← Тафсир

Тафсир · id 151160

تفسير العثيمين: الزمر

ابن عثيمين

Полный текст (515 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

وقوله تعالى: ﴿غَيْرَ ذِي عِوَجٍ﴾ هذا الوَصفُ سَلبي وليس ثُبوتيًّا، واعلَمْ أنه لا يُوجَد في أوصاف القُرآن ما هو سَلْبيٌّ مَحض؛ لأن السَّلبيَّ المَحْض ليس فيه مَدْح، بل كل شيءٍ وُصِف به القرآن على وجه النَّفيِ فإن ذلك لكمال ضِدَّه؛ ولا بُدَّ أن يَتضَمَّن الكَمال أيضًا في قوله تعالى: ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ﴾ [الإخلاص: ٣] لم يَلِد ولم يُولَد؛ لكَمال وحدانِيَّته. فإذا قال تعالى: ﴿غَيْرَ ذِي عِوَجٍ﴾ أي: لكَمال استِقامته، بَلْ قال الله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ [الإسراء: ٩]، ﴿يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ فالقُرآن الكريم يَهدي للتي هي أَقومُ في أمور الدِّين وفي أمور الدُّنيا على وجهٍ ليس في اعوِجاج بوَجهٍ من الوُجوه؛ ولهذا قال تعالى: ﴿غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ أي: لأَجْل أن يَتَّقوا، فبيَّن الله تعالى لنا بهذا القُرآنِ، وجعَله غيرَ ذي عِوَج من أَجْل تَقواه . من فوائد الآية الكريمة: الْفَائِدَة الأُولَى: أن القُرآن عرَبيٌّ؛ أي: نازِلٌ بلُغة العرَب. الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أنه لا يُوجَد في القُرآن لفظٌ أَعجميٌّ؛ لأن الله تعالى وصَف القُرآن كلَّه بأنه عرَبيٌّ، وهذا يَقتَضي أن ليس فيه شيءٌ من لُغة العجَم، ولا شَكَّ أن هذا هو الواقِع، فليس في القُرآن لفظٌ أعجَميٌّ. لكن اختَلَف العُلَماء المُفسِّرون ﵏ وغيرهم: هل في القُرآن كلِمةٌ أَصلُها أَعجَميٌّ ثُم عُرِّبت؟ فمِنهم مَن يَقول: نعَمْ. ومنهم مَن يَقول: لا. فالذين قالوا: نعَمْ. قالوا: هناك كلِمات في القُرآن الكريم لا تَنطَبِق عليها قواعِدُ اللغة العرَبية، ويَعنِي هذا أنها

стр. 212

أَعجَمية، وهذا لا يُنافِي أن يَكون القُرآن عرَبيًّا؛ لأن العرَب لمَّا عرَّبَتْها صارت عربيةً بالاستِعْراب، كما أن العرَب أصلُهم مُستَعرِبون، وإلَّا فلُغَة أبيهم إسماعيلَ ﵇ ليسَتْ عرَبيَّة؛ ومنهم مَن قال: هذه الكلِماتُ التي هي كلِمات أَعجَميَّة إنما جاءت بلِسان العرب من باب تَوارُد اللُّغَتين، ولا مانِعَ أن تَتَوارَد اللُّغَتان على كلِمةٍ واحِدة. والخِلاف في هذا قريبٌ من اللَّفْظي، وذلك لأنهم مُتَّفِقون على أنه لا يُوجَد في القُرآن لفظٌ أَعجَميٌّ هو أَعجَميٌّ حتى نُزول القرآن أبَدًا. الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: بَيان حِكْمة الله في إنزال القُرآن باللِّسان العرَبيِّ؛ لأن الرسول ﷺ بُعِث في قومٍ عرَبٍ، فكانت الحِكْمة أن يَكون لِسانه عرَبيًّا كما هو الشأن في جميع الرُّسُل، قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ [إبراهيم: ٤]. الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أن فَهْم المَعنَى مُعينٌ على التَّقوَى؛ لقوله تعالى: ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ وهذا أَمْرٌ واقِع، ففَهْم المَعنَى من أسباب التَّقوى؛ لأنه لو تَكلَّم لك إنسان بما لا تَفهَم مَعناه لم يُؤثِّر فيك شيئًا، إنما يُؤثِّر فيك ما تَفهَم مَعناه؛ ولهذا قال تعالى: ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾. ونَستَفيد من هذه الجُملةِ: ما استَفَدْنا من الجُملة السابِقة وهي قوله تعالى: ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾.

стр. 213

الآية (٢٩) * قَالَ اللهُ : ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٢٩]. قوله تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا﴾ لما قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ﴾ [الزمر: ٢٧]، فبيَّن الله هذا المَثَلَ العَظيم، فقال تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ﴾ أي: مُتَنازِعون مُختَلِفون كل واحِدٍ منهم يَقول: أنا صاحِبه، أنا الذي أُريد أن أَستَخْدِمه. وما أَشبَه ذلك، فهُم دائِمًا في نِزاع وفي خُصومة؛ لأن كل واحدٍ منهم يُريد أن يَنفَرِد به عن الآخَر. والرجُل الثاني: ﴿وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ﴾: ﴿سَلَمًا﴾ أي: سالِمًا لهذا الرجُلِ لا يَشرَكه فيه أحَدٌ. فإن قال قائِل: بِمَ عرَفْتم أن ﴿سَلَمًا﴾ بمَعنَى: سالِمًا من الشُّرَكاء؟ قُلنا: عرَفْنا ذلك بذِكْر المُقابِل، وهو قوله تعالى: ﴿فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ﴾؛ لأن الكلِمة تُعرَف بالسِّياق وبذِكْر المُقابِل، ومن أَبرَز مِثالٍ على ذلك قوله ﵎: ﴿فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا﴾ [النساء: ٧١].

стр. 214

فلو قال لك قائِل: ما مَعنَى: ثُبَاتٍ؟ لفَهِمْت مَعناها ممَّا بعدَها: ﴿أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا﴾، فيَكون الثَّبات ضِدَّ المُجتَمِعين، أي: فُرادى: فانفِروا فُرادى أو انفِروا جميعًا. وهذه من قواعِد التَّفسير أن يُعرَف تَفسير الكلِمة بذِكْر ما يُقابِلها. إِذَنْ: يَجِب أن نَعرِف الفَرْق بين المملوك الذي فيه الشُّرَكاء المُتَشاكِسون والمملوك الذي ليس فيه شُرَكاءُ، ثُمَّ نَقيس عليه المُخلِص لله تعالى الذي يَعبُد الله تعالى وحدَه، والذي يَعبُد مع الله تعالى غيرَه؛ ولهذا قال تعالى: ﴿هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا﴾ [هود: ٢٤]، أي: هل يَستَوي رجُلان: أحدُهما فيه شُرَكاءُ مُتَشاكِسون والآخَر سَلَمٌ لرجُل؟ هل يَستَوِي هذان؟ الجَوابُ: لا، فالاستِفْهام حينئذٍ بمَعنَى النَّفيِ، يَعنِي: لا يَستَوِيان، والاستِفهام يَأتي لمَعانٍ كثيرة كما هو مَعروف في عِلْم البَلاغة، ولكنه إذا أَتَى في مَوضِع النفيِ فإنه يَكون مُشْربًا معنَى التَّحدِّي؛ لأنه لو قيل: لا يَستَوِيان لفَهِمنا انتِفاء استِوائِهما. لكن إذا قيل ﴿هَلْ يَسْتَوِيَانِ﴾ فهِمنا أَمْرين: الأمر الأوَّل: انتِفاء الاستِواء. والأمر الثاني: التَّحدِّي. ونَقول: هل عِندك شيء يُثبِت أنهما يَستَوِيان، فيَكون تَحويل النَّفيِ إلى استِفْهام أبلَغَ في النفي وبين ﴿هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا﴾؟ الجَواب: لا. قوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ حَمِد نَفْسه لكَمال صِفاته وكَمال إنعامه، ومن إنعامه أنه يَضرِب الأَمْثال للناس في القُرآن لعلهم يَتَذكَّرون مع أنه غَنيٌّ عنهم؛

стр. 215

ومَن كفَر فإن الله تعالى غَنيٌّ عن العالَمِين كلِّهم، لكن رحمته تَأبَى إلَّا أن يُبيِّن لعِباده ما يَحتاجون إليه في أمور دِينهم ودُنياهم، ولهذا قال بعد هذا البَيانِ التامِّ في المثَل: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾. وقوله تعالى: ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ وحرف ﴿بَلْ﴾ هنا للإِضْراب الانتِقالي، والإضراب له مَعنَيان: المَعنَى الأوَّل: إضراب انتِقالي يَعنِي: يَنتَقِل من شيء إلى آخَرَ. والمَعنَى الثاني: إضراب إِبْطالي، يَعنِي: يُبطِل الأوَّل ويُثبِت الثانيَ. فإذا قلت: ما قام زَيْدٌ بل عَمرٌو؟ فهذا إضراب إبطال، أي: أَبطَلت الأوَّل وأَثبَتَّ الثانيَ؛ وفي قوله تعالى: ﴿بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ﴾ [النمل: ٦٦]، هذا انتِقال من مَعنًى إلى مَعنًى أشَدَّ منه. وفي هذه الآيةِ: ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ إضراب انتِقال؛ لأنه لم يَسبِق شيءٌ أَبطَلته. وقوله تعالى: ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ والمُراد بـ (أَكثَرُهُمْ) هنا: أكثَرُ الناس، كما جاء ذلك في آياتٍ أُخرى: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾؛ وانتِفاء العِلْم هنا لانتِفاء لازِمه: العمَل والامتِثال، فأَكثَرُ الناس في جَهْل، وأَكثَرُ الناس في غَيٍّ؛ في جَهْلٍ لا يَعرِفون الحقَّ، وفي غَيٍّ لا يَقبَلون الحقَّ، ولا يَعمَلون به، وكلُّهم يَصِحُّ أن نَنفيَ عنه العِلْم، أمَّا من كان في جَهْلٍ فنَفْي العِلْم عنه واضِحٌ، وأمَّا مَن كان في غَيٍّ مع العِلْم فنَفيُ العِلْم عنه لأنه لم يَنتَفِع به ولم يَعمَل به. يَقول المُفَسِّر ﵀: [﴿ضَرَبَ اللَّهُ﴾ للمُشرِك والمُوحِّد مثَلًا]، وتَقييد

стр. 216

المُفَسِّر ﵀ بالمُشرِك والمُوحِّد واضِح؛ لأن المثَل المَضروب وهو العَبْد المملوك بين شُرَكاءَ والعَبْد الخالِص يَنطَبِق تمامًا على المُشرِك والمُوحِّد. وقوله تعالى: [﴿رَجُلًا﴾ بدَل من ﴿مَثَلًا﴾]، والبدَل يَقول فيه ابنُ مالِكٍ ﵀: التَّابِعُ المَقْصُودُ بِالحُكْمِ بِلَا ... وَاسِطَةٍ ....................... (١) فقوله: (التَّابِعُ المَقْصُودُ بِالْحُكْمِ) خرَج به بقيَّة التَّوابِع؛ وقوله: (بِلَا وَاسِطَةٍ) خرَج به المَعطوف بـ (بَلْ)، فإن المعطوف بـ (بَلْ) إذا كان للإِضْراب الإبطاليِّ فإنه يَكون هو المَقصودَ بالحُكْم، لكنه بواسِطة فلا يُسمَّى: بدَلًا، فهنا قال تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا﴾، فلو حذَف (مثَلًا)، وقال: ضرَب الله رجُلًا. يَصِحُّ الكلام؛ لأن المَقصود هو كلِمة رجُل، وأنت لو قُلت: رأيت مُحمدًا علِيًّا. عليًّا بدَل؛ لأن المَقصود هو عليٌّ إذا خاطَبني مُخاطِب وقال: رأَيْت عليًّا مُحمَّدًا عرَفْت أنه أَراد محمَّدًا ولم يُرِد عليًّا؛ لأن محمدًا بدَل من عليِّ. والبدَل هو المَقصود بالحُكْم، لكن قد يَكون سببُه الغلَطَ، وقد يَكون سببُه النِّسيان، أو غير ذلك من الأسباب. المُهِمُّ: أن البَدَل هو ما حدَّهُ ابنُ مالِكٍ ﵀ بقوله: التَّابِعُ المَقْصُودُ بِالحُكْمِ بِلَا ... وَاسِطَةٍ هُوَ المُسَمَّى بَدَلَا يَقول المُفَسِّر ﵀: [﴿فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ﴾ مُتَنازِعون سَيِّئةٌ أَخلاقُهم] أُخِذ سُوءُ الخُلُق من قوله تعالى: ﴿مُتَشَاكِسُونَ﴾؛ لأن المُشاكَسة تُنبِئ عن سُوء الخُلُق إذ إن حُسْن الخُلُق يَتَنازَل عن حقِّه، ولو كان في ذلك أَذِيَّة له أو ضرَر عليه؛ لأن حُسْن

стр. 217

أخلاقه تَتَغلَّب على أَخْذه بحَقِّه. وهكذا يَنبَغي للإنسان أن يَكون حسَن الأخلاق وأن يَتَغاضى عن بعض حَقِّه، ولو كان في ذلك أذيَّةٌ لنَفْسه، وأنه إن قالت له نَفْسه: إن تَواضُعَك وعَفوَك عن حقِّك ذُلٌّ لك. لِيَعلَمْ أن هذا من وَساوِس الشَّيْطان؛ لأن النبيَّ ﷺ قال: "مَا زَادَ اللهُ عَبْدًا بِعَفْوٍ إِلَّا عِزًّا، وَمَنْ تَوَاضَعَ للهِ رَفَعَهُ اللهُ" (١)، فلا تَغلِبك نَفْسك وتَأخُذك العِزَّة بالإِثْم فتَقول: لا يُمكِن أن أَسكُت عن هذا الرجُلِ - وأنا مَن أنا! - حتى يَعتَدِيَ عليَّ أنا فلانُ ابنُ فلان. فلْيَعلَم أن هذا من الشَّيْطان، ويَتذَكَّر قوله تعالى: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [الشورى: ٤٠]، وقوله تعالى ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (٣٤) وَمَا يُلَقَّاهَا﴾ أي: ما يُوفَّق لها ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ [فصلت: ٣٤ - ٣٥]. وقول المُفَسِّر ﵀: [(ورَجُلًا سالِمًا لرجُل)] قوله: (سالِمًا) هي قِراءة، والمُفسِّر ﵀ فسَّر عليها، والسالِم يَعنِي: الخالِص كما فسَّرَها خالِصًا لرجُل ﴿هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا﴾ يَقول: (مثَلًا) تَمييز. والتَّمييز هو من مَيَّز إذا بَيَّن، وقد حدَّه ابنُ مالِكٍ ﵀ في الألفية فقال: اسْمٌ بِمَعْنَى (مِنْ) مُبِينٌ نَكِرَهْ ... يُنْصَبُ تَمْيِيزًا بِمَا قَدْ فَسَّرَهْ (٢) ومِثاله: قولهم: تَصبَّب زيدٌ عرَقًا. فعرَقًا هذه تَمييز، بتَطبيقها على التَّعريف نَجِد أنها اسمٌ بمَعنى (مِن)؛ لأنك تَقول: تَصبَّب من العرَق. و (مُبينٌ) أي: مُفسِّر لكلِمة

стр. 218

(تَصبَّب)؛ لأن (تَصبَّب) لا نَدرِي تَصبَّب دمًا أم تَصبَّب ماءً، أم تَصبَّب عرَقًا، فبيَّن المُتصَبِّب وهو نَكِرة. قال المُفَسِّر ﵀: [ومَعنَى الآية أنه لا يَستَوِي العبد لجَماعةٍ والعَبْد لواحِد، فإن الأوَّل إذا طلَب منه كُلٌّ من مالِكيه خِدْمته في وقتٍ واحِد تَحيَّر فيمَن يَخدُمه منهم]؛ فقوله ﵀: [لا يَستَوي] بيَّنَ ﵀ أن الاستِفْهام في قوله تعالى: ﴿هَلْ يَسْتَوِيَانِ﴾ للنَّفيِ حيث فسَّره بنَفيٍ أيضًا. وقوله ﵀: [لا يَستَوِي العَبْد لجَماعة والعَبْد لواحِد] صحيح، لأنه لا يَستَوِي العَبْد لواحِد يَتصَرَّف فيه متى شاء، فمتى شاء قال: اخدُمْني. ومتى شاء قال: استَرِحْ. ومتى شاء باعَهُ، ومتى شاء أَجَّره، لا يَستَوِي العبد لجماعة مُتَشاكِسين أخلاقُهم سَيِّئة، تَنازُعُهم دائِمٌ، فلو قال أحَدهم: تعالِ اخْدُمْني. وقال الثاني: اخدُمْني أنا. وقال الثالِث: اخدُمْني أنا. وقال الرابعُ: اخدُمْني أنا!! صار أحَدُهم أخَذ باليَد اليُمنى والثاني باليَد اليُسرى والثالِث بالرِّجْل اليُمنى والرابِع بالرِّجْل اليُسرى، ثُم مزَّعوا العبد؛ لأن كلَّ واحِد يُريد أن يَكون عنده هو الذي يَخدُمه. كذلك أيضًا في البيع لو أَراد أحدُهم: قال أنا أُريد بَيعَه. وقال الثاني: لا أُريدُه. والثالِثُ قال: أنا أُريد تَأجيرَه. والرابِعُ قال: أُريد إعارَتَه؛ فدائِمًا في نِزاع وشِقاق، فالعَبْد نَفسُه في قلَق وفي حَيْرة وفي بلاء، والشرَكاء أيضًا كذلك مُتَشاكِسون دائِمًا، لا يُمكِن أن يَستَوِيَ هذا مع رجُل، وهذا لا شَكَّ أنه مثَل تَقريبي، وإلَّا فالفَرْق عظيم بين عِبادة الله وعِبادة غيرِه معَه، فالله تعالى أَعظَمُ، ولكنه يُقرِّب هذا للعِباد كما قرَّب المَعاد بالماء يَنزِل من السَّماء ثُم تَنبُت به الأرض، إذ يَبقَى نبات الأرض بعد نُزول المطَر مُدَّة حسَب الأرض وحسَب كَثْرة المطَر وحسَب الجَوِّ المُناسِب وحسَب

стр. 219

الفَصْل، لكن يَبقَى البَعْث؛ قال تعالى: ﴿فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ (١٣) فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ﴾ [النازعات: ١٣، ١٤]. فالأَمثال قد لا تَكون مُطابِقة تَمامًا، فقد يَكون مَورِد المثَل أَسرَعَ من المثَل لكن يُذكَر على سَبيل التَّقريب، ولا شَكَّ أن عِبادة الله وحدَه وعِبادة غيره معه بينهما فرقٌ أعظَمُ من الفَرْق بين الرجُل السالِم للرَّجُل والرجُل المُشتَرَك بين شُركاءَ مُتَشاكِسين. يَقول المُفَسِّر ﵀: [هذا مثَل للمُشرِك والثاني مثَل للمُوحِّد] والمُراد بالثاني (رجُلًا سالِمًا لرجُل) هذا للمُوحِّد والأوَّل للمُشرِك؛ والمَقصود من ضَرْب هذا المثَلِ هنا: التَّحذير من الشِّرْك بالله . ثُم اعلَمْ أن الشُّرَكاء في العَبْد مُتَشاكِسون، لكن مع الله يَقول الله تعالى في الحَديث القُدسيِّ: "أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ" (١)؛ لأن الشُّرَكاء المُتَشاكِسين لا يُمكِن أن يَتَنازَل أحَدُهم عن نَصيبه، لكن الشِّرْك بالله تعالى يَدَع اللهُ تعالى المُشرِكَ وشِرْكَه: "مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ". ولهذا قال: [﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ وحدَهُ]، وإذا كان الحَمْد له وحدَه وجَبَ أن تَكون العِبادة له وحدَهُ؛ لأنه أَهْل الحَمْد وأهل العِبادة ، فهو وحدَه المُستَحِقُّ لأن يُعبَد. قال المُفَسِّر ﵀: [﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ﴾ أي: أهل مَكَّةَ ﴿لَا يَعْلَمُونَ﴾ ما يَصيرون

стр. 220

إليه من العَذاب فيُشرِكون]؛ فقوله تعالى: [﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ﴾ أي: أهل مَكَّةَ] هذه عادة المُفَسِّر ﵀ حيثُ نَجِده دائِمًا ولا سيَّما في الآيات والسُّور المَكِّيَّة يَجعَل مِثل هذا الخِطاب مُنصَبًّا على أهل مَكَّةَ، ولكن الذي يَنبَغي فِعْله أن نَجعَل دَلالة القرآن عامَّةً دائِمًا إلَّا عند الضرورة؛ لأن القُرآن نزَل لجَميع الخَلْق إلى يوم القيامة، فتَخصيصه بأهل مكَّةَ يَعنِي أنه لا يَتناوَل غيرَهم إلَّا بالقِياس، لكن إذا أَخَذْنا بدَلالة اللَّفْظ العامة شمِل أهل مكَّةَ وغيرَهم بالنَّصِّ، وهناك فَرْق بين شُمول الحُكْم بالنَّصِّ وشُموله بالقِياس. فالصحيحُ: أن الضمير في ﴿أَكْثَرُهُمْ﴾ يَعود على أكثَر الخَلْق، وأنهم لا يَعلَمون؛ ولهذا ثبَت في الحديث الصحيح: أن الله تعالى يَقول: "يَا آدَمُ. فَيَقُولُ: لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ. فَيَقُولُ: أَخْرِجْ مِنْ ذُرِّيَّتِكَ بَعْثًا إِلَى النَّارِ أَوْ بَعْثَ النَّارِ. فَيَقُولُ: يَا رَبِّ، وَمَا بَعْثُ النَّارِ؟ قَالَ: مِنْ كُلِّ أَلْفٍ تِسْعُ مِئَةٍ وَتِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ" (١)، وهؤلاءِ همُ الأَكثَرُ، فأكثَرُ الخَلْق لا يَعلَمون إمَّا لجَهْلهم أو لغَيِّهم، فإن كانوا لجَهْلهم فكما قلت قبلُ: فهُم قد انتَفَى عنهم العِلْم، وإن كان لِغَيِّهم فإن العِلْم انتَفَى عنهم؛ لانتِفاء فائِدته حيث لم يَستَرْشِدوا به. من فوائد الآية الكريمة: الْفَائِدَة الأُولَى: أن هذه الآيةَ تَطبيقٌ؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ﴾ فإن هذا مثَل.

стр. 221

الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أن مثَل مَن يَعبُد مع الله تعالى غيره كمثَل عبْدٍ فيه شُرَكاءُ مُتَشاكِسون مُتَنازِعون مُتَخاصِمون؛ وجهُ ذلك: أن هذا العابِدَ مع الله تعالى غيرَه لم يَكُن قَلْبه خالِصًا لله تعالى فتَنازَعه الشُّرَكاء من يَمينٍ وشِمال حتى ضاع بينهم. الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: أن الله تعالى يَأتِي بالخبَر أو غيره؛ ثُمَّ يُقرِّر ذلك للمُخاطَب بأحسَن وَجْه، وذلك في قوله تعالى: ﴿هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا﴾، فإن هذا الاستِفْهام الذي يُراد به النَّفيُ: الغرَض منه تقرير ما ذُكِر وإلزامُ المُخاطَب به. الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أن الله تعالى مُستَحِقٌّ للحَمْد؛ لكَمال تَوحيده؛ لقوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾. الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: أن الحَمْد المُطلَق إنما يَكون لله ، أمَّا غيره فهو وإن حُمِد فليس حَمْده على الإطلاق، بل يُحمَد على شيء مُعيَّن وجُزء مُعيَّن ممَّا يُحمَد عليه، أمَّا الحَمْد على الإطلاق فهو لله ربِّ العالَمين ، فهو المَحمود على كل حال، وكان النبيُّ ﵊ إذا أَتاه ما يُسَرُّ به قال: "الحَمْدُ للهِ الَّذِي بنِعْمَتِهِ تَتِمُّ الصَّالِحَاتُ"، وإذا أَتاه ما يَسوؤُه قال: "الحَمْدُ للهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ" (١). الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: أن أكثر بني آدَمَ لا يَعلَمون الحقائِق على ما هي عليه، وإن علِموها لم يَنتَفِعوا بها؛ لقوله تعالى: ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾.

стр. 222

الآيتان (٣٠، ٣١) * قَالَ اللهُ : ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ (٣٠) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾ [الزمر: ٣٠، ٣١]. قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ﴾ الخِطاب لرسول الله ﷺ ، و ﴿مَيِّتٌ﴾ وَصْفٌ له في المُستَقبَل، ﴿وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ كذلك وأَكَّد الموتَ مع العِلْم به يَقينًا من أَجْل أن عمَل هؤلاء الذين كذَّبوا النبيَّ ﷺ عمَلُ مَن لم يُوقِن بالموت؛ لأن مَن أَيقَن بالموت حقيقةً فلا بُدَّ أن يَعمَل له، لكنهم هُمْ لا يَعمَلون له فكان عدَم عمَلهم له كالمُنكِر أو بمَنزِلة المُنكِر؛ فلهذا أُكِّد. وقوله تعالى: ﴿مَيِّتٌ﴾ بتَشديد الياء يُقال لمَن سيَموت وهو حَيٌّ، وأمَّا (مَيْت) فيُقال لمَن وقَع به الموت، أي: بعد فِراق حَياته يُقال: مَيْت، وربما يُقال: مَيِّت، لكن الأكثر مَيْت، فعلى هذا يُفرَّق بين أن يُوصَف الحيُّ بالموت فيُقال فيه: مَيِّت. وبين أن يُوصَف المَيْت بالموت فيُقال: مَيْت. ثم قال تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾. قوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ﴾ الخِطاب للنَّبيِّ ﵊ ومَن عانَده وكفَر به. وقوله تعالى: ﴿عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾ عند ربِّكم الذي خلَقَكم أوَّلَ مرَّة وأَعادَكم ثانيَ مرَّة.

стр. 223

وقوله تعالى: ﴿تَخْتَصِمُونَ﴾ عِنده أيُّكم على الحقِّ، ونحن نَعلَم الآنَ نَتيجةَ هذه الخُصومةِ مَن سيَغلِب؟ الجَوابُ: المُؤمِنون لا شَكَّ؛ قال الله ﵎: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ [النساء: ١٤١]؛ فالكافِر لا سبيلَ له على المُؤمِن، فالنتيجةُ - والحمد لله تعالى - مَعلومة أن المُؤمِنين همُ الغالِبون يوم القِيامة وهُمُ الخاصِمون لأَعدائِهم. فقوله تعالى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ قال المُفَسِّر ﵀: [﴿إِنَّكَ﴾ الخِطاب للنَّبيِّ ﷺ ]. وقوله تعالى: [﴿مَيِّتٌ﴾ أي: [ستَموت]، وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ قال المُفَسِّر ﵀: [ستَموت ويَموتون]، وكما يَقول العامَّة عِندنا: الوَعْد قُدَّام. قُدَّام يَعنِي: يوم القِيامة؛ لأن الله تعالى يوم القيامة يَفصِل بين العِباد سَوْف يَتَنازَع الناس في أعمالهم ودِياناتهم ويَتَنازَعون في حُقوقهم الخاصَّة، فيَفصِل الله تعالى بينهم يوم القِيامة؛ يَقول ﵀: [فلا شَماتةَ بالمَوْت] يَعنِي: أنك إذا مِتَّ فلا شَماتةَ عليك؛ لأنهم سيَموتون مِثْلك. ثُمَّ قال ﵀: [نزَلَت لمَّا استَبْطَؤوا مَوْته ﷺ ] يَعنِي: أن سبَب نُزولها أن قُرَيْشًا استَبْطؤوا موت النبيِّ ﷺ ، فنَزَلت هذه الآيةُ تُخبِره أنه سيَموت، وإذا مات فهم أيضًا سيَموتون ويَختَصمون يوم القِيامة. ولكن هذه الدَّعوى تَحتاج إلى دَليل؛ لأننا إن نظَرْنا في سبَب النُّزول لا نَجِد هذا، فإذا كان كذلك فلا يَنبَغي أن نَتخَيَّل سببًا للنُّزول في مَعنَى آية من كِتاب الله تعالى؛ لأنَ سبَب النُّزول خبَر مَحضٌ، والخبَر المَحضُ لا دَخلَ للعَقْل فيه، ولكننا

стр. 224

نَقول: ذكَرَ الله تعالى هذه الجُملةَ إشارةً إلى أنه لن يَضيع عمَلُك ولا عمَلُهم، فلن يَضيع عمَلُك بدَعْوتك إلى التوحيد، ولن يَضيع عمَلهم بالإِشْراك، فإن لكم مَوْعِدًا ستَجتَمِعون فيه وتَختَصِمون فيه عند الله ، فيَكون في هذا تَسلية للرسول ﷺ ، وفيه تَحذيرٌ للمُشرِكين. فهو من وَجهٍ: تسلية وتَطمينٌ للرسول ﵊، وهو من وجهٍ آخَرَ: تَحذيرٌ للمُشرِكين بأنهم سيَموتون وسيَكون أيضًا مَوتُهم عن قُرْب، وسيَكون مُؤكَّدًا لا إشكالَ فيه. وقال المُفَسِّر ﵀: [﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ﴾ أيُّها الناس فيما بينكم من المَظالِم] وهذا عجَبٌ من المُفَسِّر ﵀ حيث صرَف الخِطاب ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ (٣٠) ثُمَّ إِنَّكُمْ﴾ إلى عُموم الناس، فقال ﵀: [أيُّها الناسُ] والسِّياق يَأبَى هذا التَّفسيرَ، بل الخِطاب للنبيِّ ﷺ ومَن كفَر به؛ هذا هو المُتعَيِّن. وقوله تعالى: ﴿تَخْتَصِمُونَ﴾ أي: في المَظالِم التي بينكم من الحقِّ والباطِل، فأنت تَدعو إلى التَّوْحيد وهم يُنكِرون ذلك، ولكم مَوعدٌ تَختَصِمون فيه. وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ﴾ أيِ: الرسول ﷺ ومَن كذَّبه ﴿يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾. وفي قوله تعالى: ﴿عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾ إشارة إلى أن هذا الاختِصامَ من مُقتَضى رُبوبيته ؛ لأنه حكَمٌ عَدْل، ومِن عَدْله: أنه يَفصِل بين المُتَنازِعين فيه يوم القيامة كما يَفصِل بين المُتَنازِعين في الحُقوق الخاصة.

стр. 225

من فوائد الآيتين الكريمتين: الْفَائِدَة الأُولَى: أن نبيَّنا ﷺ لن يُخلَّد أبَدَ الآبِدين، بل هو مَيِّت، كما أن خُصومه أموات، وهذا كقَوْله ﵎: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ﴾ [الأنبياء: ٣٤]. الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: تَسلية النَّبيِّ ﷺ ؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ (٣٠) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾. الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: إنذار هؤلاء المُكذِّبين بأنَّ لهم مَوعِدًا مع الرسول ﷺ وهو الاختِصام يوم القيامة. الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أن أهل الشِّرْك والكُفْر خُصومٌ لأهل التَّوْحيد والإيمان في الآخِرة، كما أنهم خُصومٌ في الدنيا، ففي الدنيا لا شَكَّ في خُصومتهم وعَداوة بعضِهم لبعض، وفي الآخِرة أشَدُّ وأعظَمُ. الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: أن الخَلْق يَختَصِمون عند الله يوم القِيامة، ومن المَعلوم أن الخاصِم إذا كانت الخُصومة بين المُؤمِن والكافِر، فالمُنتَصِر هو المُؤمِن، قال الله تعالى: ﴿فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ [النساء: ١٤١]. الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: إثبات البَعْث والحِساب؛ لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾.

стр. 226

الآية (٣٢) * قَالَ اللهُ : ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ﴾ [الزمر: ٣٢]. قوله تعالى: ﴿فَمَنْ﴾: (مَنْ) هذه استِفْهامية، وقوله تعالى: ﴿إِذْ جَاءَهُ﴾: (إِذْ) ظَرْفٌ بمَعنى: حين؛ والاستِفهام في قوله: ﴿أَلَيْسَ﴾ للتَّقرير. يَقول الله تعالى: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ﴾ هذا الاستِفْهام هنا بمَعنَى النفيِ، أي: لا أحَدَ أَظلَمُ ممَّن كذَب على الله تعالى. يَقول المُفَسِّر ﵀: [﴿فَمَنْ﴾ أي لا أَحَدَ] وتَحويل المُفَسِّر ﵀ الاستِفهامَ إلى نفيٍ يُفيد أن مَعنَى الاستِفْهام النفيُ، والمَعنَى: لا أحَدَ أَظلَمُ فلا أحَدَ ممَّن كذَب على الله تعالى، أي: قال عليه الكذِب. قال المُفَسِّر ﵀: [بنِسْبة الشَريك والولَد إليه] وهذا على سَبيل التَّمثيل لا الحَصْر، فمَن قال: إن لله ولَدًا فقَد كذَب على الله تعالى، ومَن قال: إن لله تعالى شَريكًا. فقد كذَب على الله تعالى؛ لأن الله تعالى لا يُوصَف بهذه الصِّفاتِ التي وصَفوه بها، ومَن فعَل ذلك فقد كذَب على الله تعالى، ومَن قال: إن الله مُماثِلٌ لخَلْقه. فقد كذَب على الله تعالى، ومَن قال: إن الله حَرَّم السائِبة والوَصيلة والحامِ. فقد كذَب على الله تعالى.

стр. 227

المُهِمُّ: أن ذِكْر المُفَسِّر ﵀ لهذين الأَمْرين فقَطِ المرادُ به التَّمثيلُ لا الحصرُ، فالكذِب على الله تعالى كثير، وبعضُها أشَدُّ من بعض. وقوله تعالى: ﴿كَذَبَ عَلَى اللَّهِ﴾ أيِ: افتَرى عليه الكذِب، إمَّا بنِسْبة الشريك إليه، أو بأنه حرَّم شيئًا ولم يُحرِّمه، أو أحَلَّ شيئًا ولم يُحِلَّه، أو أَوجَب شيئًا ولم يُوجِبه، أو عطَّل صِفةً من صِفاته أو أَثبَت له ما لم يَصِفْ به نَفْسه، أو غير ذلك ممَّا يَكون فيه الكذِب على الله تعالى، فلا أحَدَ أَظلَمُ ممَّن كذَب على الله تعالى، والكذِب على الله تعالى ليس كالكذِب على البَشَر، والكذِب على الرسول ﷺ ليس كالكذِب على غيره من البشَر، قال النبيُّ ﷺ : "إِنَّ كذِبًا عَلَيَّ لَيْسَ كَكَذِبٍ عَلَى أَحَدٍ مَنْ كذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ" (١). قال ﵀: [﴿وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ﴾ بالقُرآن ﴿إِذْ جَاءَهُ﴾]، ولا شَكَّ أن القرآن صِدْق، بل إنه صِدْقٌ وعَدْل كما قال : ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا﴾ [الأنعام: ١١٥]، فهو باعتِبار الأخبار صِدْق، وباعتِبار الأحكام عَدْل، لكن المَسأَلة أعَمُّ ممَّا قال المُفَسِّر ﵀؛ فقوله تعالى: ﴿بِالصِّدْقِ﴾ أي: بما كان صادِقًا سواءٌ في القرآن أو في السُّنَّة، فإنه داخِلٌ في قوله تعالى: ﴿وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جَاءَهُ﴾ فجَمَع بين الأَمْرين (كذَّب بالصِّدْق) أي: نسَب الصِّدقَ إلى الكَذِب فقال: هذا كذِبٌ. ومن ذلك: تَكذيب قُريشٍ للرسول ﷺ حيث قالوا: إنه ساحِرٌ كذَّاب.

стр. 228

وقوله تعالى: ﴿إِذْ جَاءَهُ﴾ يَعنِي: إذ أَتاه، وليس شيئًا مَنقولًا له، بل هو قد أَتاه مُباشَرةً وأُخبِر به على لِسان الصادِق، فيُكذِّب به، فلو أن أحَدًا حدَّثَنا عن شيخه، وشيخُه عن شيخِه، وشيخُه عن شيخِه، حتى وصَل إلى الرسول ﷺ فهل يُمكِن أن نُكذِّب هذا إذا كان في أحَد الرواة من هو مُتَّهَم بالكذِب؟ الجَوابُ: نعَمْ يُمكِن، لكن إذا جاءَنا الخبَر من الرسول مُباشَرة فإن تَكذيبه كُفْر؛ ولهذا لو أن أحَدًا من الناس كذَّب حديثًا في أحدِ كُتُب الحديث وقُلْنا له: لمَ كذَّبْت؟ هل عندك شَكٌّ في أن الرسول ﷺ قاله؟ قال: لا شَكَّ عِندي أنه قاله، لكنه كذِب؛ فنَقول: هذا كافِرٌ؛ لأن الصِّدْق جاء بإِقْراره على نَفْسه، أمَّا لو قال: هذا كذِب لأن أحَدَ الرُّواة كاذِب أو كذَّاب فأنا أُنكِره لهذا. فلا يَكفُر؛ بل قد يَكون هذا هو الواجِبَ عليه إذا كان هذا مُؤدَّى اجتِهاده، ففائِدة قوله تعالى: ﴿إِذْ جَاءَهُ﴾ أنه لا واسِطةَ بينَه وبين مَن جاء بالصِّدْق حتى يُقال: لعلَّ له عُذرًا وأنت تَلوم؛ فليس هناك واسِطة. ثُمَّ قال الله تعالى: ﴿أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ﴾ هذا الاستِفهامُ للتَّقرير، والغالِب: أن هَمزة الاستِفهام إذا دخَلت على ما يُفيد النفيَ الغالِبُ أن تَكون للتَّقرير، وجوابُها يَكون بالإثبات بلَفْظة (بلَى) مِثْل قوله : ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ [الشرح: ١]، فالاستِفْهام هنا للتَّقرير، ومَعناه: قد شرَحْنا لك صَدْرك، ومثله قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ﴾ [التغابن: ٥]، والمَعنَى: قد أَتاكُم، وأَمثِلة ذلك في القُرآن كثيرةٌ. وكلِمة الكافِرين في قوله تعالى: ﴿أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ﴾ إظهار في مَقام الإِضْمار، وكان مُقتَضى السِّياق أن يَقول: ألَيْسَ في جَهنَّمَ مَثوًى له، والإظهار

стр. 229

في مَقام الإِضْمار له فَوائِدُ ذكَرْناها سابِقًا منها: ١ - العُموم، وهذا يَعنِي: أن مَثوًى له ولغَيْره من الكافِرين. ٢ - تَسجيل الوَصْف على هَؤلاء بأنهم كُفَّار، يَعنِي: إثبات أن هؤلاءِ كفَّار. ٣ - إفادة التَّعليل؛ لأنه لو قال: أَليْس في جَهنَّمَ مَثوًى له. لم نَستَفِد ما هي العِلَّةُ في أن مَثواه جهنَّمَ، لكن إذا قال تعالى: ﴿أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ﴾ عرَفْنا أن العِلَّة كُفْرهم؛ ففيه بَيان العِلَّة. فصار الإظهار في مَوضِع الإضمار له ثلاث فوائِدَ هنا. وكلِمة: ﴿جَهَنَّمَ﴾ قيل: إنها من الأسماء المُعرَّبة، وأَصلُها في اللغة الفارِسية (كَهنام). وقيل: إنها اسْمٌ عرَبيٌّ، وأنها مَأخوذة من الجهمة، يَعنِي: الظُّلْمة والنار؛ لبُعْد قَعْرها - أَعاذَني الله تعالى وإيَّاكم منها -، سَوداءُ مُظلِمة، فالله تعالى أعلَمُ، سواءٌ هذا أو هذا. المُهِمُّ: أنها تُستَعمَل في لغة العرَب للنار العَظيمة المُسوَدَّة. قال المُفَسِّر ﵀: [﴿أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ﴾: بَلى] وهذا هو جوابُ ﴿أَلَيْسَ﴾ وأَشباهِها، وحاصِلُه: أنه إذا دخَلَت همزة الاستِفْهام على ما يُفيد النفيَ فجوابُ التَّقرير (بلَى)، ولو قُلْت: (نَعَمْ) لكان نَفيًا، فإذا قلت: ألَمْ يَقُمْ زَيدٌ؟ فقال المُخاطَب: (نعَمْ)؛ يَعنِي: لم يَقُم، وإذا قُلت: أَلَمْ يَقُم زَيدٌ؟ فقال المُخاطَب: (بلى) أي: قد قامَ؛ ولهذا يُروَى عن ابن عباس ﵄ في قوله تعالى: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ [الأعراف: ١٧٢]، قال: "لو قالوا: (نعَمْ) لكَفَروا"؛ لأنهم إذا قالوا: (نعَمْ) يَعنِي: لسْتَ ربَّنا، هذا هو المَشهور في اللُّغة العربية، لكن ربما يَأتي الجوابُ بـ (نَعَمْ)

стр. 230

مُرادًا به الإثباتُ، ومنه قول الشاعِر: أَلَيْسَ اللَّيْلُ يَجْمَعُ أُمَّ عَمْرٍو ... وَإِيَّانَا فَذَاكَ لنَا تَدَانِي نَعَمْ وَتَرَى الهلَالَ كَمَا أَرَاهُ ... وَيَعْلُوهَا النَّهَارُ كَمَا عَلَانِي (١) لو قال قائِل: لعَلَّ هذه ضرورةٌ؟ قُلنا: لا، لأنه لو أَتَى بـ (بلى) بدَلَ (نعَمِ) استَقام البيتُ، فإن الشاعِر لو قال: بلَى وَترَى الهِلال كما أَراه. استَقام البيتُ. وعلى كل حال: المُفَسِّر ﵀ أَجاب بـ (بَلى) أي: لإِثْبات ما ذكَر أن في جَهَنَّم مَثوًى للكافِرين. من فوائد الآية الكريمة: الْفَائِدَة الأُولَى: أنه لا أحَدَ أَظلَمُ ممَّن كذَب على الله تعالى وكذَّب بالصِّدْق؛ لجَمْعه بين سَيَّئَتَيْن: السَّيِّئة الأُولى: الكذِب على الغير. والسَّيِّئة الثانية: تَكذيب الغَيرِ الصادِق. فإنِ انفَرَد أحدُهما فهل يَستَحِقُّ هذا الوَصفَ أن يَكون أَظلَمَ الناس لو كذَب على الله تعالى وصدَّق بالصِّدْق؟ هل يَستَحِقُّ هذا الوَصْفَ؟ الجَوابُ: لا، لأن الوَصْف أو الحُكْم المُرتَّب على مَجموع صِفات لا يَثبُت إلَّا بثُبوتها، ولكن مع ذلك إذا تَفرَّقتِ الأَوْصاف فله نصيبٌ من هذا الوَصفِ،

стр. 231

فقوله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (٤) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ (٥) الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ (٦) وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾ [الماعون: ٤ - ٧]، فمَن تَحقَّق فيه أحَدُ هذه الأَوْصافِ له نَصيبٌ من الوَيْل، لكِنَّ الويلَ كلَّه لا يَكون إلَّا باجتِماع الأَوْصاف. ومن ذلك قوله تعالى: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (٤٢) قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (٤٣) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ (٤٤) وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ (٤٥) وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾ [المدثر: ٤٢ - ٤٦]، فهذه أربعة أَوْصاف هي سبَب دُخولهم النارَ، وإذا انفَرَد واحِدٌ منها لم يَكُن دُخولُهم النارَ مُستَحَقًّا، لكن له نَصيبٌ من هذا الوَعيدِ. وهنا في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ﴾ وَصْفان هُما: كذَب على الله تعالى، وكذَّب بالصِّدْق؛ فلوِ افتَرَى بدون أن يُكذِّب بالصِّدْق لم يَنطَبِق عليه وَصْف الأَظلَميَّة، لكنه ظالِم، ولو كذَّب بالصِّدْق ولم يَكذِب على الله تعالى كذلك. فإن قال قائِل: هذه الآيةُ تَدُلُّ على أن مَنِ اتَّصَف بهذَيْن الوَصْفين هو أَظلَمُ الناس. فكيف نَجمَع بينها وبين نُصوصٍ أُخرى تَدُلُّ على مثل هذه الدَّلالةِ، مثل: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا﴾ [البقرة: ١١٤]، وفي الحديث: "وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذَهَبَ يَخْلُقُ كَخَلْقِي" (١)، ونُصوص مُتعَدِّدة؟ فالجَوابُ أن نَقول: إن هذه كلَّها تَشتَرِك في وَصْف الأَظْلمية، ولا مانِعَ من أن تَشتَرِك فتَقول مثَلًا: فُلان أصدَقُ الناس. والثاني أيضًا: فُلان أصدَقُ الناس.

стр. 232

والثالِث: فُلان أَصدَقُ الناس؛ يَعنِي: اشتَرَكوا في هذه المَرتَبةِ العالية التي أَعلى كل شيء؛ لأن اسمَ التَّفضيل يَدُلُّ على الكَمال في هذه الصِّفةِ. أو نَقول: إن الأَظْلمية باعتِبار جِنْس هذا الذَّنبِ. فمثَلًا: مِن أشَدِّ الناس ظُلمًا في الكَذِب على الغير: مَن كذَب على الله تعالى، ومن أشَدِّ الناس ظُلمًا في تكذيب الغَيْر: مَن كذَّب بالصِّدْق، وهذا الوجهُ أَقرَبُ، وذلك لأن الاشتِراك في الأَظلمية قد يَمنَع اسم التَّفضيل في الجِنْس الآخَر، يَعنِي: أنه ليس الإنسان يَتَصوَّر تَصوُّرًا تامًّا بأن اشتِراك هذه الأَعمالِ في الأَظْلمية يَقتَضي أن لا يَكون بعضُها أظلَمَ من بعض. فإذا قُلنا: إن الأَظْلمية هنا باعتِبار جِنْس المُفضَّل عليه، يَعنِي: فمَن أَظلَمُ ممَّن كذَب على الله تعالى في الكاذِبين على الغيرِ الكاذِب على الله تعالى أشَدُّ ظلمًا من الكاذِب على زَيْد وعَمرٍو، والمُكذِّب بما يَحتَمِل الصِّدْق والكذِب ليس كالمُكذِّب بما يَعلَم أنه صِدْق كذَّب بالصِّدْق، إذ جاء؛ كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ أي: مَن منَع مَساجِد الله تعالى فهو أَظلَمُ ممَّن منَع الغَيْر حقَّه، فلو منَعْت رجُلًا أن يَدخُل بيته لكان مَنْعي لهذا الرجُلِ أن يَدخُل مَسجِد الله تعالى ويُذكَر فيها اسمُه أَظلَمَ. ومثله قوله تعالى: "مَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذَهَبَ يَخْلُقُ كَخَلْقِي" فلو أن أحَدًا ذهَب يَخلُق كخَلقِ فُلانٍ أو فلان ممَّن يَحرُم عليه مُزاحَمته في صَنْعته لكان الذي ذهَب يَخلُق كخَلْق الله تعالى أَظلمَ، وهَلُمَّ جرًّا، وهذا الجوابُ جَوابٌ - كما يُرى - سَديد ولا يَرِد عليه إِشْكال. والاستِفْهام هنا مَعناه النفيُ، والفائِدة من إتيان النفيِ بصيغة الاستِفهام: التوبيخُ والتقريرُ، وهو مُتضَمِّن مَعنَى التَّحدِّي؛ لأن قوله تعالى: "لَا أَحَدَ أَظْلَمُ"

стр. 233

دون قوله تعالى: "فَمَنْ أَظْلَمُ"؛ لأن هذا يَكون مُشرَبًا مَعنَى التَّحدِّي فيَكون نَفيًا وزيادة. الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أن الكذِب على الله تعالى أظلَمُ أنواع الكَذِب؛ لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ﴾ وإذا كان النَّبيُّ ﷺ يَقول: "إِنَّ كَذِبًا عَلَيَّ لَيْسَ كَكَذِب عَلَى أَحَدِكُمْ" (١)، فما بالُكم بالكذِب على اللهِ تعالى الذي أَرسلَهُ؟! أي: إذا كان هذا الكذِب على الرسول ﷺ بهذه المَثابةِ فما بالُكَ بمَن كذَبَ على الله تعالى؟!. الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: وجوب التَّحرِّي في تفسير القُرآن؛ لأن المُفسِّر للقرآن شاهِدٌ على الله تعالى بأنه أَراد كذا وكذا، وقد يَكون الأَمْر على خِلاف ذلك فيَكون كاذِبًا على الله؛ ولهذا كان الصحابة الأَجِلَّاء يَتَحرَّزون من التَّفسير من تَفسير القُرآن، وهو نزَل بلُغَتهم وفي عصرِهم ومُشاهَدتهم، ومع ذلك يَتَحرَّزون، سُئِل أبو بَكْر ﵁ عن قوله تعالى: ﴿وَفَاكِهَةً وَأَبًّا﴾ [عبس: ٣١] قال: "أيُّ أَرْضٍ تُقِلُّني، وأيُّ سَماءٍ تُظِلُّني إن قُلتُ في كلام اللهِ ما لا أَعلَمُ" (٢) يَعنِي: أنه لا يَعلَم، وهذا مَشهور عند المُفسِّرين وعند غيرِهم، وقد نقَله شيخُ الإسلام في المُقدِّمة (٣). وعِندنا الآنَ أُناس يُفسِّرون الآية وكأنه ابنُ عباس ﵁، وهو من أَجهَل عِباد الله تعالى! ولا يُبالي أنه يُفسِّر كلام الله تعالى، ولو فسَّر كلام زَيدٍ وعَمرٍو ما هَمَّه

стр. 234

وما همَّنا به، لكن الذي يُهِمُّنا أنه إذا فسَّر كلام الله تعالى وشهِد على الله تعالى أنه أَراد كذا وكذا؛ ولذلك نَجِد أن من أَخطَر ما يَكون أن يُؤَوَّل كلام الله تعالى عن ظاهِره إلى مَعنًى يُخالِف الظاهِر بلا دليلٍ بيِّنٍ. وبه نَعرِف ضلال أهل التَّعطيل الذين قالوا: ﴿اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف: ٥٤] يَعنِي: استَوْلى عليه - كأنك تَشهَد على الله تعالى أنه أَراد هذا -؛ وقوله تعالى: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ أي: بقُوَّتي، أو بنِعْمتي، أو ما أَشبَه ذلك!! فهذا كذِب على الله تعالى؛ لأن الله تعالى خاطَبَنا في القُرآن باللِّسان العرَبيِّ، فيَجِب أن نَحمِل هذا القُرآنَ عليه بدون أن نُحرِّف. وقد يَقول قائِل: هل هذا عامٌّ أو خاصٌّ بالآيات المُشكِلة؛ لأنه - أَحيانًا - تَمُرُّ آية يَسأَل عنها الإنسان ويَكون مَعناها واضِحًا جِدًّا مع العِلْم أنه لم يَسبِق أن قرَأ التَّفسير فيها، فهل في هذه يَقول: مَعناهُ الظاهِرُ هكذا، أو يَقول: أنا واللهِ لا أَدرِي؛ لأَنِّي لم أَقرَأ تَفسيرًا عن هذه الآيةِ؟ أَقول: إن الشيء الواضِح تَفسيره بمُقتَضى اللُّغة لا بأسَ به، فلو قال قائِل: ما مَعنَى قوله تعالى: ﴿أَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾؟ وجاء عامِّيٌّ فقال: ﴿أَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ يَعنِي قُلِ: اللهُ أَكبَرُ، اللهُ أَكبَرُ ... قد قامَتِ الصلاة ... إلى آخِره؛ فهذا حرامٌ، لكن لو سُئِل عنها طالِب عِلْم يَعرِف مَعنَى الإقامة - إقامة الشيء يَعنِي: فِعْله على وَجه مُستَقيم -، فقال: مَعنَى: أَقيموا يَعنِي: ائْتُوا بها كامِلة؛ فليس هناك مانِع في هذا. أمَّا في مَسأَلة تَأبير النخل (١)، فلو قال قائِل: إن النبيَّ ﷺ إذا تَكلَّم في أُمور الدُّنيا كالطِّبِّ وغيره لنا أن

стр. 235

نَأخُذ بذلك أو نَرُدَّه على حسَب ما يُوافِق التَّجرِبة؛ فهل هذا يَكون من رَدِّ حُكْم النبيِّ ﷺ أو لا؟ أَقول: إذا قال النبيُّ ﷺ قولًا ولم يَثبُت في حياته أنه رجَعَ عنه فقوله باقٍ ولا يَجوز أن نُخالِفه، ولو كان في مَسأَلة طِبٍّ؛ ولهذا لمَّا قال ﷺ : "إِذَا وَقَعَ الذُّبَابُ فِي شَرَابِ أَحَدِكُمْ فَلْيَغْمِسْهُ، ثُمَّ لْيَنْزِعْهُ، فَإِنَّ فِي أَحَدِ جَنَاحَيْهِ دَاءً، وَفي الْآخَرِ دَوَاءً" أو قال: "شِفَاءً" (١)، فلا يَجوز أن نَقول: واللهِ هذا يُخالِف الطِّبَّ. بل يَجِب علينا أن نَقول: هذا حَقٌّ، ثُمَّ نَعلَم أن الطِّبَّ لم يَصِل إلى هذا العِلْم، أمَّا إذا كان في حَياته ثُمَّ هو نفسه تَراجَع عنه فهذا لا بأسَ. فمثَلًا الآنَ: النَّجَّارون أَعلَمُ مِنَّا بالنِّجارة، فالنَّجَّار يَعرِف كيف يَنجُر ونحن لا نَعرِف، والمُهَندِسون الذين يَصنَعون السيَّاراتِ، والذين يَصنَعون الراديو، والذين يَصنَعون الساعاتِ أَعلَمُ منَّا بها، فقوله ﷺ : "أَنْتُمْ أَعْلَمُ بِأُمُورِ دُنْيَاكُمْ"، يَعنِي: ما تَصنَعونه وتُباشِرونه على وجهٍ مَحسوس فأنتُم أَعلَمُ بها، أمَّا أَحكام دُنْيانا فهي إلى الله تعالى ورسولِه ﷺ هما أَعلَمُ بذلك. الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: اختِلاف مَراتِب الذُّنوب؛ فإن الذُّنوب مَراتِبُ تَتَفاضَل كما أن الحَسَناتِ مَراتِب تَتَفاضَل. الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: أنه يَنبَني على هذه الفائِدةِ زيادة الإيمان ونَقْصه؛ لأنه كلَّما كان الذنب أَعظَمَ كان نَقْص الإيمان به أكبَرَ. الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: وجوب تَصديق مَن قامَتِ البَيِّنة على صِدْقه؛ لقوله تعالى:

стр. 236

﴿وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جَاءَهُ﴾ فدَلَّ هذا على أن مَن كذَّب بالصِّدْق فهو داخِل في هذا الوَصفِ الذي هو أظلَمُ مَن قام بهذا العمَلِ. الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: الثَّناء على الصادِقين، ووجهُ ذلك: أن مَن كذَّبهم فهو داخِلٌ في هذا الجُرمِ الذي هو أَظلَمُ ما يَكون. الْفَائِدَةُ الثَّامِنَةُ: أن مَن كذَّب بالشيء المُباشِر له فهو أَعظَمُ مِمَّن كذَّب بما سَمِع؛ لأن الواسِطة بينه وبين الواقِع قد تُضعِف مَقام الصِّدْق عنده؛ لقوله ﵎: ﴿إِذْ جَاءَهُ﴾. الْفَائِدَةُ التَّاسِعَةُ: تَقرير كون النار مَثوًى للكافِرين. الْفَائِدَةُ الْعَاشِرَةُ: بَيان أن ما يُطلِقه كثيرٌ من الناس اليومَ إذا مات الإنسان قالوا: (ذَهَبَ إِلَى مَثْواهُ الأَخيرِ)، فإن هذه الكلِمةَ لو أخَذْناها بظاهِرها لكانت تَتَضمَّن إنكار البَعْث، فإذا جُعِل القَبْر هو المَثوَى الأخيرَ فلا بَعْثَ، والمَثوَى الأخير هي إمَّا الجَنَّة وإمَّا النار، وعلى هذا فيَجِب التَّنبُّه لهذه العِبارة، وأن يُقال: إن هذه عِبارة مُتَلقَّاة ممَّن يُنكِرون البَعْث، ولكن كَثيرًا من العامَّة يَأخُذون الكلِماتِ لا يُفكِّرون في مَعناها!. الْفَائِدَةُ الحَادِيَةَ عَشْرَةَ: أنه لا يُخلَّد المُؤمِن في النار؛ لقوله : ﴿مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ﴾، والمُؤمِن ليست النار مَثوًى له، بل إِنْ عُذِّب في النار على قَدْر ذَنْبه فمَآله إلى الجَنَّة.

стр. 237

الآية (٣٣) * قَالَ اللهُ : ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ [الزمر: ٣٣]. قوله تعالى: (الذي) مُبتَدأ، وخبَرُه جملة: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ فتَضمَّنَت هذه الجُملةُ جُمْلتين جملةً كُبرى وجملةً صُغرى؛ فالجُملة الكُبرى هي المُتضَمِّنة للمُبتَدَأ والخبَر، والصُّغرى هي الخبَر المُكوَّن من مُبتَدَأ وخبَر، فالجُمْلة الصُّغرى هي ما وقَعَت خبَرًا، وتُسمَّى: جملةً صُغرى؛ لأنها في مَقام المُفرَد والجُملة الكبرى هي المُكوَّنة من مُبتَدَأ وخبَر أو فِعْلٍ ومَعموله. وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ فيه شيء من الإشكال يَتَبادَر إلى الذِّهْن وهو أَخبَر عن الذي، وهو اسمٌ مُفرَد بكلِمة دالَّة على الجَمْع وهي قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ ولم يَقُل: أُولئك هو المُتَّقي؟ ووجهُ ذلك: أن (الذي) اسمٌ مَوْصولٌ والاسمُ المَوْصول يُفيد العُموم حتى وإن كان مُفرَدًا فإنه يُفيد العُموم؛ ولهذا صحَّ الإخبار عنه بالجَمْع مع كونه مُفرَدًا. يَقول الله : ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ﴾: (الذي جاءَ بالصِّدْق) عامٌّ يَشمَل: كل مَن جاء بالصِّدْق، من الرسُل عليهم الصلاة والسلام والأنبياء والصادِقين من غيرهم.

стр. 238

ومن ذلك مثَلًا: كَعبُ بنُ مالِك ﵁، فقد جاء بالصِّدْق حين تَخلَّف عن غزوة تَبوكَ، وأَخبَر بالصِّدْق (١) وأمَرَنا الله أن نَكون معهم لمَّا ذكَر قِصَّتهم قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [التوبة: ١١٩]. وقوله: ﴿وَصَدَّقَ بِهِ﴾ أي: صدَّق بالصِّدق الذي قامَتِ البَيِّنة على صِدْقه، والصِّدْق هو مُطابَقة الواقِع للخبَر، والكذِب مخُالَفته، يَعنِي: مَن أَخبَر بما يُطابِق الواقِع فهو صادِق، ومَن أَخبَر بما يُخالِف الواقِع فهو كاذِب. وقوله تعالى: ﴿وَصَدَّقَ بِهِ﴾ أي بما قامَتِ البَيَّنة على صِدْقه، ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ يَعنِي: الذين اتَّقَوُا الله فلم يَقولوا كذِبًا واتَّقَوا الله ولم يَردُّوا صِدْقًا. يَقول المُفَسِّر ﵀: [﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ﴾ وهو النبيُّ ﷺ ]، وهذا تَخصيصٌ للعُموم بما لا دَليلَ عليه، والذي يَنبَغي إذا جاء القُرآن عامًّا إبقاؤُه على عُمومه، بل هو الواجِب أن يَبقَى على عُمومه إلَّا بدَليل، وهنا ليس هناك دَليل يَجعَل هذا خاصًّا بالنبيِّ ﷺ . فالواجِبُ: أن نَجعَله عامًّا؛ لأن حَمْله على الخاصِّ بلا دَليلٍ قُصورٌ في مَدلول القُرآن. إِذَنْ: يَشمَل النبيَّ ﷺ وغيرَه. وقوله تعالى: ﴿وَصَدَّقَ بِهِ﴾ قال المُفَسِّر ﵀: [وهُمُ المُؤمِنون] هذا أيضًا

стр. 239

خطَأ؛ لأننا لو فسَّرْنا الآية بما فسَّرها به المُفَسِّر ﵀ لزِم من ذلك تَشتيت في الضمائِر، وعدَم انسِجام الكلام؛ فقوله : ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ﴾ هذه مَعطوفة على الجُملة التي هي صِلة المَوْصول، وإذا كانت مَعطوفةً على الجُمْلة التي هي صِلة المَوْصول لزِم أن يَكون المُتَّصِف بها المَوْصول ما دامَت مَعطوفة على الصِّلة فهي من جُملة الصِّلة، والصِّلة وَصْفٌ للمَوْصول. والمُفَسِّر ﵀ وعفا عنه شتَّتَ الضمائِر، فجعَل الضمير الأوَّل للرسول ﷺ ، والضميرَ الثانيَ للمُؤمِنين، والحَقُّ أنهما يَرجِعان إلى شيء واحِد وهو المَوْصول؛ لأن صِلة المَوْصول صِفةٌ له، والمعطوف على الصِّلة صِفةٌ له أيضًا. إِذَنْ: ﴿وَصَدَّقَ بِهِ﴾ يَشمَل كلَّ أحَد، حتى النبيُّ ﵊ صدَّق بأنه رسول الله ﷺ ، فكان يَقول أحيانًا: "أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَنِّي رَسُولُ اللهِ" (١)، فقد صدَّق بأنه رسول الله ﷺ ، وأن ما أُنزِل إليه من ربِّه هو الحقُّ، وأوَّلُ مَن يَدخُل في هذه الآيةِ بعد الرسول ﷺ أبو بكرٍ الصَّدِّيق ﵁، فإن أبا بَكرٍ الصَّدِّيق ﵁ جاء بالصِّدْق ﵁، وصَدَّق به حتى إنه في أَضيقِ حالٍ للرسول ﵊ ليلةَ الإسراء حينما أَشاعَت قريشٌ بأن الرسول ﵊ كذَب وصار يُخرِّف ويَقول ما لا يُمكِن، فلمَّا بلَغه الخبَرُ قال: "إن كان قد قال ذلك فهو صادِقٌ"، فمِن ذلك اليومِ سُمِّيَ بـ (الصَّدِّيق) (٢) ﵁. قال المُفَسِّر ﵀: [فهُمُ المُؤمِنون، فالذي بمَعنَى الذين]، يَعنِي: أنها اسمٌ مُفرَد، لكن بمَعنَى الجَمْع؛ لكونها دالَّة على العُموم.

стр. 240

وقوله ﵀: [﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ الشِّرْكَ] ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ أتَى باسْمِ الإشارة للبَعيد لعُلوِّ مَرتَبتهم ولم يَقُل: هؤلاءِ. بل قال تعالى: ﴿أُولَئِكَ﴾ و ﴿أُولَئِكَ﴾ يُشار بها للبَعيد، وإنما أُشير لها إشارة البَعيد مع دُنوِّ التَّحدُّث عنهم؛ لعُلوِّ مَرتَبتهم. وقول المُفَسِّر ﵀: [﴿الْمُتَّقُونَ﴾ الشِّرْكَ] من أَغرَب ما يَكون؛ لأن الحديث الآنَ عن الصِّدْق والتَّصديق بالصِّدْق، فأين الشِّرْك؟ فإنه لم يَتَقدَّم له ذِكْر، ولو أَرَدْنا أن نُخصِّص لقُلْنا: أُولئِك هُمُ المُتَّقون الكذِبَ والتَّكذيبَ بالحقِّ، مع أن الذي يَدُلُّ عليه الدليلُ: أن المَعنَى: أُولئك هُمُ المُتَّقون اللهَ تعالى، وذلك لأن التَّقوى إذا أُطلِقَت فإنما يُراد بها تَقوى الله تعالى، أمَّا إذا قُيِّدت فهي حَسبما قُيِّدت به، فقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٨١] هذا لليومِ، وقوله : ﴿وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٣١] هذا للنَّار. وقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ هذا لله تعالى؛ وعند الإِطْلاق لله تعالى؛ لأن الله تعالى أحقُّ أن يُتَّقى ؛ فهنا نَقول: (﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ الله)؛ ولهذا جاؤُوا بالصِّدْق وصدَّقوا به تَقوَى لله . من فوائد الآية الكريمة: الْفَائِدَة الأُولَى: الثَّناء علي مَن قال بالصِّدْق، والصِّدْق واجِب، والكذِب مُحرَّم، وقد يَقول قائِل: إنه من كَبائِر الذُّنوب؛ لأن النبيَّ ﷺ جعَله من آيات النِّفاق (١)، والمُنافِق ليس من المُؤمِنين؛ فلو قال قائِل: إن الكذِب من كبائِر الذُّنوب لم يَكُن قوله بعيدًا.

стр. 241

الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: الثَّناء على مَن صدَّق بمَن قامَتِ البيِّنة على صِدْقه فصدَّق بالصِّدْق، وأمَّا مَن لم يُصدِّق بما يَشُكُّ فيه فلا حرَجَ عليه، والأخبار التي تَرِد على المرء تَنقَسِم إلى ثلاثة أقسام: الأوَّل: ما دلَّ الدليل على صِدْقه فيُصدَّق. الثاني: ما دلَّ الدليل على كذِبه إمَّا لكون ناقِله معروفًا بالكذِب، وإمَّا لكونه مُستَحيل الوقوع، أو ما أَشبَه ذلك، فهذا يُكذَّب، ولا حرَجَ على مَن كذَّبه. الثالِث: ما يَحتَمِل الصِّدْق ويَحتَمِل الكذِب، فهذا يُتَوقَّف فيه، ولا يُرَدُّ؛ لعدَم القيام على رَدِّه ولا يُقبَل لعدَم قيام الدَّليل على قَبوله. ودليلُ هذا القِسمِ قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ [الحجرات: ٦]. ولهذا في الآيات التي قبلَ هذه قال تعالى: ﴿وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ﴾ وهنا قال: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ﴾ فذَمَّ الأوَّلَيْن وأَثنَى على الآخَرَيْن. الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: أن الصِّدْق من التَّقوَى، وتَصديق مَن قامت البَيِّنة على صِدْقه هو أيضًا من التَّقوى؛ لقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾. الْفَائِدَةُ الرَّابعَةُ: ومن فوائِدها الأُصولية: أن المَوْصول من صِيَغ العُموم؛ لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾.

стр. 242

الآية (٣٤) * قَالَ اللهُ : ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الزمر: ٣٤]. قوله تعالى: ﴿لَهُمْ﴾ أي: لهؤلاء المُتَّقين ﴿مَا يَشَاءُونَ﴾ أيِ: الذي يَشاؤُونه ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ وهو الله ، وأَضاف الربوبية إليهم على وجه الخُصوص؛ لأن الرُّبوبية إلى المُتَّقين رُبوبيةٌ خاصَّة ليست كالربوبية العامة التي تَشمَل الكافِر والمُؤمِن والبَرَّ والفاجِر، وإنما هي رُبوبية خاصَّة. وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ﴾: ﴿ذَلِكَ﴾ أي: كون جزائِهم ما يَشاؤَون. وقوله تعالى: ﴿جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ﴾ أيِ: المُحسِنين الذين أَحسَنوا في عِبادة الله تعالى وأَحسَنوا إلى عِباد الله تعالى، فالإحسان في عِبادة الله تعالى يُفسَّر بما فسَّره به النبيُّ ﷺ بأن تَعبُد الله كأنَّك تَراه، فإن لم تَكُن تَراه فإنه يَراك، والإحسان في مُعامَلة الخَلْق أن تَأتِيَ إليهم ما تُحِبُّ أن يُؤتَى إليك، وتُحِبَّ لهم ما تُحِبُّ لنَفْسك. من فوائد الآية الكريمة: الْفَائِدَة الأُولَى: أن هؤلاءِ المُتَّقين لهم ما يَشاؤُون عند الله تعالى في الآخِرة في الجَنَّة، وقد بيَّن الله تعالى في آيةٍ أُخرى أن لهم زِيادةً على ذلك؛ فقال تعالى: ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ [ق: ٣٥] , وقد فُسِّرت الزيادة: بأنها النظَر إلى وَجْه الله عَزَّ وَجَلَّ

стр. 243

والذي يَظهَر أن النَّظَر من ذلك، وإلَّا فالزيادة أَشمَلُ من هذا. الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: عِناية الله تعالى بهؤلاء القَوْمِ، وذلك بإضافة الرُّبوبية إليهم. الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: أن التَّقوى من الإحسان؛ لقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ﴾ ولم يَقُل للمُتَّقين، والمُراد بهمُ المُتَّقون، لكن المُتَّقيَ مُحسِن؛ لأن المُتَّقيَ عند الإطلاق هو مَن قام بمَأمور وترَك المَحظور، وهذا هو الإحسان. الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: الحَثُّ على الإحسان؛ لقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ﴾ والحثُّ على الإحسان والأمر به كثيرٌ في الكِتاب والسُّنَّة، والإحسان يَتَضمَّن الإحسان في عِبادة الله تعالى والإحسان إلى عباد الله تعالى، والإحسان إلى عِباد الله تعالى يَكون بالقَوْل وبالفِعْل وبالجاه، وغير ذلك من أنواع الإحسان، فلا تَدَّخِرْ وُسعًا في بَذْل الإحسان إلى إخوانك، فإن ذلك ممَّا يَكون سببًا لدُخول الجنَّة، ويَكون أيضًا سببًا في عَوْن الله تعالى لك، فإن الله تعالى في عَوْن العَبْد ما كان العَبْد في عَوْن أخيه.

стр. 244

الآية (٣٥) * قَالَ اللهُ : ﴿لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الزمر: ٣٥]. قوله تعالى: ﴿لِيُكَفِّرَ﴾ اللَّام هنا للعاقِبة فيما يَظهَر؛ لأن لام التَّعليل تَأتِي أحيانًا للتَّعليل وأحيانًا لبَيان العاقِبة؛ فإن كان ما قَبلَها سببًا لما بَعدَها فهي للعاقِبة، وإن كان ما بعدَها عاقِبةً لما قَبْلها ولا يُراد به وليس مُرادًا فهي للعاقِبة، هذا هو الفَرْق بينهم. فإذا قلت: جِئْت لأَقرَأ فاللَّام هنا للتعليل، وإذا قال قائِل: سافَرْت ليَحصُل لي الحادِث. فاللَّام هنا للعاقِبة؛ وفي قوله تعالى: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ للعاقِبة، فالفَرْق بينهما: ١ - إن كان ما قَبْلها سببًا لما بعدَها فهي للتَّعليل. ٢ - إذا كان ما بعدَها عاقِبةً لما قبلها غير مَقصود فهي للعاقِبة. وقوله : ﴿لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا﴾ يَعنِي: عاقِبة التَّقوى أن يُكفِّر الله تعالى عنهم أَسوَأَ الذي عمِلوا، ويُحتَمَل أن تَكون للتَّعليل بمَعنَى: أنهم اتَّقَوا الله من أَجْل التكفير.

стр. 245

وقال تعالى: ﴿لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا﴾ وذلك بأن يُنعِم عليهم بالعَفْو عنه، والغالِب أن التَّكفير يَأتِي مُكفِّرًا بأعمال مُقابِلة؛ فالسَّيِّئات تُكفَّر بالحسَنات، وانظُرْ إلى الظِّهار، فإذا ظاهَر الإنسان كفَّر بما ذكَر الله ، يَعنِي: أَتَى بحسَنات تُغطِّي ما فعَل من الذُّنوب، واليَمين إذا حنِثَ كفَّر، فالغالِب أن التَّكفير يَكون في مُقابَلة حسَناتٍ تُغطِّي السَّيِّئاتِ، ويَجوز أن يَكون التَّكفير مُجرَّد فَضْلٍ من الله يَستُر الله تعالى على عبده الذَّنْب تَفضُّلًا منه. وقوله تعالى: ﴿أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا﴾: ﴿أَسْوَأَ﴾ اسمُ تَفضيل، وهو على بابه، فإذا كان الله تعالى يُكفِّر عنهم أسوَأَ ما عمِلوا فما دونه من بابِ أَوْلى، ويَكون التعبير بالأَسوَأ من باب البِشارة لهم. وقوله تعالى: ﴿وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ﴾ أي: ثوابهم على ما عمِلوا من الحسَنات ﴿بِأَحْسَنِ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أي: بأَحسَن الجَزاء. فقوله تعالى: ﴿بِأَحْسَنِ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أي: بأَحسَن جَزاء الذي كانوا يَعمَلون، وذلك أن الحسَنَة بعَشْر أَمثالها إلى سَبعِ مِئة ضِعْف إلى أضعافٍ كثيرة، و (أَحسَن) هنا على بابها؛ أي: أنها اسم تَفضيل، فلا يُجازيهم الحَسَنة بحَسَنة، بل بأَحسَن منها، فالحسَنة بعشَرة أمثالها إلى سَبْعِ مئة ضِعْف إلى أضعافٍ كثيرة. وقوله تعالى: ﴿بِأَحْسَنِ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ لا يَخفَى أن قوله: ﴿كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ صِلةٌ للمَوْصول ﴿الَّذِي﴾، وصِلة المَوْصول تَحتاج إلى عائِد يَعود على المَوْصول؛ ليَربِط الصِّلة به، والعائِد هنا مَحذوف، والتَّقدير: يَعمَلونه. قال المُفَسِّر ﵀: [(أَسوَأ) و (أَحسَن) بمَعنَى السَّيِّئ والحَسَن]، لكنه قولٌ غير صَحيح؛ لأنه يُعتَبَر تحريفًا للقُرآن؛ لأن كلَّ واحِدٍ يَعرِف أن (أَسوَأَ) اسمُ تَفضيل،

стр. 246

وسَيِّئ وَصْفٌ ليس فيه تَفضيل، وكذلك (أَحسَنُ) اسمُ تَفضيل وحَسَن وَصْفٌ ليس فيه تفضيل، فما بالُنا نَنزِل مَرتَبة من التَّفضيل إلى ما هو أَدْنى؟! فهذا يُعتَبَر خطَأً وتَحريفًا. فالصوابُ ما قُلناه أوَّلًا: أن اسم التَّفضيل هنا على بابه، وأن الله تعالى بشَّرَهم بأنه يُكفِّر الأَسْوَأ، ومَن كفَّر الأسوَأَ كفَّر ما دونَه، وبشَّرهم بأنه يَجزيهم أَحسَن ما كانوا يَعمَلون، لا أنه يَجزيهم الحسَنة بمِثْلها، بل أَحسَنَ، وهذا فرقٌ عظيم بين الحسَن والأحسَن والسَّيِّئ والأَسوَأ. من فوائد الآية الكريمة: الْفَائِدَة الأُولَى: أنهم بتَقواهم يُكفِّر الله تعالى عنهم أَسوَأ أعمالهم لقوله تعالى: ﴿لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا﴾. الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أن الله تعالى يَجزيهم بأحسَنِ الجزاء، وقد بيَّن ذلك في الكِتاب والسُّنَّة بأن مَن جاء بالحَسَنة فله عَشْر أَمثالها إلى سَبْع مِئة ضِعْف إلى أضعافٍ كثيرة. الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: أن الخطَراتِ التي تَخطُر على القُلوب لا حُكمَ لها؛ لقوله تعالى: ﴿الَّذِي عَمِلُوا﴾، ولقوله تعالى: ﴿الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾، وقد جاء الحديث مُؤيِّدًا لذلك، فقال النبيُّ ﵊: "إِنَّ الله تَجَاوَزَ لِأُمَّتِي مَا حَدَّثَتْ بهِ أَنْفُسَهَا مَا لَمْ تَعْمَلْ أَوْ تَتَكَلَّمْ" (١). ولكن يَجِب على مَن كان له خطَراتٌ سيِّئة أن يُدافِعها بما يَستَطيع، ومِن

стр. 247

مُدافعتها: أن يَستَعيذ بالله تعالى من الشيطان الرَّجيم، ويَنتَهي يَعنِي: يُعرِض عن هذه التَّقديراتِ، فإن ذلك يَزول، أمَّا إن خضَع لها واستَكان لها واستَمَرَّ فإنها تُهلِكه؛ لأن الشَّيْطان يَقيس قَلْب المرء، فإذا رآه لَيِّنًا هشًّا تَسلَّط عليه حتى يُخرِجه من دِينه ودُنياه - والعِياذُ بالله تعالى - وإذا كان صُلْبًا لا يَقدِر الشيطان أن يَنفُذ فيه، فإنه حينئذٍ يَكون قويًّا تَتكسَّر عليه عِظام الشيطان. وقد أَوْصى شيخُ الإسلام ابنُ تيميَّةَ ﵀ تلميذَه ابنَ القَيِّم ﵀ حينما كان يَعرِض عليه بعضَ الشُّبُهات فقال ﵀: "لا تَجعَل قَلْبك كالإِسْفنجة؛ تَتشَرَّب الماء، ثُم لا يَخرُج منها إلَّا بعَصْرٍ، اجعَلْ قلبك كالزُّجاجة صافية يُرَى مِن ورائِها، ولا يَنفُذ إليها شيء يَرَى ما فيها" يَعنِي: ولا يَنفُذ إليها شيء من هذه الشُّبُهاتِ تَكون صافِيةً نقيَّةً خالية من الشُّبُهات، ولا يَنفُذ إليها شيء، وهكذا يَنبَغي للإنسان أن لا يَخضَع للشيطان في هذه الوَساوِس التي تَرِدُ عليه. فإذا قال قائِل: هل الإرادة عمَل أو لا؟ أَقول: الإرادة عمَل لكنَّها عمَل قَلْب بخِلاف التَّحديث؛ لأن تَحديث النَّفْس لا يَعنِي الخُضوع للشيء، وإقرار الشيء، لكن الإرادة لا تَكون إلَّا بعد تقرير هذا الشيءِ؛ ولهذا قال النبيُّ ﵊ في الرَّجُلين المُسلِمَيْن يَلتَقيان بسَيْفَيْهما فيَقتُل أحدُهما الآخَرَ قال: "إِذَا الْتَقَى المُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا فَالْقَاتِلُ وَالمَقْتُولُ فِي النَّارِ" قالوا: يا رسول الله، هذا القاتِلُ فما بالُ المَقتول؟ قال: "لِأَنَّهُ كانَ حَرِيصًا عَلَى قَتْلِ صَاحِبِهِ" (١).

стр. 248

ولمَّا ذكَر الرِّجال الأربعة، ومنهم رجُلٌ أَعطاه الله المال فهو يُنفِقه في غير مَرضاة الله تعالى، فقال الرجُل الفقير: ليتَ لي مال فُلان فأَعمَل فيه كعمَل فُلان. قال: "فَهُوَ بِنِيَّتِهِ، فَهُمَا فِي الْوِزْرِ سَوَاءٌ" (١)، مع أنه لم يَعمَل، لكن تمَنَّى وأَراد. والله تعالى أَعلَمُ. وإذا أَخبَر مُخبِر بخبَر وهو يَظُنُّ أنه يُطابِق الواقِع وكان يُخالِف الواقِع هل يُسمَّى: كذِبًا؟ نعَمْ، يُسمَّى كاذِبًا، لكن ليس عليه إِثْم الكاذِب. وإذا قال الرجُل: أَعبُد الله تعالى ليَرضَى الله. فهذا صحيح، وأمَّا قول الصُّوفية: أَعبُد الله لله. فهذا خطَأ؛ ولهذا قال الله تعالى: ﴿يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا﴾ [المائدة: ٢]، فبَدَأ بالفضْل، وهذا في وَصْف الرسول ﵊ وأصحابه: حيث قال: ﴿تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا﴾ [الفتح: ٢٩]. ومثله في طلَب العِلْم؛ فنَقول: نحن نُخلِص لأَخْذ العِلْم، فإنه لا شَكَّ أن الإخلاص لله تعالى مَعونة، وسبَب لتَحصيل العِلْم وبرَكة العِلْم الإِخْلاص سبَبٌ لحُصول المَفقود والبَرَكة في المَوجود.

стр. 249

الآية (٣٦) * قَالَ اللهُ : ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ [الزمر: ٣٦]. قوله : ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ الاستِفْهام هنا للتقرير بِناءً على القاعِدة التي ذكَرْناها من قبلُ، وهي: أن هَمزة الاستِفْهام إذا دخَلَت على ما يُفيد النفيَ أَفادَتِ التقرير مثل قوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ [الشرح: ١]، يَعنِي: قد شَرَحْنا لك صدرَك، وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠٥]، يَعنِي: قد كانَت وهكذا قوله تعالى: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ يَعنِي: قد كفَى اللهُ تعالى عبدَه. وقوله تعالى: ﴿بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ الذي نَصَب (عبدَه) قوله تعالى: (كافٍ)؛ لأن (كافٍ) اسم فاعِل وفاعِله مُستَتِر، و (عبد) مَفعولٌ به. و (عَبْد) مُفرَد مُضاف فيَكون عامًّا لجَميع مَنِ اتَّصَف بهذا الوَصْفِ، فكُل مَن كان عبدًا لله تعالى حقًّا فإن الله تعالى كافيه، ومثل هذا قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق: ٣]، ومثله قوله تعالى: ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [البقرة: ١٣٧]، فالعَبْد هنا وَصْفٌ شامِل لا يَختَصُّ بأحَد دون الآخَرِ، فكُلُّ مَن انطَبَقت عليه العُبودية حَقًّا فالله تعالى كافيه: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾، والجَوابُ على هذه الجُملةِ أن يقال: بَلَى.

стр. 250

ثُمَّ قال تعالى: ﴿وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾ قال المُفَسِّر ﵀: هنا الخِطاب [للنبيِّ] ﷺ ﴿وَيُخَوِّفُونَكَ﴾ وعَطَف (يُخوِّفونك) الخاصَّ بالرسول ﷺ لا يَقتَضي تَخصيص اللَّفْظ العامِّ قبلَه، وقد تَقدَّم مثلُ هذا كثيرًا؛ يُذكَر لفظٌ عامٌّ، ثُمَّ يُذكَر حُكْم يَختَصُّ ببعض أفراده. قُلنا: إن هذا لا يَقتَضي التخصيص، ومن ذلك حديث: "قضَى النبيُّ ﷺ بالشُّفْعةِ في كُلِّ ما لَمْ يُقسَمْ" (١)، فكونه قَضَى في كُلِّ ما لم يُقسَم، في كل الذي لم يُقسَم عامٌّ، (فإذا وقَعَتِ الحُدودُ وصُرِفت الطُّرُق فلا شُفعةَ)، هذا حُكْم يَختَصُّ ببعض أحكام العامِّ بالأراضي، فهنا نَقول: إن الأوَّل عامٌّ، وذِكْر بعض أفراد العامِّ وذِكْر حُكمٍ يَختَصُّ ببعض أفراد العامِّ لا يَقتَضي التخصيص. ومثله أيضًا في القُرآن: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ إلى أن قال تعالى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ فالمُطلَّقات عامٌّ، وبُعولتُهن حُكْمٌ يَختَصُّ ببعض أفراد هذا العامِّ، أمَّا الفَرْد الذي يَختَصُّ به فإنه (الرَّجعية)؛ ونَقول: إن قوله : ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ هذا عامٌّ، فالمَعروف عند أهل العِلْم ﵏ أنه عامٌّ، المُطلَّقات اللاتي طُلِّقن بطلاقٍ بائِن أو بطلاقٍ رَجْعيٍّ. وهنا هذا المِثالُ في القُرآن هل يَنطَبِق عليه أو لا؛ أي: قوله تعالى: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾؟ الجَوابُ: يَنطَبِق عليه، فقوله تعالى: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ عامٌّ، ولم يَقُلْ: أَلَيْس اللهُ بكافِيكَ ويُخوِّفونك.
следующие страницы →