الآية (٦١)
* قَالَ اللهُ : ﴿وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ لَا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [الزمر: ٦١].
لمَّا ذكر الله عِقاب الذين كذَبوا على الله تعالى بيَّن ثواب الذين اتَّقَوُا الله ، وهذا دأَبُ القرآن الكريم أنه إذا ذكَر الشيء ذكَر مُقابِله، وهو من مَعنَى قوله تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ﴾ [الزمر: ٢٣].
قال العُلَماءُ ﵏: ﴿مَثَانِيَ﴾ أي: تُثنَّى فيه المَعاني، فإذا جاء وَصْف المُؤمِنين جاء وَصْف الكافِرين، وإذا جاء ثواب المُؤمِنين جاء ثواب الكافِرين، وكذلك بالعكس، وذلك من أَجْل أن لا يَستَغرِق الإنسان في جانب الرجاء إذا ذَكَرَ وَصْف المُؤمِنين وثوابهم، وكذلك لا يَيْأَس إذا ذكَر وَصْف الكافِرين وعِقابهم.
وهنا يَقول الله : ﴿وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ﴾: ﴿وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ من عِقاب الكافِرين، فلا تَكون وجوهُهم مُسوَدَّةً، ولا تَكون مَثواهم جَهنَّمَ، وقد بيَّن الله في آيات أخرى أن يوم القِيامة ﴿تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ [آل عمران: ١٠٦]، فتَسوَدُّ وجوهُ الكافِرين، وتَبيَضُّ وجوه المُؤمِنين، فيُنجِّي الله تعالى الذين اتَّقَوْا من عِقاب الكافِرين في هذا وفي هذا.
وقول المُفَسِّر ﵀: [﴿وَيُنَجِّي اللَّهُ﴾ من جَهنَّمَ] صحيح، لكن لو قال: من
стр. 422
عِقاب الكافِرين. لكان أعمَّ؛ لتَشمَل النَّجاة نجاتَهم من جَهنَّمَ، ومن أن تَكون وجوهُهم مُسوَدَّةً، ومن غير ذلك.
قال ﵀: [﴿الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ الشِّرْكَ]، والصواب أن يُقال في هذا: اتَّقوا الله؛ لأن التَّقوى عند الإطلاق إنما يُراد بها تَقوى الله ، وقد تُذكَر في غير الله تعالى، مثل قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٨١]، وقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٣١]، وما أَشبَه ذلك، لكن عند الإطلاق لا يُراد بها إلَّا تَقوَى الله .
قوله ﵀: [﴿بِمَفَازَتِهِمْ﴾ أي: بمَكان فَوْزهم من الجنَّة بأن يَجعَلوا فيه].
قال ﵀: [بمَكان فَوْزهم من الجَنَّة بأن يَجعَلوا فيه]، فأَفادَنا ﵀ بهذا التَّفسيرِ: أن الباء بمَعنَى (في) أي: يُنجِّي الله الذين اتَّقَوْا من العذاب في مكان فَوْزهم، وهو الجَنَّة.
والباء تَأتي بمَعنَى (في) في اللغة العربية، ومنه قوله ﵎: ﴿وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ (١٣٧) وَبِاللَّيْلِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [الصافات: ١٣٧, ١٣٨]، ﴿وَبِاللَّيْلِ﴾ يَعنِي في الليل.
وقوله ﵎: ﴿لَا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ هذا من نَجاتهم أنهم لا يَمَسُّهم السوء، أي: لا يَمسُّهم شيء يَسوؤُهم، لا من عِقاب، ولا من تَوبيخ، ولا غير ذلك؛ ولهذا إذا دخَل أهل الجَنَّةِ الجَنَّةَ يُقال: يا أهلَ الجَنَّة، خُلودٌ فلا موت. ويقال: إن لكم أن تَنعَموا، وإن لكم أن تَصِحُّوا، وإن لكم أن تَحيَوْا. يَعنِي: فلا تمَوتوا، ولا تَسقَموا، ولا تَبأَسوا. دائِمًا هم في نعيم؛ ولهذا قال تعالى: ﴿لَا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ أي: لا يَحزَنون على ما سبَقَ؛ لأنَّ الحُزْن يَكون على ما مضَى، والغَمَّ
стр. 423
يَكون للمُستَقبَل، أمَّا المُستَقبَل فقال تعالى: ﴿لَا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ﴾، وأمَّا الماضي فقال تعالى: ﴿وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ أي: لا يَحزَنون على ما مضَى؛ لأنهم لم يُفرِّطوا فيه، بل عرَفوا قَدْر الزمَن، وعمِلوا فيه ما نجَوْا به من عَذاب الله .
من فوائد الآية الكريمة:
الْفَائِدَة الأُولَى: فضل الله على المُتَّقين، حيث يُنجِّيهم إلى مكان الفَوْز.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: فضيلة التَّقوى وآثارها وثمَراتها، وقد ذكَر الله في القرآن الكريم من ثمَراتها شيئًا كثيرًا.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: أن هؤلاءِ الناجِين لا يَمَسُّهم سوء في المُستَقبَل، ولا يَحزنون على شيء مضَى، وبذلك يَتِمُّ نعيمهم؛ لأن النعيم يَنقُص إذا أصاب الإنسانَ همٌّ أو غمٌّ للمُستَقبَل، وَينقُص أيضًا إذا أَصابَه حُزْنٌ على الماضي، أمَّا إذا عرَف أنه كَسَب الماضيَ وأنه لن يَنالَه سوءٌ في المُستَقبَل فسوف يَتِمُّ له النعيم.
стр. 424
الآية (٦٢)
* قَالَ اللهُ : ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ [الزمر: ٦٢].
قوله تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ جُملة اسْمِية تُفيد الثُّبوت والاستِمرار، وأن الله تعالى دائِمًا وأبدًا هو الخالِق.
وقوله تعالى: ﴿خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ مَعناها: مُوجِده على الصورة التي أَرادَها الله .
والخَلْق في الأصل بمَعنَى: التقدير، ولكنه يُطلَق على الإيجاد المَقرون بالتَّقدير والتَّسوِية والإحكام والنِّظام، فهُنا الخَلْق يُراد به الإيجاد على وجهٍ كامِل بتَقديره وتَسوِيته وتَنظيمه.
وقوله تعالى: ﴿كُلِّ شَيْءٍ﴾ قال بعض الناس: يُستَثْنَى من ذلك نفسُه، ولكن هذا ليس بصواب؛ لأنه من المَعلوم أن الفاعِل ليس المَفعولَ، وحينئذٍ لا يُحتاج إلى استِثناء، والاستِثناء يُحتاج في جُملةٍ يَكون فيها المُستَثْنى داخِلًا فيها لولا الاستِثناء، أمَّا هنا فلا يُمكِن أن يَكون داخِلًا فيها؛ لأن الفاعِل غير المَفعول، فالخالِق غير المَخلوق، ولا يُمكِن أن يُوجَد مَخلوقٌ ويُوجَد بعده خالِقه مثَلًا حتى نَقول: إن الجُملة تَحتاج إلى استِثناء.
قال تعالى: ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾: ﴿وَهُوَ﴾ يَعنِي: الله ﴿عَلَى كُلِّ
стр. 425
شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ قال ﵀: [مُتصرِّفٌ فيه كيف يَشاء]، ولو قال: ﴿عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ أي: حفيظًا عليه مُدبِّرٌ له، لكان أعَمَّ؛ لأن الوكيل في اللغة هو الذي وُكِل إليه الشيء حِفْظًا وتَدبيرًا، والله على كل شيء وكيل حِفْظًا وتدبيرًا، وهنا لا يُقال: كيف كان وَكيلًا؟ ومَن الذي وكَّله؟ ونَقول: إذا كان الوكيل بمَعنَى: الحفيظ المُدبِّر فلا حاجةَ إلى استِحْفاظ، بل هو الذي تَولَّى ذلك بنَفْسه.
من فوائد الآية الكريمة:
الْفَائِدَة الأُولَى: عُموم خَلْق الله لكل شيء؛ لقوله تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: الرَّدُّ على القدَرية الذين قالوا: إن الإنسان خالِقُ أَفعالَه؛ ووجه ذلك: أن أَفعَال العِباد داخِلة في العُموم، فهي شيء من الأشياء، فتكون داخِلةً في العُموم.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: أن الله تعالى خالِقٌ للأعيان والأَوْصاف؛ لأن الأعيان شيء يَعنِي: تُسمَّى شيئًا، والأوصاف تُسمَّى أيضًا شيئًا.
فإن قال قائِل: إن القُرآن مَخْلوق؛ لقوله تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾، والقرآن شيء، وأن الله تعالى مَخلوق؛ لأنه شيء، قال الله تعالى: ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً﴾ [الأنعام: ١٩]، فما تَقولون في ذلك؟
الجَوابُ: نَقول: هذا ليس بصحيح، أمَّا كون الله تعالى مَخلوقًا فقد تَقدَّم قبل قليل، وهو: ضرورةُ أن الفاعِل ليس هو المَفعولَ، هذا واحِد.
وأمَّا أنَّ القرآن غير مَخْلوق؛ فلأنَّ القُرآن وصفُ الله ، والربُّ بصِفاته
стр. 426
ليس مَخلوقًا، بل هو لم يَزَل ولا يَزال بصِفاته، فكلامه غير مَخلوق ومنه القُرآن.
وعلى كل حال: فيَكون الربُّ وصِفاته ليس داخِلًا في هذا العُمومِ بالضرورة؛ لأنَّ الخالِق غير المَخلوق.
وأمَّا قول الذين استَدَلُّوا بهذه الآيةِ على خَلْق القُرآن: أنَّ هذا عامٌّ؛ فنَقول: إن العامَّ قد يُراد به الخُصوص، هذا إذا صحَّ أن الذِّهْن يَنتَقِل من هذا العُمومِ إلى كل شيء، ونَقول: إن كلِمة (كل شيء) تَأتي ولا يُراد بها العُموم، مثل قوله تعالى: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا﴾ [الأحقاف: ٢٥]، ومَعلومٌ أنها لم تُدمِّر السمَواتِ ولا الأرضَ، بل ولا مَساكِنَ القوم، كما قال تعالى: ﴿فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ﴾ [الأحقاف: ٢٥].
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: عِناية الله بما خلَقَ؛ لأنه لمَّا ذكَرَ أنه خلَق كل شيء بيَّن أنه على كل شيء وَكيل، وهذا يَدُلُّ على عِناية الله بخَلْقه ﵎.
الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: أن ما يُصيب الناس من البلاء والفِتَن فإنه مِن الله تعالى ومن مُقتَضى وَكالته؛ لعُموم قوله تعالى: ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾.
ومَعلومٌ أن الإنسان إذا آمَن هذا الإيمانَ فإنه سيَسهُل عليه كلُّ ما صعُب، وإذا آمَن أيضًا أنه بالصبر والاحتِساب تَنقَلِب هذه المَصائِبُ نِعَمًا هانَت عليه أيضًا؛ ولهذا لا نَجِد أحدًا أَعظَمَ راحةً ممَّن آمَن بالقدَر خيرِه وشَرِّه، فإنك تَجِد الإنسان وإن تَقلَّبَت به الأحوال تَجِده راضيًا مُطمَئِنًّا؛ إن أَصابَتْه الضرَّاءُ صبَر فكان خيرًا له، وإن أَصابَتْه السرَّاءُ شكَرَ فكان خيرًا له.
стр. 427
الآية (٦٣)
* قَالَ اللهُ : ﴿لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [الزمر: ٦٣].
قال الله : ﴿لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ قال ﵀: [أي: مَفاتيحُ خزائِنها من المطَر والنبات وغيرهما]، قوله تعالى: ﴿لَهُ مَقَالِيدُ﴾ المَقاليد جَمْع: مِقلاد، وهو ما يُقلَّد به الشيء، هذا هو هذا الأصل، والمُفَسِّر ﵀ جعَل المَقاليد هنا بمَعنَى: المَفاتيح، ولو أنه قال: ﴿لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي: تَدبير السمَواتِ والأرض. لكان أَوْلى؛ لأن كلِمة: المَفاتيح قد يَظُنُّ الظانُّ أنه يَملِك المفاتيح دون التَّدبير، ولكن الأمر ليس كذلك، فهو بيَدِه مَقاليد السمَواتِ والأرض. أي: تَدابيرُهما كما يَشاء.
ثُمَّ قال : ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا﴾ مُبتَدَأ، وجملة: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ خبَرُه، وعلى هذا فتَكون هذه الجُملةُ تَتَضمَّن جُمْلَتين: كُبرى، وصُغرى.
الكبرى: هي المُكوَّنة من المُبتَدَأ والخَبَر، والصُّغرى: هي التي وقَعَت خبَرًا، فقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا﴾ مُبتَدَأ، ﴿أُولَئِكَ﴾ مُبتَدَأ آخَرُ ﴿الْخَاسِرُونَ﴾ خبَر المُبتَدَأ الآخَر، والجُملة من المُبتَدَأ الثاني وخبَرِه خبَرُ المُبتَدَأ الأوَّل.
وفائِدة الإتيان بهذا التَّركيبِ: أنه أُسنِدَت الجُمْلة الثانية إلى الأُولى حتى صارت
стр. 428
الجُمْلة جُمْلتين في المَعنَى.
أمَّا قوله تعالى: ﴿هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ فـ ﴿هُمُ﴾ ضَمير فَصْل لا مَحَلَّ له من الإعراب.
وفائِدتُه:
أوَّلًا: التَّوكيد.
ثانيًا: الحَصْر.
ثالثًا: التَّمييز، أو إن شِئْت فقُلِ: الفصل بين كون ما بعدَه خبَرًا أو وَصْفًا، فإنك إذا قلت: زيدٌ هو الفاضِلُ. فإن كلمة (الفاضِل) تَحتَمِل أن تَكون خبَرًا، أو أن تَكون صِفة إذا حَذَفت (هو)، وإذا قلت: زيدٌ الفاضل. فربما يَترَقَّب الإنسان كلِمة أُخرى تَتِمُّ بها الجُملة، ويَعتقِد أن (الفاضِل) صِفة، فإذا قلتَ: هو الفاضِل. زال هذا الوهمُ، أو زال هذا التَّوقُّع، وعَلِم أن ما بعد (هو) خبَرَ المُبتَدَأ.
قال ﵀: [﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ القرآن] وهذا فيه شيءٌ من القُصور؛ لأن آياتِ الله في القرآن وفي غير القرآن، ثُمَّ الآياتُ كونيةٌ وشَرْعيةٌ، والكُفْر يَكون بهما جميعًا؛ أي: بالآيات الكونية والآيات الشرعية، ويَكون بالقرآن وبالتَّوراة وبالإنجيل وبغَيرِهما من الكُتُب التي أَنزَلها الله , فالأَوْلى العُموم أن يُقال: كفَروا بآيات الله تعالى الكَوْنية والشَّرْعية، القرآن وغير القرآن.
وأصل الكُفْر الجَحْد، ومنه: الكفرة الذي هو وِعاء طَلْع النَّخْلة؛ لأنه يَستُر الطَّلْع ولا يَتبيَّن، والكافِر جاحِدٌ ساتِرٌ لحَقِّ الله ولنِعَم الله , وكُفرهم بآيات الله تعالى يَكون تارةً بالتكذيب وتارةً بالاستِكْبار، ففي مُقابِل الأخبار يَكون بالتَّكذيب،
стр. 429
وفي مُقابِل الأمر والنَّهيِ يَكون بالاستِكْبار.
إذَنِ: الكُفْر قُلنا: إنه يَتَضمَّن شيئين: إمَّا جُحودًا، وإمَّا استِكبارًا.
قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾، قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ﴾ اسمُ إشارة، وهنا المُشار إليه بعيد؛ لأن الكافَ لا تَأتِي إلَّا إذا كان المُشار إليه بعيدًا، فإنها تَأْتي الكاف لتَنبيه المُخاطَب إلى المُشار إليه؛ لبُعْده، أمَّا إذا كان المُشار إليه قريبًا فإنه لا يُؤتَى بالكاف، بل يُقال: (أولاءِ) مثل: (هَؤلاءِ)، ويُقال: (هذا) لكن إذا كان بَعيدًا فإنه يُؤتَى بالكاف؛ لتَنبيه المُخاطَب إلى المُشار إليه؛ لأنه لا شَكَّ أن الإنسان إذا خُوطِب كان ذلك أبلَغَ في تَنبيهه: (أولئِك) إذا قلتَ الكافَ سيَنتَبِه ويَنظُر من هذا المُشارُ إليه.
فإذا كان لا يَكون إلَّا البعيد، فالبُعْد إمَّا عُلوٌّ أو سُفول، وإمَّا حِسِّيٌّ وإمَّا مَعنَوِيٌّ، فالأقسام إذَنْ أربعة، والقِسْم الذي يَنطَبِق على الذين كفَروا هنا حِسِّيٌّ، لكن في الدنيا مَعنوِيٌّ؛ لأنه قد يَكون كافِرًا وهو في قِمَّة الجبَل.
قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ هم لا غيرهم الخاسِرون الذين خسِروا الدُّنيا والآخِرة، أمَّا خُسْران الآخِرة فظاهِر، وأمَّا خُسْران الدنيا فإنهم إنما خُلِقوا لعِبادة الله تعالى، ولم يَقوموا بعِبادة الله تعالى، إذَنْ خَسِروا المعنى الذي من أَجْله خُلِقوا، قال الله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦]، وقال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ [الزمر: ١٥].
قال المُفَسِّر ﵀: [مُتَّصِلٌ بقوله: ﴿وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ﴾ وما بينهما اعتِراض] قوله ﵀: [مُتَّصِلٌ] يَعنِي بقوله تعالى: ﴿وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا
стр. 430
بِمَفَازَتِهِمْ﴾؛ هذا ما ذهَب إليه ﵀، ولكن هذا قد يُنازَع، قد يُقال إن قوله تعالى: ﴿وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ﴾ هو مُتَّصِل بما قبلَه، لمَّا ذكَر الذين كذَبوا على الله تعالى أن وجوهَهم مُسوَدَّة قال تعالى: ﴿وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾، أمَّا هذا فليس له صِلة بما ذُكِر، بل صِلَته بما قَبْله مُباشَرةً أَبْيَنُ وأَظهَرُ؛ لأن الله تعالى قال: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (٦٢) لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ يَعنِي: فبَعدَ هذا البيانِ، وبعد إقرار الكُفَّار بأن الله تعالى خالِق كل شيء لا يَبقَى لهم رِبْحٌ إذا كفَروا، بل همُ الخاسِرون.
فتَكون هذه الآيةُ مُتَّصِلةً بما قبلَها مُباشَرةً، وليست مُتَّصِلةً بقوله تعالى: ﴿وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ﴾، لأن هذه الآيةَ: ﴿وَيُنَجِّي اللَّهُ﴾ مُتَّصِلة بما قبلَها، وهذا هو مُقتَضى النَّظْم القرآني، أمَّا أن نُشَتِّتَ الآياتِ ونَقول: كلُّ هذه الجُملةِ ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (٦٢) لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ كل هذا جُملة اعتِراضية، أو كل هذا اعتِراضٌ لا محَلَّ له هنا؛ فلا شَكَّ أن هذا خِلاف ما يَقتَضيه النَّظْم وسِياق القرآن.
فالصَّوابُ: أن هذه الجُملةَ مُتَّصِلة بما قبلَها، ووجهُ الاتِّصال أنه بيَدِه مَقاليدُ السمَوات والأرض، وأنه خالق كل شيء، وهم يُقِرُّون به؛ فصار هؤلاء الذين يُقِرُّون بأن الله تعالى خالِق كل شيء، وأن له مَقاليدَ السموات والأرض وكفَروا به يَكونون خاسِرين لا شكَّ هم أَخسَرُ الناس، فكيف يُقِرُّون بأن الله تعالى خالِق كل شيء، وأن له مَقاليدَ السموات والأرض ثُم يَكفُرون بآياته؟! وكان مُقتَضى هذا الإقرارِ أن يُؤمِنوا بآياته، ولكنهم خَسِروا فكفَروا بآيات الله تعالى، قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾.
стр. 431
من فوائد الآية الكريمة:
الْفَائِدَة الأُولَى: أن المُدبِّر للسَّموات والأرض هو الله تعالى وحدَه؛ ووجهُ كونه وحدَه: أنه قُدِّم الخَبَر في قوله تعالى: ﴿لَهُ مَقَالِيدُ﴾ وتقديم الخَبَر يُفيد الحَصْر.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: لَفْت نظَر الإنسان إلى أن لا يَستَعين إلَّا بالله تعالى، ولا يَسأَل إلَّا الله تعالى، ولا يَتَوكَّل إلَّا على الله تعالى؛ وجهُ ذلك: أنه هو الذي له مَقاليدُ السمَوات والأرض، فإِذَن لا تَلتَفِت إلى غيره، كما قال النبيُّ ﵊ لعَبدِ الله بن عباس ﵄: "إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلِ اللهَ، وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللهِ" (١).
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: أن الكافِرين همُ الخاسِرون وإن كانوا في الدنيا قد ربِحوا الجَوْلة، فإنهم خاسِرون دُنيا وأُخرى؛ لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾.
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: وُجوب الإيمان بآيات الله تعالى؛ ووجهُ الدَّلالة: أنه إذا كان الوَعيد على مَن كفَر بها دلَّ ذلك على وُجوب الإيمان.
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: تَحريم الكُفْر؛ لكونه سببًا للخَسارة.
فإذا قال قائل: أين في الآية لفظ يحرم؟
قُلْنا: التحريم يُستَفاد بعِدَّة طرُق، منها: النهيُ مثل: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا﴾ [الإسراء: ٣٢]، ومنها: التصريح بالتحريم مثل: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ﴾ [المائدة: ٣]، ومنها: نفيُ الحِلِّ مثل: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، ومنها: الوعيد على الشيء، ومنها: بيانُ فَوات الخير.
стр. 432
وطرق إفادة التحريم مُتعَدِّدة، لكن من جُمْلتها: أن تَرتيب الخُسْران على فعل الشيء يَدُلُّ على أنه حرام.
الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: رِبْح الذين آمَنوا، وأنهم هم الرابِحون، فيُؤخَذ من مفهوم خَسارة الكافِرين: أن يَكون الرِّبْح للمُؤمِنين، وقد صرَّح الله تعالى بذلك في قوله تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر: ١ - ٣].
стр. 433
الآية (٦٤)
* قَالَ اللهُ : ﴿قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ﴾ [الزمر: ٦٤].
قوله تعالى: ﴿قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي﴾ الهَمْزة للاستِفْهام، والفاء حَرْف عَطْف، وهنا يُشكِل على هذا الإعرابِ ما اشتُهِر من أن هَمزة الاستِفهام لها الصَّدارة، وهنا قال تعالى: ﴿قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي﴾ فإذا كان لها الصَّدارة فكيف تَأتِي الفاء بعدَها الدالة على أن الجُملة مَعطوفة؟
فالجَوابُ: إن في ذلك لعُلماءِ النَّحوِ ﵏ وَجهَيْن:
الوجهُ الأوَّل: أن الهمزة للاستِفهام، وأنها داخِلة على جُملةٍ مَعطوف عليها، وتُقدَّر هذه الجُملةُ بما يُناسِب السِّياق، وعلى هذا فيَكون التَّقديرُ في هذه الآيةِ: قُلْ أَتَجْهَلون فغيرَ الله تَأمُرونِّي أَعبُد أيُّها الجاهِلون؛ ويُقدَّر في كل مَوضِع ما يُناسِبه، فقوله : ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ [يوسف: ١٠٩]، التَّقدير: أَغَفَلوا فلم يَسيروا في الأرض.
وقيل: إن الهَمْزة للاستِفْهام، وإن الفاء مُزحلَقة عن مَكانها، والتَّقدير: فأَغَيرَ الله. فتكون هذه الجُملةُ مَعطوفةً على ما سبَق، ولكن المَعنَى الأوَّل إذا تَيَسَّر وأَمكَن أن يُقدَّر شيءٌ مُناسِب فإنه أَوْلى.
يَقول المُفَسِّر ﵀ في إعرابه: [﴿غَيْرَ﴾ مَنصوب بـ ﴿أَعْبُدُ﴾ المَعمول
стр. 434
لـ ﴿تَأْمُرُونِّي﴾ بتَقدير (أَن)؛ بنونٍ واحِدة وبنُونين، وبإدغامٍ وفَكٍّ]، هذه على قول: ﴿تَأْمُرُونِّي﴾.
يَقول المُفَسِّر ﵀ في الإعراب: إن ﴿غَيْرَ﴾ مَنصوبة بـ ﴿أَعْبُدُ﴾، والتقديرُ: أَأَعبُد غير الله تعالى بأَمْركم. هذا مَعنَى الآية.
وقوله تعالى: ﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي﴾ فيها قِراءات:
أوَّلًا: قِراءتها بنون واحِدة: (تَأمُرونِي).
ثانيًا: قِراءتها بنونين بإدغام (تَأمُرونِّي).
ثالثًا: قِراءتها بنُونين بدون إدغام (تَأمُرونَنِي).
فقوله تعالى: ﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ﴾ يَعنِي: أَتَأمُرونَني أَعبُد غير الله تعالى.
قوله تعالى: ﴿أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ﴾ أيِ: الجاهِلون بحقيقة ما يَجِب لله وبحقيقة عِبادة الأصنامِ، ويُحتَمَل أن المَعنى المُراد بقَوْله تعالى: ﴿الْجَاهِلُونَ﴾ أيِ: السُّفَهاء؛ لأن الجَهْل تارةً يُراد به السفَهُ، وتارةً يُراد به عدَم العِلْم، وإذا كان المُراد به السفَهُ فإنه يُسمَّى جهالةً، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ﴾ [النساء: ١٧].
وقوله تعالى: ﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي﴾ يَشمَل كلَّ ما سِوى الله تعالى من حَيٍّ وميت وصالِحٍ وفاسِد وجَمادٍ وحَيَوان.
قوله تعالى: ﴿أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ﴾: (أيُّ) مُنادى، و ﴿الْجَاهِلُونَ﴾ وَصْف لـ (أَيُّ)؛ ولهذا جاءَتْ مَرفوعةً، والاستِفهام هنا للتَّوْبيخ والإنكار بدليل قوله تعالى: ﴿أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ﴾.
стр. 435
من فوائد الآية الكريمة:
الْفَائِدَة الأُولَى: جَهالة أُولئِك الذين يَأمُرون بعِبادة الأَصنام.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أن هؤلاء الجاهِلين حاوَلوا أن يَجعَلوا الرسول ﷺ نفسَه يَعبُد الأصنام مع أنه إنما جاء لتَوحيد الله وحدَه.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: أن الربَّ عِبادته عِلْم ورُشْد؛ لأنه إذا كانت عِبادة غيره جَهْلًا فعِبادته عِلْمٌ ورُشْد.
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أنه إذا كان المُشرِكون يُحاوِلون أن يُشرِك النبيُّ ﷺ ، فما بالُكَ بأَتباع الرسول ﵊؟! فإنهم سوف يُحاوِلون أن يَجعَلوهم مُشرِكين أكثَرَ من مُحاوَلتهم إشراكَ النبيِّ ﷺ .
ويَتفَرَّع على هذه الفائِدةِ: الحذَرُ من دُعاة الشِّرْك والكُفْر، مثل دُعاة النَّصرانية اليومَ، فإن النَّصارى - علَيْهم لَعْنة الله تعالى إلى يوم القِيامة - يُحاوِلون بكل ما يَستَطيعون أن يُضلِّلوا المُسلِمين، وأن يُنصِّروهم، وإذا عجَزوا عن ذلك فعلى الأقَلِّ أن يُخرِجوهم من دِينهم وإن لم يَدخُلوا دِين النَّصْرانية، وهذا الآنَ واضِح، فتَجِدهم يُنشِئُون الإذاعاتِ القويَّةَ الواضِحة من أَجْل دعوة المُسلِمين إلى النَّصْرانية، وتَجِدهم يَكتُبون الكِتاباتِ الكثيرةَ من رسائِلَ وكتُبٍ أكبَرَ يَبُثُّونها بين المُسلِمين، وتَجِدهم أيضًا يَكتُبون الإنجيل كِتابةً ككِتابة المُصحَف تمامًا مُفصَّلًا مُعرَبًا مَشكولًا؛ حتى يَظُنَّه العامِّيُّ من الناس الذي لم يَعرِف القرآن أنه هو القُرآن، وتَجِدهم أيضًا يَذهَبون إلى البِلاد الفَقيرة العاجِزة، ويُنشِئُون فيها المَدارِس والمَرافِق، ثُمَّ الكَنائِس من أَجْل إبلاغ الناس.
стр. 436
فالمُهِمُّ: أن أعداء المُسلِمين لا يَأْلون جُهْدًا في إخراج المُسلِمين عن دِينهم إلى مِلَّتهم التي كانوا عليها.
стр. 437
الآية (٦٥)
* قَالَ اللهُ : ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الزمر: ٦٥].
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ﴾ هذه الجُملةُ مُؤكَّدة بمُؤكِّدين: اللَّام، والقسَم المُقدَّر، والتَّقدير: واللهِ لقَدْ.
وقوله تعالى: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ في هذا إشكالٌ: وهو كيف يَقول الله تعالى في حقِّ رسوله ﷺ : ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾؟ وهل يَجوز أن يُشرِك؟
الجَوابُ: من وَجْهَيْن:
الوَجْه الأوَّلُ: أن المُراد بهذا الأُمَّةِ، وإن كان الخِطاب مُوجَّهًا للرسول ﷺ ؛ فالمُرادُ به الأُمَّة، كقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام: ٨٨].
الوجه الثاني: أن التَّعليق بالشَّرْط لازِم منه وُقوع المَشروط، ونَظيره قولُه تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ﴾ [الزخرف: ٨١]، ومَعلومٌ أنه يَمتَنِع أن يَتَّخِذ الله تعالى ولَدًا.
قوله تعالى: ﴿وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ مُؤكَّدة باللَّام والقسَم المُقدَّر؛ لأن اللَّام هذه تَكون جَوابًا للقسَم.
стр. 438
من فوائد الآية الكريمة:
الْفَائِدَة الأُولَى: أن الشِّرْك مُحبِطٌ للعمَل، ولو وقَع من أفضل الخَلْق؛ لقوله تعالى: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أن هذا الحُكمَ ثابِتٌ في جميع الشرائِع؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ﴾.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: عِظَم الشِّرْك، وأنه أَفسَدُ أنواع المَعاصِي؛ ولهذا يُحبِط العمَل كُلَّه.
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: إثبات الوَحيِ للرسول ﷺ ، ولمَن سبَقَه من الرُّسُل عليهم الصلاة والسلام.
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: أن الشِّرْك سبَبٌ للخُسْران في الدنيا والآخِرة؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾.
الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: أن الكُفَّار وإن ربِحوا في الدنيا فإنهم في الحَقيقة خاسِرون للدُّنيا وللآخِرة؛ لأنهم لم يَنتَفِعوا في الدنيا بما خُلِقوا له؛ فلذلك كانوا خاسِرين، وقد قال الله تعالى في آية أُخرى: ﴿قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ [الزمر: ١٥].
стр. 439
الآية (٦٦)
* قَالَ اللهُ : ﴿بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ [الزمر: ٦٦].
قوله تعالى: ﴿بَلِ﴾ هذه لإِضراب الإِبْطال؛ والإضرابُ عِندهم نَوْعان:
١ - نَوْعٌ يُراد به إبطال ما سبَق وإثبات ما لَحِق.
٢ - ونَوْعٌ يُراد به الانتِقال من شيءٍ إلى آخَرَ.
مِثال الأوَّل: هذه الآيةُ.
ومِثال الثاني: قولُه تعالى: ﴿بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ﴾ [النمل: ٦٦]، فهنا انتِقالات من سيِّئٍ إلى أَسوَأَ ﴿بَلِ ادَّارَكَ﴾، أي: بعد عِلْمهم في الآخِرة ﴿بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ﴾.
وهُنا يَقول تعالى: ﴿بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ﴾ هذا إضرابٌ إِبْطاليٌّ لما سبَق من الشِّرْك. يَعنِي: بل دَعِ الشِّرْك فإنه باطِل واعبُدِ الله تعالى.
وقوله تعالى: ﴿بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ﴾ قال المُفَسِّر ﵀: [وحدَه] وأخَذ هذه الوَحْدانيةَ المُفيدةَ للحَصْر من تَقدير المَعمول؛ والقاعِدة في البَلاغة: أن تَقديم ما حقُّه التَّأخيرُ يُفيد الحَصْر والاختِصاص، ومَعلومٌ أن المَفعول به حَقُّه التأخيرُ، فإذا قُدِّم على عامِله أَفاد الاختِصاص والحَصْر، أي: بل اللهَ تعالى وحده فاعبُدْ.
стр. 440
وقوله تعالى: ﴿فَاعْبُدْ﴾ الفاء يَقولون: إنه جِيء بها لتَحسين اللَّفْظ، ولو حُذِفت في غير القُرآن لاستَقام الكلام، لكنها في القرآن لا تُحذَف؛ لأنه نزَل من عند الله تعالى، ولا يُمكِن تَغييرُه، إنما في التَّعبير بمِثْل ذلك يُسمُّون هذه الفاءَ فاءَ التَّزْيِين، ولها نَظير مثل قولهم: عِندي كذا وكذا فقَطْ. أي قَطُّ، والفاء زائِدة؛ لتَحسين اللَّفْظ.
قال تعالى: ﴿بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ﴾: (اعْبُدْ) فِعْل أَمْر أي: تَذلَّل له بفِعْل عِبادة بامتِثال أوامِره واجتِناب نَواهيه.
واعلَمْ أن العِبادة تُطلَق على مَعنَيَيْن:
المَعنَى الأوَّل: التَّعبُّد.
والمَعنَى الثاني: المُتعبَّد به.
أمَّا التَّعبُّد فمَعناه: التَّذلُّل لله تعالى محَبَّةً وتَعظيمًا، بالقِيام بأَوامِره واجتِناب نَواهِيه، فإذا رأَيْنا شَخْصًا يُصلِّي مثَلًا قلنا: هذا يَتَعبَّد. أي: يَتَذلَّل لله تعالى بفِعْل الصلاة، وتُطلَق على المُتعَبَّد به، أي: على نَفْس المَفعول.
وعرَّفها شيخُ الإسلام ﵀ على هذا المَعنَى بقوله: "العِبادة اسمٌ جامِع لكل ما يُحِبُّه الله تعالى ويَرضاه من الأقوال والأعمال الباطِنة والظاهِرة" (١).
وعلى هذا فالصلاةُ نَفسُها نُسمِّيها عِبادة، والصدَقة عِبادة، والصوم عِبادة، والحَجُّ عِبادة، وبِرُّ الوالِدَيْن عِبادة، وصِلة الأَرْحام عِبادة، والإحسان إلى الفُقَراء عِبادة، وهكذا.
قوله تعالى: ﴿بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾: (كُنْ) فِعْل أَمْر، و ﴿مِنَ
стр. 441
الشَّاكِرِينَ﴾ أي: مِنَ الذين يَشكُرون الله تعالى.
واعْلَمْ أن (أل) إذا اتَّصَلت بمُشتَقٍّ فإنها تَكون اسْمًا مَوصولًا من أسماء المَوْصول العامَّة، فهي بمَنزِلة (مَن) وبمَنزِلة (ما) إذا اتَّصَلت بمُشتَقٍّ، مثل: الشاكِر والمَشكور والأحسَن وما أَشبَهها؛ فعلى هذا يَكون قوله تعالى: ﴿مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ مُفيدًا للعُموم، أي: من القائِمين بشُكْر الله تعالى، والشُّكْر هو القِيام بطاعة المُنعِم عَقيدةً وقولًا وفِعْلًا، ولهذا قال الشاعِر:
أَفَادَتْكُمُ النَّعْمَاءُ مِنِّي ثَلَاثَةً ... يَدِي وَلِسَانِي وَالضَّمِيرَ المُحَجَّبَا (١)
يَعنِي: أنكم مَلَكْتم بإنعامكم عليَّ قلبي ولِساني وجَوارحي.
فإن قال قائِل: هل الشُّكْر هو الحَمْد أو غيرُه؟
فالجَوابُ: بينهما عُموم وخُصوص، يَجتَمِعان فيما إذا كانا في مُقابَلة نِعمة، فإن الحَمْد هو الشُّكْر؛ لأنه ثَناءٌ على الله تعالى باللِّسان، فإذا أكَل الإنسان أو شَرِب فقال: الحَمْد لله تعالى؛ كان بذلك شاكِرًا وحامِدًا، ويَنفَرِد الحمد بوَصْف الله تعالى بالكَمال دون مُقابَلة نِعْمة، فإذا أَثنَيْت على الله تعالى بأنه الحيُّ العَظيم، وما أَشبَهَ ذلك فهو حَمْد، وليس شُكْرًا؛ لأنه ليس في مُقابِل نِعْمة، لكن ربما نَعتَبِره شُكْرًا باعتِبار أنه عِبادة، والقِيام بطاعة المُنعِم من الشُّكْر.
وإذا قُمْتَ بطاعة الله جَزاءً على نِعْمته ولم يَكُن في ذِهْنك وَصْفه بالكَمال صار ذلك شُكْرًا لا حَمْدًا.
وعلى كل حال: قد يَحصُل انفِراد أحدِهما عن الآخَر، وذلك لأن الثَّناء نفسه وإن لم يَكُن في مُقابَلة نِعْمة يُعتَبر شُكْرًا؛ لأنه قِيامٌ بطاعة المُنعِم.
стр. 442
من فوائد الآية الكريمة:
الْفَائِدَة الأُولَى: وُجوب إخلاص العِبادة لله تعالى؛ لقوله ﵎: ﴿بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ﴾.
ويَتفَرَّع على هذه القاعِدةِ: أن الإنسان لو أَشرَك بالله تعالى لحَبِط عمَله؛ لأنه إذا أَشرَك بالله تعالى عمِل عمَلًا ليس عليه أَمْر الله تعالى ورسولُه ﷺ ، وقد قال النبيُّ ﷺ : "مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ" (١).
وهذا بغَضِّ النظَر عن قوله تعالى: ﴿لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾، فهذا نصٌّ صريح، لكن إذا أرَدْنا أن نَأخُذها من قوله تعالى: ﴿بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ﴾؛ فنَقول: إن مَن أَشرَك مع الله تعالى أحَدًا فعمَله حابِط مَردود، والدليل: قوله ﷺ : "مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ".
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: وُجوب الشُّكْر على كل أحَدٍ؛ لقوله : ﴿وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾، وإذا وجَب الشُّكْر حرُم ضِدُّه وهو الكُفْر.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: أن الإخلاص لله تعالى من شُكْره؛ لأنه أَعقَب قوله ﵎: ﴿بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ﴾ بقوله تعالى: ﴿وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾.
стр. 443
الآية (٦٧)
* قَالَ اللهُ : ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الزمر: ٦٧].
قوله تعالى: ﴿مَا﴾ نافية، و ﴿قَدَرُوا﴾ بمَعنَى: عظَّموا، ولَفْظ الجلالة مَفعول لـ (قَدَروا)، و ﴿حَقَّ قَدْرِهِ﴾ مَفعولٌ مُطلَق؛ لأنه أُضيف إلى المَصدَر، والمُضاف إلى المَصدَر يُسمَّى مَفعولًا مُطلَقًا؛ لأنه بمَنزِلة المَصدَر، وعلى هذا فنَقول: ﴿حَقَّ قَدْرِهِ﴾ أي: حقَّ تَعظيمه.
قال المُفسِّر ﵀: [ما عرَفوه حَقَّ مَعرِفته، أو ما عظَّموه حقَّ عظَمَته حين أَشرَكوا به غيرَه]، والصَّواب: الثاني: أن المَعنَى: ما عظَّموه حقَّ عظَمته حين أَشرَكوا به غيره، لأن من عَظَّم الله تعالى حقَّ تَعظيمه لا يُمكِن أن يُشرِك به أحَدًا.
ودليلُ ذلك: أن هؤلاءِ عرَفوا الله تعالى كما في قوله تعالى ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزخرف: ٨٧]، وقوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزمر: ٣٨]، لكن لم يُعظِّموا مَن عرَفوه حقَّ تَعظيمه، وهذا هو الذي نَفاه الله تعالى هنا.
ثُمَّ قال تعالى: ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ الواو للحال، ويَجوز أن تَكون استِئْنافية؛ لبيان عظَمة الله تعالى.
стр. 444
وقوله تعالى: ﴿الْأَرْضُ﴾ مُبتَدَأ، و ﴿جَمِيعًا﴾ حال، و ﴿قَبْضَتُهُ﴾ خبَر المُبتَدَأ؛ يَعنِي: أن الأرض كلَّها جميعًا - كل الأرَضين السَّبْع - تَكون يوم القيامة قَبْضتَه؛ قال المُفسِّر ﵀: [﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا﴾ حال؛ أيِ: السَّبْع]، فقوله تعالى: ﴿جَمِيعًا﴾ حال من ﴿الْأَرْضُ﴾.
وبهذا نَعرِف أنه يَجوز مجَيءُ الحال من المُبتَدَأ قبل الإتيان بالخَبَر، فتَقول مثَلًا: زيدٌ قائِمًا خيرٌ منه قاعِدًا.
وقوله ﵀: [﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ﴾ أي: مَقبوضةٌ له، أي: في مُلْكه وتَصرُّفه] فسَّر المُفَسِّر ﵀ القَبْض بمَعنى المُلْك والتَّصرُّف، وفي هذا نظَرٌ ظاهِر، بل هذا تَحريف؛ لأن المُلْك والتَّصرُّف كل شيء في مُلكه وتَصرُّفه الأرض والسماء يومَ القيامة وقبلَ يوم القيامة، لكن القَبضة بمَعنَى: المَقبوضة التي تَكون في اليَدِ تُحيط بها اليد.
فيُقال مثَلًا: قبضةٌ من طعام؛ بمَعنَى أن الإنسان يَقبِض الطعام بيَدِه، فالأرض يوم القِيامة قَبْضة الله ، وقد جاء ذلك مُبيَّنًا في حديث عبد الله بن مسعود ﵁ في قِصَّة النبيِّ ﷺ مع حَبْرٍ من أحبار اليَهود أن الله تعالى يَجعَل الأرض على إِصبَع والشجَر على إِصبَع والجِبال على إِصبَع ... إلخ (١).
فالصوابُ المُتعيَّن: أن يُقال: المُراد بالقَبْضة أنها في قَبْضة يَدِه .
فإن قال قائِل: وهل يَجوز لنا أن نُمثِّل هذه القَبضةَ بحيث نَأخُذ تَمرةً أو تُفَّاحة ونَضَعها في أيدينا، ونَقول: قَبْضَتُه ثُم نَقبِض على التُّفَّاحة أو التَّمرة؟
стр. 445
الجَوابُ: لا؛ لأنَّنا لو فعَلْنا ذلك لكان هذا تَمثيلًا لقَبْضة الله للأرض، وهذا لا يَجوز، أمَّا أن نُبيِّن مَعنَى القبضة فلا بأسَ بأن نَقول: القبضة هي وَضْع الشيء في اليد ثُمَّ قَبْضه بها، لكن نُكيِّف كيف قبَضَ الله على الأرض، هذا خِلاف مُعتَقَدِ أهل السُّنَّة والجماعة، كما هو معروف.
فإن قال قائِل: إن الرسول ﷺ عندما قرَأَ قوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [النساء: ١٣٤] وَضَع إِصبَعه على عَيْنه وأُذُنه (١)، فهل يَجوز مثل هذا في قوله ﵎: ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ﴾؟
فالجَوابُ: الجمع بينهما أن ما جاءت به السُّنَّة نَأخُذ به، وما لا فالأصل المَنْع، فأنت إذا قبضت شيئًا بيدك، فواضِح أنك كيَّفْت، لكن نَقول: ﴿قَبْضَتُهُ﴾: أن تَكون هذه الأرضُ جميعًا في يدِ الله ، أمَّا (كيف) فاللهُ تعالى أَعلَمُ.
فيَجِب أن نَعلَم أن الرسول ﷺ فعَل هذا تَحقيقًا لا تَكييفًا، فهو يُحقِّق مَعنَى السمع والبصَر، سَمْع وبَصَر حَقيقيٌّ.
وعلى كل حال: نَقتَصِر في هذا على ما ورَد مهما كان الأمرُ.
ومثل هذا في صِفة الطَّي والقبض، فنَقول: يَطوِي ويَقبِض، والله تعالى يَقدِر ويَبسُط، كما في قوله تعالى.
فإن قال قائِل: ما حُكْم مَن يَقول: (بَيْنَ إِصْبَعَيْنِ مِن أَصابِعِ الرَّحْمَنِ) فيُشِير بإِصْبعيه؟
فالجَوابُ: هو لا يَستَطيع أن يُحدِّد أيَّ الأصابع، ثُمَّ إذا أَشار فقد يَفهَم الرائِي
стр. 446
أن أصابع الرحمن مُباشِرة للقَلْب، وليس كذلك، فالقلب بين إِصْبَعين من أصابع الرحمن (١)، لكن لا نَقول: إنه مُباشِر.
فإذا قال قائِل: كيف يُعقَل أن يَكون القلب بين إِصبَعين من أصابع الرحمن بدون مُباشَرة؟
قلنا: استَمِع لقول الله تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ إلى قوله: ﴿وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ١٦٤]، السَّحاب مُسخَّر بين السماء والأرض، فهل هو مُباشِر للسماء والأرض؟
الجوابُ: لا، فلا يَلزَم من البَينية المُباشَرة، فلا يَجوز أن يُعيِّن إِصبَعين، لأنه إذا فعَل لزِم من ذلك أنه جزَم بأنه بين هذَيْن الإِصبَعين.
وقوله تعالى: ﴿يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ ظَرْف للقَبْضة، أي: أنها تَكون قبضةً له يوم القِيامة، ويوم القِيامة هو اليوم الذي يُبعَث الناسُ من قبورهم لله ، وسُمِّيَ بهذا الاسمِ لوجوهٍ ثلاثةٍ: لقيام الناس من قُبورهم لربِّ العالَمين؛ ولإقامة العَدْل؛ ولقِيام الأشهاد؛ لقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ [غافر: ٥١].
وقوله تعالى: ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ﴾ قال المُفَسِّر ﵀: [مجَموعات بيَمينِه وقُدْرته].
قوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ﴾ الطَّيُّ مَعروف: عَطْف الثَّوْب بعضِهِ على بعضٍ يُسمَّى: طيًّا، ومنه طيُّ الورَقة، فإذا فرَغ الكاتِب منها طواها، يَعنِي: عطَف
стр. 447
بعضَها على بعضٍ، وقد شبَّه الله طيَّه للسَّمَوات بطيِّ السِّجِلِّ للكتُب، فقال جَلَّ وَعَلَا: ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ﴾ [الأنبياء: ١٠٤]، فتَبارَك اللهُ ربُّ العالَمين!.
فهذه السماءُ العَظيمة الواسِعة الأَرْجاء التي ورَد أن سُمْكها خَمسُ مئة عامٍ، يَطوِي الله هذه السمواتِ كما يَطوِي السجِلُّ الكتُبَ، أو كما يُطوَى السجلُّ الكتُبَ ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ﴾ يَعني: كما يَطوِي السجِلُّ وهو كاتِب القاضي، أو كما يُطوى السجِلُّ الذي تُكتَب به القضايا، فالطيُّ مَعروف قُلنا: إنه عَطْف الثوب بعضِه على بعضٍ، أو الورَقة، وما أَشبَه ذلك.
وقوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ﴾ أَتَى بصيغة اسم المَفعول للعِلْم بالطاوِي وهو الله سبحانه، كما تُفسِّره الآياتُ الأخرى ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ﴾.
قال المُفَسِّر ﵀: [﴿مَطْوِيَّاتٌ﴾ مَجموعاتٌ] وهذا فيه نظَر؛ لأننا: نَقول هي مجَموعةٌ طيًّا، وإذا فسَّرْناها بالمَجموعات فإننا لم نُفسِّر تَفسيرًا دقيقًا؛ لأن الشيء قد يَكون مَجموعًا بلا طيٍّ، ولكن إذا كان مَطويًّا فهذا مَعنًى زائِدٌ على مُجرَّد الجَمْع، فالصواب أن يُقال: ﴿مَطْوِيَّاتٌ﴾ أي: مَلفوفٌ بعضُها إلى بعضٍ.
وقوله ﵀: [﴿مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ بقُدْرته] وهذا تَحريف على مَذهَب مَن لا يُؤمِنون بصِفات الله الخبَرية، والصوابُ: أن المُراد باليَمين اليدُ اليُمنَى يَطويها جَلَّ وَعَلَا بيَدِه اليُمنى.
فإن قال قائِل: إنه وَصْف في السُّنَّة أن كِلتا يدَيِ الله يَمين، فما فائِدة ذِكْره في الآيةِ: ﴿وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾؟
стр. 448
فالجَوابُ: كما تَقدَّم وقُلْنا: لله تعالى يَدٌ يمين ويدٌ شِمال، لكن الرسول ﷺ قال: "كِلْتَا يَدَيْهِ يَمِينٌ" (١)، يَعنِي: من اليُمن وهو البرَكة؛ ولدَفْع تَوهُّم أن تَكون اليد الأُخرى ناقِصةً؛ لأن اليَدَ الشِّمال بالنِّسبة لنا ناقِصة عن اليَد اليمين، وقد أَفتَى شيخ الإسلام مُحمَّدُ بنُ عبد الوهَّاب ﵀ في آخِر (كتاب التوحيد) فقال: وفيه التصريح بالشِّمال لله (٢).
قوله تعالى: ﴿سُبْحَانَهُ﴾ اسمُ مَصدَر، وفِعْله: سبَّح، والمَصدَر: تَسبيحٌ، واسمُ المَصدَر: سُبحانَ، وهو مَنصوب على المَفْعولية المُطلَقة دائِمًا، ومُلازِم للإضافة غالِبًا.
وعلى هذا فلا يُخطِئ المَرء في إعرابه؛ فيُعرِبه دائمًا على أنه مَفعول مُطلَق لفِعْلٍ مَحذوف، والتَّقدير: يُسبِّح تَسبيحًا.
وقوله تعالى: ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ أي: تَنزيهًا له، فقَدْ فسَّرْنا كلمة التَّسبيح من حيث التَّصريف، أمَّا مَعنَى التسبيح: التَّنزيه؛ لأنه مِن سبَح يَسبَح إذا بَعُد في الماء، فالتَّنزيهُ: الإبعاد عن السُّوء؛ وعلى هذا فمَعنَى: (سُبحانَ اللهِ) أي: تَنزيهًا له، ويُنَزَّه الله تعالى عن شيئين:
١ - عن مُماثَلة المَخلوق.
٢ - وعن كل نَقْص وعَيْب في صِفاته.
فمثَلًا: قُدْرته مُنَزَّهة عن العَجْز، وعِلْمه مُنزَّهٌ عن الجَهْل والنِّسْيان، وقوَّتُه مُنزَّهة عن الضَّعْف، ويَدُه مُنزَّهة عن مُماثَلة المَخلوقين، ووجهُه كذلك، وهلُمَّ جَرًّا.
стр. 449
الخُلاصةُ: أن تَنزيه الله يَعود إلى شيئين:
الأوَّل: مُماثَلة المَخلوق.
والثاني: العَيْب والنَّقْص.
والدليلُ على أن الله تعالى مُنزَّهٌ عن النَّقْص: قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١]، وقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾ [النحل: ٦٠]، وقوله تعالى: ﴿وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾ [ق: ٣٨]، أي: من تعَبٍ وإِعياءٍ.
والدليل على تَنزُّهِه عن المُماثَلة قولُه تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١].
مَسأَلةٌ: لماذا قُلْنا: "يُنزَّه الله تعالى عن كل نَقْص وعن المُماثَلة" أليسَتِ المُماثَلة نقصًا؟
فالجَواب: أن النقص شيء والمُماثَلة شيء آخَرُ، مثَلًا: لله تعالى القُدْرة، فنَقول: ليسَت كقُدْرة المَخلوق، لكن لا يُمكِن أن يَلحَقها النقصُ.
إذَنْ: لا بُدَّ أن نَقول: "عن كل نَقْص"، فلا يَكفِي نفيُ المُماثَلة، ربما يُغنِي قولُنا: (عن كل نَقْص) عن نفي المُماثَلة؛ لأن المُماثَلة نَقْص، لكن نَقول: إذا كان الله تعالى قد نصَّ على ذلك فقال: ﴿فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١]؛ فيَنبَغي أن نُنَبِّهَ عليه.
وقوله تعالى: ﴿وَتَعَالَى﴾ أي: تَرفَّع لعظَمته.
وقوله ﵀: ﴿عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾] أي: عمَّا يُشرِكون معَه، ولا شكَّ أن هذا هو الواقِعُ.
стр. 450
من فوائد الآية الكريمة:
الْفَائِدَة الأُولَى: بَيان عظَمة الله ؛ لقوله تعالى: ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أن مَن أَشرَك بالله تعالى فإنه لم يُعظِّم الله تعالى حقَّ تَعظيمه، بل بالعَكْس؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: حُسْن التعليم في القُرآن الكريم؛ لأنه لمَّا نفَى عنهم أنهم قدَروا الله تعالى حقَّ قَدْره؛ بيَّن وجه ذلك، فهو أَعظَمُ من كل شيء، قال ﵎: ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أنه يَجِب أن يُعظِّم الله تعالى حقَّ تَعظيمه.
ولكن قد يَقول قائِل: إن هذا فيه مَشَقَّة عظيمة؛ لأن الله تعالى أَعظَمُ وأجَلُّ من أن يُحيط به عمَل العَبْد؛ ولهذا لمَّا نزَل قول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ [آل عمران: ١٠٢] صعُب ذلك على الصحابة ﵃، فمَن الذي يَستَطيع أن يَتَّقيَ الله تعالى حقَّ تُقاته؟!
فيُقال: إن هذه الآيةَ الكريمةَ مُقيَّدة بقوله : ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦]، وإلَّا فمَن الذي يُحصِي أن يُعظِّم الله تعالى حقَّ تَعظيمه على الوجه الذي أَراده الله ؟! ولكن نَقول: إن تَعظيم الله تعالى حقَّ تَعظيمه يَكون بامتِثال أَمْره، وهذا حاصِل بقَدْر المُستَطاع؛ لقوله ﵎: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، ولقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: إثبات اليَدِ لله تعالى؛ لقوله تعالى: ﴿قَبْضَتُهُ﴾، وقوله تعالى: ﴿بِيَمِينِهِ﴾.
стр. 451
الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: أن الأرض يومَ القيامة يَقبِضها الله بيَدِه؛ لقوله تعالى: ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾
الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: أن السمواتِ تُطوَى يومَ القيامة؛ لقوله تعالى: ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾.
الْفَائِدَةُ الثَّامِنَةُ: بَيانُ قُدْرة الله ، حيث يَطوِي هذه السَّمَواتِ على رُكنها كطَيِّ السجِلِّ للكُتُب.
الْفَائِدَةُ التَّاسِعَةُ: تَنزيهُ الله ﵎ عن كل نَقْص وعَيْب؛ لقوله ﵎: ﴿سُبْحَانَهُ﴾.
الْفَائِدَةُ الْعَاشِرَةُ: تَنزيهُه عن مُماثَلة المَخلوقين؛ لأن مُماثَلة المَخلوقين عَيْب، فإن تَمثيل الكامِل بالناقِص يَجعَله ناقِصًا.
قال الشاعِرُ:
أَلَمْ تَرَ أَنَّ السَّيْفَ يَنْقُصُ قَدْرُهُ ... إِذَا قِيلَ إِنَّ السَّيْفَ أَمْضَى مِنَ الْعَصَا (١)
فكَيْف إذا قيل: إن السَّيْفَ مِثْل العَصا؟!
فتَمثيل الله بالمَخلوق تَنقُّص لله ؛ ولأنَّ تمَثيل الكامِل بالناقِص يَجعَله ناقِصًا.
الْفَائِدَةُ الحَادِيَةَ عَشْرَةَ: إثباتُ عُلوِّ الله تعالى؛ لقوله : ﴿وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾.
стр. 452
وعلُوُّ الله سبحانه يَنقَسِم إلى قِسْمين: عُلوُّ ذاتٍ، وعُلوُّ صِفة.
أمَّا عُلوُّ الصِّفة فلم يَختَلِف فيه أحَد من أهل القِبْلة، حتى أهل التَّعطيل يُثبِتون لله تعالى عُلوَّ الصِّفة، لكن على اختِلاف بينهم وبين أهل السُّنَّة في كون هذا الشيءِ عُلُوًّا أو نُزولًا؛ لأنهم يَرَوْن أن من عُلوِّ الله تعالى في صِفَته نفيَ الصِّفات عنه، أمَّا أهل السُّنَّة والجماعة فيَرَوْن أن من عُلوِّه إثباتَ جَميع صِفات الكَمال له على حسَب ما ورَد في الكِتاب والسُّنَّة.
فالخُلاصةُ: أن أهل القِبْلة اتَّفَقوا على إثبات عُلوِّ الصِّفة، لكن اختَلَفوا: كيف يَكون علوُّ الصِّفة؟.
أمَّا عُلوُّ الذاتِ: فقدِ اختَلَفوا اختِلافًا عَظيمًا، حتى قال بعض مَن يَنتَسِب للإسلام: إثبات عُلوِّ الذاتِ كُفْرٌ.
وقال أهل السُّنَّة والجماعة: إثبات عُلوِّ الذات واجِبٌ، ولا بُدَّ أن نُثبِت لله تعالى عُلوَّ الذات كما أَثبَتْنا له عُلوَّ الصِّفات.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ: التَّبايُن العَظيم بين الربِّ الخالِق العَظيم وبين الأصنام المَعبودة التي يُشرَك بها مع الله تعالى؛ لقوله تعالى: ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ أي: تَنزيهًا له وتَعاظُمًا ورِفْعةً عمَّا يُشرِك به هؤلاء؛ ولهذا جاء استِفْهام التوبيخ والاحتِقار لهذه الأصنامِ في قوله تعالى: ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى (١٨) أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾ [النجم: ١٨ - ٢٠]، يَعنِي: أَخبروني مَن الذي لهذه الأَصنامِ بالنِّسبة لآيات الله تعالى العَظيمةِ الكُبرى التي رآها النبيُّ ﷺ ، أي: بعدَ أن تَقرَّرت هذه الآياتُ الكبيرة أَخبِروني ما لهذه الأصنامِ، ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾ ماذا تَكون أمامَ هذه الآياتِ الكبيرة؟ لا شيءَ؛ ولهذا قال تعالى:
стр. 453
﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾
وقد بيَّن الله تعالى في القُرآن الكريم انحِطاط رُتْبة هذه الأصنام فقال تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: ١٧]، وقال تعالى: ﴿أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا﴾ [المائدة: ٧٦]، والآياتُ في هذا كثيرة تَحُطُّ من قَدْر هذه الأصنامِ، وتُبيِّن أن الربَّ مُنزَّهٌ مُتعالٍ عن هذه الأصنامِ.
стр. 454
الآية (٦٨)
* قَالَ اللهُ : ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾ [الزمر: ٦٨].
قوله تعالى: ﴿وَنُفِخَ﴾ النَّفخ مَعروف، والنافِخ (إِسرافيلُ) ﵇، وأَبهَمه للتَّعظيم؛ لأن الإبهام يَأتِي للتَّعْظيم كما في قوله تعالى: ﴿فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ﴾ [طه: ٧٨]، فإن هذا يَدُلُّ على عِظَم ما غَشِيَهم، والنَّفْخ لا شكَّ أنه أَمْر عظيم؛ ولهذا لم يُبيَّن مَن النافِخُ، وكل ما في القُرآن من النَّفْخ في الصُّور يَأتِي بصيغة: ﴿وَيَوْمَ يُنْفَخُ﴾، ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ﴾ الصِّيغة هنا صِيغة ماضٍ، مع أنه مُستَقبَل، لكن عبَّر عنه بالماضِي؛ لتَحقُّق وقوعه، كما في قوله تعالى: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ [النحل: ١] مع أنه لم يَأتِ بعدُ.
وقوله تعالى: ﴿فِي الصُّورِ﴾، الصُّور: قَرْن عَظيم، قيل: إن سَعة دائِرته كما بين السماء والأرض، وهذا الصُّورُ يَنفُخ فيه إسرافيلُ.
يَقول المُفَسِّر ﵀: [﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ﴾ النَّفخة الأُولى ﴿فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾] وهذا بِناءً على أنَّ النَّفْخ في الصُّور يَكون مرَّتَيْن، وقيل: بل النَّفْخُ في الصُّور ثلاثَ مرَّاتٍ، وقد دلَّ على هذا حديثُ الصُّور
стр. 455
الذي ذكَره ابنُ كثير ﵀ بطوله في تَفسير سورة الأنعام.
وهذه الثلاثُ هي: نَفْخة الفزَع، ونَفْخة الصَّعْق، ونَفْخة البَعْث؛ لقوله تعالى في سورة النَّمْل: ﴿وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ [النمل: ٨٧]، وهنا قال تعالى: ﴿فَصَعِقَ﴾، ﴿ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى﴾.
وقيل: بل النَّفْخ مرَّتان، وهو ما مشَى عليه المُفَسِّر ﵀، وأن نَفْخة الفزَع هي نَفْخة الصَّعْق، وأن الناس إذا سمِعوه أوَّلَ مرَّة فزِعوا ثُمَّ يُطيل في النَّفْخ فيُصعَقون: يَموتون بعد الفزَع، وعلى هذا فيَكون النَّفْخ مرَّتين: فزَعٌ، ثُم صَعْق؛ لأنه يُطيل النَّفْخ، ثُئَم يُصعَق الناس، ولا شَكَّ أن شيئًا يُصعَق الناس منه؛ لا بُدَّ أن يَكون شيئًا عظيمًا مُزعِجًا مُرعِبًا، وهو كذلك.
وقوله ﵀: [(﴿فَصَعِقَ﴾ مات ﴿فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾] ﴿مَنْ﴾ اسمٌ مَوْصول تُفيد العُموم، وتُستَعمَل غالِبًا في العاقِل، وقد تُستَعمَل في غيره تبَعًا أو للشُّمول؛ مِثالها تبَعًا قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ﴾ [النور: ٤٥]، ومَعلوم أن الذي يَمشِي على بَطْنه أو على أربَعٍ ليس من ذَوي العُقول، لكن أُتِيَ بـ (مَن) تبَعًا، وقد يَكون للعُموم كما في هذه الآيةِ: ﴿مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾، فكُلُّ مَن في السمَوات والأرض من آدَمِيِّين أو بهائِمَ أو غيرها كلها تَموت.
يَقول تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ أي: ألَّا يُصعَق فإنه لا يُصعَق، وقدِ اختَلَف العُلَماءُ ﵏ مَن هذا المُستَثْنى؟
فذهَبَ المُفَسِّر ﵀ وجماعة إلى إن المُستَثْنى: [الحُور والوِلْدان]، وهُم في الجَنَّة.
стр. 456
وقيل: الحُور والوِلْدان والمَلائِكة، ولا يَمنَع منه كلام المُفَسِّر ﵀؛ لقوله: [وغيرهما].
وقيل: الله أَعلَمُ نَقول: إلَّا مَن شاء الله تعالى، كما أَبهَم الله ، ولا نَتعَرَّض للتَّفصيل؛ لأنه ليس هناك دليلٌ صحيحٌ صريحٌ في تَعيُّن هؤلاءِ المُستَثْنَيْنَ.
وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى﴾، والنافِخُ إسرافيلُ، وقوله تعالى: ﴿أُخْرَى﴾ مَفعول مُطلَق أي: نَفْخة أخرى، أو نَقول: إنها وَصْف لمَوْصوف مَحذوف، والتَّقدير: نَفْخة أُخرى، كما في قوله تعالى: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ﴾ [الحاقة: ١٣].
وقوله ﵀: [﴿فَإِذَا هُمْ﴾ أي: جميع الخلائِق المَوْتى، ﴿قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾ يَنتَظِرون ما يُفعَل بهم] قوله تعالى: ﴿فَإِذَا هُمْ﴾ الفاء حرفُ عَطْف، و (إذا) فُجائِيَّة، والفُجائِيَّة تَدُلُّ على حُصول ما بعدَها مُفاجأةً، بمَعنَى: أنه يَأتِي بسُرعة.
وقوله تعالى: ﴿هُمْ قِيَامٌ﴾ جملةٌ اسمِيَّةٌ، والغرَض منها الثُّبوت والاستِمْرار، وهي أبلَغُ ممَّا لو قال: فقاموا؛ لأن قوله تعالى: ﴿فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ﴾ تَدُلُّ على أن هذا وَصْف لهم كأنه أَمْر ثابِت من قديم، مُستَقِرٌّ مع أنهم لم يَقوموا إلَّا في النَّفْخة الواحِدة الأخيرة.
وقوله تعالى: ﴿يَنْظُرُونَ﴾ قال: [يَنتَظِرون ماذا يُفعَل بهِمْ]، ويُحتَمَل أن يَكون المعنى: يَنظُرون ما حدَث، من النظَر بالعَيْن، وهذا الاحتِمالُ لا يُنافِي ما ذكَره المُفسِّر ﵀؛ فتَكون الآية شامِلةً لهذا وهذا، أي: يَنظُرون بأعينهم ما حصَل، ويَنتَظِرون ماذا يُفعَل بهم.
من فوائد الآية الكريمة:
الْفَائِدَة الأُولَى: إثبات النَّفْخ في الصُّور، وأنه واقِع لا محَالةَ، يُؤخَذ من قوله تعالى: ﴿وَنُفِخَ﴾ حيث عبَّر عنه بالماضِي.
стр. 457
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: عِظَم هذا النَّفخِ، ويُؤخَذ من إبهام الفاعِل.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: أن هذا النفخَ عَظيم في تأثيره، حيث يَفزَع الناس منه، ثُم يُصعَقون، أي: يَموتون.
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أن الصَّعْق شامِل لكل مَن في السمَوات ومَن في الأرض إلَّا مَن شاء الله تعالى، وهم أقلُّ ممَّن يُصعَقون؛ لأن الغالِب أن المُستَثْنى يَكون أقلَّ من المُستَثْنى منه.
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: إثبات المَشيئة لله ، وهي كثيرة في كِتاب الله ، ولم يُنكِرها أحَد من الناس إلَّا فيما يَتَعلَّق بأفعال العِباد، حيث أَنكَرها القدَرية.
الْفَائِدَةُ السَّادِسةُ: أنه يُنفَخ في الصُّور مرَّتَيْن؛ لقوله : ﴿ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى﴾.
الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: أن النَّفْخة الأخرى يَكون بها البَعْث؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾.
الْفَائِدَةُ الثَّامِنَةُ: أن القِيام من القُبور يَلِي النَّفْخ في الصُّور مُباشَرةً، نَأخُذها من (إذا) الفُجائِية.
الْفَائِدَةُ التَّاسِعَةُ: أنهم - أيِ: الذين يَقومون - يَقومون وكأنَّ لهم زمَنًا طويلًا في القيام، بدليل أنه أتَى في ذلك بصيغة الجُمْلة الاسمِيَّة.
الْفَائِدَةُ الْعَاشِرَةُ: تَمام قُدْرة الله جَلَّ وَعَلَا، حيث إن الخَلائِق كلها تَقوم مرَّةً واحِدة بهذه النَّفْخة، وقد قال الله : ﴿فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ (١٣) فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ﴾ [النازعات: ١٣، ١٤] أي: على سَطْح الأرض وظَهْر الأرض.
стр. 458
فإذا قال قائِل: ما عَلاقةُ نَفْخ الصُّور بحياة الناس وبَعْثهم من القُبور؟
فالجَوابُ: أن هذا الصُّورَ مُجتَمَع الأرواح تُجمَع فيه أرواح الخلائِق، ثُمَّ إذا حصَل نَفْخ تَطايَرتِ الأرواح ودخَلَت كلُّ رُوحٍ في جسَدها الذي كانت تَعمُره في الدنيا، لا تُخطِئه أبدًا على كَثْرة الخَلْق وتَفرُّقهم، فإن أرواحهم لا تُخطِئ أجسامهم، فكلُّ رُوح تَدخُل في جسَدها الذي كانت تَعمُره في الدنيا.
فإن قال قائِل: ما حُجَّتهم على أن الأرواح تُوجَد داخِلَ الصُّور قبل النَّفْخ وبعد النَّفْخ تُوضَع في الأجساد، فتُوضَع كلُّ رُوح في الجَسَد، وهو من الأمور الغَيْبية؟
فالجَوابُ: دليلهم حديث الصُّورِ الطويلُ (١)، وهذا الحديثُ فيه أشياءُ مُنكَرةٌ، لكن فيه أشياءُ تَشهَد لها النُّصوص الأخرى الصحيحة، وفيه أشياءُ ليسَتْ مُنكَرة، وليس فيها ما يَشهَد لها في الأحاديث الصحيحة، لكن العُلَماءَ ﵏ تَلقَّوْه بالقَبول.
стр. 459
الآية (٦٩)
* قَالَ اللهُ : ﴿وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٦٩].
قوله تعالى: ﴿وَأَشْرَقَتِ﴾ قال المُفَسِّر ﵀: [أَضاءَت]، ومنه: أَشرَقتِ الشمسُ، إذا انتَشَر ضَوؤُها، وشرَقَتْ إذا برَزَت، ويُقال: شرَقَتِ الشمسُ. إذا ظهَرَتْ على الأفُق، وأَشرَقَت، إذا ارتَفَعَت أو استَطار ضَوْؤُها؛ ولهذا تُسمَّى الصلاة التي بعد ارتِفاعها قِيدَ رُمْح تُسمَّى: (صلاةَ الإِشْراق) لا صلاةَ الشُّروق، إذِ الشُّروق ظُهور الشمس في الأُفُق، والإشراق ارتِفاعها واتِّساع ضَوْئِها.
وهنا يَقول تعالى: ﴿وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا﴾ بنور الله تعالى الذي هو نوره، وليس بنور المَخلوق، فإضافة النور إلى الربِّ من باب إضافة الصِّفة إلى مَوْصوفها، أي: أن الله جَلَّ وَعَلَا يُنير الأرض بنُوره؛ يَقول المُفَسِّر ﵀: [﴿بِنُورِ رَبِّهَا﴾ حين يَتجَلَّى] أي: يَظهَر [لفَصْل القَضاء]، فيَأتي للقَضاء بين العِباد.
فإن قال قائِل: إنه نورٌ مَخلوق، وأَضافه الله تعالى إلى نَفْسه إضافةَ مَخلوق إلى خالِقه مثل قوله تعالى: ﴿فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا﴾ [الشمس: ١٣]، وبيت الله؟
فالجَوابُ: أن هذا خِلاف الظاهِر، فالله تعالى يَقول: ﴿بِنُورِ رَبِّهَا﴾، والله تعالى له نور، يَقول تعالى: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ فكل إنسان يُحرَّف الكلِم عن
стр. 460
ظاهِره نُجيبه بهذا، ونَقول: هذا غيرُ مَقبول؛ لأنه خِلاف ظاهِر اللَّفْظ، فإن أَتيتَ بدليل صحيح يُخرِجه عن ظاهِره فعلى العَيْن والرَّأْس، وإن لم تأتِ بدليل صحيح يُخرِجه عن ظاهِره فقولُك مَردود.
وقد ورد أن الله يُنزِل مَلائِكة السماء الدنيا حتى تُحيط بالخَلْق، ثُم تَنزِل مَلائِكة السماء الثانية حتى تُحيط بأهل السماء الدُّنيا؛ لأن أهل السماء الثانية أكثَرُ من أهل السماء الدنيا، إِذْ إن السماءَ الثانية أَوسَعُ من السماء الدنيا، فيَكون سُكَّانها أكثَرَ، ثُم يَنزِل أهل السماء الثالِثة فيُحيطون بمَن قَبْلهم، وهم أكثَرُ من أهل السماء الثانية، وهَلُمَّ جَرًّا، إلى السماء السابِعة.
قال الله تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر: ٢٢]، وقال تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنْزِيلًا﴾ [الفرقان: ٢٥]، ﴿وَنُزِّلَ﴾ أي: نزَلوا شيئًا فشيئًا؛ أهل السماء الدنيا، ثُم الثانية، ثم الثالثة ... إلى السابِعة.
وقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ﴾ قال أهلُ العِلْم ﵏: إن هذا الغَمامَ هو الذي يَأتِي بين يدَيِ الله ، وهو غَمام عظيم لا نَعلَم قَدْره ولا نَعلَم كيفِيَّته.
ولهذا قال تعالى: ﴿تَشَقَّقُ السَّمَاءُ﴾ ولم يَقُل: تَنشَقُّ، بل: (تَشقَّق)، كأنه شيء يَنبَعِث منها شيئًا فشيئًا، وسيَكون هذا عظيمًا، وذلك بين يدَيْ مَجيء الربِّ جَلَّ وَعَلَا، ثُم يَنزِل للقَضاء بين العِباد، وحينئذ تُشرِق الأرض بنور ربها.
ولا نَستَطيع الآنَ أن نَتصوَّر كيف هذا الإشراقُ! وكيف هذا النُّورُ! وكيف هذا الغَمامُ! فهو أَمْرٌ لا تُدرِكه عُقولنا الآنَ!.
يَقول المُفَسِّر ﵀: [﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ﴾ كِتاب الأعمال للحِساب] (وُضِع)