المَشهورة: (عَطاه لا يَدُلُّ على رِضاه) فعَطاء الله تعالى لا يَدُلُّ على رِضاه، قد يَكون هذا من باب الاستِدْراج بالنِّعَم حتى يَهلِك الإنسان، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا﴾ [آل عمران: ١٧٨]، وصحَّ عن النبيِّ ﷺ أنه قال: "إِنَّ الله لَيُمْلِي لِلظَّالِمِ حَتَّى إِذَا أَخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْهُ" (١).
الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: أنَّ مِن الناس مَنْ منَّ الله عليهم بالعِلْم والفِراسة والتَّدبُّر والتَّأمُّل فعرَفوا الأمور على حَقائقها، يُؤخَذ هذا من قوله تعالى: ﴿أَكْثَرُهُمْ﴾ فإن الأكثَرَ ضِدُّ الأقلِّ.
الْفَائِدَةُ الثَّامِنَةُ: فَضيلة العِلْم؛ لقوله تعالى: ﴿لَا يَعْلَمُونَ﴾ أي: لأن الذين يَعلَمون يَعرِفون هذه الأمورَ، وأنها ابتِلاء وامتِحان فيَتَّعِظون بها.
فإذا قال قائِل: إذا امتَنَّ الله على العَبْد بنِعْمة متى يَعرِف العبد أن هذا امتِنان أو امتِحان؟
فالجَوابُ: إذا كان مُستَقيمًا مُقيمًا على طاعته فهو امتِنان، وإذا كان على العكس فهو امتِحان.
стр. 352
الآية (٥٠)
* قَالَ اللهُ : ﴿قَدْ قَالَهَا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [الزمر: ٥٠].
قوله تعالى: ﴿قَدْ قَالَهَا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾: ﴿قَدْ قَالَهَا﴾ الضمير يَعود على قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ﴾ لكن قد قالها الذين من قَبْلهم مثل قارونَ كما قال الله تعالى: ﴿قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ ثُمَّ قال الله تعالى بعدها: ﴿أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا﴾.
قوله تعالى: ﴿قَدْ قَالَهَا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾: (ما) هذه نافِية و ﴿أَغْنَى﴾ بمَعنَى: دفَع، أي: ما دفَع عنهم ما كانوا يَكسِبون، أي: لم يُغنِ عنهم ما كسَبوا شيئًا من عَذاب الله، وهكذا النِّعَم لا تُغنِي مَن افتَخَر بها وغفَل بها عن طاعة الله شيئًا، ألم تَرْوا إلى عاد استَكْبَروا في الأرض ﴿وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً﴾ [فصلت: ١٥]؛ لأن الله تعالى أَعطاهم قوَّة عظيمة، فقال الله تعالى ردًّا على طُغيانهم: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ (١٥) فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ﴾ وتَأمَّلوا كيف عُذِّب هؤلاء! بالرِّيح وهي أَلطَف شيء فعُذبِّوا بها انتِقامًا منهم حين قالوا: ﴿مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً﴾ يَعنِي: لم يَهلِكوا بالصواعِق ولا بالحاصِب من السماء، وإنما أُهلِكوا بهذه الريحِ اللَّطيفة حتى إنهم لمَّا رأَوْا ما جاءت
стр. 353
به هذه الريحُ من الرِّمال ﴿قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا﴾ فقال الله تعالى: ﴿بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ (٢٤) تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا﴾ [الأحقاف: ٢٤، ٢٥].
قال ﵀: [﴿قَدْ قَالَهَا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ من الأُمَم كقارونَ وقومه الراضِين بها] أي: بهذه المَقالةِ، فقوله : ﴿قَدْ قَالَهَا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ أي: قالوا بعد أن أَعطاهم الله تعالى النِّعَم: ﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾.
وهذا قد صرَّح الله تعالى به عن قارونَ في سورة القَصص حين خرَج على قومه في زِينته فنَصَحوه، وقالوا له: ﴿وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (٧٧) قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ [القصص: ٧٧، ٧٨]، فالمَقالة هي المَقالة، وقد سبَقَ أن الإنسان يُعجَب بعمَله فيَظُنُّ أن ما حصَل له من النِّعَم بسبَب عمَله مع أنه من فَضْل الله .
وقوله تعالى: ﴿فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾: (ما) هذه نافية وقد سبَقَ شَرْحها.
وقوله ﵀: [﴿وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا﴾ أي: جَزاؤها] أيِ: السَّيِّئات، ولكنه عبَّر بالسيِّئات نفسِها؛ لأن الجزاء من جِنْس العمَل وهو مُقابِلٌ لها لا يَزيد.
من فوائد الآية الكريمة:
الْفَائِدَة الأُولَى: أن الشَّرَّ يَتْبَع بعضُه بعضًا؛ لقوله: ﴿قَدْ قَالَهَا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: تَسلية الرسول ﷺ فإن هؤلاء الذين قالوا هذا في عَصْره قد قاله مَن سبَقَهم.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: أن لأهل الشَّرِّ قُدوةً يَقتَدون بها كما أن لأهل الخَير قُدوةً يَقتَدون
стр. 354
بها؛ ولهذا جاء في الحديث عن النبيِّ ﷺ : "مَنْ سَنَّ في الْإِسْلَامِ سُنَّةً حَسَنَةً فَلَهُ أَجْرُهَا وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ سَنَّ في الْإسْلَامِ سُنَّةً سَيِّئَةً فَعَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ" (١).
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أن كل ما كسَبه الإنسان من مال أو جاهٍ فإنه لا يُغنيه من الله تعالى شيئًا؛ لقوله تعالى: ﴿فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ حتى لو كسَب أَقوَى صَنْعة في الأرض فإنها لا تُغنِي عنه من الله تعالى شيئًا، وإذا أَراد الله أن يُتلِف هذه القُوَّةَ أَتلَفَها بكلِمةٍ واحِدةٍ منه: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس: ٨٢].
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: أنه يَجِب على الإنسان اللُّجوء إلى الله تعالى، حيث إن جميع ما كسَبه من مال، أو جاهٍ، أو ولد، أو زوجة، أو غيره لا تُغنِي عنه من الله تعالى شيئًا، فلا يَرجِع إلَّا إلى الله .
الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: الردُّ على الجَبْرية؛ لقوله تعالى: ﴿مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ فإن عمَلَ الإنسان كَسْبٌ له، أمَّا الجَبْرية فيَقولون: إن عمَل الإنسان ليس كَسْبًا له؛ لأنه مُرغَمٌ عليه ومُجبَرٌ عليه فلا يَكون كَسْبًا له، ولا يُضاف إليه.
стр. 355
الآية (٥١)
* قَالَ اللهُ : ﴿فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَالَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ هَؤُلَاءِ سَيُصِيبُهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ [الزمر: ٥١].
قوله تعالى: ﴿فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا﴾ يَعنِي: أَصابهم جزاءُ السيِّئات، لكنه سمَّى الجزاء سَيِّئاتٍ؛ لأن السَّيِّئاتِ سببُه، وليَتبَيَّن بذلك أن الجزاء على قَدْر العمَل لا يَختَلِف، فكأنه هو نَفْس العمَل.
وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ هَؤُلَاءِ سَيُصِيبُهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا﴾ الواو في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ استِئْنافية، و (الذين) مُبتَدَأ، وجُملة: ﴿سَيُصِيبُهُمْ﴾ خبَر ﴿وَالَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ هَؤُلَاءِ سَيُصِيبُهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا﴾ كما أَصاب مَن قَبْلهم.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾: (ما) نافِية، وهل هي حِجازيةٌ أو تَميميةٌ؟
الواقِع أنه ليس في اللَّفْظ ما يَدُلُّ على هذا ولا على هذا, ولكن القرآن بلُغة قُرَيْشٍ بدليل قوله تعالى: ﴿مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾ [يوسف: ٣١]، وعلى هذا فتُحمَل (ما) كُلَّما جاءَت على أنها حِجازية، ولكن كيف نُعرِبها في مثل هذا التَّركيبِ: ﴿وَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾؟
نَقول: (هُمْ) اسمُها، والباء حرف جَرٍّ زائِدٌ، و (مُعجِزِين) خبَرُها مَنصوبٌ بياء مُقدَّرة مَحلَّ الياء المَوجودة؛ لأن الياء الموجودة علامة الجَرِّ وليسَتْ علامة النَّصْب،
стр. 356
بل هي علامة الجَرِّ بحرف الجَرِّ الزائِد الباء، فجعَلنا العمَل للظاهِر وهو الباء، أمَّا المَحلُّ فقدَّرْناه تقديرًا، وعلى هذا فيَكون مَنصوبًا بياء مُقدَّرة بدَل الياء التي عمِل فيها حرفُ الجَرِّ الزائِد.
وقوله تعالى: ﴿بِمُعْجِزِينَ﴾ اسمُ فاعِل من الفِعْل (أَعجَز)، يَعنِي: لن يُعجِز الله فلا يَستَطيع أن يُعاقِبهم، بل عُقوبتهم أَمْرٌ هيِّن على الله .
قال ﵀: [﴿وَالَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ هَؤُلَاءِ﴾ أي: قُرَيْش ﴿سَيُصِيبُهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ بفائِتِين عذابَنا، فقُحِطوا سبع سِنينَ، ثم وُسِّع عليهم]؛ فقُحِطوا سبع سِنينَ بدَعْوة النبيِّ ﷺ حين قال: "اللَّهُمَّ اجْعَلْهَا عَلَيْهِمْ سِنِينَ كَسِنِي يُوسُفَ" (١) , فقُحِطوا سبع سِنينَ قَحْطًا شديدًا حتى إن الإنسان منهم يَتَراءَى السماء فيَحول بينه وبينها غبَشٌ كأنه دُخَان من شِدَّة الجوع والتَّعَب.
من فوائد الآية الكريمة:
الْفَائِدَة الأُولَى: أن العُقوبة تَكون على قدر العمَل؛ لقوله تعالى: ﴿فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ﴾ مع أنه الذي أَصابهم ليست سَيِّئاتٍ ولكِنْ جزاؤُها، إلَّا أنه لمَّا كان الجزاء من جِنْس العمَل صحَّ أن يُعبَّر بالعمَل عنه.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: تهديد هؤلاء الذين كانوا في عهد النبيِّ ﷺ أن يُصيبهم ما أَصاب الأوَّلين؛ لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ هَؤُلَاءِ سَيُصِيبُهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا﴾.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: شُؤْم الظُّلْم؛ لأنه يُوقِع صاحِبه بالهَلاك.
стр. 357
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أن مَن عصَى الله تعالى فهو ظالِمٌ لنفسه، وكذلك لغيره إن تَعدَّت مَعصيته إلى الغير، فلو جنَى على أحَدٍ مُحتَرَم من مُسلِم أو يَهودِيٍّ ذِمِّيٍّ أو نَصرانيٍّ ذِمِّيٍّ أو غيرهم من أهل الكُفْر الذِّمِّيِّين فإنه يَكون ظالِمًا لنفسه وظالِمًا لغيره.
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: أنه لا أحَدَ يَفوت الله تعالى ويُعجِزه؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾، وقد قال الشاعِر الجاهِليُّ:
أَيْنَ المَفَرُّ وَالْإِلَهُ الطَّالِبُ ... وَالْأَشْرَمُ المَغْلُوبُ لَيْسَ الْغَالِبُ (١)
فلا أحَدَ يُعجِز الله ، أو يَفوت الله تعالى لا في السماءِ ولا في الأرض.
стр. 358
الآية (٥٢)
* قَالَ اللهُ : ﴿أَوَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [الزمر: ٥٢].
ارتباط هذه الآيةِ بما قبلها ظاهِر؛ لأنه تَكلَّم عن الإنسان إذا أَصابه الضُّرُّ، وإذا أَصابته النِّعْمة، ثُم عقَّب ذلك بأن هذا الأمرَ كلَّه بيَدِ الله تعالى.
وقوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ﴾ الهمزة هنا للاستِفْهام، والواو حرف عَطْف، والمعطوف عليه إمَّا أن يَكون مَحذوفًا ويُقدَّر بما يُناسِب المَقام، وإمَّا أن يَكون على ما سبَقَ، فإذا قُلْنا: إنه ما سبَق كانت الهَمزةُ في تَقدير التأخير عن حَرْف العَطْف، والتَّقدير: وألَمْ يَعلَموا، وإذا قُلنا بالأوَّل صارَتِ الهَمزةُ داخِلةً على مَحذوف تَقديرُه: أجِهلوا ولم يَعلَموا.
وقوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ﴾: ﴿يَبْسُطُ﴾ يَعنِي: يُوسِّع و ﴿الرِّزْقَ﴾ العَطاء.
وقوله تعالى: ﴿لِمَنْ يَشَاءُ﴾ لمَن يَشاء أن يُوسِّعه له امتِحانًا لهذا الشخصِ الذي بَسَط له.
وقوله تعالى: ﴿وَيَقْدِرُ﴾ يَعنِي: يُضيِّق امتِحانًا أيضًا؛ لأن الضِّيق فيه امتِحان، والسَّعة فيها امتِحان، لكن الغالِب عند الناس في العُرْف: أن الضِّيق يُسمَّى ابتِلاءً،
стр. 359
أي: بلاء، وأمَّا التَّوْسِعة فهي امتِحان مع أن الابتِلاء بمَعنَى الامتِحان، فإن الإنسان يُبتَلى فيما يُبتَلى به ليَمتَحِنه الله هل يَصبِر أو يَتضَجَّر، وأمَّا ما ابتَلَى الله تعالى به من النِّعَم فهو هل يَشكُر أو يَكفُر.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ المُشار إليه البَسْط والتَّضييق، و ﴿لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ أي: علامات على أن الله تعالى وحدَه هو المُتصَرِّف؛ ولهذا نَجِد بعض الناس يَكون عنده حِذقٌ في البَيع والشِّراء وتَحصيل المال، وعنده قُدرة، وعنده قُوَّة، ولكن يُضيَّق عليه، ونَجِد بعض الناس دون هذا، يَعنِي: أنه لا يَهتَمُّ بالأمور، وليس عنده ذاك الحِذقُ فيُوسِّع الله تعالى عليه، وهذا يَدُلُّ على أن الله هو المُتَصرِّف في عِباده يُوسِّع على هذا ويَقدِر على هذا، ولكن لا يَعنِي هذا أننا لا نَفعَل الأسباب، كما سنَذكُر - إن شاء الله تعالى - في الفوائِد.
وقول المُفَسِّر ﵀: [﴿أَوَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ﴾ يُوسِّعه ﴿لِمَنْ يَشَاءُ﴾ امتِحانًا ﴿وَيَقْدِرُ﴾ يُضيِّقه لمَن يَشاء ابتِلاءً].
والحَقيقة أن التَّوسيع والتَّضييق كِلاهما امتِحان، وكِلاهما ابتِلاء، قال الله تعالى: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ [الأنبياء: ٣٥]، لكن مشَى المُفَسِّر ﵀ على هذا من باب اختِلاف التَّعبير والمَعنَى واحِد.
وقوله ﵀: [﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ به] أي: بهذا البَسطِ والتَّضييق، فمَن آمَن بذلك - أي: بالله وببَسْطه وتَضيِيقه - عرَف بذلك حِكْمة الله .
стр. 360
من فوائد الآية الكريمة:
الْفَائِدَة الأُولَى: تَقرير هؤلاء بأن كل شيء من عِند الله تعالى؛ بَسْط الرِّزْق، وتَضييقُه من عند الله تعالى، وهم يَعلَمون ذلك؛ لقوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَعْلَمُوا﴾ فإن مثل هذا التَّركيبَ يُفيد التَّقرير.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: إثبات المَشيئة لله تعالى؛ لقوله تعالى: ﴿لِمَنْ يَشَاءُ﴾ وليُعلَم أن كل شيء علَّقه الله تعالى بالمَشيئة فإنه مَقرونٌ بالحِكْمة. أي أنه ليسَتْ مَشيئة الله تعالى مَشيئةً مُجرَّدة هكذا، تَأتي عفوًا، بل هي مَشيئة مَقرونة بالحِكْمة، والدليل على ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [الإنسان: ٣٠]، فلمَّا بيَّن أن مَشيئتهم بمَشيئة الله تعالى بيَّن أن ذلك مَبنيٌّ على عِلْمٍ وحِكْمة.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: أن الرِّزْق لا يَحصُل بالحِذْق، وإنما هو من عند الله تعالى: ﴿يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ﴾، فإذا قُلْنا بهذه الفائِدةِ أَشكَل علينا: هل مَعنَى ذلك أن نُبطِل الأسباب؟
والجوابُ: لا، بل نَفعَل أسباب بَسْط الرِّزْق لنَتَحاشَى تَضييقه، قال الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ﴾ [الملك: ١٥]، فأمَر أن نَمشِيَ في مَناكِبها وأن نَأكُل من رِزْقه؛ لأننا إذا مَشَيْنا في المَناكِب وسَعَيْنا في أسباب الرِّزق حصَلَ فأَكَلْنا من الرِّزْق.
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: تَمام مُلْك الله تعالى وسُلطانه؛ لقوله تعالى: ﴿يَبْسُطُ﴾ ﴿وَيَقْدِرُ﴾ وهذا يَدُلُّ على تَمام المُلْك والسُّلْطان، وأنه لا مُعارِضَ له .
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: أن الإيمان وَسِيلة للاهتِداء ومَعرِفة الآيات؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾.
стр. 361
وإذا كان هذا الحُكمُ مُعلَّقًا على هذا الوصفِ، فإن القاعِدة: أن ما عُلِّق على وَصْفٍ فإنه يَقوَى بقُوَّته ويَضعُف بضَعْفه.
إذن: كلَّما قوِيَ الإيمان ظهَر للإنسان من آيات الله تعالى ما لم يَظهَر له مع ضَعْف الإيمان, وكلَّما ضَعُف الإيمان ضَعُفت مَعرِفة الإنسان وإدراكُه للآيات التي يُنزِلها الله من الوَحْيِ والتي يُقدِّرها من القضاء.
стр. 362
الآية (٥٣)
* قَالَ اللهُ : ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر: ٥٣].
ثُمَّ قال الله تعالى: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾.
قوله تعالى: ﴿قُلْ﴾ الخِطاب للنبيِّ ﷺ ؛ لأنه هو الذي أُوحِيَ إليه هذا القرآنُ، واعلَمْ أن القُرآن كلَّه قد قيل للنَّبيِّ ﷺ فيه: ﴿قُلْ﴾، لكن بعضه يُصرَّح فيه بـ ﴿قُلْ﴾، وبعضه لا يُصرَّح؛ لأن قوله : ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ [المائدة: ٦٧]، يَعُمُّ القُرآن كلَّه، فيَجِب عليه أن يَقول للناس القُرآن كلَّه، لكن بعض الآيات أو بعض الأحكام تُصدَّر بـ ﴿قُلْ﴾ للعِناية بذلك، أي: بذلك الحُكمِ المُصدَّر بـ ﴿قُلْ﴾، فهنا يَقول الله تعالى: ﴿قُلْ﴾ أي: قُلْ يا مُحمَّدُ ﴿يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ أي: قُلْ لهم مُبلِّغًا عن الله تعالى أن الله تعالى قال: ﴿يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾.
فقوله تعالى: ﴿قُلْ﴾ يَعنِي: أَبلِغ عِبادي بذلك، أَبلِغْهم بأني أَقول: يا عِبادي، ولا يَصِحُّ أن نَقول: قل أنت يا مُحمَّدُ: يا عِبادي. فتُضيف المَعنَى إلى نَفْسك، بل المَعنَى: أَبلِغْ عِبادي أني أَقول: ﴿يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾، وقُلْنا بهذا التَّفسيرِ؛ لأن
стр. 363
النبيَّ ﷺ لو قال للناس: (يا عِبادي الذين أَسرَفوا على أَنفُسِهم) فإنه لا يَستَقيم الكلام، ولكن المَعنَى: قل للناس. أي: أَبلِغْهم بأني أَقول: ﴿يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾، وفي قِراءة أُخرى: (لَا تُقْنِطوا).
فإن قال قائِل: كيف يُبلِغ النبيُّ ﷺ قولَه تعالى: ﴿يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾؟
فالجَوابُ: المَعنَى هنا: قل مُبلِغًا عَنِّي: يا عبادي. فيَقول الرسول ﷺ مثَلًا: قال ربُّكم: ﴿يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا﴾، فهذا كيفية إبلاغَ هذه الآيةِ.
وقوله تعالى: ﴿يَاعِبَادِيَ﴾ يَشمَل العِباد بالمَعنَى الخاصِّ، والعِباد بالمَعنَى العامِّ، يَعنِي: حتى الكُفَّار، يُقال لهم مثلُ هذا القولِ.
وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ أي: جاوَزوا الحدَّ في الرِّعاية على الأنفُس، والواجِب على الإنسان في رِعاية نَفْسه أن يَرعاها حَقَّ رِعايتها بحيث يَقوم بما يُصلِحها ويَتجَنَّب ما يُفسِدها، فإذا لم يَفعَل فقد أَسرَف على نَفْسه.
فالمُراد بالإِسْراف أنهم جاوَزوا الحدَّ في رِعايتها، وذلك بأن أَوْقَعوها في المَعاصِي أو جنَّبوها الطاعاتِ؛ مثال ذلك: رجُل سرَق، والسرِقة إسراف على النَّفْس؛ لأن الواجِب: حِماية النَّفْس من السرِقة، وكذلك رجُل شرِب الخَمْر، هذا إسراف على النَّفْس، وأيضا رجُل سجَد لصَنَم، فهذا إسراف على النَّفْس؛ لأنه مُجاوَزة للحَدِّ.
وقوله تعالى: ﴿لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ القُنوط واليَأس مَعناهُما مُتَقارِب، لكنهم فرَّقوا بينهما بأن القُنوط أَشَدُّ اليأسِ، وأمَّا اليَأْس فمَعروف أنه عدَم الرجاء وعدَم الأمَل في حُصول الشيء؛ فقوله تعالى: ﴿لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ أي: من رحمة الله لكم؛ فـ (رَحْمة) هنا مُضافة إلى الفاعِل، أي: من رحمة الله تعالى إيَّاكم.
стр. 364
وتَكون الرحمة بأن يَهدِيَ الله الرجُل إلى التَّوْبة والاستِغْفار ويَتوب عليه، فأنت لا تَقنَط من رحمة الله تعالى لا بنَفْسك ولا بغَيْرك، ولكنِ افعَلِ السبَب؛ فلو قال قائِلٌ مُسرِفٌ على نَفْسه: أنا لا أَقنَطُ من رحمة الله. ولكنه يَفعَل المَعصية مُستَمِرٌّ عليها، نَقول: هذا غلَط؛ لأنك إذا استَمْرَرْت على المَعصية فأنت آمِنٌ من مَكْر الله تعالى.
وكلا الطَّرَفين ذَميم: القُنوط من رحمة الله تعالى، والأَمْن من مَكْر الله تعالى، لكن نَقول: افعَلِ السبَب ولا تَقنَط من رحمة الله تعالى.
قال المُفَسِّر ﵀: [(لَا تقْنِطُوا) بكَسْر النون وفتحها، وقُرِئَ بضَمِّها] ففيها ثلاث قِراءات: قِراءتان سَبْعيَّتان وقِراءة شاذَّة ليست سَبْعية؛ لأن مُصطَلَح مُؤلِّف الجَلالَيْن ﵀ إذا قال: (في قِراءة) فهي سَبْعية، وإذا قال: (قُرِئ) فهي شاذَّة، وإذا قال: بفَتْح وضَمِّ فهما سَبْعيتان، فهنا الآنَ قوله تعالى: ﴿تَقْنَطُوا﴾ في النون ثلاث حرَكات: (تقنِطوا) ﴿تَقْنَطُوا﴾ وهاتان سَبعيتان، و (تقنُطوا) وهذه شاذَّة، والقِراءة الشاذَّة لا يُقرَأ بها في الصلاة، لكن يُستَدَلُّ بها في الأحكام إذا صحَّتْ؛ وقال شيخُ الإسلام ابنُ تَيميَّةَ (١) ﵀: بل إذا صحَّتْ، فإنه يُقرَأ بها في الصلاة كما يُستَدَلُّ بها في الأحكام.
والفَرْق بين الشاذَّة والسَّبْعية أن العُلَماء ﵏ اصطَلَحوا أن ما جاء عن طريق القُرَّاء السَّبْعة المَشهورين فهي سَبْعية، وما جاء عن طريقٍ آخَرَ، ولو صحَّ فهو عندهم شاذٌّ.
فالشاذُّ إِذَنْ: ما خرَج عن القِراءات السَّبْع، ولكنه يُحتَجُّ به في الأحكام، ولا يُقرَأ به في الصلاة إلَّا في رأْيِ شيخ الإِسلام ابنِ تَيميَّةَ ﵀ فإنه يَقول: متى صحَّتِ
стр. 365
القِراءة عن النبيِّ ﷺ فإنها تُقرَأ في الصلاة وإن لم تَكُن من القِراءات السَّبْع.
وقال المُفَسِّر ﵀ في تفسير (تَقْنِطُوا): [تَيْأَسوا] والصحيح: أن هذا التَّفسيرَ تقريب؛ لأن القُنوط أشَدُّ اليَأْس، فهو أعلى درَجات اليَأْس فمَعنَى (تَقْنِطُوا) أي: يَبلُغ بكم اليَأْس أَشدَّه.
وقوله تعالى: ﴿مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ يَعنِي: من أن يَرحَمكم الله ؛ لأن الإنسان إذا قنَط من رحمة الله تعالى وأَيِس لم يَتَعرَّض للرحمة؛ لأنه آيِسٌ؛ ولهذا يُقال: اليَأْس مِفتاح التَّرْك. وأَضرِب لكم مثَلًا: حاوِلْ أن تَحُلَّ عُقدةً من خَيْط، فإذا أَعْيَتْك فإنك تَترُكها، وإذا أَيِسْت منها ترَكْتها, لكن بالنسبة لرحمة الله تعالى لا تَيْأَس مهما عمِلت من الذُّنوب والمَعاصِي فلا تَيْأَس.
وهنا نهيٌ وتَعليل: النهيُ في قوله تعالى: ﴿لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾، والتَّعليل في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾.
قال المُفسِّر ﵀: [﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ لمَن تابَ من الشِّرْك ﴿إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾]، قوله تعالى: ﴿يَغْفِرُ﴾ مَأخوذٌ من المَغفِرة، وهي: سَتْر الذَّنْب والتَّجاوُز عنه، وليسَتْ مُجرَّد السَّتْر؛ لأنها مَأخوذة من المِغفَر، وهو ما يُوضَع على الرأس عند الجِهاد للوِقاية، فهو جامِعٌ لأَمْرين: السَّتْر والوِقاية؛ فمثَلًا: الغُتْرة هذه لا نُسمِّيها مِغْفَرًا، وأيضًا الطاقية؛ لأنها مع أنها ساتِرة، لكنها ليسَتْ واقِيةً، لكن بَيْضة الحديد التي تُوضَع على الرأس عند القِتال نُسمِّيها: مِغفَرًا؛ لأنها ساتِرةٌ واقِية، فمَغفِرة الذُّنوب سَتْرها والتَّجاوُز عنها، فأنت إذا قلتَ: (اللهُمَّ اغفِرْ لي) تَسأَل الله تعالى شَيْئين: أن يَستُر ذُنوبك عن غيرك، والثانية أن يَتَجاوَز الله تعالى عنها.
стр. 366
وقوله تعالى: ﴿الذُّنُوبَ﴾ هذه صيغة عُموم، وأكَّد هذا العُمومَ بقوله تعالى: ﴿جَمِيعًا﴾.
وهذه المَغفِرةُ التي أَثبَتَها الله شامِلةٌ لكل ذَنْب فيمَن تاب، فكُلُّ مَن تاب تابَ الله تعالى عليه، ألَا تَرَى قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (٦٨) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا (٦٩) إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾ [الفرقان: ٦٨ - ٧٠]، فهؤلاء جمَعوا بين الشَّرْك وقَتْل النَّفْس، وهو اعتِداءٌ على النُّفوس، والزِّنا وهو اعتِداءٌ على الأعراض والأَخْلاق، ومع ذلك إذا تابوا تابَ الله تعالى عليهم.
وهذه الآيةُ أَجمَعَ العُلَماء ﵏ على أنها في التائِبين؛ لأن الله تعالى قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ ولم يُقيِّد فهي في التائِبين؛ أمَّا غير التائِبين فقد قال الله تعالى فيهم: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨]، فغَيْر التائِبين نَجزِم بأن الله تعالى لا يَغفِر الشِّرْك في حَقِّهم، وما دون الشِّرْك تحت المَشيئة إن شاء عَذَّب وإن شاء غفَرَ.
فلِلإِنْسان حالان:
الحالُ الأُولى: التَّوْبة، فحُكْم ذَنْبه حينئذٍ الغُفران مهما عظُم الذَّنْب.
الحالُ الثانية: عدَم التَّوْبة، يَعنِي: بدون التَّوْبة نَقول: الشِّرْك لا يُغفَر قَطْعًا، وما دون الشِّرْك تحت المَشيئة.
ويُستَدَلُّ بالآية التي ذكَرْناها استِشْهادًا: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ
стр. 367
مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ يَستَدِلُّ بها المُسرِفون على أنفسهم بالمَعاصِي، فإذا نَهَيْتهم عن مَعصية قالوا لك: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾.
ونقول له - بكُلِّ بَساطة -: وهل تَجزِم أنت أنك ممَّن شاء الله تعالى أن يُغفَر له؟
الجَوابُ: لا، إذَنْ أنت على خطَر، وأنت الآنَ فَعَلْت سبب العُقوبة، وكونُكَ يُغفَر لكَ فهذا أَمْرٌ راجِع إلى مَشيئة الله .
وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ الجُملة تَعليلٌ للحُكْم الذي قبلها وهو: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ والجُملة هنا مُؤكَّدة بمُؤكِّدين، هما: (إن) و (هو) ﴿إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾، أمَّا كون (إنَّ) مُؤكَّدة فظاهِر؛ لأن (إِنَّ) من أَدَوات التَّوْكيد.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ كلِمة ﴿هُوَ﴾ لو حُذِفت لاستَقام الكلام بدونها، ويُسمِّيها النَّحويُّون: ضميرَ فَصْل، وبعضُهم يُسمِّيها: عِمادًا, وليس ضَميرَ الشَّأْن، وضمير الشأن هو الضمير الذي يَدُلُّ على القِصَّة، وليس مَوْجودًا، وإنما يَكون في الغالِب مَحذوفًا.
يَقولون: إن في ضمير الفَصْل ثلاثَ فوائِدَ:
الفائِدةُ الأُولى: التَّوْكيد.
الفائِدةُ الثانيةُ: الحَصْر.
الفائِدةُ الثالِثةُ: التَّمييز بين الخَبر والصِّفة.
مثالُه: إذا قُلتَ: زيدٌ هو الفاضِل؛ فالضَّمير في (هو) ضمير فَصْل، ولو قُلتَ: زيدٌ الفاضِلُ. وحذَفْت الضميرَ لاستَقام الكلامُ، ولكن يُحتَمَل أن يَكون (الفاضِلُ) صِفةً، والخَبَر مُنتَظَرًا، ويُحتَمَل أن يَكون (الفاضِلُ) هو الخبَر، فإذا قلتَ: زيدٌ هو
стр. 368
الفاضِل. ارتَفَع الاحتِمال الأوَّلُ، وهو أن يَكون الفاضِل صِفَةً، وتَعيَّن الاحتِمالُ الثاني وهي: أن تَكون خبَرًا.
فاستَفَدْنا إذَنْ من هذا التَّركيبِ: (زَيْدٌ هو الفاضِل) فوائِدَ منها:
أوَّلًا: تَوْكيد الفَضْل في زَيْد.
ثانِيًا: حَصْر الفَضْل في زَيْد.
ثالِثًا: التَّمييز بين الصِّفة والخبَر.
فالآنَ ليس عندنا احتِمال أن تَكون صِفة، هذا من حيثُ المَعنَى في ضمير الفَصْل.
فقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ فيها فائِدتان:
الفائِدةُ الأُولى: التَّوْكيد.
الفائِدة الثانِية: الحَصْر.
أمَّا التَّمييز بين المُبتَدَأ والخبَر فهنا لا حاجةَ له؛ لأن الضميرَ يَقولون: إنه لا يُنعَت ولا يُنعَت به؛ وعليه: فتكون الفائِدة في قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ الحَصْرَ والتَّوْكيد.
أمَّا من حيثُ الإِعْراب فالصحيح: أنه حَرْفٌ لا محَلَّ له من الإعراب، حرفٌ جاء في صورة الاسم، وليس له مَحَلٌّ من الإعراب.
والدليل على أنه لا مَحلَّ له من الإعراب: كثير في القُرآن وغير القُرآن، قال الله تعالى: ﴿لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ﴾ [الشعراء: ٤٠]؛ لأنه إذا كان له مَحلٌّ من
стр. 369
الإعراب صار محَلُّه الرفعَ وما بعده خبَر، ولكنه ليس له مَحَلٌّ من الإعراب، بل جاء عِمادًا أو جاء فَصْلًا.
وقوله تعالى: ﴿الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ سبَقَ أن مَعنَى (المَغفِرة) سَتْر الذَّنْب والتَّجاوُز عنه.
وقوله تعالى: ﴿الرَّحِيمُ﴾ أي: ذو الرحمة التي يَحصُل بها المَطلوب، فالرَّحْمة يَحصُل بها المَطلوب، والمَغفِرة يَزول بها المَرهوب، فالجَمْع بين الاسمَيْن الكريمين يُفيد السَّعادة الكامِلة، فالنَّجاة من المَرهوب في قوله تعالى: ﴿الْغَفُورُ﴾؛ لأن هذا مَغفِرة للذَّنْب، وحُصول المَطلوب في قوله تعالى: ﴿الرَّحِيمُ﴾؛ لأن الرحمة يَحصُل بها المَطلوب والخَيْرات والنِّعَم، وبزَوال المَرهوب وحُصول المَطلوب يَتِمُّ الفَوْز، قال الله جَلَّ وَعَلَا: ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ﴾ [آل عمران: ١٨٥] فقوله تعالى: ﴿زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ﴾ فيه النَّجاة من المَرهوب؛ وقوله : ﴿وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ﴾ فيه حُصول المَطلوب ﴿فَقَدْ فَازَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾: ﴿الْغَفُورُ﴾ مَعناه: الذي يَستُر الذَّنْب ويَتَجاوَز عنه، وهو مُشتَقٌّ من المِغفَر وهو الذي يَستُر الرَّأْس ويَقيه.
وقوله ﵀: [﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ لمَن تاب مِن الشِّرْك]، وكذلك مَن تاب مِن غيره ممَّا دونَه، لكن ذَكَر المُفَسِّر ﵀ الشِّرْك؛ لأنه أَعظَمُ الذُّنوب؛ ولأنه لا يُغفَر إلَّا بتَوْبة، وإذا تاب الإنسان من الشِّرْك وبَقِيَ على شيء من المَعاصي كان يَقوم بها في حال كُفْره، فهل تُغفَر هذه المَعاصِي أو لا بُدَّ لها من تَوْبة؟
الصحيحُ: أنه لا بُدَّ لها من تَوْبة كما لو كان يَشرَب الخَمْر وهو كافِر، ثُم أَسلَم وبَقِي على شُرْب الخَمْر، فإن إسلامه لا يُوجِب أن يَسقُط عنه إِثْم شُرْب الخَمْر؛ لأنه
стр. 370
لم يَتُبْ منها, لكن إذا تاب من الشِّرْك ولم يُصِرَّ على المَعاصي الأُخرى، ولم تَطرَأ له على بالٍ فإن جميعَ ذُنوبه تُغفَر.
فالتائِبُ من الشِّرْك في الحقيقة له ثلاث حالات:
١ - إمَّا أن يَستَحضِر أنه تاب من الشِّرْك ومن جميع المَعاصي التي كان يَعلَمها، فهذا لا شكَّ في أن تَوبَتَه تَعُمُّ كلَّ ذَنْب.
٢ - وإمَّا أن يَتوب من الشِّرْك مع الإصرار على بعض المَعاصي التي كان يَفعَلها في حال الشِّرْك، فهنا لا تُغفَر له هذه المَعاصي التي أَصَرَّ عليها؛ لأنه استَمَرَّ فيها مثل أن يَكون مُعتادًا لشُرْب الخَمْر في حال كُفْره فيُسلِم وهو مُصِرٌّ على شرب الخَمْر، فإنه لا يُغفَر له ما قد سلَفَ من الذُّنوب؛ قال تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: ٣٨].
٣ - وإمَّا أن يَتوب من الشِّرْك ولم يَطرَأ على باله بَقية المَعاصي، لكنه لم يَفعَلها بعد إسلامه، يُغفَر له جميع الذُّنوب؛ لأنها تَندَمِج الصِّغار بالكِبار فيُغفَر له جميع الذُّنوب.
فإن قال قائِل: هل يَجزِم الإنسان إذا تاب من الذَّنْب أن الله تاب عليه؟
فالجَوابُ: نعَمْ، إذا تُبتَ توبةً نَصوحًا، فإن الله تعالى يَقبَلها, لكن مَن الذي يَقول: إن تَوبته نَصوحًا، فالمُشكِل الذي يَكون من فِعْل العَبْد لا من فِعْل الربِّ، فالربُّ إذا وقَع فِعْل العَبْد على ما يَرْضاه حصَل مَوعودُه؛ لأن الله تعالى لا يُخلِف المِيعاد، لكن الذي يَكون محَلَّ إشكال هو فِعْل العَبْد، هل هذه التَّوْبةُ توبة نَصوح على حسَب ما رُسِم في الشَّرْع؟ فنحن نَجزِم، لكن قد يَكون في قلب الإنسان بِلاء، فقد يَكون عنده شيءٌ من الرِّياء، أو يَكون عنده شيءٌ من المَنِّ على الله ، وغير ذلك من الأسباب، فحينئذ تَكون التَّوْبة غيرَ نَصوح.
стр. 371
مثل أن يَتوب الإنسان مثَلًا من نظَر المَرأة الأجنبية، لكنه لا يَتوب من غَمْز المَرأة الأجنبية، فالتَّوْبة الأُولى لا تُقبَل؛ لأنه لم يَتُبْ من الذَّنْب الذي هو من جِنْس ذَنْبه، وكذلك إذا تاب الإنسان مثلًا من رِبا النَّسيئة، ولكنه رابَى رِبَا الفَضْل، فهذه توبة غيرُ نَصوحٍ.
ولهذا نَقول: مَن تاب إلى الله تَوْبةً نَصوحًا فإنه مَقبول التوبة، ومَنِ اختَلَّ فيه النُّصْح فليس مَقبولَ التوبة.
وقوله تعالى: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ هذه الجُملةُ مَوْقعها ممَّا قَبْلَها أنها تعليلٌ للنَّهيِ عن القُنوط، يَعنِي: لا تَقنَطوا فإن الله تعالى يَغفِر الذنوب جميعًا إذا استَغفَرْتُموه، وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ تعليلٌ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ تعليل لقوله تعالى: ﴿لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ فهو تَعليلٌ لتَعليلٍ.
من فوائد الآية الكريمة:
الْفَائِدَة الأُولَى: وُجوب إبلاغَ الرسول ﷺ عن الله تعالى هذا القولَ، ويُؤخَذ ذلك من قوله تعالى: ﴿قُلْ﴾؛ لأن الأصل في الأَمْر: الوجوب، لا سيَّما وأن هذا إبلاغٌ للرِّسالة، وإبلاغ الرسالة واجِبٌ.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: عِناية الله بهذا الأَمرِ، أي: بإبلاغ عِباده أنه يَغفِر الذُّنوب جميعًا، حيث أمَرَ نَبيَّه أمرًا خاصًّا بأن يُبلِغ الناس بالإِسلام، بأن يُبلِغ الناس هذه القَضيةَ، فالقُرآن كلُّه أُمِرَ النبيُّ ﷺ أن يُبلِغه؛ لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ [المائدة: ٦٧]، لكن هناك أشياءُ خاصَّة يَنُصُّ الله تعالى عليها أن يُبلِغها،
стр. 372
وهذا يَقتَضي العِناية بها، مثل قوله تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ , ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ﴾ [النور: ٣٠ - ٣١]، وقوله ﵎: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا﴾ [الزمر: ٥٣]، فهذه تَوْصية خاصَّة بأن يُبلِغها الرسول ﷺ إلى الأُمَّة، فيَقتَضِي ذلك العِناية بهم.
ولْيُنتَبَهْ لهذه النُّقْطةِ: فإذا صدَّر الله تعالى الحُكْم بـ ﴿قُلْ﴾ دليل على العِناية به؛ لأن هذا أَمْر بإبلاغه على وجه الخُصوص، أمَّا القرآن فأُمِر أن يُبلِغه على سبيل العُموم؛ لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: أن الخَلْق كلَّهم عِباد الله تعالى ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا﴾؛ لأن العِباد هنا المُراد بها: العِبادة العامة.
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أن مَن تاب إلى الله تعالى تاب الله تعالى عليه من الشِّرْك فما دونَه، وهذا أمرٌ مُجمَعٌ عليه، لكن اختَلَف العُلَماءُ ﵏ فيمَن قتَل نَفْسًا عمدًا هل له من تَوْبة؟
فرُوِيَ عن ابن عباس ﵄ أنه لا تَوبةَ لقاتِل (١)، فأَخَذ بها بعض العُلَماء ﵏ وقالوا: إن القاتِل لا تَوبةَ له ولو تاب، ولكن هذا ليس بصحيح؛ لأنه مُخالِف للآيات والأحاديث الدالَّة على قَبول توبة التائِب من الشِّرْك فما دونَه.
ويَدُلُّ على بُطلان هذا القولِ قولُه تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (٦٨) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا (٦٩) إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ
стр. 373
عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الفرقان: ٦٨ - ٧٠].
فهُنا ذكَر الله تعالى القَتْل، وذكَر الشِّرْك، وذكَر الزِّنا، وأَخبَر أن مَن تاب وآمَن وعمِل عمَلًا صالِحًا فيُعطَى زِيادةً على تَوْبته بأن يُبدِّل الله تعالى سيِّئاتِه حَسَناتٍ.
ومن السُّنَّة: ما قصَّه علينا رسول الله ﷺ عن رجُلٍ أَسرَف على نَفْسه فقَتَل تِسعًا وتِسْعين نَفْسًا، ثُم سأَل عابِدًا من العُبَّاد: هل له من تَوْبة وقد قتَل تِسْعًا وتِسْعين نفسًا؟ فاستَعظَم العابِد هذا الذَّنبَ، وقال: ليس لك تَوْبة، تَقْتُل تِسعًا وتِسْعين نَفْسًا، ثُمَّ تَأتِي لتَقول: لي تَوْبة؟! ليس لك تَوْبة! فأَكمَل به المئة فقتَلَه، فأَتَمَّ به المئة؛ ثُمَّ دُلَّ على عالِمٍ، فسَأَله قال: إنه قتَل مئة نَفْس فهل له من تَوْبة؟ قال: نعَمْ، ومَن يَحول بينَك وبين التَّوْبة؟!
وهذا يَدُلُّكم على فَضْل العِلْم، وعلى قُبْح الجَهْل، فالجاهِل جنَى على نَفْسه، وأَيَّس هذا الآخَرَ من رحمة الله تعالى، فكان جَزاؤُه أن قُتِل.
فقال له العالِم: نعَمْ، ومَن يَحول بينك وبين التَّوْبة، ولكن أنت في قَرْيةٍ أهلُها ظالِمون اذهَبْ إلى القَرية الفُلانية - يَعنِي: فإنها مَرتَعٌ خَصْب لك - فذهَب، وفي أثناء الطريق جاءَه المَوْت، فأَرسَل الله تعالى إليه مَلائِكة الرحمة ومَلائِكة العَذاب فتَنازَعوا، فمَلائِكة الرحمة تَقول: أنا أَقبِض رُوحه؛ لأن الرجُل جاء تائِبًا مُهاجِرًا، ومَلائِكة العَذاب قالت: أنا أَقبِض رُوحه؛ لأن الرجُل مُسرِف ولم يَصِل إلى بلده الذي هاجَر إليها.
فأَرسَل الله تعالى إليهم حَكَمًا يَحكُم بينهم، وقال: قيسوا ما بين القَرْيتين فإلى أَيَّتِهما كان أقرَبَ فهو من أهلها، فقاسوا فوجَدوه أقرَبَ إلى القَرية الصالِحة بقليل
стр. 374
- بنحو شِبْر -، وقد قيل: إنه كان إلى غير الصالِحة أقرَبَ، لكنه في سِياق الموت من شِدَّة رَغْبته في الأرض الصالِحِ أهلُها كان يُزَحزِح نَفْسه، فقَبَضَتْه مَلائِكة الرحمة (١).
قالوا: فإذا كان هذا في الأُمَم السابِقة فهذه الأمةُ أَكرَمها الله تعالى من الأُمَم السابِقة، فكيف لا يَكون لها تَوْبة للقاتِل تَوْبة؟!
إذَنِ القول الراجِحُ: أن الآية هذه عامَّة حتى للقاتِل له تَوْبة، وقد حمَل ابنُ القيِّم (٢) ﵀ ما رُوِيَ عن ابن عبَّاس ﵄ مَحمَلًا حسَنًا، فقال: إن قَتْل العَمْد تَتَعلَّق به ثلاثة حُقوق: حقُّ الله تعالى، وحقُّ الميت، وحقُّ أَوْليائه: أمَّا حقُّ الله تعالى فإنه يَسقُط بالتَّوْبة بلا إشكالٍ، ولا يَخفَى مثل هذا عن ابن عبَّاس ﵄؛ وأمَّا حقُّ الميت فلا يُمكِن إسقاطه الآنَ في الدنيا؛ لأنه انتَقَل عن الدُّنيا وسيُطالِب بحقِّه يومَ القيامة؛ وأمَّا حقُّ أَوْلياء المَقتول بأن يُسلِّم نَفْسه لهم، فإذا سلَّم نَفْسه لهم، فهذا دليل على صِدْق تَوْبته وتَبرَأ ذِمَّته؛ هذا ما وجَّه ابنُ القيِّم ﵀ كلامَ ابنِ عباس ﵄ إليه.
وعِندي أنه إذا تاب: تاب الله عليه حتى عن حقِّ الميت المَقتول، والله يَتَحمَّل حقَّ المَقتول يوم القِيامة ويُرضِيه.
وذلك لعُموم الأدِلَّة الدالَّة على أن مَن تاب من الذَّنْب وإن عظُم فإن الله تعالى يَتوب عليه، فإذا جاء هذا الرجُل تائِبًا وسلَّم نَفْسه لأَوْلياء المَقتول وقال: أنا الآنَ بين أيديكم إن شِئْتم القِصاص أو الدِّيَة أو العَفْو، فهذا أعلى ما يَقدِر عليه، وقد قال الله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦].
стр. 375
فالقولُ الصحيحُ عندي: أنه يُعفَى عنه حتى حق المَقتول، وذلك بأن يَتَحمَّله الله تعالى يومَ القِيامة.
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: أن المُذنِب مُسرِفٌ على نَفْسه ظالِمٌ لها؛ لقوله تعالى: ﴿أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾، ويَدُلُّ لهذا قوله : ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ [هود: ١٠١].
والعَجيب: أن الظالِم لنَفْسه بالمَعصية إذا قِيل له: لماذا؟ قال: هذا القَضاءُ والقدَر! عسَى الله تعالى أن يَهدِيَني! وإذا ظلَمه أحَد بالضَّرْب فقال: لِمَ تَضرِبُني؟ قال: والله يا أخي، هذا قَضاء وقدَر؛ فلا يَرضَى بهذه الحُجَّة، وهو بظُلْمه لنَفْسه يَرضَى، وهذا تَناقُض عَجيب؛ يَعنِي: إذا ظلَمْت نَفْسك أَبَحْت أن تَحتَجَّ بالقَدَر، وإذا ظلَمك غيرُك لم تُبِحْ له أن يَحتَجَّ بالقدَر، وهذا جَوْر في الحُكْم وتَناقُض، فكيف تَرضَى أن تَظلِم نَفْسك ولا تَرضَى أن يَظلِمك غيرُك ويَحتَجَّ بالقدَر؟!.
الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: تَحريم القُنوط من رحمة الله؛ لقوله تعالى: ﴿لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾، وجهُ الدَّلالة: أن الأصل في النَّهيِ التحريمُ، وقد دلَّتِ السُّنَّة على أن القُنوط من رحمة الله من كبائر الذُّنوب؛ لأنه ظنَّ ما لا يَليق بالله جَلَّ وَعَلَا، فإن اللائِق بالله أن مَن لَجَأ إليه فإنه أَكرَم الأكرَمين لا يُخيبه، فإذا قنَطْتَ من رحمته فقد استَهَنْتَ بحَقِّه ؛ ولهذا كان القُنوط من رحمة الله من كبائِر الذُّنوب.
الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: إثبات الرحمة لله تعالى؛ لقوله ﵎: ﴿لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾، والرحمة نوعان: مَخلوقة، وغيرُ مَخلوقة، فما كان من الإنعام والإحسان فهو مَخلوق، وما كان صِفةً للربِّ فهو غير مَخلوق؛ ولهذا قال الله ﵎ في الجَنَّة:
стр. 376
"أَنْتِ رَحْمَتِي أَرْحَمُ بِكِ مَنْ أَشَاءَ" (١)، مع أن الجَنَّة مَخلوقة، لكنها من آثار الرحمة.
وإذا وُلِد لشَخْص ولَدٌ، أو عاد إليه ضالٌّ من ماله، أو ضائِع من ماله، قال: والله هذا رحمة الله. فهذه الرحمةُ مَخلوقة؛ لأنها إحسان وإنعام، فإذا أُطلِقَتِ الرحمة على الإحسان والإنعام فهي مَخلوقة، وإذا أُطلِقَت على صِفة الله تعالى فهي غير مَخلوقة.
الْفَائِدَةُ الثَّامِنَةُ: أن رَحمة الله تعالى سبَقَتْ غَضَبه، وذلك بكونه يَغفِر الذُّنوب جميعًا بالتوبة.
الْفَائِدَةُ التَّاسِعَةُ: أن الذُّنوب مهما عظُمت فإن الله يَغفِرها؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ كلَّ الذُّنوب؛ لأن الله تعالى ذكَرها بـ ﴿الذُّنُوبَ﴾، وأكَّد هذا العُمومَ بقوله تعالى: ﴿جَمِيعًا﴾، لكن هذا في حقِّ التائِبين.
الْفَائِدَةُ الْعَاشِرَةُ: أن ظاهِرها مَغفِرة الذُّنوب للتائِبين وإن كان الذَّنْب للمَخلوق، يَعنِي: لو اعتَدَيْت على شخص ثُم تُبتَ إلى الله تعالى فإن الله تعالى يَتوب عليك، ولو كان الذَّنْب للمَخلوق، لكننا اشتَرَطْنا أن تَتَوب، ومن تَمام التَّوْبة: أن تُوفَّيَ للمَخلوق حقَّه إن قدَرْت عليه، فإن لم تَقدِر عليه فأَوْفِه ولو بظَهْر الغَيْب.
ونحن نَضرِب لهذا مثَلًا: فإذا أَخَذت من شخصٍ مالًا بغير حَقًّ فهذا ذَنْبٌ فإذا تُبْت إلى الله تعالى يَغفِر الله تعالى لك الذَّنْب لا شَكَّ، لكن من تَمام التوبة أن تُوصِّل المال إلى صاحِبه، فإن مات فإلى ورَثَته، وإذا أدَّيْت إلى ورَثَته بَرِئَت ذِمَّتك منه.
لكن بَقِي ظُلْمك للمَيِّت الذي حُلْت بينه وبين ماله، هل تُحاسَب عليه أو لا تُحاسَب؟ إن قُلْت: لا تُحاسَب فسيَقول لك قائِل: كيف يَتَخلَّص الإنسان من ظُلْم
стр. 377
الميت الذي حال بينه وبين ماله؟ وهذا صحيح؛ فأنت وإن بَرِئَت ذِمَّتك بأداء المال إلى مُستَحِقِّه بعد موت صاحِبه، لكن المُشكِل أن صاحبه حِيل بينه وبينه في حال حَياته، لو كان عنده لاشتَرى بيتًا، أوِ اشتَرى سَيَّارة، أو تَزوَّج، فحُلْت بينه وبينه، فهل يَسقُط عنك حقُّه بتَوْبتك أم لا؟
نَقول: ظاهِر الآيات الكريمة: أنه يَسقُط حقُّه عنك أنت، لكن الله تعالى يُوفِّيه من عنده؛ لأنك الآنَ لا تَستَطيع أن تَتَوصَّل إلى هذا الميتِ لتُعطِيَه حقَّه، والذي تَستَطيعه أن تُؤدِّيَه إلى ورَثته وقد فعَلْت.
مثالٌ آخَرُ: أخَذْت مالًا من شَخْص، ثُمَّ نَسِيت الشخص، ثُم تُبْت، فما هو الطريق إلى التوبة، أو الخُروج من حَقِّ الرجُل؟
الجَواب: أتصدَّق به عنه، وإذا تَصدَّقت به عنه استَفاد من هذا المالِ في الآخِرة.
لكن قد يَقول قائِل: لكنك حُلْت بينه وبينه في الدنيا، وقد يَكون له غرَضٌ في المال في الدنيا.
فأَقول: نعَمْ، أنا حُلْت بينه وبينه في الدنيا، لكِنْ عَجْزًا مِنِّي أن أَصِل إليه، والذي قَدَرْته من التَّوْبة فعَلْته، وهو الصَّدَقة به عنه؛ فهل يَبرَأ بَراءةً تامَّة بحيث لا يُطالِبه صاحِب المال في الآخِرة؟ الجَوابُ: نَقول ظاهِر النُّصوص: نعَمْ، يَبرَأ.
مثالٌ آخَرُ: قتَلْت نَفْسًا، ثُم تُبْتَ إلى الله من قَتْل النفس، فمِن تمَام توبتك أن تُسلِّم نَفْسك لوَرَثة المَقتول، تَقول: أنا الذي قتَلْت صاحِبَكم، وأنا الآنَ بين أيديكم. فإذا سلَّمْت نَفْسَك له بَرِئَت ذِمَّتك، لكن يَبقَى عندنا حقُّ المَقتول الذي حُلْت بينه وبين بَقائه في الدُّنيا، فهل تَبرَأ منه بالتَّوْبة؟
стр. 378
الجَوابُ: نعَمْ تَبرَأ منه بالتَّوْبة؛ لعُموم الآية، لكن لا يَضيع حقُّ المَقتول، بل يَتَحمَّله الله عنك له، وهذا من فَضْل الله أن يَعفوَ عن حقِّه ويَتَحمَّل عنك حقَّ الآخَرين.
فإذا قال قائِل: ما هو الدليل على ما قُلْتم، وكيف يَسقُط عنه حقُّ الآدَميِّ؟
قُلنا: الدليل على هذا قولُه تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا﴾ [الفرقان: ٦٨] هنا فيها حقٌّ لله تعالى، وحقٌّ للمَخلوق بالدَّمِ، وحقٌّ للمَخلوق بالعَرْض إن كان قد زنَى مُكرَهًا بالمَزنيِّ بها، وقد قال : ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (٦٨) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا (٦٩) إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾ [الفرقان: ٦٨ - ٧٠]، حتى في القاتِل يُبدِّل الله تعالى سيِّئاتِه حسَناتٍ.
فإذا قيل: كيف يَضيع حَقُّ المَقتول؟
فالجَوابُ: لا يَضيع؛ لأن الله تعالى يَتَحمَّله عنه، وهذا من فَضله ﵎.
إذن نَقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ ظاهِر الآية: العُموم، يَغفِر الذُّنوب جميعًا سواءٌ ممَّا يَتعَلَّق بحقِّ الله تعالى، أو بحَقِّ العِباد، لكن ما يَتَعلَّق بحقِّ العِباد إذا تَعذَّر إيصاله إليهم في الدُّنيا فإن الله تعالى يَتَحمَّله في الآخِرة.
مَسأَلةٌ: إذا اغتَبْت شَخْصًا فهل لا بُدَّ أن تَذهَب إليه؟
الجَوابُ: يَعنِي مع القُدْرة، وهذا الصحيحُ، لكن قال بعضهم: إذا اغتَبْت شخصًا لا بُدَّ أن تَذهَب إليه وتَستَحِلَّه مُطلَقًا. وبعضُهم فصَّل فقال: إن كان قد عَلِم
стр. 379
فلا بُدَّ أن تَستَحِلَّه لأنه حمَل عليك في نَفْسه، وإن لم يَكُن علِم فأَثْنِ عليه في المَواطِن التي كنت تَغتابه فيها ويَكفِي. وهذا التَّفصيلُ جيِّد؛ لأنك لو ذهَبْت إليه وقلت: إني اغتَبْتُك. وهو لم يَعلَم أَنشَأْت في نفسه عليك ما تُنشِئُه، لكن إذا استَغْفَرت له وأَثنَيْت عليه في المكان الذي أنت اغتَبْتَه فيه حصَل المَطلوب.
مَسأَلةٌ: إذا سرَق مُسلِم من كافِر ولم يَعلَم به فماذا يَفعَل؟
الجَوابُ: إن كان الكافِر حَرْبيًّا فالمال له، وإن كان له عَهْد فإنه يُسلِّمه إلى بيت المال؛ لأن بيت المال يَتقبَّل الأموال التي لا يُعرَف مالِكُها، فإن لم يَكُن هناك بيت مال فلْيَتخَلَّص منه بالصدَقة، لكن الكافِر لا يُثاب على هذه الصَّدَقةِ إلَّا إن أَسلَمَ.
الْفَائِدَةُ الحَادِيَةَ عَشْرَةَ: إثبات اسمَيْن من أسماء الله تعالى عَظيمين يَقتَرِنان كثيرًا في القُرآن، هما: (الغَفور) و (الرَّحيم).
ووجهُ اقتِرانهما: أن بالأوَّل زوال المَكروه، وبالثاني: حُصول المَطلوب، فيَتَكوَّن من اجتِماعهما وَصْفٌ زائِد على الوَصْف عند انفِرادهما؛ لأنه إذا انفرَد (الغَفور) استَفَدْنا المَغفِرة منه وإن انفَرَد (الرحيم) استَفَدْنا الرحمة، لكن إذا اجتَمَعا استَفَدْنا فائِدة جديدة، وهي: أن مَغفِرة الله مَقرونة برَحْمته، فهو جامِع بين المَغفِرة والرحمة.
وهذان الاسمان من الأسماء المُتعَدِّية ﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ﴾ وأيضًا ﴿يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَرْحَمُ مَنْ يَشَاءُ﴾ [العنكبوت: ٢١]، والأسماءُ المُتعَدِّية قال العُلَماء ﵏: لا يَتِمُّ الإيمان بها إلَّا بثلاثة أمور: الإيمان بالاسْمِ، والإيمان بما تَضمَّنه من صِفة، والإيمان بالحُكْم المُترَتِّب على تِلكَ الصِّفةِ، الذي يُطلَق عليه بعضهم: الأثَر.
فالإيمان بالاسم هنا (الغَفور) فنُؤمِن بأن الغَفور من أسماء الله تعالى؛ ونُؤمِن بأن لله تعالى مَغفِرة دَلَّ عليها اسمُ الغَفور، ونُؤمِن أيضًا بما تَضمَّنه ذلك؛ فإنه يَدُلُّ
стр. 380
على المَغفِرة ويَدُلُّ على العِلْم؛ لأنه لا يَغفِر ما لا يَعلَمه، ودَلالته على العِلْم من باب دَلالة الالتِزام؛ لأن المادَّة (غ. ف. ر) ليس فيها (ع. ل. م)، فيَكون هذا من باب الالتِزام.
إذَنِ: (الغَفور) اسمًا، و (المَغفِرة) وَصْفًا، و (يَغفِر الذُّنوب) حُكْمًا، وكذلك نُؤمِن بـ (الرحيم) اسمًا، وبـ (الرحمة) صِفة، وبأنه (يَرْحَم) حُكْمًا. غفَرَ الله تعالى لنا ولكُمْ ورَحِمنا وإيَّاكم.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ: أن أحكام الله تعالى من مُقتَضى أسمائه وصِفاته أحكامٌ جَزائية؛ فلِكَوْنه غَفورًا رحيمًا كان ذا مَغفِرة فغفَر لمَنْ تاب.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ: الإشارة إلى أن الإنسان بعد التَّوْبة قد يَكون خَيْرًا منه قبلَها وقبل فِعْل الذَّنْب؛ لقوله تعالى: ﴿الرَّحِيمِ﴾؛ لأن الرحمة تَقتَضي عَطاءً جديدًا، وهذا هو المُشاهَد، فإن الله ذكَر عن آدَمَ أنه لمَّا عصَى ربَّه وغوَى وتاب قال: ﴿ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى﴾ [طه: ١٢٢]، وهذه المَنقَبة - وهي الاجتِباء والهِداية - لم تُذكَر له قبلُ.
والإنسان إذا أَذنَب ونَدِم يُحِسُّ من نَفْسه رجوعًا إلى الله تعالى وشِدَّة افتِقاره إليه، بخِلاف ما إذا كان مُستَقيمًا على طاعة الله تعالى فإنه لا يُحِسُّ بالرجوع إلى الله والإنابة إليه، وربما يُصاب بالغُرور بأنه لم يُذنِب؛ ولهذا جاء في الحديث الصحيح الذي رواه مُسلِم: "لَوْ لَمْ تُذْنِبُوا لَذَهَبَ اللهُ بِكُمْ ثُمَّ جَاءَ بِقَوْمٍ يُذْنِبُونَ وَيَسْتَغْفِرُونَ الله فَيَغْفِرُ لَهمْ" (١).
стр. 381
إذن نَقول: إن الإنسان إذا تاب إلى الله تعالى فقَدْ يَكون بعد التَّوْبة خَيرًا منه قَبْلها، وقد يَكون بالعَكْس، لكن هذا أمرٌ حصَل قَدَرًا في آدَمَ، وكذلك شَرْعًا، كما تَدُلُّ عليه هذه الآيةُ: ﴿إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾.
стр. 382
الآية (٥٤)
* قَالَ اللهُ : ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ﴾ [الزمر: ٥٤].
قوله تعالى: ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ﴾ الإنابة بمَعنَى: الرجوع التامِّ إلى الله تعالى، ويكون بالإقلاع عن المَعصية والانضِمام في سِلْك الطائِعين. يَعنِي: أن الإنابة لا يَصْدُق الاتِّصاف بها إلَّا بالرُّجوع إلى الله تعالى من المَعصية إلى الطاعة ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ﴾.
وفي قوله تعالى: ﴿إِلَى رَبِّكُمْ﴾ هنا الرُّبوبية يُحتَمَل أن تَكون عامَّة، ويُحتَمَل أن تَكون خاصَّةً، فهي بعد الإنابة من الرُّبوبية الخاصَّة.
وقوله تعالى: ﴿وَأَسْلِمُوا لَهُ﴾ أي: انقادُوا له، فالإنابة تَكون بالقَلْب بالرجوع إلى الله تعالى، يُنيب الإنسان أي: يَرجع إلى الله تعالى، ﴿وَأَسْلِمُوا لَهُ﴾ أيِ: انقادُوا له؛ لأن الإِسلام والاستِسْلام، وهذه المادَّةُ كلُّها تَدُلُّ على الانقياد.
وقوله تعالى: ﴿وَأَسْلِمُوا لَهُ﴾ اللَّام في: ﴿لَهُ﴾ للاختِصاص، وسيَأتي أنها تُفيد وُجوب الإخلاص.
قال المُفَسِّر ﵀: [﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ﴾ ارجِعوا ﴿وَأَسْلِمُوا﴾ أَخلِصوا العمَل ﴿لَهُ﴾] يَعنِي: ارجِعوا إلى ربِّكم من مَعاصيه إلى طاعته، ومن البُعْد عنه إلى القُرْب،
стр. 383
وهذه الإنابةُ هي عمَل القَلْب، وهو رُجوع القَلْب إلى الله .
وفي تَفسيره الإِسلام بالإخلاص نظَر، فالإِسلام هو الانقِياد وهو الاستِسْلام لله تعالى ظاهِرًا وباطِنًا؛ فقوله تعالى: ﴿وَأَسْلِمُوا لَهُ﴾ أيِ: استَسْلِموا له واخضَعوا لشَرْعه، وهذا عمَل الظاهِر، وهو عمَل الجَوارِح، فالإنابة بالقَلْب والإِسلام بالجَوارِح؛ قال ﵀: [﴿وَأَسْلِمُوا لَهُ﴾ أَخلِصوا العمَل ﴿لَهُ﴾]، وأَخَذ المُفَسِّر الإخلاص من قوله تعالى: ﴿لَهُ﴾ أي: لله تعالى كما قال تعالى: ﴿فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ﴾ [آل عمران: ٢٠]، فهذه الآيةُ فيها الأَمْر بالإنابة وهي في بالقَلْب، والأَمْر بالاستِسْلام له، وهي بالجَوارِح، والإخلاص مُستَفاد من اللَّام المَذكورة في قوله تعالى: ﴿لَهُ﴾.
وقوله : ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ﴾ مُتعلِّقة بـ ﴿وَأَنِيبُوا﴾ و ﴿وَأَسْلِمُوا﴾ فقد تَنازَعها العامِلان.
وقوله تعالى: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ﴾ يَعنِي: من الله تعالى ﴿ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ﴾ يَعنِي: لا تُمنَعون من عَذاب الله تعالى.
وقوله تعالى: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ﴾: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ﴾ في الدُّنيا، قبل أن تَتَوقَّعوا ذلك، ثُمَّ إذا أَتاكم ﴿لَا تُنْصَرُونَ﴾ أي: لا تُمنَعون من هذا العَذابِ؛ لأنَّ الله تعالى إذا أَراد بقومٍ سُوءًا ﴿فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ﴾ [الرعد: ١١] أي: من مُتولٍّ يَنصُرهم.
قال ﵀: [﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ﴾ بمَنْعه إن لم تَتوبوا] قوله ﵀: [إن لم تَتوبوا] راجِعٌ إلى قوله تعالى: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ﴾؛ لأننا إذا تُبْنا رفَعَ الله العَذاب عنَّا.
стр. 384
وقول المُفَسِّر ﵀: [إن لم تَتوبوا] لا حاجةَ إليها؛ لأن الله تعالى قال: ﴿وَأَنِيبُوا﴾ ﴿وَأَسْلِمُوا﴾ مِن قَبْل هذا الشيءِ، وإذا أَناب وأَسلَم قبل هذا الشيءِ فقد تاب وحينئذٍ لا يَنزِل به العذاب.
من فوائد الآية الكريمة:
الْفَائِدَة الأُولَى: وُجوب الإنابة إلى الله تعالى؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ﴾ والأصل في الأَمْر الوجوبُ إلَّا بدليل.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: وجوبُ الإِخْلاص له؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَسْلِمُوا لَهُ﴾ وكذلك ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ﴾.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: أنه لا بُدَّ من الإِسلام لله تعالى ظاهِرًا وباطِنًا، فمَن أَسلَم قَلْبه لله تعالى لزِم أن يُسلِم جَوارِحه لله تعالى؛ لقول النبيِّ ﷺ : "أَلا وَإِنَّ في الجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الجَسَدُ كلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الجَسَدُ كلُّهُ" (١). ومَن أَسلَم ظاهِرًا لا باطِنًا فإن إسلامه لا يَنفَعه كإسلام المُنافِقين، فالإِسلام يَكون في الباطِن وَيتبَعه الإِسلام في الظاهِر، وَيكون في الظاهِر دون الباطِن، ولا يَكون في الباطِن دون الظاهِر؛ لأنه إذا أَسلَم قَلبُه لله تعالى أَسلَمَتْ جوارِحُه: "أَلا وَإِنَّ في الجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الجَسَدُ كلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الجَسَدُ كُلُّهُ"، وأمَّا المُكرَه فإنه لا حُكمَ لفِعْله؛ لأنه سقَط عنه التَّكليف.
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: الحذَر من نُزول العَذاب عند المُخالَفة؛ لقوله تعالى: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ﴾ فلا أحَدَ يَأمَن عَذاب الله تعالى، فأَنت إذا لم تَتُبْ إلى الله
стр. 385
تعالى مُبادَرةً فإن العَذاب ربما يَنزِل بكَ.
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: أنه إذا نزَل العذاب من عند الله تعالى فلا أحَدَ يَمنَعُه؛ لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ﴾، وتَأمَّلْ قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ﴾ أتَى بـ ﴿ثُمَّ﴾ الدالَّةِ على المُهْلة، يَعنِي: مهما طلَبْتم من ناصِر وطالَتْ مُدَّة طلَبكم للناصِر فإنكم لن تَجِدوا مَن يَنصُرُكم من عذاب الله تعالى.
стр. 386
الآية (٥٥)
* قَالَ اللهُ : ﴿وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ [الزمر: ٥٥].
قوله تعالى: ﴿وَاتَّبِعُوا﴾ أيِ: الزَمُوا العمَل بأَحسَن ما أُنزِل إليكم من ربِّكم، والعملُ يَقتَضي العمَلَ القَلْبيَّ والعمَل اللِّسانيَّ والعمَل الجوارِحيَّ؛ يَعنِي: اتَّبِعِوهُ عَقيدةً وقولًا وعمَلًا.
وقوله تعالى: ﴿أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ الأحسن هنا الظاهِر أنه وَصْفٌ للنازِل: ﴿أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ﴾، ونحن إذا تَأمَّلْنا لم نَجِد أحسَنَ من القُرآن، كما هو ظاهر في قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ [المائدة: ٤٨]، أي: مُسيطِرًا، وذا سُلْطان، فعلى هذا تَكون الأَحسنِيَّةُ هنا راجِعةً إلى الكتاب المَتبوع، وحينئذٍ لا إشكالَ فيها.
وإذا قُلْنا: ﴿وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ﴾ أي: (افعَلوا أحسَنَ ما شُرِع لكم) يَبقَى فيه إشكال، وهو أننا مَأمورون بأَحسَن ما شُرِع لنا، فهل يَعنِي ذلك أننا لو فعَلْنا الحسَنَ دون الأحسَنِ نَكون مُقصِّرين؟
نَقول: هذا ظاهِر الآية إذا فسَّرْناها بما ذكَرْنا, ولكن دلَّتِ النُّصوص على أن مَن اقتَصَر على الواجِب فقد قام بالواجِب، وإن لم يَأتِ بالأحسَنِ، بل إن الرسول
стр. 387
عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ قال للرجُل الأَعْرابيِّ الذي ذكَر له شَرائِعَ الإِسلام قال ﷺ : "إِنْ صَدَقَ هَذَا دَخَلَ الجَنَّةَ" (١).
وعليه - أي: على هذا الاحتِمالِ في الآية الكريمةِ - نَقول: إن النُّصوص دلَّتْ على أن اتِّباع الحسَن مُبرِئ للذِّمَّة، لكن الأكمَل اتِّباع الأحسَن.
وقوله تعالى: ﴿وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾: ﴿وَاتَّبِعُوا﴾ أي: كونوا تَبَعًّا، وقوله تعالى: ﴿أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾: ﴿أَحْسَنَ﴾ اسمُ تَفْضيل من الحُسْن، ويَشمَل الأَحسَن في ذاته، والأحسَنَ في العمَل.
فالإنسان مَأمور أن يَتَّبِع أحسَنَ ما أُنزِل إلينا في ذاتِه، ولو فَتَّشْت الكتُبَ السَّماوِيَّة التي نزَلَتْ لوَجَدْتَ أحسَن ما نَزَل هو القُرآن؛ ولهذا فسَّرَه المُفَسِّر ﵀ بقوله: [وهو القُرآن]، وكذلك أَحسَنُ ما أُنزِل إلينا إذا كانت عِبادة قام بها الإنسان على وجهٍ ناقِصٍ وعبادة قام بها على وجهٍ كامِلٍ، فالتي على وجهٍ كامِلٍ هي الأحسَنُ، فإذا وُجِد أعمالٌ تَتَفاضَل فالإنسان مَأمورٌ بأنَّ يَتَّبع الأحسَن منها: ﴿أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾.
فقوله تعالى: ﴿مِنْ رَبِّكُمْ﴾ فيها إشارة إلى وُجوب اتِّباع الأحسَن؛ لأن هذا الأحسَنَ نازِل من الله ومن الربِّ، والربُّ هو الذي له التَّصرُّف في العِباد تَدبيرًا وتَشريعًا وحُكْمًا.
قال ﵀: [﴿وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ وهو القُرآن]،
стр. 388
ولم يَذكُر الاحتِمال الذي ذكَرْنا، بل جعَل المُراد بالأحسَن هنا أَحسَنَ ما نزَل لا أحسَنَ ما شُرِع.
وقوله تعالى: ﴿مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً﴾. قوله: ﴿بَغْتَةً﴾ هنا بمَعنَى: مُفاجِئًا، ويُحتَمَل أن تَكون مَصدَرًا مُبيِّنًا للنوع، أي: أن يَأتِيَكم الإتيان بَغْتةً، ويُحتَمَل أن تَكون مَصدَرًا بمَعنَى: في مَوضِع الحال. أي: مُباغِتًا، والمُراد: المُفاجأة، يَأتيكم العَذاب مُفاجَأةً.
في الآية الأولى: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ﴾ أمَّا هنا فقال تعالى: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً﴾ أي: مُفاجأة، ﴿وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ أنه يَأتيكم العَذاب، وهذا كقوله تعالى: ﴿أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ (٩٧) أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ﴾ [الأعراف: ٩٧, ٩٨]، فالنائِم لا يَشعُر بالعَذاب إلَّا بَغْتة، والذي يَلعَب كذلك لا يَشعُر بالعَذاب إلى بَغتة.
وقوله تعالى: ﴿وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ أي: لا تَحتَسِبون أن يَقَع بكمُ العذاب؛ لأنكم غافِلون، وليس عِندكم شُعور، وهذا كقوله تعالى: ﴿أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ (٩٧) أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ (٩٨) أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [الأعراف: ٩٧ - ٩٩]، والغالِب أن مَنِ انهَمَك بالمَعاصي نَسِيَ الخالِق ونَسِيَ العَذاب، فيَأتيه العذابُ وهو في أشَدِّ ما يَكون انغِماسًا في المَعاصي والتَّرَف.
من فوائد الآية الكريمة:
الْفَائِدَة الأُولَى: وجوب اتِّباع القُرآن؛ لقوله تعالى: ﴿وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾.
стр. 389
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: تَحريم اتِّباع غير القُرآن؛ لأنه إذا وجَب اتِّباع القُرآن فضِدُّه حرام.
ولكن إذا قال قائِل: هل تَقولون: إن شَرْع مَن قَبْلَنا شَرْعٌ لنا؟
فالجَوابُ: أن في ذلك خِلافًا بين أهل العِلْم من أهل الأصول، والصحيح: أنه شَرْعٌ لنا ما لم يَأتِ شَرْعُنا بخِلافه، ونحن نَتَّبِع شَرْعَ مَن قَبْلَنا، لا لأنه شَرْعُ مَن قَبْلنا، ولكن لأن شَرْعَنا دلَّنا على العمَل به.
وأدِلَّة ذلك مَعروفة في أصول الفِقْه: منها قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: ٩٠]، ومنها قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [يوسف: ١١١]، ومنها قوله تعالى: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾ [الممتحنة: ٤].
المُهِمُّ: أن القول الراجِح: أن شَريعة مَن قَبْلَنا شَرعٌ لنا بشَرْعنا ما لم يَرِد شَرْعُنا بخِلافه، فإن ورَدَ شَرْعُنا بخِلافه فهو مُطَّرَح.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: الثَّناء على القرآن الكريم؛ لأنه أحسَنُ ما أُنزِل إلى العِباد، وعرَفنا أنه أحسَنُ في ذاتِه، وفي أَخْباره، وفي أَحْكامه، وفي آثاره؛ فلم تَنَلْ أُمَّةٌ العِزة والكَرامة كما نالَتْه هذه الأُمَّةُ بما آتاها الله تعالى من القُرآن.
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أن القرآن كلام الله تعالى؛ لقوله تعالى: ﴿مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾.
فإن قال قائِل: هذا لا نُسلِّمه لكم؛ لأن ممَّا أَنزَل الله تعالى ما لا يَكون كلامًا له كقوله تعالى: ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾، وقوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ﴾
стр. 390
[الزمر: ٦]، وقوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ﴾ [الحديد: ٢٥]، وأمثالها؛ فلا نُسلِّم لكم أن القُرآن كلام الله تعالى، بل نَقول: هو كغيرِه من المَخلوقات التي أَنزَلها الله تعالى، فإن الحديد مَخلوق، والمَطَر مَخلوق، والأنعام مَخلوقة؟
فالجَوابُ عن هذا أن نَقول: ما أَنزَله الله تعالى يَنقَسِم إلى قِسْمين:
الأَوَّلُ: أن يَكون عَيْنًا قائِمةً بنَفْسه فهذا مَخلوق.
الثاني: أن يَكون وَصْفًا لا يَقوم إلَّا بغيره فهذا غيرُ مَخلوق.
فلْنَنظُرْ للقرآن: هل هو عينٌ قائِمةٌ بنَفْسها أو وَصْفٌ لا يَقوم إلَّا بغيره؟
الجواب: هو وَصْف لا يَقوم إلَّا بغيره، إِذَنْ هو غير مَخلوق كلام الله تعالى غير مَخلوق.
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: إثبات عُلوِّ الله تعالى؛ لقوله : ﴿مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾، وجهُ ذلك: أن النُّزول لا يَكون إلَّا مِن أَعْلى.
الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: فضيلة هذه الأُمَّةِ حيث كانت الغاية في إنزال القرآن، ويُؤخَذ ذلك من قوله تعالى: ﴿إِلَيْكُمْ﴾، فإن الإنزال غايته إلينا، إِذَنْ فهذا شرَفٌ لنا أن نكونَ غايةَ إنزالِ القُرآن.
الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: إثباتُ الرُّبوبية لله ؛ لقوله تعالى: ﴿مِنْ رَبِّكُمْ﴾.
الْفَائِدَةُ الثَّامِنَةُ: أن إنزال القُرآن إلينا من كَمال رُبوبيته، حيث أَضاف إنزاله إلى نَفْسه بوَصْف الرُّبوبية، فمِن كَمال رُبوبيته لخَلْقه وتَربيته لهم أن نزَّل عليهم هذا القُرآنَ.