وفي زمَن عيسى ﵇ كافِرون، والنَّصارى في زمَن عِيسى ﵇ مُسلِمون، وفي زمَن محمَّدٍ ﷺ كافِرون؛ لذلك نَجِد أن الله يَصِف بالإسلام قومَ نوحٍ ومَن بَعدَهم.
أمَّا المَعنَى الخاصُّ للإسلام فهو ما كان خاصًّا بشَرْع محمدٍ ﷺ ، فالناس بعد بعثة مُحمدٍ ﷺ إمَّا مُسلِمون وإمَّا كافِرون، فالمُسلِمون مَنِ اتَّبَعوا الرسول ﷺ دون غيره، وهذا يُسمَّى: الإسلامَ الخاصَّ، فقوله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ يَعنِي به الإسلام الذي بُعِث به مُحمَّد ﷺ ، ولا يُمكِن لأَحَدٍ أن يَدَّعيَ أنه مُسلِم بعد بعثة النَّبيِّ ﷺ إلَّا إذا كان مُتَّبِعًا له؛ لأن الإسلام بعد بعثته صار خاصًّا بمَنِ اتَّبَع شَريعته.
فهنا قوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ﴾ نُفسِّره بالمَعنَى العامِّ، فيَشمَل مَن شرَح الله تعالى صَدْره للإسلام في عهد الأنبياء السابِقين، ومَن شرَح الله تعالى صَدْره للإسلام في عهد الرسول ﷺ ، قال موسى ﷺ : ﴿رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي (٢٥) وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي﴾ [طه: ٢٥، ٢٦]، لكن إذا كان الخِطاب مُوجَّهًا إلى ما بعدَ بعثة الرسول ﷺ فإنه يَتَعيَّن أن يَكون المُرادُ به الخاصَّ.
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أن مَن شَرَح الله صدره للإسلام - وأَسأَل الله تعالى أن يَجعَلَني وإيَّاكم منهم - يَجِد نَفْسه قابِلًا لشرائِع الإسلام مَسرورًا بها، ويَفرَح إذا أدَّى طاعةً من طاعاتِ الله تعالى، ويَحزَن إذا فعَل مَعصيةً من مَعاصي الله تعالى، حتى إن الذين بلَغوا الغاية في هذا يَغتَمُّون لما حصَل منهم من خَلَل وإن لم يَكُن عن قَصْد، يَعنِي: إذا فاتَتْه عِبادة يَجِد نفسه في غمٍّ وحُزْن وهو لا يَشعُر بذلك.
وأَضرِب لهذا مَثَلًا بالنبيِّ صلوات الله وسلامه عليه لمَّا سلَّم من ركعتين من
стр. 177
صلاة الظُّهر انفَتَل من صلاته كأنه مَغموم، فقام على غير عادته إلى خشَبةٍ في قِبْلة المسجِد، واتَّكَأ عليها، ووضَع يديه كأنه مُغضَب (١)؛ لأن صلاته لم تَتِمَّ، فانقبَضَت نفسُه من حيث لا يَشعُر، لكن هذا لكمالِ درجاتِه ﵊، فإن الله يَجعَل في نَفْس الإنسان انقِباضًا وإن كان لا يَشعُر؛ لأنه لم يُتِمَّ العِبادة المَطلوبة منه، اتَّكَأ عليها وشبَّك بين أصابعه كجِلسة المَهموم حتى ذُكِّر.
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: أن القَسوة هي الشِّدة بحيث إذا لمَسْتَ الشيء لم يَنضغِط بضَغْطك عليه مثل: الحجَر، وقد ضَرَب الله قَسْوة القَلْب بالحِجارة فقال تعالى: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾ [البقرة: ٧٤]، ولم يَقُل: فهي كالحديد مع أن الحَديد يَكسِر الحِجارة، والحِجارة لا تَكسِر الحَديد؛ وذلك لأن الحَديد يَلين بإِحْمائه على النار، والحِجارة لا تَلين، فلهذا شُبِّهَت قَسوةُ القُلوب بالحِجارة. فالقاسِيةُ قلوبُهم بمَعنى: التي قَسَت فلم تَلِن للحقِّ، نَسأَل اللهَ تعالى العافِيةَ.
الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: في قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ أنه أَشار إليهم بإشارة البَعيد للتَّنويه بسُفولهم وانحِطاط مَرتبتهم؛ لأن الإشارة بالبَعيد تارةً تكون إشارةً إلى عُلوِّ المَرتَبة، وتارةً تَكون إشارةً إلى انحِطاط المَرْتبة، ففي قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ [البقرة: ٢] لعُلوِّ المَرتَبة، وفي قوله هنا: ﴿أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾؛ لانحِطاط المَرتَبة.
فإن قال قائِل: هذه المعاني التي تَختَلِف واللَّفْظ واحِد ما الذي يُعيِّن أحَدَ المَعنَيَين؟
قُلنا: يُعيِّنه السِّياق، وحالُ المُتحدِّث عنه؛ لأن السِّياق والقَرائِن كلٌّ منهما يُعيِّن المُراد.
стр. 178
وقوله: ﴿مُبِينٍ﴾ هنا تَحتَمِل أن تَكون من (أَبان) اللازِمِ ومن (أَبان) المُتعَدِّي؛ فالفِعْل (بان) اللازِم تَقول: بانَ الأَمْر، بان الصُّبْح، بان المَعنَى؛ وبالهَمْز (أَبان): تَصِحُّ أن تَكون مُتعَدِّية وأن تَكون لازِمة حَسَب السِّياق، تَقول مثَلًا: أَبان الفَجْر؛ بمَعنى: بان، أي: ظهَر، وتَقول: أَبان الرجُلُ الحَقَّ؛ بمَعنَى: أَظهَره، فهنا: ﴿أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ الظاهِر أنها من اللازِم أي في ضَلالٍ بيِّنٍ ظاهِر. وقول الشارِح: إن "مِن بمَعنَى عَنْ" (١) مَبنيٌّ على مَسألة خِلافية بين النَّحْويِّين الكُوفيِّين والبَصريِّين، وهي أنه إذا جاء الحَرْف في غير مَوْضعه فهل هو نائِبٌ عن حَرْفٍ يَكون مُناسِبًا للسياق؟ أو إن المُتعَلِّق به يُقدَّر بمَعنًى يُناسِب الحرف؟ ولتَوْضيح ذلك نَأخُذ مِثالًا بقوله الله تعالى: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ﴾ [الإنسان: ٦]، فالعَيْن لا يُشرَب بها، بل يُشرَب مِنها، فهُنا اختَلَف النَّحويُّون: هل الباء بمَعنَى: (مِن) فيَكون حَرفٌ نابَ عن حَرْف؟ أو (يَشرَب) بمَعنَى (يَروَى)؛ أي: يَروَى بها عِباد الله تعالى، فيَكون الشُّرْب مُضمَّنًا مَعنَى الرِّيِّ، والرِّيُّ يَتَضمَّن الشُّرْب وزيادة؟
الجَوابُ: في هذا خِلاف بَيْن النَّحويِّين الكوفيِّين والبَصريِّين، وشيخُ الإسلام ابنُ تَيميَّةَ (٢) ﵀ يُرجِّح القولَ الثانيَ: أن الفِعْل يُضمَّن مَعنًى يَتناسَب مع الحَرْف؛ لأننا إذا قُلنا بالتضمين استَفَدْنا فائِدتَيْن: الأُولى: مَدلول المَذكور، والثانية: مَدلول المُضمَّن؛ لأنك إذا قُلت: (يَروَى بها) استَفَدْنا أنهم يَشرَبون وَيرْوَوْن، لكن إذا قُلنا: (يَشرَبون) لم نَستَفِد إلَّا مَعنًى واحِدًا، فالتَّضمين فيه زيادة مَعنًى، لكن جَعْل حَرْفٍ بدَلَ حَرْف لا نَستَفيد به مَعنَى زائِدًا، فصار القول الراجِح في هذه المَسأَلةِ ما ذهَبَ إليه شيخُ الإسلام ابنُ تيميَّةَ ﵀ أن الفِعْل يُضمَّن مَعنًى يُناسِب الحَرْف.
стр. 179
الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: بَيان تَفاضُل الناس في قَبول الحَقِّ، وأن منهم مَن يَقبَل الحقَّ بانشِراح ومنهم مَن ليس كذلك.
الْفَائِدَةُ الثَّامِنَةُ: أن مَن شرَح الله تعالى صَدْره للإسلام فقَبِل الحقَّ فإنه على نورٍ من الله تعالى.
ويَتَفرَّع عليها: زِيادة عِلْمه؛ لأن العِلْم نور كما قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا﴾ [النساء: ١٧٤].
ويَتفرَّع عليها: قوة الفِراسة بمَعنَى أن الله تعالى يُعطِي الإنسان فِراسة بحيث يَعلَم ما في قُلوب الناس من لَمحات وُجوههم، بل أَكثَر من ذلك يَستَدِلُّ بالحاضِر على الغائِب ويُعطيه الله تعالى استِنْتاجاتٍ لا تَكون لغَيْره، وقد ذكَر ابنُ القَيِّم ﵀ في كِتاب (مَدارِج السالِكين) (١) عن شيخ الإسلام ابنِ تَيميَّةَ ﵀ كلامًا عَجيبًا في فِراسته ﵀، وإن كان ذَكَر أشياءَ قد لا تَكون مَقبولة، ولكنه ذكَر شيئًا كثيرًا ويَستَدِلَّ لذلك بقوله تعالى: ﴿فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ﴾.
الْفَائِدَةُ التَّاسِعَةُ: أن مَن شَرَح الله تعالى صَدْره للإسلام فإن له رُبوبية خاصَّة وعِنايةً خاصَّة منه، وذلك مَأخوذ من قوله تعالى: ﴿مِنْ رَبِّهِ﴾، فإن هذه الرُّبوبية خاصَّة غير الرُّبوبية العامَّة.
فإن رُبوبية الله لِخَلْقه نوعان عامَّة وخاصَّة؛ فالعامة كقوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢]، والخاصَّة كقول الله عن أُولي الأَلْباب: الذين يَتَفكَّرون في خَلْق السَّموات والأرض يَقولون: ﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا ... ﴾ إلخ [آل عمران: ١٩١].
стр. 180
وقدِ اجتَمَع النَّوْعان في قوله تعالى عن سحَرة آل فِرعونَ: ﴿قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (١٢١) رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾ [الأعراف: ١٢١, ١٢٢]، فالأوَّل عامٌّ، والثاني خاصٌّ.
الْفَائِدَةُ الْعَاشِرَةُ: ذِكْر الوعيد الشديد لمَنْ قَسا قلبُه عن ذِكْر الله تعالى؛ لقوله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾.
الْفَائِدَةُ الحَادِيَةَ عَشْرَةَ: أنك إذا رأَيْت من قَلبك عدَم لينٍ لذِكْر الله فعالِجْ نَفْسك لتَسلَم من هذا الوَعيدِ، وهذا نَشكو منه كثيرًا، فأَحيانًا يَقْسو القَلْب ولا يَلين، وَيقرَأ الآياتِ العظيمةَ الرادِعة ولا يَتأثَّر، وأَحيانًا يَقرَأ نَفْس الآيات، ثُم يَتأثَّر، فإذا عَرَفت من نَفْسك قَسوة القَلْب فالْجَأْ إلى الله ، واسْأَله أن يُلين قَلبك لذِكْره، وتَأهَّب للوعيد إذا لم يَتَدارَكْكَ الله تعالى بلُطْفه ومَغفِرته.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ: أن القُلوب قِسْمين: قلوبٌ تَلين من ذِكْر الله تعالى وأُخرى تَقْسو منه.
فإن قال قائِل: كيف يَكون الشيء الواحِد مُؤثِّرًا لنَتيجتَيْن مُتبايِنَتَيْن؛ أَيْ: شيء واحِد يُؤثِّر نَتيجتين مُتَقابِلتين؟
فالجَوابُ: أن هذا مُمكِن، وذلك لاختِلاف المَحلِّ الوارِد عليه هذا الشيءُ، وليس هذا بغريبٍ، لا في المَعنويات ولا في الحِسِّيَّات، أمَّا في المَعْنويَّات فكما تَقدَّم في كلام الله ، وكما أن الإنسان يُلقِي الدرس على جماعة بعضُهم يَلتَهِمه التِهامًا، ويَفهَمه فَهْمًا تامًّا ويَجِده لذيذًا، والبعض الآخَرُ يُغلَق عليه ولا يَفهَمه، ثُم إذا أُغلِقت عليه كلِمةٌ واحِدة انغَلَق عليه جميع الدرس، وعَجَز أن يَفهَم مع أن المُعلِّم واحِد والمَوْضوع واحِد.
стр. 181
مثال ذلك أيضًا أنك تَجِد التَّمْر يَأكُله رَجُلان: أحدُهما يَكون داءً عليه، والثاني يَكون له غِذاءً، فمُصاب السُّكَّر إذا أكَل التَّمْر صار داءً عليه، والرجُل الصحيح لا يَكون داءً عليه.
وذلك مثل الأرض تَمامًا، فإننا نَجِد الماء يَجرِي عليها، فأَرْضٌ تَقبَله وتَشرَبه وتُنبِت، وأُخرى لا تَقبَله ولا تَنتَفِع به، فهذا ذِكْر الله يَرِد على القَلْب الليِّن فيَنتَفِع به، ويَرِد على القَلْب القاسي فيَزداد قَسوة والعِياذ بالله تعالى.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ: أن القاسِيةَ قلوبُهم من ذِكْر الله تعالى على عَكْس مَن شرَح الله تعالى صَدْره للإسلام، فإن مَن شرَحَ الله تعالى صَدْره للإسلام يَكون على نور، ومَن قَسا قلبه من ذِكْر الله تعالى فهو في ضَلالٍ مُبين.
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ: أن هؤلاءِ الذين قسَتْ قُلوبهم من ذِكْر الله تعالى قد انغَمَسوا انغِماسًا تامًّا في الضَّلال، ويُؤخَذ هذا من حَرْف الجرِّ (في)؛ لأن (في) للظرفية، والظَّرْف مُحيطٌ بالمَظروف، ومَعلوم أن المَظروف دون الظَّرْف؛ لذا يَكون في جوفه، فكأن هؤلاء انغَمَروا في الضَّلال، وأَحاط بهم إِحاطةَ الظَّرْف بمَظروفه، فصَدَق الله تعالى في قوله: ﴿أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ نَسأَل الله تعالى لنا ولكمُ الهِداية والنور.
стр. 182
الآية (٢٣)
* قَالَ اللهُ : ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ [الزمر: ٢٣].
قوله تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ﴾ جُملة خبَرية اسمِيَّة الصَّدْر، فِعْلية العَجُز ﴿نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا﴾، و ﴿نَزَّلَ﴾ من الفِعْل المُضعَّف ويَأتي التَّعبير أحيانًا بـ (أَنزَل) من الرُّباعيِّ المَزيد بالهَمْزة، واختَلَف العُلَماء ﵏: هل هُما بمَعنًى واحِد أو لا؟ والصحيحُ: أن مَعناهما واحِد إلَّا مع وجود قرينة، فمعَ وجود القرينة يَكون التَّنزيل لما يَنزِل شيئًا فشيئًا، والإِنْزال لِما يَنزِل جُملةً واحِدة، لكن هذا لا يَكون إلَّا مع القرينة، أمَّا مع عدَم القَرينة فأَنزَل ونَزَّل المُضعَّف بمَعنًى واحِدٍ؛ ولهذا يَقول الله : ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ [الفرقان: ٤٨]، ويَقول: ﴿وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا﴾ [ق: ٩]، وهُما بمَعنًى واحِد.
وكذلك في القُرآن؛ فمرَّة يَقول الله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا﴾، وأُخرى يَقول: ﴿وَنَزَّلْنَا﴾ وهُما بمَعنًى واحِد، لكن مع وجود القَرينة يَكون التَّنزيل شيئًا فشيئًا، كما في قوله تعالى: ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا﴾ [الإسراء: ١٠٦].
فهُنا (نَزَّلنا) تَختَلِف عن (أَنزَلنا) فهي بمَعنَى: التَّنزيل شيئًا فشيئًا، بدليل قوله
стр. 183
سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ﴾
وقوله تعالى: ﴿أَحْسَنَ الْحَدِيثِ﴾، أمَّا ﴿أَحْسَنَ﴾ فهي اسمُ تَفضيل من الحُسْن، والحُسْن يَتضمَّن حُسْن الأُسلوب وحُسْن المَوْضوع، ويَشمَلهما قوله تعالى: ﴿أَحْسَنَ﴾ يَعنِي: أحسَن في أُسلوبه، وأَحسَن في مَوْضوعه:
أمَّا الأُسلوب فأَنْ يَكون مُطابِقًا للبلاغة في غايتها؛ إيجازٌ في مَوْضِع الإيجاز، وإطنابٌ في مَوْضِع الإطناب، وتَوْكيدٌ في مَوضِع التَّوْكيد، وتَخليةٌ من التَّوكيد في مَوْضِعٍ يَقتَضي ذلك، وهُلمَّ جرًّا.
وأمَّا ﴿أَحْسَنَ﴾ في المَوْضوع، فلأَنَّ مَوْضوعه أخبارٌ وأحكام، فالأَخْبار أَحسَنها أَصدَقها، وأَنفَعها في العِبْرة، والأَحكام أَحسَنها أَعدَلُها، وأَقومُها بمَصالِح العِباد، والقُرآن الكريم مُتضمِّنٌ للأَحْسَنَيْن الأُسلوب والمَوْضوع.
وقوله ﵀: [﴿كِتَابًا﴾ بدَل من ﴿أَحْسَنَ﴾]، أو عَطْف بَيان، فتكون عَطْف بَيان إذا جعَلْنا ﴿كِتَابًا مُتَشَابِهًا﴾ شَيئًا واحِدًا، وتَكون بدَلًا إذا جعَلْنا ﴿كِتَابًا﴾ مُستَقِلًّا عن ﴿مُتَشَابِهًا﴾.
فيَصِحُّ أن نَقول: بدَلًا أو عَطْف بَيان بشَرْط أن يُوصَل بما بعدَه ﴿كِتَابًا مُتَشَابِهًا﴾؛ وذلك لأن عَطْف البَيان يَكون مُبيِّنًا للمَعطوف عليه؛ ولهذا سُمِّيَ: عَطفَ بَيانٍ، ولا يَكون مُبيِّنًا إلَّا إذا جعَلْنا كلِمة (مُتَشابِهًا) صِفةً لازِمة.
و ﴿كِتَابًا﴾ أي: مَكتوبًا؛ لأن صيغة فِعال تَأتي بمَعنَى مَفعولٍ كثيرًا، ومنه: الغِراس، والبِناء، والكِساء، والفِراش، والوِطاء، وأَمثِلةُ هذا كَثيرة في اللغة العربية.
و ﴿كِتَابًا﴾ بمَعنَى: مَكتوبٍ، والقُرآن مَكتوب في ثلاثة أشياءَ: في اللَّوْح
стр. 184
المَحفوظ، وفي الصُّحُف التي بأَيْدي المَلائِكة، وفي الصُّحُف التي بأَيْدينا.
وقول المُفَسِّر ﵀: [﴿مُتَشَابِهًا﴾ أي: قُرآنًا] هذا مَعنوِيٌّ، والفَرْق بين التَّفسير اللَّفْظيِّ والمَعنَوِيِّ أننا إذا أَرَدْنا أن نُفسِّر تفسيرًا لفظيًّا أَتَيْنا باللفظ نَفْسه، وإذا أَرَدْناه مَعنويًّا أَتَيْنا بالمعنى.
قال المُفَسِّر ﵀: [﴿مُتَشَابِهًا﴾ قال: أي: يُشبِه بعضُه بعضًا في النَّظْم وغيره] أي: يُشبِه بعضُه بعضًا في النَّظْم، واعلَمْ أنه لا يُراد بالنَّظْم هنا ما يُقابِل النَّثْر، فإن القُرآن ليس شِعرًا، لكن في النَّظْم، أي: نَظْم الكلام وتَنظيمه حتى يَكون مُشبِهًا بعضُه لبعض.
فقوله تعالى: ﴿كِتَابًا مُتَشَابِهًا﴾ يَعنِي: كِتابة يُشبِه بعضُها بعضًا في الكَمال والجَوْدة وحُسْن المَوْضوع، فلا تَجِده مُتَناقِضًا أبَدًا، ولا تَجِده مخُتلِفًا أبدًا، لكن بحسَب المَقام تارةً يَكون المَقام يَقتَضي الاختِصار، وتارةً يَكون المَقام يَقتَضي البَسْط، فإذا نظَرْنا إلى سورة: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ والسورة التي قَبلَها وجَدْنا بينهما تَشابُهًا في الحُسْن، حيث إن كل سورة كانت مُناسِبةً للحديث أو للمُتحدَّث عنه، فسُورة: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ تَتَحدَّث عن الربِّ وأسمائه وصِفاته فجاءَت بالأُسلوب المُناسِب، وسورة: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ تَتَحدَّث عن رجُلٍ كافِر، فجاءَت بالأُسلوب المُناسِب؛ فالتَّشابُه مَعناه أنه كلام جاء على الوَجهِ المُناسِب لمَوْضوعه.
وقوله ﵀: [﴿مَثَانِيَ﴾ ثُنِّيَ فيه بالوَعْد والوَعيد وغيرهما]، أي: يُؤتَى بالوَعْد، ثُمَّ يَعقُبه الوعيد، فيُؤتَى بذِكْر النار، ثُم يَعقُبه ذِكْر الجنَّة، ويُؤتَى بصِفات المُؤمِنين، ثُمَّ يُؤتَى بصِفات غيرهم، وكلمة ﴿مَثَانِيَ﴾ عامَّة فتَحتَمِل أن يَكون ذِكْر الوَعيد وذِكْر التَّوْحيد وذِكْر قصص الأنبياء ﵈ ... إلخ.
стр. 185
ففي قوله تعالى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة: ٢٧٥] جاء بضِدِّهم، أَعنِي: الَّذين كفَروا: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ﴾، وفي قوله تعالى: ﴿فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ﴾ [هود: ١٠٥]، وقوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ [آل عمران: ١٠٦]، وانظُرْ إلى قوله تعالى في سورة الكهف لمَّا ذكَر ما للمُؤمِنين من الثواب في الجَنَّة ذكَر ما للكُفَّار من العِقاب في النار، والأمثال في هذا كثيرة جِدًّا.
فقوله تعالى: ﴿مَثَانِيَ﴾ الـ ﴿مَثَانِيَ﴾ مَأخوذ من التَّثنية؛ لأن القُرآن مَثانٍ، يَعنِي: من اثنَيْن اثنَيْن؛ والمَثاني أنه يَقرُن المَعنَى وما يُقابِله، فتَأمَّلِ الآياتِ الكريمةَ تَجِد أنه إذا ذُكِرت النار ذُكِرت بعدها الجنَّة، وإذا ذُكِر أهلُ النار ذُكِر بعدهم أهلُ الجَنَّة، وهكذا، وذلك من أجل أن لا يَملَّ السامِع من موضوعٍ واحِد، ومن أَجْل أن يَتَنقِل من تَخويف إلى تَرغيب فيَنشَط لفِعْل الواجباتِ، ويَحذَر من فِعْل المُحرَّمات، وهذا من أَساليب البَلاغة الكامِلة.
قوله تعالى: ﴿تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ﴾ قال المُفَسِّر ﵀: [تَقشَعِرُّ: تَرتَعِد عند ذِكْر وَعيده ﴿جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ﴾ يَخافون ربَّهم]، قوله تعالى: ﴿تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ﴾ أي: عند الوَعيد أو ذِكْر النار أو ما يُوجِب الخوف والفَزَع كذِكْر ما حَلَّ بقوم نوحٍ وقوم لوطٍ ﵉ وغيرِهم.
ثُمَّ يَقول: [﴿يَخْشَوْنَ﴾ يَخافون]، وهذا التَّفسيرُ ضعيف؛ لأنه فُسِّر المعنى بما دونَه، إذ قُلْنا: إن الخَشية هي الخوف مع العِلْم، واستَدْلَلْنا لذلك بقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ٢٨].
فلو أن المُفَسِّر ﵀ قال: يَخشَوْن ربهم خوفًا مَبنيًّا على العِلْم بعظَمته لكان التفسيرُ صوابًا، لكن الآنَ نَعتَبِر التفسير قاصِرًا.
стр. 186
فقوله تعالى: ﴿تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ﴾ أي: أن الجُلود عندما تَسمَع آياتِ الوعيد والتَّخويف تَرتَعِد وتَخاف وتَضطَرِب، وقد كان بعض السلَف يَمرَض أيَّامًا حتى يُعاد إذا سمِع بعض الآيات، كما جرى ذلك لأميرِ المُؤمِنين عمرَ بنِ الخَطَّاب ﵁ حين تَلا قوله تعالى: ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ (٧) مَا لَهُ مِنْ دَافِعٍ﴾ [الطور: ٧، ٨]، فمَرِض أيامًا حتى عادَه الناس (١).
وقوله تعالى: ﴿تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ﴾ الذين يَخشَوْنه، أي: يَخافونه مع العِلْم بعظَمته وجَلاله؛ لأن الخَشْية لا تَكون إلَّا بعِلْم كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ٢٨].
وقد فرَّق العُلَماء ﵏ بين الخَشْية والخوف بوُجوهٍ:
أوَّلًا: أن الخَشْية تَكون مَقرونةً بعِلْم.
وثانيًا: أن الخَشْية تَكون من عظَمة المَخشيِّ وإن كان الخاشِي عظيمًا.
أمَّا الخوف فيَكون من ضَعْف الخائِف، وإن كان المَخوف منه غيرَ عَظيم.
فهذان فَرْقان بين الخَشية وبين الخَوْف؛ فالخَشْية تَكون بعِلْم، والخَوْف قد يَكون بوَهْم: فإنه قد يَرى الإنسان شبَحًا من بُعْدٍ ويَخافه وليس بشيء.
وقوله تعالى: ﴿يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ﴾ هذه الرُّبوبيةُ من الرُّبوبية الخاصَّة التي مَنَّ الله تعالى عليهم بها بالخَشْية التي أَلقاها في قُلوبهم.
وقوله تعالى: ﴿يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ تَلين أي: تَطمَئِنُّ وتَهدَأ بعد القَشعريرة، فتَلين أي: تَطمَئِنُّ وتَهدَأ ﴿إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ أي:
стр. 187
مُنقادةً إلى ذِكْره، فتَكون هذه اللُّيونةُ غايتها ذِكْر الله . ولكن لا شَكَّ أن ذِكْر اللِّين أبلَغُ من ذِكْر الطُّمأنينة؛ لأن القَشعريرة تَقتَضي نُشوز الجِلد وارتفاعه وتَصلُّبه، والذي يُقابِل ذلك اللِّينُ والهُدوءُ والطُّمأنينةُ، فتَفسير المُفَسِّر ﵀ أيضًا اللينَ بالطُّمأنينة تَفسيرٌ باللازِم في الواقِع، وإلَّا فإن اللِّين غير الطُّمأنينة؛ لأن الجِلْد إذا اقشَعَرَّ يَتصَلَّب؛ ولهذا تَجِد أطراف الإنسان تَبرُد لانحِسار الدَّمِ عنها بعضَ الشيء، فإذا هدَأ الرَّوْع فإنه يَلين وَيزول ذلك التَّصلُّبُ.
ولين القَلْب ضِدُّ قَسْوته يَعنِي عندما يَسمَعون الوعيد تَقشَعِرُّ الجُلود وتَنفِر القُلوب، ثُم بعد ذلك تَلين الجُلود والقُلوب ﴿إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾.
قال المُفَسِّر ﵀: [أي: عند ذِكْر وَعْده] ولكن الصواب: أنها عند ذِكْر الله تعالى مُطلَقًا حتى الوعيد إذا تَأمَّل الإنسان وهدَأَت نَفْسُه بعد أن ورَدَ عليها ما يُخوِّفه فإنه يَلين حتى للوعيد فتَخصيص المُفَسِّر ﵀ ذلك بذِكْر الوَعْد في النَّفْس منه شيء، ومع ذلك فله وَجهٌ إذا كان القُرآن مَثانيَ وجاء ذِكرُ النار ثُم جاء بعده ذِكْر الجَنَّة لانَتِ القلوبُ، أو ذِكْر أهل النار وجاء بعده ذِكْر أهل الجنَّة لانَتِ القُلوب أيضًا.
وقوله تعالى: ﴿إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ لم يَقُل: لذِكْر الله. بل قال: ﴿إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ وكأَنَّ هذا اللِّينَ صار له غاية وهو ذِكْر الله .
وقوله تعالى: ﴿إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ هل هو من باب إضافة المَصدَر إلى الفاعِل يَعنِي: إلى ما ذكَرهم الله به، أو من باب إضافة المَصدَر إلى المَفعول به أي: إلى ذِكْرهمُ اللهَ؟
الجَوابُ: هذا وهذا، فالكلِمة صالِحةٌ لهذا وهذا، أي: إلى ذِكْرهِم لله، أو إلى ما ذكَرَهم الله به، وهو القُرآن الذي جعَله الله تعالى به مَثانيَ.
стр. 188
ثُم إنَّه لا مانِعَ أن أَقول: صلَح قَلْبي وعمَلي؛ وهذا لأن الله تعالى وصَف الجُلود نَفسَها فقال: ﴿تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ﴾ واقشِعْرار الجُلود مَبنيٌّ على خوف القَلْب، فذَكَر اللهُ تعالى أن هذه القَشعريرةَ تَزول، وأنها تَتَحوَّل إلى لين، وكذلك القَلبُ الذي هو أصلُها.
وقد ذكَر شيخُ الإسلام (١) ﵀ أن هناك أُناسًا يُصعَقون عند سَماع بعض الآيات وذمَّهم، وذكَر أن الصحابة ﵃ لم يَكونوا كذلك - كما في الآية -، وذلك لأن هُناك فَرقًا بين قَشعريرة الجِلْد وبين الذي يُصعَق، فالذي يُصعَق يُغشَى عليه، والخَشية المَطلوبة أن يَكون عند الإنسان عِلْم بالله تعالى وعظَمته وخوف منه، أمَّا أن يَعجِز عن تَحمُّل ما ورَد على قلبه حتى يُصعَق ويَموت، أو يَفعَل فِعْل المَجانين كالذي تَجِده يَقول: الله! الله! الله! الله! فهذا خِلاف ما كان عليه السلَف.
ولذلك عند الصُّوفية تَسبيحة يُسمُّونها: الغبيرة، وهي أنهم يَأتون بأسواط معهم، ثُمَّ يَجلِسون حِلَقًا، ثُم يَتكَلَّم الذي يَذكُر الله تعالى، فإذا زعَق (لا إلهَ إلَّا اللهُ)، وسُبحان الله. خبَّطوا بالأَسْواط على الأرض، والجَيِّد منهم الذي يُثير غُبارًا على الأرض أكثرَ؛ لأنه يَكون عنده انفِعال بقُوَّة وشِدَّة، فيُسمُّون هذه: الغبيرة. وأَظُنُّ بعضهم يَقول لبعض: هل غبرت اليومَ.
وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ﴾ لِين القُلوب ليس فيه مَجاز، بل على الحقيقة الحِسِّيَّة، لأن لين القَلْب الذي هو لِين المَلمَس ليس بوارِد هنا، فالظاهِر أنه لا يَكون كالجِلْد يَقِف ويَتصَلَّب، فإن كان يَقِف ويَتصلَّب فيَسأَل عن هذا عُلماء التَّشريح إذا قالوا: إنه عند الخَوْف يَتصلَّب فصار اللين حِسِّيًّا.
стр. 189
وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ يُحتَمَل أن يَكون المُشار إليه باسْمِ الإشارة (ذلك) ما حصَل لهم من الخَشْية، وعلى هذا فيَكون المُراد بالهِداية هِداية التَّوفيق؛ لأن الخَشْية عمَل، ويُحتَمَل أن يَكون المُشار إليه بـ ﴿ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ﴾ الكِتاب الذي هو أحسَنُ الحديث، فتَكون الهِدايةُ هنا هِدايةَ دَلالة؛ لأن الكِتاب يَهدِي بمَعنَى: يَدُلُّ، والتَّوفيق بيَدِ الله .
قال المُفَسِّر ﵀: [﴿ذَلِكَ﴾ أيِ: الكِتاب] أَفادَنا المُفَسِّر ﵀ أن الإشارة في قوله ذلك تَعود إلى الكِتاب، وعلى هذا فيَكون المُراد بالهِداية هنا هِداية الدَّلالة، فإن القُرآن هُدًى بمَعنَى أنه دالٌّ على كل خَير، بل على كل شيء؛ لقوله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل: ٨٩].
فقوله تعالى: ﴿يَهْدِي بِهِ﴾ هنا الهِداية هِدايةُ الدَّلالة والتَّوفيق؛ لأنها أُضيفت إلى الله ، والله بيَدِه الهِدايتان، والباء في قوله تعالى: ﴿يَهْدِي بِهِ﴾ لم يُبيِّن المُفَسِّر ﵀ مَعناها، ولكن مَعناها: السَّبَبية.
وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ هذه جُمْلة شرْطية بيَّن الله تعالى فيها أن مَن كتَبه ضالًّا فما أحَدٌ يَهديه.
وقوله تعالى: ﴿فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ أَصلُها (هادِي) بالياء، لكن حُذِفت الياء لالتِقاء الساكِنين وهُما التَّنوين في الدال والياء الساكِنة المَحذوفة، ويَجوز إبقاؤُها فيُقال: هادِي، لكنها تُحذف كثيرًا للتَّخفيف والتِقاء الساكِنين.
من فوائد الآية الكريمة:
الْفَائِدَة الأُولَى: إثبات أن القُرآن نزَل من عند الله تعالى؛ لقوله تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ﴾.
стр. 190
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: إثبات عُلوِّ الله تعالى، ووجهُه: أنه إذا كان القُرآن كلامه ووصَف القُرآن بأنه مُنزَّل دلَّ على أن المُتكلِّم به عالٍ، وعُلوُّ الله يَنقَسِم إلى قِسْمين: عُلوِّ ذات، وعُلوِّ الصِّفة.
فأمَّا عُلوُّ الصِّفة فمُتَّفَقٌ عليه بين أهل السُّنَّة وأهل البِدْعة.
وأمَّا عُلوُّ الذات فمُختَلِفٌ فيه:
فأَهلُ السُّنَّة يُؤمِنون بأن الله تعالى عالٍ فوق خَلْقه بذاته.
وأَهْل التَّعطيل يُنكِرون ذلك، ثُم انقَسَموا إلى قِسْمين:
القِسْم الأوَّل: قالوا: إنه بذاته في كلِّ مَكان، وليس فوقَ السَّمَوات، بل هو فوق السَّمَوات، وفي السَّمَوات وفي الأرض وفي البُيوت وفي المَساجِد وفي الأسواق وفي كل شيء حتى تَوصَّلت الحال في بَعضِهم إلى أن قالوا: إنه حالٌ حتى في الأجسام حتى في البشَر حتى في الكِلاب حتى في الحَمير! والعِياذُ بالله تعالى! وهَؤلاءِ هم حُلولية الجَهْميَّة الذين فتَحوا البابَ لحُلول الاتِّحاد.
القِسْم الثاني: قالوا: إن الله تعالى لا يُوصَف بعُلُوٍّ ولا نُزول، فهو ليس فوقَ العالَم ولا تَحتَه ولا مُتَّصِلًا بالعالم، ولا مُنفَصِلًا عن العالم، ولا داخِلَ العالَم، ولا خارِج العالَم، وهذا تَعطيل محَضٌ؛ ولهذا قال بعضُ العُلماء ﵏: لو قيل صِفوا لنا العدَم؟ ما وجَدْنا أدَقَّ من هذا الوَصفِ: أن العدَم كلُّ مَن ليس في داخِل العالَم، ولا خارِجه، ولا فوقَ العالَم، ولا تَحتَه، ولا مُتَّصِلًا، ولا مُنفَصِلًا؛ ولهذا قال محُمود بنُ سبكتكين ﵀ لابنِ فَوْرك ما مَعناه: بيِّنَ لنا ربَّك إذا كنتَ تَصِفه بهذا الوَصْفِ؟! فأين الرَّبُّ الذي تَعبُده؟! وصدَق.
стр. 191
إِذَنِ: المُنكِرون لعُلوِّ الله تعالى انقَسَموا إلى حُلولية ومُعطِّلة تَعطيلًا محَضًا.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: أن هذا القُرآنَ أحسَنُ الحديث، لقوله تعالى: ﴿أَحْسَنَ الْحَدِيثِ﴾ وهكذا حديث الله هو أحسَنُ الحديث، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾.
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أن القُرآن مَكتوب؛ لقوله تعالى: ﴿كِتَابًا﴾، وسَبَق أنه يُكتَب في ثلاث مَواضِعَ: اللَّوْح المَحفوظ، الصُّحُف التي بأَيْدي المَلائِكة، الصُّحُف التي بأَيْدينا.
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: أن القُرآن مُتشابِهٌ؛ لقوله تعالى: ﴿مُتَشَابِهًا﴾، وحينئذٍ يُطلَب الجَمْع بين هذه الآيةِ، وبين قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ [آل عمران: ٧]، ففي هذه الآيةِ جعَل الله تعالى القُرآن نَوْعَيْن: محُكَمًا ومُتَشابِهًا، وفي الآية التي في الزُّمَر جعَله نوعًا واحِدًا مُتَشابِهًا؟
والجَمْع بينهما أن يُقال: إن التَّشابُه المَذكور في الزُّمَر غير المُتَشابِه المذكور في آل عِمرانَ، فالتَّشابُه المَذكور في الزُّمَر أنه يُشبِه بعضُه بعضًا في الكمال والجَوْدة، والتَّشابُه المذكور في آل عِمرانَ هو اشتِباه المَعنَى وخَفاؤُه، فالقُرآن بهذا الوجهِ يَنقَسِم إلى قِسْمين:
الأوَّلُ: مُحكَم، أي: واضِح المَعنى، والثاني: مُتَشابِه أي: خَفيُّ المَعنَى.
فالتَّشابُه في الزُّمَر بمَعنَى أن بعضَه يُشبِه بعضًا، كل القُرآن مُتَشابِه، وأمَّا في آل عِمرانَ هو الخَفاء، فـ ﴿مُتَشَابِهَاتٌ﴾ أي: خَفيَّات المَعنَى، فالقُرآن بعضُه محُكَمٌ بيِّن، وبعضُه مُتَشابِه، لا يَعرِفه إلَّا الراسِخون في العِلْم.
стр. 192
وفي بعض الآيات وَصَف القُرآن بأنه حَكيم بدون أن يَذكُر التَّشابُه، مثل قوله تعالى: ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ﴾ [يونس: ١]، وهذا بمَعنَى المُحكَم المُتقَن الذي لا يَتَناقَض، فهو عكس المُتشابِه؛ لأن المُحكَم هو الذي لا يَتَناقَض.
فالقُرآن إِذَنْ وُصِف بأنه مُحكَم كلُّه، وأنه مُتشابِه كُلُّه، وأن بعضَه مُحكَم، وبعضُه مُتَشابِه، فوَصْفه أنه كلُّه محُكَمٌ مُتقَن لا يَتَناقَض في قوله تعالى: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢]، ووَصْفه بأنه كلُّه مُتَشابِه، أي: يُشبِه بعضُه بعضًا في الكَمال والجَوْدة وصفُه بأن بعضَه مُحكَمٌ وبعضُه مُتشابِه، أي: أن بعضَه واضِح المَعنَى وبعضَه خَفيُّ المَعنَى.
ومِثال الواضِح المعنى: السماء والأرض والنُّجوم الشمس والقمر والإنسان وما أَشبَهها، فهذا واضِح.
ومِثال المُتشابِه: أن تُوجَد آيتان ظاهِرُهما التَّعارُض مثل قوله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ [النساء: ٤٢]، وفي آية أُخرى: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣]، فكيف تَجمَع المَعنيَيْن هنا، ففي هذه الآيةِ يُنكِرون، وفي الآية التي ذكَرْناها قبلُ لا يَكتُمون الله تعالى حديثًا، إذ قد يَأتي إنسان فيَقول: أنا لا أَعرِف وجهَ الجَمْع!!
ولكن الراسِخون في العِلْم يَعلَمون كيف يَجمَعون بين هذه وهذه، فالجَمْع بينهما أن يومَ القِيامة للناس فيه أحوال؛ لأنه يَومٌ مِقدارُه خَمسون ألفَ سَنَةً، فمَرَّةً يَكتُمون ومرَّةً يُقِرُّون ولا يَكتُمون الله تعالى حديثًا.
ومن ذلك أيضًا ذكَر الله أنه ﴿وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا﴾ [طه: ١٠٢]، وقال تعالى:
стр. 193
﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ [آل عمران: ١٠٦] فكيف نَجمَع، فإنه مرَّةً يَقول: تَسوَدُّ، ومرَّةً يَقول: زُرْقًا؟
الجَواب: أن يُقال: إن بعضهم هكذا وبعضهم هكذا، أو إنهم في وقتٍ يَكونون زُرقًا، وفي وقتٍ يَكونون سُودًا، أو أن الأزرق الداكِن يَكون مائِلًا إلى السَّواد فيُطلَق عليه أنه أسودُ، أو أن الزُّرقة في عُيونهم والسَّواد في بقية الجِسْم، وما أَشبَه ذلك.
فالمُهِمُّ: أن الراسِخين في العِلْم يَعرِفون كيف يَجمَعون، لكن غيرهم يَكون خَفيًّا عليهم؛ ولهذا يَقول العُلَماء ﵏: إن القُرآن وُصِف بالتَّشابُه على سبيل العُموم وبالإِحْكام على سبيل العُموم، ووُصِف بأن بعضَه مُحكَم وبعضه مُتشابِه، والجَمْع للراسِخين في العِلْم.
الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: أن القرآن قد بلَغ الغايةَ في البَلاغة؛ لكونه يَأتي مَثانيَ.
ويَتفرَّع على هذه الفائِدةِ: أنه يَنبَغي لمَن تَكلَّم في مَوْعِظة الناس أن لا يَأتِيَ بالتَّرغيب المُطلَق ولا بالتَّرهيب المُطلَق، وذلك أنه إذا أتَى بالتَّرغيب المُطلَق حمَلهم على الرَّجاء فتَهاونوا، وإذا أتَى بالتَّرهيب المُطلَق حمَلهم على اليَأْس فقنَطوا من رحمة الله تعالى، فالذي يَنبَغي للإنسان الذي يَتكلَّم مع الناس في المَواعِظ: أن يَكون يَتكلَّم أحيانًا بهذا وأحيانًا بهذا حتى لا يَحمِل الناسَ على القُنوط أو على الرَّجاء الذي يُوجِب الأَمْن من مَكْر الله تعالى.
الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: أن المُؤمِن يَتأثَّر بالقُرآن، ويَقشَعِرُّ منه جِلْده، ويَخاف، ثُمَّ بعد ذلك تَرجِع إليه الطُّمأنينة ويَلين قَلْبه.
ويَتفرَّع على هذه الفائِدةِ: أنك إذا رأَيْت نَفْسك على غير هذه الحالِ فاعلَمْ أن
стр. 194
إيمانك ضعيف؛ لأن هذا الخبَرَ خبَرٌ من الله ، فلا يُمكِن أن يَتخَلَّف مُخبِره فكل مُؤمِن يَقشَعِرُّ جِلْده ممَّا يَسمَع من القُرآن الكريم في الوعيد، وإذا لم تَكُن كذلك فإن إيمانَك ضعيف.
الْفَائِدَةُ الثَّامِنَةُ: أن ذِكْر الله سبَبٌ للِين القُلوب وطُمأْنِينتها؛ لقوله تعالى: ﴿تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾، ويَشهَد لهذا قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد: ٢٨].
الْفَائِدَةُ التَّاسِعَةُ: امتِنان الله على هَؤلاء بالهِداية؛ لقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾.
الْفَائِدَةُ الْعَاشِرَةُ: إثبات الأسباب؛ لقوله تعالى: ﴿يَهْدِي بِهِ﴾ الباء للسبَبية كما تَقدَّم في التفسير، وإثبات الأَسباب هو المُوافِق للمَنقول والمَعقول:
أمَّا المَنقول فما أكثَرَ الآياتِ التي فيها إثبات الأَسباب مِثل قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً﴾ [الحج: ٦٣]، وقوله تعالى: ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا﴾ [الرعد: ١٧]، وقوله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ﴾ [ق: ٩]، والآياتُ في هذا كثيرةٌ.
والمَعقول كذلك يَدُلُّ على إثبات الأَسباب، وأن لها تَأثيرًا في مُسبَّباتها، فكُلُّنا يَعرِف أن ضَرْب الزُّجاج بالحجَر يَكسِره، وأن الزُّجاج انكَسَر بضَرْب الحجَر؛ وهذا خِلافًا لمَن أَنكَر الأسباب، وقال: إنه لا أثَرَ للأسباب في مُسبَّباتها، فإن قوله هذا خِلاف الشَّرْع وخِلاف العَقْل؛ حتى إنه قيل لهم: أَلَيْسَتِ الوَرَق تَحتَرِق بالنار؟ فقالوا: لا، تَحتَرِق عند النار لا بالنار! وقيل لهم: أَلَيْس الزُّجاج يَنكَسِر بالحجَر يُرمَى به؟ فقالوا: لا، يَنكَسِر عند الحجَر لا بالحجَر. قالوا: لأننا لو أَثبَتْنا تَأثير الأسباب
стр. 195
في أسبابها لأَشْرَكْنا بالله تعالى، وجعَلْنا معه فاعِلًا مُؤثِّرًا! ولا أحَدَ يَرضَى أن يُشرِك بالله تعالى شيئًا!.
وجَوابُنا على هذه الشُّبْهةِ أن نَقول: إن الأسباب لم تُؤثِّر بذاتها، وإنما أَثَّرَت بما أَودَع الله تعالى فيها من القُوة؛ والدليلُ على هذا أن الله تعالى قال لنار إبراهيمَ ﵇: ﴿كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا﴾ [الأنبياء: ٦٩]، فكانت بَرْدًا وسلامًا ولم تُحرِق، فإذا قُلنا: إن هذه الآثارَ المُترتِّبة على الأسباب إنما هي بما أَوْدَع الله تعالى في هذه الأسبابِ من القُوَّة المُؤثِّرة، فإننا بذلك لم نُشرِك بالله تعالى.
وتَطرَّف آخَرون من وجهٍ آخَرَ فقالوا: إن للأسباب تَأثيرًا بذاتها، وإننا نَعلَم أن الحجَر إذا أُرسِل على الزُّجاج كسَره بنَفْسه. ولكن هؤلاءِ همُ الذين جعَلوا مع الله تعالى شُرَكاءَ فإننا نَقول: هذا الحجَرُ لو شاء الله تعالى أن لا يَكسِر الزُّجاجة لم يَكسِرها كما أن الله تعالى لمَّا شاء أن لا تُحرِق النارُ إبراهيمَ ﵇ لم تُحرِقه.
فأهلُ السُّنَّة والجماعة وسَطٌ بين هاتين الطائِفتَيْن المُتطرِّفتين؛ الغالية في الأسباب، والغالية في مَشيئة الله تعالى، فنَقول: الأسبابُ مُؤثِّرة، لكن بمَشيئة الله تعالى.
الْفَائِدَةُ الحَادِيَةَ عَشْرَةَ: إثبات أن الهِداية بمَشيئة الله تعالى؛ لقوله تعالى: ﴿يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾، وهذه الآيةُ فَرْدٌ من أفراد أدلَّةٍ كثيرة تَدُلُّ على أن فِعْل العَبْد واقِعٌ بمَشيئة الله تعالى، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (٢٨) وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [التكوير: ٢٨, ٢٩].
وهذا المَوطِنُ حصَل فيه مُعتَرَكٌ عظيمٌ جِدًّا بين ثلاثة طوائِفَ: طائِفتان مُتطَرِّفتان وطائِفةٌ مُعتَدِلة:
стр. 196
الطائِفتان المُتطَرِّفتان: إحداهما قالت: إن الإنسان يَشاء عمَله، ولا عَلاقةَ لله تعالى به، فالإنسان حُرٌّ يَتصرَّف كما يَشاء، وليس لله تعالى فيه تَدخُّل إطلاقًا هو يَهدِي نفسه، وهو يُضِلُّ نَفْسه. قالوا: ولولا ذلك لكان تَعذيب الله تعالى للعاصي ظُلمًا وثوابه للطائِع عبَثًا؛ لأنك إذا قُلت: إن الإنسان ليس بحُرٍّ، فهو مُدبَّر، والمُدبَّر لا يُحمَد على فَضْل، ولا يُذَمُّ على سوء.
ومن المَعلوم: أن الله تعالى رتَّب الذَّمَّ على العاصي والمَدْح على المُطيع، فهذا يَدُلُّ على أن فِعْل العَبْد فِعْلٌ مُستَقِلٌّ.
أمَّا المُتطرِّفون الآخَرون فقالوا: إن الإنسان لا مَشيئةَ له، ولا قُدرةَ له، ولا اختِيارَ له في فِعْله، بل هو مُجبَرٌ عليه عاجِزٌ عن المُخالَفة يُجبَر جبرًا؛ فيَأكُل جَبْرًا، ويَشرَب جبرًا ويَتقدَّم جبرًا، ويَتأخَّر جبرًا، وليس له اختِيار على أيِّ حال، وتعذيب الله تعالى للظالِم ليس ظُلْمًا، وإن كان الظالِم يَفعَل بغير اختِياره؛ لأن تَعذيب الله تعالى له تَصرُّفٌ في مِلْكه، والله يَفعَل ما يَشاء، لا مُعقِّب لحُكْمه، فحينئذٍ لا يَرِد علينا ما استَدَلَّ به الطرَف الأوَّل الذي قال: لو كان الإنسان غير مُطلَق الحُرِّية لكان تَعذيب العاصي ظُلمًا، وإثابة الطائِع لَغوًا.
ونحن نَقول: إن تعذيب الظالِم ليس بظُلْم، وإن كان مُجبَرًا؛ لأن الله تعالى مالِكه يَفعَل فيه ما يَشاء كما أنت تَفعَل في مِلْكك ما تَشاء؛ فتَهدِم البيت، وتَبني البيت، وتَبيع السَّيَّارة، وتَشتَري بدَلها، وما أَشبَه ذلك.
فالطرَف الثاني يُسمَّوْن: الجَبْرية، والطرَف الأوَّل يُسمَّوْن: القدَريَّة، وسُمِّيَ الطرَف الأوَّل: القَدَرية؛ لأنهم يُنكِرون قَدَر الله فيما يَتعَلَّق بفِعْل العَبْد، وسُمِّيَ هؤلاء: جَبْرية؛ لأنهم يَرَوْن أن العَبْد مُجبَر على عمَله.
стр. 197
ويَتساوَى عند هؤلاء مَن نزَل من السُّلَّم بتُؤدة وطُمأنينة دَرجةً دَرجةً ومَن دُفِع من أعلى السُّلَّم حتى انزخَّ (١) على وَجْهه، يَقولون: كلٌّ سواءٌ، كلٌّ مُجبَر.
أمَّا أَهْل السُّنَّة والجماعة فإنهم تَوسَّطوا في هذا، وقالوا: إننا نُثبِت الأدِلَّة الدالَّة على أن كل شيء واقِع بمَشيئة الله تعالى، ونُثبِت الأدِلَّة الدالَّة على أن للإنسان اختِيارًا وإرادةً، وبذلك نَجمَع بين الأدِلَّة، فنَقول: فِعْل العبد واقِعٌ بمَشيئته، لكن مَشيئته تَحت مَشيئة الله تعالى، فإذا شِئْت أنا شيئًا فإنني أَعلَم أن الله تعالى شاءَه، ولا يُمكِن أن أَعلَم بأن الله تعالى شاء شيئًا إلَّا بعد أن يَقَع؛ لأن قضاء الله تعالى سِرٌّ مَكتوم لا نَعلَم عنه، لكن إذا وقَعَ علِمنا بأن الله تعالى شاءَه، فأَنا لا أَشاءُ إلَّا ما شاء الله تعالى، ولكني في نَفْس الوقت لي حُرِّية أن أَشاء ما شِئْت إلَّا أنني أُومِن بأن مَشيئتي هذه كانت بمَشيئة الله تعالى.
ويَدُلُّ لهذا: أن الإنسان أحيانًا يَعزِم على فِعْل شيء، وبين ما هو مُتَّجِهٌ له إذ انتقَضَت عَزيمته إلى اتِّجاهٍ آخَرَ أو إلى إلغاء العمَل؛ إِذَنْ فهناك سُلْطة فوقَ سُلْطته، لكِنَّ هذه السُّلطةَ غير مَعلومة، ولا تُعلَم إلَّا بآثارها؛ وقد قيل لأَعرابيٍّ: بمَ عرَفْت ربَّك؟ قال: بنَقْض العَزائم، وصَرْف الهِمَم. فهذا أَعرابي بدَويٌّ أَجاب بهذا الجوابِ العَجيب: عرَفْت ربِّي بنَقْض العزائِم، يَعنِي: أَعزِم على الشيء ثُم تَنتَقِض عَزيمتي بدون سبَب، وصَرْف الهِمَم، أي: أَهِمُّ بشيء إلى اليَمين، ثُم أَجِدني مُنصرِفًا إلى اليسار بدون سبَب إلَّا من الله .
فأَهْل السُّنَّة والجَماعة يَقولون: الإنسان يَشاء ويَختار، وليس مُجبَرًا، لكن أي شيء يَشاؤُه فهو بعد مَشيئة الله تعالى نَعلَم أن ذلك بمَشيئة الله تعالى، وهذا هو الذي
стр. 198
تَطمَئِنُّ إليه النَّفْس، وتَجتَمِع به الأدِلَّة.
فإن قال قائِل: إِذَن يَكون قول المُشرِكين: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ١٤٨]؛ لأننا لمَّا عبَدْنا غيرَ الله تعالى: علِمنا أنَّ الله تعالى شاء ذلك، وليس لنا القُدرة في مُخالَفة المَشيئة، فهل هذا صحيح؟
فالجَوابُ: أَقولُ: لا، بل هذا حُجَّة داحِضة أَبطَلها الله ويُبطِلها العَقْل، فأَبطلَها الله تعالى بقوله: ﴿كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا﴾ [الأنعام: ١٤٨]، وفي آية أخرى قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ [النحل: ٣٥].
فلمَّا أَبطَلها الله تعالى شَرْعًا، نَنظُر هل هي باطِلة عَقْلًا أو لا؟
نَقول أيضًا: هي باطِلة عَقْلًا؟ لأنك لم تَعلَم أن الله تعالى ما قضَى عليك بعِبادة الأصنام إلَّا بعد العِبادة، فلماذا لم تَعدِل عن عِبادة الأصنام وتُقدِّر أن الله تعالى قضَى عليك بتَرْك عِبادة الأَصْنام؟! فإِقدامُك على عِبادة الأصنام وأنت لم تَعلَم أن الله تعالى كتَب ذلك هو منك وأنت الذي أرَدْتَه، ولو أنك قدَّرْت الأفضَل والأحسَن، وأن الله تعالى قدَّر أن تَكون مُوحِّدًا مُجتَنِبًا لعِبادة الأصنام لحصَل لك ذلك.
ثُمَّ إننا نَقول: هناك أيضًا دَليل حِسِّيٌّ؛ فلو خُيِّر الإنسان بين شَيْئين أحدُهما أفضَلُ من الآخَر سيَختار الأفضَل، وهل يُمكِن لشَخْص أن يَختار الأَردَأَ ويَقول: هذا الذي قُدِّر لي؟! أبَدًا.
ولو قيل له: لِمكَّةَ طُرُق، طريقٌ آمِن وطريق مَخُوف. فقال: نَذهَب مع الطريق المَخوف؛ لأن الله تعالى كتَب علينا هذا!! فهل هذا يُمكِن أو لا يُمكِن؟
стр. 199
الجَوابُ: لا يُمكِن أبَدًا، بل سيَسلُك الطريق الآمِن بلا شَكٍّ.
ولو عُرِض عليه عمَلانِ في وظيفة مثَلًا أحَدُ العمَلَيْن شاقٌّ وأُجرَتُه قليلة، والثاني خَفيف وأُجْرته كثيرة، فسيَختار الثانيَ بلا شَكٍّ.
فهذه أدِلَّة مَحسوسة تَدُلُّ على أن الاحتِجاج بالقَدَر على المَعاصي أو على تَرْك الواجِبات احتِجاجٌ باطِل لا يَستَقيم، لا شَرْعًا ولا عَقلًا ولا حِسًّا، فهذا هو مَذهَب أهلِ السُّنَّة والجماعة؛ يَقولون: نحن نَفعَل باختِيارنا، ولكن اختِيارنا نَعلَم أن الله تعالى قدِ اختاره لنا قبل أن نَختاره نحن إلَّا أنه لا حُجَّةَ لنا في أن نَقول: هذا مُختار الله تعالى لنا، فلا نَستَطيع أن نَتخَلَّص منه لأننا حين الفِعْل لم نَعلَم ما قدَّر، ولا يُمكِن لأيِّ إنسان يَدرِي أن الله تعالى قدَّر شيئًا إلَّا بعد الوقوع؛ ولهذا قال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف: ٥]، فجعَلهم السبب في ذلك.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ: أنه يَنبَغي للإنسان - وهذه فائِدة مَسلَكية - أن يَلجَأ إلى الله تعالى وحدَه في طلَب الهِداية؛ لقوله تعالى: ﴿يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾، فأنت لا تَعتَمِد على نَفْسك فتَهلِك، بلِ اعتَمِد على ربِّك، واتَّجِه إليه دائِمًا في سُؤال الهِداية حتى يَهديَك الله تعالى، وكان النبيُّ ﵊ وهو الهادِي المَهديُّ - يَستَفتِح ويَقول: "عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ أَنْتَ تَحْكُمْ بَيْنَ عِبَادِكَ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ، اهْدِنِي لمِا اخْتُلِفَ فِيهِ مِنَ الحَقِّ بِإِذْنِكَ، إِنَّكَ تَهْدِي مَنْ تَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ" (١) فهذا وهو النبيُّ ﷺ ! فكَيْف بنا نحن! فعليك أن تَلجَأ إلى ربِّك في طلَب الهِداية، وألَّا تَعتَمِد على نفْسِك، بلِ اعتَمِدْ على الله ، فإن الله تعالى مَرجِعك.
стр. 200
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ: أن مَن يُضِلُّه الله تعالى فلا هاديَ له؛ لقوله : ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾، وفي آية أُخرى: ﴿وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُضِلٍّ﴾ [الزمر: ٣٧].
فإن قال قائِل: أفلا يُوجِب لنا هذا الحُكْمُ أن نَتَوقَّف عن دَعوة الناس إلى الحَقِّ؛ لأن الله تعالى قال: ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾؟
فالجَوابُ: لا يُوجِب، لكن الفائِدة من ذلك أننا إذا دعَوْنا أحَدًا للحَقِّ ولم يَقبَل فإننا لا نُهلِك أَنفُسنا من أَجْله، بل نَقول: هذا قد قَضَى الله تعالى عليه بالضَّلال، وليس لنا في أَمْره من شَأْن؛ ولهذا نَجِد الله يَقول لنبيِّه مُحمَّدٍ ﷺ : ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ٣]، أي مُهلِك نَفْسك ألَّا يَكونوا مُؤمِنين، فلا تُهلِك نَفْسك، وأَنزَل الله تعالى عليه تَسليةً حين دعا عمَّه أبا طالِبٍ ولم يَهتَدِ، فقال تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [القصص: ٥٦].
وحينئذٍ لا يَمنَعنا مثل هذا الحُكمِ أن نَدعوَ إلى الله تعالى، ولكن إذا دعَوْنا إلى الله تعالى ولم نَجِد الناس اهتَدَوْا فإننا لا نُكلِّف أَنفُسنا، ولا نُهلِكها بالهَمِّ والغَمِّ؛ لأن الإنسان إذا نظَر هذه النَّظرةَ سوف تَتَكدَّر عليه دُنياه، بل سَوْف يَضيع عمَله الصالِح؛ لأن الناس ليسوا بمُهتَدين على ما يُريد، فإذا أَتعَب نَفْسه وراءَ الناس، وصار يَلهَث وراءَهم تَعِبَ، فالواجِب عليه أن يَبذُل ما يَجِب عليه، والباقي على الله .
وبالنِّسبة لمَن يَدعو الناس والناس لم يَهتَدوا، فعليهم أن يَستَمِرُّوا؛ لأن الله قد يُؤخِّر هِدايتهم إلى أجَلٍ مُسمًّى.
وبخُصوص مَن لم يَصِلهم الإسلام فهؤلاءِ كفَّار، لكن لعُذْرهم بعدَم وُصول الرِّسالة إليهم يُكلِّفهم الله تعالى يومَ القيامة بما شاء من أنواع التَّكليف، ثُم إنِ اهتَدَوْا
стр. 201
في ذلك الوقتِ فهم من أهل الجَنَّة، وإن ضلُّوا فهُمْ من أهل النار، هذا أصَحُّ ما قيل في الجَواب عن هؤلاء، أَعنِي: أَهل الفَتْرة والذين بعد الرِّسالة، ولكن لم تَبلُغهم؛ فالصحيح: أنهم يُمتَحَنون يوم القِيامة بما شاء الله تعالى من التكاليف التي لا نَعلَمها، ثُمَّ إنِ اهتَدَوْا فنَجَوْا وإلَّا عُوقبوا.
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ: أن اسمَ الهادِي يُطلَق على غير الله تعالى؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾، وكما قال تعالى: ﴿وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾ [الرعد: ٧]، فالهادِي تُطلَق على الله تعالى وعلى غيره، لكن الذي يَمتَنِع إطلاقه على غيره هو هِداية التَّوْفيق، فإن هِداية التَّوْفيق لا تَكون إلَّا لله تعالى وحدَه، أمَّا هِداية الدَّلالة فإنها تَكون لله تعالى ولغيره.
стр. 202
الآيات (٢٤ - ٢٧)
* قَالَ اللهُ : ﴿أَفَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَقِيلَ لِلظَّالِمِينَ ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ (٢٤) كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ (٢٥) فَأَذَاقَهُمُ اللَّهُ الْخِزْيَ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (٢٦) وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ [الزمر: ٢٤ - ٢٧].
قوله تعالى: ﴿يَتَّقِي﴾ قال المُفَسِّر ﵀: [يَلْقَى]، لكِنَّ المُتَّقيَ للعَذاب هو من يُحاوِل النَّجاة منه، لكِنَّ المُلاقيَ للشيء قد يُلاقيه ببُشرى وفرَحٍ وسُرور، فتَفسير ﴿يَتَّقِي﴾ بـ (يَلقَى) لا شَكَّ أنه قاصِر، ولكنه بعض الأحيان يُفسِّر المُفَسِّر ﵀ القُرآن بما يُقارِبه كما فسَّر قوله تعالى قال: ﴿سُوءَ الْعَذَابِ﴾ بـ[أَشَدَّه]، ففسَّر كلِمة سُوء بأَسوَأَ، وأَسوَأُ لا شَكَّ أنه اسم تَفضيل، وسوء ليس كذلك، وعلى هذا فيَكون المُفَسِّر ﵀ فسَّر الكِتاب بما هو أعلى مِنه، والواجِب: أن يَكون المُفسِّر مُطابِقًا للمُفسَّر، ولو قال المُفَسِّر ﵀: العَذاب السيِّئ لكان أَبلَغ مُطابَقة للقُرآن.
والعَذاب هو الشيء الذي يُصيب الإنسان إصابةً مُباشِرة يُقال: ذاقه، لكن ليس باللسان، إنما لمَّا أَصابه مُباشَرة صار كالمَطعوم الذي يُدخِله الإنسان في جَوْفه، وعلى كل حال فإحساسُ الوَجْه بالعَذاب أشَدُّ من إحساس بقية الجَسَد، ويَكون الوَصْف للعَذاب نفسِه إذا كان أَسوَأَ العذاب، ويَكون في الوجه صار أشَدَّ على
стр. 203
الإنسان ممَّا لو كان في طرَف آخَرَ، لكن الذي يَظهَر لنا: أن سوء العَذاب ليس على اسمِ تَفضيل، ولكنه من باب إضافة الصِّفة إلى مَوْصوفها، يَعنِي: العَذاب السيِّئ.
ومن هذا البابِ أيضا كلِمتا (خَيْر) و (شَر) تُطلَقان على باب اسم التَّفضيل إذا قلت: هذا خيرٌ من هذا وهذا شَرٌّ من هذا. وقد تُطلَقان ويُراد بها الوَصْف بالشَّرِّ فقط، كما تَقول: (هذا شرٌّ)، (هذا خَيْر).
وقول المُفَسِّر ﵀: [بأن يُلقَى في النار مَغلولةً يَدُه إلى عُنُقه] كأنه أُخِذ من كونه يَتَّقي العَذاب بوَجهه؛ لأنه لو كانت يَدُه مُطلَقة لاتَّقَى العَذاب بيده، ولكنِّي أَقول: لا يَلزَم منِ اتِّقاء العَذاب بوَجْهه أن تُغَلَّ يدُه؛ لأن يدَه قد تَكون مُرسَلة غير مُقيَّدة، ولكن لا يَستَطيع أو يَظُنُّ أن مُدافعته بوجهِه أشَدُّ، فيُدافِع بوجهه.
قال المُفَسِّر ﵀ في جواب الشَّرْط في ذِكْر المُعادِل: [كمَن أمِن منه في دُخول الجَنَّة؟].
والجَوابُ: لا، وحينئذٍ يَكون الاستِفْهام للنَّفيِ، يَعنِي: لا يَستَوي مَن يَتَّقِي بوَجْهه سُوء العذاب مع من أمِن العَذاب ولم يَتَّقِه ثُمَّ قال ﵀: [﴿وَقِيلَ لِلظَّالِمِينَ﴾ أي: كُفَّار مَكَّةَ ﴿ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾ أي: جزاءَهُم]؛ وقوله: [﴿لِلظَّالِمِينَ﴾ أي: كُفَّار مكَّةَ] كأنه أَخَذه من قوله تعالى: ﴿كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ وإلَّا فإن الظالمِين هنا عامٌّ، لفظ عامٌّ يَشمَل كفَّار مكَّةَ وغيرهم، وهذا هو الأَوْلى.
فإن قيل: ﴿كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ يَدُلُّ على أن هذا في المُتأخِّرين؟
قُلنا: نعَمْ، هو يَدُلُّ على أنه في المُتأخِّرين، لكن كل رَسول قد سبَقه رسول، فهنا نَقول: كذَّبَت قبلَهم قومُ نوحٍ وثَمودُ، كذَّبت قبلهم قوم عاد، وهَلُمَّ جرًّا، فيَكون
стр. 204
(الظالِمون) عامًّا لكُفَّار مكَّةَ ولغيرهم، لكن أوَّل مَن يَدخُل فيهم بلا شَكٍّ كفَّار مكَّةَ؛ لأن القُرآن نزَل توبيخًا لهم وإنذارًا ودَعوةً.
قال المُفَسِّر ﵀: [﴿فَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ﴾ من جِهةٍ لا تَخطُر ببالهم] وهذا في التَّفسيرُ أشَدُّ وأبلَغُ من أن يَكون من أن يَأتيَهُمُ العَذاب وهم على أُهْبة الاستِعْداد له.
قوله ﵀: [﴿فَأَذَاقَهُمُ اللَّهُ الْخِزْيَ﴾ من الذُّلِّ والهَوان من المَسخِ والقَتْل وغيره] ﴿فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ فأَذاقَهمُ الله تعالى، أي: مسَّهُم به حتى كأنهم طعِموه وذاقوه بمَذاقاتهم.
وقول المُفَسِّر ﵀: [من المَسْخ والقَتْل وغيره] المَسْخ مثل اليَهود الذي قال الله لهم: ﴿كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ [البقرة: ٦٥]، والقَتْل مثل قَتْل بني إسرائيلَ أنفسَهم حينما أُمِروا بالتوبة وقيل لهم: إن كُنْتم صادِقين في التَّوْبة فاقتُلوا أَنفُسكم.
يَقول المُفَسِّر ﵀: [وغيره] وذلك مثل الإِهْلاك بالصاعِقة والرَّجْفة وما أَشبَهَها، فالمُهِمُّ أن المُكذِّبين للرُّسُل كلُّهم أَهلَكهم الله .
فإن قال قائل: أليس مِن الرُّسُل مَن قُتِل؟
فالجَوابُ: بلى، ولكن هؤلاء الذين قُتِلوا إمَّا أن يَكونوا لم يُؤمَروا بالقِتال فاعتَدَى عليهم مَنِ اعتَدى بدون قِتال، وإمَّا أنهم أُتوا على غِرَّة دون أن يُجاهَروا بالقَتْل، ثُمَّ إذا قُتِلوا هل مَعنَى ذلك أن ما دُعوا إليه يَموت بمَوْتهم؟ لا، قد يَبقَى فيَكون هذا نَصْرًا لهم ولو بعدَ وفاتهم، فأَذاقهم الله تعالى الذُّلَّ والهَوان من المَسْخِ والقَتْل وغيره في الحَياة الدُّنيا.
стр. 205
وقوله تعالى: ﴿وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ أي: لو كانوا أي: المُكذِّبون يَعلَمون عذابَها ما كذَّبوا، فقول المُفَسِّر ﵀: (ما كذَّبوا) هو جَواب (لو) المَحذوفة.
ثُمَّ قال : ﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾.
قوله تعالى: ﴿ضَرَبْنَا﴾ يَقول المُفَسِّر ﵀: [جعَلنا]، ولعلَّ الضَّرْب أخَصُّ من الجَعْل، وهذا التَّفسيرُ تَفسيرٌ بما هو أعَمُّ؛ لأن ضَرْب المثَل ليس مُجرَّدَ جَعْلٍ له، بل ضَرْب المثَل للاعتِبار به، فضرَبْته مثَلًا أي: جعَلْته شبَهًا حتى يَعتَبِر به؛ فقوله: ﴿ضَرَبْنَا﴾ أي: بيَّنَّا ﴿لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ﴾، والجُملة هنا مُؤكَّدة بمُؤكِّداتٍ ثلاثة: وهي اللَّام، و (قد)، والقسَم المُقدَّر؛ لأن تَأكيد الكلام في مثل هذا التركيبِ: (واللهِ لقَدْ) فيَكون مُؤكَّدًا بمُؤكِّداتٍ ثلاثة.
وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ﴾ إذا قال قائِل: كيف يُؤكَّد هذا وهو أَمْرٌ مَعلوم، والغالِب أن التأكيد إنما يُصار إليه للحاجة إليه؟
فالجَوابُ: أن التَّأكيد قد يَكون للحاجة إليه عندما يَكون المُخاطَب شاكًّا أو مُنكِرًا، وقد يَكون التَّأكيد لأهمية المُؤكَّد وإن لم يَكُن ثَمَّة إنكار أو تَردُّد، ومنه هذه الآيةُ فإن ضَرْب الله تعالى الأَمْثال للناس في القُرآن أَمْرٌ مَحسوس مُدرَك، ولكن لأَهَمِّيته أكَّده الله : ﴿لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ﴾ أي: من كل شَبَه، فيَضرِب الله تعالى الأشباه والنظائِر ليَحذَر مَن كان على مِثْل هذا النَّظيرِ وهذا الشبيهِ حتى لا يَقوم بمِثْل ما فعَل.
وقوله تعالى: ﴿لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ﴾ يَشمَل كل الناس المُؤمِن والكافِر؛ لأَجْل أن يَتذكَّر هؤلاء وهؤلاء.
стр. 206
قال المُفَسِّر ﵀: [﴿لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ يَتَّعِظون] و (لعَلَّ) هنا للتَّعليل وهو أحَد معانيها، ومن مَعانيها التَّرجِّي مثل: لعَلَّ الحبيبَ قادِمٌ، ومن مَعانيها الإِشْفاق مثل: لعلَّ الحبيبَ هالِكٌ، ففي الأوَّل: لعَلَّ الحَبيب قادِم، رجاءٌ، وفي الثاني إِشْفاق يَعنِي: أَخشَى أن يَكون هالِكًا، وتَأتي للتَّعليل كما في هذه الآيةِ، وكما في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٨٣]، وقوله تعالى: ﴿لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ قد تَكون هذه للتَّوقُّع، وقوله تعالى: ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ٣] للتَّوقُّع أيضًا، وهي في القرآن كثير، وقوله تعالى: ﴿لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ﴾ [غافر: ٣٦] للتَّرجِّي، ويُحتَمَل أن تَكون للتَّعليل، وإنَّما هو كثير في القُرآن.
وإنما بيَّنته لئَلَّا يَظُنَّ بعض الناس أنها للتَّرجِّي في كل مَكان فيقول: كيف يَترجَّى الله الشيءَ وهو قادِر على كل شيء؟ نَقول: (لعَلَّ) إذا جاءَت في كلام الله تعالى فهي للتَّعليل.
وقوله المُفَسِّر ﵀: ﴿يَتَذَكَّرُونَ﴾ يَعنِي: [يَتَّعِظون]؛ لأن هذا هو الغرَض من ضَرْب الأمثال.
من فوائد الآيات الكريمة:
الْفَائِدَة الأُولَى: أن كلَّ مثَل في القرآن فإن فيه دَليلًا على إثبات القِياس.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أنه ليس كلُّ حقٍّ يَترُكه الإنسان ثِقةً بالله تعالى يوم القِيامة يَصير عنده؛ لأنه إن كان تَرَكه للاختِصام عند الله تعالى فهذا لم يَترُكْه، لكن إن ترَكَه للثواب عند الله تعالى فقد ترَكَه، وهذا إن ترَكَه للاختِصام عند الله تعالى يوم القيامة وعفا عنه في هذه الحالِ؛ لأنه إذا طالَب به في الدنيا وأخَذ حقَّه سلِمَت حَسَناته من هذا
стр. 207
الذي ظلَمه يوم القِيامة، فكان عذاب الدُّنيا أَهوَنَ من عذاب الآخِرة، ويَكون بذلك مُحسِنًا إليه، أو يَترُك للأَحسَن وهو العَفوُ وانتِظار الأَجْر من الله ؛ قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [الشورى: ٤٠].
فالأحوالُ ثلاثة: إمَّا أن يَأخُذ بحَقِّه في الدُّنيا، أو يُؤجِّل حقَّه للآخِرة، أو يَعفو؛ والمَراتِب من الأشَدِّ إلى الأخَفِّ؛ نَقول: إن أشَدَّها أن يُؤخِّر ذلك للآخِرة، ثُم أن يَأخُذ به في الدنيا، ثُم أن يَعفوَ مع أن العَفْو لا بُدَّ فيه من قَيْدٍ؛ أن يَكون في العفو إصلاح، فإن كان في العَفو إفسادٌ بحيث إذا عفَوْنا عن هذا الرجُلِ زاد في شَرِّه وطُغيانه، فهنا الأَخْذ بالحَقِّ أَوْلى من العَفْو، أمَّا إذا علِمنا أن هذا الرجُلَ سيَنظُر إلى العَفو نَظْرة إكبار ويَحسُن خُلُقه بعد ذلك فلا شَكَّ أن العفو أفضَلُ، وهذا الرجُلُ لو عفَوْنا عنه ولم يُصلِح فأَجِّل حقَّك في الآخِرة؛ لأن الله تعالى قيَّد العَفو بالإصلاح، فقال تعالى: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ﴾ لكن أَخبِرْه وقُلْ له: (أنت الآنَ ظلَمْتني في كذا وكذا وكذا، وأنا سأُؤَجِّل أَخْذي ليَوْم القِيامة)؛ ولا أَظُنُّ أنك عفَوْت بهذا.
واعلَمْ أن العَفو يَكون مع القُدرة ومع عدَم القُدرة، لكن العَفْو المَحمود هو العَفو مع القُدرة.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: أن الله أَنزَل هذا القُرآنَ تِبيانًا لكل شيءٍ، ومنه - أي: من التِّبيان -: ضَرْب الأمثال؛ لأنها تُقرِّب المَعنَى وتَضَع المَعقول في سورة المَحسوس، ومِن ذلك قولُه : ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤١].
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: رحمةُ الله بالعِباد حيث بيَّن لهم هذا البَيانَ التامَّ.
стр. 208
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: أنه يَنبَغي للمُعلِّم غيرَه أن يُكثِر له من ضَرْب الأمثال التي تُعينه على فَهْم المَعنى؛ لأن هذا هو أُسلوب القُرآن.
الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: إثبات العِلل والحِكَم في أفعال الله تعالى وشرعه؛ لقوله تعالى: ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾.
الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: الردُّ على الجَهْمية وأشباهِهم ممَّن أَنكَروا حِكْمة الله تعالى وقالوا: إن الله يَفعَل الشيء لا لعِلَّةٍ وحِكْمة، ولكن لمُجرَّد المَشيئة، ووجهُ ذلك: أن (لعَلَّ) هنا للتَّعليل، والتعليلُ يَعنِي: إثبات الحِكْمة.
стр. 209
الآية (٢٨)
* قَالَ اللهُ : ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ [الزمر: ٢٨].
قال المُفَسِّر ﵀: [﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ حال] يَعنِي: أن (قُرآنًا) هذه حال، و (عربيًّا) حالٌ أُخرى، يَعنِي: هذا القُرآنُ الذي فيه من كل مثَل هو قُرآن، والقُرآن تَأتي بمَعنَى المَصدَر، وتَأتي بمَعنَى اسمِ الفاعِل أو المَفعول، فمِن إِتْيانها مَصدَرًا: الغُفران والشُّكْران، وأنا أَقصِد بهذا وَزْن: فُعْلان تأتي مَصدَرًا مثل: الغُفران والشُّكران والقُرآن، وهذا المَصدَرُ في لفظ القُرآن يُحتَمَل أنه بمَعنَى اسمِ المَفعول، فـ (قُرآن) بمَعنَى: مَقروء، وعلى هذا فيَكون بمَعنَى: مَتلُوٍّ، ويُحتَمَل أن يَكون اسمَ فاعِل بمَعنَى: قارِئ، وهو من: قرَأَ الماء إذا جمَعَه في الحَوْض، والقُرآن إذا تَأمَّلت وجَدْت أن الوَصْفين يَنطَبِقان عليه، فهو مَتلُوٌّ وجامِع.
ولهذا قال العُلَماء ﵏ في عِلْم أُصول التَّفسير: إنه يَصِحُّ أن يَكون بمَعنى اسمِ الفاعِل، ويَصِحُّ أن يَكون بمَعنَى اسم المَفعول.
وقوله تعالى: ﴿عَرَبِيًّا﴾ أي: باللُّغة العرَبية التي هي لِسان محُمَّدٍ ﷺ ولسان القَوْم الذين بُعِث فيهم، والعربية هي أفضَلُ الأَلسُن وأَعرَبُها وأَفصَحُها وأَبيَنُها؛ ولهذا اختارها الله لرِسالة مُحمَّدٍ ﷺ .
فإن قيل: أَليسَ في القُرآن من الكلِمات ما أصلُه أَعجميٌّ في القُرآن؟
стр. 210
قُلْنا: بلى فيه، ولكِنَّ هذه الأَلفاظَ التي أَصلُها غير عرَبيٍّ لمَّا نطَق بها العرَب عرَّبوها وصارت عربية؛ ولهذا لا تَخلو هذه الكلِماتُ المُعرَّبة من تَغييرٍ بعض الشيء، فلا بُدَّ أن يَكون فيها شيء من التَّغيير في الغالِب، فإذا نطَق بها العرَب واستَخدَموها وسادت في أَلسِنَتهم صارت مُستَعرَبة. إذا فهي كلِمات مُستَعرَبة من قومٍ مُستَعرِبين أيضًا؛ لأن أصل العرَب مُستَعرِبين؛ لأنهم ليسوا عربًا في الأصل، فإسماعيلُ ﵇ هو ابنُ إبراهيمَ ﵇، وليس لُغتُه العَربيةَ، لكن لمَّا جاء عرَب جُرْهم إلى أُمِّ إسماعيلَ ﵇ ونزَلوا عندها صار عربيًّا، واستَمَرَّتِ العُروبة إلى يومنا هذا. ودليل هذا أيهما أَفضَلُ، رسالةُ محُمَّد ﵊ وأُمَّته أو الرِّسالات الأُخرى وأُمَّتهم؟
الجَوابُ: رِسالة النبيِّ ﷺ : إِذَن: ليس هناك شَكٌّ؛ ولهذا ورَدَ في حديث، لكِنْ فيه نظَر: أن اللغة العربية لُغة أهل الجَنَّة.
وكون الله تعالى اختار هذه الرِّسالةَ العظيمة في اللغة العربية يَكفِي؛ لقوله تعالى: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٤]، فصار هذا المكانُ صالِحًا لهذه الرِّسالةِ العَظيمة؛ لأنه عظيم؛ ومَعلوم أن البيان لو جاء بغير اللغة العربية ما أَبانَ، لكن كونه اختار أن يَكون في هؤلاءِ العرَبِ، وبِلُغتهم فهذا دليل على فَضْلهم.
فإذا قال قائِل: إن الرسول ﵊ خاصٌّ بالعرَب؟
قُلْنا: نعَمْ، هو بُعِث في الأُمِّيِّين، لكن لجميع الناس كما لو أن أحَدًا صار في الشرق أو في الغرب وهو أميرٌ على جميع المَنطِقة على جميع القارَّة التي هو فيها، فهذا مُحمَّد ﵊ بُعِث في هؤلاء القومِ، لكن إلى جميع الناس، ومَعلوم أنه لا بُدَّ أن يُبعَث في قوم، فافْرِضْ أنه بُعِث في العجَم وهو رسول إلى الناس فهو نفس الشيء.
стр. 211
وقوله تعالى: ﴿غَيْرَ ذِي عِوَجٍ﴾ هذا الوَصفُ سَلبي وليس ثُبوتيًّا، واعلَمْ أنه لا يُوجَد في أوصاف القُرآن ما هو سَلْبيٌّ مَحض؛ لأن السَّلبيَّ المَحْض ليس فيه مَدْح، بل كل شيءٍ وُصِف به القرآن على وجه النَّفيِ فإن ذلك لكمال ضِدَّه؛ ولا بُدَّ أن يَتضَمَّن الكَمال أيضًا في قوله تعالى: ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ﴾ [الإخلاص: ٣] لم يَلِد ولم يُولَد؛ لكَمال وحدانِيَّته.
فإذا قال تعالى: ﴿غَيْرَ ذِي عِوَجٍ﴾ أي: لكَمال استِقامته، بَلْ قال الله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ [الإسراء: ٩]، ﴿يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ فالقُرآن الكريم يَهدي للتي هي أَقومُ في أمور الدِّين وفي أمور الدُّنيا على وجهٍ ليس في اعوِجاج بوَجهٍ من الوُجوه؛ ولهذا قال تعالى: ﴿غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ أي: لأَجْل أن يَتَّقوا، فبيَّن الله تعالى لنا بهذا القُرآنِ، وجعَله غيرَ ذي عِوَج من أَجْل تَقواه .
من فوائد الآية الكريمة:
الْفَائِدَة الأُولَى: أن القُرآن عرَبيٌّ؛ أي: نازِلٌ بلُغة العرَب.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أنه لا يُوجَد في القُرآن لفظٌ أَعجميٌّ؛ لأن الله تعالى وصَف القُرآن كلَّه بأنه عرَبيٌّ، وهذا يَقتَضي أن ليس فيه شيءٌ من لُغة العجَم، ولا شَكَّ أن هذا هو الواقِع، فليس في القُرآن لفظٌ أعجَميٌّ.
لكن اختَلَف العُلَماء المُفسِّرون ﵏ وغيرهم: هل في القُرآن كلِمةٌ أَصلُها أَعجَميٌّ ثُم عُرِّبت؟
فمِنهم مَن يَقول: نعَمْ. ومنهم مَن يَقول: لا. فالذين قالوا: نعَمْ. قالوا: هناك كلِمات في القُرآن الكريم لا تَنطَبِق عليها قواعِدُ اللغة العرَبية، ويَعنِي هذا أنها
стр. 212
أَعجَمية، وهذا لا يُنافِي أن يَكون القُرآن عرَبيًّا؛ لأن العرَب لمَّا عرَّبَتْها صارت عربيةً بالاستِعْراب، كما أن العرَب أصلُهم مُستَعرِبون، وإلَّا فلُغَة أبيهم إسماعيلَ ﵇ ليسَتْ عرَبيَّة؛ ومنهم مَن قال: هذه الكلِماتُ التي هي كلِمات أَعجَميَّة إنما جاءت بلِسان العرب من باب تَوارُد اللُّغَتين، ولا مانِعَ أن تَتَوارَد اللُّغَتان على كلِمةٍ واحِدة.
والخِلاف في هذا قريبٌ من اللَّفْظي، وذلك لأنهم مُتَّفِقون على أنه لا يُوجَد في القُرآن لفظٌ أَعجَميٌّ هو أَعجَميٌّ حتى نُزول القرآن أبَدًا.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: بَيان حِكْمة الله في إنزال القُرآن باللِّسان العرَبيِّ؛ لأن الرسول ﷺ بُعِث في قومٍ عرَبٍ، فكانت الحِكْمة أن يَكون لِسانه عرَبيًّا كما هو الشأن في جميع الرُّسُل، قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ [إبراهيم: ٤].
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أن فَهْم المَعنَى مُعينٌ على التَّقوَى؛ لقوله تعالى: ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ وهذا أَمْرٌ واقِع، ففَهْم المَعنَى من أسباب التَّقوى؛ لأنه لو تَكلَّم لك إنسان بما لا تَفهَم مَعناه لم يُؤثِّر فيك شيئًا، إنما يُؤثِّر فيك ما تَفهَم مَعناه؛ ولهذا قال تعالى: ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾.
ونَستَفيد من هذه الجُملةِ: ما استَفَدْنا من الجُملة السابِقة وهي قوله تعالى: ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾.
стр. 213
الآية (٢٩)
* قَالَ اللهُ : ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٢٩].
قوله تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا﴾ لما قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ﴾ [الزمر: ٢٧]، فبيَّن الله هذا المَثَلَ العَظيم، فقال تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ﴾ أي: مُتَنازِعون مُختَلِفون كل واحِدٍ منهم يَقول: أنا صاحِبه، أنا الذي أُريد أن أَستَخْدِمه. وما أَشبَه ذلك، فهُم دائِمًا في نِزاع وفي خُصومة؛ لأن كل واحدٍ منهم يُريد أن يَنفَرِد به عن الآخَر.
والرجُل الثاني: ﴿وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ﴾: ﴿سَلَمًا﴾ أي: سالِمًا لهذا الرجُلِ لا يَشرَكه فيه أحَدٌ.
فإن قال قائِل: بِمَ عرَفْتم أن ﴿سَلَمًا﴾ بمَعنَى: سالِمًا من الشُّرَكاء؟
قُلنا: عرَفْنا ذلك بذِكْر المُقابِل، وهو قوله تعالى: ﴿فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ﴾؛ لأن الكلِمة تُعرَف بالسِّياق وبذِكْر المُقابِل، ومن أَبرَز مِثالٍ على ذلك قوله ﵎: ﴿فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا﴾ [النساء: ٧١].
стр. 214
فلو قال لك قائِل: ما مَعنَى: ثُبَاتٍ؟ لفَهِمْت مَعناها ممَّا بعدَها: ﴿أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا﴾، فيَكون الثَّبات ضِدَّ المُجتَمِعين، أي: فُرادى: فانفِروا فُرادى أو انفِروا جميعًا.
وهذه من قواعِد التَّفسير أن يُعرَف تَفسير الكلِمة بذِكْر ما يُقابِلها.
إِذَنْ: يَجِب أن نَعرِف الفَرْق بين المملوك الذي فيه الشُّرَكاء المُتَشاكِسون والمملوك الذي ليس فيه شُرَكاءُ، ثُمَّ نَقيس عليه المُخلِص لله تعالى الذي يَعبُد الله تعالى وحدَه، والذي يَعبُد مع الله تعالى غيرَه؛ ولهذا قال تعالى: ﴿هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا﴾ [هود: ٢٤]، أي: هل يَستَوي رجُلان: أحدُهما فيه شُرَكاءُ مُتَشاكِسون والآخَر سَلَمٌ لرجُل؟ هل يَستَوِي هذان؟
الجَوابُ: لا، فالاستِفْهام حينئذٍ بمَعنَى النَّفيِ، يَعنِي: لا يَستَوِيان، والاستِفهام يَأتي لمَعانٍ كثيرة كما هو مَعروف في عِلْم البَلاغة، ولكنه إذا أَتَى في مَوضِع النفيِ فإنه يَكون مُشْربًا معنَى التَّحدِّي؛ لأنه لو قيل: لا يَستَوِيان لفَهِمنا انتِفاء استِوائِهما.
لكن إذا قيل ﴿هَلْ يَسْتَوِيَانِ﴾ فهِمنا أَمْرين:
الأمر الأوَّل: انتِفاء الاستِواء.
والأمر الثاني: التَّحدِّي.
ونَقول: هل عِندك شيء يُثبِت أنهما يَستَوِيان، فيَكون تَحويل النَّفيِ إلى استِفْهام أبلَغَ في النفي وبين ﴿هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا﴾؟ الجَواب: لا.
قوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ حَمِد نَفْسه لكَمال صِفاته وكَمال إنعامه، ومن إنعامه أنه يَضرِب الأَمْثال للناس في القُرآن لعلهم يَتَذكَّرون مع أنه غَنيٌّ عنهم؛
стр. 215
ومَن كفَر فإن الله تعالى غَنيٌّ عن العالَمِين كلِّهم، لكن رحمته تَأبَى إلَّا أن يُبيِّن لعِباده ما يَحتاجون إليه في أمور دِينهم ودُنياهم، ولهذا قال بعد هذا البَيانِ التامِّ في المثَل: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾.
وقوله تعالى: ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ وحرف ﴿بَلْ﴾ هنا للإِضْراب الانتِقالي، والإضراب له مَعنَيان:
المَعنَى الأوَّل: إضراب انتِقالي يَعنِي: يَنتَقِل من شيء إلى آخَرَ.
والمَعنَى الثاني: إضراب إِبْطالي، يَعنِي: يُبطِل الأوَّل ويُثبِت الثانيَ.
فإذا قلت: ما قام زَيْدٌ بل عَمرٌو؟ فهذا إضراب إبطال، أي: أَبطَلت الأوَّل وأَثبَتَّ الثانيَ؛ وفي قوله تعالى: ﴿بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ﴾ [النمل: ٦٦]، هذا انتِقال من مَعنًى إلى مَعنًى أشَدَّ منه.
وفي هذه الآيةِ: ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ إضراب انتِقال؛ لأنه لم يَسبِق شيءٌ أَبطَلته.
وقوله تعالى: ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ والمُراد بـ (أَكثَرُهُمْ) هنا: أكثَرُ الناس، كما جاء ذلك في آياتٍ أُخرى: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾؛ وانتِفاء العِلْم هنا لانتِفاء لازِمه: العمَل والامتِثال، فأَكثَرُ الناس في جَهْل، وأَكثَرُ الناس في غَيٍّ؛ في جَهْلٍ لا يَعرِفون الحقَّ، وفي غَيٍّ لا يَقبَلون الحقَّ، ولا يَعمَلون به، وكلُّهم يَصِحُّ أن نَنفيَ عنه العِلْم، أمَّا من كان في جَهْلٍ فنَفْي العِلْم عنه واضِحٌ، وأمَّا مَن كان في غَيٍّ مع العِلْم فنَفيُ العِلْم عنه لأنه لم يَنتَفِع به ولم يَعمَل به.
يَقول المُفَسِّر ﵀: [﴿ضَرَبَ اللَّهُ﴾ للمُشرِك والمُوحِّد مثَلًا]، وتَقييد