لا يَستَحِقُّ الدُّعاء، فيَكون في دُعائه هذا نوع من الاعتِداء.
الْفَائِدَةُ التَّاسِعَةُ: إثبات هذَيْن الاسمَيْن: العزيز والحكيم من أسماء الله، وإثبات ما تَضمَّناه من الوَصْف، أو من الصِّفة، فالعَزيز مُتضَمِّن للعِزَّة، والحَكيم مُتضمِّن للحِكْمة والحُكْم.
الْفَائِدَةُ الْعَاشِرَةُ: التَّوسُّل إلى الله تعالى في الدُّعاء بأَسْمائه.
فإن قال قائِل: سبَق أنَّ التَّوسُّل بالأسماء يَنبَغي أن يَكون مُطابِقًا للسؤال أو للمَسؤول، وهنا ما مُناسَبة العِزَّة والحِكْمة للدُّعاء بإدخال هَؤلاء الجَنَّة؟
فالجوابُ: الظاهِر - واللهُ أَعلَمُ - أن المُطابَقة أنهم دعَوْا أن الله يُدخَل مَن صلَح مِن ﴿آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ﴾، وهذا أَمْر يَحتاج إلى عِزَّة وتمَام سُلْطة، وإلى حُكْم وحِكْمة، فلهذا ختَموا هذا الدُّعاء بقَوْلهم: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ دون أن يَقولوا: إنك ذو الفَضل العَظيم.
وإن قال قائِل: إذا خالَف الوَصْف الدعاء، هل يَكون اعتِداءً، يَعنِي إذا قُلت: اللَّهُمَّ اهْدِ الكَفَرَةَ والمُشرِكين، أو أذِلَّ الشِّرْك والمُشرِكين برحمتك يا أَرحَمَ الراحِمين. فإن هذا اعتِداءٌ؟
فالجوابُ: لا، بل هذا غلَط، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ﴾، فهذا زوال مَكروهٍ، وإذلالُ الشِّرْك لا شَكَّ أنه نِعْمة ورحمة.
الْفَائِدَةُ الحَادِيَةَ عَشْرَةَ: التَّرتيب الوُجودي في الأشياء، لقوله: ﴿مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ﴾، فهذا هو التَّرتيب: أبٌ، ثُم زَوْج، ثُمَّ ذُرِّيَّة، فهذا تَرتيب وُجودي، ولا شَكَّ أن هذا من محُسِّنات اللَّفْظ.
* * *
стр. 107
(الآية: ٩)
* * *
* قَالَ اللهُ : ﴿وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ وَمَنْ تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [غافر: ٩].
* * *
ثُم قال الله تعالى: ﴿وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ﴾، هذا مَعطوف على ما سبَقَ، على قوله: ﴿وَأَدْخِلْهُمْ﴾؛ أي: ﴿وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ﴾ والجُملة فِعْل أَمْر وفاعِل ومَفعول به، بل ومَفعولان، الجُملة تَتضمَّن فِعلًا وفاعِلًا ومَفعولين، الفِعل (قِ)، والفاعِل مُستَتِر وجوبًا، والمَفعول الأوَّل الهاء، والمَفعول الثاني السَّيِّئات، و (قِ) هنا فِعْل أَمْر، لكنه مُكوَّن من حَرْف واحد بعد أن حُذِف منه حُرْفان؛ الأوَّل والثالث، وهكذا كل مِثال ناقِص إذا كان ثلاثِيًّا فإن فِعْل الأمر منه على حَرْف واحِد، هذه القاعِدةُ، كل مِثال ناقِص ففِعْل الأَمْر منه إذا كان ثُلاثيًّا على حَرْف واحد.
والمِثال هو: الذي أوَّله حَرْف عِلَّة، والناقِص: الذي آخِره حَرْف عِلَّة.
إِذَنِ: القاعِدة هذه تَشمَل أمثِلة كَثيرة، وقد جمَعها الخُضَريُّ في حاشِية ابن عَقيل على ألفية ابنِ مالِك (١) جمَعَها في أبيات، منها: قِ فِ عِ يَعنِي عدَّد، لكن الضابِط هو هذا، كل ثُلاثي كان مِثالًا ناقِصًا ففِعْل الأمر منه على حَرْف واحِد.
وقوله: ﴿وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ﴾ قال المفَسِّر ﵀: [أي: عَذابها]، وهذا إذا جعَلْنا
стр. 108
السيِّئاتِ بمَعنى الأعمال السيِّئاتِ، فإنه يَتعيَّن أن نُفسِّر ذلك بعذاب السَّيِّئات؛ لأنَّ عمَل السَّيِّئات الآنَ قد انتَهَى وقته، وإنَّما المَوْجود هو الجزاء، فيُفسَّر حينَئِذٍ بالعذاب.
وأمَّا إذا فسَّرْنا السَّيِّئاتِ بما يَسوء دون العمَل الذي يَقَع من العبد، فإنه لا حاجةَ إلى أن نَقول: عذابها؛ لأنَّ العَذاب ممَّا يَسوء، فكأنهم قالوا: وقِهِم ما يَسوؤُهم من العذاب، والقاعِدة في التَّفسير وفي شَرْح الأحاديث: أنَّه إذا دار الأَمْر بين احتِمال التَّقدير وعدَم التَّقدير، فالأَوْلى عدَمُ التَّقدير، وعلى هذا فنَقول: السَّيِّئاتُ هنا لا يُراد بها الأعمال السَّيِّئات التي هي فِعْل العَبْد قطعًا؛ لأن هذا قد انتَهَى، وإنَّما يُراد بالسَّيِّئات ما يَسوء من أعمال، ومن عُقوبات، ومن عادات، ومن غير ذلك.
قال المفَسِّر ﵀: [﴿وَمَنْ تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ﴾ يوم القِيامة ﴿فَقَدْ رَحِمْتَهُ﴾] مَنْ شرطيَّة، وجُملة ﴿فَقَدْ رَحِمْتَهُ﴾ جواب الشَّرْط، وإنَّما اقتَرَن جواب الشَّرْط بالفاء؛ لأنه مَبدوء ب (قَدْ)، وجواب الشَّرْط إذا بُدِئ ب (قَدْ) وجَب اقتِرانه بالفاء، وله نَظائِرُ ممَّا يَجِب اقتِرانه بالفاء.
المُهِمُّ: أنه يَجِب ارتباط جواب الشَّرْط بالفاء إذا وقَع واحِدًا من سبعة أُمور، مَجموعة في قول الناظِمِ:
اسْمِيَّةٌ طَلَبِيَّةٌ وَبِجَامِدٍ وَبِمَا ... وَقَدْ وَبِلَنْ وَبِالتَّنْفِيسِ (١)
التَّنفيس يَشمَل سوف والسِّين، وهذه الآيةُ من نوع قوله: ﴿فَقَدْ رَحِمْتَهُ﴾.
قوله: ﴿وَذَلِكَ﴾ المُشار إليه وِقاية السَّيِّئات والرحمة ﴿هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ ﴿هُوَ﴾: يَجوز أن تَكون مُبتَدَأ، و ﴿الْفَوْزُ﴾ خبَرُه، والجُملة من المُبتَدَأ الثاني وخبَرِه
стр. 109
خبَرُ المُبتَدَأ الأوَّل، ويَجوز أن تَكون ﴿هُوَ﴾ ضميرَ فَصْل لا مَحَلَّ لها من الإعراب، وَيكون التقديرُ: وذلك الفوزُ العَظيم، ويُؤيِّد هذا أنَّها تَأتي بهذه الصِّيغةِ في بعض المَواضِع ﴿وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾.
وضَمير الفَصْل من حيثُ الإعرابُ لا مَحَلَّ له من الإعراب، أمَّا من حَيثُ المَعنَى فله ثَلاثُ فَوائِدُ:
الفائِدةُ الأُولى: الحصْر.
والفائِدة الثانية: التَّوْكيد.
والفائِدة الثالِثة: التَّمييز بين الصّفة والخَبَر.
والتمييز بين الخَبَر والصِّفة يَظهَر هذا في المِثال.
إذا قُلت: زيدٌ الفاضِلُ. وأنت تُريد أن تَكُون (الفاضِلُ) خبَرَ المُبتَدَأ، فإنَّه يحتَمَل أن تَكُون (الفاضِلُ) صِفةً، والخَبَر لم يأتِ بعدُ، ويُحتَمَل أن يَكون المُرادُ زيدٌ الفاضِل فاهِمٌ، ويُحتَمَل أن تَكُون (الفاضِل) خبَرَ المُبتَدَأ، فإذا جاءَت زيدٌ هو الفاضِل، زال الإشكال، وتَعيَّن أن تَكُون (الفاضِل) خَبَر المُبتدَأ.
أمَّا التَّوْكيد والحصْر فظاهِر؛ لأنك إذا قلت: زَيدٌ هو الفاضِلُ. أكَّدْت أنه فاضِل، وحمَرْت الفَضْل فيه.
وقوله: ﴿الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾، الفَوْز: حُصول المَطلوب والنَّجاة من المَرهوب، والدَّليل على ذلك قوله تعالى: ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ﴾ [آل عمران: ١٨٥]، فالنَّجاةُ من المَرهوب في الآية ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ﴾ وحُصول المَطلوب ﴿وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ﴾ ولا تَفسيرَ أبيَنُ وأَوْضحُ من تَفسير الله ، فالفوزُ
стр. 110
هو: النَّجاةُ من المَرْهوب وحُصول المَطلوب، والدليل ما سمِعْتم.
وقوله: ﴿الْعَظِيمُ﴾ وَصْف له بالعَظَمة، لأنه لا فوزَ أعظَمُ من هذا، لا فوزَ أعظَمُ من أن يَمُنَّ الله عليك بسُكْنى هذه الدارِ - جعَلَني الله وإيَّاكم من ساكنيها - التي فيها ما لا عَيْنٌ رأَت ولا أُذُنٌ سمِعَت ولا خطَرَ على قَلْب بشَرٍ، كل الناس في الدُّنيا - المُؤمِنون - يَسْعون للوُصول إلى هذه الدارِ، ولهذا لمَّا قال الأَعرابيُّ للنبَّيِّ ﷺ : يا رَسول الله، أنا لا أُحسِنُ دَنْدَنَتَكَ ولا دَنْدنةَ مُعاذٍ، ولكِنِّي أَسأَل الله الجَنّةَ، وأَستَعيذُ به من النار فقال: "حَوْلهَمَا نُدَنْدِنُ" (١)، نحن لا نُريد إلَّا هذا، وهذا الحَديثُ وإن كان في صِحَّته ما فيه، لكن حَقيقة هو هذا، كل المُؤمنين يَعمَلون للوصول إلى هذه الدارِ، وهو - أي: العَمَل لها - يَسير، لكن على مَن يَسَّرَه الله عليه، ومتى يُيَسِّر الله عليك ذلك؛ اسمَعْ إلى قول الله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى﴾، الجوابُ: ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى﴾ [الليل: ٥ - ٧]، اعمَلْ أنت كما قال النَّبيُّ ﷺ : "اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ" (٢).
من فوائدِ الآيةِ الكريمةِ:
الْفَائِدَةُ الأُولَى: أن المَلائِكة الذين يَحمِلون العَرْش ومَن حولَه يَسأَلون الله تعالى أن يَقِيَ الذين آمَنوا السَّيِّئاتِ، أي: عذابها حتَّى يَتِمَّ لهم المَطلوب.
стр. 111
فإن قال قائِل: أَلَيْس هذا حاصِلًا مِمَّا سبَق ﴿وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ﴾، ﴿وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾؟
قلنا: بلى، ولكن مَقام الدُّعاء يَنبَغي فيه البَسْط لعِدَّة أَسباب:
السبَب الأوَّل: أنَّ الدُّعاء عِبادة، فكُلَّما بسَطْتَ فيه ازدَدْتَ تَعبُّدًا لله، وازدَدْتَ ثَوابًا وأَجْرًا.
الثاني: أنَّ البَسْط فيه التَّفصيل، والتَّفصيل خَيْر من الإجمال؛ لأنَّ الإِجْمال قد يَنسَى الإنسان فيه أَشياءَ مُهِمَّةً، ولا تَطرَأ على باله، لكن إذا فصَّل تَبيَّن الأَمْر.
الثالِث: أن التَّفْصيل في الدُّعاء انبِساط مع الله ؛ لأن الداعِيَ يُناجِي ربَّه.
ومن المَعلوم أن مُناجاة المَحبوب يُستَحَبُّ فيها التَّطويل، أو نَقول بعِبارة ثانية: من المَعلوم أن مُناجاة المَحبوب يُحِبُّ الحَبيب أن تَطول المُناجاةُ بينه وبين حَبيبه، وهذا شيء مُشاهَد، إذا جلَس إليك مَن تُحِبُّ، فإنَّك تَوَدُّ أن يَطول الحَديث، وَيطول الجُلوس حتى إنَّ الزمَن يَنفَرِط بسرعة، وإن جلَس إليك الثَّقيل، قلت:
إِذَا حَلَّ الثَّقِيلُ بِدَارِ قَوْمٍ ... فَمَا لِلسَّاكِيينَ سِوَى الرَّحِيلِ (١)
فأحيانًا يَجلِس إليك الثَّقيل، يُخاطِبك ويُكلِّمك، كلَّما خاطَبك بكلِمة ولو كانت ثَناءً عليك كأنَّما صفَع وَجْهَك؛ لأنَّك يَكون عندك كأنه جالِس على قلبك، لكن الحَبيب إذا جلَس إليك لا تَوَدُّ أن تُفارِقه، ولا تَمَلُّ حَديثه، ولكن من خير الجُلَساء؟
стр. 112
لنَا جُلَسَاءُ لَا نَمَلُّ حَدِيثَهُمْ ... أَلِبَّاءُ مَأْمُونُونَ غَيْبًا وَمَشْهَدًا (١)
يَعنِي بذلِك: الكُتُب.
أَعَزُّ مَكَانٍ فِي الدُّنَا سَرْجٌ سَابِحٌ ... وَخَيْرُ جَلِيسٍ فِي الزَّمَانِ كِتَابُ (٢)
هَؤلاءِ همُ الجُلَساء الذين لا يَمَلُّون والذين يَنفَعون ولا يَضُرُّون.
فيَنبَغي البَسْط في الدُّعاء لثلاثة أَسْباب:
السبَبُ الأوَّل: لأنه عِبادة، فكُلَّما بسَطْت فيه ازدَدْتَ تَعبُّدا وتَقرُّبًا لله.
الثاني: أنه تَفصيل، والتَّفصيل خَيْر من الإجمال، لأنه قد يَكون في التَّفْصيل ما يَغيب عنك عند الإِجْمال.
والثالث: أنه انبِساطٌ مع الله الذي هو أَحَبُّ شيءٍ إليك، والحَديث مع المَحبوب لا شَكَّ أن كل أحَدٍ يُحِبُّ أن يَطول.
وانظُرْ إلى قول الرسول ﵊: "اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي ذَنْبِي كلَّهُ، دِقَّهُ وَجِلَّهُ، عَلَانِيَته وَسِرَّهُ، وَأَوَّلَهُ وَآخِرَهُ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ وَمَا أَخَّرْتُ، وَمَا أَعْلَنْتُ وَمَا أَسْرَرْتُ، وَمَا أَنتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّي" (٣)، يَكفِي عن هذا كلِّه أن يَقول: اللَّهُمَّ اغفِرْ لي ذَنْبِي، لكن البَسْط له تَأثير على القَلْب.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أن مَن وُقِيَ السَّيِّئاتِ يوم القيامة، فقد دخَل في رحمة الله؛ لقوله: ﴿وَمَنْ تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ﴾.
стр. 113
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: أن الرَّحْمة كما تَكون في جَلْب المَحبوب تَكون في دَفْع المَكروه؛ لقوله: ﴿وَمَنْ تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ﴾.
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أن هذا أعظَمُ فوزٍ؛ لقوله تعالى: ﴿وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾، ووجهه: أنه أَشار إليه بإشارة البَعيد؛ للدَّلالة على عُلوِّ هذا الفَوْزِ، ووَصَفه بالعَظَمة، فيَكون جامِعًا بين عُلوِّ المَرتَبة وعُلوِّ الماهِيَة أنه عَظيم.
فإن قال قائِل: قلنا: هو الفَوْز العظيم في قول الله ﵎: ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ﴾، هل يَدخُل النظَر إلى الله في هذه الآيةِ؟
فالجوابُ: أي نعَمْ؛ لأن الجَنَّة وما فيها فَوْز، دخول الجنَّة فَوْز، وأَعظَمُ النعيم في الجَنَّة هو النظَر إلى وجه الله؛ ولهذا ذكَرْنا أن قول الزَّمَخْشريِّ: "أي فَوْز أعظَمُ من هذا" (١) قلنا: هذه كلِمة حقيقةٌ، ولا يُعتَرَض عليها إلَّا لأننا نَعلَم أن الرجُل لا يُثبِت النظَرَ إلى وجهِ الله، وإلَّا لقُلْنا: متى دخَلْت الجَنَّة فأنت دخَلْت الجَنَّة بكل ما فيها من النعيم.
* * *
стр. 114
الآية (١٠)
* * *
* قَالَ اللهُ : ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الْإِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ﴾ [غافر: ١٠].
* * *
قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنَادَوْنَ﴾ والنِّداء: هو الكَلام من بعيد، والمُناجاة الكَلام من قَريب، ولم يُبيِّنِ الله تعالى مَن يُناديهم، لكن المفَسِّر ﵀ قال: [من قِبَل المَلائِكة]، وذلك عند دُخولهم النار، وهم يَمقُتون أنفسهم في ذلك الوقت أكبَرَ مَقْتٍ - والمَقْت: هو أشَدُّ البُغض -، فهم في ذلك الوقتِ عند دُخولهم النار يُبغِضون أنفسهم بُغضًا شديدًا؛ حيث لم يَتَوصَّلوا إلى النَّجاة منها، فيُنادَوْن فيُقال لهم: ﴿لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ اللَّام هنا لام الابتِداء، وتَدخُل على المُبتَدَأ تَوْكيدًا.
وقوله ﵀: [﴿لَمَقْتُ اللَّهِ﴾ إيَّاكم]، هذا أحَد الوَجْهين في الآية، وعلى هذا فيَكون المَقْت مُضافًا إلى فاعِله لا إلى مَفعوله، يَعنِي: لبُغُض الله إيَّاكم أشَدُّ من بُغْضكم أنفُسِكم، وقيل: إنه مُضاف إلى مَفعوله لا إلى فاعِله، وعلى هذا يَكون المَعنَى: لمَقتكمُ الله حين تُدْعَوْن إلى الإيمان أكبَرُ من مَقْتكم أنفسِكم اليومَ، أي: أنهم كرِهوا ما دُعُوا إليه في الدُّنيا من مَحبَّة الله، وأُبدِلوا ذلك بأشَدِّ البُغض، وهذا المَعنى أَقرَبُ ممَّا مشَى عليه المفَسِّر ﵀: [﴿لَمَقْتُ اللَّهِ﴾ إيَّاكم]، وعلى ما رجَّحْنا يَكون المعنى: لمَقتكم الله، فهو مُضاف إلى مَفعوله.
стр. 115
متى مَقَتوا الله؟ الجواب: ﴿إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الْإِيمَانِ﴾ وعلى هذا فيَكون قوله: ﴿إِذْ تُدْعَوْنَ﴾ مُتعلِّقًا بقوله: ﴿لَمَقْتُ اللَّهِ﴾، أي: أَنَّكم حينما دُعِيتم إلى الإيمان كرِهتم ذلك، ولم تَقتَنِعوا به، بل أَبغَضْتُموه أشدَّ البُغْض.
وقوله: ﴿أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ مَقَتوا أنفسهم حين قيل لهم: ادخُلوا نار جهَنَّمَ، فأَبغَضوا أَنفُسَهم، وقوله: ﴿مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ مَقْت هنا مَصْدر مُضاف إلى فاعِله، يَعنِي: أنَّهم هم مَقَتوا أَنفُسهم، وأَنفُس مَفعول مَقْت.
وقوله: ﴿إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الْإِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ﴾ تُدعَون في الدُّنيا إلى الإيمان، وأُبهِم الداعِي؛ لأن دَعْوتهم إلى الإيمان تَكون من الرُّسُل، وتَكون من ورَثة الرُّسُل، وهُم العُلَماء، فالداعِي لهم إلى الإيمان في الدُّنيا ليس واحِدًا، بل هُمُ الرُّسل يَدعونهم، وورَثة الرُّسُل وهم العُلَماء يَدْعونهم كذلك.
وقوله: ﴿إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الْإِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ﴾، الإيمان بالله، ومَلائِكته، وكُتُبه، ورُسُله، واليوم الآخِر، والقدَر خَيرِه وشَرِّه، هذا هو الإيمان كما فسَّره النَّبيُّ ﷺ حين سأَله جِبريلُ قال: "أَخْبِرْنِي عَنِ الْإِيمَانِ؟ قالَ: أَنْ تُؤْمِنَ بِاللهِ ... " إلى آخِره (١).
فقوله: ﴿إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الْإِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ﴾ المُراد بالإيمان هنا - كما ذكَرْت لكم - هو الإيمان بالأركان السِّتَّة، وكذلك الانقِياد اللازِم من الإيمان بهذه الأَرْكانِ السِّتَّة؛ ولهذا هم دُعُوا إلى الإيمان الذي في القُلوب، ودُعُوا إلى الاستِسْلام أيضًا وهو أعمال الجَوارِح، وكفَروا بذلك كلِّه، ﴿إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الْإِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ﴾.
стр. 116
من فوائدِ الآيةِ الكريمةِ:
الْفَائِدَةُ الأُولَى: بَيانُ أن الكافِرين يُوبَّخون يوم القِيامة تَوْبيخا يَزيدهم ألمًا إلى أَلَمِهم؛ لقوله: ﴿لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أنهم تَبيَّن لهم ما هم عليه من الضَّلال والكُفْر حين رأَوُا العِقاب، وجهُه: أنهم مقَتوا أَنفُسهم في ذلك الوقتِ حين رأَوُا العَذاب، وهذا يَدُلُّ على أنهم تَبين لهم الضَّلال في ذلك اليومِ.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: إثبات المَقْتِ لله؛ أي: أن الله يَمقُت. أي يُبغِض. هذا على ما مَشَى عليه المفَسِّر من أن (مَقْت) مُضافة إلى الفاعِل.
وإذا قُلنا بالقَوْل الراجِح: لم يَكُن في الآية دليلٌ على أن الله يَمقُت، لكن الدَّلالة على أن الله يَمقُت وأن له مَقْتًا من أدِلَّة أخرى، مثل قوله تعالى: ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: ٣]، والمَقْتُ: أشَدُّ البُغض، والبُغْض هو من الصِّفات الفِعْلية التي تَتَعلَّق بمَشيئته وإرادته.
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أنَّ الإنسان قد يَكرَه نَفْسه، ويَكون ذلك إذا رأَى من تَصرُّفه ما يَسوؤُه، فإنه يَكرَه نفسه وَيقول: هذا من النَّفْس الأمَّارة بالسُّوء.
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: أن الحُجَّة قد قامَت على هؤلاء المُكذبين المُعذَّبين؛ لقوله: ﴿إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الْإِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ﴾، وهل الدَّعْوة دَعْوة بإفهام أو دَعْوة بمُجرَّد البَلاغ؟
الجواب: الأوَّلُ؛ دَعْوة بإفهام؛ لقول الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ [إبراهيم: ٤]، فلا بُدَّ من فَهْم الحُجَّة، ولكن إذا بلَغَتِ الإنسانَ فالواجِبُ عليه أن يَبحَث عن الفَهْم، فإن لم يَفعَل كان مُقصِّرًا.
стр. 117
الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: أن هَؤلاءِ كفَروا عن عِناد، يُؤخَذ ذلك من قوله: ﴿إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الْإِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ﴾؛ لأنهم دُعُوا فكَفَروا، وهذا كُفْر عِناد، والعِياذُ بالله.
* * *
стр. 118
الآية (١١)
* * *
* قَالَ اللهُ : ﴿قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ﴾ [غافر: ١١].
* * *
قال الله : ﴿قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ﴾ الإماتة هنا ما كان قبلَ الحَياة وبعد الحَياة، ما كان قبل الحَياة أي وهُمْ أجِنَّة في بُطون أُمَّهاتهم، وما كان بعدَها وهو المَوْت الذي يَكون بعد الوُجود في الدنيا، هاتان مِيتَتان، ﴿وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ﴾ الحَياة وهُم أَجِنَّة في بُطون أمَّهاتهم، والحَياة بعد البَعْث يوم القِيامة، أو حين البَعْث يوم القيامة.
وهذا كقوله تعالى: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨]، هذه أربعة: إماتتان، وإِحياءَتان، فهم يَقولون - كما ذكَر المفَسِّر -: [﴿رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ﴾ إِماتَتَيْن ﴿وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ﴾ إِحياءَتَيْن؛ لأنهم نُطُف أموات، فأُحْيوا، ثُم أُميتوا، ثُم أُحْيوا للبَعْث]، هذا تَفسير: ﴿أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ﴾.
والإماتة الأُولى ليسَت إماتةً بعد حَياة، ولكنها فَقْد حَياة، فصَحَّ أن يُطلَق عليها اسمُ الموت، وقَصْدهم بهذا الإقرارِ بأن الأَمْر حَقٌّ، فكما أننا نُدرِك أنه مرَّت بِنا هذه الأطوارُ الأربَعة: مَوْت فحَياة، ثُم مَوْت فحَياة، فإننا نَتيَقَّن أننا أَخطَأْنا؛ ولهذا قالوا: ﴿فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا﴾ يَعنِي: فقدِ اعتَرَفْنا بذُنوبنا.
стр. 119
فإن قال قائِل: قول الله ﵎: ﴿أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ﴾ هل يَقصِد بالمِيتَتَيْن: الموت في الدنيا حين المَنام، والموت في الأُخرى في يوم القِيامة؟
فالجَوابُ: لا يَصِحُّ؛ لأن مِيتة الدُّنيا في المَنام ليسَت هي مرَّتَين، ولا ثلاثًا، ولا أربعًا، ولا مِئة، الإنسان في الشَّهْر يَنام على الأقل ثلاثين مرَّةً ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ﴾ [الأنعام: ٦٠] فإذا بعَثَنا من مِيتة الليلة البارِحة جاءَتِ اللَّيْلة الثانية، مِتْنا ثانيةً، والتي وراءَها، والَّذي يَنام بعد صلاة الفجر، والذي يَنام في القَيْلولة، والذي يَنام بعد العَصْر، أربَع مِيتات في يوم واحِد.
والذُّنوب جَمعْ ذَنْب وهو: المَعصية، والمُراد بها هنا الكُفْر، كما قال المفَسِّر ﵀: [بكُفْرنا بالبَعْث ﴿فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ﴾ من النار]، و (هل) هنا للتَّمنِّي، يَعنِي أننا نَتمنَّى الخُروج من النار ولكنه لا يَحصُل لهم ذلك.
قال المفَسِّر ﵀: [﴿فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ﴾ من النار والرُّجوع إلى الدُّنيا لنُطيع رَبَّنا ﴿مِنْ سَبِيلٍ﴾ من طَريق؟ وجوابُهم: لا] وهذا من المفَسِّر بِناءً على أن الاستِفْهام على بابه، أنهم يَسأَلون: هل لنا من طَريق فنَخرُج؟ أمَّا على ما قُلنا: إنه للتَّمنِّي فلا يَحتاج إلى جَواب، فهو كقوله: ﴿فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ﴾ [الأعراف: ٥٣].
من فوائدِ الآيةِ الكريمةِ:
الْفَائِدَةُ الأُولَى: إثبات اعتِراف هَؤلاءِ المُكذِّبين بأنهم كفَروا بالله، وأنهم مُستَحِقُّون لهذا العِقابِ.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: إقرار الكُفَّار بما كانوا يُنكِرونه من قبلُ من البَعْث، وهذا مَعنى قوله: ﴿فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا﴾.
стр. 120
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: أنَّهم في ذلك اليومِ تَبيَّن لهم الحَقُّ، وصِحَّة القِياس؛ لأنهم قالوا: ﴿أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ﴾، فالمِيتة الأُولى قبلَ أن تُنفَخ فيهم الرُّوحُ قد أقَرُّوا بها، والحياة الدُّنيا قد أَقَرُّوا بها في الدنيا وهم أَحياءٌ، لكن أَنكَروا البَعْث بعد الموت، وأمَّا الآنَ فقالوا: نعَمِ البَعْث بعد الموت كنَفْخ الرُّوح في الجنين. يَعنِي: أنا تَيَقَّنا الآنَ أن ما ذكَرَه الة من قياس الإعادة على الابتِداء أَمْر حَقيقيٌّ، وأننا أُحْيينا مَرَّتين وأُمِتْنا مرَّتين.
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: شِدَّة حَسْرة هؤلاءِ على ما فعَلوا، وتَمنِّيهم الخُروج ممَّا وقَعوا فيه من العَذاب؛ بقولهم: ﴿فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ﴾.
وفي هذه الآيةِ إعرابٌ مُشكِل، وهو أن قوله: ﴿فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ﴾ جُمْلة خلَتْ من أحَد الرُّكْنين فيها وهو المُبتَدَأ؛ لأن الذي أمامَنا الآنَ جارٌّ ومَجرورٌ في الخبَر، وفيما هو مَحَلٍّ للمُبتَدَأ.
إِذَنِ: المُبتَدَأ ﴿سَبِيلٍ﴾ دخَلَت عليه حرف (مِن) الزائِدة إعرابًا، ولهذا نَقول في إعرابها: (مِن) حَرْف جرٍّ زائِدٌ، و ﴿سَبِيلٍ﴾ هو مُبتَدَأ مَرفوع بضَمَّة مُقدَّرة على آخِرِه، منَع من ظُهورها اشتِغال المَحلِّ بحرَكة حَرْف الجَرِّ الزائِد.
* * *
стр. 121
الآية (١٢)
* * *
* قَالَ اللهُ : ﴿ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ﴾ [غافر: ١٢].
* * *
قال المفَسِّر ﵀: [﴿ذَلِكُمْ﴾ أي: العَذاب الذي أَنتُم فيه]، فالمُشار إليه مَوْجود، أي: أنَّ العَذاب الذي أنتُم فيه بسبَب كذا وكذا، وهنا قال: ﴿ذَلِكُمْ﴾ وتَأتِي أحيانًا بذلك، وتَأْتي أحيانًا بذَلِكُنَّ، وتَأتي أحيانًا بذَلِكُما، فما هو السبَب في تَغيُّر الخِطاب في هذه الإشاراتِ؟ فيُقال: اسم الإشارة بحَسب المُشار إليه، وكاف الخِطاب التي بعدها بحَسب المُخاطَب.
فإذا أَشَرت إلى واحِد مُخَاطِبًا اثنين فقُل: "ذلِكُما"، كما قال يُوسُفُ ﵊ لصاحِبَيِ السِّجْن: ﴿ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي﴾ [يوسف: ٣٧].
وإذا أَشَرْت إلى اثنَيْن مُخَاطِبًا واحِدًا تَقول: "ذانِك"؛ كقوله تعالى: ﴿فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ﴾ [القصص: ٣٢].
وإذا أَشَرْت إلى واحِد مُخَاطِبًا جماعة ذُكور، تَقول: "ذلِكُمْ"، ومنه قوله تعالى: ﴿وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ﴾ [فصلت: ٢٣].
وإذا أَشَرْت إلى واحِد مُخَاطِبًا جماعة إناث تَقول: "ذلِكُنَّ"، قالت: ﴿فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ﴾ [يوسف: ٣٢].
стр. 122
وإذا أَشَرْت إلى اثنَيْن مخُاطبًا اثنَيْن تَقول: "ذانكما".
وإذا أَشَرْت إلى اثنَيْن مخُاطبًا جماعة ذُكور تَقول: "ذانِكُم".
وإذا أَشَرْت إلى اثنَيْن مخُاطبًا جماعة إناث تَقول: "ذانِكُن".
وإذا أَشَرْت إلى جماعة مُخاطبًا جَماعة ذُكور تَقول: "أُولَئِكُم".
وإذا أَشَرْت إلى جَماعة مخُاطبًا جماعة إناث تَقول: "أُولَئِكُن".
وإذا أَشَرْت إلى جَماعة مخُاطبًا اثنَيْن تَقول: "أُولَئِكُما".
المُهِمُّ: أنَّ اسم الإشارة بحَسب المُثار إليه، والكاف بحَسب المُخاطَب، إن كان مُفرَدًا مُذكَّرًا فالكاف تَكون مُفرَدة مُذكَّرة، وإن كان مُفرَدًا مُؤنَّثًا فكَذلِك، ومُثنًّى، وجَمْعًا كذلك، هذا هو الأفصَحُ.
وربما تَأتِي الكاف مَفتوحة للمُخاطَب المُذكَّر مُطلَقًا، واحِدًا كان أو مُثنًّى أو جَماعةً، ومَكسورة للمُخاطَب المُؤنَّث مُطلَقًا، واحِدة أو اثنَتان أو جماعة.
وربَّما تَأتِي الكاف مَفتوحة مُفرَدة لكل مُخاطَب، فتَقول: "ذلك". تُخاطِب الرجُل، والمَرْأة، والاثنَيْن، والجَماعة.
فهذه ثلاث لُغات في كاف الخِطاب المُقتَرِن باسم الإشارة، الأَفصَح أن يَكون بحَسب المُخاطَب، ثُم مَفتوحًا في المُذكَّر، ومَكسورًا في المُؤنَّث، ثُم مَفتوحًا على كل حال مُفرَدًا مُذكَّرًا.
هنا يَقول : ﴿ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ﴾ المُشار إليه واحِد، والمُخاطَب جماعة ذُكور ﴿ذَلِكُمْ﴾: فالمُخاطَبون جَماعة ذُكور.
стр. 123
قال المفَسِّر ﵀: [أيِ: العَذاب الذي أنتُم فيه ﴿بِأَنَّهُ﴾ أي: بسبَب أنه في الدُّنيا ﴿إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ﴾]، إذا دُعِيَ الله وحدَه كفَرْتم وأَشرَكْتم، وقُلْتم: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ [ص: ٥].
قال ﵀: [﴿كَفَرْتُمْ﴾ بتَوْحيده ﴿وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ﴾ يُجعَل له شَريك ﴿تُؤْمِنُوا﴾ تُصدِّقوا بالإِشْراك].
وهذا هو الواقِعُ: ﴿وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (٤٥)﴾ [الزمر: ٤٥]، فهُمْ يُصدِّقون بقُلوبهم، وَيستَبشِرون بألسِنتهم، وهذا الإيمانُ في الواقِع قد نَقول: إنه إيمان حَقيقيٌّ، وقد نَقول: إنه إيمان دعَويٌّ، يَعنِي: أنَّه دَعْوة، وأنهم في قَرارة أنفُسِهم يُؤمِنون بالله، وانظُروا إلى أَكفَر أهل الأرض فِرعونَ، كيف أَنكَر الخالِق، وادَّعى الرُّبوبية، وقال لقَوْمه: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ [القصص: ٣٨]، ومع ذلك كان مُؤمِنًا في قَرارة نَفْسه، قال له مُوسى وهو يُحاوِرُه: ﴿قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ﴾ [الإسراء: ١٠٢].
هذه الآيةُ أَقولُ لك: تَدُلُّ على أن فِرعونَ كان مُؤمِنًا برُبوبية الله، وذلك لأنه لمَّا قال له مُوسى: ﴿قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ لم يَقُل: لم أَعلَم، وهو في مَقام يَرَى نفسه أعلى من موسى، يَعنِي: يَستَطيع أن يُنكِر دعوى موسى لو كان يُنكِر ذلك، لكنه يُقِرُّ بأن الله أَنزَل التَّوراة على موسى ﵊.
وَيدُلُّ لهذا قوله تعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ [النمل: ١٤]. ولهذا لا يُمكِن لأَحَد عاقِل - وأُريد بالعاقِل مَن سِوى المَجنون - أن يُنكِر أنَّ لهذا
стр. 124
العالَمِ خالِقًا أبدًا، كل إنسان عاقِل إذا تَدبَّر أدنى تَدبُّر في هذا الكونِ علِمَ أن له رَبًّا مُدبِّرًا، ولا يُمكِن أن يُنكِر.
فائدة: هُناك قولٌ أن فِرعونَ أَصلُه عرَبيٌّ وَيقولون: اسمُه مُصعَب بنُ رَيَّان. ونَقول: مَن قال هذا؟ فِرعونُ قِبطيٌّ وخَبيث، وهو بَريء من العرَب، والعرَب بَريئون منه، لكن اليَهود من المُمكِن أنهم هم مَن قالوا هذا الكَلامَ؛ لأن اليَهود من بني إسرائيلَ، وفِرعونُ عَدُوُّهم، والعرَب الآنَ أعداؤُهم، فأَرادوا أن يَضَعوا آلَ فِرعونَ معَهم.
فقوله هنا: ﴿بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا﴾ الذي يَظهَر لنا أنه إيمان دَعوى، يَعنِي يَقول: نُؤمِن بأن هذا شَريك مع الله، يَقولونه بأَلْسِنتهم، أمَّا في قَرارة قُلوبهم فلا نَظُنُّ أن أحَدًا يُنكِر أنَّ الله واحِد، وقد يُقال: إن المُراد بقوله: ﴿إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا﴾ تَوْحيد الأُلوهية. يَعنِي: يَكفُرون بتَوْحيد الأُلوهية، ويُؤمِنون بالشِّرْك في الأُلوهية؛ لأنهم يُؤمِنون بأن هذه الآلهِة تُقرِّبهم إلى الله زُلفَى، فإِذَنْ هم مُؤمِنون بالله رَبًّا، وُيؤمِنون بالأصنام شُفَعاءَ.
ولا شَكَّ أنَّ عِبادة الرُّهبان والأحبار بالمَعنى الذي فسَّره الرسول ﷺ ليسَت كعِبادة الأصنام، لأنَّ عِبَادة الأصنام عِبادة تَقَرُّب وخُضُوع، وعِبَادَةُ الأحبار والرُّهْبَان عِبادة اتِّباع، ولا شَكَّ أنها عِبادة كما جاء في الحديث.
وقال تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا﴾ [التوبة: ٣١]، فإذا كانت عِبادة الأَحْبار والرُّهبان كعِبادة المَسيحِ ابنِ مَريمَ، لزِم من هذا أنهم
стр. 125
يَعبُدونهم عِبادة التَّقرُّب، لكن الرسول ﵊ قال لعَديِّ بنِ حاتِم: "أَلَيْسُوا يُحِلُّونَ مَا حَرَّمَ الله، فَتُحِلُّونَهُ، وَيُحَرِّمُونَ مَا أَحَلَّ الله فَتُحَرِّمُونَهُ؟ " قال: نعَمْ. قال: "فَتِلْكَ عِبَادَتهمْ" (١) فهذه عِبادة اتِّباع، وغالِب عِبادة المُشرِكين تَقرُّب وتَعظيم.
فإن قال قائِل: ماذا يُقصَد بقول بعض المفَسِّرين في قوله تعالى: ﴿ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ﴾ يَقول: "فيه مَتروك استُغنِيَ عنه بدَلالة الظاهِر عليه، ومجَازُه ألَّا سبيلَ إلى ذلك"؟
فالجوابُ: هذا قَصْده لمَّا قالوا: ﴿فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ﴾ [غافر: ١١]، كأنه قال: لا سَبيلَ إلى الخُروج؛ لأنكم قدَّمتم لأنفسكم ما لا يُمكِن معه الخُروج، وهو أنه إذا دُعِيَ الله وحدَه كفَرْتم وإن يُشرَك به تُؤمِنوا.
قال المفَسِّر ﵀: [﴿فَالْحُكْمُ﴾ في تَعذيبكُم ﴿لِلَّهِ الْعَلِيِّ﴾ على خَلْقه ﴿الْكَبِيرِ﴾ العَظيم]. يَعنِي: فبِناءً على أَنكم في هذه الحالِ يَكون حُكْمكُم إلى الله، فالفاء حينَئذٍ تَكون؛ إمَّا للاستِئْناف، وإمَّا للتَّفريع على ما سبَق. يَعنِي: فبِناءً على ذلك يَكون الحُكْم في أَمرِكم إلى الله، الحُكْم في تَعذيبكم لله وحدَه، واللَّام تَكون بمَعنَى الغاية أحيانًا، كما تَقول: ولله تُرجَع الأمور. بمَعنى: إلى الله، وهنا الحُكْم لله. أي: إلى الله. أي: أن حُكْمكم يَنتَهي إلى الله، ويُحتَمَل أن يَكون المَعنى: الحُكْم لله. أي: مُستَحِقٌّ له لا يُشارِكه فيه أحَدٌ.
وقول المفَسِّر ﵀: [﴿الْعَلِيِّ﴾ على خَلْقه] عُلوَّ ذات، وعُلوَّ صِفة، فالله عالٍ على خَلْقه في ذاته فوقَ كل شيء، وعالٍ على خَلْقه في صِفاته، قال
стр. 126
الله تعالى: ﴿وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الروم: ٢٧]، المَثَل يَعنِي: الوصف الأعلى في السَّموات والأرض.
وعُلوُّ الله عُلوًّا مَعنَويًّا، وهو عُلوُّ الصِّفة أَمْر مجُمَع عليه، لم يُخالِف فيه أحَد من أهل المِلَّة حتَّى المُعطِّلون الذين يُنكِرون صِفاتِ الله ، إنَّما أَنكَروها بِناءً على تَنزيههم لله عن مُشابَهة المَخلوقين، وإن كانوا أَخطَؤوا الطريق لكن هم يَقولون: نحن نَقول هذا تَنزيهًا لله؛ ولهذا يُسمُّون الذين يُثبِتون الصِّفات: المُشبِّهة، والمُجَسِّمة، والحَشوية، وما أَشبَهَ ذلك، ويَرَوْن أنفسهم هم أهلَ التَّوْحيد! .
فعُلوُّ الصفة لم يُنكِره أحَد من أهل المِلَّة، حتى أهل البِدَع يُقِرُّون بذلك.
وأمَّا عُلوُّ الذات فهو مَحَلُّ الصِّراع بين أهل السُّنَّة والجَماعة، وبين أهل التَّعطيل، فأهل السُّنَّة والجماعة يُؤمِنون بأن الله تعالى عالٍ على خَلْقه بنَفْسه، وأهل التَّعطيل يُنكِرون ذلك، ثُم انقَسَموا إلى قِسْمين:
قِسْم قالوا: إنَّ الله في كل مَكان؛ في السماء، وفي الأرض، وفي الأَسْواق، وفي المَساجِد، وفي البُيوت، وفي كلِّ مَكان.
وقسْم آخَرُ قالوا: لا يُوصَف أنه في مَكان، فلا يُقال: فوقَ العالَمِ، ولا في العالَم، ولا تَحتَه، ولا يَمينَه، ولا شِماله، ولا مُتَّصِل بالعالَم، ولا مُماسٌّ له، وهذا هو التَّعطيل المَحْض؛ لأننا لو أَرَدْنا أن نَصِف المَعدوم لم نَجِد أَبلَغَ من هذا الوَصْفِ، إِذَنْ خالَف في عُلوِّ الذات طائِفَتان:
الطائِفة الأُولى، قالت: إنَّ الله في كل مَكان بنَفْسه، وهو قَولٌ قِيل حقيقةً، ولكن لا تَظُنُّوا أنه تَصوُّر، فيُوجَد الآنَ مَن يَعتَقِدون أن الله في كل مَكان، إن جِئْت السُّوق
стр. 127
وجَدْته في السوق، وإذا قالوا: بالجَبْر قالوا: في السُّوق يَبيع وَيشتَري؛ لأن فِعْل العَبْد مَنسوب إلى الله تعالى، فإذا كان الذي في السُّوق هو في السُّوق، وفِعْل العبد فِعْله لصار يَبيع وَيشتَري! ! وإذا جِئْت المَسجِد كان في المَسجِد، يُصلِّي أو يَقعُد! لا نَدرِي! إذا أَتَيْت في أي مَكان وجَدْته فيه. نَسأَل الله العافِيةَ! هذا من لازِم قولهم.
ونحن نَفصِل هذا عن مَسأَلة الجَبْر حتى لا نَصِل إلى نِهاية سَيِّئة جِدًّا، نَقول: هُم يَقولون: إنَّ الله في كل مَكان، حتى قال لهم أَهْل السُّنَّة: كيف يُمكِن أن تَقولوا: إنه في أماكِن القَذَر والأذَى؟ قالوا: نَقول: إذا دخَلْت أنت المَكان صار الله معَك، أيُّ مَكان تَدخُله فالله معَك.
فإن قال قائِل: الذين أنكروا علوّ الذات يستدلّون بآية ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ﴾.
فالجوابُ: ﴿فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٥]، هل هذا يُنافِي العُلوَّ حتى يَكون دليلًا على عَدَمه؟ فيُمكِن أن يَكون الشيء فوقَك وهو أمامَك، هذا في المَخلوق، فكيف بالخالِق المُحيط بكُلِّ شَيْء؟ ! ثُم كيف نُورِد آية تُحتَمَل على آياتٍ محُكَمة لا تُحتَمَل وهو العُلوُّ؟ انتَبِهوا لهذا؛ لأن أهل الباطِل يُورِدون المتشابِه على المُحكَم، ولا يَحمِلون المتشابِه على المُحكَم، يُورِدون المتشابِه على المُحكَم؛ ليُناقِضَه، وليسوا يَحمِلون المتشابِه على المُحكَم ليَكون محُكمًا، وهذا هو البَلاء، قالت عائِشةُ ﵂: "إِذا رَأَيْتُمُ الَّذينَ يَتَّبِعونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ فَأُولَئِكَ الَّذينَ سَمَّى الله فَاحْذَرُوهُمْ" هكذا روَتْه عن النَّبيِّ ﷺ (١).
стр. 128
وهذه مَسأَلة أُحِبُّ أن أُنبِّهَكم عليها، وهو أنه إذا ورَدَت آيات مُتعارِضة، وأحادِيثُ مُتعارِضةٌ، فلا تُورِدوها على أَنْفُسكم على أنَّها مُتعارِضة، أَوْرِدوها على أَنفُسِكم على أنكم تَطلُبون الجمع بينها، لتُوفَّقوا للجمع، أمَّا إذا أَوْرَدْتم هذه على أنَّها مُتعارِضة بقِيَت مَحَلَّ إشكال، وأنا دائمًا أَنْهاكم عن هذا، أَقول: لا تُورِدوا الآياتِ المتشابِهةَ التي ظاهِرها التَّعارُض، أو الأحاديث كذلك على أنها مُتعارِضة، أَوْرِدوها على أنَّكُم تُريدون الجَمْع بينها، لا أن بَعضَها مُعارِض لبعض، حتى تُهْدَوْا إلى الصِّراط المُستَقيم؛ لأن هُناك فَرْقًا بين الإيراد وبين الرَّدِّ، إيراد المُتَشابِه على المُحكَم مَعناه: أنه يَطلُب التَّعارُض، لكِنْ رَدُّ المُتَشابِه إلى المُحكَم هذا معناه أنه حاوَل الجمْع دون أن يَتصوَّر التَّعارُض، وهذه المَسأَلةُ كما تَكُون في الأُمور العِلْمية تَكُون أيضًا في الأمور العمَلية.
أحيانًا تَرِد عن النبيِّ ﷺ صِفاتٌ في عِبادة واحِدة، فيَظُنُّ الظانُّ أن هذا تَعارُض، لكن نَقول: لا تَقرَأْها ولا تُورِدْها على نفسك على أنها مُتَعارِضة، لا، أَورِدْها على أنك تَجمَع بينها، فتَحمِل هذه على وجهٍ وهذه على وَجهٍ، وأكثَرُ ما يَكون الشَّكُّ للطالِب أنه يُورِد الآياتِ المُتعارِضة التي ظاهِرُها التَّعارُض، أو الأحاديث التي ظاهِرُها التَّعارُض على أنها مُتعارِضة، لكن لو أَورِدْها على أنه يُرَدُّ بعضُها إلى بعض، ويُضَمُّ بعضُها إلى بعض، لوَجَد وجهًا ومَخرَجًا ممَّا كان يَظُنُّ، وهذا شيء إذا فعَلتموه ستَنْتَفِعون به، إن شاء الله.
فالذين قالوا: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٥]، يَدُلُّ على عدَم العُلوِّ فيُعارِض أدِلَّة العُلوِّ. نَقول: مَن قال هذا؟ ! مَن قال: إنه يَدُلُّ على عدَم العُلوِّ؟ ! وإذا كان الشيءُ مُقابِلًا لك فلا يَلزَم أن يَكون محُاذِيًا لك، قد تَقول:
стр. 129
هذا عن يَميني وهو أسفَلُ شيء، لكن مع الجِهة اليُمنَى، وهذا عن يَسارِي وهو أسفَلُ شيء، وهو عن الجِهة اليُسْرى، كما جاء في حَديث المِعراج: "أن على يَمينِ آدَمَ أَسْوِدةٌ وعلى يَسارِهِ أَسْوِدَةٌ، فإِذا رَأَى إِلى اليَسارِ بَكَى" (١) اليَسار هي نَسَمُ بنِيه الكفَرة في النار، وهذا في الأسفَلُ، فلا يَلزَم من كون الشيء على يَمينك أن يَكون محُاذِيًا لك، ولا يَلزَم من كون الشيء فوقَك أن يَكون محُاذِيًا لك، ولا من كونه أَسفَلَ منك أن يَكون محُاذِيًا لك، هذا ليس بلَازِم، لكن الذين في قُلوبهم زَيْغ يَتَّبِعونَ ما تَشابَهَ منه؛ لإيراد التَّشكيك.
القول الثاني: قالوا: لا يَصِحُّ أن يُوصَف الله بأيِّ مَكان، لا فوقَ، ولا تَحتَ، ولا يَمينَ العالَم، ولا شِمال العالَم، ولا اتِّصال بالعالَم، ولا انفِصال من العالَم.
وقد قال محَمودُ بنُ سُبُكْتِكينَ لمُحمَّد بن فورك وهو يُناظِره في هذه المَسأَلة (٢) قال له: إذا قُلت هذا فأَثبِتْ لنا ربَّك، إذا كان لا هو فوقُ ولا تَحتُ، ولا يَمينُ ولا شِمالُ، ولا مُتَّصِلًا ولا مُنفَصِلًا، ولا مُبايِنًا ولا مُحايِثًا أين يَكون؟ لا يَكون، وهذا العدَم تمامًا.
فليس بصحيح أنه ليس بيَمين ولا بشِمال، لكنه وَصَف نَفْسه بما هو أَحسَنُ من هذا؛ لأنه لو قال: لا يَمين ولا شِمال صارَت الصِّفة صِفةً سَلْبية، لكن إذا قال: ﴿هَوَ الْعَلِيُّ﴾ انتَفَى اليمين والشِّمال بوَصْف ثُبوتيٍّ، لا بوَصْف سَلبيٍّ، والوَصْف الثُّبوتي أَكمَل من الوَصْف السَّلبيِّ؛ لأنَّ دَلالة الوَصْف السَّلْبيِّ على الإثبات دَلالة
стр. 130
التِزام، قد يُنكِرها مُنكِر ولا يَلتَزِم بها.
فإن قال قائِل: نَفيُ العدَم يَعنِي القول بأن الله لا فوقُ ولا تَحتُ، ولا يَمينُ ولا شِمالُ، فبماذا استَدَلَّ القائلون به؟
فالجوابُ: نَقول: لأنك إذا أَثبَتَّ أنه في جِهة فقد جسَّمْت - أي: جعَلْته جِسْمًا - إذا صار فَوقُ مَعناه أنه جِسْم، وَيمينًا وشِمالًا كذلك، كل هذا فِرارًا من التَّجسيم، والسبَب أنَّ الشَّيْطان تَلاعَب بهم في الواقِع، وإلَّا نَقول لهم: ما هو التَّجسيم الذي تُريدون أن تَنفُوه عن الله، تُريدون أن الله ليس بشَيْء؟ فنَحْن لا نُوافِقُكم، تُريدون أن الله تعالى جِسْم مَوْصوف بالصِّفات الكامِلة؟ فهو كذلك هو مَوْصوف بالصِّفات الكامِلة، لكن لا نُطلِق لفظ جِسْم على الله أَبَدًا، وقد ورَد في الحَديث ما يَدُلُّ على أنه يُوصَف بالشخص (١)، ومع ذلك لا نَقول: إنه شَخْص كأشخاص المَخلوقين أَبَدًا ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾.
فالحاصِلُ: أنَّ العُلوَّ قول المفَسِّر ﵀: [﴿الْعَلِيِّ﴾ على خَلْقه] نَقول: العُلوُّ نَوْعان: عُلوُّ صِفة، وعُلوُّ ذاتٍ.
أمَّا عُلوُّ الصِّفة: فهذا لم يُنكِر أحَد من أهل القِبْلة حتى المُبتَدِعة أنه مَنفيٌّ عن الله، كلُّهم يُثبِتون لله عُلوَّ الصِّفة، لكن أهل التَّعطيل يَرَوْن التَّعْطيل من باب التَّنزيه، ورَفْع الله ، وأَهْل التَّمثيل كذلك يَرَوْن هذا من باب تَعظيم الله وإثبات حَقيقته.
وأمَّا عُلوُّ الذات: فهو الذي انقَسَم فيه الناس إلى هذه الأقسامِ الثلاثةِ التي سمِعْتُموها.
стр. 131
قال المفَسِّر ﵀: [﴿الْكَبِيرِ﴾ العَظيم] وهذا تَفسير تَقريبيٌّ، ولو قال: الكَبير ذو الكِبْرياء لكان أَقرَبَ، فهو كبير ذو كِبرياء، وهو كبير أيضا، كبير باعتِبار ذاته، لا يُحيط به شيء من مَخْلوقاته، والسَّموات السَّبعْ والأرَضون السَّبْع في يدِه كخَرْدلة في يَدِ أحَدِنا.
مسألة: هَل يجِب على الإنسانِ أنْ يُبلِّغ الناس أنه يَجِب عليهم أن يَبحَثوا، ثُم كيف نَقول لهم هذا وهُمْ أصلًا كُسالى، لا يَبحَثون وجهَلة؟
فالجوابُ: نحن لا نَتَكلَّم عن العرَب، العرَب يَفهَمون الدَّعْوة بمُجرَّد أن تَبلُغهم، بل نَتكَلَّم عن قوم لا يَفهَمون المَعنى، يَجِب عليهم أن يَبحَثوا، أمَّا عوامُّ الناس الآنَ فقَدْ بلَغَتهم وفهِموها؛ ولهذا يَعرِفون مَعنَى لا إلهَ إلَّا الله، وَيعرِفون مَعنى محُمَّد رسول الله، وما أَشبَهَها.
من فوائدِ الآيةِ الكريمةِ:
الْفَائِدَةُ الأُولَى: إثباتُ الأَسْباب؛ لقوله: ﴿ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ﴾، فالباء للسَّبَبية، وقد تقدَّم كثيرًا أنَّ أهل السُّنَّة والجماعةَ يُثبِتون الأسباب للمُسَبَّبات، ولكن لا على أنَّها فاعِلة بنَفْسها، بل بما أَوْدعَ الله فيها من القُوى المُؤثِّرة، يُؤخَذ ذلك من قوله: ﴿ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ﴾؛ لأن الباء للسَّبَبية.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: بَيان ما عليه هؤلاءِ الكُفَّارُ من كونِهم إذا دُعِيَ الله وحدَه كفَروا، وإذا أَشرَك به أَدرَّوا هذا الشِّرْكَ؛ لقوله: ﴿بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا﴾.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: أنَّ الحُكْم لله؛ لقوله تعالى: ﴿فَالْحُكْمُ لِلَّهِ﴾ وليس لغَيْره.
стр. 132
وحُكْم الله تعالى يَنقَسِم إلى قِسْمين: كَونيٍّ وشَرْعيٍّ.
فالكَوْنيُّ: ما قَضَى به على عِباده كونًا وتَقديرًا.
والشَرعيُّ: ما قَضَى به على عِباده شَرْعًا وتَنظيمًا.
والحُكْمان مَوْجودان في القُرآن جميعًا، فمِن الحُكْم القَدَريِّ قوله ﵎: ﴿فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي﴾ [يوسف: ٨٠]، ومن الحُكْم الشَّرعيِّ قوله تعالى: ﴿ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [الممتحنة: ١٠].
والفَرْق بينهما:
الفرق الأوَّل: أنَّ الحُكْم الشَّرعيَّ يَرضاه الله ، والحُكْم الكونيَّ يَتَعلَّق بما يَرضاه وبما لا يَرضاه.
والفَرْق الثاني: أن الحُكْم الشَّرعيَّ قد يَقَع من المَحكوم عليه وقد لا يَقَع، وأمَّا الحُكْم الكَوْنيُّ فإنه لا بُدَّ أن يَقَع، فإذا حكَم الله على شخص بمَوْت، أو مرَض، أو فَقْر، أو عاهة، أو غير ذلك وقَع، ولا بُدَّ، وإذا حكَم الله على شخص بأن يُؤمِن ويَعمَل صالِحًا فقد يَقَع وقد لا يَقَع.
وقوله: ﴿فَالْحُكْمُ لِلَّهِ﴾ هنا يَشمَل الأمرَيْن جميعًا.
ويُستَفاد من هذا أنه لا يَجوز الحُكْم بالقَوانين المُخالِفة للشريعة، لقوله تعالى: ﴿فَالْحُكْمُ لِلَّهِ﴾، وهذه الجُملةُ تُفيد الحصْر، أي: الحُكْم لله لا لغيره، والحُكْم بالقوانين المُخالِفة للشريعة قد يَكون كُفْرًا، وقد يَكون ظُلمًا، وقد يَكون فِسْقًا، كما ذكَره الله على هذه الوُجوهِ الثلاثة في سورة المائِدة، وهي من آخِر ما نزَل، فإن وُضِع الحُكْم القانوني شرعًا نافِذًا فهذا كُفْر، لأنه يَقتَضي رَفْع الحكْم الشَّرعيَّ وإحلال حُكْم
стр. 133
آخَرَ محَلَّه، وهذا كُفْر بما أَنزَل الله محُبِط للعمَل، لأنه لا يُمكِن أن يُرفَع الحُكْم الشَّريرُّ إلَّا بعد كراهَته إيَّاه، وقد قال الله ﵎: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾ [محمد: ٩].
وعلى هذا فالذين يَحكُمون أُمَمَهم بالقَوانين المُخالِفة للشريعة يُعتبرون كُفَّارًا، يَجِب عليهم أن يَتوبوا إلى الله، وأن يَحكُموا بشَريعة الله، وإلَّا ماتوا كُفَّارًا - والعِياذُ بالله - ونحن لا نَحكُم بهذا الشيءِ لكل واحد بعَيْنه، إذ قد يَكون بعضُهم مُلبَسًا عليه، أو مُغرَّرًا به، أو تَكلَّم عنده مَن يَثِقُ به فأَضَلَّه، قد يَكون هذا الذي وضَع القانون غرَّه مَن يَقول: إنَّ الحُكْم الشَّرْعيَّ إنما يَكون فيما بين الإنسان وبين رَبّه في العِبادات والأحوال الشَّخْصية والمَواريث، وأمَّا مَسائِل الدُّنيا فهي لأهل الدنيا، ويُشبّه بقوله ﷺ : "أَنْتُثم أَعْلَمُ بِأُمُورِ دُنْيَاكُمْ" (١).
فيَأتي هذا الحاكِمُ المِسكينُ الذي لا يَعرِف عن الأمر شيئًا، والذي خُدِع بمَظاهِر الدنيا وزَخارِفها فيَظُنُّ أن هذا هو الحقُّ، فيَضَع القانون المُخالِف للشَّرْع، فمِثل هذا لا نَحكُم بكُفْره، لأنه مُغرَّر به مُؤَوِّل، لكن إذا بُيِّن له ثُمَّ أَصَرَّ حُكِم بكُفْره.
أمَّا الثاني: الحُكْم بغَيْر ما أَنزَل الله الذي يَكون ظُلْمًا، فهو ما كان الحامِلُ عليه حُبُّ الاعتِداء على الغير، لا كراهةَ الشَّرْع، ولا الحُكْم بغير ما أَنزَل الله، لكن لكراهته للغير حكَم على الغير بغَيْر ما أَنزَل الله ظُلْمًا وعُدوانًا، فهذا له حُكْم الظلَمة، وليس له حُكْم الكافِرين، لأَنَّه لم يَكْفر، يَقول: أَعرِف أن ما جاء به الشَّرْع فهو الحقّ، لكن أُريد أن أَنتَقِم من هذا الرجُلِ، وأَعتَديَ عليه، فيَكون هذا له حُكْم الظالِم:
стр. 134
﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [المائدة: ٤٥].
أمَّا القِسْم الثالِث: فهو الذي حكَم بغَيْر ما أَنزَل الله لهوًى في نفسه، لا كراهةً للحَقِّ، ولا استِبْدالًا له بغيره، لكن يُريد شيئًا في نفسه فحكَم بغير ما أَنزَل الله، مِثْل: أن يَكون يَهوَى، أن تَكون له هذه الأرضُ، أو هذه السَّيَّارةُ، أو ما أَشبَه ذلك فيَحكُم بها لغرَض، ليس قَصدُه ظُلمَ المحكوم عليه، ولكن قَصْده اتِّباع الهَوَى، فيَحكُم، فيَكون بهذا من الفاسِقين.
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أنَّ الحُكْم لله في الدُّنيا والآخِرة.
ولهذا قسَّم بَعْض العُلَماء الحُكْم إلى ثلاثة أقسام: كَونيٍّ، وشَرعيٍّ، وجَزائيٍّ.
والحُكْم الجزائيُّ: ما يَكون في الآخِرة، ولكن الصحيح أن الحُكْم الجزائيَّ لا يَخرُج عن كَوْنه حُكْمًا كونيًّا، لأنه فِعْل الله، وحينَئذٍ لا حاجةَ إلى كَثْرة التَّقاسيم، لأنه كلَّما أَمكَن اختِصار التَّقسيم كان أَوْلى، ولهذا - والله أَعلَمُ - كان الرسول ﷺ يَأتي أحيانًا فيَقول: "ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمُ الله، وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَلَا يُزَكِّيهِمْ، وَلهَمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ" (١)، مع أن هُناك آخَرين لا يُكلِّمهم الله يوم القِيامة، ولا يَنظُر إليهم، ولا يُزكِّيهم ولهم عَذاب أَليم، لكن كون الشيء يُجزَّأ وتُقلَّل أَقسامُه يَكون أقرَبَ إلى الفَهْم.
ولهذا يُفرَّق بين أن تُعطِيَ الماء لشخص عَطشانَ دفعة واحِدة، أو أن تُعطِيَه إيَّاه على دفعات، فالثاني أَهنَأُ وأَبرَأُ وأَمرَأُ، كما جاء في الحديث أنه يَنبَغي للإنسان في شَرابه أن يَتَنفَّس ثلاث مرَّات، الكأس مثَلًا إذا كُنتَ عَطْشانَ لا تَشرَبْه جميعًا، تَنفَّس
стр. 135
فيه ثلاثَ مرَّات، اشرَبْ، ثُمَّ أَبِنِ الكأسَ عن فمِكَ، ثُم رُدَّه، ثُم أَبِنْه، ثُم رُدَّه، حتى يَكون ذلك أَهنَأَ وأَمرَأَ وأَبرَأَ.
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: إثبات العُلوِّ لله ؛ لقوله: ﴿الْعَلِيِّ﴾ وهو عُلوٌّ بنَفْسه، وعُلوٌّ بصِفته، فصِفاته عُليا، وهو نفسه فوقَ كل شيء.
وأدِلَّة عُلوِّ الله الذاتيِّ خمسةُ أنواع: الكِتاب، والسُّنَّة، والإجماع، والعَقْل، والفِطْرة.
أمَّا الكِتاب: فمَملوء من ذلك، أي: مِن دَلالته على أن الله فوقَ كل شيء على وجوهٍ مُتنوِّعة، تارةً يُصرِّح بأنه في السَّماء، وتارةً يُصرِّح بأنه استَوَى على العَرْش، وتارةً يُصرِّح بأن الأشياء تَنزِل منه، وتارةً يُصرِّح بأن الأشياء تُرفَع إليه، وتَصعَد إليه، وتَعرُج إليه، وكل هذا يَدُلُّ على عُلوِّ الله تعالى بذاته.
والسُّنَّة كذلك جاءت بأَوْجُهها الثلاثة: قولٍ، وفِعْل، وإقرارٍ.
فالقول: ما كان الرسول ﵊ يَقول: "رَبُّنَا الله الَّذِي فِي السَّمَاءِ تَقَدَّسَ اسْمُكَ، أَمْرُكَ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ" (١)، وما كان يَقول في سُجوده: "سُبْحَانَ رَبِّيَ الْأَعْلَى" (٢).
والفِعل: إشارته ﷺ إلى السماء حين قال: "اللَّهُمَّ اشْهَدْ" (٣).
стр. 136
والإقرار: إقراره للجارِية حين قالت: إنَّ الله في السَّماءِ. لمَّا قال لها: "أَيْنَ الله؟ " (١).
وأمَّا الإِجْماع: فقَدْ أَجمَع السَّلَف على أنَّ الله تعالى عال بذاته فوقَ كل شيء، ودَليل هذا الإجماعِ أنه لم يَرِد عنهم حَرْف واحِد يُنافِي ما دلَّ عليه الكِتاب والسُّنَّة من عُلوِّ الله، وهذا يَدُلُّ على أنهم كانوا يَقولون به.
وهذا من الطُّرُق التي ذكَرْناها لكم فيما سبَقَ أنه لو قال قائِل: ائْتُوا لنا بحَرْف واحِد من السلَف يَقول: إن الله عالٍ بذاته. نَقول: لا حاجةَ أن نَأتِيَ لكم بذلك؛ لأن وُرود ذلك في الكِتاب والسُّنَّة من غير أن يَأتِيَ عنهم ما يُعارِضه يَدُلُّ على قولهم به، وهم مجُمِعون على هذا.
وقد ذكَرَ شيخ الإسلام ﵀ كلامًا قال فيه: "والله يَعلَم أني بعد البَحْث التامِّ، ومُطالَعَتي ما أَمكَن من كلام السلَف، لم أَجِدْ أحَدًا منهم صرَّح بأن الله ليس في السَّماء، وأن الأشياء لا تَعرُج إليه" (٢) وذكر نَحوَ هذا.
وعلى هذا فنَقول: إن عُلوَّ الله بذاته قد أَجمَعَ عليه السلَف، فمَن قال بغير ذلك فقد شاقَّ الرسولَ، واتَّبَع غيرَ سبيل المُؤمِنين، ولكن الله اشتَرَط قال: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى﴾ [النساء: ١١٥].
وأمَّا العَقْل: فدَلالته على عُلوِّ الله ظاهِرة؛ لأننا لو سألنا: أيُّهما أعلى صِفةَّ العالي أو السافِل؟ لقيل باتِّفاق العُقَلاء: إن العالِيَ أكمَلُ، وإذا ثبَت أن العُلوَّ كَمال وجَب
стр. 137
أن يَكون ثابِتًا لله ؛ لأن الله تعالى مَوْصوف بصِفات الكَمال.
وأمَّا الفِطْرة: فاسأَلْ عنها عجائِز المُسلِمين، لا تَسأَلْ طلَبة العِلْم، اسأَلِ العَجوز: أين الله؟ فتَقول لك: في السَّماء. اسأَلْ كلَّ داعٍ إذا دعا: أين يَطيرُ قَلْبه؟ فيَقول لك: إلى السماء.
وهذه الفِطرةُ هي التي أَلجَمَت أبا المَعالي الجُوَيْنيَّ حين قال له أبو جَعفر الهَمَذانيُّ: يا شَيخُ دَعْنا من ذِكْر العَرْش، لمَّا قال أبو المَعالي: إن الله كان ولا شيء يَعنِي: لا عَرشٌ ولا غيرُه، وهو الآنَ على ما كان عليه. يُريد نَفيَ الاستِواء، إذا كان الله ولا عَرشٌ وهو الآنَ على ما هو عليه لزِم ألَّا يَكون مُستَوِيًا على العَرْش، فقال له: يا شيخُ دَعْنا من ذِكْر العَرْش؛ لأنَّ دليله - دليل استِوائِه على العَرْش - دليل سَمْعيّ، لكن أَخبِرْنا عن هذه الفِطْرةِ التي نَجِدها في نُفوسِنا، ما قال عارِفٌ قطُّ: يا الله. إلَّا وجَد من قَلْبه ضرورة بطلَب العُلوِّ، فلطَمَ أبو المَعالي على رأسه وقال: حيَّرَني الهَمَذانيُّ (١)، تَحيَّر؛ لأنَّ هذا أَمْر فِطْريٌّ لا يُمكِن إنكاره أَبَدًا، إن كان الإنسان يُنكِر أن يَكون بشَرًا أَنكَر ما دلَّت عليه الفِطْرة.
فالحاصِل: أن عُلوَّ الله بذاته دلَّ عليه الكِتاب، والسُّنَّة، والإِجْماع، والعَقْل، والفِطْرة، وهو - ولله الحمد - لا يَحتاج إلى مُنازَعة، ولولا أنَّ أهل البِدَع والتَّعْطيل أَلجَؤُوا أهل السُّنَّة إلى الحديث عنه ما احتاج أن يَتَحدَّث الإنسان عنه؛ لأنه أَمْر فِطْريٌّ لا يَحتاج إلى كبير عَناء، لكن هَؤلاء المُتكَلِّمين المُبتَدِعين المُعطِّلين المُحرِّفين المُنحَرِفين همُ الذين أَلجَؤوا أهل السُّنَّة إلى أن يَقولوا بمثل ذلك، وأن يُحاوِلوا إثبات هذه الأُمور بما يَستَطيعون من الأدِلَّة.
стр. 138
الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: إثبات الكِبرياء لله والكِبَر؛ لقوله: ﴿الْكَبِيرِ﴾، والله تعالى يَجمَع بين الكبرياء والكِبَر في غير ما آية، قال الله تعالى: ﴿الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ﴾ [الرعد: ٩]، وهنا يَقول: ﴿الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ﴾؛ لأن بذلك يَحصُل الكَمال المُطلَق العُلوُّ والكِبْرياء، والكِبَر فيه كَمال الكَمال.
* * *
стр. 139
الآية (١٣)
* * *
* قَالَ اللهُ : ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آيَاتِهِ وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ رِزْقًا وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلَّا مَنْ يُنِيبُ (١٣)﴾ [غافر: ١٣].
* * *
وقوله: ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ﴾ أي: يُظهِر لكم آياتِه حتى تَرَوْها، والضمير يَعود إلى الله، فهو الَّذي له الحُكْم، وهو العليُّ الكَبير، ومع ذلك لم يَدَعْ عِباده همَلًا، بل أَراهُم آياتِه حتى يُؤمِنوا.
فقوله: ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آيَاتِهِ﴾؛ أي: يُظهِرها لكم حتى تروْها عَيانًا، والآيات هنا: العلامات الدالَّة على مَعلومها، وهي أبلَغُ من المُعجِزات وما أَشبَهَها.
وآياتُ الله نَوْعان: آياتٌ كَوْنية وآياتٌ شَرْعية.
فالآياتُ الكَوْنية: هي مَخْلوقات الله .
والآياتُ الشَّرْعية: هي الوَحيُ الذي جاءَت به الرُّسُل.
كل المَخْلوقات آياتٌ من آيات الله: ﴿وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ (٢٠) وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات: ٢٠، ٢١]، ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا﴾ [الروم: ٢١]، ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِنْ دَابَّةٍ﴾ [الشورى: ٢٩].
стр. 140
والأَمْثلة على هذا كَثيرة، كلُّها تَدُلّ على خالِقها ، وعلى تَفرُّده بالخَلْق، وعلى حِكْمته، وعلى رَحْمته، وعلى عِزَّته إلى غير ذلك من مَعانِي الرُّبوبية التي تَدُلُّ عليها هذه الآياتُ، وقد تَكُون آية واحِدة تَدُلُّ على عِدَّة آيات، وعلى عِدَّة أَوْصاف، هذه الآياتُ الكَوْنية شامِلة لكل المَخْلوقات، وفي هذا يَقول القائِلُ:
فَوَاعَجَبًا كَيْفَ يُعْصَى الْإِلَهُ؟ ! ... أَوْ كَيْفَ يَجْحَدُهُ الجَاحِدُ
وَفي كُلِّ شَيْءٍ لَهُ آيَةٌ ... تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ وَاحِدُ (١)
كل شيء تَتَأمَّل فيه تَجِدُ الدَّلالة الكامِلة على أن له خالِقًا مُدبِّرًا حَكيمًا عليمًا، إلى غير ذلك من مَعانِي الرُّبوبية.
أمَّا الآياتُ الشَّرْعية: فهي ما جاءَت به الرُّسُل وقد أَرانا الله تعالى إيَّاها، وأَعطَى الرُّسُل ﵊ من الآياتِ ما يُؤمِن على مِثْله البَشَر، فالرُّسُل لم يَأْتوا هكذا يَقولون للناس: نَحْن رُسُلٌ إليكم. بل أَتَوْا بالآيات الدالَّة على ما أُرسِلوا به، وعلى مُرسِلِهم.
قوله: ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آيَاتِهِ﴾ إِذَنِ الآياتُ تَشمَل: الكونية والشَّرْعية، البَرْق: آيةٌ كَوْنية: ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا﴾ [الرعد: ١٢].
وقوله: ﴿وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ رِزْقًا﴾ التَّنزيل يَكون من أعلى، وهنا قال: ﴿مِنَ السَّمَاءِ﴾ وهو العُلوُّ، وليس المُرادُ بالسماء هنا السماءَ المَحفوظةَ - السَّقْف المَرفوع -، بل المُراد به العُلوُّ؛ لقوله تعالى: ﴿وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ [البقرة: ١٦٤]، فالمَطَر ليس يَنزِل من السَّماء السَّقْف المَحفوظ، وإنَما يَنزِل من العُلوِّ،
стр. 141
من السَّحاب المُسخَّر بين السماء والأرض، وهذا أَمْر مُشاهَد.
وقوله: ﴿رِزقًا﴾ أي: ماءً يَكون به الرِّزْق، فالذي يَنزِل ماءٌ يَكون به الرِّزْق، فهو نَفْسه رِزْق: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ (٦٨) أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ﴾ [الواقعة: ٦٨، ٦٩]، وبه يَكون الرِّزْق ﴿فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾ [الأعراف: ٥٧]، والثمَرات أَرْزاق تُؤكَل، والماء رِزْق يُشرَب، فهو رِزْق بكُلِّ حال.
وفي تَقديم الآياتِ على إنزال الرِّزْق من السماء دَليل على أن النِّعْمة الدِّينية أهَمُّ وأكبَرُ من النِّعْمة الدُّنْيوية.
قوله: ﴿وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ رِزْقًا وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلَّا مَنْ يُنِيبُ﴾ [غافر: ١٣].
قال المفَسِّر ﵀: [﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آيَاتِهِ﴾ دَلائِلَ تَوحيده، يَعنِي: التي تَدُلُّ على تَوْحيده وغير ذلك ممَّا تَدُلُّ عليه من مَعاني الرُّبوبية، [﴿وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ رِزْقًا﴾ بالمَطَر]، فالمفَسِّر ﵀ يَرَى أنَّ الرِّزْق هو ما يَخرُج بالمطَر. يَعنِي: النَّبات وما أَشبَه ذلك، ولكن ما ذكَرْناه هو الأصوَبُ، أن المطَر نَفسه رِزْق؛ لأن الله قال: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ (٦٨) أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ﴾ [الواقعة: ٦٨، ٦٩]، وأحيانًا يَكون احتِياج البَدَن إلى الماء أكثَرَ مِنِ احتياجه إلى الأكل.
قال المفَسِّر ﵀: [﴿وَمَا يَتَذَكَّرُ﴾ يَتَّعِظ ﴿إِلَّا مَنْ يُنِيبُ﴾ يَرجِع عن الشِّرْك]، وقوله: ﴿إِلَّا مَنْ يُنِيبُ﴾ قال المفَسِّر ﵀: [يَرجِع عن الشِّرْك]، وهذا لا شَكَّ أنه صَحيح لكنه قاصِر، فالصَّواب: ﴿مَنْ يُنِيبُ﴾ مَن يَرجع إلى الله من الشِّرْك وغيره من المَعاصِي والفُسوق، فهو أعَمُّ مِمَّا قاله المفَسِّر.
стр. 142
من فوائدِ الآيةِ الكريمةِ:
الْفَائِدَةُ الأُولَى: بَيانُ قُدْرة الله ؛ لأَنَّه يُرينا الآياتِ.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أنَّ ما يُرينا الله تعالى من آياتِه حُجَّة مُلزِمة؛ لئَلَّا يَقول قائِل: نحن لم يَأْتِنا آياتٌ حتى نَتَّعِظ بها.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: أنَّ المَخلوقاتِ والمَشروعاتِ كلها تَدُلُّ على الخالِق المُشرِّع .
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: مِنَّة الله بإنزال المطَر من السماء، وأَنَّه رِزْق لنا. الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: الحِكْمة في أنَّ المطَر يَنزِل من السماء، والله قادِر على أن يَجعَل للأرض أنهارًا تَسير على سَطْح الأرض، وتَسقِي ما شاء الله أن تَسقِيَه، لكن المَطَر أَنفَعُ وأفضَلُ؛ لأنَّ المطَر إذا نزَل من أعلى شمِلَ قِمَم الجِبال، فيَشمَل السهل والوَعْر، والنازِل والعالِيَ، وهذه من الحِكْمة أن يَكون المطَر يَنزِل من فوقُ حتى يَشمَل الأرض كلَّها.
الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: أنَّ ما تَتَغذَّى به الرُّوح أهمُّ ممَّا يَتَغذَّى به البدَن؛ لأنه سبحانه قدَّم إِراءة الآياتِ على الرَّزْق الذي يَنزِل من السماء، وهذا يَدُلُّ على أَنَّه أهَمُّ، وهو كذلك، هذا هو الواقِع؛ وذلك لأن فَقْد الغِذاء البدَنيِّ لا يَكون فيه إلَّا شيء لا بُدَّ منه وهو الموت الذي لا بُدَّ منه، حتى لو كان الإنسان في أَنعَم ما يَكون من نَعيم البدَن، وأَترَف ما يَكون فلا بُدَّ أن يَموت، لكن غِذاء الرُّوح هو الذي يَحتاج إلى مُعاناة ومُعالجَة، وبفَقْده يَكون الهلاك في الدُّنيا والآخِرة.
قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الزمر: ١٥]،
стр. 143
﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (١٠٣) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا (١٠٤) أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ﴾ [الكهف: ١٠٣ - ١٠٥]، وقال تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر: ١ - ٣].
إِذَنْ: خَسارة البدَن دون خَسارة الرُّوح بكثير، خَسارة الدُّنيا دون خَسارة الدّين بكَثير؛ ولهذا قدَّم الله نِعْمته بإِراءة الآياتِ على نِعْمته بإنزال المطَر.
الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: أنَّ الآياتِ والرّزْقَ والعَطاء لا يَنتَفِع به إلَّا مَن أَناب إلى الله، أمَّا مَن لمُ يُنِب إلى الله فإن الله يَقول: ﴿وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس: ١٠١].
الْفَائِدَةُ الثَّامِنةُ: أنَّه كلَّما كان الإنسان أكثَرَ إنابةً إلى الله كان أقوى إيمانًا بالآيات؛ لأنَّ الحُكْم المُعلَّق على وَصْف يَقوَى بقُوَّته وَيضعُف بضَعْفه، فإذا كان التَّذكُّر لمَن يُنيب، فكلَّما كان الإنسان أَقوَى إنابةً كان أَقوى تَذكُّرًا.
الْفَائِدَةُ التَّاسِعَةُ: أنَّ مَن لم يَكُن عنده إنابة فإنه يُحرَم من الانتِفاع بالآيات؛ لأنَّ الله قال: ﴿وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلَّا مَنْ يُنِيبُ﴾.
الْفَائِدَةُ الْعَاشِرَةُ: أنَّ الإنابة إلى الله سبَب لكَثْرة الرِّزْق، وَيدُلُّ لذلك قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق: ٢، ٣]، واللهُ أَعلَمُ.
وإذا قال قائِل: كيف نُجيب على مَن يَقول: قولُ الله ﵎ ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [المائدة: ٤٥]، ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [المائدة: ٤٧]، أنَّ المُراد به الكُفْر؟
стр. 144
فنُجيب بأنه غلَط، كيف يُراد به شيء واحِد ويُكرِّره الله بألفاظ مُتعَدِّدة؟ ! والأصل أنَّ اختِلاف اللَّفْظ يَدُلُّ على اختِلاف المَعنى، لكن بعض العُلَماء قال: إنَّ وَصْف الحاكِم بالكُفْر لا يَمنَع من وَصْفه بالفِسق؛ لأن الله تعالى وصَف الكُفَّار بالفِسْق، فقال تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا﴾ [السجدة: ٢٠]، ووصَف الكافِرين بالظُّلْم، فقال: ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة: ٢٥٤]، فجعَل هذه الأوصافَ الثلاثةَ لمَوْصوف واحِد، ولا مانِعَ من أن يُوصَف الإنسان بعِدَّة أَوْصاف، فالكافِر لا شَكَّ أنه ظالِم، ولا شَكَّ أنه فاسِق خارِج عن الطاعة، بل فِسْقه فِسْق مُطلَق، وفِسْق المُؤمِن العاصِي فِسْق مُقيَّد، ولكننا إذا جعَلْنا اختِلاف هذه الألفاظِ مُنزَّلًا على أحوال كان أَبلَغَ؛ لأننا نَقول: الكُفْر مُتضَمِّن للظُّلْم والفِسق، فدَلالته عليه بالالتِزام، فيَكون مجُرَّد وَصْفنا إيَّاه بالكُفْر هو وصف له بالظُّلْم والفِسق.
ثُم نَستَفيد فائِدة جديدة بالحُكْم بغير ما أَنزَل الله، حيث يَكون ظُلْمًا مَحضًا لا كُفرًا أو فِسْقًا لا كُفرًا.
وأَقول: إن كوننا نَجعَل الاختِلاف في اللفظ اختِلافًا في المَعنى أَحسَنُ؛ لأن هذا هو الأَصْل، وقد قال العُلَماء في هذه المَسأَلةِ: حَمْل الكلام على التَّأْسيس أَوْلى من حَمْله على التوكيد.
فإن قال قائِل: العُلَماء يَقولون في مِثْل مَن لم يَحكُم بما أَنزَل الله ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤]: إذا استَحَلَّه، أمَّا إذا لم يَستَحِلَّه فهذا غير كافِر؟
فالجوابُ: الذي يَضَع القانون بدَلًا عن القانون السَّماويِّ هل استَحَلَّه أو لا؟
стр. 145
الجواب: بل رآه أفضَلَ، فيَكون كافِرًا، مع أن مَن استَحَلَّ الحُكْم بغير ما أَنزَلَ الله، وإن لم يَحكُم به فهو كافِر، فمَن قال: "إنه يَحِلُّ أن نَحكُم بغير ما أَنزَل الله"، فهو كافِر وإن لم يَحكُم به.
وهذه مُشكِلة، فكثيرًا ما يَلجَأ بعض الناس إلى الاستِحْلال أو إلى الجُحود، فمثَلًا يَقول: مَن ترَك الصلاة جاحِدًا فقد كفَرَ. وهذا تَحريف للكلِم عن مَواضِعه.
وهذه مَسأَلة يَلجَأ إليها المُتعَصِّب لقوله، فيُحاوِل أن يَلوِيَ أعناق النُّصوص إلى ما يَقول، فمثَلًا: "مَنْ ترَكَ الصَّلَاةَ فَقَدْ كَفَرَ" (١) الذين قالوا: لا يَكفُر. قالوا: مَن ترَكَها جاحِدًا لوُجوبها فقد كفَر، نحن نَقول: سُبحان الله! أنتم إذا فعَلْتم ذلك جنَيْتم مرَّتَيْن على كلام رسول الله ﷺ :
المرَّة الأُولى: حَمْلكم الكلام على غير ظاهِره.
والمرَّة الثانية: إثبات أَمْر لم يَقُله الرسول ﵊.
الرسول ﷺ قال: "مَنْ تَرَكَهَا"، ولم يَقُل: مَن جحَدها، هل في لِسانه عِيٌّ أن يَقول: مَن جَحَدَها.
ثُم نَقول لكم: الجَحْد كُفْر وإن صلَّى، والرسول ﷺ يَقول: "مَنْ تَرَكَ الصَّلَاةَ" لو أن الإنسان قال: إنَّ الصلاة لَيْسَت بواجِبة، ولكنه يُواظِب عليها، وهو أوَّل مَن يَأتِي للمَسجِد، وآخِرُ مَن يَخرُج؛ فإنه يَكفُر، كيف تُلغون وَصْف التَّرْك، وتَأتون بوَصْف جديد تُعلِّقون به الحُكْم؟ ! وهذه مُشكِلة.
ولمَّا قيل للإمام أَحمدَ ﵀ في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا