← Тафсир

Тафсир · id 151160

تفسير العثيمين: الزمر

ابن عثيمين

Полный текст (515 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

الآية (٥٥) * قَالَ اللهُ : ﴿وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ [الزمر: ٥٥]. قوله تعالى: ﴿وَاتَّبِعُوا﴾ أيِ: الزَمُوا العمَل بأَحسَن ما أُنزِل إليكم من ربِّكم، والعملُ يَقتَضي العمَلَ القَلْبيَّ والعمَل اللِّسانيَّ والعمَل الجوارِحيَّ؛ يَعنِي: اتَّبِعِوهُ عَقيدةً وقولًا وعمَلًا. وقوله تعالى: ﴿أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ الأحسن هنا الظاهِر أنه وَصْفٌ للنازِل: ﴿أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ﴾، ونحن إذا تَأمَّلْنا لم نَجِد أحسَنَ من القُرآن، كما هو ظاهر في قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ [المائدة: ٤٨]، أي: مُسيطِرًا، وذا سُلْطان، فعلى هذا تَكون الأَحسنِيَّةُ هنا راجِعةً إلى الكتاب المَتبوع، وحينئذٍ لا إشكالَ فيها. وإذا قُلْنا: ﴿وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ﴾ أي: (افعَلوا أحسَنَ ما شُرِع لكم) يَبقَى فيه إشكال، وهو أننا مَأمورون بأَحسَن ما شُرِع لنا، فهل يَعنِي ذلك أننا لو فعَلْنا الحسَنَ دون الأحسَنِ نَكون مُقصِّرين؟ نَقول: هذا ظاهِر الآية إذا فسَّرْناها بما ذكَرْنا, ولكن دلَّتِ النُّصوص على أن مَن اقتَصَر على الواجِب فقد قام بالواجِب، وإن لم يَأتِ بالأحسَنِ، بل إن الرسول

стр. 387

عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ قال للرجُل الأَعْرابيِّ الذي ذكَر له شَرائِعَ الإِسلام قال ﷺ : "إِنْ صَدَقَ هَذَا دَخَلَ الجَنَّةَ" (١). وعليه - أي: على هذا الاحتِمالِ في الآية الكريمةِ - نَقول: إن النُّصوص دلَّتْ على أن اتِّباع الحسَن مُبرِئ للذِّمَّة، لكن الأكمَل اتِّباع الأحسَن. وقوله تعالى: ﴿وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾: ﴿وَاتَّبِعُوا﴾ أي: كونوا تَبَعًّا، وقوله تعالى: ﴿أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾: ﴿أَحْسَنَ﴾ اسمُ تَفْضيل من الحُسْن، ويَشمَل الأَحسَن في ذاته، والأحسَنَ في العمَل. فالإنسان مَأمور أن يَتَّبِع أحسَنَ ما أُنزِل إلينا في ذاتِه، ولو فَتَّشْت الكتُبَ السَّماوِيَّة التي نزَلَتْ لوَجَدْتَ أحسَن ما نَزَل هو القُرآن؛ ولهذا فسَّرَه المُفَسِّر ﵀ بقوله: [وهو القُرآن]، وكذلك أَحسَنُ ما أُنزِل إلينا إذا كانت عِبادة قام بها الإنسان على وجهٍ ناقِصٍ وعبادة قام بها على وجهٍ كامِلٍ، فالتي على وجهٍ كامِلٍ هي الأحسَنُ، فإذا وُجِد أعمالٌ تَتَفاضَل فالإنسان مَأمورٌ بأنَّ يَتَّبع الأحسَن منها: ﴿أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾. فقوله تعالى: ﴿مِنْ رَبِّكُمْ﴾ فيها إشارة إلى وُجوب اتِّباع الأحسَن؛ لأن هذا الأحسَنَ نازِل من الله ومن الربِّ، والربُّ هو الذي له التَّصرُّف في العِباد تَدبيرًا وتَشريعًا وحُكْمًا. قال ﵀: [﴿وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ وهو القُرآن]،

стр. 388

ولم يَذكُر الاحتِمال الذي ذكَرْنا، بل جعَل المُراد بالأحسَن هنا أَحسَنَ ما نزَل لا أحسَنَ ما شُرِع. وقوله تعالى: ﴿مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً﴾. قوله: ﴿بَغْتَةً﴾ هنا بمَعنَى: مُفاجِئًا، ويُحتَمَل أن تَكون مَصدَرًا مُبيِّنًا للنوع، أي: أن يَأتِيَكم الإتيان بَغْتةً، ويُحتَمَل أن تَكون مَصدَرًا بمَعنَى: في مَوضِع الحال. أي: مُباغِتًا، والمُراد: المُفاجأة، يَأتيكم العَذاب مُفاجَأةً. في الآية الأولى: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ﴾ أمَّا هنا فقال تعالى: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً﴾ أي: مُفاجأة، ﴿وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ أنه يَأتيكم العَذاب، وهذا كقوله تعالى: ﴿أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ (٩٧) أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ﴾ [الأعراف: ٩٧, ٩٨]، فالنائِم لا يَشعُر بالعَذاب إلَّا بَغْتة، والذي يَلعَب كذلك لا يَشعُر بالعَذاب إلى بَغتة. وقوله تعالى: ﴿وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ أي: لا تَحتَسِبون أن يَقَع بكمُ العذاب؛ لأنكم غافِلون، وليس عِندكم شُعور، وهذا كقوله تعالى: ﴿أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ (٩٧) أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ (٩٨) أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [الأعراف: ٩٧ - ٩٩]، والغالِب أن مَنِ انهَمَك بالمَعاصي نَسِيَ الخالِق ونَسِيَ العَذاب، فيَأتيه العذابُ وهو في أشَدِّ ما يَكون انغِماسًا في المَعاصي والتَّرَف. من فوائد الآية الكريمة: الْفَائِدَة الأُولَى: وجوب اتِّباع القُرآن؛ لقوله تعالى: ﴿وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾.

стр. 389

الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: تَحريم اتِّباع غير القُرآن؛ لأنه إذا وجَب اتِّباع القُرآن فضِدُّه حرام. ولكن إذا قال قائِل: هل تَقولون: إن شَرْع مَن قَبْلَنا شَرْعٌ لنا؟ فالجَوابُ: أن في ذلك خِلافًا بين أهل العِلْم من أهل الأصول، والصحيح: أنه شَرْعٌ لنا ما لم يَأتِ شَرْعُنا بخِلافه، ونحن نَتَّبِع شَرْعَ مَن قَبْلَنا، لا لأنه شَرْعُ مَن قَبْلنا، ولكن لأن شَرْعَنا دلَّنا على العمَل به. وأدِلَّة ذلك مَعروفة في أصول الفِقْه: منها قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: ٩٠]، ومنها قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [يوسف: ١١١]، ومنها قوله تعالى: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾ [الممتحنة: ٤]. المُهِمُّ: أن القول الراجِح: أن شَريعة مَن قَبْلَنا شَرعٌ لنا بشَرْعنا ما لم يَرِد شَرْعُنا بخِلافه، فإن ورَدَ شَرْعُنا بخِلافه فهو مُطَّرَح. الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: الثَّناء على القرآن الكريم؛ لأنه أحسَنُ ما أُنزِل إلى العِباد، وعرَفنا أنه أحسَنُ في ذاتِه، وفي أَخْباره، وفي أَحْكامه، وفي آثاره؛ فلم تَنَلْ أُمَّةٌ العِزة والكَرامة كما نالَتْه هذه الأُمَّةُ بما آتاها الله تعالى من القُرآن. الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أن القرآن كلام الله تعالى؛ لقوله تعالى: ﴿مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾. فإن قال قائِل: هذا لا نُسلِّمه لكم؛ لأن ممَّا أَنزَل الله تعالى ما لا يَكون كلامًا له كقوله تعالى: ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾، وقوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ﴾

стр. 390

[الزمر: ٦]، وقوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ﴾ [الحديد: ٢٥]، وأمثالها؛ فلا نُسلِّم لكم أن القُرآن كلام الله تعالى، بل نَقول: هو كغيرِه من المَخلوقات التي أَنزَلها الله تعالى، فإن الحديد مَخلوق، والمَطَر مَخلوق، والأنعام مَخلوقة؟ فالجَوابُ عن هذا أن نَقول: ما أَنزَله الله تعالى يَنقَسِم إلى قِسْمين: الأَوَّلُ: أن يَكون عَيْنًا قائِمةً بنَفْسه فهذا مَخلوق. الثاني: أن يَكون وَصْفًا لا يَقوم إلَّا بغيره فهذا غيرُ مَخلوق. فلْنَنظُرْ للقرآن: هل هو عينٌ قائِمةٌ بنَفْسها أو وَصْفٌ لا يَقوم إلَّا بغيره؟ الجواب: هو وَصْف لا يَقوم إلَّا بغيره، إِذَنْ هو غير مَخلوق كلام الله تعالى غير مَخلوق. الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: إثبات عُلوِّ الله تعالى؛ لقوله : ﴿مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾، وجهُ ذلك: أن النُّزول لا يَكون إلَّا مِن أَعْلى. الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: فضيلة هذه الأُمَّةِ حيث كانت الغاية في إنزال القرآن، ويُؤخَذ ذلك من قوله تعالى: ﴿إِلَيْكُمْ﴾، فإن الإنزال غايته إلينا، إِذَنْ فهذا شرَفٌ لنا أن نكونَ غايةَ إنزالِ القُرآن. الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: إثباتُ الرُّبوبية لله ؛ لقوله تعالى: ﴿مِنْ رَبِّكُمْ﴾. الْفَائِدَةُ الثَّامِنَةُ: أن إنزال القُرآن إلينا من كَمال رُبوبيته، حيث أَضاف إنزاله إلى نَفْسه بوَصْف الرُّبوبية، فمِن كَمال رُبوبيته لخَلْقه وتَربيته لهم أن نزَّل عليهم هذا القُرآنَ.

стр. 391

الْفَائِدَةُ التَّاسِعَةُ: وجوبُ العمَل بما في القُرآن؛ لأنه نزَل من الرَّبِّ، والرَّبُّ له السُّلْطان الكامِل على خَلْقه، أرَأَيْتم لو أن ملِكًا من الملوك أَصدَر مَرسومًا مَلَكيًّا أفلا يَكون مُقتَضى سُلطانه أن نَعمَل بهذا المَرسومِ؟ الجَوابُ: بلى، إذن مُقتَضى رُبوبية الله تعالى لنا: أن نَعمَل بما أَنزَل إلينا؛ لأن هذا القُرآن بمَنزِلة المَراسيم المَلَكية التي لا بُدَّ من تَنفيذها، بل هو أَعظَمُ كما هو معروف، ولا إشكالَ فيه. الْفَائِدَةُ الْعَاشِرَةُ: الحذَر من أن يَأتيَ عَذاب الله تعالى بَغتةً؛ لقوله : ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً﴾، والعذاب المُباغِت أشَدُّ من العذاب الذي لم يُباغِت؛ لأن العذاب الذي لم يُباغِت يَكون الإنسان قد تَهيَّأ له، لكن الذي يَأتِي بَغتةً يَأتي الإنسانَ وهو في غاية ما يَكون من الغَفْلة وغاية ما يَكون من السُّرور، كما قال الله ﵎: ﴿أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ (٩٧) أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ﴾ [الأعراف: ٩٧, ٩٨]. فتَأمَّلِ الآنَ: غَفلةٌ وهُدوءٌ واطمِئْنانٌ، فأَتاهم العذاب في هذا الوقتِ، فيَكون أشَدَّ وَقْعًا - والعِياذُ بالله - ممَّا لو أَتَى والإنسانُ مُتهَيِّئ. واضْرِبْ مثَلًا حِسِّيًّا واضِحًا: لو كنت تَنزِل على الدرَج فغَفَلت، ثُمَّ زلَّتْ رِجلُك على إحدى الدرَجات، هل يَكون مِثلَما لو كنتَ تَنزِل وأنت ترَى كلَّ درَجة وتَضَع قدَمك عليها؟ الجَوابُ: لا، إذَنِ المُباغِت أشَدُّ ممَّا يَأتي والإنسان مُتَهيِّئ له. إِذَنْ مَن خالَف ذلك ولم يَتَّبِعِ القرآن فإنه ربما يَأتيه العَذاب بَغتةً وهو لا يَشعُر،

стр. 392

وهنا نَسأَل: هل العَذاب هو العَذاب الحِسِّيُّ الذي به فَساد البَلاد، أو يَشمَل العَذاب الحِسِّيَّ والعذاب المَعنَويَّ؟ الجَوابُ: العَذاب هنا يَشمَل الأمرين لا شَكَّ، والإنسان قد يُعذَّب عذابًا مَعنويًّا بحيث تُفسَد عليه أمورُه؛ أمور الدِّين وأمور الدنيا، قال الله تعالى: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ﴾ [المائدة: ١٣]، وهذه عُقوبة، فمِن العُقوبات التي هي من أشدِّ عُقوبات الدنيا أن يُصَدَّ الإنسان عن ذِكْر الله تعالى، وعن الصلاة، فإن هذا أشَدُّ مَن أن يَفقِد الإنسان مالَه وولدَه، وقد كان بعض السلَف إذا نام عن صلاة الليل قال: إنني ما حُرِمت صلاة الليل إلَّا بذَنْب؛ فجعَل عدَم القِيام في الليل عُقوبة على ذَنْبٍ عمِلَه، وكلَّما كثُرَتِ المَعاصِي - والعِياذُ بالله - كثُر الإعراضُ عن ذِكْر الله ، قال الله تعالى: ﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ [الكهف: ٢٨]. الْفَائِدَةُ الحَادِيَةَ عَشْرَةَ: أن المُباغِت يَأتي بغير شُعورٍ من العَبْد؛ لأنه غافِل وليس يُفكِّر في أن يَأتِيَه العَذاب؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾، والجُملة هذه يُسمِّيها علماءُ النَّحوِ ﵏: جُملةً حاليَّةً، يَعنِي: والحال أنكم لا تَشعُرون.

стр. 393

الآية (٥٦) * قَالَ اللهُ : ﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَاحَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ﴾ [الزمر: ٥٦]. قوله تعالى: ﴿أَنْ تَقُولَ﴾ يَقول المُفَسِّر ﵀: [﴿وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ قبل إِتْيانه بوَقْته]، يَعنِي: لا تَشعُرون بوقته قبل إتيانه، بل قد ضرَبْتمُ الأمَل الطويل والتَّفاؤُل الذي ليس في مَحلِّه حتى أَتاكُمُ العَذاب؛ [فبادِروا قبلَ ﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ﴾] قدَّر المُفَسِّر ﵀ هذا الذي ذكَر لدَلالة السِّياق عليه. وهذا الذي قام به المُفَسِّر ﵀ يُسمَّى عند البَلاغيين: إيجازَ الحَذْف؛ لأن الإيجاز عِندهم نوعان: إيجازُ قَصْر، وإيجازُ حَذْف؛ فإيجازُ القَصْر أن تَكون العِبارة القَصيرة تَتَضمَّن مَعانيَ كثيرةً، وإيجاز الحَذْف أن تَكون العِبارة المَوْجودة قد حُذِف منها ما هو مَعلوم. مثل قوله تعالى: ﴿فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ (٢٤) فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ﴾ [القصص: ٢٤، ٢٥]، وهذه الآيةُ حُذِف منها شيءٌ كثير؛ لأن تَقديرها أن المَرْأتَيْن ذهَبَتا إلى أبيهما وأَخبَرَتاه بالخبَر، ثُمَّ أَرسَل إحداهما إلى مُوسى ﵇ فجاءَتْ إحداهما تَمشِي على استِحْياء. فصار عِندنا الإيجازُ نوعين: إيجاز قَصْر بأن تَكون العِبارة قَصيرة تَتَضمَّن

стр. 394

مَعانيَ كثيرةً، وإيجاز حَذْف بأن يُحذَف من الكلام ما يَدُلُّ عليه السِّياقُ، وكلاهما فصيحٌ عرَبيٌّ. فقوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ [البقرة: ١٧٩] هذا إيجازُ قَصْر، وقوله تعالى: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ [النساء: ١٢٣] هذا إيجازُ قَصْر؛ لأنك لو أَرَدْت أن تَبسُط هذه الجُملةَ ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا﴾ وتَذكُر أنواع السُّوء وتَذكُر أنواع المُجازاة؛ لكان الكلام طويلًا، لكنه اقتَصَر على هاتين الكلِمَتَيْن: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾، وهُما تَشمَلان كلَّ ما يُمكِن أن يَدخُل في هذه الجُملةِ من التَّفاصيل. إِذَنْ: على كلام المُفَسِّر ﵀: [فبادِروا قَبْلَ ﴿أَنْ تَقُولَ﴾]، نَقول: هذا من باب إيجاز الحَذْف؛ لأنه حُذِف من الكلام ما يَدُلُّ عليه السِّياق، ويُمكِن أن نُقدِّر ما هو دون ذلك بأن نَقول: خَشية أن تَقول نَفْسٌ، يَعنِي: اتَّبِعوا ما أُنزِل إليكم من ربِّكم خَشيةَ أن تَقول نَفْسٌ يا حَسْرتا على ما فرَّطْتُ في جَنْب الله؛ أو: (قَبْلَ ﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ﴾)؛ لأنه أقلُّ تقديرًا، وكلَّما كان أقلَّ تَقديرًّا فهو أَوْلى. وهذا الذي ذكَرْناه أقصَرُ من كلام المُفَسِّر ﵀. وقوله تعالى: ﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَاحَسْرَتَا﴾: ﴿نَفْسٌ﴾ هنا نكرة في سِياق الإثبات، والنكِرة في سِياق الإثبات لا تَدُلُّ على العُموم، وإنما تَدُلُّ على العُموم إذا كانت في سِياق النفيِ أو الشَّرْط أو الاستِفْهام الإنكارِيِّ أو ما أَشبَه ذلك ممَّا ذكَرَه العُلَماءُ ﵏، لكنهم قالوا: إن ﴿نَفْسٌ﴾ هنا نَكِرة يُراد بها العُموم، يَعنِي: أن تَقول كلُّ نَفْس فرَّطَتْ. قال ﵀: [﴿يَاحَسْرَتَا﴾ أَصلُه: يا حَسرَتِي، أي: نَدامَتي، فالحَسْرة هي النَّدامة]، قوله تعالى: ﴿يَاحَسْرَتَا﴾ الألِف هذه مُنقَلِبة عن ياء؛ لأنها للنُّدْبة، وأصلُها

стр. 395

ياءُ المُتكلِّم: يا حَسْرتِي، لكن في اللغة العربية يَجوز أن تُقلَب الياء ألِفًا، فيُقال: (يا حَسْرَتا) بدَل (يا حَسْرَتي). ومنه قوله : ﴿قَالَتْ يَاوَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ﴾ [هود: ٧٢]، والتَّقدير: (يا وَيْلَتِي). وقوله تعالى: ﴿عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ﴾ التَّفريط مَعناه: الإهمال والإضاعة، وعكسُه: الإفراط، وهو التَّجاوُز، والتَّفريط القُصور عن الشيء، فالمُفَرِّط هو المُهمِل المُقصِّر، والمُفْرِط هو المُتجاوِز للحَدِّ، وكِلاهما مَذموم، والخِيار هو الوسَط. وقال المُفسِّر ﵀: [﴿عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ﴾ أي: طاعَته] ففَسَّر الجَنْب هنا بالطاعة، وذلك لأنه لا يُمكِن أن يُراد به جَنْب الله تعالى الذي هو جَنْب ذاته؛ لأن الإنسان يَشعُر بأنه لن يُفرِّط في نَفْس الجَنْب الذي هو جَنْب ذاته. لكن بعض العُلماءِ ﵏ يَقول: الجنْب بمَعنَى: الجانب لُغَةً، وإذا كان بمَعنَى: الجانِب لُغَةً فلا حاجةَ إلى التأويل، ويَكون المَعنَى ﴿فِي جَنْبِ اللَّهِ﴾ أي: في جانِب الله تعالى؛ وجانب الله تعالى يَعنِي: حَقَّه. وهذا التَّفسيرُ الذي ذكَرْناه هو مُؤدَّاه، كما قال المُفَسِّر ﵀ يَعنِي: طاعته - لكن إذا فسَّرْنا الجَنْب بالطاعة خرَجْنا به عن المعنى المُطابِق للَّفْظ، أمَّا إذا قُلْنا: الجَنْب لُغَةً بمَعنَى الجانِب. فإننا فسَّرْناه بما دلَّتْ عليه الكلِمة لُغَةً، والجانِب من المعلوم أن جانِب الله هو حَقُّه وشَرْعه. قال ﵀: [﴿وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ﴾: (إِنْ) مخُفَّفة من الثَّقيلة أي: وإنِّي] (إن) في اللغة العربية تَأتِي لمَعانٍ: الأوَّل: شَرْطية. والثاني: نافِية. والثالِث: مُؤكَّدة.

стр. 396

والرابع: زائِدة. فهذه أربعة مَعانٍ، وبعضهم زاد مَعنًى خامِسًا: أن تَكون بمَعنَى: نعَمْ، لكنه قليل. مثال (إِنِ) الشَّرْطية: قوله ﵎: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات: ٦]. هذه (إِنْ) شَرْطية. ومثال النافِية: قول الكافِرين: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ [المائدة: ١١٠]، و (إن) النافية هي التي يَعقُبها دائِمًا (إلَّا). ومِثال المُؤكِّدة - وهي المُخفَّفة من الثَّقيلة كما هنا -، وعلامتها أن يَحِلَّ محَلَّها (إنَّ) مثل: ﴿وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ﴾ [الزمر: ٥٦]، فهذه مُخفَّفة من الثَّقيلة، وتُفيد التَّوكيد؛ لأن الثَّقيلة: (إنَّ) مَعروفة أنها للتَّوْكيد فإذا كانت هذه مُخفَّفة منها فهي للتَّوْكيد. مثال الزائدة قول الشاعِر: بَنُو غُدَانَةَ مَا إِنْ أَنْتُمُ ذَهَبُ ... وَلَا صَرِيفٌ وَلَكِنْ أَنْتُمُ الخَزَفُ (١) الشاهِد قوله: (مَا إِنْ أَنْتُمُ ذَهَبُ)؛ لأن مَعنَى الكلام: ما أَنتُم ذهَب. فهي إذَنْ زائِدة، والذهَب مَعروف، والصريف: الفِضَّة، وسُمِّيَت: صَريفًا؛ لأنها يُسمَع لها صَريفٌ عند العدَد أو الوَزْن. (وَلَكِنْ أَنْتُمُ الْخَزَفُ) والخزَفُ هو الطِّين المَشوِيُّ. يَعنِي: أنكم أَصلُكم رَديء، وعلامة (إِنِ) الزائِدة أن يَصِحَّ الكلام مع حَذْفها، فإذا صحَّ الكلام مع حَذْفها فهي زائِدة.

стр. 397

وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ﴾ قال المُفَسَّر ﵀ فيه: [وإني كُنْتُ لمِنَ الساخِرينَ]، فقدَّرَ اسمَ (إنَّ) ضَميرًا مُطابِقًا للسِّياق، فقال: [إِنِّي كُنتُ] وهذا الذي ذهَب إليه المُفَسِّر ﵀ هو الصحيح، أمَّا عند جُمهور النَّحويِّين فإنهم يَقولون: إن اسم (إِنَّ) محَذوف ضميرُ الشَّأْن، فيُقدِّرون: إن كُنتُ وإنَّه. أيِ: الشأن، لكن الصحيح: أننا نُقدِّر ضميرًا مُطابقًا للسِّياق، ولا حرَجَ أن نَقول: إنه مَحذوف ولو لم يَكُن ضميرَ الشَّأْن، فعليه نَقول: ﴿وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ﴾ التَّقدير يَكون: وإني كنتُ لمِنَ الساخِرين. واللام في قوله: ﴿لَمِنَ السَّاخِرِينَ﴾ هذه للتَّوْكيد، وهي أيضًا دليلٌ على أنَّ (إِنْ) مُخفَّفة من الثَّقيلة، ولا تَلزَم لامُ التوكيد مع (إِنِ) المُخفَّفة من الثَّقيلة، إلَّا إذا كان يُخشَى من الالتِباس بالنافِية، فإن كان يُخشَى الالتِباس بالنافية فإنه يَجِب أن تُذكَر اللَّامُ. والحاصِلُ: أن اللَّام تَأتي كثيرًا في خبَر (إِنِ) المُخفَّفة من الثَّقيلة وقد تُحذَف؛ إلَّا إذا خيف الالتِباس، فإنه يَجِب أن تُذكَر اللَّام إذا خِيف الالتِباس بـ (إِنِ) النافِية؛ لأنه إذا أتَتِ اللَّامُ تَعيَّن أن تكون (إِنْ) مُخفَّفة من الثَّقيلة، ومَحلُّ هذا البحثِ في النَّحْو. وقوله ﵎: ﴿وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ﴾ الساخِر بمَعنَى: المُستَهزِئ، أي: ساخِرين بمَن يَدعو إلى الله تعالى، كما قال تعالى: ﴿أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيًّا أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصَارُ﴾ [ص: ٦٣]، ساخِرين بدِين الله تعالى، ساخِرين بكُتُب الله تعالى، ساخِرين برُسُل الله تعالى، ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ﴾ [التوبة: ٦٥]. ولهذا حُذِف المَفعول في قوله : ﴿السَّاخِرِينَ﴾؛ لإفادة العُموم؛ أيِ: الساخِرين بالله تعالى وآياته ورسُلِه وأَوْليائِه، فهو عامٌّ.

стр. 398

من فوائد الآية الكريمة: الْفَائِدَة الأُولَى: بيانُ مَآل المُفرِّط وهو التَّحسُّر وهو التَّندُّم مع الغَمِّ، التَّحسُّر: التَّندُّم مع الغَمِّ. الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أن المُفرِّط سيَتحسَّر على تَفريطه. ويَنبَني على هذه الفائِدةِ: أنه يَنبَغي أن يَكون الإنسان حازِمًا ذا نَشاط وقوَّة حتى لا تَفوته الأُمور، ثُم بعد ذلك يَندَم. ويَتفَرَّع على ذلك الفائِدةُ الثالِثةُ: أنه يَنبَغي انتِهاز الفُرَص فمتى واتَتْك الفُرْصة فلا تُضيِّعْهَا. ويَترتَّب على هذا أيضًا فائدةٌ رابعةٌ: أنه إذا صار أمامَك حاجَتانِ فابدَأْ بما أنت تُريده أوَّلًا وبادِرْ إليها، واجعَلِ الثانية ماثِلةً. وهذا يَظهَر في سُنَّة الرسول ﷺ في أمثِلةٍ مُتعَدِّدة منها: أن عِتبانَ بنَ مالك ﵁ لمَّا ضعُف بَصرُه وصار لا يَتَمكَّن من الوُصول إلى مَسجِد قومه دعا النبيَّ ﷺ إلى بيته ليَتَّخِذ له مَكانًا يَتَّخِذه مُصلًّى، فخَرَج النبيُّ ﷺ إليه ومعه جماعة من أصحابه، فلمَّا وصَل البيت، وإذا الرجُل قد هيَّأ لهم طعامًا، ولكن الرسول ﷺ لم يَشَأْ أن يَبدَأ بالطعام، بل بدَأَ بما أتَى إليه، أي: بالقَصْد الأوَّل، فقال له: "أَيْنَ تُرِيدُ أَنْ أُصَلِّيَ؟ " فأَراه المَكان، فصلَّى بهم (١). وبِناءً على ذلك: يَنبَغي لكم أنتُم - طلَبة العِلْم - إذا أَرَدْتُم أن تُراجِعوا فَتاوى

стр. 399

شيخِ الإسلام ابنِ تيميَّةَ ﵀ في مَسأَلة مُعيَّنة فسَتَسْتَعرِض الفهرس، ثُمَّ يَمُرُّ بك مَسألة تَشوقك إلى أن تُراجِعها، فتَذهَب وتُراجِعها، ثُم تَترُك الذي كنت تُراجع من أَجْله، وهذا لا شكَّ أنه يَضُرُّ طالِب العِلْم، يُشتِّتُ عليه الفِكْر، ويُشتِّتُ عليه الوقتَ؛ لأن فِكْره أوَّلَ ما طالَع الكِتاب مُنصَبٌّ على المَسألة التي يَطلُبها، فإذا عرَضَت له هذه العارِضةُ واتَّجَه إليها وانشَغَل بها وهي ليسَت مَقصودةً له بالذاتِ تَشتَّتَ فِكْره، ثُمَّ يَتَشتَّت وقتُه أيضًا، فربما يَكون وقت مُراجَعته في خِلال ربُع ساعة، فتَذهَب ربُع الساعة هذه وهو لم يُراجِع المسألة التي كان من أَجْلها يُفتِّش، وهذا جرَّبْناه، فنُراجِعُ لمَسألةٍ مَا، ثُمَّ يَمُرُّ بنا عُنوان شَيِّق ونَأخُذ به فيَضيع علينا الوقتُ، فالإنسان يَنبَغي أن يَكون حازِمًا، وأن يَبدَأ بالأهَمِّ قبل المُهِمِّ. ومن ذلك: أن الرسول ﵊ كان يُبادِر بإزالة المُؤذِياتِ ولا يَتأخَّر؛ لأن التأخير له آفَةٌ، بل آفاتٌ، فلمَّا بال الأعرابيُّ في المسجد أمَرَ في الحال أن يُصَبَّ عليه ماءٌ ليُطهِّره (١)، ولمَّا بال الصبيُّ في حَجْره دعا في الحال بماءٍ فأَتبَعَه إيَّاه (٢)، وكان من المُمكِن أن يَترُك المكان في المَسجِد حتى يَأتيَ وقت الصلاة ويَحتاج الناس إلى الصلاة في هذا المكانِ، لكنه بادَر، وكذلك من المُمكِن أن يَدَع ثَوْبه حتى يَحضُر وقت الصلاة، ثُم يُطهِّره، لكنه بادَرَ. فالمُهِمُّ: أن مثل هذه الوَقائِعِ يَنبَغي على الإنسان أن يَتَّخِذ منها تربية لنَفْسه، لا تَمُرُّ به على أنها مَسأَلة فِقْهية عَرَفها فقَطْ، بل لا بُدَّ أن يَظهَر عِلمه في عَمَله.

стр. 400

الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: إثبات الجِهة لله ، لقوله تعالى: ﴿فِي جَنْبِ اللَّهِ﴾، وقُلنا: إن (جَنْب) بمَعنَى: جانِب، لكن الذين لا يُثبِتون الجِهة يَفِرُّون من هذا، ويُفسِّرونه بأَمرٍ آخَرَ كما فسَّرَه المُفَسِّر ﵀ بقوله: [في طاعة الله] مع أن هذا التَّفسيرَ قد يُقال: إنه تفسيرٌ صحيح، وإن جانِب الله تعالى هو طاعته وحَقُّه وما أَشبَه ذلك، لكن نحن نَعلَم أن كثيرًا من الناس يُنكِرون أن يَكون الله تعالى في جِهة، ويَقولون: لا يَجوز أن تَقول: إن الله تعالى في جِهة، لا فوقُ ولا تَحتُ. وعَكسُهم قومٌ آخَرون فقالوا: إن الله تعالى في كل جِهة بذاته. وبين الطائِفَتَيْن كما بين السماء والأرض!. وتَوسَّطَ آخَرون فقالوا: إن الله تعالى في كل جِهةٍ، لكنه فوقَ كل شيء، قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٥]، فإنِ اتَّجَهْتم شرقًا أو غربًا أو شَمالًا أو جَنوبًا فثَمَّ وجهُ الله تعالى، لكن ليس الله تعالى نفسُه في تِلك الجِهةِ، ولكنه فوقُ، وفَوقِيَّتُه لا تُناقِض أن يَكون في كل جِهةٍ استَقْبَلتَها. فلو قال قائِل: كيف يَجتَمِع أن يَكون في جِهة المَشرِق مثلًا، أو المَغرِب، أو الشَّمال، أو الجنوب وهو فوقَ كل شيء؟ الجَوابُ: نَقول: (كيف) اجعَلْها فيما يُمكِن تَكييفه، فصِفات الله تعالى لا يُمكِن تَكييفها، وعليك أن تُسلِّم، ثُم نَقول: إن هذا مُمكِن لو كانت الشمسُ عند الشُّروق أو عند الغُروب واستَقْبَلتها كانت في جِهة المَشرِق أو في جِهة المَغرِب، وهي في السَّماء، هذا في المَخلوق؛ فما بالُك في الخالِق المُحيط بكل شيء؟! فالصَّوابُ: أن الله في جِهة وهي جِهة العُلوِّ، لكنه مَنِ اتَّجَه

стр. 401

إليه في أيِّ مَكان فالله تعالى قِبلَ وَجْهه، قال تعالى: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾، أمَّا ذاته فإنه فوقَ كل شيء. الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: إقرار المُكذِّبين على أنفسهم بما هم عليه من التَّكذيب، لكن في وقتٍ لا يَنفَعهم؛ ويُؤخَذ ذلك من قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ﴾، فهو تَأكيد وإثبات أنه كان في الدنيا من الساخِرين بشَرْع الله تعالى المُستَهْزِئين به. الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: تَحريم السُّخْرية بالله ، ويُؤخَذ ذلك من كون هذا الساخِرِ ندِمَ وتَحسَّر على ذلك، ولولا أنه أُصيب بعَذابٍ عليه لم يَندَم. فإن قال قائِل: ما حُكْم السُّخْرية بالله تعالى؟ قُلنا: حُكْمها الكُفْرُ، فمَن سخِر بالله تعالى، أو آياته، أو رَسوله ﷺ ؛ فإنه كافِر. فإن قيل: هل تُكفِّرونه ولو كان يَمزَح؟ فالجَوابُ: نعَمْ، نُكفِّره ولو كان يَمزَح؛ لقول الله ﵎: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ﴾ يَعنِي: ما قصَدْنا ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (٦٥) لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة: ٦٥, ٦٦]. وهنا مَسأَلة مُهِمَّة جِدًّا، وهي الاستِهْزاء بالشخص الذي يَفعَل طاعةً، أو يَتَجنَّب مَعصية، فتارةً يَغلِب عليه الجانب الشَّخصيُّ فهذا لا يَكفُر، وتارةً يَغلِب عليه الجانِبُ الحُكميُّ، بمَعنَى أنه يَسخَر بالحُكْم من أيِّ مَصدَر جاء، فهذا كُفْر؛ ونُوضِّح هذا بمِثال: الأوَّلُ: مثل بعض الناس لو رأَى مثَلًا عالِمًا من العُلماء المُعتَبَرين المَحبوبين عند الناس المَوْثوقين رأَى ثوبَه إلى نِصْف الساق لا يَسخَر به أبدًا، ولا يُمكِن أن يَسخَر،

стр. 402

لكن لو رأَى شابًّا فربما يَسخَر به، إذَنْ هنا السُّخْرية مُنصَبَّة على الشخص، مُغلَّبٌ فيها جانِبُ الشَّخصية فهذا لا يَكفُر؛ لأنه لم يَكرَه الحُكْم، لكن كرِهَ هذا الذي قام بالحُكْم. والثاني: أن يَكرَه الحُكْم الشرعيَّ، ويَسخَر بالحُكْم الشرعيِّ فهذا كافِر؛ ولهذا قال ﵎: ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ﴾ [التوبة: ٦٥]، ولم يَقُل: والمُؤمِنين. فالرسولُ ﷺ مَعلومٌ، أيُّ إنسانٍ يَسخَر به فهو كافِر، حتى وإن كان قد غلَّب الجانِبَ الشخصيَّ؛ لأن الرسول مُشرِّع ﵊، فكلُّ شيء صدَر منه فهو تَشريع، لكن الذي يَصدُر من غير الرسول ﷺ ، إن كان مَحلَّ ثِقةٍ عند الناس اعتَبَروه حُكْمًا شَرْعيًّا ولم يَسخَروا به، وإن كان غيرَ ثِقَة سخِروا به مُغلِّبين جانب الشخصية؛ لأنهم مثَلًا لا يَثِقون به الثِّقَة التامَّة، أو يَرَوْن أنه مُتزَمِّت، أو مُتَنطِّع، أو ما أَشبَه ذلك. وهذه المَسأَلةُ يَجِب على الإنسان أن يُدرِك الفَرْق بين الأمرين؛ لأن هذه المَسائِلَ دقيقة جِدًّا. ولهذا ذكَر شيخ الإسلام (١) ﵀ أن الإمام أحمدَ ﵀ يُكفِّر الجَهْمية، لكن لا يُكفِّر أعيانهم؛ لأنَّ هناك فرقًا بين التَّكفير باعتبار الحُكْم والتَّكفير باعتِبار الشخص. ومِن ثَمَّ نُحذِّر طلَبة العِلْم من التَّسرُّع في التكفير الشخصيِّ العَيْنيِّ؛ لأنَّ المسألة ليست هَيِّنةً، فلو كفَّرْت شخصًا والله لم يَحكُم بكُفْره عاد التَّكفير إليك، وصار يُخشَى عليك من الضلال، ولو في المُستَقبَل إذا لم تَتُبْ.

стр. 403

فإن قيل: ما الدواء لمَنِ ابتُلِيَ بهذا؟ أي: سخِرَ بالله تعالى، أو آياته، أو رسوله ﷺ ؟ قُلنا: الدواء في هذه السُّورةِ، قال تعالى: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر: ٥٣]، والدواء هو أن يَتوب إلى الله تعالى، فإذا تاب إلى الله وقلَع من قَلْبه هذه السُّخريةَ والاستِهزاءَ، وأَثبَت مكانها التَّعظيمَ والمَحبَّةَ فحينئذٍ يَرتَفِع عنه حُكْم الكُفْر.

стр. 404

الآية (٥٧) * قَالَ اللهُ : ﴿أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [الزمر: ٥٧]. يَعنِي: أو تَقول نَفْس، وهذه مَعطوفة على قوله تعالى: ﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ﴾. وقوله تعالى: ﴿أَوْ تَقُولَ﴾ أي: النفسُ [﴿لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي﴾ بالطاعة فاهتَدَيْت ﴿لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾] ﴿لَوْ﴾ هذه شَرْطية، فِعْل الشرط فيها مَحذوف، وجوابُ الشَّرْط فيها قوله تعالى: ﴿لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾، وتَقديره - أي: تَقدير المَحذوف وهو فِعْل الشَّرْط - لو ثبَت أن الله هَداني لكُنتُ من المُتَّقين. وهذا احتِجاجٌ بالقدَر، يَعنِي: لو أن الله تعالى هَداني ووفَّقَني فاهتَدَيْت لكُنتُ من المُتَّقين، فهي تَنْدَم وتَحْتَجُّ، يَعنِي: جمَعت بين الندَم على عدَم التَّقوى والهِداية، وبين الاحتِجاج كقول القائِل: لو أَعطَيْتَني أُجرةً لعمِلْت لكَ، ولو أَطْعَمْتَني لشَبِعت. يَعنِي: فلم تُطعِمْني ولم تُعطِني أُجرة. فهُمْ يَقولون: لو أن الله تعالى هَداني لاهتَدَيْت وكُنتُ من المُتَّقين. وعلى هذا فالمُرادُ بالهِداية هنا هِدايةُ التَّوْفيق، ويَكون هذا احتِجاجًا من النَّفْس بقَدَر الله تعالى على الضلال - والعِياذُ بالله -. وقوله تعالى: ﴿لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ قال المُفَسِّر ﵀: [عَذابَه] وهذا

стр. 405

مَفعول ﴿الْمُتَّقِينَ﴾، ولكن الصواب: أن نُقدِّر: (لكُنتُ من المُتَّقين الله)؛ لأن الأصل هو تَقوَى الله ، وتَقوى عذاب الله من تَقوَى الله تعالى، فيَنبَغي أن نُقدِّر الأَصْل، أي: لكُنتُ من المُتَّقين اللهَ تعالى. وأَصْل التَّقوى مَأخوذة من الوِقاية، فأَصلُها (وَقْوَى) بالواو، لكن قُلِبت الواو تاءً لعِلَّةٍ تَصريفية، فإذا كانت من الوِقاية فسَّرْناها بأنها اتِّخاذُ ما يَقِي من عَذاب الله تعالى، ولا يَقِي من عَذاب الله تعالى إلَّا فِعْل أوامِره واجتِناب نواهِيه. ولهذا نَقول: إنَّ أَجمَعَ ما قيل في التَّقوى أنها فِعْل الأوامِر واجتِناب النواهِي. وقيل: إن التَّقوى أن تَعمَل بطاعة الله تعالى على نورٍ من الله تعالى تَرجو ثوابَ الله تعالى، وأن تَترُك ما نهى الله تعالى على نورٍ من الله تعالى تَخشَى عِقاب الله تعالى؛ وهذا المَعنَى أَطوَلُ ممَّا قُلْنا، لكن ما قُلْنا مُشتَمِلٌ عليه. وقيل في التَّقوى: خَلِّ الذُّنُوبَ صَغِيرَهَا ... وَكبِيرَهَا ذَاكَ التُّقَى وَاعْمَلْ كَمَاشٍ فَوْقَ أَرْ ... ضِ الشَّوْكِ يَحْذَرُ مَا يَرَى لَا تَحْقِرَنَّ صَغِيرَةً ... إِنَّ الجبَالَ مِنَ الحَصَى (١) وهذا أيضًا تَعريفٌ شيِّق؛ لأنه مَنظوم، فقوله: خَلِّ الذُّنُوبَ صَغِيرَهَا ... وَكبِيرَهَا ذَاكَ التُّقَى والذُّنوب إمَّا فِعْل مُحرَّم، أو تَرْك واجِب.

стр. 406

وقوله: وَاعْمَلْ كمَاشٍ فَوْقَ أَرْ ... ضِ الشَّوْكِ يَحْذَرُ مَا يَرَى فالذي يَمشِي على أرض الشَّوْك يَمشِي ببُطْءٍ. وقوله: لَا تَحْقِرَنَّ صَغِيرَةً ... إِنَّ الجِبَالَ مِنَ الحَصَى الجِبال العَظيمة الضَّخمة حَصًى مُتجَمِّع، إمَّا كُتَل أو صِغار أو كِبار. من فوائد الآية الكريمة: الْفَائِدَة الأُولَى: احتِجاج هذه النَّفْسِ التي فرَّطَت في جَنْب الله تعالى بقضاء الله تعالى وقدَره؛ لقوله ﵎: ﴿لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾، وهذا الاحتِجاجُ باطِل، أَبطَله الله تعالى بقوله: ﴿بَلَى قَدْ جَاءَتْكَ آيَاتِي ... ﴾ إلخ. الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: إثبات أن هؤلاءِ المُكذِّبين يُقِرُّون بالله ، وبأن الأَمْر بيَدِه؛ لقوله تعالى: ﴿لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾. الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: أن التَّقوَى سبَبٌ للنَّجاة من العَذاب.

стр. 407

الآية (٥٨) * قَالَ اللهُ : ﴿أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الزمر: ٥٨]. قوله: ﴿أَوْ تَقُولَ﴾ هذه مَعطوفة على ﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ﴾ يَعنِي: أو تَقول النَّفْس حين تَرى العَذاب بعَيْنه فيَكون المَوعود مَشهودًا تَراه بالعَيْن. وقوله تعالى: ﴿لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً﴾ والرُّؤية بالعين تُعتَبَر عينَ اليَقين، والوعد بالعَذاب عِلْم اليَقين، ومسُّ العذاب حَقُّ اليَقين؛ ولهذا قالوا: اليَقين ثلاثة: عِلْم، وعَيْن، وحَقٌّ؛ وكلُّها في القرآن: قال ﵎: ﴿كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ (٥) لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ (٦) ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ﴾ [التكاثر: ٥ - ٧]، أي: مُشاهَدًا. وقال تعالى في آخِر سورة الواقِعة: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ﴾ [الواقعة: ٩٥]، فالذي يَكون عند الاحتِضار (حقُّ اليَقين). وأَعلاها حقُّ اليَقين؛ لأن عين اليَقين قد تُشاهِد الشيء على خِلاف ما هو عليه كما تَرى، ولا سيَّما إن كان نظَرُك ضعيفًا ترَى الشيء الساكِن مُتحرِّكًا، أو المُتحَرِّك ساكِنًا، فعلى كل حال حَقُّ اليَقين أعلاها.

стр. 408

وهنا قال تعالى: ﴿أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ﴾ والمُراد عَينُ اليَقين. وقوله تعالى: ﴿لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾: ﴿لَوْ﴾ هنا ليست شَرْطيةً، ولكنها للتَّمنِّي، يَعنِي: ليت لي كَرَّةً. ونَستَطرِد فنَقول: (لَوْ) تَأتِي شَرْطية، وتَأتِي للتَّمنِّي، وتَأتِي مَصدريةً؛ ثلاثة مَعانٍ: فتَأتي شَرْطية فيما إذا قُلت: لو زُرْتَني لأَكَرَمْتكَ. وعلامتها: أن يَحِلَّ مَحلَّها (إِنِ) الشَّرْطية: لو زُرْتَني لأَكرَمْتك. اجعَلْ بدَلَها (إِنْ): إن زُرْتَني أَكرَمْتك. والثانية المَصدَرية وهي التي تَأتي غالِبًا بعد (وَدَّ) كقوله تعالى: ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ [القلم: ٩]، وعلامتها: أن يَحِلَّ محَلَّها (أَنِ) المَصدَرية ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ﴾، ولو وضِعَت بدلها (أَنْ): ودُّوا أَنْ تُدهِن؛ لا يَصِحُّ الكلام، ولا يَصِحُّ أن تَضَع بدَلَها (أَنْ) في القُرآن، ويَصِحُّ تَقديرًا ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾، فلو جُعِلَتْ بدَلَها (أَنِ) استَقام الكلام، لكن لا يَجوز في القرآن أن تُجعَل بدلَها (أَنْ). ولو قُلت: وَدِدْتُ لو زُرْتَني. لكان صحيحًا، لكن هنا إذا حوَّلتها إلى (أَنْ) فحَوِّلِ الفِعْل إلى مُضارِع: وَدِدْت أن تَزورَني. بقِيَ عندنا التَّمَنِّيَّة التي للتَّمنِّي، وتَكون بمعنى: أَتمَنَّى، يَعنِي: يُعيِّن مَعناها السِّياق، فهنا ﴿لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ﴾ لو وُضِعَتْ بدلَها: أَتمَنَّى؛ كان المَعنَى: أَتمنَّى أن يَكون لي كرَّةٌ فأَكون من المُؤمِنين؛ ويَدُلُّك لهذا قولُه تعالى في سورة الأنعام: ﴿يَالَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا﴾ [الأنعام: ٢٧]. فصار مَعانِي (لو) ثلاثةً: شَرْطية، ومَصدَرية، وللتَّمنِّي.

стр. 409

وقوله تعالى: ﴿لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً﴾ قال المُفسِّر ﵀: [رَجعةً إلى الدُّنيا ﴿فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾]، يَعنِي: يَتمنَّى أن يَكون له رَجعة ليَكون من المُحسِنين. وقوله تعالى: ﴿فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾، ولم يَقُل: من المُتَّقين؛ لأن الإحسان درَجةٌ فوقَ التَّقوى، فكُلُّ مُحسِنٍ مُتَّقٍ، وليس كُل مُتَّقٍ مُحسِنًا، فالإحسان درجةٌ عاليةٌ قال فيه النبيُّ ﷺ : "أَنْ تَعْبُدَ الله كَأنَّكَ ترَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ ترَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ" (١). ولكن ليسَتْ هذه النَّفسُ صادِقةً في أنها تَتَمنَّى لتَكون من المُحسِنين، قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [الأنعام: ٢٨]، لكن عند العَذاب ليس لها إلَّا أن تَقول هكذا: ﴿لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾. من فوائد الآية الكريمة: الْفَائِدَة الأُولَى: أن هؤلاءِ يَتمَنَّون الرجوع إلى الدُّنيا إذا رأَوُا العذاب. الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أنهم يَتَمنَّوْن الرجوع؛ ليَكونوا من المُحسِنين، لا للتَّلذُّذ بالدنيا والتَّمتُّع بها؛ لقوله تعالى: ﴿فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾، وهذا يُشبِه قوله تعالى: ﴿رَبِّ ارْجِعُونِ (٩٩) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ﴾ [المؤمنون: ٩٩، ١٠٠].

стр. 410

الآية (٥٩) * قَالَ اللهُ : ﴿بَلَى قَدْ جَاءَتْكَ آيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ [الزمر: ٥٩]. قوله تعالى: ﴿بَلَى﴾ هذه حَرْف جَواب، يُجاب بها النفيُ لإِثْباته. فإذا قال قائِل: أينَ النفيُ فى هذه الآيةِ؟ قُلْنا: قول هذه المُكذِّبة: ﴿أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ يَتَضمَّن أن الله تعالى لم يَهدِها، فقال الله تعالى: ﴿بَلَى﴾ يَعنِي: بلى قد جاءَك ما فيه الهِداية، وهو بَعْث الرُّسُل؛ لأن فيها ﴿لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي﴾ يَتَضمَّن الهِداية العِلْمية؛ هِداية الرُّشْد الذي هو التَّوفيق. والخُلاصةُ: أن قولها: ﴿لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي﴾ يَتضمَّن نفيَ هِداية الله تعالى لها، لو أن الله تعالى هَداني لكُنْت، ولكنه لم يَهدِنِي، فلم أَكُن من المُتَّقين. إِذَنْ: هذا الكلامُ يَتَضمَّن نفيَ الهِداية، فقال الله تعالى مُبطِلًا هذا النفيَ: ﴿بَلَى﴾ يَعنِي: بلى قد هَداكِ الله تعالى، هَداها بما جاءَت به، وهذه هِدايةُ الدَّلالة ﴿بَلَى﴾ أي: بلى قد هَداكِ الله تعالى. قوله تعالى: ﴿قَدْ جَاءَتْكَ آيَاتِي﴾ قال المُفَسِّر ﵀: [القُرآن وهو سبَب الهِداية] ما سبَق ليس خاصًّا بأُمَّة مُحمَّد ﷺ حتى يُقال: إن الآياتِ هي القُرآنُ، ولكنه

стр. 411

عامٌّ لجَميع الأُمَم الذين يَرَوْن العَذاب يوم القِيامة، فإذا كان من هذه الأُمَّةِ فالآياتُ التي جاءَت هي القُرآن، وإذا كان من قوم مُوسى ﵇ فالآياتُ هي التَّوراةُ، وإذا كان من قوم عِيسى ﵇ فالآياتُ الإنجيلُ، وهلُمَّ جَرًّا. والآياتُ جَمْع: آيةٍ، وهي في اللغة: العَلامة المُبيِّنة لمَدلولها، وقد سمَّى الله ما جاءَت به الرُّسُل آياتٍ؛ لأنه علامة على الربِّ ، ممَّا يَتَضمَّنه من الصِّدْق في الأَخْبار، والعَدْل في الأَحْكام، وأنه لو اجتَمَع الخَلْق على أن يَأْتوا بمِثل ما جاء به الرُّسُل من الشرائِع ما استَطاعوا ذلك، وهذا آيةٌ؛ لأن ما يُقْدَر عليه لا يُعتَبَر آيةً. وقدِ استَمَرَّ المُتأخِّرون على تَسمية الآيات: مُعجِزاتٍ؛ وهذا فيه نظَر، فإن المُعجِزاتِ أعمُّ من الآيات، إذ إن المُعجِزة قد تَكون من الساحِر، وقد تَكون من الكاهِن، وقد تَكون من المُشعوِذ، لكن الآية التي تُبيِّن الشيء وتُوضِّحه لا تَكون من هؤلاء؛ ولهذا يَنبَغي أن نَقول: (آياتُ الأنبياء) بدَلَ (مُعجِزاتُ الأنبياء)؛ لأن هذه: أوَّلًا: هي المُوافَقة لما جاء في القرآن، فإن الله لم يُسمِّ آياتِ الأنبياءِ مُعجِزاتٍ. ثانيًا: لِئَلَّا يَدخُل ما جاء مُعجِزًا من غير الأنبياءِ. فقوله تعالى: ﴿بَلَى قَدْ جَاءَتْكَ آيَاتِي﴾ أيِ: العَلاماتُ التي تَدُلُّ على أن الله تعالى حقٌّ، أيِ: القُرآن، قال ﵀: [وهو سبَب الهِداية]. قوله: [هو] أي: ما جاءت به الرُّسُل من الآيات [سبَب الهِداية]، ولكن لمَن: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ [ق: ٣٧]. أمَّا مَن حقَّتْ عليه كلِمة العَذاب وعلِمَ الله تعالى أنه ليس أهلًا لها، فيَقول الله تعالى فيه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ (٩٦) وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾ [يونس: ٩٦, ٩٧].

стр. 412

قوله تعالى: ﴿فَكَذَّبْتَ بِهَا﴾ باعتِبار الأخبار، ﴿وَاسْتَكْبَرْتَ﴾ باعتِبار الأحكام الأوامِر والنَّواهِي، ففي جانب الخبَر مُكذِّب، وفي جانب الأمر والنَّهيِ مُستَكبِر. ولهذا قال المُفَسِّر ﵀: [﴿فَكَذَّبْتَ بِهَا وَاسْتَكْبَرْتَ﴾ تَكبَّرت عن الإيمان بها] ولو قيل: عن العمَل بها؛ ليَكون التَّكذيب للأخبار، والاستِكبار عن الأَحْكام، ولكن ما ذكَرَه المُفَسِّر ﵀ لا بأسَ به عن الإيمان بها. قوله : ﴿وَكُنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾: ﴿وَكُنْتَ﴾ أي: بسَبَب التَّكذيب والاستِكبار ﴿مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ الذين يَستَحِقُّون دُخول النار؛ لقِيام الحُجَّة عليهم. من فوائد الآية الكريمة: الْفَائِدَة الأُولَى: تَكذيب هؤلاء الذين قالوا: ﴿لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ لقوله تعالى: ﴿بَلَى قَدْ جَاءَتْكَ﴾. الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: إبطال الاحتِجاج بالقدَر على معصية الله ، ووجهُه: أن الله تعالى جعَل إرسال الرُّسُل حُجَّة، ولو كان القدَر حُجَّةً لصاحِبه لم يَبطُل بإرسال الرُّسُل. وعلى هذا فنَقول: الاحتِجاج بالقدَر باطِلٌ من جهة الشَّرْع، ومن جهة النَّظَر؛ أي: من جِهة العَقْل. أمَّا من جهة الشَّرْع فإن الله أَبطَله في عِدَّة آياتٍ منها هذه الآيةُ: ﴿بَلَى قَدْ جَاءَتْكَ آيَاتِي﴾ لمَّا قالت: ﴿لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾. ومنها قوله تعالى: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ﴾، قال الله تعالى: ﴿كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا﴾

стр. 413

[الأنعام: ١٤٨]، ولو كان الاحتِجاج بالقدَر نافِعًا لهم ما ذاقوا بأسَ الله تعالى إذ لا يَذوق بأسَ اللهِ تعالى إلَّا مَن لا حُجَّةَ له. أمَّا من حيثُ النظَر: فإننا نَقول لهذا المُحتَجِّ بالقدَر: ما الذي أَعلَمك أن الله تعالى كتَبَ عليك أن تَعصيَه؟ فلا يُمكِن أن يَعلَم بذلك قبل أن تَقَعَ المعصية، إِذْ إن القَدَر سِرٌّ مَكتوم لا يُعلَم به إلَّا بعد وُقوع المَقدور كما قال الله تعالى: ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا﴾ [لقمان: ٣٤]، فإذا كنتَ لا تَعلَم به إلَّا بعد وُقوع المَقدور، فتَجعَل لفِعْلكَ حُجَّةً لم تَعلَم بها إلَّا بعد وقوع الفِعْل؛ لأنَّ الحُجَّة للفِعْل لا بُدَّ أن تَكون سابِقةً عليه، أمَّا بعد أن يَقَع فإنه لا حُجَّةَ لك في القدَر. ونَقول: إنك ظلَمْت نَفْسك باختيار المَعصِية، قال الله تعالى: ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ [هود: ١٠١]، فأنت الآنَ ظلَمْت نَفْسَك واحتَجَجْت على ذلك بالقَدَر، فما ظنُّك لو أن أحَدًا من الناس ظلَمَك في مالِك أو عِرْضك، وقال: إن هذا قدَرُ الله تعالى. هل تَقبَل حُجَّته؟! الجَوابُ: لا، فمَعلوم أنه لو أن أحَدًا ضرَبه أو أخَذَ ماله أو أَساء إلى أهله، وقال: هذا قدَرُ الله تعالى، لا أَستَطيع. فإنه لن يَقبَل منه هذه الحُجَّةَ، فإذا كان لا يَقبَل حُجَّة مَن ظلَمه فلماذا يَقبَل حُجَّته على نَفْسه في ظُلْمه إيَّاها؟! فهذا مُنافٍ للعَقْل. ويُذكَر أن أمير المُؤمِنين عمرَ بنَ الخطاب ﵁ رُفِع إليه سارِق، فأمَر بقَطْع يَدِه، فقال: يا أميرَ المُؤمِنين، والله ما سرَقْتُ إلَّا بقدَر الله. يُريد أن يَرفَع عنه حَدَّ السرِقة، فقال أميرُ المُؤمِنين عُمرُ ﵁: ونحن لا نَقطَعُك إلَّا بقدَر الله. لأنه إذا كان هو سرَق بقدَر الله تعالى فنحن أيضًا نَقطَعه بقدَر الله تعالى، بل نحن نَقطَعه بقدَر الله تعالى وشَرْع الله تعالى، فهو سرَقَ بقدَر الله تعالى دون شَرْع الله تعالى، فكُنَّا أَقوى

стр. 414

منه حُجَّةً، ولكن أمير المُؤمِنين ﵁ عدَل عن ذِكْر الشَّرْع اقتِصارًا على ما احتَجَّ به هذا السارِقُ. ونَقول لهذا الرجُلِ: لو خُيِّرت بين بلَدين أحدُهما بلَدٌ آمِن مُطمَئِنٌّ يَأتيه رِزْقه رغَدًا من كل مَكان، والثاني بلَدٌ خائِف وجوع ومرَض فهل تَذهَب إلى الثاني، وتَحتَجُّ بقدَر الله تعالى؟ أو إلى الأوَّل، وتَقول: إن الله تعالى أَعطاني عَقْلًا ففضَّلْتَ الأوَّل؟ سيَقول: إن الله تعالى أَعطاني عَقْلًا ففَضَّلْتُ البلَد الآمِن، ولا يُمكِن أن يَذهَب إلى البلَد الخائِف ويَقول: هذا بقَضاء الله تعالى وقدَره. لو ذهَب إلى البلَد الخائِف باختياره وقال: هذا بقضاء الله تعالى وقدَره. لقال الناس: إن هذا الرجُلَ مَجنون، إذ إنه لا يُمكِن أن يَختار مثل هذا البلَدِ على البلد الأوَّلِ. وبهذا تَبيَّن بُطلان مَن احتجَّ بالقضاء على مَعاصِي الله تعالى، حتى مَن احتَجَّ بالقضاء على تَرْك الأفضل هو أيضًا مُخطِئ، ويُؤيِّد ذلك الوجهُ الأخيرُ؛ حيث اختار البلَد الآمِن الذي يَأتيه رِزْقه رغَدًا من كل مَكان. الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: أن هؤلاء الذين أُصيبوا بالعَذاب أُصيبوا بالجزاء العَدْل؛ وذلك لأنهم كذَّبوا بالآيات واستَكْبَروا عنها، وهذا جزاؤُهم؛ لأن هذا الجزاءَ الذي أُصيبوا به ليس خافِيًا عليهم ولا مَكتومًا عنهم، فإن الرُّسُل جاءَتْهم بالأحكام والأخبار، والترغيب والترهيب، وقد دخَلوا على بصيرة، فيَكون جَزاؤُهم عَدْلًا لا جَوْرًا؛ لأنهم علِموا ماذا يُلاقون إذا كذَّبوا واستَكْبَروا. الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أن التَّكذيب بآيات الله تعالى كُفْر، والاستِكْبار عن أحكام الله تعالى كُفْر؛ لقوله تعالى: ﴿وَكُنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾.

стр. 415

ولا شَكَّ أن المُكذِّب للخبَر كافِر سواءٌ كذَّب الخبَر المُتواتِر المَقطوع به، أو كذَّب خبَر الآحاد، فإنه يَكون كافِرًا، لكن تكذيب خبَر الآحاد يُشتَرَط لتَكفيره أن يَقول: نعَمْ، قال الرسولُ كذا، ولكنه غيرُ صحيح، أمَّا لو قال: لم يَقُلِ الرسول كذا، وهو خبَرُ آحاد. فهذا لا نَحكُم بكُفْره؛ لأنه يُمكِن أن يَكون أَنكَره؛ لعدَم ثُبوته عِنده، لكن لو قال: أنا أَقول: إن النبيَّ ﷺ قال: "لَا صَلَاةَ لمَنْ لَا وُضوءَ لَهُ" (١)، ولكني أَقول: هذا ليس بصحيح، فحُكْم هذا الكُفرُ ولا شَكَّ؛ لأن هذا تَكذيبٌ صريح للنبيِّ ﷺ بعد أن عَلِم أن الرسولَ ﷺ قاله، بل بعد أن أَقَرَّ هو بنَفْسه أن الرسول ﷺ قاله. وعلى هذا فإذا قال لك قائِل: هل يَكفُر من كذَّب أخبار الآحاد؟ فيَجِب أن تُفصِّل، وتَقول: إن قال: نعَمْ قال النبيُّ ﷺ كذا، ولكن لا قَبولَ وليس بصِدْق. فهذا كافِر بلا شَكٍّ. أمَّا إذا كذَّب دون أن يَقول مثل ذلك فإننا لا نُكذِّبه؛ لاحتِمال أن يَكون تَكذيبه لعدَم ثُبوت الخبَر عنده وهي شُبهةٌ تَرفَع عنه الحُكْم بالكُفْر؛ لأن الحُكْم بالكُفْر ليس بالأمر الهَيِّن وهو إخراج الإنسان من نِطاق الإسلام إلى نِطاق الكُفْر.

стр. 416

الآية (٦٠) * قَالَ اللهُ : ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْمُتَكَبِّرِينَ﴾ [الزمر: ٦٠]. قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾: (يوم) هذه ظَرْف تَحتاج إلى مُتعلِّق؛ لأن كل ظَرْف أو جارٍّ ومَجرور فلا بُدَّ له من شيء يَتعلَّق به؛ لأن الظرف والجارَّ والمَجرور لا يُمكِن أن يَكون عامِله مَعنويًّا، لا بُدَّ أن يَكون عامِله لفظيًّا، بخِلاف غيرهما، فإنه قد يَكون عامِله مَعنوِيًّا فيَكون مُبتَدَأ، لكن الظرف لا يَكون مُبتَدَأ، والجارُّ والمجرور لا يَكون مُبتَدَأ، فلا بُدَّ له من عامِل لَفْظيٍّ، والعامِل اللفظيُّ إمَّا فِعْل، وإمَّا ما كان بمَعنَى الفِعْل كاسْمِ الفاعِل واسم المَفعول، وعلى هذا يَقول ناظِمُ الجُمَل: لَا بُدَّ لِلْجَارِّ مِنَ التَّعَلُّقِ ... بِفِعْلٍ اوْ مَعْنَاهُ نَحْوُ مُرْتَقِ وَاسْتَثْنِ كُلَّ زائِدٍ لَهُ عَمَلْ ... كَالْبَاءِ وَمِنْ وَالْكَافِ أَيْضًا وَلَعَلّ إذن: قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ﴾: ﴿وَيَوْمَ﴾ هذه ظَرْف تَحتاج إلى مُتعلَّق، ومُتعَلَّقها الفِعْل الذي بعدَه ﴿تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا﴾ يَعنِي: وتَرَى الذين كذَبوا على الله يوم القيامة ﴿وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ﴾، ولكن قدَّم المَعمول للأَهمِّيَّة؛ لأن المُهِمَّ التَّحدُّث عن هذا اليوم.

стр. 417

وقوله تعالى: ﴿تَرَى الَّذِينَ﴾ الخِطاب لكل مَن يَصِحُّ خِطابه، فيَعُمُّ الرسول ﷺ ، وغيره ممَّن يَصِحُّ توجيه الخِطاب إليهم. والرُّؤية هنا رُؤيةٌ بصَرية؛ لأن السَّواد لون، والرُّؤية باللَّون هي رُؤيةٌ بصَرية؛ لأن الألوان تُرى ولا تُعقَل؛ يَعنِي: تُدرَك بالرؤية لا بالعَقْل. قوله تعالى: ﴿كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ﴾ بكل أنواع الكذِب، فكلُّ مَن كذَب على الله تعالى فإن وجهَه سيَكون مُسوَدًّا يوم القيامة، وذلك [بنِسبة الشَّريك له]، كما قال المُفَسِّر ﵀ [بنِسْبة الولَد له]، كما قال المُفَسِّر ﵀ أيضًا، وبنِسبة الجَوْر له، وبنِسْبة الظُّلْم، وبأي شيء يَكذِب على الله تعالى، فإن الذين يَكذِبون على الله تعالى ستَكون وجوهُهم يوم القِيامة مُسوَدَّة، حتى لو كانوا في الدُّنيا بِيضًا فإنهم يَأتون يوم القيامة وجوهُهم مُسوَدَّة - والعِياذُ بالله -. قال تعالى: ﴿تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ﴾ ولم يَقُل: تَرَى وجوهَ الذين كذَبوا على الله مُسوَدَّة؛ لأن التَّركيب المَذكور في القُرآن أَبلَغُ في الإثبات؛ حيث جعَل هذا الوَصْفَ - أَعنِي: سَواد وجوهِهم - مُكوَّنًا من جُملة واحِدة؛ لأن الجُملة الاسْمِيَّة تُفيد الثُّبوت والاستِمْرار، بخِلاف الجُمْلة الفِعْلية فإنها تُفيد التَّجدُّد والحُدوث. فـ ﴿تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ﴾ ترَى نفس الإنسان وجهُه مُسوَدٌّ، لكن لو قال: تَرَى وجوه الذين كذَبوا على الله تعالى مُسوَدَّة لم تَحصُل هذه الفائِدة. إذن: هذا التركيبُ الذي في الآية الكريمة يُفيد مَعنًى أكثَرَ ممَّا لو كان على التَّركيب الذي ذكَرْته؛ لأن هذا التَّركيبَ القرآنيَّ يَدُلُّ على أن هذا الاسوِدادَ في

стр. 418

وجوههم ثابِتٌ مُستَقِرٌّ، حيث جاء بالجُملة الاسمِيَّة، والجُملة الاسْمِيَّة تُفيد الثُّبوت والاستِمْرار. قوله تعالى: ﴿أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْمُتَكَبِّرِينَ﴾: ﴿أَلَيْسَ﴾ الاستِفهام هنا للتَّقرير، ويَقول العُلماءُ ﵏: كلَّما جاءَت أداة النفيِ بعد الاستِفْهام فإنه للتَّقرير، كقوله تعالى: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ﴾ [التين: ٨]. وقوله تعالى: ﴿أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾ [القيامة: ٤٠]، وقوله تعالى: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ [الزمر: ٣٦]، وقوله تعالى: ﴿أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْمُتَكَبِّرِينَ﴾ [الزمر: ٦٠]، وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ [الشرح: ١]، والآيات في هذا كثيرة. فالاستِفهام إذَنْ في هذه الآيةِ: ﴿أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْمُتَكَبِّرِينَ﴾ - والجَوابُ: بلى - استِفهام تَقرير. وقوله تعالى: ﴿جَهَنَّمَ﴾ اسمٌ من أسماء النار - أَعاذَني الله تعالى وإيَّاكم منها - وهل هو اسمٌ مُعرَّب، أو هو اسمٌ عرَبيٌّ على وَزْن فَعلَل؟ في ذلك قولان: منهم مَن قال: إنه اسم مُعرَب وأصلُه في الفارسية: (كهَنّام) فعُرِّب فآلَ إلى جَهنَّمَ. وقيل: بل هو اسمٌ عرَبيٌّ على وَزْن فَعلَّل، مَأْخُوذ مِنَ الجُهمة وهي الظُّلْمة؛ لأن النار - والعِياذُ بالله - سَوداءُ مُظلِمة. وإذا دار الأمرُ بين أن تَكون الكلِمة أصيلة أو دَخيلة فالأصل أنها أَصيلة؛ لأن القُرآن عرَبيٌّ، فإذا حكَمْنا بأن الأصل عرَبيٌّ جعَلنا اللغة العربية غَنيَّةً عن غيرها، وإذا جعَلْنا أصلَه فارِسيًّا، أو حبَشِيًّا، أو ما أَشبَه ذلك، ولكنه عُرِّب، فهذا يَعنِي أن

стр. 419

اللغة العربية افتَقَرت إلى هذه الكلِمةِ فعرَّبتها وأَدخَلَتْها في لسان العرَب. قال المُفسِّر ﵀: [﴿مَثْوًى﴾ مَأوًى] فالمَثوَى والمَأوَى بمَعنًى واحِد، والمُراد بالمَثْوى والمَأْوَى: المَقَرُّ والمَسكَن. قال ﵀: [﴿لِلْمُتَكَبِّرِينَ﴾ عن الإيمان] وعن الأعمال أيضًا، فكُلُّ مُتكبِّر - والعِياذُ بالله - فهو من أصحاب النار. قال المُفسِّر ﵀: [بلى] هذا جَوابُ: ﴿أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْمُتَكَبِّرِينَ﴾، وإذا جاءت مثل هذه الصِّيغةِ في القُرآن فجَوابها: (بلى)؛ فإذا قرَأْت قوله تعالى: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ أو قوله تعالى: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ ذِي انْتِقَامٍ﴾ [الزمر: ٣٧]، أو قوله تعالى: ﴿أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾، أو قوله تعالى: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ﴾ فالجوابُ: بلى. وهكذا. من فوائد الآية الكريمة: الْفَائِدَة الأُولَى: إثبات قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ﴾ ويوم القيامة هو يوم قِيام الساعة، وسُمِّيَ بذلك لأن الناس يَقومون من قُبورهم لربِّ العالَمين؛ ولأنه يُقام فيه العَدلُ؛ ولأن الأَشهاد تَقوم فيه؛ لقوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [المطففين: ٦]؛ ولقوله : ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [الأنبياء: ٤٧] ولقوله تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ [غافر: ٥١]. فهذا هو سبَب تَسمية يوم القيامة. الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: سُوء عاقِبة الكاذِبين على الله تعالى؛ لقوله تعالى: ﴿وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ﴾.

стр. 420

الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: تَحريم الكذِب على الله تعالى، ويُؤخَذ ذلك من العُقوبة، فالتَّحريم لا يُستَفاد من صيغة فقَطْ، بل يُستَفاد التحريم من صيغة النَّهيِ، والقَتْل لفاعِله، وبيان عُقوبة فاعِله، وما أَشبَه ذلك، المُهِمُّ أن وسائل العِلْم بالتَّحريم مُتعدِّدة. الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: التحذير من الفُتيا بلا عِلْم؛ لأن مَن يُفتِي بلا عِلْم فقد قال على الله تعالى ما لا يَعلَم، وقد بيَّن تَحريم ذلك في قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٣]. الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: أن الكاذِبين على الله تعالى مَقرُّهم النار؛ لقوله تعالى: ﴿أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْمُتَكَبِّرِينَ﴾. الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: تحريم التَّكبُّر؛ لقوله تعالى: ﴿لِلْمُتَكَبِّرِينَ﴾ تَكبُّرٌ عن الحقِّ، تَكبُّرٌ على الخَلْق، ويَدُلُّ لهذا التنويعِ أن النبيَّ ﵊ قال: "الْكِبْرُ بَطَرُ الحَقِّ وَغَمْطُ النَّاسِ" (١). فقوله: "بَطَرُ الحَقِّ" تَكبُّر عن الحَقِّ، و"غَمْطُ النَّاسِ" تَكبُّر على الخَلْق، وأَعظَمُهما الأوَّل، وهو التَّكبُّر عن الحقِّ؛ لأن الثانيَ داخِلٌ فيه، فإن التَّكبُّر على الخَلْق تَكبُّر عن الحقِّ، إذ إن الحقَّ يَأمُرك أن تَكون مُتواضِعًا للحقِّ وللخَلْق. الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: التَّحذير من التَّكبُّر، وأن عُقوبة المُتكبِّرين دُخول النار، بل إذا كان التَّكبُّر تَكبُّرًا مُطلَقًا فإن عُقوبته السُّكنَى في النار والخلود في النار، أمَّا مَن تَكبَّر مُطلَق تَكبُّر فهذا لا يُحكَم له بالخُلود في النار؛ لأنه قد يَتكبَّر عن بعض الحَقِّ، أو يَتكبَّر على الخَلْق فلا يَستَحِقُّ الخُلود.

стр. 421

الآية (٦١) * قَالَ اللهُ : ﴿وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ لَا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [الزمر: ٦١]. لمَّا ذكر الله عِقاب الذين كذَبوا على الله تعالى بيَّن ثواب الذين اتَّقَوُا الله ، وهذا دأَبُ القرآن الكريم أنه إذا ذكَر الشيء ذكَر مُقابِله، وهو من مَعنَى قوله تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ﴾ [الزمر: ٢٣]. قال العُلَماءُ ﵏: ﴿مَثَانِيَ﴾ أي: تُثنَّى فيه المَعاني، فإذا جاء وَصْف المُؤمِنين جاء وَصْف الكافِرين، وإذا جاء ثواب المُؤمِنين جاء ثواب الكافِرين، وكذلك بالعكس، وذلك من أَجْل أن لا يَستَغرِق الإنسان في جانب الرجاء إذا ذَكَرَ وَصْف المُؤمِنين وثوابهم، وكذلك لا يَيْأَس إذا ذكَر وَصْف الكافِرين وعِقابهم. وهنا يَقول الله : ﴿وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ﴾: ﴿وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ من عِقاب الكافِرين، فلا تَكون وجوهُهم مُسوَدَّةً، ولا تَكون مَثواهم جَهنَّمَ، وقد بيَّن الله في آيات أخرى أن يوم القِيامة ﴿تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ [آل عمران: ١٠٦]، فتَسوَدُّ وجوهُ الكافِرين، وتَبيَضُّ وجوه المُؤمِنين، فيُنجِّي الله تعالى الذين اتَّقَوْا من عِقاب الكافِرين في هذا وفي هذا. وقول المُفَسِّر ﵀: [﴿وَيُنَجِّي اللَّهُ﴾ من جَهنَّمَ] صحيح، لكن لو قال: من

стр. 422

عِقاب الكافِرين. لكان أعمَّ؛ لتَشمَل النَّجاة نجاتَهم من جَهنَّمَ، ومن أن تَكون وجوهُهم مُسوَدَّةً، ومن غير ذلك. قال ﵀: [﴿الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ الشِّرْكَ]، والصواب أن يُقال في هذا: اتَّقوا الله؛ لأن التَّقوى عند الإطلاق إنما يُراد بها تَقوى الله ، وقد تُذكَر في غير الله تعالى، مثل قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٨١]، وقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٣١]، وما أَشبَه ذلك، لكن عند الإطلاق لا يُراد بها إلَّا تَقوَى الله . قوله ﵀: [﴿بِمَفَازَتِهِمْ﴾ أي: بمَكان فَوْزهم من الجنَّة بأن يَجعَلوا فيه]. قال ﵀: [بمَكان فَوْزهم من الجَنَّة بأن يَجعَلوا فيه]، فأَفادَنا ﵀ بهذا التَّفسيرِ: أن الباء بمَعنَى (في) أي: يُنجِّي الله الذين اتَّقَوْا من العذاب في مكان فَوْزهم، وهو الجَنَّة. والباء تَأتي بمَعنَى (في) في اللغة العربية، ومنه قوله ﵎: ﴿وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ (١٣٧) وَبِاللَّيْلِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [الصافات: ١٣٧, ١٣٨]، ﴿وَبِاللَّيْلِ﴾ يَعنِي في الليل. وقوله ﵎: ﴿لَا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ هذا من نَجاتهم أنهم لا يَمَسُّهم السوء، أي: لا يَمسُّهم شيء يَسوؤُهم، لا من عِقاب، ولا من تَوبيخ، ولا غير ذلك؛ ولهذا إذا دخَل أهل الجَنَّةِ الجَنَّةَ يُقال: يا أهلَ الجَنَّة، خُلودٌ فلا موت. ويقال: إن لكم أن تَنعَموا، وإن لكم أن تَصِحُّوا، وإن لكم أن تَحيَوْا. يَعنِي: فلا تمَوتوا، ولا تَسقَموا، ولا تَبأَسوا. دائِمًا هم في نعيم؛ ولهذا قال تعالى: ﴿لَا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ أي: لا يَحزَنون على ما سبَقَ؛ لأنَّ الحُزْن يَكون على ما مضَى، والغَمَّ

стр. 423

يَكون للمُستَقبَل، أمَّا المُستَقبَل فقال تعالى: ﴿لَا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ﴾، وأمَّا الماضي فقال تعالى: ﴿وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ أي: لا يَحزَنون على ما مضَى؛ لأنهم لم يُفرِّطوا فيه، بل عرَفوا قَدْر الزمَن، وعمِلوا فيه ما نجَوْا به من عَذاب الله . من فوائد الآية الكريمة: الْفَائِدَة الأُولَى: فضل الله على المُتَّقين، حيث يُنجِّيهم إلى مكان الفَوْز. الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: فضيلة التَّقوى وآثارها وثمَراتها، وقد ذكَر الله في القرآن الكريم من ثمَراتها شيئًا كثيرًا. الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: أن هؤلاءِ الناجِين لا يَمَسُّهم سوء في المُستَقبَل، ولا يَحزنون على شيء مضَى، وبذلك يَتِمُّ نعيمهم؛ لأن النعيم يَنقُص إذا أصاب الإنسانَ همٌّ أو غمٌّ للمُستَقبَل، وَينقُص أيضًا إذا أَصابَه حُزْنٌ على الماضي، أمَّا إذا عرَف أنه كَسَب الماضيَ وأنه لن يَنالَه سوءٌ في المُستَقبَل فسوف يَتِمُّ له النعيم.

стр. 424

الآية (٦٢) * قَالَ اللهُ : ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ [الزمر: ٦٢]. قوله تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ جُملة اسْمِية تُفيد الثُّبوت والاستِمرار، وأن الله تعالى دائِمًا وأبدًا هو الخالِق. وقوله تعالى: ﴿خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ مَعناها: مُوجِده على الصورة التي أَرادَها الله . والخَلْق في الأصل بمَعنَى: التقدير، ولكنه يُطلَق على الإيجاد المَقرون بالتَّقدير والتَّسوِية والإحكام والنِّظام، فهُنا الخَلْق يُراد به الإيجاد على وجهٍ كامِل بتَقديره وتَسوِيته وتَنظيمه. وقوله تعالى: ﴿كُلِّ شَيْءٍ﴾ قال بعض الناس: يُستَثْنَى من ذلك نفسُه، ولكن هذا ليس بصواب؛ لأنه من المَعلوم أن الفاعِل ليس المَفعولَ، وحينئذٍ لا يُحتاج إلى استِثناء، والاستِثناء يُحتاج في جُملةٍ يَكون فيها المُستَثْنى داخِلًا فيها لولا الاستِثناء، أمَّا هنا فلا يُمكِن أن يَكون داخِلًا فيها؛ لأن الفاعِل غير المَفعول، فالخالِق غير المَخلوق، ولا يُمكِن أن يُوجَد مَخلوقٌ ويُوجَد بعده خالِقه مثَلًا حتى نَقول: إن الجُملة تَحتاج إلى استِثناء. قال تعالى: ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾: ﴿وَهُوَ﴾ يَعنِي: الله ﴿عَلَى كُلِّ

стр. 425

شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ قال ﵀: [مُتصرِّفٌ فيه كيف يَشاء]، ولو قال: ﴿عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ أي: حفيظًا عليه مُدبِّرٌ له، لكان أعَمَّ؛ لأن الوكيل في اللغة هو الذي وُكِل إليه الشيء حِفْظًا وتَدبيرًا، والله على كل شيء وكيل حِفْظًا وتدبيرًا، وهنا لا يُقال: كيف كان وَكيلًا؟ ومَن الذي وكَّله؟ ونَقول: إذا كان الوكيل بمَعنَى: الحفيظ المُدبِّر فلا حاجةَ إلى استِحْفاظ، بل هو الذي تَولَّى ذلك بنَفْسه. من فوائد الآية الكريمة: الْفَائِدَة الأُولَى: عُموم خَلْق الله لكل شيء؛ لقوله تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾. الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: الرَّدُّ على القدَرية الذين قالوا: إن الإنسان خالِقُ أَفعالَه؛ ووجه ذلك: أن أَفعَال العِباد داخِلة في العُموم، فهي شيء من الأشياء، فتكون داخِلةً في العُموم. الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: أن الله تعالى خالِقٌ للأعيان والأَوْصاف؛ لأن الأعيان شيء يَعنِي: تُسمَّى شيئًا، والأوصاف تُسمَّى أيضًا شيئًا. فإن قال قائِل: إن القُرآن مَخْلوق؛ لقوله تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾، والقرآن شيء، وأن الله تعالى مَخلوق؛ لأنه شيء، قال الله تعالى: ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً﴾ [الأنعام: ١٩]، فما تَقولون في ذلك؟ الجَوابُ: نَقول: هذا ليس بصحيح، أمَّا كون الله تعالى مَخلوقًا فقد تَقدَّم قبل قليل، وهو: ضرورةُ أن الفاعِل ليس هو المَفعولَ، هذا واحِد. وأمَّا أنَّ القرآن غير مَخْلوق؛ فلأنَّ القُرآن وصفُ الله ، والربُّ بصِفاته
следующие страницы →