ومن البشرى أيضًا: أنْ يُوفِّقك اللهُ لمصاحَبَةِ الأَخْيارِ، فكما جاء في الحديث: "إِنَّ المَرْءَ عَلَى دِينِ خَلِيلِهِ؛ فَلْيَنْظُرْ أَحَدُكُمْ مَنْ يُخَالِلُ" (١)، فإذا وجَدْتَ أنَّ الله وفَّقَك لمصاحَبَةِ الأخيار، فإن هذا عنوانٌ على السَّعادَة.
ومن البشرى أيضًا: أنْ يُحِبَ الإنسانُ من يُحِبُّه اللهُ، فإنَّ النَّبِي ﷺ سُئِلَ عن الرَّجُلِ يُحِبُّ القَوْم ولمَّا يَلْحَقْ بهم، فقال ﷺ : "مَنْ أَحَبَّ قَوْمًا فَهُوَ مِنْهُمْ" (٢)؛ قال أنس بن مالك ﵁: "مَا فَرِحْنَا بعد الإسلام بشَيْءٍ أحَبَّ إلينا من هذا الحديث"؛ ثم قال: "فَأَنَا أُحِبُّ النَّبِيَّ ﷺ وأُحِبُّ أبا بَكْرٍ وعُمَرَ" (٢)؛ فهذه من البُشْرَى.
المهم: أنَّ البُشرى كلُّ خبرٍ سارٍّ، فيشمل ما قاله المُفَسِّر ﵀: [الجَنَّة] وهي الغاية لكلِّ إنسانٍ، ويشمل ما كان علامةً على ذلك. قوله تعالى: ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ﴾ أمر اللهُ النَّبِي ﷺ بأن يُبَشِّرَ عباد الله بالجَنَّة، وبكل ما يَسُرُّهم حتى في الدنيا، فالمؤْمِنُ مسرورٌ دائمًا وإن أصيب ببلاءٍ فإنه مسرورٌ؛ لأنَّه إذا أصيب بالبلاءِ فَصَبَرَ كان خيرًا له.
قوله: ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ﴾ الدال مكسورة مع أنها مفعولٌ به؛ لأنَّ أَصْلَها (عبادِي) فحُذِفَتِ الياءُ للتَّخْفيفِ؛ كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ﴾ [الرعد: ١١]. أي: مِنْ (والِي)، وإن كان الياء في (والِي) غير الياء في (عبادي)؛ لأنَّ الياء في (والٍ)
стр. 142
من أصْلِ الكَلِمَة، وأما هنا فهي كلمةٌ أخرى: الياء.
والمراد بالعباد هنا: خُصوصيَّة العبودِيَّة؛ أي: عباد الله الصَّالحين لا كُل عَبْد.
ثم بيَّن تعالى من صِفاتِهِم، فقال: ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ هذا من علاماتِ عبادِ الله ؛ أنَّهُم لا يُضيِّعونَ الفُرَصَ.
قوله: ﴿يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ﴾ أي: يُصْغونَ إليه، ولم يَقُلْ يَسْمَعونَ؛ لأنَّ الاستماع هو متابعة المُتَكَلِّم والإنصاتُ إليه، بخلاف السَّماعِ، ونَضْرِبُ مثلًا لرَجُلٍ مَرَّ بقارئ يقرأ فسَمِعَه يقرأ، ورجل آخر مَرَّ بقارئ يقرأ فجَلَسَ إليه يُنْصِتُ؛ فالأول سامِعٌ، والثاني: مُسْتَمِعٌ؛ ولهذا قال العلماء بناء على هذا الفَرْق: إذا قرأ القارئ آية فيها سجْدَة وسَجَدَ، فإن السَّامِعَ لا يَسْجُد والمُسْتَمِع يَسْجُد؛ لأنَّ المُسْتَمِع متابِعٌ، والسَّامِع ليس بمتابعٍ.
إذن: هؤلاء الذين يَسْتَمِعون القول لا يضيعون فُرْصَة، والمراد بـ ﴿الْقَوْلَ﴾: القول (أل) هنا للعَهْد، وتشبه أن تكون للعهد الذِّكْري؛ لقوله: ﴿فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ أي: أنَّهُم يَسْتَمِعون القَوْل الحَسَن، ليس كلَّ قَوْل
إذن: المرادُ بالقول هنا: القَوْل الحَسَن، أما اللَّغْوُ أو السَّيِّئ، فإن الله يقول: ﴿وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾ [الفرقان: ٧٢]، وقال: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ﴾ [القصص: ٥٥]، فإذا كانوا يُعْرِضون عن اللَّغْو لأنَّه لا فائِدَة فيه، فالمُحَرَّم من باب أَوْلى.
إذن: هؤلاء قومٌ عندهم حَزْم، عندهم شُحٌّ في الوقت، لا يستمعون إلا إلى القَوْل الحسن؛ فإذا استمعوا إلى القَوْل الحَسَن، فنحن نعلم أنَّ الحَسَن فيه ما هو
стр. 143
أحسن وما حَسُن، فهم يتَّبِعون: ﴿أَحْسَنَهُ﴾، فمثلًا: إذا سَمِعوا التَّرغيبَ في صلاة اللَّيل، وأنَّ أَكْثَرَها مثلًا إحدى عَشْرَة ركْعَةً، وأدناها ركعة واحدة، فالذي يتبعونه: الإِحْدى عشرة؛ لأنَّها أَحْسَن، وإذا سمعوا الإنفاقَ في طلب العلم، والإنفاق على فقيرٍ ليس في ضرورةٍ يتبعون: على طَلَبِ العِلْم؛ لأنَّهُم يتبعون الأَحْسَن.
إذن: لم يفرطوا في الوَقْت، ولم يفرطوا في الأَفْضَل، بل كانوا يَسْتَمِعون كلَّ قولٍ حَسَن، ويتبعون الأَحْسَن منه، فإن تبعوا الحَسَن وتركوا الأَحْسَن، فإنَّهم لا يُلامون على ذلك، لكنهم ليسوا في قِمَّة الكمال؛ إذ الذي في قمة الكَمالِ هو الذي يتَّبعُ الأَحْسَن؛ قال المُفَسِّر ﵀: [﴿فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ وهو ما فيه صَلَاحُهُم] لكنَّ الأَصْلَح يَتَّبِعون الأَصْلَح فالأَصْلَح.
قال الله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ﴾: ﴿أُولَئِكَ﴾ الإشارَةُ للبعيدِ، وإنما أشار إليهم إشارَةَ البَعيدِ مع قُرْبِ ذِكْرِهم للدَّلالة على عُلُوِّ مَنْزِلَتِهم، وهذا يقع كثيرًا في القرآنِ، يُشيرُ الله إلى الشَّيْءِ القَريبِ بِصيغَةِ البَعيدِ لعُلُوِّ مَرْتَبَتِه؛ كما قال الله تعالى: ﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ١ - ٢]؛ لأنَّه يقول: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ الكتابُ قريبُ، لكن إشارة لعُلُوِّ مَرْتَبَتِه؛ وأحيانًا يشير بالقريب لقُرْبِهِ من مريدِهِ، كما في قوله ﵎: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الأنعام: ١٥٥].
يعني ليس بعيدًا عليهم؛ قريبٌ، قريبٌ لهم، ﴿مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ﴾، وهنا يقول: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ﴾ أشار إليهم إشارَةَ البعيد إشارةً إلى عُلُوِّ مَرْتَبَتِهم.
وقوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ﴾ هذه الجُمْلَة خَبَرِيَّة طرفاها مَعْرِفَة، وقد
стр. 144
قال العلماء: إنَّ الجُمْلة الخَبَرِية إذا كان طرفاها مَعْرِفَة فإنها تفيد الحَصْر ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ﴾ يعني: لا غَيْر.
وقوله: ﴿هَدَاهُمُ اللَّهُ﴾ يشمل هدايةَ الدَّلالة وهداية التَّوْفيق؛ يعني بَيَّن لهم الحقَّ وعَلِمُوه ثم اهْتَدَوْا به، والنَّاس في هذا المقام ثلاثَةُ أَقْسامٍ:
١ - قِسْمٌ ضلُّوا عن الهدى عِلْمًا وعَمَلًا.
٢ - قِسْمٌ هُدُوا إلى الحَقِّ عِلْمًا وعَمَلًا.
٣ - قِسْمٌ هُدُوا إلى الحَقِّ عِلْمًا ولم يَهْتَدوا إليه عَمَلًا.
فهل يمكن أن نقول: وقِسْمٌ اهتدوا إلى الحَقِّ عملًا، ولم يهتدوا إليه عِلْمًا؟
الجواب: لا يمكن؛ لأنَّه لا عَمَلَ بالحَقِّ إلا بعِلْمٍ بالحَقِّ، فالقِسْمَة رُباعية، لكن الطرف الرابع منها مُمْتَنِع.
إذن: في قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ﴾ هداية دلالة وتَوْفيقٍ، وإن شِئْتَ فقل: هداية علم وعمل، فالدلالة العِلْم، والتَّوْفيق العَمَل.
وقوله: ﴿وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾: ﴿وَأُولَئِكَ﴾ كرَّرَ اسْمَ الإشارة تنويهًا بعُلُوِّ مَرْتَبَتِهم.
وقوله: ﴿هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ أي: أصحابُ العُقُولِ؛ لأنَّ الإنسانَ كُلَّما كان للحَقِّ أَتْبَعَ كان أكْمَل عقلًا، وكلما نَقَصَ اتِّباعُ الحَقِّ في عقله كان أدَلَّ على قِلَّةِ عَقْلِه، فأَعْقَلُ النَّاس أتْبَعُهُم لدين الله لا شكَّ، لأنَّهُم هم الذين عندهم الحَزْم وانتهاز الفُرَصِ وحِفْظُ الوقت؛ ولهذا قال ﵀: [﴿وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ أصحاب العقول].
стр. 145
فإن قال قائل: أليس الكُفارُ ذَوي عَقْلٍ؟
فالجوابُ: بلى، لكنهم ذوو عَقْلٍ إدراكيٍّ، لا عَقْلٍ رُشْدِيٍّ؛ ولهذا كانوا مُكَلَّفينَ ومُلْزَمينَ؛ لأنَّ عِنْدَهم عقل إدراك، لكنهم غير مُوَفَّقينَ؛ لأنَّهُم فقدوا عقل الرُّشْد.
من فوائد الآية الكريمة:
الْفَائِدَة الأُولَى: الثَّناءُ على مُجْتَنِبِ الطَّاغوت؛ لقوله: ﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا﴾.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أن لهم هذا الثَّوابَ العظيمَ، وهو قوله: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى﴾.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: أنَّ التَّوْحيدَ لا يتِمُّ إلا باجتناب الطاغوت والإخلاصِ لله تعالى؛ لقوله: ﴿اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى﴾.
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أنَّ الذين اتَّصَفُوا بهذه الصِّفَة؛ اجتنابِ الطَّاغوتِ والإنابَةِ إلى الله، هم أهل البُشْرى؛ لقوله: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى﴾ ولم يُبَيَّنِ الله وقت البشرى؛ فهو شاملٌ للبشرى في الدنيا وفي الآخِرَة.
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: حرمان من أَشْرَك بالله من هذه البشرى؛ لأنَّه جعَل البُشرى للذين: ﴿اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ﴾.
الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: إثبات العبوديَّة الخاصَّة؛ لقوله: ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ﴾، والعبوديَّة الخاصَّة تكون منقَسِمَة إلى خاصَّةٍ أخَصَّ، وإلى خاصَّةٍ ليست بأخَصَّ، فالمؤمنون جميعًا كلُّهُم عباد الله، والرُّسُل عبوديَّتُهم أخَصُّ؛ فقوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا﴾ [الإسراء: ١]. هذه من الأَخَصِّ، وقوله: ﴿وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ﴾ [ص: ٤٥] هذه من العبادة الأَخَصِّ.
стр. 146
الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: أن عباد الله حريصونَ على استماع ما فيه المَصْلَحة والمَنْفَعَة؛ لقوله: ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ﴾
الْفَائِدَةُ الثَّامِنَةُ: أن هؤلاء السَّادَة لا يُضِيعونَ وقتًا؛ حتى إنهم يَسْتَمِعون إلى عملِ غَيْرِهم وهو قول غَيْرِهم، فكيف بِعَمَلِهِم أَنْفُسِهِم؟! فلا بد أن يكونوا قائمين به.
الْفَائِدَةُ التَّاسِعَةُ: أن عباد الله الذين ذكرهم الله بما ذكر يأخُذونَ من القَوْل بأَحْسَنِه؛ لقوله: ﴿فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾.
الْفَائِدَةُ الْعَاشِرَةُ: أن هؤلاء القَوْمَ هم الذين هداهم الله؛ لقوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ﴾.
ويتفرَّع على هذه القاعِدَة: أنَّك إذا رأيت من نَفْسِك الحِرْص على استماع قَوْلِ الخَيْر واتِّباعِ أحْسَنِه فاعلم أن هذا مِن هِدايَة الله لك؛ لأنَّه قال: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ﴾، وإذا رأيت من نَفْسِك كَراهَةَ الاسْتِماعِ إلى القول الحَسَنِ فاتَّهِمْ نَفْسَكَ؛ لأنَّ اللهَ جعَلَ الهدايةَ في هؤلاءِ القوم، فإذا لم يَحْصُلْ لك هذا فاتَّهِمْ نَفْسَك، وصَحِّحِ الخطأ، وأَقْبِلْ إلى الله .
ونِعمة الهداية أبلغُ مِن الإنعامِ بالأَكلِ والشُّرب، لأنَّه كلٌّ يأكل ويشرب حتى البهائم، لكنِ الهدايةُ ليس كلُّ أحدٍ يهتدي، فإنعام اللهُ علَى الإنسانِ بالهِدَايةِ العِلميَّة والعَمَليَّة أعظمُ مِن إنعامِه عليه بالأكلِ والشُّرب.
الْفَائِدَةُ الحَادِيَةَ عَشْرَةَ: أن أفعال العباد واقعةٌ بتقديرِ الله، وأنَّهُم لا يَسْتَقِلُّون بها، تؤخذ من قوله: ﴿هَدَاهُمُ اللَّهُ﴾ ولهذا ذهب أهل السُّنَّة والجماعة: إلى أن أفعالَ العبادِ مخلوقةٌ لله مرادَةٌ له، خلافًا لمن قال: إنَّ أفعال العبادِ ليست مُرادَةً لله ولا مخلوقةً له، وهم القَدَرِّيةُ مَجُوسُ هذه الأُمَّةِ.
стр. 147
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ: بيان مِنَّةِ الله على هؤلاء الذين وُفِّقُوا لاستماع القَوْل واتِّباعِ أَحْسَنِه؛ يعني: إظهار مِنَّة الله عليهم في قوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ﴾.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ: أنه يجب عقلًا أن تَحْمَدَ الله إذا هداك إلى مِثْل هذا؛ لأنَّك إذا عَلِمْتَ أنَّ الهداية من الله فالعَقْل يقتضي أن تَحْمَدَه وتشكره، وهذه النِّعْمَة أبْلَغُ من الإنعام بالأَكْل والشرب؛ لأنَّ الأكْل والشُّرْب، كلٌّ يأكل ويشرب حتى البَهائِم، لكِنَّ الهدايَةَ ليس كُلُّ أحدٍ يَهتَدي، فإنعامُ الله على الإنسان بالهداية العِلْمِيَّة والعملية أعْظَمُ من إنعامِهِ عليه بالأَكْل والشُّرْب.
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ: أن المُتمسِّكين بدِين الله تعالى المُتَّبِعين لأحسَنِ القول هُمْ أصحاب العُقول، فمِنَ المُتعارَف عند الناس الآنَ أنهم إذا رأَوْا إنسانًا ذكيًّا مُتأنِّيًا في الأمور يَقولون: هذا عاقِل ما شاء الله. ولو كان من أَفجَرِ الناس، والحقيقة أننا نَقول: العاقِل مَن وفَّقه الله تعالى للعِلْم والعمَل ولو كان من أبلَدِ الناس، لو كان من أبلَدِ الناس باعتِبار الذَّكاء.
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةَ عَشْرَةَ: أنه لا تَلازُمَ بين الذَّكاء والعَقْل، فالذَّكاء شيء والعَقْل شيءٌ آخَرُ، حتى في عَقْل الإِدْراك لا تَلازُمَ بين الذَّكاء وعَقْل الإدراك؛ لأن من الناس مَن تَجِده ذكيًّا شديد المُلاحَظة يَفهَم الشيء بسرعة ويُعطِي الجَواب بسرعة، لكنه في التَّصرُّف أحمَقُّ ليس عنده عَقْل، ومن الناس مَن يَكون بالعَكْس؛ عنده شيء من البَلادة ولكنه في التَّصرُّف عاقِل مُتَأنٍّ، ولكنَّ أعقَلَ الناس أَطوعُهم لله تعالى، فلا شَكَّ أن أَعقَلَ الناس أطوعُهم له ﵎؛ ولهذا قال تعالى: ﴿وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾.
الْفَائِدَةُ السَّادِسَةَ عَشْرَةَ: الإشارة إلى انقِسام الناس إلى قِسْمين: مُوفَّق ومُخفِق؛ لأن قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ يَدُلُّ على أن
стр. 148
هناك قِسْمًا آخَرَ، وهم الذين لم يُوفَّقوا، ولم يَهدِهمُ الله تعالى، والآية أَشارَت إليه، والواقِعُ يَشهَد له.
فإن قال قائِل: لماذا لم يَجعَل الله الناس على دِينٍ واحِد أُمَّةً واحِدة؟
قلنا: لأن هذا يُنافِي الحِكْمة، قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (١١٨) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [هود: ١١٨, ١١٩]، ولو لم يُوجَد هذا الانقِسامُ ما مُلِئت النار، ولا دخَلها أحَد، وما عرَف الإنسان قَدْر نِعْمة الله تعالى عليه بالإيمان والعمَل الصالِح، وما مدَحَ مَن آمَن وعَمِل صالِحًا؛ لأن الرجُلَ لا يَستَطيع أن يَخرُج عمَّا عليه الناس، ولو لم يُوجَد هذا لم يَكُن هناك سُوقٌ للجِهاد؛ لأنك لا يُمكِن أن تُجاهِد مَن هو مِثْلك في الإيمان والعمَل الصالِح، ولم يَقُمْ سُوق الأَمْر بالمَعروف والنَّهيِ عن المُنكَر، ولا سُوق الدَّعوة إلى الله تعالى، إلى غير ذلك من المَصالِح الكثيرة التي تَفوت بفَوات هذا الانقِسامِ.
أمَّا مِن حيثُ القُدْرة الإلهية فإن الله تعالى قادِر على أن يَجعَل الناس أُمَّةً وَاحِدة على الدِّين، على الدَّين الحقِّ، ولكن الحِكْمة الإلهية تَأبَى ذلك، وقد علِمْتم شَيئًا من كثيرٍ من حِكْمةِ تَفرُّق الناس إلى مُؤمِن وكافِر.
стр. 149
الآية (١٩)
* قَالَ اللهُ : ﴿أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ﴾ [الزمر: ١٩].
قوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ﴾ ما هي كلِمة العَذاب؟ قال المُفَسِّر ﵀: هي قوله تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [هود: ١١٩].
وقيل: كلِمة العَذاب هي قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ (٩٦) وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾ [يونس: ٩٦, ٩٧]، وهذا القولُ أقرَبُ للصواب؛ لأن هذا القَوْلَ أخَصُّ ممَّا قال المُفَسِّر ﵀؛ لأن قوله تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [هود: ١١٩] لا تَدُلُّ على شخصٍ بعَيْنه، بل تَدُلُّ على أن كلِمة الله اقتَضَت أن تُملَأ النَّار، لكن ﴿الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ﴾ هؤلاء قَوْم بعَيْنهم ﴿لَا يُؤْمِنُونَ (٩٦) وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ﴾ [يونس: ٩٦, ٩٧].
فالصحيح أن المُراد بـ ﴿كَلِمَةُ الْعَذَابِ﴾ هي ما ذكَرَه الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ﴾ [يونس: ٩٦] أنهم من أهل النار هؤلاءِ لا يُمكِن أن يُؤمِنوا.
وقوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ حَقَّ﴾ كلِمة: ﴿أَفَمَنْ﴾ فيها ثلاث كلِمات: (الهَمْزة والفاء
стр. 150
ومَنْ) فالهَمْزة للاستِفْهام، والفاء عاطِفة، و (مَن) يَقول المُفَسِّر ﵀ عنها: إنها [شَرْطية]. ويَقول آخَرون: إنها مَوْصولة، ويَكون مَعناها حينئذٍ: (أَفالَّذي حَقَّ عليه كلِمة العذاب).
فإن قيل: إن حديث: "خَيَارُكُمْ فِي الجَاهِلِيَّةِ خِيَارُكُمْ فِي الْإِسْلَامِ" (١) قد يُخالِف هذه الآيةَ في المَعنَى؟
قُلنا: لا، لأن مَعنَى قوله ﷺ : "خَيَارُكُمْ فِي الجَاهِلِيَّةِ خِيَارُكُمْ فِي الْإِسْلَامِ" أن العرَب كانوا قبائِلَ، وبعض القبائِل أشرَفُ من بعضٍ، فقال ﵊ من كان له حسَبٌ وشَرَف في الجاهِلية، فهذا حسَبُه وشرَفُه له إذا فَقِه في دِين الله تعالى.
والرجُل الذَّكيُّ لا يَنطَبِق عليه هذا الحديثُ؛ لأن كونَه ذكيًّا، ثُم يَكون عاقِلًا قد يُحمَد وقد لا يُحمَد، ولاحِظْ أنه أحيانًا قد يَكون الذَّكاء المُفرِط سببًا للضلال - والعِياذُ بالله -؛ لأن الرجُل الذَّكيَّ يُورِد على نفسه أشياءَ، ويَفتَح على نفسه أشياءَ مثل: لو كان كذا لكان كذا، ولو كان غافِلًا عن هذا لكان أحسَنَ له؛ ولهذا ما ضَرَّ أصحابَ الكلام والمَنطِق والفلاسِفة إلَّا حِدَّةُ ذَكائِهم، لكن السليم هو الذي يَستَمِرُّ، وقد تَمنَّى بعض أهل الكَلام أن يَموت على دِين عجائِزِ نَيْسابورَ.
وفي قوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ﴾ الهمزة هنا كما بيَّنَّا للاستِفهام، ويُحتَمَل أن يَكون المُرادُ به الاستِفْهامَ الحقيقيَّ، أو أن المُراد به الإنكار، ويَتبَيَّن ذلك من تفسيرها.
стр. 151
وقوله تعالى: ﴿حَقَّ عَلَيْهِ﴾ أي: وجَبَ عليه، وذُكِر الفِعْل مع أن لَفْظة ﴿كَلِمَةُ﴾ مُؤنَّث؛ لوَجْهين:
الوجه الأوَّل: أن تأنيث لفظة ﴿كَلِمَةُ﴾ مَجازِيٌّ.
والوجه الآخَر: أنه مُنفَصِل عن عامِله، ولا يَجِب تأنيث الفِعْل إلَّا إذا كان الفاعِل مُؤنَّثًا حقيقيًّا مُتَّصِلًا، كما قال ابنُ مالك ﵀:
وَإِنَّمَا تَلْزَمُ فِعْلَ مُضْمَرِ ... مُتَّصِلٍ أَوْ مُفْهِمٍ ذَاتِ حِرِ (١)
يَقول تعالى: ﴿أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ﴾، أي: وجَب عليه كلِمة العَذاب وهي أنهم لا يُؤمِنون ولو جاءتَهم كلُّ آية، أو كما قال المُفَسِّر ﵀: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [هود: ١١٩] والأوَّلُ أَظهَرُ.
وقوله تعالى: ﴿كَلِمَةُ الْعَذَابِ﴾ يَعنِي: الكلمة التي يَستَحِقُّون بها العَذاب، وهي أن كلَّ مَن خالَف أَمْر الله تعالى فإنه مُستَحِقٌّ للعَذاب.
ثُمَّ قال الله تعالى: ﴿أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ﴾؛ فقوله تعالى: ﴿أَفَأَنْتَ﴾ الخِطاب للرسول ﷺ ، يَعنِي: هل تُنقِذه إذا حقَّتْ عليه كلِمة العَذاب؟
الجواب: (لا)، وإذا كان الجَوابُ: (لا)، فهو عَلامة على أن الاستِفْهام للنَّفيِ، وهنا نَسأَل الهَمْزة في ﴿أَفَمَنْ حَقَّ﴾، والهَمْزة في ﴿أَفَأَنْتَ﴾ هل لكل واحِدة مَعنًى مُستَقِلٌّ، أو أن الثانية تَوْكيد للأُولى؟
الجواب: إن كانت الجُمْلتان جُمْلةً واحِدة فالثانية تَوْكيد للأُولى، وإن كانت كلُّ جُملة مُستَقِلَّة عن الأخرى فالثانية أَصلِيَّة، يَعنِي: تَأسيسية لا تَوْكيدية، ومَهما يَكُن من
стр. 152
أَمْر فإن مثل هذا التَّركيبِ أَعنِي: إذا أَتَت همزة الاستِفْهام وبعدها حَرْف عَطْف - قد سبَقَ لنا مِرارًا - أن لعُلماء النَّحْو في ذلك قَوْلين في الإعراب:
القول الأوَّلُ: منهم مَن يَرَى أن الهَمْزة داخِلة على جُملة مُقدَّر تُناسِب المَقام، وحَرْف العَطْف على تِلكَ الجُمْلةِ المَحذوفة.
القولُ الآخَرُ: ومِنهم مَن يَرَى أن الهَمْزة داخِلة على الجُمْلة التي بعد حَرْف العَطْف، فيَكون حرف العَطْف على ما سبَقَ، وقُدِّمَت الهَمْزة للصدارة.
والقول الثاني أيسَرُ؛ لأن القول الأوَّلُ صعوبتُه أنه قد يَتعَذَّر على الإنسان مَعرِفة المُناسِب للسِّياق، أو ربَّما يُقدِّر ما يَظُنُّه مُناسِبًا، وليس بمُناسِب.
وقوله تعالى: ﴿تُنْقِذُ﴾ فسَّرَها المُفَسِّر ﵀ بمَعنَى: [تُخرِج]، لكنه تَفسير قاصِر؛ لأن كلِمة (تُخرِج) لا تَدُلُّ على أنه مُنقِذٌ من هلَكة، بل تَدُلُّ على معنًى أَخصَّ، ولا يَنبَغي أن نُفسِّر الأخصَّ بالأَعَمِّ؛ لأنك إذا فسَّرْت الأخصَّ بالأعَمِّ نقَصْتَ التَّفسير، فالإخراج يَكون إنقاذًا ويَكون غير إنقاذ، لكن الإنقاذ يَكون عن هلَكة، ولهذا لو فسَّر ﴿تُنْقِذُ﴾ بـ (تُنجِي) لكان أَوْضَحَ؛ لأن الإِنْجاء أيضًا يَكون من هلَكة، وَيكون قوله تعالى: ﴿أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ﴾ أي: تُنجِي مَن في النار، أي: مِن عَذابها.
قوله تعالى: ﴿مَنْ فِي النَّار﴾: ﴿مَنْ﴾ بمَعنَى (الذي)، ومَوْقعها الإعرابي مَفعولٌ به للفِعْل ﴿تُنْقِذُ﴾، وجُملة ﴿فِي النَّار﴾ جارٌّ ومجَرور مُتعَلِّق بالفِعْل ﴿تُنْقِذُ﴾، والتَّقدير: مَن دخَل في النار، أو يُقدَّر بما يُناسِب السِّياق، فان قُدِّر بكَلِمة (داخِل) مثَلًا قُلْنا: لا يَصلُح في صِلة المَوْصول؛ لأنك إذا قَدَّرْت (داخِل) تَحتاج إلى تَقدير مُبتَدَأ لتَكون جُملة، لكن إذا قدَّرْت فِعْلًا ما احتَجْنا إلى تقدير شيءٍ آخَرَ، فنَقول: إنه في جميع صِلات
стр. 153
المَوْصول لا يُقدَّر فيها إلَّا فِعْل؛ لأنك لو قَدَّرتَ اسمًا احتَجْت إلى تَقدير مُبتَدَأ؛ لتَتِمَّ الجُملة، فيَكون التقدير مرَّتَيْن، أمَّا إذا قدَّرْت فِعْلًا صار التَّقدير مرَّة واحِدة.
وقوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ حَقَّ﴾ قال المُفَسِّر ﵀: (مَنْ) شَرْطية، وهذا أَحَدُ الوَجهين في (مَن).
والوجهُ الآخَرُ: قال بعض العُلَماء ﵏: إن (مَن) اسمُ مَوْصول، والمَعنَى: أَفالَّذي حَقَّ عليه كلِمة العَذاب تُنقِذه أنت، ودائِمًا اسمُ الشَّرْط والمَوصول يَتَعاوَران، أي: يُستَعار بعضُهما مَكانَ الآخَر.
قوله تعالى: ﴿مَنْ فِي النَّارِ﴾ قال المُفَسِّر ﵀: جواب الشَّرْط: وأُقيم فيه الظاهِر مَقام المُضمَر ومَعنى كلامه أنه أُقيم فيه الظاهِر الذي هو (مَن) مَقام المُضمَر، وَيكون المَعنى على هذا الوَجْهِ: أفمَنْ حَقَّ عليه كلِمة العَذاب أفأَنْت تُنقِذه وكلام المُفَسِّر ﵀ هذا يُوحِي بأن الجُملَتَيْن مُرتَبِطَتان، وليس كلُّ واحِدة مُستَقِلَّة عن الأخرى.
ولكِنْ هناك احتِمالٌ آخَرُ خِلافُ ما قاله المُفَسِّر ﵀ وهو أن الثانية مُنفَصِلة عن الأُولى، وأن تَقدير الجُملة الأُولى: ﴿أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ﴾ تَدفَع عنه أو كلِمة نحوها، يَعنِي: أَفتَدْفَع عمَّن حَقَّ عليه كلِمة العَذاب، ثُمَّ استَأنَف فقال: ﴿أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ﴾، ولها مَعنَيان؛ الأوَّلُ: أن تَجعَله مُؤمِنًا بحيث لا يَستَحِقُّ النار، والثاني: تُنقِذه مِن النار إذا دخَل فيها.
والحاصِلُ: أن مُؤدَّى الجُمْلتين واحِد: أن مَن حَقَّ عليه كلِمة العَذاب فإنه لا يُمكِن لا للرسول ﷺ ولا لغيره أن يُنقِذه من النار.
стр. 154
وقول المُفَسِّر ﵀: [وأُقيم فيه الظاهِر مَقام المُضمَر يُفيد مَعانِيَ، منها: أن مَن حَقَّ عليه كلِمة العذاب فهو في النار، لأنه لو قال: أَفأَنْتَ تُنقِذه. لكان الإنسان يَقول: من أيِّ شَيءٍ أُنقِذه، فإذا قال: أَفأَنْتَ تُنقِذ مَن في النار. علِمْنا أن هذا الذي حَقَّ عليه كلِمة العَذاب في النار.
يَقول المُفَسِّر ﵀: والهمزة للإنكار يَعنِي الهَمزة المَوْجودة في: ﴿أَفَمَنْ﴾ وفي: ﴿أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ﴾ وهُما هَمْزة واحِدة على القول بأن الجُمْلتين واحِدة، فَتَكون الثانية تَوْكيدًا للأُولى.
والحاصِلُ: أن الله تعالى يَقول للرسول ﵊: هل مَن حقَّتْ عليه كلِمة العذاب يُمكِن أن تمَنَعه مِنِ استِحْقاقها، وتُنقِذه.
والجَوابُ: أنه لا يُمكِن لا هذا ولا هذا؛ لأن النبيَّ ﷺ لا يَملِك أن يَهدِيَ أحدًا حتى لا تَحِقُّ عليه كلِمة العَذاب، ولا يُمكِن أن يُنقِذ أحَدًا من النار؛ وَيدُلُّ عليه قوله ﵊ حين نزَل قوله تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤] جمَعَ أَقارِبَه وصار يُخصِّصُهم: يا فُلان ابنَ فلان لا أُغنِي عنك من الله شَيئًا. إلى أن قال ﷺ : "يَا فَاطِمَةُ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَلِينِي مِنْ مَالِي مَا شِئْتِ لَا أُغْنِي عَنْكِ مِنَ اللهِ شَيْئًا" (١)، فهي ابنتُه يَقول لها: المال أَستَطيع أن أَنفَعَكِ به، ولكن لا أُغنِي عنكِ من الله شيئًا، فإذا كان لا يُغنِي عن ابنَتِه شيئًا فمَن سِواها من بابِ أَوْلى.
فإن قال قائِل: كيف نَجمَع بين هذا وبين شفاعة النبيِّ ﷺ لعَمِّه أبي طالب
стр. 155
حتى كان في ضَحضاحٍ من نار وعليه نَعْلان من نارٍ يَغِلي منهما دِماغُه (١)؛ فكيف هنا أَغنَى شَفْع ونَفَعَتْه الشفاعة؟
فيُقال: أوَّلًا: الرسول ﵊ لم يَتمَكَّن من إخراجه من النار، وإذا لم يَتمَكَّن من إخراجه من النار لم يَكُن مُعارِضًا للآية، لأن الله تعالى قال: ﴿أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ﴾، والنبيُّ ﷺ ما أَنقَذَه.
ثانيًا: أن التَّخفيف عن أبي طالِب ليس من أجل أنه عمُّ الرسول ﷺ ، فهذا أبو لَهَبٍ عَمُّه ولكن لم يُغْنِ عنه شيئًا، لكن لِما قام به أبو طالب من الدِّفاع العظيم عن الإسلام وعن رسول الإسلام ﷺ ، فإنه دافَع عنه مُدافَعةً عظيمة، بل إنه كان يَمدَح الرسول ﷺ في المَحافِل وشَهِد له بالرِّسالة، فقال:
لَقَدْ عَلِمُوا أَنَّ ابْنَنَا لَا مُكَذَّبٌ ... لَدَيْنَا وَلَا يُعْنَى بِقَوْلِ الْأَبَاطِلِ (٢)
هذا بَيْتٌ من لامِيَّته المشهورة التي قال عنها ابنُ كثيرٍ (٢) ﵀ قال: "هذه يَنبَغي أن يمون من المُعلَّقات، بل هي أَبلَغُ من المُعلَّقات، والمُعلَّقات هي قصائِدُ اختارَها العرَب وسَمَّوها: المُعلَّقاتِ السَّبعَ، وأَضافوا إليها ثلاثًا سمَّوْها: المُعلَّقاتِ العَشرَ، وهذه القصائِدُ علَّقوها في جوف الكعبة حِفاظًا عليها وتَنويهًا بها، لكن لامِيَّة أبي طالب أشَدُّ وأشَدُّ، يَعنِي: أحسَنُ وأعذَبُ، فشهِد للرسول ﷺ بأنه غير مُكذَّب، وأنه لا يُعنَى بقول الأَباطِل: السحَرة، بل إنه ﷺ أصدَقُ الناس وأنزَهُ الناس.
стр. 156
ثُمَّ يَقول في قصيدةٍ أُخرى:
وَلَقَدْ عَلِمْتُ بِأَنَّ دِينَ مُحَمَّدٍ ... مِنْ خَيْرِ أَدْيَانِ الْبَرِيَّةِ دِينَا
لَوْلَا المَلَامَةُ أَوْ حَذَارِ مَسَبَّةٍ ... لَرَأَيْتَنِي سمْحًا بِذَاكَ مُبِينَا (١)
مثل هذا الكَلامِ لو سمِعه الناس آمَنوا، فهو في الحقيقة داعِية للإسلام لكنه غير مُسلِمٍ، نَسأَل اللهَ تعالى العافِيةَ!.
إِذَنِ: التَّخفيفُ عنه لا من أَجْل أنه عمُّ الرسول ﷺ ، لكن لأَجْل أنه دافَع عن الإسلام وحمَى النبيَّ ﷺ حِمايةً تامَّة، وأَعاله أيضًا فإنه بَعْد موت جدِّه عبد المُطَّلِب كان عند عَمِّه أبي طالِب، وهذا معروف، فمِن عدْل الله أن الله شكَرَ هذا العَمَلَ وخفَّف عنه بشفاعة النبيِّ ﷺ حتى صار "فِي ضَحْضَاحٍ مِنْ نَارٍ وَعَلَيْهِ نَعْلَانِ مِنْ نَارٍ يَغلي مِنْهُمَا دِمَاغُهُ"، أَعاذَني الله تعالى وإيَّاكم من النار.
وقوله تعالى: ﴿أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ﴾، قال المُفَسِّر ﵀: والمعنى: لا تَقدِر على هِدايته فتُنقِذه من النار وصدَق الله ، فالإنسان لا يُمكِن أن يُنقِذ أحَدًا من النار أبَدًا، فإذا كان نبيُّ الله ﷺ لا يَقدِر على ذلك فمَن دُونَه من بابِ أَوْلى.
من فوائد الآية الكريمة:
الْفَائِدَة الأُولَى: أن مَن حَقَّت عليه كلِمة العَذاب فلا هادِيَ له، ويَشهَد لهذا قوله تعالى: ﴿مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَا هَادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٦].
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: إثبات كلام الله تعالى؛ لأن الذي يَقضِي بالعَذاب هو الله لا غيره، فكلِمة (العَذاب) صادِرة من الله تعالى، وفي هذا إثبات الكلام لله ،
стр. 157
والقُرآن كلُّه فيه إثبات كلام الله تعالى؛ لأنه كلام الله تعالى، فكُلُّ حَرْفٍ منه فهو كلام الله تعالى إذ إن كلام الله تعالى حَرْف وصَوْت.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: أن النبيَّ ﷺ لا يَستَطيع أن يُنقِذ مَن في النار، وإذا كان هذا للرسول ﷺ فغيرُهُ من بابِ أَوْلى.
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أن مَن حقَّت عليه كلِمة العَذاب فإنه في النار؛ لأننا قُلْنا: إن الظاهِر هنا نائِب مَناب المُضمَر، وأن التَّقدير أفَأَنْت تُنقِذه.
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: بَلاغة القُرآن، وشِدَّة زواجِره حيث يَأتي بمِثْل هذا الأُسلوبِ الشديد الذي يَصرِم القلب الواعيَ الحيَّ: ﴿أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ﴾، فهذا أُسلوب شديد جِدًّا، ولا شَكَّ أن الأُسلوب الشديد في مَوْضِعه يُعتَبَر من البلاغة، لأن البَلاغة هي أن يَأتيَ الكلام مُطابِقًا لمُقتَضى الحال؛ أي: لِما تَقتَضيه الحال من لينٍ وشِدَّة وتطويلٍ وإيجاز.
الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: إثبات النار، والنار هي الدار الثانية التي يَستَقِرُّ فيها الإنسُ والجِنُّ، وهي دار مَنِ اعتَدَى وكفَر، وهي مَوْجودة الآنَ، وستَبْقَى أبَدًا.
стр. 158
الآية (٢٠)
* قَالَ اللهُ : ﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِهَا غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ الْمِيعَادَ﴾ [الزمر: ٢٠].
قال تعالى: ﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ هذا الاستِدراكُ من أحسَن ما يَكون؛ فلمَّا قال تعالى: ﴿أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي﴾ استَدرَك هذه الحالَ، أَعنِي: حالَ مَن لا يَدخُل النار، فقال تعالى: ﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِهَا غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ... ﴾ إلخ.
لكن هنا لا تَعمَل؛ لأنها مخُفَّفة، وإذا خُفِّفَت تَكون لمُجرَّد العَطْف فقَطْ، ومَعناها: الاستِدْراك، وعليه يَكون ﴿الَّذِينَ﴾ مُبتَدَأ، وخبَرُه جُملة ﴿لَهُمْ غُرَفٌ﴾.
وقال المُفَسِّر ﵀: ﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ﴾ بأن أَطاعوه فأَفادَنا المُفَسِّر ﵀ بأن التَّقوى هي الطاعة، وأَجمَع ما قِيل في التَّقوى: أنها طاعة الله بامتِثال أَمْره، واجتِناب نَهيِه؛ لأنه أَمَر ونهَى لا للهَوى؛ ولهذا مَن أَطاع الله تعالى لمُجرَّد الهوى لا يَكون كمَن أَطاع الله تعالى؛ لأن الله تعالى أمَر أو نَهَى، هناك كثيرٌ من الناس يُطيع الله تعالى؛ لأن نَفْسه تَهْوى ذلك، لكن الطاعة الحقيقية هي التي يَكون الباعِث عليها امتِثال أمر الله تعالى تَرْكًا للمَنهِيَّات وفِعْلًا للمَأمورات.
وقوله تعالى: ﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ﴾: ﴿اتَّقَوْا رَبَّهُمْ﴾ إشارة إلى أن تَقواهم مَبنِيَّة
стр. 159
على أَساس؛ لأنه ربهم، والرُّبوبية هنا تَشمَل الربوبية القدَرية والرُّبوبية الشَّرْعية؛ لأن الله تعالى ربٌّ مالِكٌ للكون قدَرًا، ومالِكٌ للحُكْم شَرْعًا، فهُمْ يَتَّقون ربهم؛ لأنه الذي خلَقَهم، ورَزَقهم، وأَعَدَّهم، وأَمَدَّهم، يَعبُدون ربهم؛ لأنه الحاكِم فيهم، وهو الذي يَأمُرهم ويَنهاهُم، فتقومون بأَمْره ويَدَعون نَهيَه.
مَسأَلة: هناك بعض الناس عندما يُؤدِّي عِبادة من العِبادات يَتَّخِذها عادةً ليس كأَمْر من الله تعالى، فهل يُؤجَر على فِعْل هذا؟
الجَوابُ: أنه على كل حال تَبرَأ الذِّمَّة بذلك، لكنه لم يَصِل إلى درَجة الكَمال؛ ولهذا نحن نَقول دائِمًا: يَنبَغي للإنسان عند فِعْل العِبادة أن تَكون له ثلاثُ نوايا: نِيَّة العمَل، ونِيَّة المَعمول له، ونِيَّة المُتابَعة.
فنِيَّة العمَل هي أن الرجُل يَنوِي عند الظُّهر صلاة الظُّهر، ونِيَّة المَعمول له أنه يُريد بذلك التَّقرُّب لله ، وهذا كثيرًا ما يَغفُل الإنسان عنه، ويَصُدُّه الشيطان عن ذلك.
ونِيَّة المُتابَعة للرسول ﷺ ، فكُلُّ هذه المَعاني - نَسأَل الله تعالى أن يَعفوَ عنَّا - تَغيب عنَّا كثيرًا؛ لأنك إذا نوَيْت أو إذا شعَرْت بهذه النِّيةِ أَحبَبْت الله ، وأَحبَبْت الرسول ﷺ ، وشعَرْت بأنك عبد لله مُتَّبع للرسول ﷺ ، وتَجِد للعِبادة طَعمًا لا تَجِده إذا أَتَيْت بها على سَبيل العادة.
ولهذا نَقول: عادات المُوظَّف عِبادات، وعِبادات الغافِل عادات.
وقوله تعالى: ﴿لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِهَا غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ﴾ غُرَف جمع غُرْفة، والغُرْفة هي البِناء العالي؛ لأن البِناء العاليَ إذا كان في الأسفَل يُسمَّى: حُجْرة، وإذا كان فوقُ
стр. 160
يُسمَّى: غُرْفة، وهذه الغُرَفُ مَبنيَّة يَقول عنها: ﴿مِنْ فَوْقِهَا غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ﴾ يَعنِي: طبَقات قُصور عالية شامِخة، مَبنيَّة من لبِنات من الذهَب والفِضَّة، فلهم جَنَّتان من ذهَب آنيَتُهما وما فيهما، وجَنَّتان من فِضَّة آنيَتُهما وما فيهما، وهذه الغُرَفُ المَبنيَّةُ من الذهَب والفِضَّة أيضًا ليست على ما نُشاهِد في الدنيا من اللَّمَعان والحُسْن الجَذَّاب، بل هي أَشَدُّ وأعظَمُ، فلا يُمكِن أن نَتَصوَّر حُسْن هذه الغُرَفِ، ولا مَوادَّ بِنائِها أبدًا، لأن الله تعالى يَقول: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة: ١٧]، ويَقول في الحديث القُدسيِّ: "أَعْدَدْتُ لِعِبَادِي الصَّالِحينَ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ" (١). وهي ليس فيها شيء ممَّا في الدُّنيا إلَّا الأَسْماء فقط، لكن الحقائِق تَختَلِف اختِلافًا عظيمًا، فهي فيها عِنَب، نَخْل، ورُمَّان، لكن ليس كالمَوجود عِندنا في الدُّنيا، بل هي شيء لا يُمكِن أن يَتصَوَّره الإنسان، فهذه الجَنَّةُ مُعدَّة للمُتَّقين الذين اتَّقَوْا ربهم كما قال تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٣].
فالعمَل يَسير والعِوَض كثير، فالعمَل يَسير على مَن يَسَّرَه الله تعالى عليه، والله تعالى يُيَسِّره على مَن صدَق النِّيَّة في التَّوجُّه إلى الله تعالى، ولم يَركَن إلى الدنيا، لأن الرُّكون إلى الدُّنيا ولا سيَّما ممَّن أَعطاه الله تعالى العِلْم ذُلٌّ وانحِطاط؛ قال تعالى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ (١٧٥) وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ﴾، والمَثَل أخَسُّ الأمثال؛ قال تعالى: ﴿فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ
стр. 161
تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ ... ﴾ إلخ [الأعراف: ١٧٤ - ١٧٦].
فهذه الغُرَفُ التي أَعدَّها الله تعالى للمُتَّقين الذين أَخلَصوا النِّيَّة لله تعالى رجاءَ الوُصول إلى ثوابه، ولا يَفعَلون طاعة إلَّا وهُمْ يُؤمِنون بأنَّ لها ثوابًا في هذه الجَنَّةِ؛ لأن هذه العَقيدةِ يَحمِلك على إحسان العِبادة، فإذا علِمْت أنه ما من عِبادة تَقوم بها إلَّا من أَجْل الحُصول على هذا الثوابِ سَوْف تَحرِص على العمَل، وتُتقِن العمَل.
وقوله تعالى: ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ أي: من تَحْت هذه الغُرَفِ العُليا وما تَحتَها.
و ﴿الْأَنْهَارُ﴾ جمع نهْر أو نهَر؛ لأن نهر أو نهر من الكلمات الثلاثية التي ثانيها حرفُ حَلْق؛ ومثلها بحر، فيَجوز فيها تَسكين الحَرْف الثاني وفَتْحُه، تَقول:
و ﴿الْأَنْهَارُ﴾ جمع نَهْر أو نهَر؛ لأن الكلِماتِ الثلاثيةَ التي ثانيها حَرْف حَلْق مثل كلمة نَهْر وبَحْر يَجوز فيها تَسكين الحَرْف الثاني وفَتْحُه، تَقول: نَهَر ونَهْر وبَحْر وبَحَر، فهنا نَقول: أنهار جَمْع: نَهْر، وهي أربعة أنواع بيَّنها الله تعالى في سورة القِتال، فقال: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى﴾ [محمد: ١٥]؛ فهذه أربعةُ أنواعٍ.
فمِن نِعَم الله تعالى ﴿أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ﴾، يَعنِي: غير قابل لأَنْ يَكون آسِنًا، والآسٍ هو المُتغيِّر، وأنتم تَعلَمون أن الماء إذا بَقِيَ في الإناء مُدَّة أو في مَقرِّه في البِئْر مُدَّة يَتغيَّر.
ومِن نِعَم الله تعالى أنها أنهار لا تُحلَب من الضُّروع، ولا تَأتِي من نَحْل؛ أنهار
стр. 162
تَمشِي على الأرض تَجرِي، وقد جاء في الأثَر: "أنَّها تَجرِي بلا أُخدودٍ" (١) أي: بلا مجَارٍ على وجهِ الأَرْض، ولا تَحتاج إلى حَفْر سَواقٍ، ولا إلى جُدران تَمنَع من سَيَلان الماء، بل تَجرِي بدون شيء، وورَد أيضًا: "أنها تَجرِي باختِيار الإنسان حيث يُوجِّه النهرَ حيث شاء، ويُمسِكه حيث شاء" (٢)؛ لأن الله تعالى يَقول: ﴿وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [الزخرف: ٧١]، نَسأَل الله تعالى أن يَجعَلنا وإيَّاكم مِنهم.
ومِن نِعَم الله تعالى علينا في الأرض أن: نَهْر النِّيل وسَيْحونَ وجَيْحونَ من الجَنَّة، وقد ورَد فيه الحديث أنها "مِنْ أَنْهَارِ الجَنَّةِ" (٣)، لكن المَعنى أنها تُشبِه أنهار الجَنَّة بالصَّفاء، وليس مَعناه: أنها نزَلَت من السَّماء، فهو من باب التَّشبيه البَليغ.
وقوله تعالى: ﴿وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ الْمِيعَادَ﴾: ﴿وَعْدَ﴾ يَقول المُفَسِّر ﵀: [مَنصوب بفِعْله المُقدَّر]، أي: وعَدوا وَعْدَ الله، أو على رأيٍ آخَرَ محُتَمَل: التَّقدير أَنجَزوا وعدَ الله، يَعنِي: أَنجَز الله لهم وَعْده، وعلى هذا يَكون مَنصوبًا بفِعْلٍ مُقدَّر من غير فِعْله، أمَّا على رأيِ المُفَسِّر ﵀ فهو مَصدَرٌ مَحذوف العامِل.
قوله تعالى: ﴿لَا يُخْلِفُ اللَّهُ الْمِيعَادَ﴾ قال المُفسِّر ﵀: وَعْدَهُ فأَفادَنا بأنَّ (أل) هُنا نائِبة مَناب الضمير، وأن الِميعاد بمَعنَى: الوَعْد؛ فقوله تعالى: ﴿لَا يُخْلِفُ اللَّهُ الْمِيعَادَ﴾ أي: أنه لا يُخلِف ما وعَدَه بشيء آخَرَ؛ لأن لفظة (أَخلَفَ) تَدُلُّ على
стр. 163
إبدال شيء بشيء، كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ﴾ [سبأ: ٣٩]، بخِلاف (خلَف) فإنها تَدُلُّ على خُلفِ شيءٍ لشيءٍ، فيُقال: خلَفَه. أي: أتَى بعدَه، أَخلَفَه بمَعنَى: جعَل له بَديلًا؛ ولهذا يَقول المُصاب: "اللَّهُمَّ آجِرْنِي فِي مُصِيبَتِي وَأَخْلِفْ لِي خَيْرًا مِنْهَا" (١)، يَعنِي: أَعطِني بدَلًا عنها.
وقوله تعالى: ﴿لَا يُخْلِفُ اللَّهُ الْمِيعَادَ﴾ إنما كان كذلك لكمال صِدْقه، وكمال قُدْرته، لأن إخلاف الميعاد إمَّا أن يَكون لكذِب الواعِد، وإمَّا أن يَكون لعَجْزه، والله مُنزَّهٌ عن هذا وهذا، فهو كامِل الصِّدْق كامِل القُدْرة.
من فوائد الآية الكريمة:
الْفَائِدَة الأُولَى: بَيان عُلوِّ مَنزِلة المُتَّقين؛ لأن الاستِدْراك هنا كأنه انتِشالٌ لهم ممَّا سبَق ذِكْره من الوعيد الشديد لهؤلاء الذين حَقَّت عليهم كلِمة العَذاب.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أن التَّقوى سبَبٌ لدُخول الجَنَّة؛ لقوله تعالى: ﴿لَهُمْ غُرَفٌ ... ﴾ إلخ.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: أن تَقواهم لله تعالى له سبَب سابِق ولاحِق، فالربوبية الخاصَّة في قوله تعالى: ﴿رَبَّهُمْ﴾ اقتَضَت أن يَتَّقوه، وهم يَتَّقون ربهم الذي سيُثيبُهم، فالتَّقوى لها سبَب سابِق، وهو: عِناية الله بهِمْ، ولها سبَبٌ لاحِق وهو: ما يَرجونه من ثواب الله ، وكل هذا يُحمَل على التَّقوَى، فهو ربُّهم حيث وفَّقَهم للتَّقوى، وربُّهم حيث أَثابهم عليها.
стр. 164
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أن مَنازِل الجنَّة غُرَف مَبنيَّة بعضُها فوقَ بعض؛ لقول الله تعالى: ﴿غُرَفٌ مِنْ فَوْقِهَا غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ﴾، وهذه الغُرَفُ تَختَلِف بحسَب العامِل، وقد بيَّن الرسول ﵊ أن جنَتَّيْن من جَنَّات الخُلْد من ذهَب آنِيَتُهما وما فيهما، وأن جَنَّتَيْن من فِضَّة آنِيَتُهما وما فيهما (١).
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: تَمام النعيم حيث كانت هذه الغُرَفُ تَجرِي من تحتها الأنهار، وفيها الأشجار، وفيها من كُلِّ ما يَتمَنَّاه الإنسان، بل فوقَ ذلك.
الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: أن هذا النَّعيمَ ثابِتٌ بوَعْد الله تعالى؛ لقوله تعالى: ﴿وَعْدَ اللَّهِ﴾.
الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: إثبات أن الله تعالى لا يُخلِف المِيعاد؛ لكَمال صِدْقه وكمال قُدْرته، ففيها: إثبات كَمال الصِّدْق، وكمال القُدْرة.
стр. 165
الآية (٢١)
* قَالَ اللهُ : ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَامًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [الزمر: ٢١].
قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً ... ﴾ الهَمزة هنا للاستِفهام، والغالِب أن هَمْزة الاستِفهام إذا دخَلَت على نفيٍ تَكون للتَّقرير، فمَعنَى: ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ أي: قد رأَيْت، ونَظير هذا قوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ [الشرح: ١]، أي: قد شَرَحْنا لك صَدْرك، فيَكون الاستِفْهام هنا للتَّقرير، أمَّا (لم) فهِيَ حرف جَزْم ونفيٍ وقَلْب.
وتَفسير المُفَسِّر ﵀: تَرى بـ[تَعلَم] فيها احتِمال: أن الرُّؤية هنا رُؤية العِلْم، واحتِمال: أن الرُّؤية رُؤية البصَر، فإن كان شيء مُشاهَدًا للإنسان حيث يَكون حولَه، فهي رُؤية بصَر تَتْبَعها رُؤية العِلْم، وإن كان بعيدًا يَسمَع عنه سماعًا فهي رُؤْية عِلْم.
والخِطاب في قوله ﵎: ﴿أَلَمْ تَرَ﴾، إمَّا للنبيِّ ﷺ ، وإمَّا لكل مَن يَصِحُّ خِطابه.
وقوله تعالى: ﴿مِنَ السَّمَاءِ﴾ أي: من العُلوِّ، وليس المُرادُ بذلك السَّماءَ السَّقْف المَحفوظ، لأنه من المعلوم أن المطَر يَنزِل من السَّحاب، والسَّحاب مُسخَّرٌ بين السماء والأرض، وعلى هذا يَكون المُرادُ بالسماء العُلوَّ.
стр. 166
وقوله تعالى: ﴿مَاءً﴾ هو المَطَر.
وقوله تعالى: ﴿فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ﴾، سلَكه بمَعنَى: أَدخَله، ومنه سَلْك الخَرَز، يُدخَل فيها حتى يَنظِمها، واليَنابيع جَمْع يَنبوع، يَقول المُفَسِّر ﵀: [أَدخَله في أَمكِنةٍ في الأرض]، يَعنِي: يَنبُع متى أَراده الإنسان، وذلك من تمَام الحِكْمة وتمَام الرَّحْمة؛ لأن هذا الماءَ لو بَقِيَ على ظَهْر الأرض لأَنْتَن وفسَد ولأَفسَد غيره أيضًا، فكان من رحمة الله أن يُدخِله في الأرض يُخزِّنه كما قال تعالى في آيةٍ أُخرى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ﴾ [المؤمنون: ١٨]، ﴿وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ﴾ [الحجر: ٢٢].
وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ﴾: ﴿ثُمَّ﴾ تَدُلُّ على التَّرتيب بمُهْلة؛ لأن هذا الذي يَنزِل يَخرُج بالمطَر لا يَخرُج فورًا، لكنه يَخرُج بالتَّدريج، ومن سُنَّة الله أن تَكون الأشياء بالتَّدريج؛ لئَلَّا يَحصُل التَّصادُم في الكون.
قوله تعالى: ﴿يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا﴾: ﴿بِهِ﴾ الباء للسَّبَبية، أي: بسَبَبه، وليس المطَرُ هو الذي يَخلُق هذا النَّباتَ، لكنه سبَبٌ له.
وقوله تعالى: ﴿زَرْعًا مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ﴾ هذه صِفة للزَّرْع، لكن هل المُختَلِف الزَّرع أو لَونُه؟
الجَوابُ: أن المُختَلِفَ ألوانُه لأن الصِّفة هنا عادت إلى غير المَوْصوف مَعنًى، ويُسمِّي عُلَماء النحو ﵏ هذا النَّعتَ نعتًا سبَبيًّا؛ لأن مَعناه يَعود إلى غير المَنعوت، فهو تابع للمَنعوت في الإعراب، ولكن مَعناه لغيره، كما قُلْت: رأيت رجُلًا كريمًا أبوه. فالكريم أَبوه، وإجراء الصِّفة على الأبِ لا على الرجُل؛ لهذا تَقول: (كريمًا) نَعْت لـ (رَجُلًا) أو صِفة لـ (رجُلًا)، مع أن حقيقة الوَصْف في غيره، فيُسمَّى هذا: نعتًا سببيًّا.
стр. 167
قوله تعالى: ﴿مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ﴾ هل المُراد بالألوان: الأَشْكال أو الأَلْوان التَّلوينُ أو يَشمَلهما؟
الظاهِر أنه يَشمَل هذا وهذا، فأَلوانه يَعنِي أصنافه، ويَعنِي أيضًا اللون، فهذا الزَّرعُ الذي يَخرُج من الأرض بالمطَر تُشاهِدونه يَختَلِف في ألوانه، ويَختَلِف في أَشكاله، واخرُجوا إن شِئْتم إلى أدنى شارع ستَجِدون الاختِلاف العجيب، تَجِدون شجَرتين إلى جَنْب، ومع ذلك تَجِد هذه أوراقها مخُتَلِفة عن هذه، وتَجِد لونها مخُتلفًا عن هذه، وتَجِد الزهرات التي فيها أيضًا تَختَلِف، وتَجِد الثمَر الذي يَخرُج منها يَختَلِف مع أن الماء واحد والأرض واحِدة.
قوله تعالى: ﴿ثُمَّ يَهِيجُ﴾ يَعنِي: [يَيْبَس] ﴿فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا﴾ أي: أن هذا النباتَ الذي خرَج يَسُرُّ الناظِرين، مخُتَلِف الألوان أَصابه رِيح أو حَرٌّ شديد أو مع طول الزمَن يَيْبَس ﴿فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا﴾ بعد أن كان أَخضَرَ ﴿ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَامًا﴾ فُتاتًا مُتحطِّمًا؛ لأنه إذا يَبِس تَكسَّر، ثُم تَحطَّم.
وقوله: [﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى﴾ تَذكيرًا] ﴿لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ يَعنِي: العُقول الذي [يَتَذكَّرون به لدَلالته على وَحْدانية الله تعالى وقُدْرته].
قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ المُشار إليه كل ما سبَق من إنزال المَطَر من السماء، وإدخاله يَنابيعَ في الأرض، وإخراج الزَّرع به، وعود الزرع إلى الاصفِرار والتَّحطُّم، فهذه عِدَّة أشياءَ تُذكِّر الإنسان: إنزاله من السماء وإدخاله في الأرض، وإخراج الزَّرْع به واختِلاف الألوان، وهذا كلُّه آية وذِكرى يَتذكَّر به أُولو الأَلباب على قُدْرة الله ، وعلى رحمته، وعلى حِكْمته.
فقوله تعالى: ﴿ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ... ﴾ إلخ، أي: يَتذكَّر به أُولو الأَلْباب
стр. 168
على أن كل ما كمَل من الدُّنيا عاد ناقِصًا، ويَدُلُّ على هذا قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ﴾ [يونس: ٢٤]، فالذِّكْرى هنا ليسَت مُجرَّد الدَّلالة على وَحْدانية الله تعالى وقُدرته، بل هي أَشمَلُ.
ومن أهمِّها: الدَّلالة على أن ما كمَل في الدنيا فمَآله إلى النَّقْص، فالصِّحَّة مَآلها إلى المرَض، والحياة مَآلها إلى الموت، وهكذا قِسْ كل ما في الدنيا على هذا المِثالِ.
من فوائد الآية الكريمة:
الْفَائِدَة الأُولَى: بَيان قدرة الله في إنزال هذا المطَرِ من السماء، لأنه لا يُمكِن لأَحَد أن يَستَطيع إنزاله كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ﴾ [لقمان: ٣٤].
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: حِكْمة الله ورحمته، حيث جعَل هذا الماءَ يَنزِل من السَّماء؛ لأنه لو كان يَنبُع من الأرض لم تَستَفِدْ به عامة الأرض من وجهٍ ولم يَصعَد إلى قِمَم الجِبال إلَّا إذا أَغرَق الناس الذين يَعيشون تحت الجِبال، فكان من الحِكْمة أنه يَنزِل من السَّماء ليَعُمَّ المُرتَفِع والمُنخَفِض، وليَشمَل الأرض كلَّها.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: بَيان حِكْمة الله في كيفية نُزول هذا الماءِ على قَطَرات، ولو نزَل صَبًّا كما تُصَبُّ أَفواه القِرَب لأَهلَكَ الناس، وهدَم البِناء، ولكن من رحمة الله أنه يَنزِل قَطَراتٍ.
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أن السماء يُطلَق على العُلوِّ.
стр. 169
ويَترتَّب على هذه الفائِدة: أن قوله تعالى: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ [الملك: ١٦] يُمكِن أن يُراد به مَن في العُلوِّ.
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: بَيان قُدْرة الله ورحمته بالعِباد حيث سلَكَ هذا الماءَ يَنابِيعَ في الأرض، ولم يَبقَ راكِدًا على ظَهْرها؛ لِمَا في ذلك من الحِكْمة والرَّحْمة، فنَراه مَخزونًا في الأرض، متى احتاجه الناس استَخْرَجوه.
الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: بَيان قُدْرة الله تعالى حيث أَخرَج بهذا الماءِ ذلك الزرعَ المُختَلِفَ الألوان.
الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: إثبات الأسباب كما في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ﴾.
الْفَائِدَةُ الثَّامِنَةُ: أن السبَب لا يَستَقِلُّ بالتَّأثير في المُسبَّب؛ لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ يُخْرِجُ﴾ فأَضاف الإخراج إلى الله تعالى، وهذا هو الذي عليه سلَف الأُمَّة وأئِمَّتها، فالأسباب لها تَأثيرٌ في المُسبَّبات، ولكن تَأثيرها بفِعْل الله تعالى.
الْفَائِدَةُ التَّاسِعَةُ: بَيان قُدرة الله حيث أَخرَج هذا الزَّرعَ المُختَلِفَ الألوان مع أنه يَتَغذَّى بماء واحِد ومن طينةٍ واحِدة؛ لقوله تعالى: ﴿مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ﴾.
الْفَائِدَةُ الْعَاشِرَةُ: أن كمال الدُّنيا مُؤْذِنٌ بنَقْصها؛ لأن الله تعالى ضرَب ذلك مثَلًا للدُّنيا كما في الآيات التي سُقْناها.
الْفَائِدَةُ الحَادِيَةَ عَشْرَةَ: أن الذين يَتَذكَّرون بآيات الله تعالى الكونية هم أُولو العُقول، وأمَّا مَن لا يَتَذكَّر بها ويَقول: هذه الطبيعةُ تَتَفاعَل وتَتَجارَى! فإنه لا عَقلَ له.
стр. 170
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ: أنه يَنبَغي للإنسان أن يَستَعمِل عَقْله في مَخْلوقات الله ليَتَذكَّر به فيما في هذه المَخلوقاتِ من عظَمة الخالق؛ لأنه قال: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾.
стр. 171
الآية (٢٢)
* قَالَ اللهُ : ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [الزمر: ٢٢].
قال الله تعالى: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ﴾ قال المُفَسِّر ﵀: [كمَن طبَع اللهُ على قَلْبه ﴿أَفَمَنْ﴾ الهَمْزة للاستِفهام والفاء عاطِفة، واختَلَفوا في المَعطوف عليه على قولين: إمَّا شيء مُقدَّر، أو على ظاهِر ما سبَقَ.
وقوله تعالى: ﴿شَرَحَ﴾ أي: وسَّع، ومنه قولنا: فُلان شرَح الكِتاب، يَعنِي: وَسَّعه، ومنه: شرَحَ صَدْره للإسلام.
ويُحتَمَل أن يُراد ما في الصَّدْر، ويَكون المَعنَى أن الله تعالى يُوسِّع القَلْب فيَجعَله مُنفَتِحًا للإسلام لا يَضيق به ذَرْعًا، ويُحتَمَل أنه الصَّدْر نَفْسه؛ لأن الإنسان يُحِسُّ بالشيء إذا أَغمَّه أن صَدْره ضاق، وإذا جاءَه ما يُفرِحه نَفْس الصَّدْر يَنشرِح - وإن كان الأصل القَلْب، لكن مكان القَلْب يَكون فيه اتِّساع وضِيق - وهذا شيءٌ مُشاهَد، فإبقاء الآية على ظاهِرها، وهو أن المُراد بالصَّدْر حقيقته، أي: أن حقيقة الصَّدْر أَوْلى، فيَنشَرِح الصدر للإسلام، ويَتقبَّل جميع شرائعه؛ إن أُمِر بالشيء انشَرَح لقَبوله والعمَل به، وإن نُهِيَ عن شيء انشَرَح لقَبوله واجتِنابه، وإن أُخبِر عن شيء انشَرَح لقَبوله وتصديقه وهكذا، وقِسْ هذا برجُل فاسِق إذا أمَرْته بالصلاة تَجِده يَضيق صَدْره
стр. 172
وربما يَقول: أنا لا أُصلِّي لك! دَعْني! وبعض الناس إذا أَمَرْته وذكَّرْته فرِحَ وانشَرَح صَدْره، وقد بيَّن الله تعالى في سورة الأنعام صورةً مُقرَّبة لهذا المَعنَى فقال : ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا﴾ يَعنِي: شديد الضيق ﴿كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ [الأنعام: ١٢٥] يَعنِي: كأنه إذا عُرِض عليه الإسلام يَصعَّد في السماء، أي: يَتكَلَّف الصعود.
وقدِ اختَلَف العُلَماء ﵏ في مَعنَى ﴿يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ هل مَعناه: ما اشتُهِر الآنَ من أن الإنسان كُلَّما ارتَفَع في الجوِّ كثُر عليه الضَّغْط، أو أن المَعنى: يَصعَد جَبَلًا عاليًا شامِخًا يَتعَب في رُقيِّه، فالمُفسِّرون السابِقون لا شَكَّ أنهم لا يَعرِفون عن مَسأَلة الضَّغْط، والمُتأخِّرون يَعرِفونه، والله يَعلَم هذا وهذا، والآية صالِحةٌ للأَمْرين؛ لأنك لو تَصوَّرت جبَلًا صَعْبَ الرُّقيِّ، وعاليًا يَعنِي: في السماء، مَعناه: عالٍ، وصَعِده الإنسان يَتكلَّف لا سيَّما إن كان عنده ضَغْط يَتعَب جِدًّا، وإذا قُلْنا: إن المُراد بذلك أن الإنسان يَصعَد في السماء فوق الغِلاف الجَويِّ فهو ظاهِر أيضًا.
قول الله : ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ﴾ من عَلامة شَرْح الصَّدْر: قَبول الخبَر، وتَصديقه، وقَبول الأمر وامتِثاله، وقَبول النهيِ واجتِنابه، أي: لا يَكون عنده تَردُّد فهذا لا شَكَّ أنه كما قال تعالى: ﴿فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ﴾.
قال المُفَسِّر ﵀: فاهتَدى فهو على نور فأَفادَنا المُفَسِّر ﵀ أن في الآية حَذْفًا، تَقديره: فاهتَدَى، ويُؤيِّده: ﴿فَهُوَ عَلَى نُورٍ﴾، لكن الواقِع: أنه لا حاجةَ لهذا التَّقديرِ؛ لأن قوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ﴾ أَيْ: بمُجرَّد أن يَشرَح الله تعالى صَدْره للإسلام يَصير على نور، وهو إذا شرَحَ الله تعالى صَدْره للإسلام فهو سيَهتَدي قَطْعًا.
стр. 173
وقوله: ﴿نُورٍ﴾ يُحتَمَل أن يَكون نورًا حِسِّيًّا، أو مَعنَويًّا، فالمَعنوِيُّ، أَيْ: على نورٍ، والحِسِّيُّ أي: ولو كان في حُجْرةٍ مُظلِمة فهو على نور، يَعنِي: يَجِد نَفْسه أنه يَمشِي على نور.
وهو يَشمَل نور الدنيا ونور الآخِرة، قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ﴾ [الحديد: ١٢].
وقوله تعالى: ﴿مِنْ رَبِّهِ﴾، الربوبية هنا مُضافة إلى هذا الذي شرَحَ الله تعالى صَدْره للإسلام، وهي رُبوبية خاصَّة؛ لأنها أُضيفَت إلى مَن هَداه الله تعالى.
وفي الآية شيء محَذوف دلَّتْ عليه الهَمزة، وقَدَّره المُفسِّر ﵀ بقوله: [كمَن طُبِع على قَلْبه]، ولو أن المُفَسِّر ﵀ قال: (كمَن ضاقَ صَدْره بالإسلامِ)، لكان هذا أنسَبَ في المُقابِلة؛ لأنه يَنبَغي أن تَجعَل مُقابِل الشيء مُضادًّا له، ولا تَأتي بشَيْء آخَرَ.
فمثَلًا: لو قال الله تعالى: (أَفَمَن وسَّع الله قَلْبه) لكان المُناسِب أن يَكون المُقدَّر كما قال المُفَسِّر ﵀، لكن في قوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ﴾ يَكون التَّقدير المُناسِب كمَن ضَيَّق الله تعالى صَدْره بالإسلام فضاق به ذَرْعًا.
وجوابُ هذا الاستِفْهامِ المَذكور في الآية: (لا)، فيَكون الاستِفهام مع المُقدَّر للنَّفيِ، أي: مَن لم يَشرَح الله تعالى صَدْره للإسلام فإن قَلْبه مُظلَم - والعِياذُ بالله تعالى - ليس فيه نور، لا نور عِلْم ولا نور إيمان.
وقوله ﵀: [﴿فَوَيْلٌ﴾ أي: كلِمة عَذاب ﴿لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾]، ﴿وَيْلٌ﴾ مُبتَدَأ و ﴿لِلْقَاسِيَةِ﴾ خبَرُه و ﴿مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ مُتعَلِّق بالقاسِية ﴿وَيْلٌ﴾ قال المُفَسِّر ﵀: إنها كلِمة عَذاب وما قاله المُفَسِّر ﵀ أصَحُّ ممَّا قيل: إنها وادٍ في
стр. 174
جَهنَّمَ؛ لأن الإنسان يُقال له: ويلٌ لك من كذا في غير النار؛ قال تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ﴾ [البقرة: ٧٩]، فهي كلِمة عَذاب ووعيد.
وقوله تعالى: ﴿لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ القاسِية اسمُ فاعِل، و ﴿قُلُوبُهُمْ﴾ فاعِلٌ به، والقاسِي ضِدُّ اللَّيِّن، واللَّيِّن قَلْب المُؤمِن، والقاسِي قَلْب الكافِر.
وقوله تعالى: ﴿مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ أي: عن قَبول القُرآن، فأَفادَنا المُفسِّر ﵀: أن ﴿مِنْ﴾ بمَعنَى (عَنْ)، وأن المُراد بـ ﴿ذِكْرِ اللَّهِ﴾: القُرآن، والمَعنَى: فوَيْلٌ للذين تَقسُو قلوبُهم عن القرآن، لكن الأَوْلى إبقاء الآية على ظاهِرها.
ويُحتَمَل أن يَكون قوله تعالى: ﴿مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ أي: بسبَب ذِكْر الله تعالى: فتَكون (مِن) للسَّببية أي: تَقسو قلوبُهم بسبَب ذِكْر الله تعالى، ويُحتَمَل أن المُراد بذِكْر الله تعالى ما هو أعمُّ من القرآن، ويَكون المَعنَى: أن هؤلاءِ كلَّما ذُكِر الله تعالى قسَتْ قُلوبهم.
ووجهُ ذلك: أنهم لا يُريدون ذِكْر الله تعالى، فإذا كرِهوا ذِكْر الله تعالى قَسا القَلْب عُقوبةً لهم، ويَدُلُّ لهذا قوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (١٢٤) وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ﴾ [التوبة: ١٢٤، ١٢٥].
فتَجِد هَؤلاءِ القومَ أَعنِي: المُؤمِنين تَزيدهم السُّورة إيمانًا، والذين في قُلوبهم مرَض تَزيدهم رِجْسًا إلى رِجْسهم.
إِذَنْ نَقول: القاسِية قُلوبهم من ذِكْر الله تعالى يَعنِي الذين إذا ذُكِر الله تعالى قسَتْ قُلوبهم، فلا يَقبَلونه، وإذا لم يَقبَلوه ازدادت قُلوبُهم قَسوةً وقوله تعالى:
стр. 175
﴿أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾: ﴿أُولَئِكَ﴾ المُشار إليهم همُ القاسِية قلوبُهم.
وقوله تعالى: ﴿فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ قال المُفَسِّر ﵀: بمعنَى بَيِّن، والأحسَن أن تَكون للظَّرْفية، وما أَحسَنَها في هذا المَوضِعِ إشارةً إلى أن الضَّلال قد أَحاط بهم من كل جانِب كما تُحيط الحُجْرة بساكِنها، وإذا كان الضَّلال قد أَحاط بهم من كل جانِب، فإنه لا يُرجَى لهم خَيْر - والعِياذُ بالله تعالى -؛ لأنهم في ضَلالٍ مُبين.
وعندما تُقابِل قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ بقوله تعالى: ﴿فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ﴾ يَتبَيَّن لك أن النور في الآية: نور العِلْم ونور الإيمان وضِدُّ العِلْم الضَّلال.
من فوائد الآية الكريمة:
الْفَائِدَة الأُولَى: نَفيُ التَّساوِي بين الفَريقين، بين مَن شَرَح الله تعالى صدره للإسلام ومَن لم يَشرَح؛ لأن الاستِفهام هنا بمَعنَى النَّفيِ.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أن الهِداية بيَدِ الله تعالى؛ لقوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ﴾.
ويَتفرَّع على هذه الفائِدةِ: أنه متى عَلِم الإنسان أن الهِداية بيَدِ الله تعالى، فإنه لا يَلتَفِت في طلَب الهِداية إلَّا إلى الله تعالى، وإذا عَلِم أن الهِداية بيَدِ الله تعالى فلا يُعجَب بنَفْسه إذا اهتَدى، بل يَقول لنَفْسه: لولا أن الله تعالى هَداه لكان ضالًّا. فلا يَقول: إنما أُوتيتُه على عِلْمٍ عندي. أو يَقول: هذا لي. بل يَعتَرِف بفَضْل الله تعالى عليه، وأنه لولا هِداية الله تعالى ما انتَفَع إلى يوم الدِّين.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: أن قوله تعالى: ﴿لِلْإِسْلَامِ﴾ أي: لقَبوله والتِزامه، والإسلام له مَعنَيان: الأوَّل: عامٌّ، والثاني: خاصٌّ؛ فالعامُّ يَشمَل كلَّ مَنِ استَسلَم لله بطاعته حين كان الشَّرْع قائِمًا، وعلى هذا فاليَهود في زمَن موسى ﵇ مُسلِمون،
стр. 176
وفي زمَن عيسى ﵇ كافِرون، والنَّصارى في زمَن عِيسى ﵇ مُسلِمون، وفي زمَن محمَّدٍ ﷺ كافِرون؛ لذلك نَجِد أن الله يَصِف بالإسلام قومَ نوحٍ ومَن بَعدَهم.
أمَّا المَعنَى الخاصُّ للإسلام فهو ما كان خاصًّا بشَرْع محمدٍ ﷺ ، فالناس بعد بعثة مُحمدٍ ﷺ إمَّا مُسلِمون وإمَّا كافِرون، فالمُسلِمون مَنِ اتَّبَعوا الرسول ﷺ دون غيره، وهذا يُسمَّى: الإسلامَ الخاصَّ، فقوله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ يَعنِي به الإسلام الذي بُعِث به مُحمَّد ﷺ ، ولا يُمكِن لأَحَدٍ أن يَدَّعيَ أنه مُسلِم بعد بعثة النَّبيِّ ﷺ إلَّا إذا كان مُتَّبِعًا له؛ لأن الإسلام بعد بعثته صار خاصًّا بمَنِ اتَّبَع شَريعته.
فهنا قوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ﴾ نُفسِّره بالمَعنَى العامِّ، فيَشمَل مَن شرَح الله تعالى صَدْره للإسلام في عهد الأنبياء السابِقين، ومَن شرَح الله تعالى صَدْره للإسلام في عهد الرسول ﷺ ، قال موسى ﷺ : ﴿رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي (٢٥) وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي﴾ [طه: ٢٥، ٢٦]، لكن إذا كان الخِطاب مُوجَّهًا إلى ما بعدَ بعثة الرسول ﷺ فإنه يَتَعيَّن أن يَكون المُرادُ به الخاصَّ.
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أن مَن شَرَح الله صدره للإسلام - وأَسأَل الله تعالى أن يَجعَلَني وإيَّاكم منهم - يَجِد نَفْسه قابِلًا لشرائِع الإسلام مَسرورًا بها، ويَفرَح إذا أدَّى طاعةً من طاعاتِ الله تعالى، ويَحزَن إذا فعَل مَعصيةً من مَعاصي الله تعالى، حتى إن الذين بلَغوا الغاية في هذا يَغتَمُّون لما حصَل منهم من خَلَل وإن لم يَكُن عن قَصْد، يَعنِي: إذا فاتَتْه عِبادة يَجِد نفسه في غمٍّ وحُزْن وهو لا يَشعُر بذلك.
وأَضرِب لهذا مَثَلًا بالنبيِّ صلوات الله وسلامه عليه لمَّا سلَّم من ركعتين من
стр. 177
صلاة الظُّهر انفَتَل من صلاته كأنه مَغموم، فقام على غير عادته إلى خشَبةٍ في قِبْلة المسجِد، واتَّكَأ عليها، ووضَع يديه كأنه مُغضَب (١)؛ لأن صلاته لم تَتِمَّ، فانقبَضَت نفسُه من حيث لا يَشعُر، لكن هذا لكمالِ درجاتِه ﵊، فإن الله يَجعَل في نَفْس الإنسان انقِباضًا وإن كان لا يَشعُر؛ لأنه لم يُتِمَّ العِبادة المَطلوبة منه، اتَّكَأ عليها وشبَّك بين أصابعه كجِلسة المَهموم حتى ذُكِّر.
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: أن القَسوة هي الشِّدة بحيث إذا لمَسْتَ الشيء لم يَنضغِط بضَغْطك عليه مثل: الحجَر، وقد ضَرَب الله قَسْوة القَلْب بالحِجارة فقال تعالى: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾ [البقرة: ٧٤]، ولم يَقُل: فهي كالحديد مع أن الحَديد يَكسِر الحِجارة، والحِجارة لا تَكسِر الحَديد؛ وذلك لأن الحَديد يَلين بإِحْمائه على النار، والحِجارة لا تَلين، فلهذا شُبِّهَت قَسوةُ القُلوب بالحِجارة. فالقاسِيةُ قلوبُهم بمَعنى: التي قَسَت فلم تَلِن للحقِّ، نَسأَل اللهَ تعالى العافِيةَ.
الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: في قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ أنه أَشار إليهم بإشارة البَعيد للتَّنويه بسُفولهم وانحِطاط مَرتبتهم؛ لأن الإشارة بالبَعيد تارةً تكون إشارةً إلى عُلوِّ المَرتَبة، وتارةً تَكون إشارةً إلى انحِطاط المَرْتبة، ففي قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ [البقرة: ٢] لعُلوِّ المَرتَبة، وفي قوله هنا: ﴿أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾؛ لانحِطاط المَرتَبة.
فإن قال قائِل: هذه المعاني التي تَختَلِف واللَّفْظ واحِد ما الذي يُعيِّن أحَدَ المَعنَيَين؟
قُلنا: يُعيِّنه السِّياق، وحالُ المُتحدِّث عنه؛ لأن السِّياق والقَرائِن كلٌّ منهما يُعيِّن المُراد.
стр. 178
وقوله: ﴿مُبِينٍ﴾ هنا تَحتَمِل أن تَكون من (أَبان) اللازِمِ ومن (أَبان) المُتعَدِّي؛ فالفِعْل (بان) اللازِم تَقول: بانَ الأَمْر، بان الصُّبْح، بان المَعنَى؛ وبالهَمْز (أَبان): تَصِحُّ أن تَكون مُتعَدِّية وأن تَكون لازِمة حَسَب السِّياق، تَقول مثَلًا: أَبان الفَجْر؛ بمَعنى: بان، أي: ظهَر، وتَقول: أَبان الرجُلُ الحَقَّ؛ بمَعنَى: أَظهَره، فهنا: ﴿أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ الظاهِر أنها من اللازِم أي في ضَلالٍ بيِّنٍ ظاهِر. وقول الشارِح: إن "مِن بمَعنَى عَنْ" (١) مَبنيٌّ على مَسألة خِلافية بين النَّحْويِّين الكُوفيِّين والبَصريِّين، وهي أنه إذا جاء الحَرْف في غير مَوْضعه فهل هو نائِبٌ عن حَرْفٍ يَكون مُناسِبًا للسياق؟ أو إن المُتعَلِّق به يُقدَّر بمَعنًى يُناسِب الحرف؟ ولتَوْضيح ذلك نَأخُذ مِثالًا بقوله الله تعالى: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ﴾ [الإنسان: ٦]، فالعَيْن لا يُشرَب بها، بل يُشرَب مِنها، فهُنا اختَلَف النَّحويُّون: هل الباء بمَعنَى: (مِن) فيَكون حَرفٌ نابَ عن حَرْف؟ أو (يَشرَب) بمَعنَى (يَروَى)؛ أي: يَروَى بها عِباد الله تعالى، فيَكون الشُّرْب مُضمَّنًا مَعنَى الرِّيِّ، والرِّيُّ يَتَضمَّن الشُّرْب وزيادة؟
الجَوابُ: في هذا خِلاف بَيْن النَّحويِّين الكوفيِّين والبَصريِّين، وشيخُ الإسلام ابنُ تَيميَّةَ (٢) ﵀ يُرجِّح القولَ الثانيَ: أن الفِعْل يُضمَّن مَعنًى يَتناسَب مع الحَرْف؛ لأننا إذا قُلنا بالتضمين استَفَدْنا فائِدتَيْن: الأُولى: مَدلول المَذكور، والثانية: مَدلول المُضمَّن؛ لأنك إذا قُلت: (يَروَى بها) استَفَدْنا أنهم يَشرَبون وَيرْوَوْن، لكن إذا قُلنا: (يَشرَبون) لم نَستَفِد إلَّا مَعنًى واحِدًا، فالتَّضمين فيه زيادة مَعنًى، لكن جَعْل حَرْفٍ بدَلَ حَرْف لا نَستَفيد به مَعنَى زائِدًا، فصار القول الراجِح في هذه المَسأَلةِ ما ذهَبَ إليه شيخُ الإسلام ابنُ تيميَّةَ ﵀ أن الفِعْل يُضمَّن مَعنًى يُناسِب الحَرْف.
стр. 179
الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: بَيان تَفاضُل الناس في قَبول الحَقِّ، وأن منهم مَن يَقبَل الحقَّ بانشِراح ومنهم مَن ليس كذلك.
الْفَائِدَةُ الثَّامِنَةُ: أن مَن شرَح الله تعالى صَدْره للإسلام فقَبِل الحقَّ فإنه على نورٍ من الله تعالى.
ويَتَفرَّع عليها: زِيادة عِلْمه؛ لأن العِلْم نور كما قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا﴾ [النساء: ١٧٤].
ويَتفرَّع عليها: قوة الفِراسة بمَعنَى أن الله تعالى يُعطِي الإنسان فِراسة بحيث يَعلَم ما في قُلوب الناس من لَمحات وُجوههم، بل أَكثَر من ذلك يَستَدِلُّ بالحاضِر على الغائِب ويُعطيه الله تعالى استِنْتاجاتٍ لا تَكون لغَيْره، وقد ذكَر ابنُ القَيِّم ﵀ في كِتاب (مَدارِج السالِكين) (١) عن شيخ الإسلام ابنِ تَيميَّةَ ﵀ كلامًا عَجيبًا في فِراسته ﵀، وإن كان ذَكَر أشياءَ قد لا تَكون مَقبولة، ولكنه ذكَر شيئًا كثيرًا ويَستَدِلَّ لذلك بقوله تعالى: ﴿فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ﴾.
الْفَائِدَةُ التَّاسِعَةُ: أن مَن شَرَح الله تعالى صَدْره للإسلام فإن له رُبوبية خاصَّة وعِنايةً خاصَّة منه، وذلك مَأخوذ من قوله تعالى: ﴿مِنْ رَبِّهِ﴾، فإن هذه الرُّبوبية خاصَّة غير الرُّبوبية العامَّة.
فإن رُبوبية الله لِخَلْقه نوعان عامَّة وخاصَّة؛ فالعامة كقوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢]، والخاصَّة كقول الله عن أُولي الأَلْباب: الذين يَتَفكَّرون في خَلْق السَّموات والأرض يَقولون: ﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا ... ﴾ إلخ [آل عمران: ١٩١].
стр. 180
وقدِ اجتَمَع النَّوْعان في قوله تعالى عن سحَرة آل فِرعونَ: ﴿قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (١٢١) رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾ [الأعراف: ١٢١, ١٢٢]، فالأوَّل عامٌّ، والثاني خاصٌّ.
الْفَائِدَةُ الْعَاشِرَةُ: ذِكْر الوعيد الشديد لمَنْ قَسا قلبُه عن ذِكْر الله تعالى؛ لقوله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾.
الْفَائِدَةُ الحَادِيَةَ عَشْرَةَ: أنك إذا رأَيْت من قَلبك عدَم لينٍ لذِكْر الله فعالِجْ نَفْسك لتَسلَم من هذا الوَعيدِ، وهذا نَشكو منه كثيرًا، فأَحيانًا يَقْسو القَلْب ولا يَلين، وَيقرَأ الآياتِ العظيمةَ الرادِعة ولا يَتأثَّر، وأَحيانًا يَقرَأ نَفْس الآيات، ثُم يَتأثَّر، فإذا عَرَفت من نَفْسك قَسوة القَلْب فالْجَأْ إلى الله ، واسْأَله أن يُلين قَلبك لذِكْره، وتَأهَّب للوعيد إذا لم يَتَدارَكْكَ الله تعالى بلُطْفه ومَغفِرته.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ: أن القُلوب قِسْمين: قلوبٌ تَلين من ذِكْر الله تعالى وأُخرى تَقْسو منه.
فإن قال قائِل: كيف يَكون الشيء الواحِد مُؤثِّرًا لنَتيجتَيْن مُتبايِنَتَيْن؛ أَيْ: شيء واحِد يُؤثِّر نَتيجتين مُتَقابِلتين؟
فالجَوابُ: أن هذا مُمكِن، وذلك لاختِلاف المَحلِّ الوارِد عليه هذا الشيءُ، وليس هذا بغريبٍ، لا في المَعنويات ولا في الحِسِّيَّات، أمَّا في المَعْنويَّات فكما تَقدَّم في كلام الله ، وكما أن الإنسان يُلقِي الدرس على جماعة بعضُهم يَلتَهِمه التِهامًا، ويَفهَمه فَهْمًا تامًّا ويَجِده لذيذًا، والبعض الآخَرُ يُغلَق عليه ولا يَفهَمه، ثُم إذا أُغلِقت عليه كلِمةٌ واحِدة انغَلَق عليه جميع الدرس، وعَجَز أن يَفهَم مع أن المُعلِّم واحِد والمَوْضوع واحِد.