← Тафсир

Тафсир · id 151160

تفسير العثيمين: الزمر

ابن عثيمين

Полный текст (515 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

الآية (٤٤) * قَالَ اللهُ : ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [الزمر: ٤٤]. قوله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾: ﴿قُلْ﴾ الخِطاب للرسول ﷺ ، أو لكل مَن يَتأتَّى خِطابه ويَصِحُّ، وهذا الأخيرُ أعَمُّ من الأوَّل؛ لأنه يَشمَل النبيَّ ﷺ وغيره؛ فقوله تعالى: ﴿قُلْ﴾ أيها المُخاطَبُ - الأهل للخِطاب -: ﴿لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾، ﴿لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ﴾ جُملة خبَرية تُفيد الحَصْر، وطريقه أن الخبَر تَقدَّم وحقُّه التأخيرُ، وكل تَقديمٍ لما حَقُّه التأخير يُفيد الحَصْر، والمَعنَى: لله الشَّفاعة لا لغيرِه فهو الذي يَملِكها، واللَّام في قوله تعالى: ﴿لِلَّهِ﴾ للمِلْك يَعنِي: هو الذي يَملِك الشفاعة، أي: يَملِك أن يَأذَن فيها. وقد بيَّنَ الله أن للشَّفاعة ثلاثةَ شُروط: الشَّرْط الأوَّل: إِذْنه؛ لقول الله ﵎: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥]. الشَّرْط الثاني: رِضاه عن الشافِع؛ لقول الله ﵎: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا﴾ [النبأ: ٣٨]. الشَّرْط الثالِث: رِضاه عن المَشفوع له؛ لقوله ﵎: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ [النجم: ٢٦]،

стр. 317

وهذه تَكون أيضًا دليلًا على أنه يُشتَرَط رِضا الله تعالى عن الشافِع، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء: ٢٨]. والآنَ لو أَقول: يا رسولَ الله، اشفَعْ لي عند الله. هل يَجوز؟ والجَوابُ: لا يَجوز؛ لأنه لا يَملِك ذلك، فهو لا يَشفَع لا لك ولا لغَيْرك إلَّا بإِذْن الله تعالى، ومن ذلك ما يَفعَله بعض الإخوان المُجاهِدين يَقول الواحِد منهم للثاني: اشفَعْ لي عند الله؛ لأن المُجاهِد له شفاعة إذا قُتِل شهيدًا، فتَجِد بعض أقاربه أو بعض أصحابه يَقول: اشفَعْ لي عِند الله! وهذا لا يَجوز؛ لأنه سأَله ما لا يَملِكه، فإنه إذا قال: اشفَعْ لي! نَقول: الشفاعة لمَن؟ الجَوابُ: لله تعالى، إِذَنْ قُلْ له: اللهُمَّ شفِّعْه فيِّ. ولا بأسَ في ذلك، فيَنبَغي عليك أن تَحرِص على الشفاعة ممَّن يَملِك الشفاعة، أمَّا ممَّن لا يَملِك لا تَصِحَّ، فهذا سُؤالٌ في غير محَلِّه، فالشَّفاعة إذَنْ: لله، وإذا كانت لله فلا تَسأَل إلَّا الله. وقوله : ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾ كلمة ﴿جَمِيعًا﴾ إعرابها حال من الشَّفاعة، لكن ما مَعنَى الجَمْع هنا؟ وهل الشَّفاعة مُتعدِّدة؟ الجَوابُ: نَعمِ، الشفاعة مُتعدِّدة؛ شفاعة في الدنيا، وشفاعة في الآخِرة، وشفاعة في جَلْب نَفْع، وشفاعة في دَفْع ضرَر، فلا شَفاعةَ إلَّا لله ، فوَكْل الشفاعات تَكون لله تعالى، وهناك شَفاعة في الدنيا كأَنْ يَدعوَ الإنسان لشَخْص إذا دعا الإنسان لشَخْص فهذه شَفاعة قال النبيُّ ﵊: "مَا مِنْ رَجُلٍ مُسْلِمٍ يَمُوتُ فَيَقُومُ عَلَى جَنَازَتِهِ أَرْبَعُونَ رَجُلًا لَا يُشْرِكُونَ بِاللهِ شَيْئًا إِلَّا شَفَّعَهُمُ اللهُ فِيهِ" (١)، فدُعاء الإنسان

стр. 318

لأَخيه شفاعةٌ له عند الله تعالى، وهذه هي الشفاعة في الدُّنيا، والشفاعة في الآخِرة مَعروفة وهي الشَّفاعة العُظمى، وهذه لرسول الله ﷺ ولا تَكون لأَحَدٍ سِواهُ. فما هي الشَّفاعة العُظمى؟ الجَوابُ: هي أن الناس في ذلك المَحشَرِ؛ كما جاء في النُّصوص: حُفاة عُراة غُرل شاخِصةٌ أبصارهم أَفئِدتُهم هواءٌ، الشمس تَدنو منهم قَدْر مِيل، والعرَق يُلجِم بعضهم، لا يَلوِي أحَدٌ على أحَد، ولا يَستَغيث أحَدٌ بأَحَد، قال الله تعالى: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [غافر: ١٦]، فيَلحَقهم من الهَمِّ والكَرْب ما لا يُطيقون، فيَقول بعضُهم لبعض: انظُروا مَن يَشفَع لنا عند الله تعالى لنَستَريح من هذا المَوقِفِ راحة، فيَذهَبون إلى آدَمَ، ثُمَّ إلى نوح ﵇، ثُم إلى إبراهيمَ ﵇، ثُمَّ إلى مُوسى ﵇، ثُمَّ إلى عِيسى ﵇ ولا يَحصُلون على شيء، ثُمَّ يَأتون إلى مُحمَّدٍ ﷺ يَطلُبون منه الشفاعة فلا يَشفَع، فيَستَأذِن من الله تعالى أوَّلًا؛ لأن الملك عظيم والسُّلطان تامٌّ، فيَسأَل الله تعالى أن يَأذَن له بالشَّفاعة، فيَأذَن له، ثُمَّ يَسجُد ﵊ تحت العَرْش سُجودًا طويلًا طويلًا طويلًا؛ يَفتَح الله تعالى عليه فيه من المَحامِد ما لم يَكُن يَعرِفه من قبلُ، ثُمَّ يَشفَع إلى الله تعالى أن يَقضِيَ بين الخَلْق ويُريحَهم من هذا المَوْقفِ، فيَقبَل الله تعالى شَفاعته (١). وهذه الشَّفاعةُ تُسمَّى الشفاعة العُظمي؛ لعُمومها وشِدَّة الحاجة إليها، ولا تَكون إلَّا للرسول ﷺ كما قال الله تعالى: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء: ٧٩]، وسُمِّيَت كذلك؛ لأن هذا المَقامَ يَحمَده فيه الأوَّلون والآخِرون الذين

стр. 319

من أُمَّته والذين من غير أُمَّته، وفي هذا اليومِ شَفاعة فيمَن دخَل النار أن يَخرُج منها، وفيمَن استَحَقَّها أن لا يَدخُلها. وهذه الشفاعةُ نَوعان: شَفاعة فيمَن دخَلها أن يَخرُج منها، وفيمَنِ استَحَقَّها أن لا يَدخُلها، وهذه عامَّة للرُّسُل، والصِّدِّيقين، والشُّهَداء، والصالِحين، والمَلائِكة، والبشَر عامة، لكن يُنكِرها طائِفتان من طوائف الضَّلال من هذه الأُمَّةِ وهُما المُعتَزِلة والخَوارِج؛ لأنهم يَقولون: إن فاعِل الكبيرة مُخلَّدٌ في النار، مَحكومٌ عليه بذلك قَضاءً وقدَرًا، وإذا كان كذلك فلن يَتَخلَّف هذا القضاءُ، ولا يُمكِن أن يَخرُجوا من النار. والشفاعة الرابِعة في دُخول الجَنَّة، إذا عبَر الناس الصِّراط - أَسأَل الله تعالى أن يَجعَلنا وإيَّاكم ممَّن يَعبُره سَليمًا - إذا عبَروا الصِّراط لا يَدخُلون الجَنَّة مُباشَرة، بل يُوقَفون عند قَنْطرة وهي طرَف الجِسْر الذي على النار أو غيرها - الله تعالى أَعلَمُ - فيُقتَصُّ لبعضهم من بعض، وهذا قِصاص تَنْقية، والقِصاص السابِق في عَرَصات القِيامة قِصاص تَخْلية، يَعنِي: في عرَصات القِيامة يُقتَصُّ للمَظلوم من الظالِم، أمَّا هذا فهو قِصاص تَنْقية، يُنقَّوْن حتى يَزول ما في قلوبهم من غِلٍّ وحِقْد؛ لأنه ليس القضاء للشَّخْص بحَقِّه مُزيلًا للحِقد والبَغْضاء. نعَمْ، ربَّما قد أَقول: أنا اعتُدِيَ عليَّ وأَخَذْت حَقِّي الآنَ منه، لكن بقِيَ أثَرُ هذا العُدوانِ في قَلْبي، هذا مَوْجود ولا أحَدَ يُنكِره، لكن المُوفَّق يَسعَى في زواله، وإنما لا بُدَّ أن يَبقَى أثَرُ الجُرْح حتى ولو بَرِئ، وهل إذا بَرِئ الجُرْح يَعود الشيء كما كان؟ بل يَصير فيه بُقَع، فلا بُدَّ أن يُؤثِّر العُدوان، ولوِ اقتَصَّ الإنسان لنَفْسه من قلب الإنسان، فهُمْ إذا اقتُصَّ لبعضهم من بعض في يوم القيامة في عرَصات القيامة وعبَروا الصِّراط يَحتاجون إلى تَنْقية تُنقَّى وتُصفَّى قلوبهم حتى يَدخُلوا الجَنَّة - وما في قُلوبهم

стр. 320

من غِلٍّ - على أكمَل وَجْه. فإذا اقتُصَّ لبعضهم من بعض أيضًا لا يَدخُلون الجَنَّة مُباشَرة، بل يَجِدون الجَنَّة مُغلَّقة الأبواب، فيَطلُبون مَن يَشفَع لهم، فيُشفَّع النبيُّ ﷺ خاصَّة، وهذه خاصَّة بالرسول ﷺ لكن ليسَتْ عُظمى؛ لأنها لأهل الجنَّة خاصَّة فيَشفَع أن تَفتَح أبواب الجَنَّة، فيُؤذَن له فتُفتَح أبواب الجَنَّة. وأوَّل مَن يَدخُلها هو ﵊ (١)، وأوَّلُ مَن يَدخُلها من الأُمَم أُمَّته بعد الأنبياءِ ﵈ مُباشَرةً، فالنَّبيُّون أوَّلًا، ثُمَّ الأُمَم، يَبدَأ بقائِد النَّبيِّين محمد ﷺ ، ثُم قائِد الأُمَمِ هذه الأُمَّةُ؛ لأن هذه الأُمَّةَ - ولله تعالى الحمد - مُتأخِّرة في الزمن في الدنيا، لكنها سابِقة في كل المَواقِف في الآخِرة، فقد قال النبيُّ ﵊: "نَحْنُ الْآخِرُونَ السَّابِقُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ" (٢). ففي كل العرَصات - ولله تعالى الحمد - نحن السابِقون في العُبور على الصِّراط في القَضاء بين الناس في عرَصات القِيامة قبل دُخول الجنَّة همُ السابِقون يوم القيامة في كل شيء، فيَدخُلون الجنَّة، وتَأمَّل هذا في كِتاب الله قال الله تعالى في أهل النار: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾ [الزمر: ٧١]، وهم كارِهون لها من حين أن يَصِلوا إليها تُفتَّح الأبواب؛ أمَّا أهل الجنَّة فلا، قال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾ [الزمر: ٧٣]. فأَفاد قوله تعالى: ﴿وَفُتِحَتْ﴾ أن هناك شَيْئًا بين مَجيئهم وبين الفَتْح، ولقد

стр. 321

أَخطَأ من قال من أَهْل العِلْم ﵏: إن الواو هنا زائِدة، وإن التَّقدير: حتى إذا جاؤُوا فُتِّحت أبوابها. نَقول: سُبحانَ الله! أنتُمْ أَعلَمُ بكلام الله تعالى من الله تعالى! الله يُفرِّق في النار يَقول: ﴿إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ﴾، وفي الجَنَّة يَقول تعالى: ﴿إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ﴾، وأنتم تَقولون: هذه الواوُ زائِدة، وهذا خَطير. وكذلك أَخطَأ مَن قال: الواو واوُ الثَّمانية، وادَّعى أن في اللغة واوًا تُسمَّى واوَ الثمانية، وهذه الدَّعوى باطِلة، ويَقول المُدَّعي: عندي دَليل، وهو قوله تعالى: ﴿عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ مُسْلِمَاتٍ مُؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ عَابِدَاتٍ سَائِحَاتٍ ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا﴾ [التحريم: ٥]، قال: فالواو قبل كلِمة (أَبكارًا) هي واوُ الثَّمانية؛ لأن هذه ثَمانية أشياءَ مَعطوفات. ونَقول ردًّا على مَن قال هذا: إِذَنْ فقُل: جاء زيدٌ وبَكرٌ. الواو واوُ الاثنَيْن، وخالِد واو الثلاثة ... وامشِ على هذا، والصواب أن الواو هنا عاطِفة، وأن المَعطوف عليه مَحذوف بَيَّنَت السُّنَّة هذا المعطوفَ عليه. الخُلاصةُ: على هذا فتكون الشفاعة الخاصَّة بالرسول ﷺ ثلاثة أنواع: الشفاعة العُظمى والشَّفاعة في دُخول الجَنَّة وشَفاعته في عمِّه أبي طالِب الذي مات على الكُفْر والشِّرْك - والعِياذُ بالله - وهو في النار، لكن الله تعالى أَذِنَ لنَبيِّه أن يَشفَع فيه، فكان في ضَحضاحٍ من نار وعليه نَعلان يَغْلي منهما دِماغه، وهو أَهوَنُ أهل النار عَذابًا؛ ودَليلنا على أن الشفاعة بعَمِّه خاصَّةً به قول الرسول ﷺ : "لَوْلَا أَنا كانَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ" (١)، لكن الدليلَ على أنه خاصٌّ به: أن هذا مخصوص بقوله تعالى: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ

стр. 322

إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾، والله تعالى لا يَرتَضي أن يُشفَع للكافِر، فيُستَثْنى هذا، وقوله تعالى: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ [المدثر: ٤٨]، وهذا مُستَثنًى إِذَنْ فهو خاصٌّ به. قال الله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾ أي: هو الذي يُعطيها مَن يَشاء ويَمنَعها ممَّن يَشاء وقد بيَّنَ أن الشروط الإِذْن ورِضاه عن الشافِع ورِضاه عن المَشفوع له. قوله تعالى: ﴿لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ هذه الجُملةُ فيها حَصْر، وهو تَقديم ما حقُّه التَّأخير، فهنا قدَّم الخبَر ﴿لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ﴾ يَعنِي: لا لغيره. وقوله تعالى: ﴿مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ يَشمَل مُلْك الذوات، أي: مُلْك ذات السمَوات والأرض، ومُلْك التَّصرُّف فيهما يَتصرَّف فيهما كما يَشاء فهو الذي أَوْجَدهما، وهو الذي يُمسِكهما أن تَزولا، وهو الذي يُدبِّر ما فيهما، وهو الذي يُتلِفهما ويُفنيهما عند قيام الساعة، فللهِ مُلْك السموات والأرض خَلْقًا وتَدبيرًا وتَصرُّفًا، وكل شيء يَؤول إليه ، وهذه الآلِهةُ لا تَملِك شيئًا من ذلك، إِذَنْ ﴿مُلْكُ السَّمَاوَاتِ﴾ أي: مُلك الذوات والتَّصرُّف كما يَشاء. ثُمَّ نُفصِّل فنَقول: خلَقهما أوَّلَّا وَأَمسَكهما أن تَزولا، ويَطوِي السمواتِ كطَيِّ السِّجِلِّ للكُتُب، ويَقبِض الأرَضين يوم القِيامة، فكل هذه من جُملة تَصرُّفاته في هذه المَملوكاتِ، وإذا كان له مُلك السموات والأرض فلا أحَدَ يَشفَع إلَّا بإِذْنه ولا أَحَدَ يَستَحِقُّ العِبادة إلَّا هو. ثُمَّ قال تعالى: ﴿ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ يَعنِي: يوم القِيامة نَرجِع إلى الله فيُحاسِبنا على حسَب أعمالنا، والله تعالى قد بيَّن لنا ووضَّح وأَقام الحُجَّة، وبيَّن أن الحسَنة بعَشْر أمثالها إلى سبعِ مِئة ضِعْف إلى أضعافٍ كثيرة، وأن السيِّئة بمِثْلها وبين

стр. 323

الأشياء التي تُعتَبَر حَسَناتٍ حتى نَعمَلها، وتُعتَبَر سَيِّئاتٍ حتى نَتَجنَّبها، وحينئذٍ يَكون رُجوعنا إليه رُجوعًا عن بَصيرة لا حُجَّةَ لنا في مُخالَفته. فقوله ﵀: [﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾ أي: هو مُختَصٌّ بها] أخَذَ المُفَسِّر ﵀ [هو مُختَصٌّ بها] من الحَصْر وهو تَقديم الخبَر [وهو مُختَصٌّ بها فلا يَشفَع أحَدٌ إلَّا بإِذْنه]، وهذا أحَدُ شَرْطَيِ الشفاعة. والثاني: رِضا الله تعالى عن الشافِع ورِضاه عن المَشفوع، قال تعالى: ﴿لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾، وقد ذكَر عُموم مِلْكه وانفِراده بالمِلْك بعد ذِكْر الشفاعة؛ لأن الشَّفاعة من المِلْك في الواقِع، فهي داخِلة في عُموم مِلْك الله تعالى للسمَوات والأرض ﴿ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ ولم يُفسِّرها لوُضوحها. من فوائد الآية الكريمة: الْفَائِدَة الأُولَى: إثبات الشفاعة؛ لقوله تعالى: ﴿لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾، ووجهُ إثباتها: أنه لولا وُجودها ما صَحَّ أن يَقول تعالى: ﴿لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾. الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: الردُّ على المُعتَزِلة والخوارِج؛ لأن المُعتَزِلة والخوارِج يُنكِرون الشفاعة في أهل الكَبائِر - سواءٌ دخَلوا النار أم لم يَدخُلوها -، وذلك لأن أهل الكَبائر عند المُعتَزِلة والخوارِج مُخلَّدون في النار، لكنهم عند الخَوارِج كُفَّار، وعِند المُعتزِلة لا مُؤمِنون ولا كافِرون، بل في مَنزِلةٍ بين مَنزِلتين. الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: إثبات شَفاعات مُتعدِّدة؛ لقوله تعالى: ﴿جَمِيعًا﴾؛ لأن (جَميعًا) تَقتَضي أن يَكون هناك شيء مَجموع. الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أنه لا أحدَ يَشفَع إلَّا بإذْن الله تعالى، ووجهُه: أنه إذا كانت الشَّفاعة خاصَّةً بالله فإنها لا تَكون إلَّا منه وإليه.

стр. 324

الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: إثبات مُلْك الله تعالى للسَّموات والأرض، وانفِراده بالمُلْك؛ لقوله تعالى: ﴿لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾. الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: إثبات البَعْث والرجوع إلى الله تعالى؛ لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾. الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: الإنذار والبِشارة؛ لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾، فإن المُؤمِن يُسَرُّ بلِقاء الله تعالى بلا شَكٍّ، ويُحِبُّ لِقاء الله تعالى، والكافِر بالعكس، وقد قال النبيُّ ﵊: "مَنْ أَحَبَّ لِقَاءَ اللهِ أَحَبَّ اللهُ لِقَاءَهُ، وَمَنْ كَرِهَ لِقَاءَ اللهِ كَرِهَ اللهُ لِقَاءَهُ" (١)، فإذا علِمنا أننا نَرجِع إلى الله تعالى فإننا نُحِبُّ لِقاء الله تعالى، والكافِر يَكرَه لِقاء الله تعالى. الْفَائِدَةُ الثَّامِنَةُ: أن الله يَذكُر الشيء مُنذِرًا بلازِمه؛ لأن مُجرَّد الرجوع ليس فيه شيء يُذكَر، لكن المُراد الرجوع الذي يَحصُل به الحِساب والجَزاء.

стр. 325

الآية (٤٥) * قَالَ اللهُ : ﴿وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ [الزمر: ٤٥]. قال المُفَسِّر ﵀: [﴿وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ﴾ أي: دون آلِهَتهم ﴿اشْمَأَزَّتْ﴾ نفَرَت] والمَعنَى: ﴿وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ﴾: (إذا ذُكِر الله) يَعنِي: أُثْنِيَ عليه بالذِّكْر والإِخْلاص، وأنه هو الربُّ المَعبود، وأن غيره لا يَستَحِقُّ العِبادة، وإذا ذُكِر على هذا الوجهِ ﴿اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ﴾ يَعنِي: نفَرَت من هذا وكرِهته؛ لأنها لا تُريد هذا، تُريد أن تَكون آلِهتها مُساوِيةً لله . وقوله ﵀: [﴿اشْمَأَزَّتْ﴾ نَفَرَت وانقَبَضَت] فتَنفِر ولا تَقبَل الحقَّ، وتَنقَبِض ولا تَنشَرِح للحَقِّ ﴿قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ﴾ أي: لا يُقِرُّون بها، ولا يَعتَرِفون بها؛ لأنهم قالوا: ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾ قال الله تعالى: ﴿وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾ [الجاثية: ٢٤]، وهم ﴿الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ﴾ ولو أنهم آمَنوا بالآخِرة لعمِلوا لها، ولو كانوا إذا ذُكِر الله تعالى وحدَه استَبْشَروا وفرِحوا. وقوله ﵀: [﴿وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾ الأصنام] يَعنِي: إذا ذُكِر الذين

стр. 326

من دونه وهي الأصنام، وأُثنِيَ عليها ﴿إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾: ﴿إِذَا﴾ هذه فُجائِيَّة أُجِيب بها الشرط؛ لأن الشَّرْط يُقرَن أحيانًا بالفاء، وأحيانًا بـ (إذا)، كقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ﴾ [الروم: ٣٦]، أي: فهُمْ، فجواب الشَّرْط هنا قُرِن بـ (إذا) الفُجائية؛ لأنه جُملةٌ اسمِيَّة. وتَأمَّل قوله تعالى: ﴿إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ حيث جاءَت بالجُمْلة الاسمِيَّة إشارةً إلى دوام استِبْشارِهم وثُبوته ورُسوخه في أَنفُسهم. وجواب ﴿إِذَا﴾ في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ﴾، هو قوله : ﴿اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ﴾. وجَواب قوله تعالى: ﴿وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾ هو قوله تعالى: ﴿إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ وبَيْن الجُمْلتين رابِط؛ لأن القاعِدة هي إذا كانت جُملة الجواب اسمِيَّة لا بُدَّ فيها من رابِط، والرابِط هنا قوله: (إذا)، وهي الفُجائِيَّة. ولهذا يُروَى عن النبيِّ ﷺ أنه قرَأَ ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾ [النجم: ١٩، ٢٠] تِلك الغَرانيقُ العُلا، وإنَّ شَفاعَتَهُنَّ لتُرْتَجَى. ألقاها الشَّيْطان في قِراءة النبيِّ ﷺ ، ولم يَتلُها الرسول ﵊، لكن الشيطان أَسمَعَ قُرَيْشًا هذا القولَ، يَقولون: إنهم سجَدوا مع النبيِّ ﷺ لما أَنهَى السورة وسجَد؛ لأنهم قالوا: الآنَ رجَع إلينا، أو على الأقَلِّ داهَنَنا؛ لأنه أَثنَى على أصنامنا فسجَدوا معه، وهذه القِصَّةُ مَشهورة (١).

стр. 327

واختَلَف المُفسِّرون فيها فمِنهم مَن أَنكَرها إنكارًا عظيمًا، ومِنهم مَن حسَّنها وقال: إنها لا تُنافِي العِصْمة؛ لأن الله تعالى قال: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى﴾ يَعنِي: إذا قرَأ ﴿أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾ [الحج: ٥٢] أَلقَى الشَّيْطان بالقراءة، ليس هو الذي يُلقِي، بل الشيطان هو الذي يُلقِي كما قال الله ﵎: ﴿أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ يَنسَخه يَعنِي: بين بُطلانه، وأنه لا حقيقةَ له، ثُمَّ قال مُعلِّلًا ذلك: ﴿لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ (٥٣) وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الحج: ٥٣، ٥٤]. فعلى كل حال: إن صحَّتِ القِصَّة فإنها لا تُنافِي العِصْمة؛ لأن الذي أَثنَى على هذه الأصنامِ الشَّيْطان، لكن ظنَّ هؤلاء الذين سمِعوه أنها قِراءة النبيِّ ﷺ ، وإذا لم تَصِحَّ فلا إِشكالَ. لكن إذا قال قائِل: إذا لم تَصِحَّ فكيف سجَد المُشرِكون مع النبيِّ ﷺ حين قال: ﴿فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا﴾؟ والجَوابُ عن ذلك أن نَقول: إن آخِرَ آيات هذه السورةِ تَأخُذ باللُّبِّ والفُؤاد حتى إن الإنسان لَيَنفَعِل من غير أن يَشعُر فهؤلاءِ المُشرِكون انفَعَلوا من شِدَّة ما سمِعوا حتى لم يَشعُروا بأَنفُسهم إلَّا وهُمْ ساجِدون، هذا هو الجواب إذا لم تَصِحَّ القِصَّة.

стр. 328

من فوائد الآية الكريمة: الْفَائِدَة الأُولَى: شِدَّة كراهة هؤلاء لذِكْر الله وتوحيدِه؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ﴾. الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أن الإنسان متى وجَد اشمِئْزازًا من شَريعة الله تعالى فإن فيه شَبَهًا من هؤلاء، وإن كان لا يُشابِههم من كل وَجْه فإنه يَكون فيه شَبَهٌ منهم. الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: شِدَّة تَعلُّق هؤلاء بأصنامهم حيث يَكرَهون ما يُضادُّها من التَّوْحيد، وإذا ذُكِرت هذه الأَصنامُ استَبْشَروا. الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أن الإنسان قد يَستَبشِر بالسوء، وبما يُخالِف الفِطْرة، وذلك من قوله تعالى: ﴿وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾.

стр. 329

الآية (٤٦) * قَالَ اللهُ : ﴿قُلِ اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [الزمر: ٤٦]. قوله تعالى: ﴿اللَّهُمَّ﴾ هذه مُنادى، حُذِفَت منها (يا) النِّداء، وعُوِّضت عنها الميمُ؛ لأنها دالَّةٌ على الجَمْع، كأن الإنسان جمَعَ قَلْبه على ربِّه ، وأُخِّرَت تَيمُّنًا بالبَداءة بِسْم الله ، وعلى هذا فنَقول: (الله) مُنادى مَبنيٌّ على الضمِّ في محَلِّ نَصْب. يَقول : ﴿قُلِ اللَّهُمَّ﴾ قال المُفَسِّر ﵀: [بمَعنى: يا اللهُ]، فالميمُ عِوَض عن (يا) النِّداء [﴿قُلِ اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ مُبدِعَهما ﴿عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾ ما غاب وما شُوهِد]. وقوله تعالى: ﴿فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ فاطِرَ الشيء أي: مُبدِعَه على غير مثال سَبَق، يَعنِي: مُبدِعَه مُنشِئَه أوَّل مرَّة يُسمَّى هذا فَطرًا، ومنه: فطَر البِئْر إذا حفَره لأوَّل مرَّة. وقوله تعالى: ﴿فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ والسَّموات والأرض هذه تَقدَّمت كثيرًا، وذكَرنا ما يَتَعلَّق بالجمع بالنَّسبة للسمَوات والإفراد بالنِّسبة للأرض. وقوله تعالى: ﴿فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾: ﴿فَاطِرَ﴾

стр. 330

و ﴿عَالِمَ﴾ كلها صِفة للمُنادى في قوله تعالى: ﴿اللَّهُمَّ﴾، ولكنها نُصِبَت؛ لأنها مُضافة. وقوله تعالى: ﴿عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾ الغيب: ما غاب، والشهادة: ما شُوهِد وحُضِر، فالله عالم الغَيْب كلِّه، وعالم الشهادة كلِّها؛ فإن الله تعالى لا يَخفَى عليه شيء في الأرض ولا في السماء. واعلَمْ أن الغَيبوبة تَكون كلِّيةً، وتَكون نِسبيَّة، فالله تعالى عالِم الغَيْب كلِّيةً ونِسبيةً أيضًا، بخِلاف البشَر، فالبشَر لا يَعلَم الغيب، أي: ما غاب عنه سواءٌ كلِّيًّا أم نِسبيًّا؛ ولذلك لا تَعلَم ما وراء الجِدار، ولا تَعلَم ما في ضمير غيرك، ولا تَعلَم المُستَقبَل، بل وتَنسَى ما مضى، أمَّا الربُّ فإنه لا يَعتَريه شيء من هذا النُّقصانِ. وقوله تعالى: ﴿أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾: ﴿تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ﴾ أي: تَفصِل بينهم في الحُكْم، وذلك يوم القِيامة حين يَتَحاجُّ الناس عند ربهم يَختَصِمون، وقد بيَّن الله نَتيجةَ هذه الخُصومةِ بأن الخاصِم همُ المُؤمِنون حيث قال تعالى: ﴿فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ [النساء: ١٤١]. إِذَنْ: فالخاصِم الغالِب همُ المُؤمِنون، إذ لم يَكُن سبيلٌ للمُشرِكين الكافِرين عليهم فهمُ الخاصِمون بلا شَكٍّ. وقوله تعالى: ﴿أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ يَشمَل الحُكْم في الدنيا والحُكْم في الآخِرة، أمَّا الحُكْم في الدنيا فإن المَرجِع إلى كِتاب الله تعالى وسُنَّة رسول ﷺ ، وأمَّا في الآخِرة فالمَرجِع إلى الله يَحكُم بينهم حُكْمًا جَزائيًّا كلٌّ بما يَستَحِقُّ.

стр. 331

وقوله تعالى: ﴿أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ﴾ المُراد بالعُبودية هنا العامة، فيَشمَل العبد المُؤمِن والعَبْد الكافِر، وقد قسَّم العُلَماءُ ﵏ العُبودية إلى قِسْمين: عامَّة وخاصَّة. فالعُبودية العامة هي التَّعبُّد بالقدَر أي: أنها تَتَعلَّق بالأَمْر القدَريِّ، يَعنِي: التَّذلُّل لقَدَره، فكلُّ مَن في السموات والأرض عبدٌ لله بهذا المَعنَى، ولا يُمكِن أن يَتَخلَّف عمَّا قَضَى الله تعالى عليه، كما في قوله تعالى: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ [مريم: ٩٣]، فهذه عُبودية تَتَعلَّق كما قُلْت بالقَدَر والقَضاء، فهي كونية في الحقيقة. والعُبودية الخاصَّة هي التَّعبُّد لله تعالى بشَرْعه، وهذه خاصَّة بالمُؤمِنين الذين يَتَعبَّدون لله تعالى بشَرْعه. وهذه الخاصَّةُ أيضًا فيها عِبادةٌ أخصُّ وهي عِبادة النُّبوَّة والرِّسالة، مثل قوله ﵎: ﴿وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ﴾ [ص: ٤٥]، ومثل قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا﴾ [الإسراء: ٣]، ومثل قول الرسول ﷺ : "أفلَا أُحِبُّ أَنْ أَكُونَ عَبْدًا شَكُورًا" (١)، والأمثلة كثيرة. فمَحطُّ المَدْح من هذه الأنواع والأقسام: العُبودية الخاصَّة، أمَّا العُبودية العامة فلا يُمدَح الإنسان فيها؛ لأنها بغير اختياره، بل هو ذليل لله تعالى مُتعبِّد لله تعالى شاء أم أبَى.

стр. 332

وقوله تعالى: ﴿مَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ أي: في الذي يَختَلِفون فيه، وقد جاءت الآية هكذا: ﴿مَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾، وقد قال تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ [الشورى: ١٠]، فيَشمَل ما يَختَلِفون فيه من أمور الدِّين وأُمور الدنيا أيضًا، فكل ذلك سَوْف يَحكُم الله تعالى فيه بحُكْمه العَدْل الذي ليس فيه حَيْفٌ على أحَد. قال المُفَسِّر ﵀: [﴿فِي مَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ من أَمْر الدِّين اهدِني لما اختُلِف فيه من الحَقِّ]، ولكنَّ هذا التَّقديرَ فيه نظَر؛ لأن المُراد بالآية: تَفويض الأمر إلى الله ، وشِكاية هؤلاء إليه: الذين إذا ذُكِر الله تعالى اشمَأزَّت قلوبُهم، وإذا ذُكِر الذين من دونه إذا هُمْ يَستَبشِرون. وليس المَقام مَقامَ دُعاء، وإنما كان النبيُّ ﷺ يَقول هذا الدعاءَ في استِفْتاح صلاة الليل (١). فائِدةٌ: المُضاف إلى الله تعالى قد يُضاف إلى الله إضافةَ خَلْق وتَكوين وقد تَكون إضافة تَشريف، فهنا قال تعالى: ﴿أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ﴾ فالعِبادُ عامٌّ، فإذا كان عامًّا صار المُرادُ الخَلْقَ والتَّكوين وإذا كان خاصًّا يَعنِي: أُضيفتِ العُبودية لشخص مُعيَّن أو لجماعة مَوْصوفين بصِفة فهذا للتَّشريف. وفي قوله تعالى: ﴿أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ عِندي في نُسخَتي (فِي) مَفصولة عن (ما)، وتُرسَم أيضا مُتَّصِلة على القاعِدة، فالقاعِدة أخيرًا: أنها مَفصولة، لكن لعلَّ القاعِدة التي عليها المُفسِّر هي في المُصحَف الأوَّل، يَعنِي: في القاعِدة الأُولى، وقد اختَلَف العُلَماء ﵏: هل تَجوز مُخالَفة القاعِدة العُثْمانية؟

стр. 333

على أقوالٍ ثلاثةٍ: (الجواز، والمَنْع، والتَّفصيل)، التَّفصيل بين أن يُكتَب للصَّبيِّ وأن يُكتَب للبالِغ، فالصبيُّ يُكتَب له على حسَب ما يَعرِفه من القواعِد؛ لأنه لو كُتِب له على القاعِدة العُثمانية لحرَّف، لو كُتِبَتِ الصلاة بالواو والزكاة بالواو، وما كان مَمدودًا، أي: بأَلِف حُذِفت الأَلِف منه، مثل: الرحمن، وما أَشبَهَه لو كُتِبَ له ذلك لحرَّف، لقال: إن الصلَوات، إن الزكوات، وما أَشبَهَه، أمَّا إذا كان لبالِغ عارِف فيُكتَب بالرَّسْم العُثمانيِّ. والصحيح: أنه لا يَجِب التَّقيُّد بالرَّسْم، وذلك لأن القُرآن لم يَنزِل على هذا الرسمِ، لو نزَلَ بهذا الرسمِ كما كُتِبَت التَّوْراة ونزَلَتْ مَكتوبةً لقلنا: لا يَجوز مُخالَفته، لكنه نزَلَ قولًا وصادَفَ أن القاعِدة في ذلك الوقتِ حين كِتابته كانت على هذا الوجهِ، ولو كانَتِ الكِتابة على غير هذا الوَجهِ لكُتِب بها مُخالفًا لهذا الوَجهِ. فالمَسأَلة اصطِلاحية، يَعنِي: أن القُرآن لم يَنزِل على هذا، صحيحٌ أننا قد نَقول: يَنبَغي تَأدُّبًا أن يُكتَب القُرآن بالقاعِدة العثمانية احتِرامًا وتَعظيمًا لما كتبَه الصحابة ﵃. أمَّا أن نَقول: هذا على سبيل الوجوب والإلزام. ونَقول: إنه لا يَجوز أن تَكتُب على السُّبورة آيةً من كِتاب الله تعالى على القاعِدة المعروفة المألوفة، فهذا فيه نظَر. من فوائد الآية الكريمة: الْفَائِدَة الأُولَى: التَّوسُّل إلى الله بأَفعاله؛ لقوله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾، وقد تَقدَّم فيما سبَق أن التَّوسُّل الجائِز سبعة أنواع: الأوَّل: التَّوسُّل إلى الله تعالى بأَسمائه.

стр. 334

والثاني: التَّوسُّل إلى الله تعالى بصِفاته. والثالِث: التَّوسُّل إلى الله تعالى بأَفْعاله. والرابع: التَّوسُّل إلى الله تعالى بحال الداعِي. والخامِس: التَّوسُّل إلى الله تعالى بدُعاء مَن تُرجَى إجابته. والسادِس: التَّوسُّل إلى الله تعالى بالعمَل الصالِح. والسابِع: التَّوسُّل إلى الله تعالى بالإيمان. فهذه كلُّها تَوسُّلات جائِزة. وهنا قال تعالى: ﴿فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ فهي من باب التَّوسُّل إلى الله تعالى بأَفعاله، أمَّا التَّوسُّل المَمنوع فهو التَّوسُّل إلى الله تعالى بما لم يَجعَلْه الله تعالى وَسيلةً كالتَّوسُّل بجاهِ النبيِّ ﷺ ، والتَّوسُّل بالصالِحين على وجهٍ غير مَشروع، فالضابِط للتَّوسُّل المَمنوع: أن يُتوسَّل إلى الله تعالى بما ليس بوَسيلة. الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أن السَّمواتِ والأرضَ ليسَتا قديمة أزِلية، بل هي حادِثة بعد أن لم يَكُن، بخِلاف الفلاسِفة الذين قالوا بقِدَم العالَم أو الأَفلاك. الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: إثبات عِلْم الله ، بل إثبات إحاطة عِلْم الله تعالى بكل شيء؛ لقوله تعالى: ﴿عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾. الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: تَحذير المرء من المُخالِفة؛ لأنه إذا آمَن بأنه عالِم الغَيْب والشَّهادة، فسوف يَحذَر؛ لأنه مهما عمِل فالله تعالى عالِمٌ به. الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: أن الحُكْم لله تعالى وحدَه؛ لقوله تعالى: ﴿أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ

стр. 335

عِبَادِكَ﴾، ووجهُ الحَصْر في قوله تعالى: ﴿أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ﴾ أنه وَصَف الحُكْم الصادِر منه بأنه بين العِباد، والعبدُ لا يُشارِك سيِّده في الحُكْم وإلَّا فإنه ليس بين أيدينا طريقةٌ من طرُق الحَصْر المَعروفة، ولكنه حَصْر استِفَدْناه من المَعنى، إِذْ إن العَبْد لا يُمكِن أن يَكون عابِدًا على سيِّده، بل السيِّد هو الحاكِم. الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: تسلية المُؤمِنين؛ لكون الله تعالى يَحكُم بينهم فيما يَختَلِفون فيه مع الكُفَّار. وهنا نَسأَل: مَن الذي يَكون مَحكومًا له ومَحكومًا عليه؟ أَقولُ: يُحكَم للمُؤمِنين؛ لقول الله تعالى: ﴿فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ [النساء: ١٤١].

стр. 336

الآية (٤٧) * قَالَ اللهُ : ﴿وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ مِنْ سُوءِ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾ [الزمر: ٤٧]. (لو) هذه شَرْطية، وقد يَقول قائِل: أين فِعْل الشَّرْط؟ والجَوابُ أن نَقول: هو مُقدَّر، أي: (ولو حصلَ أن) أو: (ولو ثبَتَ أن الذين ظلَموا)، وأمَّا الجواب فقوله تعالى: ﴿لَافْتَدَوْا بِهِ مِنْ سُوءِ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾. و (لو) تَأتي شَرْطية وتَأتي مَصْدريَّة مثل قوله تعالى: ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ [القلم: ٩]، أي: ودُّوا إِدْهانك فيُدهِنون، مثل قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا﴾. إذن: (أنَّ) وما دخَلَت عليه في تَأويل المَصدَر، فاعِل لفِعْل الشَّرْط المحذوف، أي: ولو ثبَتَ أن للذين ظلَموا. وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾: ﴿ظَلَمُوا﴾ المُراد بالظُّلْم هنا الكُفْر، والظُّلْم في الأصل هو النَّقْص؛ لقوله تعالى: ﴿كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا﴾ [الكهف: ٣٣]، أي: لم تَنقُص منه شيئًا. والظُّلْم يَنقَسِم إلى قِسْمَيْن:

стр. 337

١ - ظُلمٌ أكبَرُ، وهو ظُلْم الكُفْر المذكور في قوله ﵎: ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة: ٢٥٤]. ٢ - ظُلمٌ أصغَرُ، وهو ما دون ذلك كظُلْم الإنسان لغيره في ماله وأَهْله، وما أَشبَه ذلك. والمُراد بالظُّلْم هنا في قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ الظلمُ الأكَبَرُ. مَسأَلةٌ: إن قال قائِل: إن الظُّلْم هو النَّقْص، ومَعروف أن الظُّلْم هو مُجاوَزة الحقِّ، فكيف نَجمَع بينهما؟ فالجَوابُ: مُجاوَزة الحقِّ نَقْص؛ لأنها نقصٌ في حقِّ الآخَر، إذ إن الواجِب ألَّا أَتعَدَّى عليه، فإذا تَعَدَّيْت عليه صِرْت ناقِصًا في حَقِّه. وقوله تعالى: ﴿مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾: ﴿مَا﴾ اسمٌ مَوْصول، أيِ: الذي، محَلُّه اسم (إن) مُؤخَّر، وقوله تعالى: ﴿فِي الْأَرْضِ﴾ صِلة المَوْصول، والمَعروف: أن صِلة الموصول لا تَكون إلَّا جُملة، فكَيْف نَجعَل هذا صِلةً للمَوصول، وليس بجُملة؟ الجَوابُ أن نَقول: هذا شِبْه جُمْلة، وهو مُتعَلِّق بفِعْلٍ مَحذوف، تَقديره: ما استَقَرَّ في الأرض. وقوله تعالى: ﴿جَمِيعًا﴾ جميعًا حالٌ من ﴿مَا﴾ يَعنِي: حال كونه جميعًا مَجموعًا لهم. وقوله تعالى: ﴿وَمِثْلَهُ مَعَهُ﴾ أي: مِثل ما في الأرض جميعًا من أوَّلها إلى آخِرها؛ أي: ما في الأرض ومثله معه مُضافًا إليه. ونُشير إلى أن قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ مِنْ سُوءِ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ لم يُفسِّرها

стр. 338

المُفَسِّر ﵀ ولم يُبَيِّنها، ولكن بيَّنَّا نحن في التَّفسير أنها تَحتَمِل الظُّلْم الأكبَر وهو الشِّرْك، والأَصغَر وهو ما دونَه، ولكن يَظهَر - والله تعالى أَعلَمُ - أن المُراد بها الأكبَرُ. وقوله تعالى: ﴿لَافْتَدَوْا بِهِ مِنْ سُوءِ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ أي: دفَعوه فِداءً يَفْدون به أَنفُسهم من عذاب الله ، وَيكون هذا يوم القِيامة، وفيه يَتمَنَّى هؤلاء أن يَكون لهم ما في الأرض جميعًا ومِثله معه؛ ليَدفَعوا عنهم العذاب، ولكن لا يَحصُل، وقد طُلِب منهم في الدنيا ما هو أَهوَنُ من ذلك، طُلِب منهم أن يَعبُدوا الله تعالى وحدَه لا شريكَ له، وأن يَقوموا بشريعته، وهو سَهْل، لكنهم - والعِياذُ بالله - استَكْبَروا، فقوله تعالى: ﴿لَافْتَدَوْا بِهِ مِنْ سُوءِ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ أي: من العَذاب السيِّئ الذي ليس له نَظيرٌ في الدنيا، ولا يُمكِن أن يَضبِطه الذِّهْن بتَخيُّل؛ لأنهم كما أن في الجَنَّة ما لا عَيْنٌ رأَتْ ولا أذُنٌ سمِعَت ولا خطَر بقَلْب بشَر من النعيم، فكذلك ما في النار من العَذاب. وقوله تعالى: ﴿يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ هو اليوم الذي يُبعَث فيه الناس، وسُمِّيَ: يومَ القيامة لأُمورٍ ثلاثة: أوَّلًا: لأن الناس يَقومون فيه لربِّ العالمِين كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [المطففين: ٦]. والثاني: أنه يُقام فيه العَدْل كما قال تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا﴾ [الأنبياء: ٤٧]. والثالِث: لأنه يَقوم فيه الأَشْهاد، كما قال تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ [غافر: ٥١].

стр. 339

وقوله تعالى: ﴿وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾ أي: ظهَر لهم من عند الله ﴿مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾ أي: ما لم يَكُن في حُسبانهم ولا خطَر على بالهم أنهم يَجِدون هذا العذابَ، فظَنُّوا أن الأمر هيِّن، وظنُّوا أن الأصنام تَشفَع لهم، وظنُّوا ظُنونًا كثيرة، ولكن لم تَنفَعْهم هذه الظُّنونُ، وظهَر لهم شيء لم يَحتَسِبوه أبدًا ﴿وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾. فقوله: (بدا لهم) أي: ظهَر لهم، و ﴿سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا﴾ أي: سُوء ما كسَبوا من الأعمال، وهم لم يَكسِبوا إلَّا الشَّرَّ، وقد قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾. وقوله ﵀: [﴿لَافْتَدَوْا بِهِ مِنْ سُوءِ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَبَدَا لَهُمْ﴾ ظهَر ﴿لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾ يَظُنُّون]، والمُفَسِّر ﵀ الشيءُ الواضِح لا يُفسِّره، ويُقال: بدَا. ويُقال: بدَأَ، وبينهما فَرْق، فبَدَا بمَعنَى: ظهَر، وبدَأَ بمَعنَى: ابتَدَأ، ويُقال في الأوَّل في المَصدَر: بُدُوًّا. وفي الثاني: بَدْءًا. من فوائد الآية الكريمة: الْفَائِدَة الأُولَى: أن الظالِمين لو بذَلوا كلَّ ما فى الأرض؛ ليَفتَدوا به لم يَنفَعْهم، وهذا يُؤخَذ من قوله تعالى: ﴿وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾. الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أن جميع ما في الدنيا يَرخَص عند العذاب حين يُشاهِده الظالِم؛ لقوله تعالى: ﴿لَافْتَدَوْا بِهِ مِنْ سُوءِ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾. الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: التَّحذير من الظُّلْم؛ لأن ذِكْر هذا يَعنِي: التحذير منه. الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: إثبات القِيامة والبَعْث؛ لقوله تعالى: ﴿لَافْتَدَوْا بِهِ مِنْ سُوءِ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾.

стр. 340

الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: أن العَذاب الذي يَقَع بهؤلاء الظالمِين لا يَخطُر لهم على بالٍ؛ لقوله تعالى: ﴿وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾.

стр. 341

الآية (٤٨) * قَالَ اللهُ : ﴿وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ [الزمر: ٤٨]. يَقول ﵀: [﴿وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَحَاقَ﴾ نزل ﴿بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ أيِ: العَذاب]، يَعنِي: حاق بهم العَذاب، أي نزَل بهم وبدَتْ لهم سَيِّئاتهم وعرَفوها، وكانوا يَقولون: يا لَيْتَنا نُردُّ ولا نُكذِّب بآيات ربِّنا ونَكون من المُؤمِنين. قال تعالى: ﴿بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾ [الأنعام: ٢٨]. وقوله ﵀: [﴿وَحَاقَ بِهِمْ﴾ نزَل بهم ﴿مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾] أي: ما كانوا يَستَهزِئون به في الدُّنيا، أمَّا في الآخِرة فإنهم يَقولون: ﴿قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ﴾ [الأعراف: ٥٣]، إلَّا أنه في ذلك الوقتِ لا يَنفَعهم، فقَدْ كانوا في الدنيا يَستَهْزِئون ويَسخَرون من الرُّسُل، ويَسخَرون من الذين آمَنوا، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ (٢٩) وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ (٣٠) وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ (٣١) وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلَاءِ لَضَالُّونَ﴾ [المطففين: ٢٩ - ٣٢]. سُبحانَ الله! هذه الآياتُ تَنطَبِق تمامًا على وَقْتنا كما انطَبَقَت على ما قبلُ، وهي قوله تعالى: ﴿كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ﴾، وهذا هو الواقِع، فتَجِد هؤلاء الفَسَقةَ

стр. 342

والمُجرِمين إذا مرَّ بهم المُؤمِن التَّقيُّ جعَلوا يَضحَكون ﴿وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ﴾ أي: إذا مرَّ المُؤمِنون بالمُجرِمين أو المُجرِمون بالمُؤمِنين كِلاهما ﴿يَتَغَامَزُونَ﴾ يَغمِز بعضُهم بعضًا، فانظُرْ إلى هذا المِسكينِ، وانظُرْ إلى ثِيابهم مثَلًا! ﴿وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ﴾ يَعنِي: يَرجِعون إلى أهلهم فَكهين، أي: مَرِحين مُتفَكِّهين بما قالوا في هؤلاء المُؤمِنين. وقوله : ﴿وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلَاءِ لَضَالُّونَ﴾ والفاعِل في الفِعْل ﴿رَأَوْهُمْ﴾ المُجرمون، والمَعنَى: إذا رأَى الذين أَجرَموا هؤلاء المُؤمِنين ﴿قَالُوا إِنَّ هَؤُلَاءِ لَضَالُّونَ﴾ تائِهون، وهذا هو الواقِعُ حتى في الوقت الحاضِر إذا رأَوُا المُتدَيِّن قال: هذا مُتخَلِّف، هذا رَجْعيٌّ، أو هذا أُصوليٌّ، يَعنِي: مُتشَدِّدًا، وما أَشبَه ذلك. ثُمَّ قال : ﴿فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ﴾ [المطففين: ٣٤] في يوم القِيامة تَحصُل الضِّحْكة من المُؤمِنين على الكافِرين، وهذه الضِّحكةُ ليس بعدَها بكاءٌ، أمَّا ضِحكة أُولئِك فبعدَها البُكاء والألَمُ والحَسْرة. وقوله تعالى: ﴿عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ﴾ [المطففين: ٣٥] يَنظُرون ما أَنعَم الله تعالى به عليهم، ويَنظُرون ما عذَّب الله تعالى به هؤلاء. ثُمَّ قال الله تعالى: ﴿هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [المطففين: ٣٦]، فهؤلاءِ المُجرِمون يَبدو لهم يوم القِيامة ما كانوا يَستَهزِئون به من شريعة الله تعالى، وجزاء الله تعالى، وما أَشبَه ذلك، وقد كانوا يَسخَرون بالرَّسول ﵊ وبما وَعَد به من النعيم، وبما وعَدَ به من العذاب، ويَقولون: يا مُحمَّدُ، إن كُنتَ صادِقًا أننا سنَلقَى هذا فلْيَكُن لك أنتَ، ففجِّرِ الأرض يَنابيعَ، واجعَلِ الرِّياض مَزارعَ نَخيلٍ، وما أَشبَه ذلك. وهل يَرَى المُؤمِنون هؤلاءِ يَوْم القِيامة يُعذَّبون؟ الجَوابُ: نعَمْ، يَرَوْنهم ويَتَخاصَمون معَهم ﴿قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِين

стр. 343

(٥١) يَقُولُ أَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ (٥٢) أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَدِينُونَ (٥٣) قَالَ هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ﴾ اذهَبوا فانظُروا: ﴿فَاطَّلَعَ فَرَآهُ﴾ أي: قَرينُه ﴿فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ﴾ في عُقْرها في وسَطِها، فقال له: ﴿تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ﴾ [الصافات: ٥١ - ٥٦] إلخ. فهم يَرَوْنهم ويَتَحدَّثون معهم؛ لأن في هذا أَكبَرَ إغاظةٍ لهم، وهذا ألَمٌ قَلْبيٌّ أشَدُّ من الألَم البدَني، نَسأَل الله تعالى العافيةَ. وهل يَشفَعون لهم؟ أَقول: لا؛ لأن الكُفَّار لا يُشفَع لهم؛ لأنه لا شَفاعةَ إلَّا بإِذْن الله تعالى ولا أَذِنَ الله تعالى ولا يَرضَى، أمَّا غير الكُفَّار فيَشفَعون لهم بإِذْن الله تعالى. من فوائد الآية الكريمة: الْفَائِدَة الأُولَى: أن الجَزاء من جِنْس العمَل؛ لقوله : ﴿سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا﴾. الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: إثبات الكَسْب للعَبْد، فيَكون فيه رَدٌّ على الجَبْرية الذين يَقولون: إن الإنسان مُجبَرٌ على عمَله، فنَقول لهم: بل الإنسان غير مُجبَر، وعمَلُه مِن كَسْبه. الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: تَوبيخ هؤلاء المُعذَّبين حيث نزَل بهم ما كانوا به يَستَهزِئون، وقد قال الله تعالى: إنه يُقال لهم: ﴿أَفَسِحْرٌ هَذَا أَمْ أَنْتُمْ لَا تُبْصِرُونَ﴾ [الطور: ١٥]. الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: لأنهم كانوا في الدنيا يَسخَرون بمَن جاء بهذا النَّبأِ، ويَقولون: إنه سِحْر. فيُوبَّخون يوم القيامة، ويُقال لهم: ﴿أَفَسِحْرٌ هَذَا أَمْ أَنْتُمْ لَا تُبْصِرُونَ﴾. الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: أن الاستِهْزاء بالله تعالى وآياتِه سببٌ للعَذاب، وهو كُفْر مُخرِجٌ

стр. 344

عن المِلَّة؛ لقول الله : ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (٦٥) لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة: ٦٥، ٦٦]. وعلى هذا يَنبَغي أن يَلحَق هذا بالنِّكاح والطلاق والرجعة والعِتق؛ لأن هَزْله جِدٌّ، وهو أَمْرٌ لا خِلافَ فيه بين العُلماءِ أن مَن قال قولًا يَستَهزِئ به في دِين الله تعالى فإنه يَكفُر.

стр. 345

الآية (٤٩) * قَالَ اللهُ : ﴿فَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَانَا ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَاهُ نِعْمَةً مِنَّا قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٤٩]. قوله تعالى: ﴿فَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ﴾ أي: أَصابه، والمُراد بالإنسان هنا: الجِنْس، وقيل: المُراد به: الكافِر، فأمَّا مَن قال: المُراد به: الجِنْس، وإنه شامِل للمُؤمِن والكافِر قال: إن هذه هي طَبيعة الإنسان، وإن المُؤمِن الذي يَعتَرِف لله تعالى بالنِّعَم وَيشكُرها، وهذا خارِجٌ عن طبيعة الإنسان، يَعنِي: أن الله تعالى مَنَّ عليه، فخرَج عن مُقتَضى طبيعة البَشَر. وأمَّا مَن قال: إن المُراد به أيِ: الإنسان الكافِر، فيَكون من باب العامِّ الذي أُريد به الخاص، قال: لأن هذا الوَصفَ المَذكور لا يَكون إلَّا من الكافِر، هو الذي إذا مسَّه الضُّرُّ ابتَغى، يَعنِي: رجَع إلى الله تعالى، وإذا أَعطاه النِّعْمة بطِر بها وقال: ليس لأحَد عليَّ فيها فَضْل، وإنما ذلك على عِلْم، وهذا الأخيرُ أقرَبُ؛ لأن المُؤمِن إذا خوَّله الله تعالى نِعْمة شكَر ولم يَقُل: أُوتيتُه على عِلْم. قال ﵀: [﴿فَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ﴾ الجِنْس]، يَعنِي: المُراد بالإنسان الجِنْس، فيَشمَل المُؤمِن والكافِر، ولكن تَبيَّن ممَّا تَكلَّمنا فيه أن الظاهِر أن المُراد به: الكافِر فيَكون عامًّا أُريد به الخاصُّ، والعامُّ الذي يُراد به الخاصُّ مَوْجود في اللغة العربية

стр. 346

بكَثْرة، مثل قوله : ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾ [آل عمران: ١٧٣]، فنَحْن نَعلَم أنه ليس كل الناس جاؤُوا يَقولون بل القائِل واحِد، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾ أيضًا نَعلَم أنه ليس جميع الناس جمَعوا، وإنما المُراد واحِد أو أُناس مُعيَّنون، أمَّا كل بنو آدَمَ فلا، فالمُراد بالإنسان هنا: [الجِنْس] على قول المُفَسِّر ﵀، وعلى القول الذي اختَرْناه (الكافِر). فإذا قال قائِل: يَقول الله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ كيف يَكون المُراد بالإنسان الجِنْس والكُفَّار كلهم لا يَعلَمون؟ فالجَوابُ: هناك بعض الكُفَّار يَعلَم حَقَّ ما هو عليه، لكنه مُعانِد. وإذا قِيل: في الآية: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ يَقول في الحاشِية: فيه دَلالة على أن المُراد بالإنسان الجِنْس، فكيف استَدَلَّ بهذا؟ الجَوابُ: لمَّا قال: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ فإن هناك مَن يَعلَم وهُمُ المُؤمِنون، فيَكون المرادُ بـ ﴿أَكْثَرَهُمْ﴾ الجِنْس؛ لأن غير المُؤمِن كلهم لا يَعلَمون، والراجِح أنه الكافِر. والجوابُ عن هذا: أن نَقول: مِن الكُفَّار مَن يَعلَم، لكنه مُستَكبِر. فإذا قال قائِل: هناك بعض المُؤمِنين ناقِصو الإيمان إذا أُوتي النِّعْمةَ قال: ﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ أَلَا يُؤيِّد أن الإنسان المَقصود به الجِنْس؟ فالجَوابُ: نعَمْ، لكن هو كافِر بهذه المَقالةِ، ليس كافِرًا كُفرًا مُخرِجًا عن المِلَّة، إنما هو بهذه المَقالةِ كافِر. وقد يَكون كافِرًا كُفْرًا مُخرِجًا عن المِلَّة، إذا اعتَقَد أن الله تعالى ليس له سبَب في

стр. 347

حُصول هذه النِّعمةِ، وأنه هو الذي حصَلت به، لا أنه سبَب فهو كُفْر؛ لأن إضافة النِّعَم إلى أسبابها بالإعراض عن المُسبِّب وهو الله تعالى، واعتِقادُ أن هذه النَّعمةَ ليس لله تعالى فيها عَلاقة فهذا كُفْر بالرُّبوبية. وقوله ﵀: [﴿ضُرٌّ دَعَانَا ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَاهُ﴾ أَعطَيْناه ﴿نِعْمَةً﴾ إِنعامًا ﴿مِنَّا قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ﴾] قوله ﵀: ﴿خَوَّلْنَاهُ نِعْمَةً﴾ أي: إنعامًا] في هذا نظَر؛ لأن الإنعام فِعْل المُنعِم، والنِّعمة عَطاء المُنعِم، يَعنِي: الشيء المُعطَى، فهل الأَليقُ أن نُفسِّر النِّعْمة بالإنعام، أو أن نُفسِّر النِّعمة بما أُعطيَه الإنسان؟ الجَوابُ: الثاني هو الظاهِر وهو والواقِع أيضًا؛ لأن التَّخويل، يَعنِي: أن هناك شيئًا مُخوَّلًا وهو النِّعْمة من أولاد ورِزق وزَوْجات ومَساكِنَ وغير هذا. فقوله تعالى: ﴿فَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَانَا﴾ أي: سأَلنا أن نَكشِف ضُرَّه ثُمَّ إذا كشَفْنا الضُّرَّ وخوَّلناه نِعمةً منَّا بزَوال الضَّرَر الذي حصَل له قال: ﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ﴾ يَعنِي: أُوتِيت هذا الشيءَ على عِلْم، وما المُراد بالعِلْم هنا: هلِ المَعنَى أُوتِيته على عِلْمٍ من الله تعالى أني له أَهْل فأنا جَديرٌ به ومُستَحِقٌّ له أو المَعنى: على عِلْم مِنِّي بوجود المَكاسِب. فهو يَشمَل الأَمْرين فهو يَقول: ﴿أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ﴾ بأني أَهْل له وأُوتِيته أيضًا من كَسْبي، فيَكون بذلك مانًّا على الله ، ويَكون مُستَبِدًّا بنَفْسه يَجمَع بين الأمرين: الأوَّل: المِنَّة ويَقول: ليس لله تعالى فَضْل عليَّ، بل هو أَعطاني ذلك لأنه يَعلَم أنني أهلٌ لذلك. والثاني: الاعتِداد بالنَّفْس وعدَم إرجاع الحَقِّ لله .

стр. 348

قال ﵀: [﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ﴾ مِن الله بأَنِّي له أَهْل] وهذا أحَدُ القَوْلين في الآية، والقول الثاني: ﴿عَلَى عِلْمٍ﴾ أي: على حِذق ومَهارة فيما فعَلت، والضمير يَرجِع إلى ما خُوِّل، أي: أُوتيت الذي خوَّلته، فالهاء في ﴿أُوتِيتُهُ﴾ يَعود على المُخوَّل. ثُمَّ قال الله تعالى: ﴿بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ﴾: ﴿بَلْ هِيَ﴾ هل يَقصِد المَقالة أو الحال؟ الجَوابُ: يُحتَمَل هذا وهذا، ويُحتَمَل أن الله إذا أَعطاهم هذه النِّعَم أَعطاه إيَّاها فِتنةً له، ويُحتَمَل أن هذه المَقالةَ فِتنةٌ له؛ ولكن المَعنَى الأوَّل أَقرَبُ: أن الله تعالى يَفتِن العبد بإزالة الضَّرَر عنه وحصول الخير والنِّعْمة، وكم من إنسان افتُتِن بنِعَم الله ، فكان مُستَقيمًا وبالنِّعْمة يَنحَرِف، وفي الحديث أن الله تعالى قال: "إِنَّ مِنْ عِبَادِي مَنْ لَوْ أَغْنيتُهُ لَأَفْسَدَهُ الْغِنَى، وَإِنَّ مِنْهُمْ مَنْ لَوْ أَفْقَرْتُهُ لَأَفْسَدَهُ الْفَقْرُ" (١)، فالله على كل شيء قَدير، وقد يَختار لعَبْده ما هو أَنفَعُ من حيث لا يَشعُر. فالظاهِر أن المُراد: بقوله تعالى: ﴿بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ﴾ أي: بل هذه الحالُ فِتْنة، وهي تَخويل النِّعَم، وقد قال سُلَيْمانُ ﵊: ﴿هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ﴾. قال ﵀: [﴿بَلْ هِيَ﴾ أيِ: القَولة ﴿فِتْنَةٌ﴾ بليَّة يُبتَلى بها العَبْد] هذا ما جرَى عليه المُفَسِّر ﵀ أن المُراد بالفِتْنة: القولةُ التي قالها. ولكن الصحيح: أن الفِتنة هي النِّعْمة التي أَعطاها الله تعالى إيَّاه، أو الحال التي كان عليها حينما كان قد مَسَّه الضُّرُّ، ثُمَّ رفَع الضُّرُّ عنه وأُبدِل بنِعْمة فهذه فِتنة يَفتِن

стр. 349

الله تعالى بها العِباد، قال الله تعالى: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ [الأنبياء: ٣٥]. وقوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ الاستِدْراك هنا يَعنِي أن هؤلاء الذين غُمِروا بنِعْمة الله تعالى غفَلوا عن المُنعِم بها وعن مُسْديها ومُوليها، فكانوا لا يَعلَمون شُكْر هذا المُنعِمِ، وكانوا لا يَعلَمون أيضًا أنها فِتْنة، بل يَأخُذ الإنسان النِّعَم على أنها أمرٌ طَبيعيٌّ ويَغفُل عن أن الله تعالى يَمتَحِنه بها. قال ﵀: [﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ أن التَّخويل استِدْراجٌ وامتِحان] ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ﴾ أي: أكثَر الناس، وإنما عاد الضمير وهو غائِب على مَرجِعٍ غير مَذكور للقَرينة والسِّياق، ويُحتَمَل أن المُراد ﴿أَكْثَرَهُمْ﴾ أي: أكثَر بني الإنسان فيَكون الضمير هنا عاد على الإنسان باعتِبار المَعنَى لا باعتِبار اللَّفْظ. وقوله ﵀: [أن التَّخويل استِدْراجٌ وامتِحان] إذا قال قائِل: بماذا نَعلَم أن التَّخويل استِدراجٌ وامتِحان؟ فالجَوابُ: نَعلَم ذلك لكون الإنسان مُصِرًّا على المَعصية ونِعَم الله تَتْرَى عليه، قال : ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ [آل عمران: ١٧٨]، فهذه هي العَلامة. فإذا رأَيْت الله تعالى يُنعِم عليك وأنت مُقيمٌ على مَعصيته فاعلَمْ أن ذلك استِدراج، أمَّا إذا رأَيْت الله تعالى يُنعِم عليك وأنت قائِمٌ بطاعته فاعلَمْ أن هذا من زيادة فَضْله ونِعَمه، قال الله تعالى: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ [إبراهيم: ٧].

стр. 350

من فوائد الآية الكريمة: الْفَائِدَة الأُولَى: أن الإنسان يَلجَأ إلى الله تعالى عند الشدائِد، وهذه طبيعة فِطْرية لا يَتخَلَّف عنها إلَّا مَن نُكِس قَلبُه. الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أن المُشرِكين في زماننا الذين يَدْعون مع الله تعالى غَيْره أشَدُّ شِرْكًا من السابِقين؛ لأن السابِقين إنما يُشرِكون في الرَّخاء، وإذا مسَّهمُ الضُّرُّ لجَؤُوا إلى الله تعالى، أمَّا اللاحِقين فإنهم يُشرِكون في حال الشِّدة كما يُشرِكون في حال الرَّخاء إذا أَصابهم الضُّرُّ نادوا يا فُلانُ! يا فُلانُ! يا فُلانُ! فهذا أشَدُّ شِرْكًا من الأوَّلين، وهذا أيضًا مُخالِف للفِطْرة التي فِطْر الناس عليها, لأن الإنسان لا يَلجَأ عند الشدائد إلَّا بمَن يُؤمِن أنه يَكشِف هذه الشدائِدَ. الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: أن الإنسان إذا أُصيب بالنِّعْمة نَسِيَ نِعْمة الله تعالى وأَضافها إلى غيره. الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: ضرَر الإعجاب بالنَّفْس حيث يَقول تعالى: ﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾. الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: أن الله تعالى يَبتَلي بالنِّعَم كما يَبتَلي بالنِّقَم؛ لقوله تعالى: ﴿بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ﴾، وقد قال سُلَيمانُ ﵊: ﴿هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ﴾. الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: أن أكثَرَ الناس غافِلون عن هذه المَسألةِ، أي: عن كون الله يَبتَليهم بالنِّعَم فيَظُنُّون أن النِّعَم دليلٌ على الرِّضا فيَستَمِرُّون في مَعاصيهم ويَقولون: لو كان الله تعالى غاضِبًا علينا ما أَعطانا, ولكن من العامة مَن يَقول العِبارةَ

стр. 351

المَشهورة: (عَطاه لا يَدُلُّ على رِضاه) فعَطاء الله تعالى لا يَدُلُّ على رِضاه، قد يَكون هذا من باب الاستِدْراج بالنِّعَم حتى يَهلِك الإنسان، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا﴾ [آل عمران: ١٧٨]، وصحَّ عن النبيِّ ﷺ أنه قال: "إِنَّ الله لَيُمْلِي لِلظَّالِمِ حَتَّى إِذَا أَخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْهُ" (١). الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: أنَّ مِن الناس مَنْ منَّ الله عليهم بالعِلْم والفِراسة والتَّدبُّر والتَّأمُّل فعرَفوا الأمور على حَقائقها، يُؤخَذ هذا من قوله تعالى: ﴿أَكْثَرُهُمْ﴾ فإن الأكثَرَ ضِدُّ الأقلِّ. الْفَائِدَةُ الثَّامِنَةُ: فَضيلة العِلْم؛ لقوله تعالى: ﴿لَا يَعْلَمُونَ﴾ أي: لأن الذين يَعلَمون يَعرِفون هذه الأمورَ، وأنها ابتِلاء وامتِحان فيَتَّعِظون بها. فإذا قال قائِل: إذا امتَنَّ الله على العَبْد بنِعْمة متى يَعرِف العبد أن هذا امتِنان أو امتِحان؟ فالجَوابُ: إذا كان مُستَقيمًا مُقيمًا على طاعته فهو امتِنان، وإذا كان على العكس فهو امتِحان.

стр. 352

الآية (٥٠) * قَالَ اللهُ : ﴿قَدْ قَالَهَا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [الزمر: ٥٠]. قوله تعالى: ﴿قَدْ قَالَهَا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾: ﴿قَدْ قَالَهَا﴾ الضمير يَعود على قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ﴾ لكن قد قالها الذين من قَبْلهم مثل قارونَ كما قال الله تعالى: ﴿قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ ثُمَّ قال الله تعالى بعدها: ﴿أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا﴾. قوله تعالى: ﴿قَدْ قَالَهَا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾: (ما) هذه نافِية و ﴿أَغْنَى﴾ بمَعنَى: دفَع، أي: ما دفَع عنهم ما كانوا يَكسِبون، أي: لم يُغنِ عنهم ما كسَبوا شيئًا من عَذاب الله، وهكذا النِّعَم لا تُغنِي مَن افتَخَر بها وغفَل بها عن طاعة الله شيئًا، ألم تَرْوا إلى عاد استَكْبَروا في الأرض ﴿وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً﴾ [فصلت: ١٥]؛ لأن الله تعالى أَعطاهم قوَّة عظيمة، فقال الله تعالى ردًّا على طُغيانهم: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ (١٥) فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ﴾ وتَأمَّلوا كيف عُذِّب هؤلاء! بالرِّيح وهي أَلطَف شيء فعُذبِّوا بها انتِقامًا منهم حين قالوا: ﴿مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً﴾ يَعنِي: لم يَهلِكوا بالصواعِق ولا بالحاصِب من السماء، وإنما أُهلِكوا بهذه الريحِ اللَّطيفة حتى إنهم لمَّا رأَوْا ما جاءت

стр. 353

به هذه الريحُ من الرِّمال ﴿قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا﴾ فقال الله تعالى: ﴿بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ (٢٤) تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا﴾ [الأحقاف: ٢٤، ٢٥]. قال ﵀: [﴿قَدْ قَالَهَا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ من الأُمَم كقارونَ وقومه الراضِين بها] أي: بهذه المَقالةِ، فقوله : ﴿قَدْ قَالَهَا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ أي: قالوا بعد أن أَعطاهم الله تعالى النِّعَم: ﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾. وهذا قد صرَّح الله تعالى به عن قارونَ في سورة القَصص حين خرَج على قومه في زِينته فنَصَحوه، وقالوا له: ﴿وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (٧٧) قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ [القصص: ٧٧، ٧٨]، فالمَقالة هي المَقالة، وقد سبَقَ أن الإنسان يُعجَب بعمَله فيَظُنُّ أن ما حصَل له من النِّعَم بسبَب عمَله مع أنه من فَضْل الله . وقوله تعالى: ﴿فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾: (ما) هذه نافية وقد سبَقَ شَرْحها. وقوله ﵀: [﴿وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا﴾ أي: جَزاؤها] أيِ: السَّيِّئات، ولكنه عبَّر بالسيِّئات نفسِها؛ لأن الجزاء من جِنْس العمَل وهو مُقابِلٌ لها لا يَزيد. من فوائد الآية الكريمة: الْفَائِدَة الأُولَى: أن الشَّرَّ يَتْبَع بعضُه بعضًا؛ لقوله: ﴿قَدْ قَالَهَا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾. الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: تَسلية الرسول ﷺ فإن هؤلاء الذين قالوا هذا في عَصْره قد قاله مَن سبَقَهم. الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: أن لأهل الشَّرِّ قُدوةً يَقتَدون بها كما أن لأهل الخَير قُدوةً يَقتَدون

стр. 354

بها؛ ولهذا جاء في الحديث عن النبيِّ ﷺ : "مَنْ سَنَّ في الْإِسْلَامِ سُنَّةً حَسَنَةً فَلَهُ أَجْرُهَا وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ سَنَّ في الْإسْلَامِ سُنَّةً سَيِّئَةً فَعَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ" (١). الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أن كل ما كسَبه الإنسان من مال أو جاهٍ فإنه لا يُغنيه من الله تعالى شيئًا؛ لقوله تعالى: ﴿فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ حتى لو كسَب أَقوَى صَنْعة في الأرض فإنها لا تُغنِي عنه من الله تعالى شيئًا، وإذا أَراد الله أن يُتلِف هذه القُوَّةَ أَتلَفَها بكلِمةٍ واحِدةٍ منه: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس: ٨٢]. الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: أنه يَجِب على الإنسان اللُّجوء إلى الله تعالى، حيث إن جميع ما كسَبه من مال، أو جاهٍ، أو ولد، أو زوجة، أو غيره لا تُغنِي عنه من الله تعالى شيئًا، فلا يَرجِع إلَّا إلى الله . الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: الردُّ على الجَبْرية؛ لقوله تعالى: ﴿مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ فإن عمَلَ الإنسان كَسْبٌ له، أمَّا الجَبْرية فيَقولون: إن عمَل الإنسان ليس كَسْبًا له؛ لأنه مُرغَمٌ عليه ومُجبَرٌ عليه فلا يَكون كَسْبًا له، ولا يُضاف إليه.

стр. 355

الآية (٥١) * قَالَ اللهُ : ﴿فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَالَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ هَؤُلَاءِ سَيُصِيبُهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ [الزمر: ٥١]. قوله تعالى: ﴿فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا﴾ يَعنِي: أَصابهم جزاءُ السيِّئات، لكنه سمَّى الجزاء سَيِّئاتٍ؛ لأن السَّيِّئاتِ سببُه، وليَتبَيَّن بذلك أن الجزاء على قَدْر العمَل لا يَختَلِف، فكأنه هو نَفْس العمَل. وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ هَؤُلَاءِ سَيُصِيبُهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا﴾ الواو في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ استِئْنافية، و (الذين) مُبتَدَأ، وجُملة: ﴿سَيُصِيبُهُمْ﴾ خبَر ﴿وَالَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ هَؤُلَاءِ سَيُصِيبُهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا﴾ كما أَصاب مَن قَبْلهم. وقوله تعالى: ﴿وَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾: (ما) نافِية، وهل هي حِجازيةٌ أو تَميميةٌ؟ الواقِع أنه ليس في اللَّفْظ ما يَدُلُّ على هذا ولا على هذا, ولكن القرآن بلُغة قُرَيْشٍ بدليل قوله تعالى: ﴿مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾ [يوسف: ٣١]، وعلى هذا فتُحمَل (ما) كُلَّما جاءَت على أنها حِجازية، ولكن كيف نُعرِبها في مثل هذا التَّركيبِ: ﴿وَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾؟ نَقول: (هُمْ) اسمُها، والباء حرف جَرٍّ زائِدٌ، و (مُعجِزِين) خبَرُها مَنصوبٌ بياء مُقدَّرة مَحلَّ الياء المَوجودة؛ لأن الياء الموجودة علامة الجَرِّ وليسَتْ علامة النَّصْب،
следующие страницы →