى مَن يُبَشَّرُ بالجنة؛ أنْ يرى أنَّه في نعيم، وما أشبهَ ذلك، هذا من البُشْرَى.
ومِنَ البُشْرَى أيضًا: أنْ يُوَفَّقَ للعَمْلِ الصَّالِح، فإذا رأيتَ الله وفَّقَكَ للعَمَلِ الصَّالِح المبنِيِّ على الإخلاص والمتابَعة لرَسولِ الله ﷺ فإنَّ هذا من البُشْرى.
стр. 141
ومن البشرى أيضًا: أنْ يُوفِّقك اللهُ لمصاحَبَةِ الأَخْيارِ، فكما جاء في الحديث: "إِنَّ المَرْءَ عَلَى دِينِ خَلِيلِهِ؛ فَلْيَنْظُرْ أَحَدُكُمْ مَنْ يُخَالِلُ" (١)، فإذا وجَدْتَ أنَّ الله وفَّقَك لمصاحَبَةِ الأخيار، فإن هذا عنوانٌ على السَّعادَة.
ومن البشرى أيضًا: أنْ يُحِبَ الإنسانُ من يُحِبُّه اللهُ، فإنَّ النَّبِي ﷺ سُئِلَ عن الرَّجُلِ يُحِبُّ القَوْم ولمَّا يَلْحَقْ بهم، فقال ﷺ : "مَنْ أَحَبَّ قَوْمًا فَهُوَ مِنْهُمْ" (٢)؛ قال أنس بن مالك ﵁: "مَا فَرِحْنَا بعد الإسلام بشَيْءٍ أحَبَّ إلينا من هذا الحديث"؛ ثم قال: "فَأَنَا أُحِبُّ النَّبِيَّ ﷺ وأُحِبُّ أبا بَكْرٍ وعُمَرَ" (٢)؛ فهذه من البُشْرَى.
المهم: أنَّ البُشرى كلُّ خبرٍ سارٍّ، فيشمل ما قاله المُفَسِّر ﵀: [الجَنَّة] وهي الغاية لكلِّ إنسانٍ، ويشمل ما كان علامةً على ذلك. قوله تعالى: ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ﴾ أمر اللهُ النَّبِي ﷺ بأن يُبَشِّرَ عباد الله بالجَنَّة، وبكل ما يَسُرُّهم حتى في الدنيا، فالمؤْمِنُ مسرورٌ دائمًا وإن أصيب ببلاءٍ فإنه مسرورٌ؛ لأنَّه إذا أصيب بالبلاءِ فَصَبَرَ كان خيرًا له.
قوله: ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ﴾ الدال مكسورة مع أنها مفعولٌ به؛ لأنَّ أَصْلَها (عبادِي) فحُذِفَتِ الياءُ للتَّخْفيفِ؛ كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ﴾ [الرعد: ١١]. أي: مِنْ (والِي)، وإن كان الياء في (والِي) غير الياء في (عبادي)؛ لأنَّ الياء في (والٍ)
стр. 142
من أصْلِ الكَلِمَة، وأما هنا فهي كلمةٌ أخرى: الياء.
والمراد بالعباد هنا: خُصوصيَّة العبودِيَّة؛ أي: عباد الله الصَّالحين لا كُل عَبْد.
ثم بيَّن تعالى من صِفاتِهِم، فقال: ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ هذا من علاماتِ عبادِ الله ؛ أنَّهُم لا يُضيِّعونَ الفُرَصَ.
قوله: ﴿يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ﴾ أي: يُصْغونَ إليه، ولم يَقُلْ يَسْمَعونَ؛ لأنَّ الاستماع هو متابعة المُتَكَلِّم والإنصاتُ إليه، بخلاف السَّماعِ، ونَضْرِبُ مثلًا لرَجُلٍ مَرَّ بقارئ يقرأ فسَمِعَه يقرأ، ورجل آخر مَرَّ بقارئ يقرأ فجَلَسَ إليه يُنْصِتُ؛ فالأول سامِعٌ، والثاني: مُسْتَمِعٌ؛ ولهذا قال العلماء بناء على هذا الفَرْق: إذا قرأ القارئ آية فيها سجْدَة وسَجَدَ، فإن السَّامِعَ لا يَسْجُد والمُسْتَمِع يَسْجُد؛ لأنَّ المُسْتَمِع متابِعٌ، والسَّامِع ليس بمتابعٍ.
إذن: هؤلاء الذين يَسْتَمِعون القول لا يضيعون فُرْصَة، والمراد بـ ﴿الْقَوْلَ﴾: القول (أل) هنا للعَهْد، وتشبه أن تكون للعهد الذِّكْري؛ لقوله: ﴿فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ أي: أنَّهُم يَسْتَمِعون القَوْل الحَسَن، ليس كلَّ قَوْل
إذن: المرادُ بالقول هنا: القَوْل الحَسَن، أما اللَّغْوُ أو السَّيِّئ، فإن الله يقول: ﴿وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾ [الفرقان: ٧٢]، وقال: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ﴾ [القصص: ٥٥]، فإذا كانوا يُعْرِضون عن اللَّغْو لأنَّه لا فائِدَة فيه، فالمُحَرَّم من باب أَوْلى.
إذن: هؤلاء قومٌ عندهم حَزْم، عندهم شُحٌّ في الوقت، لا يستمعون إلا إلى القَوْل الحسن؛ فإذا استمعوا إلى القَوْل الحَسَن، فنحن نعلم أنَّ الحَسَن فيه ما هو
стр. 143
أحسن وما حَسُن، فهم يتَّبِعون: ﴿أَحْسَنَهُ﴾، فمثلًا: إذا سَمِعوا التَّرغيبَ في صلاة اللَّيل، وأنَّ أَكْثَرَها مثلًا إحدى عَشْرَة ركْعَةً، وأدناها ركعة واحدة، فالذي يتبعونه: الإِحْدى عشرة؛ لأنَّها أَحْسَن، وإذا سمعوا الإنفاقَ في طلب العلم، والإنفاق على فقيرٍ ليس في ضرورةٍ يتبعون: على طَلَبِ العِلْم؛ لأنَّهُم يتبعون الأَحْسَن.
إذن: لم يفرطوا في الوَقْت، ولم يفرطوا في الأَفْضَل، بل كانوا يَسْتَمِعون كلَّ قولٍ حَسَن، ويتبعون الأَحْسَن منه، فإن تبعوا الحَسَن وتركوا الأَحْسَن، فإنَّهم لا يُلامون على ذلك، لكنهم ليسوا في قِمَّة الكمال؛ إذ الذي في قمة الكَمالِ هو الذي يتَّبعُ الأَحْسَن؛ قال المُفَسِّر ﵀: [﴿فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ وهو ما فيه صَلَاحُهُم] لكنَّ الأَصْلَح يَتَّبِعون الأَصْلَح فالأَصْلَح.
قال الله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ﴾: ﴿أُولَئِكَ﴾ الإشارَةُ للبعيدِ، وإنما أشار إليهم إشارَةَ البَعيدِ مع قُرْبِ ذِكْرِهم للدَّلالة على عُلُوِّ مَنْزِلَتِهم، وهذا يقع كثيرًا في القرآنِ، يُشيرُ الله إلى الشَّيْءِ القَريبِ بِصيغَةِ البَعيدِ لعُلُوِّ مَرْتَبَتِه؛ كما قال الله تعالى: ﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ١ - ٢]؛ لأنَّه يقول: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ الكتابُ قريبُ، لكن إشارة لعُلُوِّ مَرْتَبَتِه؛ وأحيانًا يشير بالقريب لقُرْبِهِ من مريدِهِ، كما في قوله ﵎: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الأنعام: ١٥٥].
يعني ليس بعيدًا عليهم؛ قريبٌ، قريبٌ لهم، ﴿مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ﴾، وهنا يقول: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ﴾ أشار إليهم إشارَةَ البعيد إشارةً إلى عُلُوِّ مَرْتَبَتِهم.
وقوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ﴾ هذه الجُمْلَة خَبَرِيَّة طرفاها مَعْرِفَة، وقد
стр. 144
قال العلماء: إنَّ الجُمْلة الخَبَرِية إذا كان طرفاها مَعْرِفَة فإنها تفيد الحَصْر ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ﴾ يعني: لا غَيْر.
وقوله: ﴿هَدَاهُمُ اللَّهُ﴾ يشمل هدايةَ الدَّلالة وهداية التَّوْفيق؛ يعني بَيَّن لهم الحقَّ وعَلِمُوه ثم اهْتَدَوْا به، والنَّاس في هذا المقام ثلاثَةُ أَقْسامٍ:
١ - قِسْمٌ ضلُّوا عن الهدى عِلْمًا وعَمَلًا.
٢ - قِسْمٌ هُدُوا إلى الحَقِّ عِلْمًا وعَمَلًا.
٣ - قِسْمٌ هُدُوا إلى الحَقِّ عِلْمًا ولم يَهْتَدوا إليه عَمَلًا.
فهل يمكن أن نقول: وقِسْمٌ اهتدوا إلى الحَقِّ عملًا، ولم يهتدوا إليه عِلْمًا؟
الجواب: لا يمكن؛ لأنَّه لا عَمَلَ بالحَقِّ إلا بعِلْمٍ بالحَقِّ، فالقِسْمَة رُباعية، لكن الطرف الرابع منها مُمْتَنِع.
إذن: في قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ﴾ هداية دلالة وتَوْفيقٍ، وإن شِئْتَ فقل: هداية علم وعمل، فالدلالة العِلْم، والتَّوْفيق العَمَل.
وقوله: ﴿وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾: ﴿وَأُولَئِكَ﴾ كرَّرَ اسْمَ الإشارة تنويهًا بعُلُوِّ مَرْتَبَتِهم.
وقوله: ﴿هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ أي: أصحابُ العُقُولِ؛ لأنَّ الإنسانَ كُلَّما كان للحَقِّ أَتْبَعَ كان أكْمَل عقلًا، وكلما نَقَصَ اتِّباعُ الحَقِّ في عقله كان أدَلَّ على قِلَّةِ عَقْلِه، فأَعْقَلُ النَّاس أتْبَعُهُم لدين الله لا شكَّ، لأنَّهُم هم الذين عندهم الحَزْم وانتهاز الفُرَصِ وحِفْظُ الوقت؛ ولهذا قال ﵀: [﴿وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ أصحاب العقول].
стр. 145
فإن قال قائل: أليس الكُفارُ ذَوي عَقْلٍ؟
فالجوابُ: بلى، لكنهم ذوو عَقْلٍ إدراكيٍّ، لا عَقْلٍ رُشْدِيٍّ؛ ولهذا كانوا مُكَلَّفينَ ومُلْزَمينَ؛ لأنَّ عِنْدَهم عقل إدراك، لكنهم غير مُوَفَّقينَ؛ لأنَّهُم فقدوا عقل الرُّشْد.
من فوائد الآية الكريمة:
الْفَائِدَة الأُولَى: الثَّناءُ على مُجْتَنِبِ الطَّاغوت؛ لقوله: ﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا﴾.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أن لهم هذا الثَّوابَ العظيمَ، وهو قوله: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى﴾.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: أنَّ التَّوْحيدَ لا يتِمُّ إلا باجتناب الطاغوت والإخلاصِ لله تعالى؛ لقوله: ﴿اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى﴾.
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أنَّ الذين اتَّصَفُوا بهذه الصِّفَة؛ اجتنابِ الطَّاغوتِ والإنابَةِ إلى الله، هم أهل البُشْرى؛ لقوله: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى﴾ ولم يُبَيَّنِ الله وقت البشرى؛ فهو شاملٌ للبشرى في الدنيا وفي الآخِرَة.
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: حرمان من أَشْرَك بالله من هذه البشرى؛ لأنَّه جعَل البُشرى للذين: ﴿اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ﴾.
الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: إثبات العبوديَّة الخاصَّة؛ لقوله: ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ﴾، والعبوديَّة الخاصَّة تكون منقَسِمَة إلى خاصَّةٍ أخَصَّ، وإلى خاصَّةٍ ليست بأخَصَّ، فالمؤمنون جميعًا كلُّهُم عباد الله، والرُّسُل عبوديَّتُهم أخَصُّ؛ فقوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا﴾ [الإسراء: ١]. هذه من الأَخَصِّ، وقوله: ﴿وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ﴾ [ص: ٤٥] هذه من العبادة الأَخَصِّ.