وسَيِّئ وَصْفٌ ليس فيه تَفضيل، وكذلك (أَحسَنُ) اسمُ تَفضيل وحَسَن وَصْفٌ ليس فيه تفضيل، فما بالُنا نَنزِل مَرتَبة من التَّفضيل إلى ما هو أَدْنى؟! فهذا يُعتَبَر خطَأً وتَحريفًا.
فالصوابُ ما قُلناه أوَّلًا: أن اسم التَّفضيل هنا على بابه، وأن الله تعالى بشَّرَهم بأنه يُكفِّر الأَسْوَأ، ومَن كفَّر الأسوَأَ كفَّر ما دونَه، وبشَّرهم بأنه يَجزيهم أَحسَن ما كانوا يَعمَلون، لا أنه يَجزيهم الحسَنة بمِثْلها، بل أَحسَنَ، وهذا فرقٌ عظيم بين الحسَن والأحسَن والسَّيِّئ والأَسوَأ.
من فوائد الآية الكريمة:
الْفَائِدَة الأُولَى: أنهم بتَقواهم يُكفِّر الله تعالى عنهم أَسوَأ أعمالهم لقوله تعالى: ﴿لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا﴾.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أن الله تعالى يَجزيهم بأحسَنِ الجزاء، وقد بيَّن ذلك في الكِتاب والسُّنَّة بأن مَن جاء بالحَسَنة فله عَشْر أَمثالها إلى سَبْع مِئة ضِعْف إلى أضعافٍ كثيرة.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: أن الخطَراتِ التي تَخطُر على القُلوب لا حُكمَ لها؛ لقوله تعالى: ﴿الَّذِي عَمِلُوا﴾، ولقوله تعالى: ﴿الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾، وقد جاء الحديث مُؤيِّدًا لذلك، فقال النبيُّ ﵊: "إِنَّ الله تَجَاوَزَ لِأُمَّتِي مَا حَدَّثَتْ بهِ أَنْفُسَهَا مَا لَمْ تَعْمَلْ أَوْ تَتَكَلَّمْ" (١).
ولكن يَجِب على مَن كان له خطَراتٌ سيِّئة أن يُدافِعها بما يَستَطيع، ومِن
стр. 247
مُدافعتها: أن يَستَعيذ بالله تعالى من الشيطان الرَّجيم، ويَنتَهي يَعنِي: يُعرِض عن هذه التَّقديراتِ، فإن ذلك يَزول، أمَّا إن خضَع لها واستَكان لها واستَمَرَّ فإنها تُهلِكه؛ لأن الشَّيْطان يَقيس قَلْب المرء، فإذا رآه لَيِّنًا هشًّا تَسلَّط عليه حتى يُخرِجه من دِينه ودُنياه - والعِياذُ بالله تعالى - وإذا كان صُلْبًا لا يَقدِر الشيطان أن يَنفُذ فيه، فإنه حينئذٍ يَكون قويًّا تَتكسَّر عليه عِظام الشيطان.
وقد أَوْصى شيخُ الإسلام ابنُ تيميَّةَ ﵀ تلميذَه ابنَ القَيِّم ﵀ حينما كان يَعرِض عليه بعضَ الشُّبُهات فقال ﵀: "لا تَجعَل قَلْبك كالإِسْفنجة؛ تَتشَرَّب الماء، ثُم لا يَخرُج منها إلَّا بعَصْرٍ، اجعَلْ قلبك كالزُّجاجة صافية يُرَى مِن ورائِها، ولا يَنفُذ إليها شيء يَرَى ما فيها" يَعنِي: ولا يَنفُذ إليها شيء من هذه الشُّبُهاتِ تَكون صافِيةً نقيَّةً خالية من الشُّبُهات، ولا يَنفُذ إليها شيء، وهكذا يَنبَغي للإنسان أن لا يَخضَع للشيطان في هذه الوَساوِس التي تَرِدُ عليه.
فإذا قال قائِل: هل الإرادة عمَل أو لا؟
أَقول: الإرادة عمَل لكنَّها عمَل قَلْب بخِلاف التَّحديث؛ لأن تَحديث النَّفْس لا يَعنِي الخُضوع للشيء، وإقرار الشيء، لكن الإرادة لا تَكون إلَّا بعد تقرير هذا الشيءِ؛ ولهذا قال النبيُّ ﵊ في الرَّجُلين المُسلِمَيْن يَلتَقيان بسَيْفَيْهما فيَقتُل أحدُهما الآخَرَ قال: "إِذَا الْتَقَى المُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا فَالْقَاتِلُ وَالمَقْتُولُ فِي النَّارِ" قالوا: يا رسول الله، هذا القاتِلُ فما بالُ المَقتول؟ قال: "لِأَنَّهُ كانَ حَرِيصًا عَلَى قَتْلِ صَاحِبِهِ" (١).
стр. 248
ولمَّا ذكَر الرِّجال الأربعة، ومنهم رجُلٌ أَعطاه الله المال فهو يُنفِقه في غير مَرضاة الله تعالى، فقال الرجُل الفقير: ليتَ لي مال فُلان فأَعمَل فيه كعمَل فُلان. قال: "فَهُوَ بِنِيَّتِهِ، فَهُمَا فِي الْوِزْرِ سَوَاءٌ" (١)، مع أنه لم يَعمَل، لكن تمَنَّى وأَراد. والله تعالى أَعلَمُ.
وإذا أَخبَر مُخبِر بخبَر وهو يَظُنُّ أنه يُطابِق الواقِع وكان يُخالِف الواقِع هل يُسمَّى: كذِبًا؟ نعَمْ، يُسمَّى كاذِبًا، لكن ليس عليه إِثْم الكاذِب.
وإذا قال الرجُل: أَعبُد الله تعالى ليَرضَى الله. فهذا صحيح، وأمَّا قول الصُّوفية: أَعبُد الله لله. فهذا خطَأ؛ ولهذا قال الله تعالى: ﴿يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا﴾ [المائدة: ٢]، فبَدَأ بالفضْل، وهذا في وَصْف الرسول ﵊ وأصحابه: حيث قال: ﴿تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا﴾ [الفتح: ٢٩].
ومثله في طلَب العِلْم؛ فنَقول: نحن نُخلِص لأَخْذ العِلْم، فإنه لا شَكَّ أن الإخلاص لله تعالى مَعونة، وسبَب لتَحصيل العِلْم وبرَكة العِلْم الإِخْلاص سبَبٌ لحُصول المَفقود والبَرَكة في المَوجود.
стр. 249
الآية (٣٦)
* قَالَ اللهُ : ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ [الزمر: ٣٦].
قوله : ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ الاستِفْهام هنا للتقرير بِناءً على القاعِدة التي ذكَرْناها من قبلُ، وهي: أن هَمزة الاستِفْهام إذا دخَلَت على ما يُفيد النفيَ أَفادَتِ التقرير مثل قوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ [الشرح: ١]، يَعنِي: قد شَرَحْنا لك صدرَك، وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠٥]، يَعنِي: قد كانَت وهكذا قوله تعالى: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ يَعنِي: قد كفَى اللهُ تعالى عبدَه.
وقوله تعالى: ﴿بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ الذي نَصَب (عبدَه) قوله تعالى: (كافٍ)؛ لأن (كافٍ) اسم فاعِل وفاعِله مُستَتِر، و (عبد) مَفعولٌ به.
و (عَبْد) مُفرَد مُضاف فيَكون عامًّا لجَميع مَنِ اتَّصَف بهذا الوَصْفِ، فكُل مَن كان عبدًا لله تعالى حقًّا فإن الله تعالى كافيه، ومثل هذا قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق: ٣]، ومثله قوله تعالى: ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [البقرة: ١٣٧]، فالعَبْد هنا وَصْفٌ شامِل لا يَختَصُّ بأحَد دون الآخَرِ، فكُلُّ مَن انطَبَقت عليه العُبودية حَقًّا فالله تعالى كافيه: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾، والجَوابُ على هذه الجُملةِ أن يقال: بَلَى.
стр. 250
ثُمَّ قال تعالى: ﴿وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾ قال المُفَسِّر ﵀: هنا الخِطاب [للنبيِّ] ﷺ ﴿وَيُخَوِّفُونَكَ﴾ وعَطَف (يُخوِّفونك) الخاصَّ بالرسول ﷺ لا يَقتَضي تَخصيص اللَّفْظ العامِّ قبلَه، وقد تَقدَّم مثلُ هذا كثيرًا؛ يُذكَر لفظٌ عامٌّ، ثُمَّ يُذكَر حُكْم يَختَصُّ ببعض أفراده.
قُلنا: إن هذا لا يَقتَضي التخصيص، ومن ذلك حديث: "قضَى النبيُّ ﷺ بالشُّفْعةِ في كُلِّ ما لَمْ يُقسَمْ" (١)، فكونه قَضَى في كُلِّ ما لم يُقسَم، في كل الذي لم يُقسَم عامٌّ، (فإذا وقَعَتِ الحُدودُ وصُرِفت الطُّرُق فلا شُفعةَ)، هذا حُكْم يَختَصُّ ببعض أحكام العامِّ بالأراضي، فهنا نَقول: إن الأوَّل عامٌّ، وذِكْر بعض أفراد العامِّ وذِكْر حُكمٍ يَختَصُّ ببعض أفراد العامِّ لا يَقتَضي التخصيص.
ومثله أيضًا في القُرآن: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ إلى أن قال تعالى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ فالمُطلَّقات عامٌّ، وبُعولتُهن حُكْمٌ يَختَصُّ ببعض أفراد هذا العامِّ، أمَّا الفَرْد الذي يَختَصُّ به فإنه (الرَّجعية)؛ ونَقول: إن قوله : ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ هذا عامٌّ، فالمَعروف عند أهل العِلْم ﵏ أنه عامٌّ، المُطلَّقات اللاتي طُلِّقن بطلاقٍ بائِن أو بطلاقٍ رَجْعيٍّ.
وهنا هذا المِثالُ في القُرآن هل يَنطَبِق عليه أو لا؛ أي: قوله تعالى: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾؟
الجَوابُ: يَنطَبِق عليه، فقوله تعالى: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ عامٌّ، ولم يَقُلْ: أَلَيْس اللهُ بكافِيكَ ويُخوِّفونك.
стр. 251
وقوله تعالى: ﴿وَيُخَوِّفُونَكَ﴾ هذا خاصٌّ بالنبيِّ ﷺ ؛ على أن لواحِدٍ أن يَقول: لماذا لا يَصِحُّ أن يَكون الخِطاب مُوجَّهًا لكل مَن يَصِحُّ خِطابه، أي: يُخوِّفونك أيُّها المُخاطَب، كما جرَت به العادة في كثيرٍ من النُّصوص؟
فالجَوابُ على هذا أن نَقول: إنه لا يَصِحُّ أن يَكون مُوجَّهًا لكل مُخاطَب؛ لأن كل مُخاطَب لا يَتَأتَّى عليه هذا الوصفُ، فليس كلُّ مُخاطَب خُوِّف بالذين من دون الله تعالى، وإنما الذي خوف من دون الله تعالى هو النبيُّ ﷺ الذي خُوِّف بالذي من دون الله تعالى؛ لأنهم كانوا يَتَوعَّدونه بآلهتهم.
فهذا المِثالُ يَنطَبِق على ما ذكَرْناه من القاعِدة أنه إذا ورَد لفظٌ عامٌّ ثُم أُتِيَ بعده بحُكْمٍ يَختَصُّ ببعض أفراده فإن ذلك لا يَقتَضي التَّخصيص، بل يَبقَى العامُّ على عُمومه، ويَثبُت الحُكْم لهذا الفَردِ.
قال المُفَسِّر ﵀: [﴿وَيُخَوِّفُونَكَ﴾ الخِطاب له] أي: للنبيِّ ﷺ [﴿بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾ أيِ: الأصنام، أي: تَقتُله أو تُخبِله] وهذا كقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٧٥].
فهم يُخوِّفون النبيَّ ﷺ بالذين مِن دون الله تعالى، وتَخصيص هذا بالأَصنام كما خصَّصه المُفَسِّر ﵀ فيه نظَر، بل يُخوِّفونه بالذين من دونه من الأصنام وغير الأصنام حتى من ذَوِي السُّلْطان، فتقولون مثَلًا: يَفعَل بك فُلان، أو تَفعَل بك الجِنُّ، أو يُفعَل بك كذا أو كذا، فيَنبَغي أن نَحمِل ﴿بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾ على العُموم لا على خُصوص الأصنام؛ لأن التَّخويف أعَمُّ من ذلك.
والآن مثَلًا في وَقْتنا هذا لو قال قائِل لشَخْص: أنت إن نَهَيْت عن هذا المُنكَرِ سأَرفَع بك إلى فُلان. ممَّن يُخشَى شَرُّه، هل هذا مُخوَّف بالذين من دون الله تعالى؟
стр. 252
الجَوابُ: نعَمْ هذا مُخوَّف بالذين من دون الله تعالى، فالآية عامَّة ولا يَنبَغي أن نُخصِّصها، كما ذهَب إليه المُفَسِّر ﵀.
قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾: (مَن) شَرْطية فتُفيد العُموم؛ فمَن يُضلِل اللهُ تعالى فما له مِن هادٍ يَهديهِ.
وقوله تعالى: ﴿فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ الجُمْلة هذه اسمِيَّة مُكوَّنة من مُبتَدَأ وخبَر؛ فإن قال قائِل: عجَبًا أن نَقول: إنها مُكوَّنة من مُبتَدَأ وخبَر، ونحن لا نَجِد فيها لا مُبتَدَأ ولا خبَرًا، أين الاسمُ المرفوعُ والمَعروف أن المُبتَدَأ والخبَر يَكونان مَرفوعَيْن، وهنا ليس هناك شيءٌ مَرفوع؟
فالجَوابُ: أن نَقول: (ما) نافية، و ﴿لَهُ﴾ جارٌّ ومَجرور خبَر مُقدَّم و ﴿مِنْ هَادٍ﴾ مُبتَدَأ مُؤخَّر، ونُعرِب ﴿مِنْ هَادٍ﴾ فنَقول: ﴿مِنْ﴾ حرف جَرٍّ زائِدٌ، و ﴿هَادٍ﴾ اسمٌ مَجرور بـ ﴿مِنْ﴾ لَفظًا، وهو مُبتَدَأ مَرفوع بضَمَّة مُقدَّرة على الياء المحذوفة منَعَ من ظُهورها التِقاء الساكِنين، وهُما سكون الياء المَحذوفة، ونون التَّنوين؛ لأنه ليس هناك حرَكة على الياء هنا، بل على الياء المحذوفة؛ لالتقاء الساكِنَيْن، والتي قُدِّرت عليها الكَسْرة لمُناسَبة حَرْف الجرِّ الزائِد؛ وإلَّا يَكفي أن نَقول: ﴿مِنْ﴾ حَرْف جَرًّ زائِدٌ، و ﴿هَادٍ﴾ مُبتَدَأ مَرفوع بضَمَّة مُقدَّرة على الياء المَحذوفة لالتِقاء الساكِنَيْن، ونَنْتَهي لأن حَرْف الجَرِّ الزائِدَ في مثل هذه الكلِمةِ لا يَظهَر.
وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ يَعنِي: مَن يُقدِّر الله تعالى ضلالَه فإنه لا أحَدَ يَهديه مَهما اجتَمَعَتْ عليه الأُمَّة، وها هو أَعظَمُ الخَلْق في الهِداية والدَّلالة مُحمَّدٌ ﷺ حرَص غاية الحِرْص لهِداية عمِّه أبي طالِب إلى آخِر أَنْفاسه، ولكن لم يَهتدِ؛ لأن الله كتَبَ عليه الضَّلالة فكان آخِرُ ما قال أَنْ شهِد شهادة الكُفْر، فقال:
стр. 253
هو على مِلَّة عبد المُطلِّب (١). ولكن النبيَّ ﷺ لحُسْن أَخلاقه؛ ولأن عمَّه قام قِيامًا نصَر به الإسلام شفَع له عند الله تعالى، فكان في ضَحضاحٍ من نارٍ، وعليه نَعْلان من نارٍ يَغلِي منهما دِماغه (٢) أعلى ما فيه، والنِّعال في أسفَل ما فيه والدِّماغ يَغِلي؛ فما بالُك بما دونَه من الجِسْم فإنه أشَدُّ غليانًا، وإنه لأَهوَن أهل النار عذابًا، ويُرَى أنه أَشَدُّهم عَذابًا (٣)، ولماذا يُريه الله تعالى أنه أشَدُّهم عذابًا؟ لئِلَّا يَتَسلَّى بغيره؛ لأن صاحِب النار لو عَلِم أن غيرَه أشَدُّ منه أو مثلُه لتَسلَّى وهانَ عليه الأمرُ، وقد أَشار الله تعالى إلى ذلك في قوله تعالى: ﴿وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ [الزخرف: ٣٩]، مع أنكم لوِ اشتَرَكْتم في العذاب في الدنيا لهان عليكم.
فإن قال قائِل: إن أبا طالِب يَرَى نَفْسه أنه أشَدُّ الناس عذابًا؛ لأنه لو رأَى أنه أَقلُّهم يَعنِي: يَتَسلَّى به، فهل هذا يَعنِي أنه ما عَلِم بشَفاعة النبيِّ ﷺ له أنه في هذا الضَّحضاح أم علِم، ولكنه يَرَى أنه أشَدُّ الناس.
قُلْنا: الظاهِر سواء أن علِم أو ما علِم هو يَرَى أنه أشَدُّ الناس، وكونه اللهُ تعالى أَعلَمه أنه كان يَستَحِقُّ الدَّرْك الأَسْفل من النار، ولكن له شَفاعة الرسول ﷺ قد يَكون اللهُ تعالى أَعلَمه بهذا؛ ليُعلِمه أن الله تعالى قد جازاه وكافَأَه على ما صنَع بالرسول ﵊ وقد لا يَكون، والله تعالى أَعلَمُ.
стр. 254
وانظُرْ إلى كعبِ بنِ مالك ﵁ لمَّا قيل: إنه تَخلَّف عن غَزوة تَبوكَ فُلان وفُلان (١) هان عليه الأمر، وهذا شيءٌ مُسلَّم، والخَنْساء تَرثِي أخاها صَخرًا وتَقول:
وَلَوْلَا كَثْرَةُ الْبَاكِينَ حَوْلِي ... عَلَى إِخْوَانِهِمْ لَقَتَلْتُ نَفْسِي
وَمَا يَبْكُونَ مِثْلَ أَخِي وَلَكِنْ ... أُسَلِّي النَّفْسَ عَنْهُ بِالتَّأَسِّي (٢)
إِذَنْ نَقول: مَن قدَّر الله تعالى ضلالَه فلن يَهديَه أحَدٌ مهما أُوتِيَ من الآيات، فإنها لا تُغنِي الآياتُ والنُّذُرُ عن قومٍ لا يُؤمِنون.
من فوائد الآية الكريمة:
الْفَائِدَة الأُولَى: كِفاية الله تعالى لعَبْده.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: الحَثُّ على تَحقيق العُبودية لله تعالى؛ لأنك إذا حقَّقْتَ العبودية تَحقَّقَت لك الكِفاية، إذ إن الحُكْم المُعلَّق على وَصْف يَقوَى بقوَّة ذلك الوصفِ، وَيضعُف بضَعْف ذلك الوَصْفِ، فإذا كانتِ الكِفاية مُرتَّبةً على العُبودية حَصَل للعابِد من هذه الكِفايةِ بقَدْر عُبوديته على القاعِدة أن الحُكْم المُعلَّق بوَصْف يَقوَى بقوَّته ويَضعُف بضَعْفه.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: دِفاع الله عن المُؤمِنين؛ لأنه إذا كان كافيَه فسوف يُدافِع عنه، ويُحقِّق ذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ﴾ [الحج: ٣٨].
стр. 255
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أن عِباد الله تعالى يُخوَّفون بما دون الله تعالى؛ لقوله تعالى: ﴿وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾.
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: أن الشيطان وهو زَعيم أعداء الله تعالى يُخوِّف المُؤمِن العابِد لله تعالى بما دون الله تعالى، فتَجِده يَأتي للشخص الذي يُريد أن يَأمُر بالمعروف ويَنهَى عن المُنكَر يَقول: لا تَفعَل إن الناس سيُبغِضونك، وإن الناس سيَرمونك بالتَّشدُّد، وإن السُّلْطان ربما يُؤدِّبك. وما أَشبَه ذلك، ولكن المُؤمِن لا يَخاف من هذا ابَدًا؛ لأنه مُعتَصِمٌ بالله هو عبد الله، واثِقٌ بأن الله تعالى سيَنصُره، فلا يُهِمُّه هؤلاء، ولكن هل يَعنِي ذلك أن الإنسان يَتَجشَّم الأمور بالعاطِفة العاصِفة أو يَستَعمِل الحِكْمة ويَمضِي في الحقِّ؟
الجَوابُ: الثاني؛ ولذلك نحن نَنقِم على بعض الناس الذين عِندهم غَيْرة في دِين الله تعالى، ولكنهم لا يَأتون البُيوت من أبوابها، بل يُريدون أن يَأتوا الأمور بالعُنْف والقوَّة مع أنه ليس لهم قوَّة؛ فنحن نَقول: امضِ فيما أَمَرك الله تعالى به لكن مُستَعمِلًا في ذلك الحِكمةَ.
الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: أن كل ما سِوى الله تعالى فهو دون الله تعالى؛ لقوله تعالى: ﴿وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾ فليس هنا إلَّا الله تعالى أو من دون الله تعالى.
ويَتفَرَّع على هذه الفائِدةِ: أن كل مَن سِوى الله تعالى فهو مَغلوب، وإذا كان الله تعالى كافيًا عبدَه وكلُّ مَن سِوى الله تعالى فهو مَغلوب فهذا يَعنِي أن الإنسان سيُغلَب إذا حقَّق العُبودية.
ولكن قد يُورِد علينا مُورِد أن الله تعالى ذكَرَ أن من الناس مَن قَتَل الأنبياء، فكيف يُجمَع بين هذه الآيةِ وبين ما ثبَتَ من قَتْل بعض الأنبياءِ؟
стр. 256
والجَوابُ عنه: أن قَتْل الأنبياء ﵈ لا يَعنِي قَتْل ما جاؤوا به من الحَقِّ، والأنبياء ﵈ إنما تَكلَّموا من أَجْل إثبات الحَقِّ، لا من أَجْل إثبات شَخْصيتهم، بل أجل إِثبات الحَقِّ، ثُم إنه إذا فاتهم الانتِصار في الدنيا - أيِ: الانتصار الذي يُشاهِدونه - لم يَفُتْهم ذلك في الآخِرة؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ [غافر: ٥١] والله تعالى أَعلَمُ.
فإن قال قائِل: الخِطاب في قوله تعالى: ﴿وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾ هل يُجعَل لكلِّ خَوْف من دون الله تعالى؟
قُلْنا: نعَمْ، يُمكِن أن نَجعَله لكلِّ مَن خوَّف، لكن الظاهِر أنه خاصٌّ بالرسول ﷺ .
لكن هل هُناك فَرْق بين قول الله لنَبيِّه ﷺ : ﴿وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾ وقول عاد لنَبيِّ الله هود ﵇: ﴿إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ﴾ [هود: ٥٤]؛ لأن المُشرِكين خوَّفوا النبيَّ ﷺ بأنه سيَعتَريه سُوءٌ من الآلهة؟
أَقول: لا، فأُولئك قالوا: ﴿إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ﴾ يَعنِي: خبَلوك وجعَلوك مَجنونًا، أمَّا هؤلاءِ فقالوا: إن آلهِتَنا ستَخبِلك؛ فتَوعَّدوه في المُستَقبَل.
الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: أن مَن كتَب الله تعالى ضَلاله فلا أحَدَ يَستَطيع هِدايته؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾.
الْفَائِدَةُ الثَّامِنَةُ: أن الإنسان لا يَطلُب الهِداية إلَّا من الله تعالى؛ لأنه وحدَه هو الذي يُضِلُّ ويَهدِي، فتَطلُب الهِداية منه؛ لأنه ليس المُرادُ بهذه الآيةِ التَّيْئيس من هِداية الخَلْق، ولكن المُراد الرُّجوع إلى الله في هِداية الخَلْق.
стр. 257
الْفَائِدَةُ التَّاسِعَةُ: الرَّدُّ على المُعتَزِلة الذين يَقولون: إن الإنسان مُستَقِلٌّ بعمَله يَهدِي نفسه ويُضِلُّ نَفْسه ولا عَلاقةَ لمَشيئة الله تعالى في فِعْله؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾.
الْفَائِدَةُ الْعَاشِرَةُ: إثبات الهِداية لغير الله تعالى التي هي هِداية الدَّلالة، وأمَّا التَّوْفيق فإلى الله .
стр. 258
الآية (٣٧)
* قَالَ اللهُ : ﴿وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُضِلٍّ أَلَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ ذِي انْتِقَامٍ﴾ [الزمر: ٣٧].
قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُضِلٍّ﴾ أي: مَن يُقدِّر اللهُّ تعالى هِدايته فما له من مُضِلٍّ، ولا أحَدَ يَستَطيع أن يُضِلَّه مهما كثُرَتِ الشُّبُهاتُ وكثُرَتِ الشَّهَواتُ، فإذا قدَّر الله تعالى على العَبْد الهِداية فلن يُضِلَّه لا شهوةٌ ولا شُبهةٌ؛ لأنه عند الشَّهوة يُغلِّب العَقل فيَمتَنِع منها، وعند الشُّبهة يُغلِّب العِلْم فيَهتَدِي به منها، فمَن يَهدِه الله تعالى فما له من مُضِلًّ.
وفي هذه الجُملةِ من تَشجيع الإنسان على الاستِمرار في الهِداية ما هو ظاهِر؛ لأن الله تعالى هو الذي هَداه ولا أحدَ يَستَطيع أن يُضِلَّه؛ وفيها اللُّجوء لله في طلَب الِهداية منه والاستِمرار عليها.
ثُمَّ قال تعالى: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ ذِي انْتِقَامٍ﴾ الجَوابُ: بلَى، وقوله تعالى: ﴿بِعَزِيزٍ﴾ هذه خبَر (ليس) دخَلَت عليها الباء الزائِدةُ لَفْظًا الزائِدةُ مَعنًى؛ لأنها تُفيد تَوكيد العُموم في النَّفي إذ إن النفيَ يُفيد العُموم إذا أَتَى بعده اسمٌ نَكِرة، لكن إذا دخَلَتِ الباء فإن حُروف الزيادة من أَحرُف التَّوْكيد، كما ذكَر ذلك عُلماء البلاغة.
стр. 259
وقوله تعالى: ﴿بِعَزِيزٍ﴾ قال المُفسِّرون لأَسماء الله تعالى الحُسنى: (العَزيز) له ثلاثة مَعانٍ:
المَعنَى الأوَّل: عِزَّة القَدْر.
والمَعنَى الثاني: عِزَّة القَهْر.
والمَعنَى الثالِث: عِزَّة الامتِناع.
أمَّا عِزَّة القَدْر فمَعناها: أن الله ذو قَدْرٍ عظيم وشرَفٍ كبير، لا أحَدَ يُماثِله، ولا أحَدَ يُساوِيه أو يُقارِبه.
وأمَّا عِزَّة القَهْر فمَعناها: أن الله تعالى قاهِرٌ لكل شيء، غالِبٌ لكل شيء.
وأمَّا عِزَّة الامتِناع فمَعناها: أن الله تعالى يَمتَنِع عليه كلُّ عَيْبٍ ونَقْص.
وهذا معروفٌ في اللُّغة العربية، فالمَعنَى الثاني الذي هو الغلَبة قال فيه الشاعِر:
أَيْنَ المَفَرُّ وَالْإِلَهُ الطَّالِبُ ... وَالْأَشْرَمُ المَغْلُوبُ لَيْسَ الْغَالِبُ (١)
وأمَّا الأوَّل الذي هو عِزَّة القَدْر فيُقال: هذا عزيزٌ أي: نادِر لا يُوجَد؛ لشرَفه وكرَمه.
وأمَّا الثالِث فقولهم: أرضٌ عَزاز. أي: قوِيةٌ صُلْبة يَمتَنِع، أو تَمتَنِع أن تَحفُرها المَعاوِل.
فالله عزيزٌ بهذه المَعاني الثلاثة.
وقوله تعالى: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ ذِي انْتِقَامٍ﴾: ﴿ذِي﴾ بمَعنَى: صاحِب، وانتِقام
стр. 260
نكِرة، والنَّكِرة في سِياق الإثبات لا تُفيد العُموم، ولكنها هنا في سِياق ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ ذِي انْتِقَامٍ﴾ أي: صاحِب انتِقام، فكلَّما كانت الحِكْمة في الانتِقام انتَقَمَ.
وتَأمَّل قوله تعالى: ﴿ذِي انْتِقَامٍ﴾ ولم يَقُل: مُنتَقِم؛ لأنه ليس من أَسماء الله تعالى المُنتَقِم ولم تَأتِ المُنتَقِم في أسماء الله تعالى في حديثٍ صحيح، وإنما جاءَت باسْمِ الفاعِل مُقيَّدًا، كقوله تعالى: ﴿إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ﴾ [السجدة: ٢٢]، ولم يَقُل: إنا مُنتَقِمون. وقال: ﴿ذِي انْتِقَامٍ﴾ أي: صاحِب انتِقام في مَوضِعه، فالمُنتَقِم ليس من أسماء الله تعالى حتى وإن قُرِنت بالعَفوِ خِلافًا لما ذهَب إليه بعض العُلَماء ﵏ من أنه إذا قُرِنت بالعَفو فلا بأسَ، بل نَقول: المُنتَقِم ليس من أسماء الله تعالى لا مَقرونًا بالعَفوِ ولا مُنفرِدًا عنه، لكنه يُوصَف بالانتِقام مُقيَّدًا ﴿إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ﴾، ويُوصَف بأن الانتِقام يَصدُر مِنه لا أنه مُنتَقِم؛ لقوله تعالى: ﴿بِعَزِيزٍ ذِي انْتِقَامٍ﴾.
فإن قال قائِل: هل يَجوز أن يَكون المُنتَقِم من أسماء الله تعالى المُقيَّدة؟
قُلنا: لا، لأن الله تعالى قيَّد الانتِقام لمَّا وصَف نفسَه باسمِ الفاعِل قيَّده، وهنا نَقول:
أوَّلًا: إن أسماء الله تعالى كلُّها مُتَضمِّنة لصِفات، فكلُّ اسمٍ فهو مُتضَمِّن لصِفة، أو أكثَرَ من صِفة، وليس كلُّ صِفة تَتَضمَّن اسمًا.
إِذَنِ: الصِّفات صارت أَوسَعَ من الأسماء.
ثانيًا: الصِّفاتُ منها ما وصَفَ الله تعالى بها نَفْسه فهذا لا شَكَّ في أنه جائِز، ولكننا نَصِفُ الله تعالى به على حسَب ما وصَفَ به نَفْسه؛ فقال الله : ﴿إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ﴾ [إبراهيم: ٤٧] هنا لا نَقول: إن الله تعالى مُنتَقِم، بل نَقول: ذو انتِقامٍ
стр. 261
أَيْ: لَه انتِقامٌ، وفَرْقٌ بين أن أُسمِّيَ الرجُل بالنَّجَّار؛ لأن مِهْنته النِّجارة، أو أَقول: له نِجَارةٌ. يَعنِي: يَنجُر إن دعَتِ الحاجة إلى ذلك؛ فيُوصَف الله تعالى بما وصَفَ الله تعالى به نَفْسه من الصِّفات؛ على حسَب ما يَصِف به نَفْسه، وما لم يَصِف به نفسه إن كان دالًّا على مَعنًى يَليق بالله جاز أن يُخبَر به عن الله تعالى، وإن كان دالًّا على مَعنًى لا يَليق بالله تعالى حرُم أن يُوصَف به الله تعالى لا خبَرًا ولا وَصْفًا لازِمًا.
وهذه مَسأَلة مُهِمَّة، يَعنِي: ما لا يَليق بالله تعالى لا يَجوز أن نَصِفه به لا على سَبيل الفِعْل ولا على سَبيل الوَصْف اللازِم، وما كان لا يُخالِف ما يَليق بالله تعالى جاز أن نُخبر به عنه، وقد ذكَرَ شيخُ الإسلام ﵀ هذا التَّقسيمَ في كِتاب (الفتاوى) في قِسْمَ التَّوْحيد.
قال المُفَسِّر ﵀: [﴿وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُضِلٍّ أَلَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ﴾ غالِب على أَمْره].
وتَفسيره العَزيزَ بالغالِب على الأَمْر يُعتَبَر قاصِرًا؛ لأن العِزَّة لها ثَلاثة مَعانٍ كما شرَحْنا، قال ﵀: [﴿ذِي انْتِقَامٍ﴾ من أَعدائه؟ بلَى] والانتِقام أَخْذ المُجرِم بجَريمته، وقوله تعالى: (بلَى) هذا جَواب الاستِفْهام في قوله تعالى: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ ذِي انْتِقَامٍ﴾.
من فوائد الآية الكريمة:
الْفَائِدَة الأُولَى: إثبات عِزَّة الله بجَميع مَعانيها.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: تَهديد هؤلاء المُكذِّبين لرسول الله ﷺ تَهديدهم بهذين الوَصْفين؛ وَصْف العِزَّة المُستَفاد من (عَزيز)، والانتِقام المُستَفاد من قوله تعالى: ﴿ذِي انْتِقَامٍ﴾ فكأَنَّ الله تعالى يُهدِّدهم بعِزَّته وانتِقامه من تَكذيب الرسول ﷺ .
стр. 262
الآية (٣٨)
* قَالَ اللهُ : ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ [الزمر: ٣٨].
قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ﴾ الخِطاب إمَّا للرسول ﷺ ، أو لكل مَن يَتَوجَّه إليه الخِطاب، واللَّام في قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ﴾ مُوطِّئةٌ للقسَم، و (إِنْ) شَرْطية، والجَواب في قوله تعالى: ﴿لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ جواب القسَم؛ لأنه قُرِن باللَّام، والذي يُجاب باللَّام هو القسَم وليس الشَّرط، والقاعِدة: أنه إذا اجتَمَع شَرْط وقسَم فالجَواب للسابِق منهما؛ قال ابنُ مالِك ﵀ في الأَلْفية:
وَاحْذِفْ لَدَى اجْتِمَاعِ شَرْطٍ وَقَسَمْ ... جَوَابَ مَا أَخَّرْتَ فَهْوَ مُلْتَزَمْ (١)
والمُؤخَّر هنا الشرط فيُحذَف جوابه ويَكون جوابه مَعلومًا من جواب القسَم.
قوله : ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ﴾ سُؤال استِفْهام ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ يَعنِي: مَن أَوْجَدهما على هذه الصَّنْعة البَديعة، والسمواتُ مَأخوذة من السُّموِّ وهو العُلو؛ لعُلوَّها وارتِفاعها؛ وجمَعَها لأنها سَبْع سمَواتٍ وطباقًا،
стр. 263
أي: مُتَطابِقة، فكل واحِدة فَوْق الأخرى، وعلى هذا فتَكون الثانية أَوْسَعَ من الأُولى، والثالثة أَوسَعَ من الثانية، والرابعة أَوسَعَ من الثالِثة ... وهلُمَّ جَرًّا، وإذا كان بينهما مَسيرة خمسِ مِئة عام عرَفت سَعة كل سماءٍ بالنسبة لما تَحتَها، وأن سَعَتها عظيمة، ومع هذا فهذه السَّمواتُ التي بهذه السَّعة العظيمة هي بالنِّسبة للكُرسيِّ كحلَقةٍ أُلقِيَت في فَلاةٍ من الأرض كحَلقة المِغفَر صغيرة أُلقِيَت في فَلاةٍ من الأرض، وفَضْل العَرْش على الكُرسيِّ كفَضْل الفَلاة على هذه الحَلقةِ، والرَّبُّ لا يَقدُر قَدْره إلَّا الله .
إِذَنِ: السمواتُ سبع مُتَطابِقة، والأرض واحِدة؛ لأنه قال: ﴿وَالْأَرْضَ﴾، ولم يَقُل: والأَرَضين؛ نَقول: المُراد بالأرض هنا الجِنْس، فلا يُنافِي أن تَكون سبعًا، وقد أَشار الله تعالى في القُرآن إلى أنها سَبْع في قوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ١٢]، وجاءَت السُّنَّة صريحةً في ذلك في مثل قول النبيِّ ﷺ : "مَن اقْتَطَعَ شِبْرًا مِنَ الْأَرْض ظُلْمًا طَوَّقَهُ اللهُ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ" (١).
وقوله تعالى: ﴿لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ هذا جَواب سُؤال؛ فيَقولون: الله تعالى هو الذي خلَق السَّمواتِ والأرضَ، ولم يدَّعِ المُشرِكون أن السَّمواتِ والأرضَ كانت قَديمةً غير مُحدَثة، ولم يَدَّعوا أن أحدًا خلَقها سِوى الله تعالى، بل أَقَرُّوا بأن الخالِق هو الله تعالى وحدَه، كما أنهم إذا سُئِلوا: مَن خلَقهم ليَقُولُنَّ: الله. فكلَّما سُئِلوا عن شيء يَتعلَّق بالربوبية نسَبوه إلى الله من غير شَريك، فَهُمْ مُقِرُّون بتَوحيد الرُّبوبية غاية الإقرار، يَعلَمون أن الله تعالى هو الخالِق.
وقوله تعالى: ﴿لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ في ضَمِّ هذا الفِعلِ مع اتِّصال نون التَّوْكيد به
стр. 264
إشكال، والمَعروف أن المُضارع يُبنَى في مَوْضِعين: إذا اتَّصَلت به نون التَّوْكيد يُبنَى على الفَتْح، أو نون النِّسوة يُبنَى على السُّكون فلماذا هنا صار مَضمومًا؟ لأن نون التَّوْكيد هنا غير مُباشِرة للفِعْل، وعلى هذا التَّقديرِ يَكون بينها وبين الفِعْل واوُ الجماعة ونون الرَّفْع، فهي غير مُباشِرة حقيقةً مُباشِرة لفظًا، والفِعْل يُبنَى مع نون التوكيد المُباشِرة لفظًا وتَقديرًا، أمَّا هذه فهي في التَّقدير غير مُباشِرة؛ ولهذا بقِيَ الفِعْل مُعرَبًا، فيُقال: إنه مَرفوعٌ بالنون المَحذوفة لتَوالي الأَمثال، والواو المَحذوفة لالتِقاء الساكنين فاعِل.
وقوله تعالى: ﴿لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾: ﴿اللَّهُ﴾ بالرفع خبَر مُبتَدأ محَذوف، أي: هو الله، ويَجوز أن تَكون فاعِلًا لفِعْلٍ محذوف أي: خلَقهما الله، ويَجوز أن تَكون مُبتَدأ، والخبَرُ مَحذوف، والتقدير: الله خالِقُهما، والأمر في هذا واسِع، بابُ الإعراب له وُجوهٌ.
وقوله تعالى: ﴿قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ﴾ يَعنِي: اسأَلْهم سُؤالًا آخَرَ إذا أَقرُّوا بأن الخالِق هو الله تعالى فقُلْ لهم: أَخبِروني ما تَدعون من دون الله تعالى.
يَقول المُفَسِّر ﵀: [﴿تَدْعُونَ﴾ تَعبُدون]، ويُحتَمَل أن يَكون المُرادُ به دُعاءَ المسألة؛ لأن الدعاء يُطلَق على مَعنيَيْن: الأوَّل: دُعاء المَسأَلة، والثاني: دُعاء العِبادة.
فمِن الأوَّل قوله تعالى: "هَلْ مِنْ سَائِلٍ فَأُعْطِيَهُ؟ هَلْ مِنْ دَاعٍ فَأَسْتَجِيبَ لَهُ" (١)، وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾
стр. 265
[البقرة: ١٨٦] هذا دُعاءُ مَسأَلة.
ومن الثاني - وهو دُعاء العِبادة - قولُه تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر: ٦٠]
فهؤلاء القومُ يَدْعون من دون اللهِ تعالى دُعاءَ مَسأَلة ودُعاء عِبادة؛ لأن اللَّفْظ عامٌّ، والمَعنَى: أَخبِرونا عن هذه الأَصنامِ التي تَدعونها من دون الله تعالى هل يَنفَعْنَ مَن دعاهُنَّ؟ هل يَجلِبن النفع أو يَدفَعْن الضُّرَّ: ﴿إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ﴾؟
الجَوابُ: لا، لا يَدفَعْن الضَّرَر.
وإذا: ﴿أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ﴾؟
والجَوابُ: لا، إِذَنْ كيف تُعبَد من دون الله تعالى؟! وكيف تُدعَى من دون الله تعالى؟! والله إذا أَراد بي شيئًا ضَرًّا لم يَملِكن دَفْعه، وإذا أَرادني برحمة لم يَملِكْن إمساكَ هذه الرحمةِ.
يَقول المُفَسِّر ﵀: [لا] ﴿قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ يَعنِي: لا يُهِمُّني أن تُهدِّدوني بهذه الأصنامِ، فإن حَسْبي اللهُ، أي: كافِيني عمَّن سِواه، والجملة في ﴿حَسْبِيَ اللَّهُ﴾ يَجوز أن يَكون فيها تَقديمٌ وتأخير، فنُعرب ﴿حَسْبِيَ﴾ خبَرًا مُقدَّمًا، و ﴿اللَّهُ﴾ مُبتَدَأ مُؤخَّرًا، ويَجوز أن نَقول: ﴿حَسْبِيَ﴾ مُبتَدَأ و ﴿اللَّهُ﴾ خبَر، ويَختَلِف هذا الإعرابُ باختِلاف المَعنَى، فإن أَرَدْت أن تُخبِر عن الحَسْب بأنه اللهُ فاجعَلِ الحَسْب مُبتَدَأ، وإن أَرَدْت أن تُخبِر عن الله بأنه الحَسْب فاجعَلْ ﴿حَسْبِيَ﴾ خبَرًا مُقدَّمًا.
والآية من حيثُ المَعنَى صالحِةٌ لهذا وهذا، فالله تعالى هو الحَسْب، والحَسْب
стр. 266
هو الله تعالى، وليس لنا حَسْبٌ سِوى الله تعالى، والله حَسْبنا وكافينا.
وقوله تعالى: ﴿عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ التَّوكُّل هو الاعتِماد على الله اعتِمادًا حَقيقيًّا صادِقًا في جَلْب المَنافِع ودَفْع المَضارِّ مع الثِّقة به، هذا هو التَّوكُّل، وهو من العِبادة الخاصَّة بالله تعالى كما قال الله تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [آل عمران: ١٢٢]، أي: على الله تعالى وحدَه.
وأمَّا تَوكُّل غير العِبادة فإنه يَجوز للإنسان أن يَتوكَّل على غيرِه فيما وكَّله فيه، كما لو قُلْت لفُلان: وكَّلْتُك أن تَشتَريَ لي كذا وكذا. فاعتَمَدْت عليه في الشراء، وهذا ليس تَوكُّلَ عِبادة؛ لأن المُتوكِّل في هذه الصورةِ لا يَشعُر بأنه أَدنى مَرتَبةً من الوكيل، بل قد يَشعُر بأنه أَعلى مَرتَبة؛ لأنه جعَل ذلك خادِمًا له مُنفِّذًا لما يَقول، أمَّا التَّوكُّل على الله تعالى فإنك تَتَوكَّل على الله تعالى مُعتَقِدًا في نَفْسك أنك مُضْطَرٌّ إليه، وأنه هو الذي بيده تَصريف أُمورك فتَتَوكَّل عليه رغبةً ورَهبةً وتَقرُّبًا إليه.
ولهذا نَقول: هل يَجوز أن أَقول: تَوكَّلت على فُلان؟
الجَوابُ: إن كان ذلك على وجه العِبادة فهذا حَرام وشِرْك، وإن كان على وجه الإنابة أي: أَنَبْته مَنابي فيما أَوْكَلته فيه فهذا لا بأسَ به ولا حرَجَ، وكان النبيُّ ﷺ يُوكِّل أصحابه في قَبْض الزَّكَوات وتَصريفها وغير ذلك (١).
يَقول المُفَسِّر ﵀: [﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ﴾ لام قَسَم ﴿سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ﴾] يَعنِي: إذا أَقرُّوا بهذا الإقرارِ [﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ﴾ تَعبُدون ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ أيِ: الأصنام] يَعنِي: أَخبِرونا عنها [﴿إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ
стр. 267
بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ﴾؟] الجَوابُ: يَقول: [لا] ﴿أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ﴾؟ لا، وفي قِراءة: بالإضافة فيهما]، أي: في قوله : ﴿كَاشِفَاتُ﴾، وفي قوله تعالى: ﴿مُمْسِكَاتُ﴾ فنَقرَأ على هذه القِراءةِ: (هَلْ هُنَّ كاشِفاتٌ ضُرَّه هَلْ هُنَّ مُمْسِكاتٌ رَحْمَتَهُ)، والقِراءتان سَبْعيتان.
ومن قاعِدة المُفَسِّر ﵀ في هذا الكِتابِ: أنه إذا قال: (وقُرِئَ) فهي شاذَّة، وإذا قال: وفي قِراءة. فهي سَبْعية.
ثُمَّ قال المُفَسِّر ﵀: [﴿قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ يَثِق الواثِقون].
من فوائد الآية الكريمة:
الْفَائِدَة الأُولَى: إقرار هَؤلاء المُشرِكين بالرُّبوبية لقوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: شَأْن الإقرار بالرُّبوبية لا يَنفَع العبد، ولا يُدخِله في الإسلام، ودليلُ ذلك: أن النبيَّ ﷺ قاتَل هؤلاءِ المُقِرِّين بالرُّبوبية، واستَباح دِماءَهم ونِساءَهم وأَموالهم، ولو كان إقرارُه بالربوبية نافِعًا لكانت دِماؤُهم مَعصومةً، وأَموالهم مَعصومةً، وأَهلوهم مَعصومين.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: الإبطال لمَّا عرَّف المُتكَلِّمون به التوحيد؛ لأن عامة المُتكَلِّمين إذا فسَّروا التوحيد قالوا: إنه ثلاثة أنواع: التَّوْحيد في ذاته، وفي صِفاته، وفي أفعاله؛ هكذا يَقولون، ويَقولون: هو واحِدٌ في ذاته، لا قَسيمَ له، ويَعنُون بذلك أنه ليس له وجهٌ، وليس له يَدٌ، وليس له عَيْن، وما أَشبَهَ ذلك، يَقولون لو قُلْنا: إن له هذه
стр. 268
الصِّفاتِ لزِمَ أن يَكون ذا أعضاءٍ، وهو لا يَتَقسَّم، فهو واحِدٌ في ذاته، لا قَسيمَ له، واحِدٌ في أفعاله، لا شريكَ له، ثُمَّ يَجعَلون هذا النوعَ من التَّوْحيد هو توحيدَ الأُلوهية، فتقولون: مَعنَى قول القائِل: (لا إلهَ إلَّا الله) أي: لا قادِرَ على الخَلْق والاختِراع إلَّا الله تعالى.
وأمَّا قولهم: (واحِدٌ في صِفاته لا شبيهَ له) كلام ظاهِره فيه الرَّحْمة وباطِنه من قِبَله العَذاب، فماذا يَعنون بقولهم: (لا شَبيهَ له)؟
الجَوابُ: أي: لا صفاتِ له؛ لأنهم يَعتَقدون أن كل مَن أَثبَت لله صِفة فهو مُشبِّه، فهو واحِدٌ في صِفاته لا شبيهَ له، هذا التنويعُ لو قرَأْتَه على عامِّيٍّ سيَقول: ما أَحسَنَه! ما أَجمَلَه! واحِدٌ في ذاته لا قَسيمَ له! ! ويُسبِّح ويُهلِّل، واحِدٌ في أَفعاله لا شريكَ له كذلك! واحِدٌ في صِفاته لا شبيهَ له كذلك! لكن لا يَدرِي أن وراءَ الأَكَمة ما وراءَها!!.
بل هم يُريدون بقولهم: (واحِدٌ في ذاته لا قسيمَ له) أي: ليس له صِفاتٌ هي بالنسبة إلينا أعضاء مثل: اليَدِ والوَجْه والعَيْن والقدَم والساق، وبقولهم: (واحِدٌ في أفعاله لا شريكَ له) يُريدون بذلك أن هذا هو مَعنى: (لا إلهَ إلَّا الله)، ولو كان هذا هو مَعنَى (لا إلهَ إلَّا الله) لكان المُشرِكون الذين قاتَلهم الرسول ﷺ مُؤمِنين مُوحِّدين، وهم كانوا إذا قيل لهم: لا إلهَ إلَّا الله. يَستَكْبِرون، ولا يَقبَلون هذا، ويَقولون: أَجعَلَ الآلِهة إلهًا واحِدًا. فتَأمَّل كيف كان المُشرِكون في الجاهلية يَفهَمون من التَّوحيد ما لا يَفهَمه هؤلاءِ المُتكَلِّمون.
وقد ذكَر شيخُ الإسلام ابنُ تيميَّةَ (١) ﵀ وغيره هذا المَعنَى، وقالوا: المشُرِكون
стр. 269
خيرٌ في فَهْم التَّوْحيد من هَؤلاء المُتكَلِّمين؛ لأن هؤلاءِ المُتكلِّمِين جعَلوا التوحيد هو تَوحيدَ الربوبية فقَطْ، وهذا لا يُنكِره المُشرِكون يُقِرُّون به، ويُنكِرون توحيدَ الأُلوهية؛ لأنهم يَعرِفون أن معنى: (لا إلهَ إلَّا الله) لا مَعبودَ حقٌّ إلَّا اللهُ، يعرفون هذا، أمَّا أُولئك المُتكلِّمون فإنهم لا يُقيمون للأُلوهية وزنًا، يَجعَلونها خارِجًا لا يُدخِلونها في أنواع التوحيد، فيَعنُون بقولهم: (واحِدٌ في صِفاته لا شريكَ له لا شبيهَ له) تَعطيل الصِّفاتِ؛ لأنهم يَدَّعون أن كل مَن أَثبَت لله تعالى صِفة فهو مُشبِّه.
فهذه الآيةُ تُبيَّن الردَّ على أولئك المُتكَلِّمين الذين يَجعَلون توحيد الأُلوهية هو توحيدَ الربوبية، ويَأتي - إن شاء الله تعالى - بقِيَّة الكلام عليه.
فائِدةٌ: مُقاتَلة المُسلِم ليسَتْ كمُقاتَلة الكافِر، فمُقاتَلة المُسلِم تُقاتِله لأنه أخَلَّ بشَعيرةٍ من شَعائر الإسلام، ولا تَستَبيح نِساءه وذُرِّيَّته وأَرضَه، لكن مُقاتَلة الكافِر تُقاتِله لأنه ترَك الإسلام كلَّه؛ ولهذا تَستَبيح نِساءه وذُرِّيَّته وأرضَه.
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: وجوب إفراد الله تعالى بالتَّوكُّل على الله تعالى؛ في قوله تعالى: ﴿عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ للحَصْر، بطريق تَقديم المَعمول عليه.
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: أن ما يُعبَد من دون الله تعالى لا يَنفَع عابده بجَلْب نَفْع ولا بدَفْع ضَرَر؛ لقوله تعالى: ﴿قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ﴾.
الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: إثبات الإرادة لله تعالى؛ لقوله تعالى: ﴿إِنْ أَرَادَنِيَ﴾، ﴿أَوْ أَرَادَنِي﴾، وإرادة الله تَنقَسِم إلى قِسْمين:
أ - إرادةٌ شَرْعية.
ب - وإرادةٌ كَوْنيةٌ قدَرية.
стр. 270
فالكونية هي التي بمَعنَى المَشيئة، والشرعية هي التي بمَعنَى المَحبَّة؛ فإذا كانت (يُريد) بمَعنَى (يَشاء) فهي إرادة كونية، وإذا كانت (يُريد) بمَعنَى (يُحِبُّ) فهي إرادة شرعية.
إِذَنِ: الفَرْق بينهما:
أوَّلًا: أن الإرادة الكونية يَلزَم منها وقوع المُراد؛ لأنها كونية، ولا أحَدَ يُعقِب حُكْم الله تعالى، والإرادة الشرعية لا يَلزَم منها وقوع المُراد.
ثانيًا: أن الإرادة الشرعية لا تَكون إلَّا فيما يُحِبُّه الله تعالى، والإرادة الكونية شامِلة لما يُحِبُّه الله تعالى وما لا يُحِبُّه الله تعالى، ومثال ذلك: لو قال لك قائِل: هل الله تعالى يُريد المَعاصيَ؟ فإن قُلتَ: (نعَمْ) أَخطَأْت، وإن قُلتَ: (لا) أَخطَأْت؛ والصواب أن نَقول: (بالإرادة الكونية: نَعَمْ يُريدها، ولم تَقَعِ المَعاصي إلَّا بإرادته)، و (بالإرادة الشَّرْعية: لا)؛ لأن الله تعالى يَكرَه المَعاصيَ، وبهذا التَّفصيلِ تَزول إشكالاتٌ كثيرة في المعاصِي: هل هي مُرادة لله تعالى أو غير مُرادة؟ نَقول: هي مُرادةٌ بالإرادة الكونية، غيرُ مُرادة بالإرادة الشرعية.
فإن قال قائِل: كيف يُريدها الله تعالى وهو لا يُحِبُّها؟
قلنا: نعَمْ هي مُرادة لغيرها، بمَعنَى: مَحبوبة لغيرها، أي: لِما تُؤدِّي إليه من المَصالِح العظيمة.
إذن: ليسَتْ مُرادةً بالإرادة الشرعية، وإنما هي مُرادة بالإرادة الكَوْنية؛ فإذا أَورَدَ علينا مُورِد: كيف يُريدها الله وهو يَكرَهها؟
فالجَوابُ: أن نَقول: يُريدها وهو يَكرَهها؛ لكونها مُرادة لغَيْرها، فالله عَزَّ وَجَلَّ
стр. 271
يُوقِع المعاصِيَ يُريد المعاصِيَ من أجل خيرٍ كثيرٍ لفاعِلها إذا تاب إلى الله تعالى؛ لأن العاصيَ إذا تاب إلى الله تعالى كان خيرًا منه قبل المَعصِية، والدليل على هذا أن آدَمَ عصا ربَّه وغوَى، وتاب إلى الله تعالى، وبعد تَوْبته اجتَباه وهَداه، ولولا هذه المَعصيةُ لم يَحصُل له الاجتِباءُ والهِداية التي حصَلَتْ بعد المَعصية، فكانت المَعصية الآنَ خَيْرًا لآدَمَ ﵇.
ثُمَّ إن فيها خيرًا آخَرَ؛ فالإنسان العاصِي إذا عصا الله تعالى عرَف قَدْر نَفْسه وخَجِل من ربَّه، واستَصغَر كل عمَل خيرٍ يَفعَله؛ لأنه يَذكُر مَعصيته دائِمًا بين عَيْنيه لكن إذا لم يَعصِ ربَّما يشمخر (١) ويَعلو بأَنْفه، ويُعجَب بنَفْسه، ويَقول: أنا ما عصَيْت الله تعالى أبدًا! وما أَشبَه ذلك، ثُمَّ يَحبَط عمَله من حيث لا يَشعُر.
فهاتانِ اثنَتانِ مَصلَحتهما للعاصِي، وهناك مَصلحةٌ ثالِثة لعامة الناس، فلولا العِصيان ما قام الأَمْر بالمَعروف والنهيُ عن المُنكَر؛ لأن الناس لو كان كلهم على البِرِّ والمَعروف فبأيِّ شيءٍ نَأمُر؟! وعن أيِّ شيء نَنهَى؟! فلا يَقوم الأَمْر بالمَعروف والنهيُ عن المُنكَر إلَّا بوجود أسبابه وهي المَعاصِي.
ثالثًا: لولا المَعاصِي ما عرَف الإنسان قَدْر الإيمان الذي أَنعَم الله به عليه ولذَّتَه؛ لأن الناس لو كانوا على حَدٍّ سواءٍ ما عرَف الإنسان قَدْر نِعْمة الله عليه؛ ولهذا لا يَعرِف قَدْر العافِية إلَّا مَنِ ابتُليَ بالمرَض، وكذلك أيضًا المَعصية؛ لا يَعرِف العبد قَدْر نِعْمة الله تعالى عليه بالطاعة إلَّا إذا عرَف آثار المَعاصِي على فاعِلها.
رابِعًا: لولا المَعاصِي التي أَعظَمُها الكُفر ما قام سُوق الجِهاد؛ لأننا لو كُنَّا كلنا
стр. 272
مُسلِمين فمَن نُجاهِد؟ لا أحَدَ، لكن إذا كان هناك كافِر ومُؤمِن قام سُوق الجِهاد، ولا يَخفاكُم ما في الجِهاد من الخير والفَضْل العظيم.
خامِسًا: لولا المَعاصي لفاتَتِ الحِكْمة من خَلْق الخَلْق كلهم، قال الله : ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ يَعنِي: على الهُدى ﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (١١٨) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [هود: ١١٨، ١١٩].
سابِعًا: لولا المَعاصِي لم يَكُن لخَلْق الجَنَّة والنار حِكْمة؛ لأن الجَنَّة لمَن عصَى واستَغفَر الله تعالى، ولو لم يَكُن عُصاةٌ لكان خَلْق النار عبَثًا؛ ولهذا قال تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾.
فتَبيَّن الآنَ أن ما يُقدِّره الله ممَّا يَكرَهه له فوائِدُ كبيرة عَظيمة، وحينئذٍ يَكون مُرادًا لله تعالى مُرادًا لغيره، وهو من هذه الناحيةِ مَحبوبٌ إلى الله تعالى، فتَبيَّن بهذا سُقوط الإيراد الذي أَوْرَدناه أوَّلًا، وهو كيف يُريد الله تعالى المَعاصيَ وهو يَكرَهها؟ ومثل هذه الفوائِدِ قد لا تَجِدونها في كِتابٍ؛ ولذلك أَحُثُّكم على الاحتِفاظ بها وتَقييدها.
ونَظير ذلك في الأمور المَحسوسة أن الأبَ أو الأُمَّ يَأتي إلى ابنه المَريض فيَكويه بالنار وتُؤلِمه وتُحرِق جِلْده، لكن لطلَب الشِّفاء؛ فكَيُّه مَكروه غير مَحبوب له، لكنه مَحبوبٌ لغيره، أي: لما يَنتُج عنه من المَصالِح، وبهذا تَبيَّن أنه لا مانِعَ من أن يَكون الشيء مَكروهًا من وجهٍ ومَحبوبًا من وجهٍ.
ونَرجِع إلى الفَرْق بين الإرادتين: (الشرعية والكونية)، فما هي التي يَلزَم فيها وُقوع المُرادُ؟
стр. 273
أَقولُ: الكونية هي التي يَلزَم منها وقوع المُراد، وعلى هذا فالكافِر مُرادٌ منه أن يُؤمِن ولم يُؤمِن، ومُرادٌ منه أن يَكفُر وقد كفَرَ، فمُرادٌ منه أن يُؤمِن بالشَّرْعية - ومُرادٌ منه أن يَكفُر - بالإرادة الكونية - فكفَر.
والمُؤمِن الذي آمَن؛ مُرادٌ منه أن يُؤمِن - بالإرادة الشرعية - ومُرادٌ منه أن يُؤمِن - بالإرادة الكَوْنية - لأنه آمَن.
وعلى هذا فالمُؤمِن اجتَمَع في حَقِّه الإرادتان: الكَوْنية والشَّرْعية، والكافِر في حَقِّه الإرادة الكونية دون الشرعية.
فهنا قوله تعالى: ﴿إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ﴾ وقوله تعالى: ﴿أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ﴾ أَراد بهما الإِرادة الكونية.
الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: أن الله يَبتَلي الإنسان بالضُّرِّ وبالرحمة، وهو كذلك، فيَبتليه بالضُّرِّ ويَبتليه بالرحمة؛ قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا أَذَاقَهُمْ مِنْهُ رَحْمَةً إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ﴾ [الروم: ٣٣]، فالله يَبتَلي بالضُّرِّ ويَبتِلي بالرحمة.
الْفَائِدَةُ الثَّامِنَةُ: الفَرْق بين الضُّرِّ وبين الرحمة، أن الرحمة قال تعالى فيها: ﴿هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ﴾ والضرُّ قال تعالى فيه: ﴿هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ﴾؛ لأن الرحمة تَحتاج إلى بَقاء فإذا أَبقَى الله تعالى الرحمة، فهل هذه الأَصنامُ هي التي تُمسِك الرحمة أو الله تعالى؟ بل الله هو الذي يُمسِك الرحمةَ، وليست هذه الأَصنامُ.
ويُحتَمَل في الآية وجهٌ آخَرُ، وهو أن قوله تعالى: ﴿هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ﴾ مَعناه: أن تَصِل إلى المَرحوم، فيَكون ﴿مُمْسِكَاتُ﴾ بمَعنى: مانِعات للرحمة؛ ليَكون ذلك في مُقابِل ﴿هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ﴾.
стр. 274
الْفَائِدَةُ التَّاسِعَةُ: وجوب اعتِماد الإنسان على الله تعالى؛ لقوله: ﴿قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ﴾ أي: قُلْها باللِّسان مُعتَقِدًا إيَّاها بقَلْبك.
الْفَائِدَةُ الْعَاشِرَةُ: أن أحقَّ مَن يُتوَكَّل عليه هو الله تعالى؛ لقوله: ﴿عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾.
فإن قال قائِل: هل تَحقيق التَّوكُّل يُنافي فِعْل الأسباب؟
فالجَوابُ: لا، إلَّا إذا تَعذَّرتِ الأسباب ولم يَبْقَ إلَّا التَّوكُّل، فحينئذٍ يَكون هو سبب الأسباب، فالإنسان مَأمور بفِعْل السبَب، فإذا فعَله ولم يُفِد أو لم يَكُن السبَب مَوجودًا مَقدورًا عليه لم يَبقَ إلَّا التَّوكُّل.
وإن قال: ما هو الدليلُ على أن فِعْل الأسباب لا يُنافِي التَّوكُّل؟
قُلنا: وقوع ذلك من سيِّد المُتوكِّلين محمدٍ ﷺ ، فإنه ﵊ كان يَأخُذ بالأسباب؛ فيَأكُل ليَندَفِع عنه الجوع، ويَشرَب ليَندَفِع عنه العطَش، ويَتدَرَّع بالدُّروع في الحرب ليَتَّقيَ بذلك السهامَ، بل إنه ﵊ في أُحُد ظاهَرَ بين دِرْعين (١)؛ لأن ذلك أَقوى في الصِّيانة والحِماية، وشَقَّ الخَندَق على المدينة في غَزوة الأحزاب (٢) مَنعًا للعَدوِّ من دُخول المدينة، والشواهِدُ على هذا كثيرة.
ولكن نُقيِّد الأسباب بأن يَثبُت كونها سببًا شرعًا أو حِسًّا، فلا بُدَّ أن يَثبُت
стр. 275
كونها سببًا إمَّا عن طريق الشَّرْع، وإمَّا عن طريق الحِسِّ والتَّجارِب، فأمَّا مُجرَّد تَوهُّم كون هذا سببًا فإن ذلك من الشِّرْك، وانتَبِهوا لهذه المَسأَلةِ، فمِن دَلالة كون الشيء سببًا شرعًا أن القرآن شِفاءٌ لما في الصدور، وهو مرَض الشُّبُهات والشَّهَوات، وشِفاءٌ لما في الأبدان؛ لقول النبيِّ ﷺ للذي قرَأَ بالفاتِحة على اللَّديغ: "وَمَا يُدْرِيكَ أَنَّهَا رُقْيَةٌ" (١)، فمِن أين علِمنا أن القُرآن شِفاء من الشَّرِّ؟ وقد يَكون بالتَّجارِب مثل أن نَعرِف أن السَّنَا مُسْهِل، ومن أين عرَفناة هل في القرآن والسُّنَّة أن السَّنَا مُسهِل؟
الجَوابُ: لا، لكن بالتَّجارِب، والسَّنَا يُسمَّى بلُغَتنا في القَصيم (السَّنَاوَيْن) مُثنًّى، وهو سَنًا واحِد! لكنه نوع من أَوْراق الشجَر المعروف يُشبِه السِّدْر، فإذا دُقَّ ونُقِع في الماء لمُدَّة عِشرين ساعةً أو نحوها، وشرِبه الإنسان فانه يَسْلُت ما في بَطْنه من الأذى ويُسهِله، وله رائِحة كريهة، لكن الناس يَجعَلون معه بصَلًا؛ ليُعمِّيَ رائِحته، وإن كان البصَل خَبيثًا، لكنه أهوَنُ؛ لأنه أخَفُّ الضرَرين.
وعلى كل حال: عرَفنا أن السَّنَا مُسهِل من التَّجارِب، وغالِب الأدوِية الموجودة الآنَ من هذا النَّوعِ من التَّجارِب، أمَّا شيء مَوْهوم فهذا لا يَجوز اعتِماده، بل هو نوعٌ من الشِّرْك، وقد ثبَت أن التِّوَلة شِرْك؛ لأنه لم يَثبُت كونها سببًا لمَحبَّة الرجُل لزوجته أو الزوجة لزوجها لا شرعًا ولا قَدَرًا، يَعنِي: ولا حِسًّا، فيَكون إثبات كونها سبَبًا شِرْكًا؛ لأنك أَثبَتَّ ما لم يُثبِتِ الله تعالى، فكأنك جعَلْت نَفْسك مثل الله تعالى في إثبات الأسباب ومَفعولاتها.
إِذَنْ: قوله تعالى: ﴿عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ لا يُنافِي فِعْل الأسباب، بل
стр. 276
الأسباب من التَّوكُّل في الواقِع؛ ولهذا قال عُمرُ بن الخَطَّاب لأبي عُبيدةَ بنِ الجرَّاح ﵄ لمَّا قال: "أَفِرارًا من قَدَر الله؟ قال: نَفِرُّ من قَدَر الله إلى قدَر الله" (١)، والله تعالى أَعلَمُ.
مَسأَلة: هل العاصِي التائِب إلى الله أَفضَلُ أم الذي لم يَعصِ الله ؟
الجَوابُ: أَقول: الذي لم يَعصِ الله تعالى أحسَنُ؛ لأن العاصيَ ربما لا يُوفَّق للتوبة، لكن الإنسان يَشعُر من نفسه أنه إذا عصَى ثُمَّ تاب أنه خجِل من الله تعالى ورجَع إليه واستَحْيا منه، لكن إذا كان سائِرًا على الطاعة مُستَمِرًّا لا يَجِد لذَّة التَّوْبة، وهذا شيء مُجرَّب ومُشاهَد.
مَسأَلة أُخرى: هل الأدويةُ الموجودةُ الآنَ هل هي ثابِتة بالتَّجارِب؟
الجوابُ: نعَم، ولا شكَّ، والمريض يَعلَم أنها ثابِتة أيضًا؛ لأنه واثِق بأهل الطِّبِّ، فهو يَدرِي أنها مُفيدة، فأهل الطِّبِّ الآنَ لا يُمكِن أن يُنزِلوا للسُّوق أدوية إلَّا بعد أَخْذ تَجارِبَ عليها كثيرًا، فيُجرِّبونها على الفِئْران، وعلى الأرانِب، وعلى الكِلاب، ويُجرُونها خُصوصًا في الأمراض المُستَعْصية، فلا تَظُنَّ أن الواحِد منهم يَعجِن هذه الحُبوبَ ويُعطيك إيَّاها مُباشَرةً!
فإن قيل: لكن أَحيانًا لا يَجِد الإنسان نَتيجة من بعض الأدوية فماذا يَفعَل؟
فالجَوابُ: في الأصل أن الدواء لا بُدَّ أن يُصيب مَحلًّا قابِلًا، فإذا لم يُصِب مَحَلًّا قابِلًا ما نفَع، وهذا مَوْجود، حتى القِراءة على المريض التي ثابِتٌ أنها سبَبٌ ولا شكَّ
стр. 277
فيها، فكثيرًا ما تَقرَأ على المريض ولا يَستَفيد؛ لأن المَحلَّ غير قابِل، فتَقرَأ عليه وتَجِده يَقول: ما هذا القارِئُ؟ ليس عنده عِلْم!.
وهل يَحرُم استِعْمال الدواء غير المُجدِي؟
أَقولُ: لَا يَحْرُمُ الاستِعمالُ، لكن إذا كان يُؤدِّي إلى ضرَر مثل بعض المُضادَّات الحَيَوية التي تَضُرُّ الإنسان أكثَرَ ممَّا تَنفَعه، فإنه إذا لم يَجِد نفعًا فهنا يَجِب عليه أن يُمسِك حتى لو قال له الطَّبيب: استَمِرَّ، وهو لم يَجِد نفعًا، وهي من الأدوية التي يُسمُّونها: المُضادَّاتِ الحيويةَ، فهي خطَر على الإنسان.
стр. 278
الآيتان (٣٩، ٤٠)
* قَالَ اللهُ : ﴿قُلْ يَاقَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (٣٩) مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾ [الزمر: ٣٩، ٤٠].
قال الله ﵎: ﴿قُلْ يَاقَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ﴾ الخِطاب هنا للنبيِّ ﷺ ، وقوله تعالى: ﴿قُلْ يَاقَوْمِ﴾ المُراد بهم مَن كذَّبوه وعانَدوه.
وقوله تعالى: ﴿يَاقَوْمِ﴾ هذه مُنادى، وأَصلُها: يا قَوْمي، ولكنها حُذِفت الياء للتخفيف، وبَقِيَت الكَسْرة دَليلًا عليها، وعليه فنَقول في إعرابها: (قَومِ) مُنادى مَنصوب بفَتْحة مُقدَّرة على ما قَبْل ياء المُتكلِّم المحذوفة للتَّخفيف.
وقوله تعالى: ﴿اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ﴾ يَعنِي: على ما أنتم عليه من الكُفْر والعَداوة والإيذاء، فإن ذلك لا يُهِمُّني، ولن يَمنَعَني من أن أَستَمِرَّ في عمَلي؛ ولهذا أَكَّد قوله تعالى: ﴿إِنِّي عَامِلٌ﴾ يَعنِي: عامِلٌ على ما أنا عليه، فأنتمُ اعمَلوا ونحن سنَعمَل، وهذا كقوله تعالى: ﴿وَانْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ﴾ [هود: ١٢٢].
قال المُفَسِّر ﵀: [﴿قُلْ يَاقَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ﴾ على حالتكم]، فالمَكانة بمَعنَى الحالِ، وكما ذكَرْنا في التفسير: المكانة أي: ما كُنْتم عليه، وهي بمَعنى الحال في كلام المُفسِّر ﵀: [إني عامِلٌ على حالَتي]، وفَهِم أن التَّقدير (على حالَتي)؛ لأنها مُقابِلٌ إلى قوله تعالى: ﴿اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ﴾ يَعنِي: إني عامِلٌ على مَكانتي،
стр. 279
يَعنِي: (على حالَتي)، والتَّقدير على مَكانَتي.
وقوله : ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (٣٩) مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ﴾: ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ هذه جُملة مُحقَّقة؛ لدُخول ﴿سَوْفَ﴾ عليها، فإن ﴿سَوْفَ﴾ تُحقِّق الجُملة كما تُحقِّقها السِّين، لكن الفَرْق: أن السِّين تُفيد ذلك عن قُرْب، و ﴿سَوْفَ﴾ تُفيده عن مُهْلة؛ ولهذا يُقال: السِّين للتَّنْفيس، و ﴿سَوْفَ﴾ للتَّسويف، أيِ: التأخير والتَّنفيس القُرْب.
وقوله : ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (٣٩) مَنْ يَأْتِيهِ﴾: ﴿مَنْ﴾ هذه مَفعول ﴿تَعْلَمُونَ﴾، والعِلْم هنا بمَعنى المَعرِفة؛ ولهذا لا تَنصِب إلَّا مفعولًا واحدًا كما قال ابنُ مالِك ﵀:
لِعِلْمِ عِرْفَانٍ وَظَنٍّ تُهْمَهْ ... تَعْدِيَةٌ لِوَاحِدٍ مُلْتَزَمَهْ (١)
وقوله : ﴿تَعْلَمُونَ﴾ أي: تَعرِفون ﴿مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ﴾ أي: ستَعلَمون الذي يَأتيه عذابٌ يُخزيه، والعَذاب هو العُقوبة، والخِزيُ مَعناه: الذُّلُّ والعار، وقوله تعالى: ﴿وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾ أي: يَنزِل عليه عذابٌ مُقيم لا يُفارِقه، والمَعنَى العامُّ: (سوف تَعلَمون هذا: هل هُو لَنا نَحن أم لكُم؟) ولكِنَّهم سوف يَعلَمون ذلك في وقتٍ لا يَتَمكَّنون فيه من الخَلاص، وإنما يُنادون بالوَيْل والثُّبور - والعِياذُ بالله تعالى -.
فقوله ﵎: ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (٣٩) مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ﴾ يَقول المُفَسِّر ﵀: [﴿مَنْ﴾ مَوصولة مَفعول للعِلْم] فلو قال المُفَسِّر ﵀: مَفعول
стр. 280
﴿تَعْلَمُونَ﴾ لكان أَوضَحَ؛ لأن الذي في الآية ليس المَصدَر، ولكنه الفِعْل، وكان عليه أن يَقول: مَفعول ﴿تَعْلَمُونَ﴾، لكن الكِتاب (١) في الحَقيقة مُؤلَّف لطلَبة عِلْم؛ ولهذا نحن لا نَنْصَح بقِراءة هذا الكِتابِ للمُبتَدِئ؛ لأن هذا الكِتاب وإن كان صغيرًا أكبَرُ من فَهْم المُبتَدِئ.
إِذَنْ: ﴿مَنْ﴾ مَوْصولة مَفعول للعِلْم، وجُملة: ﴿يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ﴾ إذا كانت ﴿مَنْ﴾ مَوصولة فجُملةُ ﴿يَأْتِيهِ﴾ لا محَلَّ لها من الإعراب صِلةُ المَوْصول، وقوله: ﴿عَذَابٌ يُخْزِيهِ﴾ العَذاب عُقوبة وجُملة: ﴿يُخْزِيهِ﴾ صِفة لـ ﴿عَذَابٌ﴾، وليست جوابًا لـ ﴿مَنْ﴾؛ لأن ﴿مَنْ﴾ اسمٌ مَوْصول لا تَحتاج إلى جواب.
ثُمَّ قال المُفَسِّر ﵀: ﴿وَيَحِلُّ﴾ [يَنزِل ﴿عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾ دائِم، وهو عذاب النار وقد أَخزاهم الله ببَدْرٍ]، يَعنِي أن أكبَرَ ذُلًّ حصَل لقُرَيْش ما حصَل في بَدْر؛ لأن الله جمَع زُعَماءهم وكُبَراءهم وأَشرافهم حتى خرَجوا في ذلك اليومِ، وقُتِل هؤلاءِ الأشرافُ والكُبَراءُ، وسُحِبوا وأُلقوا في قَليبٍ من قُلُب بَدْر، وهي قَليبٍ خَبيثة مُنتِنة، فكان جَزاؤُهم - والعِياذُ بالله تعالى - هذا الجزاءَ، وهذا من أعظَمِ الخِزْي، حتى وقَف النبيُّ ﷺ عليهم يُوبِّخهم ويُندِّمهم؛ يَقول: "يا فُلانُ بنَ فُلانٍ". بأَسمائهم وأَسماء آبائهم، "يا فُلانُ بنَ فُلانٍ، هل وجَدْتُم ما وعَدَكُمْ رَبُّكُمْ حَقًّا، فإنِّي وَجَدْتُ ما وَعَدَنِي رَبِّي حَقًّا". فقالوا: يا رسول الله: تُكلِّم أُناسًا قد جَيَّفوا! كيف تُكلِّم جِيفًا؟ فقال ﷺ : "مَا أَنْتُمْ بِأَسْمَعَ لِمَا أَقُولُ مِنْهُمْ"، ولكنهم لا يَستَطيعون الجوابَ (٢).
стр. 281
وصَدَق الرسول ﷺ ، فهُمْ يَسمَعون كلام الرسول ﷺ ولا يَزيدهم هذا الكلامُ إلَّا حَسْرةً ونَدامة؛ ولهذا قال أَبو جَهْل حينما جاء إليه عبد الله بنُ مسعود ﵁ وفيه رمَقٌ من حياة قال له: مَن أنتَ؟ قال: ابنُ مَسعودٍ. قال: لقَدْ ارتَقَيْتَ مُرتَقًى صعبًا يا رُويعيَّ الغَنَم! يَعنِي: كيف تَطَأ على رأس شَريف من أشراف قُريشٍ، ثُمَّ قال: لِمن الدائِرةُ اليومَ؟ قال: لله ورسولِه (١).
المُهِمُّ: أن الرسول ﷺ وبَّخَهم على هذا الذي حصَل.
من فوائد الآية الكريمة:
الْفَائِدَة الأُولَى: أنه يَنبَغي لمَن معَه الحقُّ أن يَكون قوِيًّا مُتحَدِّيًا لخَصْمه، فلا يَقِف مَوقِف الضَّعْف، يُؤخَذ من قوله تعالى: ﴿اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ﴾ يَعنِي: ولا تُهِمُّونني.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: تَسلية النبيِّ ﷺ ، فإن الله تعالى أمَرَه بذلك تَبشيرًا له وتَسلية بأنه ستَكون العاقِبة له.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: أنه لا بأسَ بإقرار الكُفَّار على كُفْرهم تهديدًا، وهذا أسلوبٌ مُتَّبَع حتى في تأديب الوالِد ابنَه فتَراهُ يَقول: استَمِرَّ على مَعصيتي! استَمِرَّ في اللَّعِب! لا تَحضُر للضيوف! مثَلًا يَقصِد التهديد.
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أن الله يُريد من نبيِّه ﷺ أن يَكون عاليًا على قومه يَتَكلَّم معهم من عَلٍ، وذلك بقوله تعالى: ﴿قُلْ يَاقَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ﴾، وهذا يُشبِه التَّحدِّيَ لهم أني لا يُهِمُّني أن تَعمَلوا ما عمِلْتم فإني سوف أَعمَل ما يُضادُّ ذلك.
стр. 282
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: تهديد أُولئك المُكذِّبين لرسول الله ﷺ ، وأنهم سوف يَعلَمون مَن هو أحقُّ بالعذاب ومَن يَأتيه العَذاب.
الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: أن عذاب الكُفْر عذابٌ مُخزٍ، عارٌ في الآخرة وذُلٌّ في الدنيا، بل ذُلٌّ في الدنيا والآخِرة - والعِياذُ بالله تعالى - لقوله تعالى: ﴿مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ﴾.
الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: أن عذاب أهل النار مُقيم لا يَنفَكُّ عنهم.
ويَتفَرَّع على ذلك: أن فيها ما دلَّ عليه القُرآن والسُّنَّة من أن أهل النار مُخلَّدون فيها أبدًا، وأنها لا تَفنَى، وأن القول بفَنائها قولٌ ضعيف، بل باطِل لمُخالَفَته للكِتاب والسُّنَّة.
стр. 283
الآية (٤١)
* قَالَ اللهُ : ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ لِلنَّاسِ بِالْحَقِّ فَمَنِ اهْتَدَى فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾ [الزمر: ٤١].
ثُمَّ قال ﵎: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ لِلنَّاسِ بِالْحَقِّ﴾ تَأمَّل ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ﴾، وفي بعض الآيات: ﴿أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ﴾ فهَلِ الحَرْفان بمَعنًى واحِد أو هُما يَختَلِفان؟
الجَوابُ: الأصل فيما اختَلَف لَفظُه أن يَختَلِف مَعناه هذا الأصلُ؛ لأن اللَّفْظ للمَعاني بمَنزِلة الثَّوْب للأجسام، فإذا وجَدْنا لَفْظين تَعدِيَتُهما واحِدة، لكنَّهما مُختَلِفان لفظًا، فالأصل اختِلافهما معنًى، فقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ﴾ يُفيد أن غاية الإنزال إلى رسول الله ﷺ لا يَتَجاوَزه إلى غيره.
وقوله تعالى: ﴿عَلَيْكَ﴾ تُفيد أن الإنزال على النبيِّ ﷺ حتى تَشَرَّبه كأنه نزَل في نَفْس الرسول ﵊؛ ألم تَقرَأ قول الله ﵎: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ﴾ [الشعراء: ١٩٣، ١٩٤]، ولم يَقُل: إلى قَلْبك هذا هو الفَرْق.
وقوله تعالى: ﴿عَلَيْكَ الْكِتَابَ﴾ الكتاب هنا هو القُرآن الكريم، وسُمِّي كِتابًا؛ لأنه مَكتوب في اللَّوْح المَحفوظ، وفي الصُّحُف التي بأَيْدي الملائِكة، وفي الصُّحُف التي بأَيْدينا، وعلى هذا فيَكون فِعَال بمَعنَى: مَفعول، وهذا الوزنُ أَعنِي: فِعالًا بمَعنى: مَفعول يَأتي كثيرًا في اللغة العربية، ومنه فِراش بمَعنى مَفروش، وكِساء
стр. 284
بمَعنَى: مَكْسِيٌّ، وبِناء بمَعنَى: مَبنيٍّ، وغِراس بمَعنَى: مَغروس، وله أمثِلة كثيرة.
يَقول تعالى: ﴿الْكِتَابَ لِلنَّاسِ بِالْحَقِّ﴾ اللَّام هنا للاختِصاص أو للتَّعدِية؟ جائِز هذا وهذا، والمَعنَى: أن الله تعالى أَنزَل الكِتاب على مُحمَّدٍ ﷺ ليَهتَدِيَ به الناس ويَنتَفِعوا به، والأمر كذلك، فإن الناس انتَفَعوا بهذا القُرآنِ انتِفاعًا لا يُماثِله انتِفاع، فالأُمَّة القُرَشية كانت لا تُساوِي شيئًا عند الأُمَم، وكانوا أذِلَّة وكانوا فُقَراءَ، لهم رِحلة إلى الشام في الصَّيْف وإلى اليَمَن في الشِّتاء؛ لأنه ليس عندهم حرَكة ولا تِجارة ولا أموال، وببعثة النبيِّ ﷺ وبهذا القرآنِ صاروا سادةَ الأُمَم كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى﴾، وقوله: (آوَى) يَعنِي: آواكَ، وأَوَى بك فكُنْت أبًا للناس بعد أن لم تَكُن، وبعد أن كنتَ يَتيمًا لا أبَ لك؛ ولهذا نَقول: (آوَى) حُذِف المَفعول به من أجل العُموم، يَعنِي: آواك وآوَى بك، وقوله تعالى: ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى﴾: ﴿فَهَدَى﴾ أي: هداك وهَدَى بك، وقوله تعالى: ﴿وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى﴾ يَعنِي: أَغناك وأَغنَى بك؛ ولهذا قال النبيُّ ﷺ للأنصار: "وَكُنْتُمْ عَالَةً فَأَغْنَاكُمْ اللهُ بِي" (١) فالنَّبيُّ ﷺ جاء بالبَرَكة لأُمَّته؛ ولهذا قال تعالى: ﴿أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ لِلنَّاسِ بِالْحَقِّ﴾.
وقوله تعالى: ﴿بِالْحَقِّ﴾ لها مَعنَيان:
الأوَّل: ﴿بِالْحَقِّ﴾ يَعنِي: أن ما جاء به هذا القُرآنُ هو الحقُّ، والحقُّ هو الصِّدْق في الأَخبار، والعَدْل في الأَحْكام، كما قال الله تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا﴾ [الأنعام: ١١٥] يَعنِي أن هذا القُرآنَ نزَل بالحَقِّ أي: أتَى بالحَقِّ وهو صِدْق الأَخْبار وعَدْل الأحكام.
стр. 285
والمَعنَى الثاني: ﴿بِالْحَقِّ﴾ يَعنِي أنه مَصحوبٌ بالحَقِّ، أي: أنه نزولٌ حقٌّ، ليس فيه باطِل كقوله تعالى: ﴿وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ (٢١٠) وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ (٢١١) إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ﴾ [الشعراء: ٢١٠ - ٢١٢]، فهذا يَعنِي أن نُزوله حقٌّ، ليس بباطِل، فإنه لا يَعتَريه الباطِل، قال ﵎: ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ﴾ [فصلت: ٤٢].
وهذا بخِلاف أَخْبار الكُهَّان فكلُّها من الشياطين، كما قال : ﴿وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ (٢١٠) وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ (٢١١) إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ﴾ [الشعراء: ٢١٠ - ٢١٢].
قوله تعالى: ﴿فَمَنِ اهْتَدَى فَلِنَفْسِهِ﴾ الفاء هذه مُفرَّعة على ما سبَق، يَعنِي: بعد نزول هذا القُرآنِ انقَسَم الناس فيه إلى قِسْمين: قِسْمٌ اهتَدَى به فانتَفَع، وقِسْمٌ ضلَّ عنه فهلَكَ.
وقوله تعالى: ﴿فَمَنِ اهْتَدَى﴾: (مَنْ) هذه شَرْطية، وفِعْل الشرط فيها: ﴿اهْتَدَى﴾، وجَوابه: جُملة: ﴿فَلِنَفْسِهِ﴾؛ لأن الجُملة هنا اسمِيَّة؛ ولهذا اقتَرَنَت بالفاء كما قال تعالى: ﴿فَمَنِ اهْتَدَى فَلِنَفْسِهِ﴾.
وقوله تعالى: ﴿اهْتَدَى﴾ أي: هِدايةً عِلْمية وهِدايةً عمَلية، فهِداية عِلْمية بأن حرَص على هذا القُرآنِ فحفِظه وتَدبَّره وتَأمَّله، وهِداية عمَلية بأن طبَّق هذا القُرآنَ وعمِل به عَقيدةً وقولًا وفِعْلًا.
وقوله ﵀: [﴿فَمَنِ اهْتَدَى فَلِنَفْسِهِ﴾ اهتِداؤه] أي: فلنَفْسه اهتِداؤه، أو فهو لنَفْسه.