← Тафсир

Тафсир · id 151160

تفسير العثيمين: الزمر

ابن عثيمين

Полный текст (515 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

وصَدَق الرسول ﷺ ، فهُمْ يَسمَعون كلام الرسول ﷺ ولا يَزيدهم هذا الكلامُ إلَّا حَسْرةً ونَدامة؛ ولهذا قال أَبو جَهْل حينما جاء إليه عبد الله بنُ مسعود ﵁ وفيه رمَقٌ من حياة قال له: مَن أنتَ؟ قال: ابنُ مَسعودٍ. قال: لقَدْ ارتَقَيْتَ مُرتَقًى صعبًا يا رُويعيَّ الغَنَم! يَعنِي: كيف تَطَأ على رأس شَريف من أشراف قُريشٍ، ثُمَّ قال: لِمن الدائِرةُ اليومَ؟ قال: لله ورسولِه (١). المُهِمُّ: أن الرسول ﷺ وبَّخَهم على هذا الذي حصَل. من فوائد الآية الكريمة: الْفَائِدَة الأُولَى: أنه يَنبَغي لمَن معَه الحقُّ أن يَكون قوِيًّا مُتحَدِّيًا لخَصْمه، فلا يَقِف مَوقِف الضَّعْف، يُؤخَذ من قوله تعالى: ﴿اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ﴾ يَعنِي: ولا تُهِمُّونني. الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: تَسلية النبيِّ ﷺ ، فإن الله تعالى أمَرَه بذلك تَبشيرًا له وتَسلية بأنه ستَكون العاقِبة له. الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: أنه لا بأسَ بإقرار الكُفَّار على كُفْرهم تهديدًا، وهذا أسلوبٌ مُتَّبَع حتى في تأديب الوالِد ابنَه فتَراهُ يَقول: استَمِرَّ على مَعصيتي! استَمِرَّ في اللَّعِب! لا تَحضُر للضيوف! مثَلًا يَقصِد التهديد. الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أن الله يُريد من نبيِّه ﷺ أن يَكون عاليًا على قومه يَتَكلَّم معهم من عَلٍ، وذلك بقوله تعالى: ﴿قُلْ يَاقَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ﴾، وهذا يُشبِه التَّحدِّيَ لهم أني لا يُهِمُّني أن تَعمَلوا ما عمِلْتم فإني سوف أَعمَل ما يُضادُّ ذلك.

стр. 282

الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: تهديد أُولئك المُكذِّبين لرسول الله ﷺ ، وأنهم سوف يَعلَمون مَن هو أحقُّ بالعذاب ومَن يَأتيه العَذاب. الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: أن عذاب الكُفْر عذابٌ مُخزٍ، عارٌ في الآخرة وذُلٌّ في الدنيا، بل ذُلٌّ في الدنيا والآخِرة - والعِياذُ بالله تعالى - لقوله تعالى: ﴿مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ﴾. الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: أن عذاب أهل النار مُقيم لا يَنفَكُّ عنهم. ويَتفَرَّع على ذلك: أن فيها ما دلَّ عليه القُرآن والسُّنَّة من أن أهل النار مُخلَّدون فيها أبدًا، وأنها لا تَفنَى، وأن القول بفَنائها قولٌ ضعيف، بل باطِل لمُخالَفَته للكِتاب والسُّنَّة.

стр. 283

الآية (٤١) * قَالَ اللهُ : ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ لِلنَّاسِ بِالْحَقِّ فَمَنِ اهْتَدَى فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾ [الزمر: ٤١]. ثُمَّ قال ﵎: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ لِلنَّاسِ بِالْحَقِّ﴾ تَأمَّل ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ﴾، وفي بعض الآيات: ﴿أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ﴾ فهَلِ الحَرْفان بمَعنًى واحِد أو هُما يَختَلِفان؟ الجَوابُ: الأصل فيما اختَلَف لَفظُه أن يَختَلِف مَعناه هذا الأصلُ؛ لأن اللَّفْظ للمَعاني بمَنزِلة الثَّوْب للأجسام، فإذا وجَدْنا لَفْظين تَعدِيَتُهما واحِدة، لكنَّهما مُختَلِفان لفظًا، فالأصل اختِلافهما معنًى، فقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ﴾ يُفيد أن غاية الإنزال إلى رسول الله ﷺ لا يَتَجاوَزه إلى غيره. وقوله تعالى: ﴿عَلَيْكَ﴾ تُفيد أن الإنزال على النبيِّ ﷺ حتى تَشَرَّبه كأنه نزَل في نَفْس الرسول ﵊؛ ألم تَقرَأ قول الله ﵎: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ﴾ [الشعراء: ١٩٣، ١٩٤]، ولم يَقُل: إلى قَلْبك هذا هو الفَرْق. وقوله تعالى: ﴿عَلَيْكَ الْكِتَابَ﴾ الكتاب هنا هو القُرآن الكريم، وسُمِّي كِتابًا؛ لأنه مَكتوب في اللَّوْح المَحفوظ، وفي الصُّحُف التي بأَيْدي الملائِكة، وفي الصُّحُف التي بأَيْدينا، وعلى هذا فيَكون فِعَال بمَعنَى: مَفعول، وهذا الوزنُ أَعنِي: فِعالًا بمَعنى: مَفعول يَأتي كثيرًا في اللغة العربية، ومنه فِراش بمَعنى مَفروش، وكِساء

стр. 284

بمَعنَى: مَكْسِيٌّ، وبِناء بمَعنَى: مَبنيٍّ، وغِراس بمَعنَى: مَغروس، وله أمثِلة كثيرة. يَقول تعالى: ﴿الْكِتَابَ لِلنَّاسِ بِالْحَقِّ﴾ اللَّام هنا للاختِصاص أو للتَّعدِية؟ جائِز هذا وهذا، والمَعنَى: أن الله تعالى أَنزَل الكِتاب على مُحمَّدٍ ﷺ ليَهتَدِيَ به الناس ويَنتَفِعوا به، والأمر كذلك، فإن الناس انتَفَعوا بهذا القُرآنِ انتِفاعًا لا يُماثِله انتِفاع، فالأُمَّة القُرَشية كانت لا تُساوِي شيئًا عند الأُمَم، وكانوا أذِلَّة وكانوا فُقَراءَ، لهم رِحلة إلى الشام في الصَّيْف وإلى اليَمَن في الشِّتاء؛ لأنه ليس عندهم حرَكة ولا تِجارة ولا أموال، وببعثة النبيِّ ﷺ وبهذا القرآنِ صاروا سادةَ الأُمَم كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى﴾، وقوله: (آوَى) يَعنِي: آواكَ، وأَوَى بك فكُنْت أبًا للناس بعد أن لم تَكُن، وبعد أن كنتَ يَتيمًا لا أبَ لك؛ ولهذا نَقول: (آوَى) حُذِف المَفعول به من أجل العُموم، يَعنِي: آواك وآوَى بك، وقوله تعالى: ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى﴾: ﴿فَهَدَى﴾ أي: هداك وهَدَى بك، وقوله تعالى: ﴿وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى﴾ يَعنِي: أَغناك وأَغنَى بك؛ ولهذا قال النبيُّ ﷺ للأنصار: "وَكُنْتُمْ عَالَةً فَأَغْنَاكُمْ اللهُ بِي" (١) فالنَّبيُّ ﷺ جاء بالبَرَكة لأُمَّته؛ ولهذا قال تعالى: ﴿أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ لِلنَّاسِ بِالْحَقِّ﴾. وقوله تعالى: ﴿بِالْحَقِّ﴾ لها مَعنَيان: الأوَّل: ﴿بِالْحَقِّ﴾ يَعنِي: أن ما جاء به هذا القُرآنُ هو الحقُّ، والحقُّ هو الصِّدْق في الأَخبار، والعَدْل في الأَحْكام، كما قال الله تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا﴾ [الأنعام: ١١٥] يَعنِي أن هذا القُرآنَ نزَل بالحَقِّ أي: أتَى بالحَقِّ وهو صِدْق الأَخْبار وعَدْل الأحكام.

стр. 285

والمَعنَى الثاني: ﴿بِالْحَقِّ﴾ يَعنِي أنه مَصحوبٌ بالحَقِّ، أي: أنه نزولٌ حقٌّ، ليس فيه باطِل كقوله تعالى: ﴿وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ (٢١٠) وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ (٢١١) إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ﴾ [الشعراء: ٢١٠ - ٢١٢]، فهذا يَعنِي أن نُزوله حقٌّ، ليس بباطِل، فإنه لا يَعتَريه الباطِل، قال ﵎: ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ﴾ [فصلت: ٤٢]. وهذا بخِلاف أَخْبار الكُهَّان فكلُّها من الشياطين، كما قال : ﴿وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ (٢١٠) وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ (٢١١) إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ﴾ [الشعراء: ٢١٠ - ٢١٢]. قوله تعالى: ﴿فَمَنِ اهْتَدَى فَلِنَفْسِهِ﴾ الفاء هذه مُفرَّعة على ما سبَق، يَعنِي: بعد نزول هذا القُرآنِ انقَسَم الناس فيه إلى قِسْمين: قِسْمٌ اهتَدَى به فانتَفَع، وقِسْمٌ ضلَّ عنه فهلَكَ. وقوله تعالى: ﴿فَمَنِ اهْتَدَى﴾: (مَنْ) هذه شَرْطية، وفِعْل الشرط فيها: ﴿اهْتَدَى﴾، وجَوابه: جُملة: ﴿فَلِنَفْسِهِ﴾؛ لأن الجُملة هنا اسمِيَّة؛ ولهذا اقتَرَنَت بالفاء كما قال تعالى: ﴿فَمَنِ اهْتَدَى فَلِنَفْسِهِ﴾. وقوله تعالى: ﴿اهْتَدَى﴾ أي: هِدايةً عِلْمية وهِدايةً عمَلية، فهِداية عِلْمية بأن حرَص على هذا القُرآنِ فحفِظه وتَدبَّره وتَأمَّله، وهِداية عمَلية بأن طبَّق هذا القُرآنَ وعمِل به عَقيدةً وقولًا وفِعْلًا. وقوله ﵀: [﴿فَمَنِ اهْتَدَى فَلِنَفْسِهِ﴾ اهتِداؤه] أي: فلنَفْسه اهتِداؤه، أو فهو لنَفْسه.

стр. 286

المُهِمُّ: أن المحذوف المُبتَدَأ ولا بُدَّ؛ لأن المَذكور جارٌّ ومجرور، والجارُّ والمجرور لا يُمكِن أبَدًا أن يَكون مُبتَدَأ، فإن شِئْت قدَّرْت: (فلنَفْسه اهتِداؤه)، وإن شِئْت قدَّرْت (فهو لنَفْسه). واقتَرَنت جُملة الجَواب بالفاء؛ لأنها جُمْلة اسمِيَّة، والقاعِدة أنه إذا وقَعَت جملة الجَواب اسمِيَّة وجَب اقتِرانها بالفاء، وربما تُحذَف الفاء، لكن قليلًا، ومنه قول الشاعِر: مَنْ يَفْعَلِ الحَسَنَاتِ اللهُ يَشْكُرُهَا ... ............................. (١) ولم يقل: فالله يَشكُرها. لكن هذا قليل. ولنَتعَرَّضِ الآنَ لما يَجِب قَرْنه بالفاء من الجُمَل إذا وقَع جوابًا، وهي مَذكورة في قول الشاعِر: اسْمِيَّةٌ طَلَبِيَّةٌ وَبِجَامِدٍ وَبِـ (مَا) ... وَ (قَدْ) وَبِـ (لَنْ) وَبِالتَّنْفِيسِ وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا﴾ أي: ومَن ضَلَّ فلم يَهتدِ لا عِلْمًا ولا عمَلًا ﴿فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا﴾ أي: على نَفْسه ولا يَضُرُّ الله تعالى شيئًا، ولا يَضُرُّ غيرَه شيئًا أيضًا. وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾: (ما) هذه حِجازية، أي: لا يَنطِق بها إلَّا أهل الحِجاز؛ وهي لا تَعمَل عمَل (ليس) إلَّا عند أهل الحِجاز، فلذلك سُمِّيَت حِجازية فهي عند أهل الحِجاز تَعمَل عمَل (ليس)، أي: تَرفَع المُبتَدَأ وتَنصِب الخبَر،

стр. 287

ومن ذلك قوله ﵎: ﴿مَا هَذَا بَشَرًا﴾ [يوسف: ٣١]، وعند بني تَميمٍ لا تَعمَل عمَل (ليس)، بل هي مُهمَلة، فيَقولون في قوله تعالى: ﴿مَا هَذَا بَشَرًا﴾ يَعنِي: في غير القرآن: (ما هذا بشَرٌ)، فمِن لغة تَميم: (ما زيدٌ قائِمٌ)، ومِن الحِجازية (ما زيدٌ قائمًا)، فتَحصَّل لنا الآنَ أن لُغة قُريشٍ وهم أهل الحِجاز يَقولون: (ما هذا بشَرًا)، وبنو تَميم يَقولون: (ما هذا بشَرٌ)، وكانوا يَقرَؤُون القُرآن: (ما هذا بشَرٌ) قبل أن يُوحَّد على لغة قُريش؛ لأن القرآن أُنزِل على سبعة أَحرُف. وفي ذلك بيت طريف قال فيه الشاعِر: وَمُهَفْهَفِ الْأَعْطَافِ قُلْتُ لَهُ انْتَسِبْ ... فَأَجَابَ مَا قَتْلُ المُحِبِّ حَرَامُ (١) يَعنِي: قلت له: من أين أنتَ؟ فما قال: أنا من فُلان من آل فُلان؟ فأَجاب: (ما قَتْل المُحِبِّ حَرامُ) فتَكون هذه المرأةُ تَميميةً؛ لأنها قالت: (ما قَتْلُ المُحِبِّ حَرَامُ)، أمَّا في وقتنا الآنَ فلا نَعرِف التَّميميَّ من القُرَشيِّ؛ لأنه قدِ اندَمَج الآنَ، فكلُّ تَميميًّ وكلُّ قُرَشيٍّ تَجِده يَقول: (ما هذا بَشَرٌ)، وهذا يَقول: (ما هذا بَشَرًا) فكلُّهم قدِ اختَلَطوا. وقوله : ﴿وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾ إِذَنْ: نُعرِب الآنَ (ما) على لُغة قُرَيْش مع أن اللَّفْظ لا يَختَلِف في هذا التَّرْكيبِ؛ لأن بني تميم يَقولون: ما أنت عليهم بوَكيل. وكذلك قُرَيْش. لكن لعِلْمنا أن القُرآن على لُغَة قُريش نَقول: إن (ما) هنا حِجازية، و (أن) اسمُها، والتاء للخِطاب، والباء حَرْف جرٍّ زائِدٌ، و (وكيل) خبَرُها مَنصوب بفَتْحة

стр. 288

مُقدَّرة على آخِره منَع من ظُهورها اشتِغال المَحلِّ بحرَكة حَرْف الجرَّ الزائِد. فإن قال قائل: قُلْتم: (إن الباء حَرْفُ جرٍّ زائِدٌ) ونحن نَعلَم أن القُرآن الكريم ليس فيه لَغْو، والزيادة لَغْو؟ فالجَواب على هذا أن نَقول: الزيادة لَغْوٌ إذا لم تُفِدْ مَعنًى، فإن أَفادَت مَعنًى فليسَت لَغْوًا، والمَعنى الذي تُفيده هنا تَوكيد النفيِ، وعلى هذا فليسَت لَغْوًا، بل هي زائِدةٌ لكنا نَقول: (زائِدة لَفْظًا زائِدة مَعنًى)، يَعنِي: تَزيد في المعنَى. لكن قد يَقول قائِل: كيف (زائِدة زائِدة)؟ نَقول: (زائِدة) الأُولى من (زاد) اللازِمِ، و (زائِدة) الثانية من (زاد) المُتعَدِّي؛ لأن (زاد) مثل (نقَص) تُستَعمَل لازِمة لا تَتَعدَّى للمَفعول، وتُستَعمَل مُتَعدِّية للمَفعول؛ فالمُتعَدِّية كما قال الله تعالى: ﴿فَزَادَهُمْ إِيمَانًا﴾ [آل عمران: ١٧٣]، وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا﴾ [التوبة: ٤]، واللازِمة كما تَقول: زاد إيمان الرجُل، وتَقول: نقَص الماء. وقوله ﵎: ﴿وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾ [الزمر: ٤١]، يَعنِي: لستَ عليهم بمُراقِب تُراقِبهم وتُحافِظ عليهم، وإنما ذلك إلى الله تعالى فانت عليك البلاغُ، والحِسابُ على ربِّ العِباد . وقول المُفَسِّر ﵀: [﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ لِلنَّاسِ بِالْحَقِّ﴾ مُتعلَّق بـ (أَنزَل)]، ولم يَقُل: بـ (أَنزَلْنا)؛ لأن العامِل هو الفِعْل، و (نا) اسمٌ بتَقدير الانفِصال عن الفِعْل، وهذا تعليمٌ من المُفَسِّر ﵀، فإذا أَرَدْتم أن تَقولوا: هذا مُتعلِّق فلا تَذكُروا إلَّا العامِل فقط، لا تَذكُروا الفاعِل معه ولا المَفعول إن كان المَفعول

стр. 289

مُتَّصِلًا به، قال ﵀: مُتَعلِّق بـ (أَنزَل)، ونحن في الحقيقة في إعرابنا للقُرآن نَتَجاوَز، ونَقول: في مثل هذا مُتعَلِّق بـ (أَنزَلنا)، وهذا غير مُحرَّر، والصواب: أن تَقول: "مُتعلِّق بـ (أَنزَل) " الذي هو العامِل فقَطْ، دون ما اتَّصَل به من فاعِل أو مَفعول. وقال المُفَسِّر ﵀: [﴿فَمَنِ اهْتَدَى فَلِنَفْسِهِ﴾ اهتِداؤه ﴿وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾ فتُجبِرهم على الهُدى]، وهذا كقوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ﴾ [ق: ٤٥]، فالرسول ﵊ ليس بجابِرٍ لهم على الاهتِداء، وليس بمُوكَّلٍ بهم يُحافِظهم ويُحافِظ عليهم. من فوائد الآية الكريمة: الْفَائِدَة الأُولَى: بيان أن القُرآن كلام الله تعالى؛ لأن الله تعالى أَنزَله وهو كلام ليس ذاتًا مُعيَّنة كالحديد الذي قال الله تعالى فيه: ﴿وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ﴾ [الحديد: ٢٥]، وكالمَواشِي التي قال الله تعالى فيها: ﴿وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ﴾ [الزمر: ٦]، فالقرآن كلام، فإذا كان كلامًا فإنه لا يَكون مَخلوقًا؛ لأن الكلام صِفة المُتكلِّم، والمُتكلِّم به وهو الله هو الأوَّل والآخِر والظاهِر والباطِن. الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: إثبات عُلوِّ الله تعالى؛ مَأخوذ من الإنزال، والإنزال لا يَكون إلَّا من عُلوًّ. وعُلوُّ الله دلَّ عليه الكِتاب والسُّنَّة والإِجْماع والعَقْل والفِطْرة: أمَّا الكِتاب فدَلالته على عُلوِّ الله تعالى مُتَنوِّعة بأنواع كثيرة. والسُّنَّة كذلك فقَدِ اتَّفَقَتِ السُّنَّة القولية والفِعْلية والإِقْرارية على أن الله عالٍ فوقَ عَرْشه فوقَ خَلْقه.

стр. 290

والإجماع كذلك، فقد أَجمَع السلَف على ذلك، وما منهم من أحَد قال بخِلافه أبَدًا؛ والقاعِدة في هذا: أنه إذا دَلَّ الكِتاب والسُّنَّة على شيء ولم يُعلَم أن أحَدًا من السلَف الصحابة والتابعين قال بخِلافه فإنهم لا يَقولون بسِواه، وهذه فائِدة مُهِمَّة؛ يَعنِي: قد يَقول قائِل: أين الدليلُ على أن الصحابة يَرَوْن أن الله تعالى اسْتَوى على العَرْش أي: علا عليه؟ هل أحَدٌ فسَّره بذلك؟ فنَقول: ما دام قد ثبَتَ في القُرآن والسُّنَّة ولم يَرِد عنهم خِلافه فهم قد قالوا به؛ لأنهم يَأخُذون بدَلالة القُرآن التي أُمِروا أن يَأخُذوا بها. إِذَنْ: نَأخُذ من هذا إجماعَ الصحابة على عُلوِّ الله تعالى، وكذلك التابِعون لهم بإحسان، والأئِمَّة من بعدهم، لم يَأتِ حرفٌ واحِد عن أحدٍ منهم أنه قال بخِلاف ذلك. والأدِلَّة العَقْلية على عُلوِّ الله أن يُقال: العُلوُّ إمَّا صِفة نَقْص أو كَمال، ولا أحَدَ يَشُكُّ أنه صِفة كَمال فوجَب ثُبوته لله ؛ لأن الربَّ قد وجَبَت له صِفاتُ الكَمال عَقْلًا. وأمَّا الفِطرة فإن الناس مَفطورون على أنهم إذا سأَلوا الله تعالى شيئًا إنما تَرتَفِع قلوبهم نحو السماء، وهذا أمرٌ لا يُنكِره أحَد. الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: فضيلة رسول الله ﷺ حيث كان إنزال هذا القُرآنِ العَظيم عليه، وقد قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٤]. الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أن القُرآن نزَلَ لمَصلَحة الخَلْق؛ لقوله تعالى: ﴿لِلنَّاسِ﴾، فالقُرآن لم يَنزِل ضِدَّ مَصالِح الخَلْق، بل نزَل لمَصالِح الخَلْق؛ ولهذا قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ لِلنَّاسِ﴾.

стр. 291

الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: عُموم رسالة النبيِّ ﷺ ؛ لقوله تعالى: ﴿لِلنَّاسِ﴾ ولم يَقُلْ: (لقَوْمك) مثَلًا للناس عمومًا. الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: أن القُرآن نزَل بالحَقَّ - على وَجهَيِ التَّفسير اللَّذَيْن سبَقَا - وهو أنه هو حقٌّ وآتٍ بالحَقِّ؛ حقٌّ فيما جاء به حيث كانت أَحكامه عَدْلًا، وأَخباره صِدْقًا، وهو نفسه حَقٌّ، ليس بباطِل. الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: أن القُرآن حُجَّة؛ لقوله تعالى: ﴿فَمَنِ اهْتَدَى فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا﴾. الْفَائِدَةُ الثَّامِنَةُ: أن الناس يَنقَسِمون نحو هذا القُرآنِ إلى مُهتدٍ وضالًّ؛ لقوله تعالى: ﴿فَمَنِ اهْتَدَى فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا﴾. الْفَائِدَةُ التَّاسِعَةُ: الرَّدُّ على الجَبْرية الذين يَقولون: إن الإنسان مُجبَر على عمَله، ووجهُ ذلك: أنه أَضاف الاهتِداء والضَّلال إلى العبد، فدَلَّ هذا على أنه فِعْله الذي اختار. الْفَائِدَةُ الْعَاشِرَةُ: شُؤْم المَعاصي، وأنها تَكون على العَبْد لا له. الْفَائِدَةُ الحَادِيَةَ عَشْرَةَ: برَكة الاهتِداء، وأنه كَسْب للعبد؛ لقوله : ﴿فَلِنَفْسِهِ﴾ الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ: تَسلية النبيِّ ﷺ إذا ضَلَّ مَن ضَلَّ من الناس؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾ فالله تعالى وحدَه هو الوكيلُ عليهم، أمَّا أنت فأنت مُبلِّغ، فإذا قُمْت بواجِب البَلاغ فالحِساب على الله تعالى. الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ: الردُّ على مَن تَعلَّقوا بالنبيِّ ﷺ خَوْفًا ورَجاءً ورَغبةً ورَهبةً

стр. 292

حتى صاروا يَدْعونه من دون الله تعالى؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾. الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ: أن الداعِيَ المُبلِّغ لشريعة الله تعالى إذا بلَّغ على الوجه الذي أُمِر به فقد بَرِئَت ذِمَّته ولا يَلزَمه شيءٌ وراءَ ذلك، ووجهُ الدَّلالة منها: أنه إذا كان إمام الداعين المُبلِّغين مُحمَّد ﷺ ليس وَكيلًا على الناس ولا حَفيظًا عليهم فمَن دونَه من بابِ أَوْلى.

стр. 293

الآية (٤٢) * قَالَ اللهُ : ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الزمر: ٤٢]. قوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا﴾: ﴿اللَّهُ﴾ مُبتَدَأ، وجُملة ﴿يَتَوَفَّى﴾ خبَرُه. والتَّوفِّي بمَعنى القَبْض كما يُقال: تَوفَّى الرجُل حقَّه من قَرينه. أي: قبَضَه منه. و ﴿الْأَنْفُسَ﴾ جَمْع نَفْس، وهي الأَرْواح: الأَرْواح التي بها تَحيا الأجساد، والنَّفْس تُطلَق في القُرآن على مَعانٍ مُتَعدِّدة؛ منها هذا: أنها الرُّوح التي بها حياة الإنسان، فهو يَقبِض الأرواح حين موتها، أي: حين الموت، وهي مُفارَقة الروح للحياة مُفارَقة الروح للبدَن المُفارَقة التي تَزول بها الحياة. وقوله تعالى: ﴿وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا﴾: ﴿وَالَّتِي﴾ الواو حرف عَطْف و (التي) مَعطوفة على ﴿الْأَنْفُسَ﴾ يَعنِي: ويَتَوفَّى التي لم تَمُتْ، ولك الخِيار في مثل هذا التَّركيبِ أن تَقول: الواو حَرْف عَطْف، و (الَّتِي) صِفة لمَعطوفٍ على ما سبَق، وتَقديرُه: والأنفس التي لم تَمُتْ، ولك أن تَعطِف الصفة رأسًا على ما سبَق فتَقول: ﴿وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا﴾ عطفٌ على الأَنْفس حين موتها والتي لم تَمُتْ يَتَوفَّاها في مَنامها،

стр. 294

أي: يَقبِضها، لكنه ليس قَبْضًا تامًّا، بل قَبضٌ مُقيَّد. ولهذا تَجِد النائِمَ له إحساسٌ من وجهٍ، وليس له إحساس من وجهٍ آخَرَ، فباعتِبار القُوَّة الظاهِرة لا إحساسَ له، لا يَرَى ولا يَسمَع، وباعتِبار القوَّة الباطِنة، وأنه لو نُبَّه وانتَبَه يَكون حيًّا، فصِلَة الرُّوح بالنائِم غير صِلَتها بالحَيِّ باليَقظان، وغير صِلَتها بالميت، فهي وسَط بين الحيِّ اليَقْظان وبين الميت. وقوله تعالى: ﴿وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا﴾، وقد سمَّى الله تعالى النومَ وَفاةً، فقال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُسَمًّى﴾ [الأنعام: ٦٠]. قال المُفَسِّر ﵀: [﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا﴾، ويَتوَفَّى ﴿وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا﴾] فهو هنا قَدَّر الفِعْل بعد حَرْف العَطْف إشارةً إلى أنه مَعطوف على ما كان هذا عامِله؛ والذي هذا عامِله هو: ﴿الْأَنْفُسَ﴾، ويَتوَفَّى الأَنفُس التي لم تَمُتْ في مَنامها، أي: يَتوفَّاها وقتَ النوم، فيَتبيَّن بهذا أن النومَ وَفاة. وقوله تعالى: ﴿فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ يُمسِك التي قَضَى عليها الموت فلا تَرجِع إلى جسَدها يُمسِكها إلى أن يَأتِيَ البَعْث. وقوله تعالى: ﴿قَضَى﴾ أي: حكَم كقوله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء: ٢٣]، أي: حَكَم ألَّا تَعبُدوا إلَّا إيَّاه؛ والقضاء هنا قَضاءٌ كَوْنيٌّ، وأَقول: قَضاءٌ كونيٌّ؛ لأن قَضاء الله تعالى يَنقَسِم إلى قِسْمَيْن: شَرْعي وكَوْني. فالشَّرْعيُّ ما أَمَر به مثل قوله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾، ومثل قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ﴾ [غافر: ٢٠]، أي: يَحكُم به.

стр. 295

والقَضاء الكَونيُّ مثل قوله تعالى: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ﴾ [الإسراء: ٤]، فإن الله ﵎ لا يَقضِي بالفَساد في الأرض قضاءً شرعيًّا، إنما هو قَضاءٌ كونيٌّ، وهنا يَقول تعالى: ﴿قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ﴾، أي: قضاءً كونِيًّا. ثُمَّ قال تعالى: ﴿فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى﴾ وهي التي تَوفَّاها في مَنامها يُرسِلها إلى أجلٍ مُسمًّى، أي: إلى أجَلٍ مُعيَّن وهو الموت، يَعنِي: يُرسِلها تَذهَب إلى جسَدها وتَبقَى فيه إلى أجَلٍ مُسمًّى، أي: مُعيَّنٍ مُحدَّد. وقوله ﵀: [﴿فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ وقت مَوْتها] هذا الأجَلُ المُسمَّى، [والمُرسَلة: نفس التَّمييز تَبقَى بدونها نَفْس الحياة، بخِلاف العَكْس]، كأن المُفَسِّر ﵀ يَقول: إن الأنفس نَوْعان: نَفْس تَميِيز، ونَفْس حَياة؛ فنَفْس التَّميِيز هي المُرسَلة: ﴿وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ وتَبقَى بدونها الحياة، فالنائِم في حياةٍ لا شَكَّ، فنَفْس التَّمييز تَبقَى بعدَها الحياة، والعَكْس لا؛ ولهذا قال ﵀: [بخِلافِ العَكْس]، فإن نَفْس الحياة إذا قُبِضت لا تَبقَى بعدها نَفْس التَّمييز، فأَفادَنا ﵀ أن الأَنْفسَ في قوله تعالى: ﴿الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا﴾ أَنفُسُ الحياة ويَتبَعها أنفُس تَمييز، قال تعالى: ﴿وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا﴾ أي: أَنفُس التَّمييز. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ يَعنِي: الوفاة للنَّفْسين، والإِرْسال لإحداهما وإِمْساك الأخرى فيه آيات، والآيات التي معَنا واضِحة جِدًّا، وهي أربعة: وَفاة الموت، ووفاة النَّوْم، وإمساك المَيْتة، وإرسال النائِمة؛ وكلها من آيات الله ، وإنك لتَأتي إلى القوم جماعةً نائِمين

стр. 296

فتَقول: سُبحان الله ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ قوم كأنهم جُثَث لا يَسمَعون، اللهُمَّ إلَّا مَن كان خفيفَ النَّوْم، لكن الأَصْل أنهم في النَّوْم جُثَث فتَقول: سُبحان الذي أَماتَهم، ثُم أَحياهم بعد أن كانوا شِبهَ أموات، فهي آيات، وهي آيةٌ أيضًا على البَعْث، فإن النوم وفاةٌ صُغرى يَبعَث الله تعالى فيه النائِم حتى يَحيا يَستَيْقِظ تمامًا، كذلك الإحياء بعد الموت يَقيه الله وهو قادِرٌ عليه، والعاقِل يَقيس الغائِب على الشاهِد والمُستَقبَل على الحاضِر ويَتبيَّن له الأَمْر. وقوله تعالى: ﴿لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ التَّفكُّر إِعْمال الفِكْر بحيث يَدور كارًّا وراجِعًا، يمينًا وشِمالًا حتى يَتبيَّن له ما يَتَبيَّن بتَفكُّر، وضِدُّ التَّفكُّر الغَفْلة، وأن يَكون القَلْب حجَرًا أملَسَ لا يَقَرُّ عليه شيء، فلو قَرَّ عليه حَبَّةٌ من تُراب أَطارَتْها الرياح وجرَت بها المياهُ، فالإنسان المُتفكَّر هو الذي ليس بغافِل، بل يُدير فِكْره يَمينًا وشِمالًا، ذاهِبًا وراجِعًا حتى يَتبيَّن له الأمر. وقال ﵀: [﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ المَذكور ﴿لَآيَاتٍ﴾ دَلالات ﴿لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ فيَعلَمون أن القادِر على ذلك قادِرٌ على البَعْث، وقُرَيْشٌ لم يَتفَكَّروا في ذلك] نعَمْ، في هذا المَذكورِ آيات، ونحن ذكَرْنا أربَعًا ظاهِرةً، ولو تَأمَّلنا لوجَدْنا أكثَرَ من ذلك بكثير، ولكنها تَحتاج إلى تَفكير وتَدبُّر وتَأمُّل فتَتَّضِح. من فوائد الآية الكريمة: الْفَائِدَة الأُولَى: بَيان قوَّة سُلطان الله وعُمومه؛ تُؤخَذ من كونه يَتصَرَّف هذا التَّصرُّفَ حتى في الأَنْفس يَتوَفَّاها جميعًا فيُرسِل هذه ويُمسِك هذه، وهذا دليلٌ على كَمال المِلْك والسُّلْطان. الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أن المُتوفِّيَ للأنفُس حين موتها هو الله ؛ قال :

стр. 297

﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا﴾، وهذا هو الواقِع، وهذا هو ما تَدُلُّ عليه الآية، ولكِنَّ هذه الدَّلالةَ ربما يُعارِضها بعض الآيات في قوله : ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ (٦١) ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ﴾ [الأنعام: ٦١، ٦٢]، وقوله تعالى: ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ﴾ [السجدة: ١١]، فنَجِد أنه في آية الزُّمَر أَضاف الوفاة إلى نَفْسه ، وفي آية السَّجْدة إلى مَلَك المَوْت، وفي سورة الأنعام إلى الرسول ﷺ : ﴿تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا﴾؛ فكيف نَجمَع بين هذه الآياتِ؟ فالجَوابُ على ذلك أن نَقول: يَجِب أن نَعلَم قاعِدة مُهِمَّة جِدًّا هو أنه لا يُمكِن أن يَتَعارَض دَليلانِ قَطعِيَّان أبدًا، لا من القُرآن ولا من السُّنَّة ولا من العَقْل أبَدًا؛ لأنهما لو تَعارَضا لكان أحدُهما ثابِتًا والآخَرُ مُنتَفيًا، وإذا قُلنا: الآخَرُ مُنتَفٍ زال عنه اسمُ القَطْعيِّ. وهذه القاعِدةُ تُفيدك في مَسائِلَ كثيرةٍ؛ فمثَلًا لو قال لك قائِل: القرآن يَدُلُّ على كذا، ثُم ثبَتَ حِسًّا أن الأمر الواقِعَ على خِلاف هذا المَدلولِ، فالأمر الحِسِّيُّ تَكذيبه غير مُمكِن، لكن نَقول: إن فَهْمك للقرآن هذا خطَأ، فمثَلًا لو قال: ليسَتِ الأرض كُروية؛ لقول الله ﵎: ﴿وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ﴾ [الغاشية: ٢٠]، واعتِقاد أنها كُروية يُكذِّب هذه، ودَلالة القُرآن قَطعيَّةُ الثُّبوت، وقَطعيُّ الثُّبوت يَعنِي: ثابِت قَطْعًا لا إِشكالَ فيه، والله تعالى يَقول: ﴿وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ﴾، وكُروية الأرض حِسًّا ثابِتة قَطْعًا لا شَكَّ فيه وحِسًّا، فمثَلًا الآنَ لو تَقوم طائِرة من مطار جُدَّةَ مُتَّجِهة نحو الغَرْب على خَطًّ مُستَقيم رجَعَت إلى مَطارها لا يَرُدُّها شيء إِذَنْ هي كُروِيَّة لا إشكالَ فيها.

стр. 298

ونَقول الآية لَفْظها قَطعيُّ ثابِت، لكن دَلالتها على أنها سَطحٌ واحِد ليس بصحيح وليست بصَريحة، وإذا لم تَكُن الدَّلالة صريحة فهي غير قَطعية، وحِينئذٍ نَقول: التَّعارُض الآنَ بين مَدلولٍ ظَنِّيٍّ ومَحسوسٍ قَطعيٍّ، فالمَدلول الظَّنِّيُّ أن الآية تَدُلُّ على أن الأرض سَطحٌ واحِد، والمَحسوس القَطعيُّ أن الأرض كُروية، نَقول: الحَمْد لله تعالى التَّعارُض الآنَ بين ظَنِّيٍّ وقَطْعيٍّ، وإذا تَعارَض ظَنِّيٌّ وقَطْعيٌّ يُقدَّم القَطعيُّ، ونَقول: سَطْح الأرض باعتِبار القِطعة المُواجِهة أو الجانِب المُواجِه من الأرض سَطْح، لكن على البُعْد يَكون فيه انحِناءٌ. والدَّليل على ذلك: أنه لو كانت سَفينة تَسير في البحر ولها أَعمِدة طويلة إذا أَبعَدَتْ عنك كلَّما أَبعَدَتِ اختَفَت غابَت أكثر؛ لأن الأرض مُستَديرة فتَغيب، ولو كانت سَطْحًا لكُنتَ تَراها، فتَراها من بُعْد كما تَراها من قُرب على السَّطْح، والأمر ظاهِر ليس فيه إشكال. والخُلاصةُ الآنَ: أنه لا يُمكِن أن يَتَعارَض دَليلانِ قَطْعيَّان في الثُّبوت والدَّلالة، ولا يُمكِن أن يَتَعارَض قَطعيٌّ وظَنِّيٌّ؛ ومِثال ذلك: كم يَبقَى الناس في بُطون أُمَّهاتهم؟ الإجابة ستكون: تِسعة أَشهُر؛ فإذا قُلْت: أَعطوني تِسعَ دقائِقَ. فهل يُمكِن؟ لا يُمكِن؛ لأن الظَّنِّيَّ لا يُقاوِم القَطعيَّ، وإذا لم يُقاوِمه سقَط، فلا مُعارَضةَ، فيَبقَى الآنَ التَّعارُض بين الظَّنِّيَّيْن فقط، وإذا وُجِد تَعارُض بين ظَنِّيَّيْن حينئذٍ أَطلُب الترجيح، أو إذا كان النَّسْخ يُمكِن فأَعمَلُ بالنَّسْخ. وهذه القاعِدةُ ذكَرها شيخُ الإسلام ﵀ في كِتابه العظيمِ (درء تَعارُض العقل والنقل) (١)، وهذا الكِتاب أَثنَى عليه ابنُ القيِّم ﵀ في النُّونية، فقال ﵀:

стр. 299

وَلَهُ كِتَابُ الْعَقْلِ وَالنَّقْلِ الَّذِي ... مَا فِي الْوُجُودِ لَهُ نَظِيرٌ ثَانِي (١) يَعنِي: ممَّا يَرُدُّ به على الفلاسِفة هذا الكتابُ، وقد ذكَر فيه هذه القاعِدةَ المُفيدةَ، وهي أن التَّعارُض بين قَطعيَّيْن مُحال؛ لأنه لو حصَل التَّعارُض لكان أحدُهما غيرَ قطعيٍّ، وهذا لا يُمكِن؛ أمَّا التَّعارُض بين القَطعيِّ والظَّنيِّ فوارِد، لكن بلا مُقاوَمةٍ، يَعنِي: أن نُسقِط التَّعارُض، ونَقول: الحُكْم للقَطْعيِّ، أمَّا التَّعارُض بين الظَّنِّيَّيْن فواقِع، ويَجِب النظَر إليه والعمَل بالترجيح، أو العمَل بالنَّسْخ إذا كان ممَّا يُمكِن نَسْخه. وبعد فهذه خُلاصة: الجَمْع بين الوفاة المُضافة إلى الله تعالى والوفاة المُضافة إلى الرُّسُل والمُضافة إلى مَلَك الموت، وكما قُلنا: لا تَعارُضَ، فالدَّلالة تَختَلِف، ففي هذه الآياتُ في سورة الزُّمَر أَضاف الله تعالى الوفاة إليه؛ لأنها بأَمْره، وقد يُضاف الشيء إلى آخَرَ؛ لوقوعه بأَمْره، كما تَقول: بنَى المَلِك قَصرًا. فهلِ المَلِك رأَيْته يَعمَل بأَيديه الأسمنت والرَّمْل ويَقول: (يا ولدُ هاتِ (الزِّنبيلَ) (٢)، وهات كذا، وهات كذا)؟ الجَوابُ: لا، ولكنه أَمَرَ، ومنه المثَل المَشهور في البلاغة: (بنَى عمرُو بن العاصِ مَدينة الفِسطاط) وهي تَقَع في مِصرَ، فهل عمرُو بنُ العاص ﵁ بناها بيَده؟ الجَوابُ: لا، بل أمَرَ، إِذَنْ فإضافة الوفاة إلى الله تعالى؛ لأنها بأَمْره إضافة. وبَقِيَ عندنا الآنَ: إضافتها إلى ملَكِ الموت وإلى الرُّسُل فكيف الجَمْع؟ والجَمْع أن نَقول: ١ - إمَّا أن الرُّسُل يُراد بها الجِنْس ﴿تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا﴾ [الأنعام: ٦١] يَعنِي: ملَك الموت؛

стр. 300

لأن ملَك الموت رَسولٌ، ومنه الحديث: "يُوشِكَ أَنْ يَأْتِيَنِي رَسُولُ رَبِّي فَأُجِيبَ" (١). ٢ - أو نَقول: إن وفاة ملَك الموت غير وفاة الرُّسُل، وذلك لما جاء في الحديث من أن ملَك الموت يَجلِس إلى المُحتَضَر ويَأمُر رُوحه أن تَخرُج، فيَأخُذها بيَدِه، ثُم يُسلِمها فورًا إلى المَلائِكة الذين نزَلوا من السماء معَهم الحَنوط والكفَن المُناسِب لها إن كانت مُؤمِنة - وأَسأَل الله تعالى أن يَجعَل رُوحي وأَرْواحَكم مُؤمِنة -، فإنها تُجعَل في الكفَن الذي من الجَنَّة والحَنوط الذي من الجَنَّة، وإن كانتِ الأُخرى فكَفَنٌ من نار وحَنوطٌ من نار (٢)، نَعوذ بالله تعالى من ذلك؛ فهذا الكفَنُ والصعود بها إلى السماء تَتَولَّاه الملائِكة؛ ولهذا قال تعالى: ﴿تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ (٦١) ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ﴾ [الأنعام: ٦١، ٦٢]، تَحمِلها إلى الله إن كانت مُؤمِنة تَجاوَز بها السمواتِ إلى الله تعالى؛ لأن الله تعالى غاية نَفْس المُؤمِن في الحياة وبعد الممات، والمُؤمِن - قَلْبه ونَفْسه - مُعلَّقٌ بالله ، دائِمًا يَنظُر إلى الله بعَيْن البَصيرة، إن قام فبالله ولله وفي الله، وإن قعَد فبالله ولله وفي الله، وكذلك إن ذهَب وجاء فهو لله وبالله وفي الله. والتَّفريق بين هذه الكلِماتِ الثلاثة (فهو لله وبالله وفي الله) سَهْل وهو أن لله أي: لأَجْل الله ، وهو الإخلاص، وبالله يَعنِي: بعَوْن الله، وهي الاستِعانة، وفي الله أي: في سبيل الله، أي: في شَرْعه وحُكْمه كذا، وانظُرْ إلى الفاتِحة تَضمَّنَتِ الثلاثَ بالتَّسلسُل ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ فهذا لله إخلاص، ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ بالله، ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ في الله، ففي الشَّرْع أن نَكون في الصِّراط المُستَقيم.

стр. 301

الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أن النَّوْم يُسمَّى وفاةً؛ لقوله : ﴿وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا﴾ ويَشهَد لذلك قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ﴾ [الأنعام: ٦٠]. الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: أن الوقت يَذهَب سريعًا بالنسبة للأموات ولو طالتِ الأيام والدُّهور؛ لأننا إذا قِسْنا الوفاة الصُّغرى أو إذا نظَرْنا الوفاة الصغرى وسُرْعة ذَهاب الوقت فيها فالوَفاة الكبرى من بابِ أَوْلى، ولكن لا شَكَّ أن مَن كان يُعذَّب في قَبْره فسوف يَستَطيل الوقت، ومَن كان يُنعَّم فسوف يَكون الوقت في حقِّه قَصيرًا، ومع ذلك فإن المُنعَّم يَقول: ربِّ أَقِمِ الساعة، ربِّ أَقِمِ الساعة حتى أَرجِع إلى أهلي ومالي. والمُعذَّب يَقول: ربِّ لا تُقِمِ الساعةَ، وذلك لأنه يَرَى عذاب القبر أَهونَ من عذاب يوم القيامة، نَسأَل الله تعالى العافيةَ!. الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أن النائِم لا يُؤاخَذ بعمله، لا له ولا عليه؛ لأن الله تعالى سمَّى النَّوْم وفاةً، وقد قال النبيُّ ﵊: "إِذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثَةٍ" (١). وعلى هذا فلو رأَى النائِمُ أنه يُصلِّي فهل يُكتَب له أجر الصلاة؟ لا، ولو رأَى أنه يَقتُل لم يُكتَب عليه إِثْم القَتْل؛ لأنه غير مُكلَّف. الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: إثبات وصف الله تعالى بالإمساك والإرسال فهو يُمسِك ويُرسِل. وقد بيَّنَّا فيما سبَق أن صِفاتِ الله تَنقَسِم أقسامًا: أحدُها: ما عُلِم من أسمائه كالمَغفِرة من الغَفور، والرَّحمة من الرَّحيم.

стр. 302

والثَّاني: ما نصَّ عليه بذاتِه وليسَ مِن الأسماءِ مِثل الاستِواء على العَرْش، فهذا نصَّ عليه، لكنه ليس من أسمائه، بل صِفَة، إِذْ إنه ليس من أسمائه ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾، ومِثْله الصُّنْع كما في قوله تعالى: ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [النمل: ٨٨]، ومثله الفِعْل كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ [هود: ١٠٧] وما أَشبَهها. الثالِث: ما يُخبَر به عنه، وإن لم يُذكَر في الكِتاب والسُّنَّة، لكن يُخبَر به عنه، فهذا أيضًا يَقول العلماءُ ﵏: يَنقَسِم إلى قِسْمين: قِسْمٌ لا يَليق بالله تعالى فهذا لا يَجوز الخبَر به عنه. وقِسْمٌ لا يُنافي كماله، فهذا لا بأسَ به؛ لأن باب الخبَر أَوْسَع من باب الإِنْشاء. فمثَلًا: لو قال قائِل: إن الله تعالى مُريد. قُلْنا: نعَمْ لك أن تَصِف الله تعالى به: أوَّلًا: لأن الله تعالى وصَف نَفْسه بالإرادة في قوله تعالى: ﴿يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]، وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا﴾ [يس: ٨٢]. وثانيًا: أن الإرادة وَصْف لا يُنافي كمالُه كمالَ الله . فائِدة: العَجيب أن أكثَرَ ما يَستَنصِر به بعض الناس كلِمة (الله مَوْجود)، فإذا اعتَدى عليه أحَدٌ قال: الله مَوجود. ومثلها قولهم: (يا ساتِرُ)، و (الله مَوْجود)، فهذا ممَّا لا يُنصَر، لكن قولنا: (اللهُ حكَم عَدْل) هذا هو الذي يُنصَر، وإلَّا مثلًا لو قلتَ: السُّلْطان موجود. فهل يَنصُرُك؟ الجَوابُ: أنه قد يَنصُرك وقد لا يَنصُرك، فكلِمة مَوْجود لا تَعنِي النَّصر؛ ولذلك نحن نَقول لبعض الناس: انتَبِهْ لهذه الكلِمةِ لا تَقُلِ: (الله مَوْجود) قلِ: (الله حكَمٌ

стр. 303

عَدْل)، (الله غير غافِلٍ عمَّا تَعمَل)، (اللهُ يَنتَقِم من الظالِم)، وما أَشبَه ذلك. الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: كمال أَفعال الله تعالى حيث إنها تَكون مُنتَظِمة مُحدَّدة؛ لقوله تعالى: ﴿إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾. الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: أنه لا يُمكِن أن يُخلَّد أحَدٌ في الدنيا، وهذه تُؤخَذ من قوله تعالى: ﴿إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ مُحدَّد لا إلى شيء لا غايةَ له. الْفَائِدَةُ الثَّامِنَةُ: أن هذا الحاصِلَ من الوفاتين فيه آياتٌ تَدُلُّ على كَمال الله تعالى كمال وَحْدانِيَّته، وكمال سُلطانه، وكَمال تَدبيره؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾. الْفَائِدَةُ التَّاسِعَةُ: الحثُّ على التَّفكُّر، وأنه مِفتاح العِلْم؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ﴾ لمَن؟ الجَوابُ: ﴿لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾. والتَّفكُّر إنما يَكون في آياتِ الله تعالى ومَعاني أسمائه وصِفاته، أمَّا في حقيقة الصِّفات أو في حقيقة الذات فلا تَتَفكَّر؛ ولهذا يُروَى: "تَفَكَّروا في آلاءِ اللهِ" أي: نِعَمِه "وَلَا تَتَفكَّروا في ذاتِهِ" (١)، وذلك لأن التَّفكُّر في ذات الله تعالى يُؤدِّي إلى غَياهِبَ من الظُّلْم، ويُؤدِّي أحيانًا إلى التَّشكيك، وأحيانًا إلى التَّعطيل، وهذا هو الذي ضَرَّ أهل التَّعطيل - أَعنِي: التَّفكُّر في الذات -؛ لأن الذات لا يُمكِن الإحاطة بها، وما لا يُمكِن الإحاطة به فالتَّفكير فيه مَضيَعة للوقت، وهو في جانِب الربوبية خَطير على عقيدة الإنسان، فأنت تُفكِّر في آيات الله تعالى، وفي أسمائه، وفي صِفاته من حيث المَعنَى،

стр. 304

أمَّا في نَفْس الذات العَليَّة فلا تَستَطيع أن تُفكِّر ولا ماذا تَتَصوَّر؛ ولهذا يَجِب الإعراض عن هذه المَسأَلةِ.

стр. 305

الآية (٤٣) * قَالَ اللهُ : ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلَا يَعْقِلُونَ﴾ [الزمر: ٤٣]. ثُمَّ قال الله : ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ﴾: ﴿أَمِ﴾ هنا مُنقَطِعة؛ ولهذا تُقدَّر بـ (بل) والهَمْزة أي: أنها بمَعنَى: (بل) والهَمْزة. وقولنا: (مُنقَطِعة) يُفيد أن هناك مُقابِلًا لهذا المَعنَى وهو كذلك، والمُقابِل لهذا المَعنَى أن تَكون مُتَّصِلة، وحينئذٍ نَحتاج إلى الفَرْق بين المُنقَطِعة والمُتَّصِلة، والفرق بينهما من وجهين: الفَرْق الأوَّل: أن (أَمِ) المُنقَطِعة لا مُعادِلَ فيها، بمعنَى أنه لا يُذكَر فيها مُعادِل، بخِلاف (أَمِ) المُتَّصِلة فإنها تَحتاج إلى مُعادِل، فقوله تعالى: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ﴾ [البقرة: ٦]، هذه مُتَّصِلة لذِكْر المُعادِل ﴿أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ﴾، وأمَّا قوله ﵎: ﴿أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [الطور: ٣٣]، فهذه مُنقَطِعة؛ لأنها بمَعنَى: بل أيَقولون؛ لأنه لم يُذكَر فيها المُعادِل فتَكون مُنقَطِعة. الفَرْق الثاني بينهما: أن (أَمِ) المُتَّصِلة بمَعنى (أَوْ)، و (أَمِ) المُنقَطِعة بمَعنَى (بل) والهَمزة ففي قوله تعالى: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ﴾ لو جعَل بعدَها (أَوْ)

стр. 306

لكان المَعنَى: أَنذَرْتهم أو لم تُنذِرْهم، فالمُنقَطِعة أي: بمَعنَى (بل) والهَمزة، وليسَتْ بمعنى (أو). ونُطبِّق هذا الفَرْقَ على ما معَنا ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ﴾ تَكون مُنقَطِعة؛ أوَّلًا: لأنه لم يُذكَر المُعادِل. وثانيًا: لأنها تُقدَّر بـ (بل) والهمزة، فقوله تعالى: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ أي: سِواه، (دون) بمَعنَى (سِوى)؛ لا بمَعنَى دون الرُّتبة، بل (مِن دون الله) أي: (مِن سِوى الله). وقوله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا﴾ هنا تَنصِب مَفعولين: الأوَّل: ﴿شُفَعَاءَ﴾، والثاني: ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ يَعنِي: اتَّخَذوا من دون الله تعالى آلهةً شُفَعاءَ، ويَجوز أن نَقول: إن المَفعول الأوَّلَ مَحذوف تَقديرُه: آلهة، والثاني: ﴿شُفَعَاءَ﴾، يَعنِي: أنهم اتَّخَذوا مَعبوداتٍ يَعبُدونها يَدَّعون أنها شُفعاءُ لهم عند الله تعالى، قال الله تعالى عنهم: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣]، فصرَّحوا بأنهم يَعبُدون هذه الآلهةَ، ولكنهم يُريدون أن تَكون مُقرِّبةً لهم إلى الله . وسُبحان الله! كيفَ تَتَّخِذ بمَن عصَيْت اللهَ فيهم وَسيلةً ليُقرِّبوك إلى الله! وهذا من سَفَههم؛ قال ﵀: [﴿اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ أيِ: الأصنام آلِهة ﴿شُفَعَاءَ﴾ عند الله بزَعْمهم]، والشُّفَعاء جَمْع شَفيع، والشَّفيع مَن يَتَوسَّط لغيره بجَلْب مَنفَعة أو دَفْع مَضرَّة، فالشَّفاعة لأهل المَوقِف إذا أَصابَهم الهمُّ والغَمُّ أن يَقضِيَ الله تعالى بينهم من باب دَفْع المَضرَّة، والشفاعة لأهل الجنَّة أن يَدخُلوها من باب جَلْب المَنفَعة. فالشفاعة هى أن تَتَوسَّط لغيرك بجَلْب مَنفعة أو دَفْع مَضرَّة، وهي لا شَكَّ أنها خير، قال تَعالى: ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا﴾ [النساء: ٨٥] إلَّا في بعض المَواطِن كالشفاعة في الحدِّ بعد أن يَصِل إلى السُّلْطان، فإن مَن حالت شفاعته

стр. 307

دون حَدٍّ من حُدود الله فقد ضادَّ الله تعالى في أَمْره، وإذا بلَغتِ الحُدود السُّلْطان فلَعَن الله تعالى الشافِعَ والمُشفوع له، هؤلاء الجماعة الذين يَعبُدون الأصنام يَقولون: إنها شُفَعاءُ. وقوله ﵎: ﴿قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلَا يَعْقِلُونَ﴾ يَعنِي: أتَتَّخِذونهم شُفَعاءَ، وهم لا يَملِكون شيئًا لا شفاعةً ولا غير شفاعة، وهنا قال تعالى: ﴿لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا﴾ و (شيئًا) نَكِرة في سِياق النفيِ، فتكون للعُموم، وكان مُقتَضى السِّياق أن يَقول: أَوَلَوْ كانوا لا يَملِكون الشفاعة، ولكنه أتَى بالعُموم ليَدُلَّ على أن هذه الأصنامَ لا تُفيد شيئًا أبَدًا لا تَشفَع ولا تَدفَع، وهي قد سُلِبت الشفاعة لدُخولها في العُموم، يَعنِي: لا يَملِكون الشفاعة ولا غيرها. قوله تعالى: ﴿أَوَلَوْ كَانُوا﴾ فيها حَرْف عطفٍ بعد الهَمزة وقد ذكَرْنا مِرارًا ما يَقوله عُلماءُ النَّحو ﵏ في مثل هذا التركيبِ وهو أنه إذا جاء حرف العَطْف بعد همزة الاستِفْهام يَقول علماءُ النَّحو ﵏: في إعرابه وَجْهان: الوَجْه الأوَّلُ: أن تَكون الجُمْلة مَعطوفة، يَعنِي: الواو عاطِفة على الجُملة وتَكون مُقدَّرة. الوجه الثاني: أو تَكون الهَمْزة في مَكانها، وحَرف العَطْف على شيء مُقدَّر يُناسِب المَقام. وذكَرْنا أن الثانيَ رَأْي البَصْريِّين، والأوَّل رأيُ الكوفيين، وذكَرْنا أن القول بأن حَرْف العَطْف عاطِفٌ على ما سبَق أَوْلى؛ لأنه يَكفيك التَّقديرَ؛ ولأنه أحيانًا لا يَستَطيع الإنسان أن يُقدِّر الشيء المُناسِب، فإذا قال: الهَمزة حَرْف عَطْف، الهَمْزة للاستِفهام، والواو حَرْف عَطْف وما بعدها مَعطوفٌ على ما سبَق استَراح.

стр. 308

فقوله هنا: ﴿أَوَلَوْ كَانُوا لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا﴾ على رأيِ مَن يَرَى أن حرف العَطْف على مُقدَّر يَقول: أيَتَّخِذونهم شُفَعاءَ ولو كانوا لا يَملكون؛ وعلى الرأيِ الثاني يَقول: الواو حَرْف عَطْف والمعطوف عليه ما سبَق من الجُملة ﴿أَوَلَوْ كَانُوا لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلَا يَعْقِلُونَ﴾ يَعنِي: لا يَعقِلون أنكم تَعبُدونها، فالأصنام أَحجار لا تَدرِي، ولا يَعقِلون أيضًا شيئًا من الشفاعة يَدخُلون منه، فهُمْ جهَلة في حالِكم، وجهَلة فيما تَستَحِقُّون. فقوله الله تعالى: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ﴾ قال المُفَسِّر ﵀: [﴿أَمِ﴾ بل] لكنَّنا لا نَقرَؤُها: (أَتَّخَذُوا) بهَمْزة القَطْع؛ لأن القرآن ليستِ الهَمزة فيه هَمْزة قَطْع، لكن لو كان التَّرْكيب في غير القُرآن لقُلْنا: (بلِ اتَّخَذوا من دونه)، وإذا قُلنا: (أَتَّخَذوا) سيَسأَل سائِل: أين ذهَبَت هَمْزة الوَصْل في (اتَّخَذوا)؟ فنَقول: لأنه لمَّا دخَلَت هَمْزة القَطْع على الفِعْل استَغْنَيْنا بها عن هَمْزة الوَصْل؛ لأن هَمزة الوَصْل إنما يُؤتَى بها لسُهولة البَدْء بالساكِن، فإذا لم نَبدَأ به وبدَأْنا بهَمْزة قَطْع استَغْنَيْنا عنها وحذَفناها، قال تعالى: ﴿أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ﴾ [الصافات: ١٥٣]، فكلِمة: ﴿أَصْطَفَى﴾ هذه أَصلُها: (اصطَفَى) دخَلت عليها الهَمزة، فلمَّا دخَلَت عليها الهَمزة صِرْنا في غِنًى عن همزة الوَصْل؛ لأن همزة الوَصْل يُؤتَى بها للضَّرورة؛ ولهذا سُمِّيَت: همزة وَصْل يُؤتَى بها للضرورة؛ لئلا نَبتَدِئ بالساكن، فإذا زالَتْ هذه الضرورةُ سقَطَتْ. ثُم قال المُفَسِّر ﵀: [﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ أيِ: الأصنامَ آلهِةً ﴿شُفَعَاءَ﴾ عند الله بزَعْمهم] يَعنِي: هم صَيَّروا هذه الأصنامَ آلِهة تَشفَع لهم عند الله تعالى. وقول المُفَسِّر ﵀: [بزَعْمهم] يَعنِي: لا بحسَب الواقِع؛ لأن هذه الأصنامَ لا تَشفَع لهم، بل إنه في يوم القِيامة يَكفُر مَنِ اتَّخَذ إلهًا مع الله تعالى بعِبادة مَن عبَده،

стр. 309

وهذا كلام صحيح نَأخُذه من قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ (٥) وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ [الأحقاف: ٥، ٦]، وكذلك قوله : ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ﴾ [فاطر: ١٤]، بل حتى الذين اتَّخَذوا غير الرُّسُل اتَّخَذوهم مَتبوعين من أهل الضَّلال يَتبَرَّؤُون منهم ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا﴾ [البقرة: ١٦٦]. فانظُرْ في القُرآن كُفْر مَن جعَلوا شُرَكاءَ في الرِّسالة، وكُفْر مَن جعَلوا شُرَكاء في العِبادة، لأن كلًّا منهم لم يُحَقِّق شهادة أن لا إلهَ إلَّا الله، وأن محمدًا رسول الله، فالذين اتَّخَذوا شُرَكاءَ في العبادة قال الله عنهم: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ﴾ [فاطر: ١٤]، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ [الأحقاف: ٦]، والذين اتَّخَذوا شُرَكاءَ في الرسالة قال الله تعالى عنهم: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا﴾؛ لأن المُتابَعة لغير الرُّسُل والمُعارَضة لأقوال الرُّسُل شِرْك مع الرُّسُل في الرسالة؛ لأن الذي يَجِب اتِّباعه من البَشَر همُ الرُّسُل، فإذا جعَل هذا الرجُلُ مَتبوعه بمَنزِلة الرسول ﵊ فيَأخُذ بقوله فِعْلًا وتَرْكًا وتَصديقًا، فقد جعَله رَسولًا. ولهذا بعضُ العُلَماء ﵏ يَقول: إن التوحيد نوعان: تَوْحيد عِبادة، وتَوْحيد رِسالة؛ فتَوْحيد عِبادة فيما يَتَعلَّق بحقِّ الله تعالى، وتَوْحيد رِسالة فيما يَتَعلَّق بحقِّ الرسول ﷺ ، والله تعالى يَقرُن بين هذا وهذا في القُرآن، قال تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ الْأَوَّلِينَ (٦٨) أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ [المؤمنون: ٦٨، ٦٩]. فالحاصِلُ: أن هؤلاء الذين اتَّخَذوا شُفَعاءَ قد ضَلَّوا ضلالًا مُبينًا؛ لأنها لا تَنفَعهم، قال الله تعالى لنبيِّه ﵊: ﴿قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا

стр. 310

وَلَا يَعْقِلُونَ﴾، قال المُفَسِّر ﵀: [أَيَشْفَعون ولو كانوا] المُفَسِّر ﵀ مشَى في هذا التَّفسيرِ على أحَد الرَّأْيَيْن المَشهورَيْن فيما إذا دخَلَت همزة الاستِفهام على حَرْف العَطْف، وهُما وَجْهان: الوجهُ الأوَّل: أن يَكون العَطْف على ما سبَقَ، وعلى هذا يَكون تَقديرُ الهمزة بعد حَرْف العَطْف. والوجه الثاني: أن العَطْف على جُمْلة مُقدَّرة يَكون تَقديرُها حسَب السِّياق. والمُفَسِّر ﵀ مشَى على الثاني؛ لأنه قَدَّر المعطوف عليه بين الهَمْزة وحَرْف العَطْف [أَيَشْفَعون ولو كانوا لا يَملِكون شيئًا ولا يَعقِلون] فلا يَملِكون شيئًا من الشَّفاعة وغيرها، ولا يَعقِلون أنكم تَعبُدونهم ولا غير ذلك؟ والجَوابُ: لا، فهذه لا تَشفَع؛ لأنها لا تَعقِل، ولا تَملِك فهي لا تَعقِل عِبادة مَن عبَدها، ولا تَملِك له شيئًا لا شَفاعةَ ولا غيرَها. من فوائد الآية الكريمة: الْفَائِدَة الأُولَى: الإنكار على مَن عبَد الأصنام واتَّخَذها شُفَعاءَ، ونَأخُذ الإنكار من الهَمْزة التي تَضمَّنَتها، أم لأن (أَمْ) بمَعنَى (بَلْ) والهَمزة. الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: الخَطأ الفَظيع في هؤلاءِ المُشرِكين حيث عبَدوا الأصنام وظَنُّوها شُفَعاءَ مع أنها لا تَزيدهم من الله تعالى إلَّا بُعدًا. الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: إقامة الحُجَّة العَقْلية في مُجادَلة الخَصْم وهي قوله تعالى: ﴿قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا﴾، فإذا كانوا لا يَملِكون شيئًا فكيف تَتَّخِذونهم شُفَعاءَ وتَعبُدونهم من دون الله تعالى.

стр. 311

واعلَمْ أن الأدِلَّة العَقْلية نَحتاج إليها حاجةً ماسَّةً إذا ضعُف الإيمان، فكلَّما ضعُف الإيمان احتَجْنا إلى الأدِلَّة العَقْلية، وذلك لأن المُؤمِن يَكفيه النَّقْل، أي: يَكفيه السَّمْع، كما قال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٣٦]، واحتَجَّتْ عائِشةُ ﵂ على التي سأَلَتْها: ما بالُ الحائِض تَقضِي الصوم ولا تَقضِي الصلاة؟ فقالت: كان يُصيبنا ذلك فنُؤمَر بقَضاء الصَّوْم، ولا نُؤمَر بقَضاء الصلاة (١). فإذا قوِيَ الإيمان كفَى الاستِدْلالُ بالسُّنَّة والقرآن، وإذا ضعُف الإيمان فلا بُدَّ من استِعْمال الدليل العَقْليِّ المُقنِع؛ ولهذا نَجِد الله في الكِتاب العَزيز يَحتَجُّ كثيرًا بالأمور العَقْلية الحِسِّيَّة على المعاني التي يُريد تَقريرها وإثباتها، كإحياء المَوْتى، وما أَشبَه ذلك، ونحن الآنَ في زمَنٍ الإيمانُ فيه ضعيف، والجَدَل فيه كثير، فنَحتاج إلى فَهْم الأدِلَّة العَقلية حتى نَتَمكَّن من إقناع خُصومنا. ومَعلومٌ الآنَ: أن كثيرًا من الناس لو أُتِيَ بكل آية ما تَبِعها، فإذا أُتي بدليلٍ عَقليٍّ اقتَنَع به! هذا واحِد؛ وتَعلَمون أيضًا: أن أعداء الإسلام والمُسلِمين يَتَحيَّنون الفُرَص في إدحاض حُجَج المُسلِمين، فتَجِدهم في كل مَجلِس يَتكلَّمون في أشياءَ يُشبِّهون بها على الشَّباب المُسلِم، فإذا لم يَكُن لدى الإنسان حُجَّة عَقْلية تَدحَض حُجَّته، فإنه ربما يَنقطِع ويَظهَر ذلك الخَصمُ الأَلَدُّ عليه، كما قال الله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ﴾ [البقرة: ٢٠٤]. فأنا أَحُثُّكم على أن تَتَّخِذوا من الأدِلَّة العَقْلية ما يُنجيكم من خَصْمِ أُولئك

стр. 312

الألِدَّاء حتى تَخصِموهم وتُحاجُّوهم وتَغلِبوهم بالحُجَّة. وهذا هو إبراهيمُ ﵊ حاجَّ قَوْمه بالعَقْل، قال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي﴾ فأَفَل الكوكب وغابَ ﴿قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ﴾ أي: لا أُحِبُّ إلهًا يَغيب عنِّي، ولا يَعلَم بحالي ﴿فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ﴾ أَقام الحُجَّة على ضَلال من عبَد الكواكِب ﴿قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ (٧٧) فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَاقَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام: ٧٧، ٧٨]، وكذلك احتَجَّ على الذي: ﴿حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ﴾ [البقرة: ٢٥٨] إلى آخِر الآية، إلى غير ذلك. فنحن في حاجة اليومَ إلى إعمال عُقولنا في الأدِلَّة العَقلية حتى نَحتَجَّ بها على مَن ضعُف إيمانه بالأدِلَّة السَّمْعية، أو على مَن فَقَد إيمانه بالأدِلَّة السَّمْعية. مَسأَلة: بعض الناس يَعتَمِد على العَقْل في قَبول النُّصوص، يَعنِي: ما وافَق العَقْل قبِلوه وما لا فلا، نحن لا نُريد هذا؛ لأن كل عقلٍ يُخالِف النصَّ فليس بعَقْل، والذي دمَّر هؤلاء وقوَّض عُقولهم أنهم صاروا يَعتَمِدون على العَقْل قبل أن يَنظُروا في النُّصوص، ولو أنهم نظَروا في النُّصوص أوَّلًا، ثُم أَجرَوْها على العَقْل لعلِموا عِلْم اليَقين أن النَّقْل مُوافِقٌ للعَقْل. فإن العَقْل في أمر الغَيبيَّات يَنبَغي ألَّا يُرجَع إليه؛ ولذلك نحن نَقول لهؤلاء الذين يَرجِعون إلى العَقْل في الأمور الغَيبيَّة نَقول: أنتُمُ الآنَ جانَبْتمُ العَقْل، إذِ العَقْل لا يُمكِن أن يَتحَدَّث عن شيء غائبٍ عنه أبدًا، فلو قال لك إنسان: تَحدَّث عمَّا وراء

стр. 313

الجِدار. فهل يُمكِن عقلًا أن تَتَحدَّث عنه؟! ولو تَحدَّثت عنه لكنتَ مُخرِّفًا، فهؤلاء الذين رجَعوا للعَقْل هم رجَعوا إلى الهوى في الحقيقة، فهو هوًى وليس بعَقْل، لكن صحيحٌ أنه عَقْلٌ؛ لأنه عَقَلَهُم عن إصابةِ الصواب وإلَّا فليس بعَقْلٍ. ونحن حينما نَقول: احرِصوا على الأدِلَّة العَقليَّة. لا نقول: عَقْل هؤلاء؛ لأن كل حُجَّةٍ يُورِدها هؤلاء فليست بحُجَّة، ولكنها شُبْهة، والذي يُزيلها هو العَقْل الصريح مع النَّقْل الصحيح. ثُمَّ إن بعض الأدِلَّة العَقْلية لا شكَّ أنها قد تَخفَى على بعض الناس، ولكن الإنسان إذا تَأمَّل في دَلالة القرآن وجَدَ فيها كثيرًا من الأدِلَّة العَقلية، مثل مُحاجَّة إبراهيمَ ﵇ لقومه، ومثل مُحاجَّة الله عن الرسول ﷺ في آخِر سورة الطور، هذه كلُّها أدِلَّة عَقلية، وكذلك النظَر والتَّأمُّل في الكون والمخلوقات يَدلُّك على هذا، وكذلك في الطُّرُق الحِسابية تَهتَدي بها كثيرًا بالعقل، كأَنْ نَعرِف نِصْف الاثنَيْن واحِد، وضِعْف الواحِد اثنان، فيُمكِن أن تَهتَديَ بمِثْل هذه الطرُقِ إلى الأدِلَّة العَقلية. وعلى كل حال: الأدِلَّة العَقلية في الحَقيقة هي أوَّلًا غَريزة من الله يَجعَلها في قَلْب المَرْء، ثُمَّ اكتِساب ثانيًا بالتَّمرُّن على مُطالَعة الكُتُب، تَبحَث في هذا ككُتُب شيخ الإسلام ابنِ تَيميَّةَ ﵀، فتَستَفيد فائِدة كبيرة. ولا يَخفَى أن الأدِلَّة العَقْلية يَعنِي: الأدِلَّة الحِسِّيَّة؛ لأن الأدِلَّة الحِسِّية طريقٌ إلى الأدِلَّة العَقلية، والأدِلَّة العَقلية قِسمان: أدِلَّة نَظرية، وأدِلَّة حِسِّية، وهي أقوى من الأدِلَّة النَّظرية. فالأدِلَّة الحِسِّية مثَلًا: حُدوث العالَم؛ بماذا نَعرِف أنه حادِث؟ بتَغيُّره من حالٍ إلى حالٍ، ومن شَخْصٍ إلى آخَرَ، فهذا يَموت، وهذا يَحيا، وما أَشبَه ذلك، ونَستَدِلُّ

стр. 314

أيضًا في حُدوث العالَم بأنه ما من شيء مَوْجود إلَّا وهو إمَّا حادِثٌ بنَفْسه، أو مُحدِثه غيره، أو حادِث صُدْفةً هكذا، وكل هذه الثلاثةِ مُمتَنِعة إلَّا واحِد، وهو: أنه أَحدَثه غيره. الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أن الأصنام لا تَملِك شيئًا لعابديها لا جَلبَ نَفْع ولا دفعَ ضَرَر. فإن قال قائل: إن من الناس مَن يَدعو الصنَم فيُستَجاب له كما نَسمَع عن ذلك كثيرًا؟ فالجَوابُ: أن كلام الله تعالى حقٌّ وصِدق مُطابِقٌ للواقِع تمامًا، وقد بيَّن الله تعالى في آية أُخرى أنه لا أحَدَ أضَلُّ عَقلًا ولا أَسفَهُ طريقًا ﴿مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ (٥) وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ [الأحقاف: ٥، ٦]. لكن ما حصَل من مثل هذه الأُمورِ من كون الرجُل دعا وَليًّا أو صاحِب قَبْر أو ما أَشبَه ذلك فزال عنه ضُرُّه فإنما هو امتِحانُ من الله حصَل عند الشيء لا بالشيء، فمثَلًا: لو أن رجُلًا دعا قَبْرًا وكشَف عنه الضُّرَّ هل نَقول: إن صاحِب القَبْر هو الذي كشَفه؟ لا أبدًا، بل نَجزِم - مثل الشمس - أن صاحِب القبر لم يَنفَعْه، ولكن الله ابتَلى عابدَ هذا القبرِ بأَنْ حصَل الشيء عنده لا به، وفَرْق بين الشيء الذي يَحصُل بالشيء والشيء الذي يَحصُل عند الشيء. والله قد يَبتَلي الإنسان بمِثْل هذا فيُيسِّر الله تعالى له أسباب المَعْصية والشِّرْك ابتِلاءً وامتِحانًا، أرأَيْتم أصحاب الرسول ﷺ حين حَرَّم الله تعالى عليهمُ الصيد في حال الإحرام، فابتَلاهمُ الله تعالى بصيدٍ تَناله أيديهم ورِماحهم، الطائر يَناله الرُّمْح، والساعي العادي تَناله الأَيْدي، يَعنِي: الظِّباء والأرانب وما أَشبَهَها يُمسِكونه

стр. 315

بأيديهم، والطيور برِماحهم لا بسِهامهم فكانوا لا يَحتاجون إلى سِهام، فابتَلاهمُ الله بذلك؛ ليَعلَم مَن يَخافُه بالغَيْب، وعلى هذا فقد يَبتَلي الله تعالى العبد بتَيْسير أسباب المَعصية له حتى يَعلَم هل يَصبِر أو يُقدِم؛ لأن بعض الناس قد يُخفَّف عليه تَرْكُ المعصية صعوبتها عليه، فبعض الناس يَترُك المَعصية لأنها صَعْبة عليه تَحتاج إلى عمَل، أو تَحتاج إلى مال، لكن إذا سهُلت ثُمَّ ترَكها علِمَ أن الرجُل صادِق في إيمانه. إِذَنْ: فهِمْنا الجوابَ على قوله تعالى: ﴿قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلَا يَعْقِلُونَ﴾ أن ما وقَعَ ممَّا يُظَنُّ أنه بسبَب هذه الآلهةِ فقد حصَل عندها لا بها. الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: انتِفاء العَقْل عن هذه المَعبوداتِ، وهذا فيمَن يَعبُد مَن لا عَقلَ له كالأصنام والأشجار؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا يَعْقِلُونَ﴾. وعليه إذا قيَّدْنا المسألة بمَن يَعبُد الأصنام والأشجار وما أَشبَهَها لا يَرِد علينا أن قومًا عبَدوا المسيحَ ﵊، والمَسيح ﵊ من أَكمَل الناس عَقْلًا لأنه أحَدُ أُولي العَزْم من الرُّسُل، بأن نَقول: يُريد الله تعالى بهذا الأصنامِ الجَماد التي لا تَعقِل.

стр. 316

الآية (٤٤) * قَالَ اللهُ : ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [الزمر: ٤٤]. قوله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾: ﴿قُلْ﴾ الخِطاب للرسول ﷺ ، أو لكل مَن يَتأتَّى خِطابه ويَصِحُّ، وهذا الأخيرُ أعَمُّ من الأوَّل؛ لأنه يَشمَل النبيَّ ﷺ وغيره؛ فقوله تعالى: ﴿قُلْ﴾ أيها المُخاطَبُ - الأهل للخِطاب -: ﴿لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾، ﴿لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ﴾ جُملة خبَرية تُفيد الحَصْر، وطريقه أن الخبَر تَقدَّم وحقُّه التأخيرُ، وكل تَقديمٍ لما حَقُّه التأخير يُفيد الحَصْر، والمَعنَى: لله الشَّفاعة لا لغيرِه فهو الذي يَملِكها، واللَّام في قوله تعالى: ﴿لِلَّهِ﴾ للمِلْك يَعنِي: هو الذي يَملِك الشفاعة، أي: يَملِك أن يَأذَن فيها. وقد بيَّنَ الله أن للشَّفاعة ثلاثةَ شُروط: الشَّرْط الأوَّل: إِذْنه؛ لقول الله ﵎: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥]. الشَّرْط الثاني: رِضاه عن الشافِع؛ لقول الله ﵎: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا﴾ [النبأ: ٣٨]. الشَّرْط الثالِث: رِضاه عن المَشفوع له؛ لقوله ﵎: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ [النجم: ٢٦]،

стр. 317

وهذه تَكون أيضًا دليلًا على أنه يُشتَرَط رِضا الله تعالى عن الشافِع، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء: ٢٨]. والآنَ لو أَقول: يا رسولَ الله، اشفَعْ لي عند الله. هل يَجوز؟ والجَوابُ: لا يَجوز؛ لأنه لا يَملِك ذلك، فهو لا يَشفَع لا لك ولا لغَيْرك إلَّا بإِذْن الله تعالى، ومن ذلك ما يَفعَله بعض الإخوان المُجاهِدين يَقول الواحِد منهم للثاني: اشفَعْ لي عند الله؛ لأن المُجاهِد له شفاعة إذا قُتِل شهيدًا، فتَجِد بعض أقاربه أو بعض أصحابه يَقول: اشفَعْ لي عِند الله! وهذا لا يَجوز؛ لأنه سأَله ما لا يَملِكه، فإنه إذا قال: اشفَعْ لي! نَقول: الشفاعة لمَن؟ الجَوابُ: لله تعالى، إِذَنْ قُلْ له: اللهُمَّ شفِّعْه فيِّ. ولا بأسَ في ذلك، فيَنبَغي عليك أن تَحرِص على الشفاعة ممَّن يَملِك الشفاعة، أمَّا ممَّن لا يَملِك لا تَصِحَّ، فهذا سُؤالٌ في غير محَلِّه، فالشَّفاعة إذَنْ: لله، وإذا كانت لله فلا تَسأَل إلَّا الله. وقوله : ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾ كلمة ﴿جَمِيعًا﴾ إعرابها حال من الشَّفاعة، لكن ما مَعنَى الجَمْع هنا؟ وهل الشَّفاعة مُتعدِّدة؟ الجَوابُ: نَعمِ، الشفاعة مُتعدِّدة؛ شفاعة في الدنيا، وشفاعة في الآخِرة، وشفاعة في جَلْب نَفْع، وشفاعة في دَفْع ضرَر، فلا شَفاعةَ إلَّا لله ، فوَكْل الشفاعات تَكون لله تعالى، وهناك شَفاعة في الدنيا كأَنْ يَدعوَ الإنسان لشَخْص إذا دعا الإنسان لشَخْص فهذه شَفاعة قال النبيُّ ﵊: "مَا مِنْ رَجُلٍ مُسْلِمٍ يَمُوتُ فَيَقُومُ عَلَى جَنَازَتِهِ أَرْبَعُونَ رَجُلًا لَا يُشْرِكُونَ بِاللهِ شَيْئًا إِلَّا شَفَّعَهُمُ اللهُ فِيهِ" (١)، فدُعاء الإنسان

стр. 318

لأَخيه شفاعةٌ له عند الله تعالى، وهذه هي الشفاعة في الدُّنيا، والشفاعة في الآخِرة مَعروفة وهي الشَّفاعة العُظمى، وهذه لرسول الله ﷺ ولا تَكون لأَحَدٍ سِواهُ. فما هي الشَّفاعة العُظمى؟ الجَوابُ: هي أن الناس في ذلك المَحشَرِ؛ كما جاء في النُّصوص: حُفاة عُراة غُرل شاخِصةٌ أبصارهم أَفئِدتُهم هواءٌ، الشمس تَدنو منهم قَدْر مِيل، والعرَق يُلجِم بعضهم، لا يَلوِي أحَدٌ على أحَد، ولا يَستَغيث أحَدٌ بأَحَد، قال الله تعالى: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [غافر: ١٦]، فيَلحَقهم من الهَمِّ والكَرْب ما لا يُطيقون، فيَقول بعضُهم لبعض: انظُروا مَن يَشفَع لنا عند الله تعالى لنَستَريح من هذا المَوقِفِ راحة، فيَذهَبون إلى آدَمَ، ثُمَّ إلى نوح ﵇، ثُم إلى إبراهيمَ ﵇، ثُمَّ إلى مُوسى ﵇، ثُمَّ إلى عِيسى ﵇ ولا يَحصُلون على شيء، ثُمَّ يَأتون إلى مُحمَّدٍ ﷺ يَطلُبون منه الشفاعة فلا يَشفَع، فيَستَأذِن من الله تعالى أوَّلًا؛ لأن الملك عظيم والسُّلطان تامٌّ، فيَسأَل الله تعالى أن يَأذَن له بالشَّفاعة، فيَأذَن له، ثُمَّ يَسجُد ﵊ تحت العَرْش سُجودًا طويلًا طويلًا طويلًا؛ يَفتَح الله تعالى عليه فيه من المَحامِد ما لم يَكُن يَعرِفه من قبلُ، ثُمَّ يَشفَع إلى الله تعالى أن يَقضِيَ بين الخَلْق ويُريحَهم من هذا المَوْقفِ، فيَقبَل الله تعالى شَفاعته (١). وهذه الشَّفاعةُ تُسمَّى الشفاعة العُظمي؛ لعُمومها وشِدَّة الحاجة إليها، ولا تَكون إلَّا للرسول ﷺ كما قال الله تعالى: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء: ٧٩]، وسُمِّيَت كذلك؛ لأن هذا المَقامَ يَحمَده فيه الأوَّلون والآخِرون الذين

стр. 319

من أُمَّته والذين من غير أُمَّته، وفي هذا اليومِ شَفاعة فيمَن دخَل النار أن يَخرُج منها، وفيمَن استَحَقَّها أن لا يَدخُلها. وهذه الشفاعةُ نَوعان: شَفاعة فيمَن دخَلها أن يَخرُج منها، وفيمَنِ استَحَقَّها أن لا يَدخُلها، وهذه عامَّة للرُّسُل، والصِّدِّيقين، والشُّهَداء، والصالِحين، والمَلائِكة، والبشَر عامة، لكن يُنكِرها طائِفتان من طوائف الضَّلال من هذه الأُمَّةِ وهُما المُعتَزِلة والخَوارِج؛ لأنهم يَقولون: إن فاعِل الكبيرة مُخلَّدٌ في النار، مَحكومٌ عليه بذلك قَضاءً وقدَرًا، وإذا كان كذلك فلن يَتَخلَّف هذا القضاءُ، ولا يُمكِن أن يَخرُجوا من النار. والشفاعة الرابِعة في دُخول الجَنَّة، إذا عبَر الناس الصِّراط - أَسأَل الله تعالى أن يَجعَلنا وإيَّاكم ممَّن يَعبُره سَليمًا - إذا عبَروا الصِّراط لا يَدخُلون الجَنَّة مُباشَرة، بل يُوقَفون عند قَنْطرة وهي طرَف الجِسْر الذي على النار أو غيرها - الله تعالى أَعلَمُ - فيُقتَصُّ لبعضهم من بعض، وهذا قِصاص تَنْقية، والقِصاص السابِق في عَرَصات القِيامة قِصاص تَخْلية، يَعنِي: في عرَصات القِيامة يُقتَصُّ للمَظلوم من الظالِم، أمَّا هذا فهو قِصاص تَنْقية، يُنقَّوْن حتى يَزول ما في قلوبهم من غِلٍّ وحِقْد؛ لأنه ليس القضاء للشَّخْص بحَقِّه مُزيلًا للحِقد والبَغْضاء. نعَمْ، ربَّما قد أَقول: أنا اعتُدِيَ عليَّ وأَخَذْت حَقِّي الآنَ منه، لكن بقِيَ أثَرُ هذا العُدوانِ في قَلْبي، هذا مَوْجود ولا أحَدَ يُنكِره، لكن المُوفَّق يَسعَى في زواله، وإنما لا بُدَّ أن يَبقَى أثَرُ الجُرْح حتى ولو بَرِئ، وهل إذا بَرِئ الجُرْح يَعود الشيء كما كان؟ بل يَصير فيه بُقَع، فلا بُدَّ أن يُؤثِّر العُدوان، ولوِ اقتَصَّ الإنسان لنَفْسه من قلب الإنسان، فهُمْ إذا اقتُصَّ لبعضهم من بعض في يوم القيامة في عرَصات القيامة وعبَروا الصِّراط يَحتاجون إلى تَنْقية تُنقَّى وتُصفَّى قلوبهم حتى يَدخُلوا الجَنَّة - وما في قُلوبهم

стр. 320

من غِلٍّ - على أكمَل وَجْه. فإذا اقتُصَّ لبعضهم من بعض أيضًا لا يَدخُلون الجَنَّة مُباشَرة، بل يَجِدون الجَنَّة مُغلَّقة الأبواب، فيَطلُبون مَن يَشفَع لهم، فيُشفَّع النبيُّ ﷺ خاصَّة، وهذه خاصَّة بالرسول ﷺ لكن ليسَتْ عُظمى؛ لأنها لأهل الجنَّة خاصَّة فيَشفَع أن تَفتَح أبواب الجَنَّة، فيُؤذَن له فتُفتَح أبواب الجَنَّة. وأوَّل مَن يَدخُلها هو ﵊ (١)، وأوَّلُ مَن يَدخُلها من الأُمَم أُمَّته بعد الأنبياءِ ﵈ مُباشَرةً، فالنَّبيُّون أوَّلًا، ثُمَّ الأُمَم، يَبدَأ بقائِد النَّبيِّين محمد ﷺ ، ثُم قائِد الأُمَمِ هذه الأُمَّةُ؛ لأن هذه الأُمَّةَ - ولله تعالى الحمد - مُتأخِّرة في الزمن في الدنيا، لكنها سابِقة في كل المَواقِف في الآخِرة، فقد قال النبيُّ ﵊: "نَحْنُ الْآخِرُونَ السَّابِقُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ" (٢). ففي كل العرَصات - ولله تعالى الحمد - نحن السابِقون في العُبور على الصِّراط في القَضاء بين الناس في عرَصات القِيامة قبل دُخول الجنَّة همُ السابِقون يوم القيامة في كل شيء، فيَدخُلون الجنَّة، وتَأمَّل هذا في كِتاب الله قال الله تعالى في أهل النار: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾ [الزمر: ٧١]، وهم كارِهون لها من حين أن يَصِلوا إليها تُفتَّح الأبواب؛ أمَّا أهل الجنَّة فلا، قال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾ [الزمر: ٧٣]. فأَفاد قوله تعالى: ﴿وَفُتِحَتْ﴾ أن هناك شَيْئًا بين مَجيئهم وبين الفَتْح، ولقد
следующие страницы →