من السَّحاب المُسخَّر بين السماء والأرض، وهذا أَمْر مُشاهَد.
وقوله: ﴿رِزقًا﴾ أي: ماءً يَكون به الرِّزْق، فالذي يَنزِل ماءٌ يَكون به الرِّزْق، فهو نَفْسه رِزْق: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ (٦٨) أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ﴾ [الواقعة: ٦٨، ٦٩]، وبه يَكون الرِّزْق ﴿فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾ [الأعراف: ٥٧]، والثمَرات أَرْزاق تُؤكَل، والماء رِزْق يُشرَب، فهو رِزْق بكُلِّ حال.
وفي تَقديم الآياتِ على إنزال الرِّزْق من السماء دَليل على أن النِّعْمة الدِّينية أهَمُّ وأكبَرُ من النِّعْمة الدُّنْيوية.
قوله: ﴿وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ رِزْقًا وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلَّا مَنْ يُنِيبُ﴾ [غافر: ١٣].
قال المفَسِّر ﵀: [﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آيَاتِهِ﴾ دَلائِلَ تَوحيده، يَعنِي: التي تَدُلُّ على تَوْحيده وغير ذلك ممَّا تَدُلُّ عليه من مَعاني الرُّبوبية، [﴿وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ رِزْقًا﴾ بالمَطَر]، فالمفَسِّر ﵀ يَرَى أنَّ الرِّزْق هو ما يَخرُج بالمطَر. يَعنِي: النَّبات وما أَشبَه ذلك، ولكن ما ذكَرْناه هو الأصوَبُ، أن المطَر نَفسه رِزْق؛ لأن الله قال: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ (٦٨) أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ﴾ [الواقعة: ٦٨، ٦٩]، وأحيانًا يَكون احتِياج البَدَن إلى الماء أكثَرَ مِنِ احتياجه إلى الأكل.
قال المفَسِّر ﵀: [﴿وَمَا يَتَذَكَّرُ﴾ يَتَّعِظ ﴿إِلَّا مَنْ يُنِيبُ﴾ يَرجِع عن الشِّرْك]، وقوله: ﴿إِلَّا مَنْ يُنِيبُ﴾ قال المفَسِّر ﵀: [يَرجِع عن الشِّرْك]، وهذا لا شَكَّ أنه صَحيح لكنه قاصِر، فالصَّواب: ﴿مَنْ يُنِيبُ﴾ مَن يَرجع إلى الله من الشِّرْك وغيره من المَعاصِي والفُسوق، فهو أعَمُّ مِمَّا قاله المفَسِّر.
стр. 142
من فوائدِ الآيةِ الكريمةِ:
الْفَائِدَةُ الأُولَى: بَيانُ قُدْرة الله ؛ لأَنَّه يُرينا الآياتِ.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أنَّ ما يُرينا الله تعالى من آياتِه حُجَّة مُلزِمة؛ لئَلَّا يَقول قائِل: نحن لم يَأْتِنا آياتٌ حتى نَتَّعِظ بها.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: أنَّ المَخلوقاتِ والمَشروعاتِ كلها تَدُلُّ على الخالِق المُشرِّع .
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: مِنَّة الله بإنزال المطَر من السماء، وأَنَّه رِزْق لنا. الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: الحِكْمة في أنَّ المطَر يَنزِل من السماء، والله قادِر على أن يَجعَل للأرض أنهارًا تَسير على سَطْح الأرض، وتَسقِي ما شاء الله أن تَسقِيَه، لكن المَطَر أَنفَعُ وأفضَلُ؛ لأنَّ المطَر إذا نزَل من أعلى شمِلَ قِمَم الجِبال، فيَشمَل السهل والوَعْر، والنازِل والعالِيَ، وهذه من الحِكْمة أن يَكون المطَر يَنزِل من فوقُ حتى يَشمَل الأرض كلَّها.
الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: أنَّ ما تَتَغذَّى به الرُّوح أهمُّ ممَّا يَتَغذَّى به البدَن؛ لأنه سبحانه قدَّم إِراءة الآياتِ على الرَّزْق الذي يَنزِل من السماء، وهذا يَدُلُّ على أَنَّه أهَمُّ، وهو كذلك، هذا هو الواقِع؛ وذلك لأن فَقْد الغِذاء البدَنيِّ لا يَكون فيه إلَّا شيء لا بُدَّ منه وهو الموت الذي لا بُدَّ منه، حتى لو كان الإنسان في أَنعَم ما يَكون من نَعيم البدَن، وأَترَف ما يَكون فلا بُدَّ أن يَموت، لكن غِذاء الرُّوح هو الذي يَحتاج إلى مُعاناة ومُعالجَة، وبفَقْده يَكون الهلاك في الدُّنيا والآخِرة.
قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الزمر: ١٥]،
стр. 143
﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (١٠٣) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا (١٠٤) أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ﴾ [الكهف: ١٠٣ - ١٠٥]، وقال تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر: ١ - ٣].
إِذَنْ: خَسارة البدَن دون خَسارة الرُّوح بكثير، خَسارة الدُّنيا دون خَسارة الدّين بكَثير؛ ولهذا قدَّم الله نِعْمته بإِراءة الآياتِ على نِعْمته بإنزال المطَر.
الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: أنَّ الآياتِ والرّزْقَ والعَطاء لا يَنتَفِع به إلَّا مَن أَناب إلى الله، أمَّا مَن لمُ يُنِب إلى الله فإن الله يَقول: ﴿وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس: ١٠١].
الْفَائِدَةُ الثَّامِنةُ: أنَّه كلَّما كان الإنسان أكثَرَ إنابةً إلى الله كان أقوى إيمانًا بالآيات؛ لأنَّ الحُكْم المُعلَّق على وَصْف يَقوَى بقُوَّته وَيضعُف بضَعْفه، فإذا كان التَّذكُّر لمَن يُنيب، فكلَّما كان الإنسان أَقوَى إنابةً كان أَقوى تَذكُّرًا.
الْفَائِدَةُ التَّاسِعَةُ: أنَّ مَن لم يَكُن عنده إنابة فإنه يُحرَم من الانتِفاع بالآيات؛ لأنَّ الله قال: ﴿وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلَّا مَنْ يُنِيبُ﴾.
الْفَائِدَةُ الْعَاشِرَةُ: أنَّ الإنابة إلى الله سبَب لكَثْرة الرِّزْق، وَيدُلُّ لذلك قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق: ٢، ٣]، واللهُ أَعلَمُ.
وإذا قال قائِل: كيف نُجيب على مَن يَقول: قولُ الله ﵎ ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [المائدة: ٤٥]، ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [المائدة: ٤٧]، أنَّ المُراد به الكُفْر؟
стр. 144
فنُجيب بأنه غلَط، كيف يُراد به شيء واحِد ويُكرِّره الله بألفاظ مُتعَدِّدة؟ ! والأصل أنَّ اختِلاف اللَّفْظ يَدُلُّ على اختِلاف المَعنى، لكن بعض العُلَماء قال: إنَّ وَصْف الحاكِم بالكُفْر لا يَمنَع من وَصْفه بالفِسق؛ لأن الله تعالى وصَف الكُفَّار بالفِسْق، فقال تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا﴾ [السجدة: ٢٠]، ووصَف الكافِرين بالظُّلْم، فقال: ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة: ٢٥٤]، فجعَل هذه الأوصافَ الثلاثةَ لمَوْصوف واحِد، ولا مانِعَ من أن يُوصَف الإنسان بعِدَّة أَوْصاف، فالكافِر لا شَكَّ أنه ظالِم، ولا شَكَّ أنه فاسِق خارِج عن الطاعة، بل فِسْقه فِسْق مُطلَق، وفِسْق المُؤمِن العاصِي فِسْق مُقيَّد، ولكننا إذا جعَلْنا اختِلاف هذه الألفاظِ مُنزَّلًا على أحوال كان أَبلَغَ؛ لأننا نَقول: الكُفْر مُتضَمِّن للظُّلْم والفِسق، فدَلالته عليه بالالتِزام، فيَكون مجُرَّد وَصْفنا إيَّاه بالكُفْر هو وصف له بالظُّلْم والفِسق.
ثُم نَستَفيد فائِدة جديدة بالحُكْم بغير ما أَنزَل الله، حيث يَكون ظُلْمًا مَحضًا لا كُفرًا أو فِسْقًا لا كُفرًا.
وأَقول: إن كوننا نَجعَل الاختِلاف في اللفظ اختِلافًا في المَعنى أَحسَنُ؛ لأن هذا هو الأَصْل، وقد قال العُلَماء في هذه المَسأَلةِ: حَمْل الكلام على التَّأْسيس أَوْلى من حَمْله على التوكيد.
فإن قال قائِل: العُلَماء يَقولون في مِثْل مَن لم يَحكُم بما أَنزَل الله ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤]: إذا استَحَلَّه، أمَّا إذا لم يَستَحِلَّه فهذا غير كافِر؟
فالجوابُ: الذي يَضَع القانون بدَلًا عن القانون السَّماويِّ هل استَحَلَّه أو لا؟
стр. 145
الجواب: بل رآه أفضَلَ، فيَكون كافِرًا، مع أن مَن استَحَلَّ الحُكْم بغير ما أَنزَلَ الله، وإن لم يَحكُم به فهو كافِر، فمَن قال: "إنه يَحِلُّ أن نَحكُم بغير ما أَنزَل الله"، فهو كافِر وإن لم يَحكُم به.
وهذه مُشكِلة، فكثيرًا ما يَلجَأ بعض الناس إلى الاستِحْلال أو إلى الجُحود، فمثَلًا يَقول: مَن ترَك الصلاة جاحِدًا فقد كفَرَ. وهذا تَحريف للكلِم عن مَواضِعه.
وهذه مَسأَلة يَلجَأ إليها المُتعَصِّب لقوله، فيُحاوِل أن يَلوِيَ أعناق النُّصوص إلى ما يَقول، فمثَلًا: "مَنْ ترَكَ الصَّلَاةَ فَقَدْ كَفَرَ" (١) الذين قالوا: لا يَكفُر. قالوا: مَن ترَكَها جاحِدًا لوُجوبها فقد كفَر، نحن نَقول: سُبحان الله! أنتم إذا فعَلْتم ذلك جنَيْتم مرَّتَيْن على كلام رسول الله ﷺ :
المرَّة الأُولى: حَمْلكم الكلام على غير ظاهِره.
والمرَّة الثانية: إثبات أَمْر لم يَقُله الرسول ﵊.
الرسول ﷺ قال: "مَنْ تَرَكَهَا"، ولم يَقُل: مَن جحَدها، هل في لِسانه عِيٌّ أن يَقول: مَن جَحَدَها.
ثُم نَقول لكم: الجَحْد كُفْر وإن صلَّى، والرسول ﷺ يَقول: "مَنْ تَرَكَ الصَّلَاةَ" لو أن الإنسان قال: إنَّ الصلاة لَيْسَت بواجِبة، ولكنه يُواظِب عليها، وهو أوَّل مَن يَأتِي للمَسجِد، وآخِرُ مَن يَخرُج؛ فإنه يَكفُر، كيف تُلغون وَصْف التَّرْك، وتَأتون بوَصْف جديد تُعلِّقون به الحُكْم؟ ! وهذه مُشكِلة.
ولمَّا قيل للإمام أَحمدَ ﵀ في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا
стр. 146
فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٩٣]، قالوا له: إنَّ فلانًا يَقول: هذا فيمَنِ استَحَلَّ قَتْل المُؤمِن؛ ضحِكَ الإمامُ أحمدُ وقال: "سُبحانَ الله! مَنِ استَحَلَّ قَتْل المُؤمِن فهو كافِر، قَتَله أو لم يَقتُله"، وهذا تَحريف لا شَكَّ أنه مُضحِك.
كذلك أيضًا مَنِ استَحَلَّ الحُكْم بغير ما أَنزَل الله فهو كافِر، سواء حكَمَ به أم لم يَحكُم، والآية علَّقَت الحُكْم بالحُكْم، ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ وهذه مَسأَلة احذَرُوها، احذَروا تَحريف الكلِم عن مَواضِعه من أَجْل اعتِقاد تَعتَقِدونه، واجعَلوا اعتِقادَكم وحُكْمكم على الشيء تابِعًا للنُّصوص، لا تَجعَلوا النُّصوص تابِعة، إذا جعَلْت النَّصَّ تابِعًا لما تَعتَقِد فإنَّ هذا هو اتِّباع الهوى تمَامًا، اجعَلْ نَفسَك بين يدَيِ النُّصوص كالميت بين يدَيِ الغاسِل، تُقلِّبك النُّصوص ولا تُقلِّبها، هذا هو المُؤمِن، لكن قد يَكون أحيانًا النُّصوص بعضُها يُقيِّد بعضًا، أو يُخصِّص بعضًا، أو الفِقْه بالشريعة يَقتَضي تَقييد المُطلَق، أو تَخصيص العامِّ، وما أَشبَه ذلك، وهذا لا يَخرُج بنا عن اتِّباع النُّصوص.
* * *
стр. 147
الآية (١٤)
* * *
* قَالَ اللهُ : ﴿فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (١٤)﴾ [غافر: ١٤].
* * *
لمَّا بيَّن الله أنه أَرانا آياتِه الكونيةَ والشَّرْعية، أمَرَنا أن نَدعوَه وحدَه مخُلِصين له الدِّين.
فقوله: ﴿فَادْعُوا اللَّهَ﴾ هو قال المفَسِّر ﵀: [فاعبُدوه] وهذا أحَدُ مَعنيَيْن: الدعاء، والمعنى الثاني: دُعاء المَسأَلة، يَعنِي: اسأَلوه. والصوابُ: أنه شامِل للأَمْرين؛ أي: دُعاء المَسأَلة، ودعاء العِبادة، فالعِبادة تُسمَّى دُعاء كما في قوله تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ (٦٠)﴾ [غافر: ٦٠]، قال: ﴿ادْعُونِي﴾ ثُمَّ قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي﴾.
وأمَّا دُعاء العِبادة: فإن كل إنسان يَدعو الله ، فإنه لا يَدْعوه إلَّا وهو يُؤمِن أنه بكل شيءٍ عَليم، وأنه على كل شيء قَدير؛ فلهذا دَعاه، فصار بذَلِك عابِدًا له.
وقوله: ﴿فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ ﴿مُخْلِصِينَ﴾ حال من الواو في قوله: ﴿فَادْعُوا اللَّهَ﴾، والإخلاص: التَّنْقية، فتَنْقية الشيء تُسمَّى إخلاصًا، والمَعنَى: نَقُّوا دِينكم من الشِّرْك.
стр. 148
وقوله: ﴿لَهُ الدِّينَ﴾، المراد بالدِّين العمَل، سواءٌ كان عِبادة أم دُعاء، والدِّين يُطلَق على العَمَل، وُيطلَق على جزاء العمَل، فقوله تعالى: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ [الكافرون: ٦] هذا من باب إطلاق الدِّين على العمَل، وقوله تعالى: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة: ٤] هذا من باب إطلاق الدِّين على الجَزاء.
ويُقال: (كما تَدينُ تُدانُ) أي: كما تَعمَل تُجازَى، فالدِّين هنا ﴿مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ بمعنى: العمَل.
قال المفَسِّر ﵀: [﴿مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ من الشِّرْك] كما قال المفَسِّر ﵀، أن نَدعوَ الله تعالى مُخلِصين له الدُّعاء، وأن نَعبُده مُخلِصين له العِبادة من الشِّرْك، فلا نُشرِك به غيره، لا في دُعائنا ولا في عِبادتنا.
قال المفَسِّر ﵀: [﴿وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ إخلاصَكم] يَعنِي: ادْعُوا الله مُخلِصين على كل حال، سواء رَضِيَ الكافِرون أم سخِطوا، ومن المعلوم أنهم سوف يَسخَطون، لكن لا يُهِمُّ أن يَسخَطوا علينا إذا أَخلَصنا الدِّين لله، وقول المفَسِّر: [﴿وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ إخلاصَكم] يَنبَغي أن يُقال: ولو كرِهوا عمَلكم المُخلَص؛ لأن الإخلاص نِيَّة القَلْب، والكافِر إنما يَكرَه ما يَظهَر من عمَل الإنسان، فالمَعنى: ولو كرِه الكافِرون عمَلكم الذي تُّخلِصون فيه لله على رغم أُنوفهم.
من فوائدِ الآيةِ الكريمةِ:
الْفَائِدَةُ الأُولَى: وجوب الإخلاص لله تعالى في الدُّعاء؛ لقوله: ﴿فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ﴾ [غافر: ١٤]، ودُعاء غير الله فيما لا يَقدِر عليه المَدعوُّ يُعتَبَر من الشِّرْك، ثُم قد يَكون شِرْكًا أكبَرَ، وقد يَكون شِرْكًا أصغَرَ بحَسب الحال، فمَن دعا قبرًا فهذا شِرْك أكبَرُ،
стр. 149
ومَن دعا غيره ليَحمِل معه مَتاعَه، وما أَشبَه ذلك والغَيرُ لا يَستَطيع أن يَحمِل فهذا ليس بشِرْك أكبَرَ، بل هو إمَّا عبَث وإمَّا شِرْك أصغَرُ، ومَن دعا غائبًا ليُنقِذه من شِدة فهذا شِرْك أكبَرُ؛ لأنَّ هذا يُسمَّى شِرْك السِّرِّ، إذ إن الغائِب لا يُمكِن أن يَدعوَه الإنسان إلَّا وهو يَعتَقِد أن له تَصرُّفًا في الكون، يَتصَرَّف وهو بعيد، بخِلاف مَن دعا قريبًا وقال: يا فُلانُ احمِلْ معِي كذا، أَعنِّي على كذا، فهذا يَدعوه ليَقوم بشَيْء مَحسوس.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: وُجوب إخلاص العِبادة لله؛ لأننا فسَّرنا الدُّعاء بدُعاء المَسأَلة ودُعاء العِبادة، فمَن تَعبَّد لغير الله استِقْلالًا فقد صرَف شيئًا من أنواع العِبادة لغير الله، فيَكون بذلِك مُشرِكًا شِرْكًا أكبَرَ، يَعنِي: مَن صلَّى لشخص فإنَّه يَكون مُشرِكًا شِركًا أكبَرَ، أو ذبَح لشخص تَقرُّبًا إليه وتَعظيمًا له، فإنَّه يَكون مُشرِكًا شِرْكًا أكبَرَ مُخرِجًا عن المِلَّة، وأمَّا إذا فعَل العِبادة لله، لكن راءَى فيها أو سمَّع، فهذا لا يَكون مُشرِكًا شِركًا أكبَرَ، ولكنه مُشرِك شِركًا أصغَرَ، وعِبادته مَردودة عليه؛ لقول النبيِّ ﷺ فيما رَواه عن ربِّه: "أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ، مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ" (١).
ثُمَّ اعلَمْ أن الرِّياء إذا طرَأ على القَلْب فإن كان قبل الدُّخول في العِبادة أَبطَلها من أَصلها؛ لأنه دخَل فيها على شِرْك، وإن كان في أثناء العِبادة فإن كان آخِرها يَنبَني على أوَّلهِا بطَلَت، وإن كان لا يَنبَني على أوَّلها؛ بحيث يَصِحُّ أن يُميِّز الأَوَّل عن الثاني فإنَّه لا يَصِحُّ ما فيه الرِّياء، ويَصِحُّ ما سبَق الرِّياء.
مِثال الأوَّل: إذا دخَله الرِّياء في أثناء الصلاة في الركعة الثانية، فإنَّ الصلاة
стр. 150
تَبطُل كلها؛ لأنه إذا بطَلَت الركعة الثانية لزِم بُطلان الرَّكْعة الأُولى؛ لأنَّ الصلاة لا تَتَبعَّض.
ومِثال الثاني: رجُل أعَدَّ مئة صاعٍ للصدَقة بها، فتَصدَّق بخَمسين صاعًا صدَقةً خالِصة، ثُم دخَله الرِّياء في الأصواع الباقية، فهُنا تَبطُل الأصواع الباقية، أمَّا الأُولى فتَصِحُّ؛ وذلك لأنَّ هذه العِبادةَ - أَعنِي: الصدَقة - تَتَبعَّض ولا يَنبَني آخِرُها على أوَّلهِا، حتَّى لو فُرِض أنَّه ممَّا عيَّنه الشَّرْع، كإطعام سِتِّين مِسكينًا مثَلًا في الكَفَّارة، فأَطعَم ثلاثين مِسكينًا بإخلاص، ثُم بعد ذلك دخَله الرِّياء فإن ما سبَقَ الثلاثين الأخيرةَ يَكون مُجْزيًا؛ هذا إذا استَرسَل مع الرِّياء، وأمَّا إذا طرَأ عليه الرِّياء فدافَع، وما زال جاهِدًا في مُدافَعته فإنَّه لا يَضُرُّه شيئًا؛ لقول النَّبيِّ ﷺ : "إِنَّ الله تَجَاوَزَ لِأُمَّتِي مَا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا مَا لَمْ تَعْمَلْ أَوْ تَتَكَلَّمْ" (١)، وهذا لم يَعمَل ولم يَتكَلَّم، بل رُبَّما أنَّه لم يُحدِّث نَفْسه، لكن هاجَمَه الرِّياء.
فصار الآنَ مَن فعَل العِبادة لغير الله - يَعنِي: تَعبَّد لغير الله - فحُكْمه شِرْك أكبَرُ، ومَن فعَلَ العِبادة لله لكن دخَلها الرِّياء، إن كان قبل الشُّروع في العِبادة بطَلَت، وإن كان في أثنائها ففيه التَّفْصيل، إن كان آخِرها يَنبَني على أوَّلهِا بمَعنى أنَّها لا تَتَبعَّض بطَلَت، وإن كان آخِرُها لا يَنبَني على أوَّلهِا بأن كانت تَتَبعَّض بطَل الجُزء الَّذي وقَعَ فيه الرِّياء وما سبَقَ فهو صحيح، وهذا إذا استَرسَل مع الرِّياء واستَمَرَّ المُرائِي، فإن دافَعه فلا شيءَ عليه، ولا يَضُرُّه ذلك.
стр. 151
مَسْألةٌ: رجُل دخَل في الصلاة مُخلِصًا، فحضَر إنسان فَرَاءَاهُ، ثُمَّ ذهَب الإنسان فعاد إلى الإخلاص؟
فالجوابُ: إذا بطَلَت العِبادة لا تَعود صَحيحة، فهذا تَبطُل عِبادته؛ لأنَّ مُراقَبته لغير الله أشَدُّ من مُراقَبَته لله ، لم يُراقِب الله إلَّا حين ذهَبَت مُراقَبة الناس، فهذا عِبادته باطِلة ولا شَكَّ، ولعَلَّه إن جاء آخَرُ يُحدِث رياء، وإذا ذهَب ذهَب الرِّياء، فإن جاء آخَرُ يَحدُث رِياء.
فإن قال قائِل: إذا دخَل المَرْء في الصلاة مُرائِيًا، ثُم دافَع الرِّياء، فهَلْ تَصِحُّ؟
فالجَوابُ: إذا بدَأ مُطمَئِنًّا للرِّياء فلا تَنعَقِد عِبادته، لكن هنا مَسأَلة لو أن الرجل حسَّن عِبادته لتعليم الناس، لم يَقصِد أن يَمدَحوه على عِبادته، أو يَتقَرَّب إليهم بالعِبادة، لكن من أَجْل أن يَتَّخِذ الناس منه أُسوة، فهذا لا يَدخُل في الرِّياء، هذا يَدخُل في التعليم، وهو مَأْجور على ذلك، لكن فَرْق بين هذا وبين شخص يُريد أن يَمدَحه الناس على صلاته.
فإن قال قائِل: هل من الرِّياء أن يُظهِر الإنسان بعضَ ما عِنده لأَجْل ألَّا يُذَمَّ؟
فالجَوابُ: دَفْع المَلامة فيه حَديث: "رَحِمَ الله امْرَأً كَفَّ الغِيبَةَ عَنْ نَفْسِهِ" (١)، وأيضًا الرَّسول ﵊ لمَّا خرَج بصَفيَّةَ ليَقلِبها ليلًا، فمَرَّ به رجُلان من الأنصار فأَسرَعا، فقال النَّبيُّ - صلى الله عليه وعلى آله وسلم -: "عَلَى رِسْلِكُمَا، إِنَّهَا صَفِيَّةُ" (٢) دفَعًا للمَلامة عن نفسه، هو مُخلِص لله، لكن يُريد مع ذلك أن يَدفَع المَلامة
стр. 152
عن نَفْسه؛ لئَلَّا يُقال: إنه بَخيل. مثَلًا، أو لئَلَّا يُقال: إنه لا يُصلِّي مع الجماعة. وما أَشبَهَ ذلك، وأصلُ النِّيَّة لله، لكن لدَفْع المَلامة لا ليُمدَح، فبينهما فَرْق بين مَن قَصْده المَدْح، أو مَن قَصْده دَفْع المَلامة.
فإن قال قائِل: التَّمنِّي هل يَدخُل في الرِّياء. يَعنِي مثَلًا لو كان يَقرَأ القُرآن، وتَمنَّى في نَفْسه لو أن فُلانًا يَسمَع قِراءته؟
فالجوابُ: هذا رِياءٌ لا شَكَّ - يَعنِي: ليَقول: إنه قارِئ وإنه عابِد - لأنَّه هو الآنَ في قَلْبه أنَّه لو كان فُلان حاضِرًا لرآه، لكن يَجِب أن تَعلَم أن النِّيَّة لا تَصِل إلى درَجة العمَل لا في الثَّواب، ولا في العِقاب.
فإن قال قائِل: بالنِّسبة لرَجُل عمِل لوَجْه الله، لكن بعدَما أَنهَى العمَل مدَحه الناس؛ فأَحبَّ ولم يَقصِده من الأوَّل، وإنما سُرَّ بمَدْح الناس له؟
فالجوابُ: لا يَضُرُّ هذا، بل هذا من عاجِل بُشْرى المُؤمِن أن يَجِد الإنسان ثَوابَ عمَله مُقدَّمًا، والثواب الأُخروِيَّ في الآخِرة.
مسألةٌ: هل يَجوز أن أَذهَب إلى رجُل عاصٍ لأَدعُوَه؟ وكيف إذا ضاق صَدْري؟
فالجَوابُ: اذهَبْ، ما دُمْت تُريد الذَّهاب للدَّعوة، فاذْهَبْ إليه، وإذا ضاق صَدْرك فاصبِرْ؛ فحتى مَن يَدعو الناس في المَسجِد وفي السُّوق، يَضيق صَدْره إذا رآهم على مُنكَر. اصبِرْ ما دُمْت تُريد أن تَدعوَه، أمَّا إذا ذهَبْت تُريد أن تُكرِمه فلا يَجوز.
تنبيه: مِمَّا لا شَكَّ فيه أنَّ الدعوة إلى الله برِفْق أَقرَبُ إلى النَّتائِج الطَّيِّبة بالعُنْف؛ لقول النَّبيِّ - صلى الله عليه وعلى آله وسلم -: "إِنَّ الله رَفِيقٌ يُحِبُّ الرِّفْقَ فِي الْأَمْرِ كُلِّهِ"
стр. 153
وكذلك قال: "إِنَّ الله يُعْطِي بِالرِّفْقِ مَا لَا يُعْطِي عَلَى الْعُنْفِ" (١) يَعنِي: لو لم يَكُن إلَّا أن استَعْملنا ما هو أَوْلى، وما يُحِبُّه الله لكَفَى.
ونحن نُشاهِد الآنَ أنَّ النَّتائِج الطَّيِّبة في الدَّعوة إلى الله برِفْق، وهناك وقائِعُ كثيرة؛ فالرِّفْق كلُّه خير، وهذا شيء مجُرَّب لكن أحيانًا الإنسان للغَيْرة التي عنده يَثور، وَيعجِز أن يَملِك نَفْسه، نحن نَقول: هدِّئْ؛ لأنك أنت مِثْل الطَّبيب الذي يُريد أن يَشُقُّ الجُرْح، فلا بُدَّ أن تَكون بهدوء، وعلى الوجه الذي يَحصُل به المَطلوب.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: مُراغَمة الكُفَّار في الإخلاص لله وفي العَمَل؛ لقوله: ﴿وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾، ويَنبَني على ذلك أنَّه يَجِب على الإنسان أن يَقوم بالواجِب ولو كَرِهَ ذلك غيره، ولا يُحابِيَ أحَدًا في هذا، فمثَلًا إذا كرِهَ أبو الشابِّ أن يُصلِّيَ ابنه مع الجَماعة - كما يُوجَد الآنَ - فلا يُداهِن أباه في ذلك، يُصلِّي مع الجماعة ولو رغم أَنْف أبيه، ولو كرِه ذلك.
ولو وصَل الشابُّ رحِمَه - كعمِّه وخاله، وما أَشبَه ذلك - وكان بينَه وبين أبيه عَداوة شَخْصية، فكان يَكرَه لابنه أن يَصِل أَقارِبَه الذين يَكرَهُهم أَبوه، فيُواصِلهم ولو كرِه، لكن في هذه الحالِ يُدارِي أباه، بمَعنَى أنَّه يَكتُم عنه أنَّه وصَلَهم؛ لتَحصُل المَصلَحة بدون مَفسَدة.
وهناك فَرْق بين المُداراة والمُداهَنة، المُداراة: أن يَفعَل الإنسان ما يَلزَمه مع التَّكتُّم عن الشخص الآخَر الذي يَكرَه؛ ولهذا سُمِّيت مُداراة من الدَّرْء وهو الدَّفْع.
стр. 154
وأمَّا المُداهَنة: فأن يُوافِقه في تَرْك ما يَجِب مُداهَنة له، مَأخوذة من الدُّهْن؛ لأنه يَلين، فنَقول: يَتفَرَّع على هذه الفائِدةِ: أن الإنسان يَفعَل ما يَلزَمه، ولو كرِهَ ذلك غيره، ولو كان الكارِهُ أقرَبَ أهلِه إليه.
стр. 155
الآية (١٥)
* قَالَ اللهُ : ﴿رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلَاقِ﴾ [غافر: ١٥].
* * *
ثُم قال ﵀: [﴿رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ﴾؛ أي: الله عَظيم الصِّفات، أو رافِع درَجات المُؤمِنين في الجَنَّة]، قوله: ﴿رَفِيعُ﴾ من الرِّفْعة وهي العُلوُّ، فسَّرها المفَسِّر ﵀ وعفا عنه - بأَحَد مَعنَيَيْن:
المعنى الأَوَّل: أن المُراد بالرِّفْعة العظَمة، والمُراد بالدرَجات الصِّفات، أي: أنَّ الله تعالى عَظيم الصِّفات.
والمعنى الثاني: رَفيع الدرَجات؛ أي: رافِع درَجات غيره وهُمُ المُؤمِنون في الجَنَّة.
وكِلا المَعنَيَيْن تَحريف للكلِم عن مَواضِعه؛ لأنَّ ﴿رَفِيعُ﴾ اسم فاعِل أو صِفة مُشبَّهة، فاعِلها يَعود على الله المَذكور في قوله: ﴿فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [غافر: ١٤] وعلى هذا فلا يَصِحُّ أن تُفسَّر بأن المُراد: رافِع درَجات المُؤمِنين؛ لأنه على هذا التَّفسيرِ تَكون الدرَجاتُ درَجاتِ غيرِه، درَجات المُؤمِنين.
ولا يَصِحُّ أن تُفسَّر ﴿رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ﴾ بعظيم الصِّفات، لما بينَهما من الفَرْق العظيم، لكن المفَسِّر عفا الله عنه فسَّرها بهذا التَّفسير فِرارًا من إثبات العُلوِّ الذاتيِّ؛
стр. 156
لأنه مِمَّن لا يَرَوْن ذلك أنَّه عالٍ بذاته، فلهذا حرَّف القُرآن إلى أحَدِ هذين المَعنَيَين، وكِلاهما باطِل.
والصوابُ: أنَّه سُبحانَه رفيعُ الدرجات، ويَدُلُّ لهذا ويُعيِّنه قوله: ﴿ذُو الْعَرْشِ﴾؛ أي: صاحِب العَرْش، والعَرْش هو أعلى المَخلوقات، فكأنَّه قال: رَفيع الدرَجات فوق العَرْش، وهذا هو المُتعَيِّن.
وقول المفَسِّر ﵀: [﴿ذُو الْعَرْشِ﴾: خالِقه] فيه أيضًا إشارة إلى إنكار الاستِواء؛ لأنَّ مَعنى ﴿ذُو الْعَرْشِ﴾؛ أي: صاحِبه المُستَوِي عليه، هذا هو المَعنى؛ ولهذا لا يُقال: ذو الأرض، ولا ذو السَّماء، ولا ذو الجِبال، ولا ذو السَّحاب، مع أنَّه خالِقها، فتَفسيره ﴿ذُو الْعَرْشِ﴾ بخالِقه لا شَكَّ أنَّه تَحريف للكَلِم عن مَواضِعه فِرارًا من إثبات الاستِواء على العَرْش.
وتَفسير الآية المُتعَيِّن أن نَقول: إنه رفيعُ الدرَجات؛ أي: هو نَفْسه مُرتَفِع، بل رفيع الدرَجات أتَى بالصِّفة المُشبَّهة الدالة على الثبوت والدوام، والدرَجات من الدرَجات المعروفة؛ أي: ما كان بعضُه فوقَ بعض حتى يَصِل إلى الغاية، وأمَّا ﴿ذُو الْعَرْشِ﴾ فمَعناه صاحِب العَرْش المُختَصُّ بالاستِواء عليه، هذا هو المُتعَيِّن من الآية.
قال المفَسِّر ﵀: [﴿يُلْقِي الرُّوحَ﴾ الوَحيَ ﴿مِنْ أَمْرِهِ﴾؛ أي: قوله ﴿عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾] إلى آخِره. ﴿يُلْقِي الرُّوحَ﴾ الرُّوح: الوَحيُ؛ لقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا﴾ [الشورى: ٥٢] وسَمَّى الله تعالى الوَحيَ رُوحًا؛ لأنَّ به حَياة القُلوب، وقوله ﵀: [﴿مِنْ أَمْرِهِ﴾ أي: قوله] وهذا جيِّد، هذا التَّفسير يَعنِي أن
стр. 157
الوحيَ من قول الله ، يَقول: فيَسمَع جِبريلُ، ثُم يَنزِل به إلى مَن شاء الله .
وقوله تعالى: ﴿عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾، ولم يُبيِّن مَن هؤلاءِ، ولكننا نَعلَم أنَّهم الأنبياء؛ لأنهم هم الذين يُلقَى إليهم الوَحيُ، سواءٌ كانوا رسُلًا أم غير رُسُل، ثُم إنَّ قوله: ﴿عَلَى مَنْ يَشَاءُ﴾ إطلاق المَشيئة في كل مَوضِع جاءَت في القُرآن مُقيَّد بالحِكْمة، كلَّما رأَيْت الله يَقول: يَشاء، فإنَّه مَشيئة مَقرونة بالحِكْمة؛ لقوله تعالى: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (٢٨) وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [التكوير: ٢٨ - ٢٩]؛ ولقوله تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [الإنسان: ٣٠]، وهؤلاء الذين يَشاء الله تعالى أن يُلقِيَ عليهم الرُّوحَ بيَّنَهم في قوله: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٤].
وقوله: ﴿مِنْ عِبَادِهِ﴾ المُراد بالعِباد هنا: العُبودية الخاصَّة، وهمُ الذين آمَنوا بالله ، بل ما هو أخَصُّ وهم الرُّسُل.
قوله: ﴿لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلَاقِ﴾ قال المفَسِّر ﵀: [﴿لِيُنْذِرَ﴾ يُخوِّف المُلقَى عليه الناس] واللام هنا للتَّعليل، والإنذار هو: الإعلام المَقرون بالتَّخويف، ولهذا قال المفَسِّر ﵀: [ليُخوِّف] تَفسيرًا بلازِمه، وإلَّا فإن الإنذار إعلام مَقرون بتَخويف، وقوله ﵀: [المُلقَى عليه الناس] أَفادَنا المفَسِّر ﵀ أن فاعِل (يُنذِر) هو المُلقَى عليه وهو الرسول، ولا شَكَّ أنَّه هو المُنذِر مُباشَرة، ويُحتَمَل أنَّ الفاعِل يَعود على فاعِل ﴿يُلْقِي الرُّوحَ﴾ وهو الله ، أي: ليُنذِر الله، والحِكْمة من عدَم ذِكْر الفاعِل - والله أَعلَمُ - ليَصلُح الفِعْل للأَمْرين؛ أي: ليَكون صالِحًا لأنَّ يَعود الإنذار إلى الله،
стр. 158
وأن يَعود إلى الرسول، فإن عاد إلى الله فِلأنَّه الأصل، وإن عاد إلى الرسول فِلأَنه المُبلِّغ المُباشِر للإنذار.
وقوله ﵀: [الناس] هذا تَقدير للمَفعول الأوَّل الذي هو مَفعول (يُنذِر)؛ لأنَّ (يُنذِر) تَنصِب مَفعولين ليس أَصلُهما المُبتدَأَ والخبَرَ، المَفعول الأَوَّل يَكون مَحذوفًا، أو المَفعول الثاني يَكون مَحذوفًا، قال الله تعالى: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ﴾ [غافر: ١٨] هذا مَوْجود فيه المَفعولان جميعًا، ﴿وَأَنْذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ﴾ [إبراهيم: ٤٤] كذلك المَفعولان جميعًا، وقد يُحذَف أحدُهما إمَّا الأَوَّل وإمَّا الثاني؛ لدَلالة السِّياق عليه.
قال المفَسِّر ﵀: [﴿لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلَاقِ﴾ بحَذْف الياء وإثباتها] أي: أنَّ فيها قِراءَتَيْن "التَّلاقِى" بالياء، و ﴿التَّلَاقِ﴾ بحَذْف الياء، أمَّا إثبات الياء فِلأنَّه الأصل، وأمَّا حَذْف الياء فلِلتَّخفيف، مثل قوله تعالى: ﴿الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ﴾ [الرعد: ٩] أصلُها المُتَعالِي، لكن حُذِفت الياء للتَّخفيف، فهنا التَّلاقِ أَصلُها التَّلاقِي وحُذِفت الياء للتَّخفيف، ويوم التَّلاقِ هو يوم القِيامة، وعَلَّل المفَسِّر ذلك بقوله: [لتَلاقِي أهل السماء والأرض، والعابِد والمَعبود، والظالِم والمَظلوم فيه] أي: في ذلك اليومِ، ولو قلنا بمَعنى أعَمَّ: لتَلاقِي الخَلائِق في ذلك اليومِ؛ لأنَّ كل شيء يُلاقيه الآخر حتى الوحوش ﴿وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ (٥)﴾ [التكوير: ٥] فسُمِّي يوم التَّلاقِي؛ لتَلاقِي الخَلْق فيه، يَحشُر الله الخلائِق كلَّها في ذلك اليومِ فيَتَلاقَوْن.
من فوائدِ الآيةِ الكريمةِ:
الْفَائِدَةُ الأُولَى: إثبات عُلوِّ الله خِلافًا للمُفسِّر؛ لقوله: ﴿رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ﴾ ونَقصِد بالعُلوِّ عُلوَّ الذات، أمَّا عُلوُّ الصِّفة فقَدْ أَقرَّ به المفَسِّر بقوله: [أي: عظيم الصِّفات] ففي هذه الآيةِ إثباتُ عُلوِّ الذات ذاتِ الله ؛ لقوله: ﴿رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ﴾.
стр. 159
وهذا مرَّ علَيْنا كثيرًا، وبيَّنَّا أنَّ الأدِلَّة الخَمْسة كلُّها تَدُلُّ على عُلوِّ الله: الكِتاب، والسُّنَّة، وإجماع السلَف، والعَقْل، والفِطرة.
فإن قال قائِل: هل هناك حُجَج أُخرى غير السَّمْعية والنظَرية؟
فالجوابُ: مُمكِن أن يُوجَد على سبيل التَّحدِّي، بأن يَتحدَّى الإنسان هَؤلاء بشيء يُغضِب آلِهَتهم يَفعَله ولا يَحدُث شيء، هذا يُمكِن أن يَكون من باب التَّحدِّي.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: فَضْل العَرْش؛ لقوله: ﴿ذُو الْعَرْشِ﴾ فإنَّ اختِصاص العَرْش بالله لا شَكَّ أنَّه فَضْل عظيم.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: إثبات العَرْش؛ لقوله: ﴿ذُو الْعَرْشِ﴾.
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: إثبات عظَمة الله؛ لأنَّ العَرْش يَختَصُّ بالمَلِك والسُّلْطان، فلا يُقال للرجُل الجالِس على الكُرسِيِّ أنَّه على عَرْش، لكن يُقال للمَلِك أو السُّلْطان الجالِس على الكُرسيِّ الفَخْم العظيم، يُقال له: صاحِب عَرْش.
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: إثبات مِنَّة الله على مَن يَشاء بالوَحيِ؛ لقوله: ﴿يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾.
الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: أنَّ الوَحيَ رُوح تَحيا به القُلوب؛ لقوله: ﴿يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ﴾.
الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: إثبات القول؛ لقوله: ﴿مِنْ أَمْرِهِ﴾، والله يَقول ويَتَكلَّم متى شاء بما شاء كيف شاء، لا نَحجُر على رَبِّنا في الكلام، لا وَقتًا ولا كَيفيَّةً، بل له أَنْ يَتكَلَّم بما شاء متى شاء كيف شاء.
الْفَائِدَةُ الثَّامِنَةُ: إثبات المَشيئة؛ لقوله: ﴿عَلَى مَنْ يَشَاءُ﴾.
стр. 160
الْفَائِدَةُ التَّاسِعَةُ: أنَّ مَرتَبة النُّبوَّة لا تُنال بالكَسْب والفُتوَّة كما قال السَّفَّارينيُّ في العَقيدة (١)، وإنما هي فَضْل من الله على مَن يَشاء من عِباده.
الْفَائِدَةُ الْعَاشِرَةُ: أنَّ العُلماء لهم حَظٌّ ونَصيب من الرُّوح التي يُلقيها الله تعالى على الرُّسُل؛ لأنهم ورَثة الأنبياء، فلهُمْ حظٌّ ونَصيب من هذه الرُّوحِ التي يُلقيها الله على مَن يَشاء، لكن لهم حَظٌّ من هذه الهِداية - هِداية الدَّلالة والبَيان - ثُم قد يَكون لهم حظٌّ من هِداية التوفيق وقد لا يَكون؛ لأنَّ العالِم قد يَعمَل بعِلْمه فيَكون له حظٌّ من الهِدايَتَيْن: هِداية الإرشاد، وهِداية التَّوْفيق، وقد لا يَعمَل بعِلْمه فيَكون له حَظٌّ من هِداية العِلْم والإرشاد، لكنها صارَت وَبالًا عليه؛ حيث خالَفَ مع العِلْم بالحَقِّ، وهذا أَشَدُّ مِمَّن خالَف بدون عِلْم بالحَقِّ.
الْفَائِدَةُ الحَادِيَةَ عَشْرَةَ: أنَّ الوَحيَ الذي يُنزِله الله على مَن يُنزِله من عِباده الحِكْمة منه إنذارُ الناس يوم القِيامة ﴿لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلَاقِ﴾.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ: إثبات الحِكْمة لله، وأن أَفعاله مَقرونة بالحِكْمة؛ لقوله: ﴿لِيُنْذِرَ﴾، وما أَكثَرَ لام التعليل و (مِن) التَّعليلية في القُرآن، وكذلك في السُّنَّة، وكلُّها تَدُلُّ على إثبات الحِكْمة لله.
وقد ذكَرَ بعض العُلَماء أن الحِكْمة دلَّ عليها أَلْفُ دَليل من الكِتاب والسُّنَّة، فلا تُحصَى الأدِلَّة المُثبِتة لحِكْمة الله فيما يَفعَل، خِلافًا لمَن قال: إنه يَفعَل لمُجرَّد المَشيئة لا لحِكْمة، فإن هذا إبطال لصِفة من أَعظَم صِفات الله؛ لأنَّ هذا يَستَلزِم أن يَكون فِعْله عبَثًا لغير غاية محَمودة.
стр. 161
فإن قال قائِل: الذين لا يُثبِتون الحِكْمة لله ؛ هل نَقولُ: هذا إنكار جُحود، أو إنكار تَأوِيل؟
فالجَوابُ: إنكار تَأويل؛ لأنهم يَقولون: إنه لو فعَل لحِكْمة لفعَل لغَرَض، ولا يَفعَل للغَرَض إلَّا مَن كان مُحتاجًا للغرَض، فهذه شُبْهة، فيُقال: هل هذه الحِكْمةُ لأمر يَعود لنَفْسه، أو يَعود لعِباده؟ ثُم إذا كان عائِدًا لنَفْسه، فهو أهل للثَّناء، إذا كانت الحِكْمة صِفة كَمال في نفسه، فهو أهل للثَّناء ، وأيُّهما أَكمَلُ مَن يَفعَل لا لحِكْمة أو مَن يَفعَل لحِكْمة؟ لا شَكَّ أن الثانِيَ أكمَلُ.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ: أنَّه يَنبَغي لمَن آتاه الله عِلْمًا أن يَكون مُنذِرًا، يَعنِي: يَجمَع بين العِلْم والتَّفقيه في الدِّين وبين الإنذار؛ لأنه إنِ اقتَصَر على مجُرَّد التعليم الفِقْهيِّ مثَلًا، أو التوحيد بدون أن يُحرِّك القلوب لم يَستَفِد الناس منه كثيرًا، فلابُدَّ أن يَكون هناك إنذار من أَجْل تَحريك القُلوب، وكان النَّبيُّ ﵊ إذا خطَب احْمَرَّت عَيْناه، وعلا صوتُه، واشتَدَّ غضَبه، حتى كأنَّه مُنذِرُ جَيْش يَقول: صبَّحَكُمْ ومسَّاكُمْ.
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ: التحذير من خِزْيِ يوم القِيامة؛ لأنه يومُ التَّلاقِ، ولا شَكَّ أن العُقوبة إذا كانت لا يَطَّلِع عليها إلَّا القليل أَهوَنُ ممَّا إذا اطَّلَع عليها الكثير، فكيف إذا اطَّلَع عليها الخَلْق كلُّهم؟ ! تَكون أشَدَّ وأَعظَمَ.
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةَ عَشْرَةَ: إثباتُ قُدْرة الله ؛ حيث يَجمَع الله الخَلْق كلَّهم على صَعيد واحِد بعد الموت، والله على كل شيء قَديرٌ.
* * *
стр. 162
الآية (١٦)
* قَالَ اللهُ : ﴿يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ لَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [غافر: ١٦].
* * *
قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ لَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ﴾ ﴿يَوْمَ﴾ هذه بدَل من يَوْم الأُولى: ﴿يَوْمَ التَّلَاقِ﴾ يومَ هُم بارِزون، وقوله: ﴿هُمْ بَارِزُونَ﴾ مُبتَدَأ وخَبَر، والجُمْلة في مَحَلِّ جَرٍّ بالإضافة، إضافة ﴿يَوْمَ﴾ إليها.
و﴿بَارِزُونَ﴾ قال المفَسِّر ﵀: [خارِجون من قُبورهم]، ولكن المَعنى أخصُّ مِمَّا قال، بل المَعنى ﴿يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ﴾ أي: ظاهِرون، ليس لهم ظِلٌّ يُظِلُّهم، لا من شجَر، ولا حجَر، ولا بيت، ولا غيره؛ لأنَّ البارِز هو الظاهِر الذي لا يَحجُب دونَه شيء، وهم بارِزون في ذلك اليومِ، وتَدنو الشمس مِنهم مِقدار مِيل، ويَعرَق الناسُ في ذلك اليومِ على قَدْر أعمالهم: مِنهم مَن يَصِل العَرَق إلى كَعْبيه، ومِنهم مَن يَصِل إلى رُكْبتيه، ومِنهم مَن يَصِل إلى حِقْوَيْه، ومنهم مَن يُلجِمه العرَقُ إِلجْامًا، على حَسب أعمالهم.
وقوله: ﴿لَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ﴾ أي: لا يَستَتِر على الله منهم شيء، ولا يُغيب عن عِلْمه منهم شيءٌ، بل هو مُحيط بهم إحاطة تامَّة، كما أنَّه لا يَخفَى عليه شيء في الأرض ولا في السماء من قبلِ ذلك أيضًا؛ لأنَّ الله تعالى مُحيط بكلِّ شيء عِلْمًا، لكن قال هنا: ﴿لَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ﴾ لأَجْل تَمام التَّخويف.
стр. 163
قوله: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ﴾ هذه مَقول قَوْلٍ مَحذوف، التَّقدير: يُقال: لمَنِ المُلْكُ اليومَ. والقائِل هو الله ، فإنَّه تعالى يَقبِض السمواتِ بيَمينه وبيَدِه الأُخرى الأرض، ويَهُزُّهُنَّ ويَقول: أنا الملِك، أين مُلوك الدُّنْيا؟ ! ويَقول أيضًا: لمَنِ المُلْك اليومَ؟ فيُجيب نَفْسَه: ﴿لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾.
قال المفَسِّر ﵀: [يَقوله الله تعالى ويُجيب نَفْسه ﴿لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾؛ أي: لِخَلْقه] فقوله: ﴿لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ خبَرُ مُبتَدَأ مَحذوف، التَّقدير: المُلْك لله الواحِد القهَّار، والواحِد يَعنِي: الذي لا ثانِيَ له، لا في ذاته، ولا في أفعاله، ولا في أَحكامِه، ولا في صِفاتِه .
وقوله: ﴿الْقَهَّارِ﴾ صِيغة مُبالَغة من القَهْر، وهو الغَلَبة، فهو قهَّارٌ لكُلِّ شيء، والمفَسِّر ﵀ قال: [أي: لخَلْقه].
من فوائدِ الآيةِ الكريمةِ:
الْفَائِدَةُ الأُولَى: أن الناس يَبرُزون يومَ القِيامة لا يُظِلُّهم شجَر، ولا مدَر، ولا بِناء، ولا جبَل، ولا غير ذلك؛ لقوله: ﴿يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ﴾.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أنهم في ذلك اليومِ لا يَخفَى على الله منهم شيء؛ لأنه مُحيط بهِم عِلْمًا وقُدرة وسُلطانًا.
فإن قال قائِل: هل يُستَثنى من قوله: ﴿يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ﴾ أحَدٌ؟
فالجَوابُ: نعَمْ، يُستَثنى مَن يُظِلُّهم الله في ظِلِّه يوم لا ظِلَّ إلَّا ظِلُّه، وهُمْ سبعة، بل هُمْ أكثَرُ، بلَغوا إلى واحِد وعِشرين رجُلًا، لكنَّ النَّبيَّ ﷺ جمَع سبعة في حديث واحِد، وهو حديث مَشهور مَعروف: "سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ الله فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ:
стр. 164
إِمَامٌ عَادِلٌ. . ." (١) إلى آخِره.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: أن المُلْك بل جميع الأَمْلاك تَتَلاشى في ذلك اليَوْمِ، فلا فرقَ فيه بين مالِك ومَملوك، وسيِّد ومَسود، وحُرٍّ وعبد، وذكَر وأنثى، ليس لأَحَد في ذلك اليومِ مُلْك؛ ولهذا قال: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ﴾ فيَقول: ﴿لِلَّهِ﴾.
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أن من أسماء الله الواحِد، والواحِد هو المُتَفرِّد الذي لا ثانِيَ له، قال الله تعالى: ﴿لَا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [النحل: ٥١].
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: أن من أسماء الله القَهَّار؛ لقوله: ﴿الْقَهَّارِ﴾.
الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: إثبات صِفَتَين من صِفات الله، دلَّ عليهما قوله: ﴿الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ الصِّفة في الواحِد أنَّه واحدٌ، وفي القَهَّار القَهْر، ويَتَرتَّب على ذلك من الناحية المَسلَكية أن الإنسان إذا اعتَقَد أن الله واحِد لم يَلتَفِت إلى أحَدٍ سِواه، وإذا اعتَقَد أن الله قهَّار خافَ من قَهْره، واستَعان بقَهْره على عَدُوِّه؛ فيَستَفيد من هذه العَقيدةِ أن يَخاف من قَهْر الله، وأن يَستَعين بقَهْر الله على عَدُوِّ الله وعَدوِّه.
* * *
стр. 165
الآية (١٧)
* قَالَ اللهُ : ﴿الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [غافر: ١٧].
* * *
ثُمَّ قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾ ﴿الْيَوْمَ﴾: ظَرْف مُتعلِّق بـ ﴿تُجْزَى﴾، والظَّرْف والجارُّ والمجرور لابُدَّ لهما من مُتعلَّق؛ لأنهما لا يَقَعان إلَّا مَعمُولَين أو مَعمولًا فيهما؛ لذلك لابُدَّ لهما من عامِل يَتَعلَّقان به.
قال: ﴿الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾ ﴿تُجْزَى﴾ أي: تُكافَأ؛ لأنَّ الجَزاء بمَعنَى المُكافَأة، جازَيْته على عمَله؛ أي: كافَأْته عليه، فمَعنى ﴿تُجْزَى﴾ أي: تُكافَأ، ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾ من خَيْر وشَرٍّ، ولكِنَّ هذا الجزاءَ في الآخِرة يَختَلِف عن جزاءات الدنيا التي يُجازَى بها الناس بعضُهم من بعض.
وقوله: ﴿لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ ﴿لَا ظُلْمَ﴾ (لا) نافِية للجِنْس، و ﴿ظُلْمَ﴾ اسمُها، قال أهل النَّحْو: والنَّفيُ للجِنْس يَنفِي هذا الجِنْسَ مُطلَقًا. أي: قليلَهُ وكثيرَهُ، واحِدَهُ ومُتعَدِّدَهُ، ولهم (لا) أُخرى يُسمُّونها نافِيةَ الوحدة، ونافِية الوحدة لا تَعمَل عمَل (إنَّ)، بل تَعمَل عمَل (ليسَ)، تَقول: لا رجُلٌ في الدار؛ أي: ليس في الدار رجُل واحِد، بل ثلاثة رِجال مثَلًا، أمَّا إذا أَرَدْت الجِنْس فقُلْ: لا رجُلَ في الدار؛ أي: لا واحِد ولا مُتعَدِّد.
стр. 166
وهي - أي: "لا" النافية للجِنْس - نَصٌّ في العموم؛ أي: أنها دالَّة على العُموم بالنَّصِّ، فيَكون ﴿لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ﴾؛ أي: لا ظُلمَ واقِعٌ من الله، ولا ظُلمَ واقِع من الخَلْق بعضِهم لبعض، بل كلُّ واحِد من الخَلْق يَفِرُّ من الآخَر، لا ظُلمَ اليومَ.
وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾؛ أي: سَريع مُحاسَبة الخَلائِق على أعمالهم، وبيَّن المفَسِّر ﵀ هذه السُّرعةَ فقال: [يُحاسِب جميع الخَلْق في قَدْر نِصْف نَهار من أيام الدُّنيا؛ لحَديث ورَد في ذلِكَ] يُحاسِب جميع الخَلائِق كلهم في مِقدار نِصْف يوم، لكن من أيام الدُّنيا. هذا يَحتاج إلى تَحقيق؛ لأنَّ يوم القِيامة يوم مِقْداره خَمْسون ألفَ سَنَةٍ، يَفرَغ الله من حِساب الخلائِق في نِصْف ذلك اليَوْمِ؛ ولهذا قال الله تعالى: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾ [الفرقان: ٢٤]، ومَعلوم أن القَيْلولة تَكون في نِصْف النهار، وهذا يَدُلُّ على أنَّه لا يَنتَصِف النَّهار إلَّا وقد فرَغَ الله من حِساب الخَلائِق، وصار كلُّ واحِد إلى ما آلَ إليه، لكن هل هو كيَوْم الدُّنيا، أو هو يوم القِيامة الذي مِقْداره خَمْسون ألفَ سَنَةٍ؟
فإن قال قائِل: ما هو الدليل على أن الله يُحاسِب الناس في نِصْف يَوْم؟
فالجَوابُ: أوَّله أَحاديثُ ورَدَت في هذا، والثاني قوله تعالى: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾ [الفرقان: ٢٤] قال: ﴿يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾ والمَقيل لا يَكون إلَّا في نِصْف النَّهار بأَطرافه.
من فوائدِ الآيةِ الكريمةِ:
الْفَائِدَةُ الأُولَى: إثبات الجَزاء؛ لقوله: ﴿الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ﴾.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أن كَمال الجَزاء يَكون ذلك اليومَ، وذلك أن الجَزاء قد يَكون
стр. 167
في الدُّنيا قد يُجازِي الله الإنسانَ في الدنيا؛ فيُعطيه بالحَسَنة حَسَناتٍ، ويُؤاخِذ الظالمِ بظُلْمه، وهذا واقِع كثيرًا، قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى: ٣٠]، وهذا يَدُلُّ على أن الإنسان قد يُجازَى في الدُّنيا على عمَله، لكن الجَزاء الأكمَل الأَوْفى يَكون يوم القِيامة.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: أن النَّفْس لا تُجازَى إلَّا بما كسَبت، ويَكون الكَسْب إمَّا بالقَوْل، وإمَّا بالعَمَل، أمَّا مجُرَّد النِّيَّة فليسَتْ كسبًا، أو مجُرَّد حديث النَّفْس فليس بكَسْب، فالكَسْب قول أو عمَل؛ لأنَّ الإنسان لم يَركَن إليه، ودليل ذلك قول النبيِّ - صلى الله عليه وعلى آله وسلم -: "إِنَّ الله تَجَاوَزَ عَنْ أُمَّتِي مَا حَدَّثَتْ بهِ أَنْفُسَهَا مَا لَمْ تَعْمَلْ أَوْ تَتَكَلَّمْ" (١).
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: على قول بعض العُلماء: أن إهداء القُرَب لا يَصِحُّ، يَعنِي: لو عمِلْت عمَلًا صالِحًا وأَهدَيْته إلي غيرك فإنَّه لا يَصِحُّ؛ لأنَّ الغير الذي أَهدَيْته له لم يَكسِبه، إلَّا ما دلَّت السُّنَّة عليه، فهو مُستَثنًى، وإلى هذا ذهَب كثير من العُلَماء أنَّه لا يُهدَى من القُرَب إلَّا ما جاءَت به السُّنَّة، وذهَب آخَرون إلى جَواز إهداء جَميع القُرَب، وقالوا: إن ما ورَدَت به السُّنَّة قضايا أعيان، إذا ثبَتَ الحُكْم فيها ثبَتَ في نَظيرها؛ لأنَّ الشريعة لا تُفرِّق بين مُتماثِلَيْن، وقد ورَدَت السُّنَّة بإجزاء العِبادات المالِية والبدَنية والمُركَّبة من مال وبدَن.
أمَّا العِبادات المالية: ففي قِصَّة الرجُل الذي قال: يا رَسولَ الله، إن أُمِّي افتُلِتَتْ نَفْسُها، وإنَّها لو تَكَلَّمَتْ لتَصَدَّقَتْ. افتُلِتَت يَعنِي: أُخِذت بَغْتة، وإنها لو تَكلَّمت
стр. 168
لتَصدَّقت، أفأَتَصدَّق عنها؟ قال: "نَعَمْ" (١).
وكذلك سَعدُ بنُ عُبادةَ ﵁ كان له مِخرافٌ؛ أي: بُستان يُخرَف، فتَصدَّق به على أُمِّه بإِذْن الرسول - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - (٢)، هذه العِبادة المالِية. أمَّا العِبادة البدَنية: فقول النبيِّ - صلى الله عليه وعلى آله وسلم -: "مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صِيَامٌ صَامَ عَنْهُ وَلِيُّهُ" (٣)، وهذه عِبادة بدَنية مَحْضة.
وأمَّا المُركَّبة منهما: فالحَجُّ، وقد قال النبيُّ ﵊ للمَرْأة التي سأَلَتْه عن أُمِّها أنها ماتَت ولم تَحُجَّ، قال: "حُجِّي عَنْهَا" (٤)، وهذا مَذهَب الإمامِ أحمدَ (٥). أَعنِي: جوازَ إهداء القُرَب إلى الغير بشَرْط أن يَكون المُهدَى إليه مُسلِمًا، أمَّا إن كان كافِرًا فإنَّه لو أُهدِيَ إليه لا تُقبَل؛ لأنَّ الكافِر لا يُقبَل له عمَل، لا من نَفْسه، ولا من غيرِه، وهذا القَوْلُ أَقرَبُ إلى الصواب من القول بالمَنْع.
ولكن مع ذلك لا نُحبِّذ أن الإنسان يُهدِي إلى أمواته شيئًا؛ لأنَّ هذا لم يَكُن من عادة السلَف، ولا سِيَّما الإكثار منه، كما يَفعَله بعض الناس اليوم، تَجِد بعض الناس في رَمضانَ يَختِم القُرآن عِدَّة مرَّات، وكل خَتْمة يَجعَلها لواحِد من أَقارِبه، هذه لأُمِّه،
стр. 169
وهذه لأبيه، وهذه لأَخيه، وهذه لعَمِّه، وما أَشبَهَ ذلك، هذا في الحَقيقة خِلاف عادة السَّلَف.
ونَقول: إن أَرَدْت أن تَنفَع مَيتَك نَفعًا مُحقَّقًا فاعمَلْ بما أَرشَد إليه النَّبيُّ - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - حيثُ قال: "إِذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثٍ: إِلَّا مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ" (١) هذا هو الذي نُحبِّذه، ونَقول: أَكثِرْ من الدُّعاء لأمواتك، أمَّا إِهداء القُرَب فاجعَلْها لنَفْسك؛ لأنَّ هذا هو السُّنَّة، وأنت أيُّها الحيُّ سوف تَحتاج إلى هذه الأعمالِ الصالحِة، كما أن الأموات أيضًا يَحتاجون إلى زِيادة الأعمال الصالحِة، كما جاء في الحديث: "مَا مِنْ مَيِّتٍ يَمُوتُ إِلَّا نَدِمَ، إِنْ كَانَ مُحْسِنًا نَدِمَ أَلَّا يَكُونَ ازْدَادَ، وَإِنْ كَانَ مُسِيئًا نَدِمَ أَلَّا يَكُونَ اسْتَعْتَبَ" (٢).
إِذَن نَقول: ﴿بِمَا كَسَبَتْ﴾ استَدَلَّ بها بعض العُلَماء على أن مَن أُهدِيَ إليه شيء من القُرَب فإنَّه لا يَنتَفِع به؛ لأنه ليس من كَسْبه، إلَّا ما جاءَت به السُّنَّة، ولكن الصحيح أنَّه يَنتَفِع به.
فإذا قلت: إن هذا هو الصَّحيح فالجَواب عن الآية أنها تَدُلُّ على أن النَّفْس تُجزَى بما كسَبَت، لكن لا تَدُلُّ على إنها لا تَنتَفِع بعمَل غيرها، الشيء المَضمون تَمامًا هو ما كَسَبت، وأمَّا ما أَهداه الغَيْر لها فهذا شيء آخَرُ، وله أدِلَّة أُخرى.
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: انتِفاء الظُّلْم في ذلك اليومِ، لقوله: ﴿لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ﴾، ولكن الإنسان يُجازَى بحَسَب عمَله، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ
стр. 170
فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا﴾ [طه: ١١٢]، قال المفَسِّرون: ظُلمًا في زِيادة سَيِّئاته، وهَضمًا في نَقْص حسَناته.
الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: إثبات المُحاسَبة: أن الله يُحاسِب الخَلائِق، وهذا كما أنَّه مَدلول النُّصوص فهو مُقتَضى الحِكْمة؛ إذ ليس من الحِكْمة أن يُؤمَر الناس ويُنهَوْا ثُم يَذهَب هذا الأَمْر والنَّهيُ هدَرًا لا يُحاسَب عليه العَبْد، هذا في الحَقيقة لو ثبَت لكان عبَثًا، والله تعالى مُنزَّهٌ عنه، كما قال تعالى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ﴾ [المؤمنون: ١١٥]، وقال تعالى: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى﴾ [القيامة: ٣٦]، فلابُدَّ من مُجازاة، لابُدَّ من محُاسَبة حتى يَتبَيَّن ما للإنسان وما عليه.
الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: تَمام قُدْرة الله - جَلَّ وَعَلَا - وقوَّتِه، مَأخوذة من قوله: ﴿سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾؛ لأنَّ السرعة تَدُلُّ على القُدْرة والقُوَّة، كيف يُحاسِب هذه الخَلائِقَ التي لا يُحصيها إلَّا هو في نِصْف يوم؟ ! هذا دَليل على كَمال القُدْرة وكَمال القُوَّة.
فإن قال قائِل: كيف يَكون الحِساب؟
فالجَوابُ: الحِسابُ يَختَلِف باختِلاف المُحاسَب:
أمَّا المُؤمِن: فإن الله تعالى يَضَع عليه كنَفَه؛ أي: سِتْره، ويَخلو به ويُقرِّره بذُنوبه، ويَقول: فعَلْت كذا وكذا في يوم كذا. حتى يُقِرَّ، فإذا أَقَرَّ واعتَرَف، قال الله تعالى: ستَرْتُها عليك في الدنيا، وأنا أَغفِرُها لك اليومَ. فيَذهَب طَليقًا.
أمَّا الكُفَّار: فإنهم لا يُحاسَبون حِساب مَن تُوزَن حَسَناتُه وسَيِّئاته؛ لأنهم ليس لهم حَسَنات، ولكن تُحصَى أعمالهم فيُوقَفون عليها، ويُقرَّرون بها، ويُخزَوْن بها، ويُوبَّخون عليها ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ (٨) قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ
стр. 171
إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ كَبِيرٍ﴾ [الملك: ٨ - ٩]، فيُوبَّخون زِيادة في حَسْرتهم - والعِياذُ بالله - وبَيان أنهم لم يُظلَموا، فالحِساب إِذَنْ يَختَلِف.
الْفَائِدَةُ الثَّامِنَةُ: يُستَفاد من هذه الآيةِ من الناحِية المَسلَكية: تَحذير الإنسان من المُخالَفة، وحَثُّه على المُوافَقة ويُؤخَذ ذلك من قوله: ﴿الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾ [غافر: ١٧]، فهذا يُوجِب للإنسان إذا آمَن به أن يَحرِص على مُوافَقة الأَمْر وعلى طاعة الله؛ لأنه يَكسِب.
وأَنا أَسأَلكم كما أَسأَل نَفْسي: هل نحن إذا صلَّيْنا يَكون في نُفوسنا شُعور بأننا سنَأخُذ أجرًا على هذه الصلاةِ، أو الشُّعور السائِد أننا أدَّيْنا ما يَجِب علينا فقَطْ؟ الجوابُ: الثاني، ولهذا لو كان عِندنا الشُّعور الأوَّل؛ إننا سنُجازَى على هذه الصلاةِ وبقَدْر ما أَتْقَنَّا فيها لكنا نُتقِنها جيِّدًا؛ لأننا نَعلَم أن الجَزاء من جِنْس العمَل؛ ابذُلْ دراهِمَ كثيرةً يَأتِك سِلعة طيِّبة، لكِن ابذُلْ قَليلةً يَأتِك سِلعة رَديئة.
لهذا يَنبَغي لنا - ونَسأَل الله أن يُعينَنا ويُعيذَنا من الغَفْلة - أن نَشعُر حين نَعمَل العمَل الصالِح أننا سوف نُجازَى عليه، حتى يَكون ذلك أَشحَذَ لِهمَمِنا في إتقان العمَل؛ لأنَّ الإنسان إذا علِمَ أن عمَله هذا هو جَزاؤُه فسوف يُتقِن العمَل، سوف يَأتِي به على حَسب ما يَرضَي الله .
* * *
стр. 172
الآية (١٨)
* قَالَ اللهُ : ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ﴾ [غافر: ١٨].
* * *
قال تعالى: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ﴾ قال المفَسِّر ﵀: [يومَ القِيامة مِن أَزِف الرَّحيل: قَرُب].
﴿وَأَنْذِرْهُمْ﴾ الضَّمير الفاعِل يَعود على الرسول والمَفعول به الناس، يَعنِي: أَنذِر الناس هذا اليومَ، وهذا العامِلُ استَوْفَى مَفعولَيْن الهاء وهي المَفعول الأوَّل، و ﴿يَوْمَ الْآزِفَةِ﴾ المَفْعول الثاني.
وقوله: ﴿يَوْمَ الْآزِفَةِ﴾؛ أيِ: اليوم الآزِف، فهو من باب إضافة المَوْصوف إلى صِفته؛ أي: أَنذِرْهم اليومَ القَريب، وإن شِئْت فقُل: ﴿الْآزِفَةِ﴾ صِفة لمَوْصوف مَحذوف، والتَّقدير: يوم القِيامة الآزِفة، والآزِفة بمَعنَى: القَريبة، قال الله تعالى: ﴿أَزِفَتِ الْآزِفَةُ (٥٧) لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ﴾ [النجم: ٥٧ - ٥٨]، وقال الشاعِر:
أَزِفَ التَّرَحُّلُ غَيْرَ أَنَّ رِكَابَنَا ... لمَّا تَزَلْ بِرِحَالِنَا وَكَأَنْ قَدِ (١)
أي: وكأَنْ قد زالَت.
стр. 173
فالحاصِلُ: أن الأزف بمعنى القُرْب، فالآزِفة القريبة، وهو يوم القِيامة، قال الله ﵎: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا﴾ [الأحزاب: ٦٣]، ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ﴾ [الشورى: ١٧].
فهي قَريبة مَهما طال الوَقْت، لو تَبقَى الدنيا مَلايين الملايين من السِّنين فهي قَريبة، وإذا شِئْت أن يَتبَيَّن لك ذلك فانظُرْ ما تَستَقْبِله الآنَ، إذا أَرَدْت أن تَعرِف ذلك فانظُرْ إلى المُستَقبَل، المُستَقبَل تَنظُر إليه نظَر البَعيد فإذا به يَأتِي وبسُرعة، كأنه بَرْق خاطِف، هكذا مُستَقبَل الدنيا كلها قريب، فإن أَدرَكْته أَدرَكْته، وإن لم تُدرِكه قامَت قِيامتُك قبلَها، فقِيامتك قَريبة، وإن بَقِيت إلى القِيامة الكبرى فهي أيضًا قَريبة، إِذَنْ كلُّ آتٍ قريب، وكل ماضٍ بَعيد، الماضِي ولو كان قبلَ وَقْتك بساعة بَعيد؛ لأنه لا يُمكِن أن يَرجِع، والمُستَقبَل قريب.
إِذَنْ: سُمِّيَت القِيامة آزِفة لقُربها، ووجهُ قُرْبها - وإن كان بيننا وبينها ما لا يَعلَمه إلَّا الله من السِّنين - أن المُستَقبَل مهما بعُدَ قريب.
فإن قال قائِل: ما القَوْل في اليوم الذي كأَلْف سَنَة؟
فالجوابُ: قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ [الحج: ٤٧]، وقال: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ [السجدة: ٥]، لكن يوم القِيامة لم يَرِد فيه إلَّا خَمْسون ألفَ سَنَة ﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [المعارج: ٤]، وفي الحَديث الصحيح في قِصَّة مانِع الزكاة (١): ﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [المعارج: ٤]، وعلى هذا فاليَوْمُ الذي عند رَبِّنا كأَلْف سَنَة لا نَدرِي ما هذا اليومُ، فهو يَوْم مَجهول لنا.
стр. 174
أمَّا ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [السجدة: ٥]، فهذا لأنَّ ما بين السَّماء والأرض خمسُ مِئة سَنَة، فإذا كان ما بينَهما خمسُ مِئة سَنَة؛ فإن صُعود الأمر إلى الله ثُم رُجوعه، يَكون أَلْفَ سَنَة؛ فالأيام ثلاثة: يومٌ مِقدارُه خَمْسون ألْفَ سَنَة وهذا يومُ القِيامة، ويومٌ عند الله لا نَعلَم ما هو، مِقداره أَلْف سَنَة، ويوم مِقدارُه أَلْف سَنَة في تدبير الأمر من السماء إلى الأرض، ثُم عُروجه إلى الله .
مسألةٌ: ورَد عن النَّبيِّ ﷺ أن الله يُحاسِب الخَلائِق في ساعة واحِدة (١)، فهل الساعة تَدخُل في نِصْف يوم؟
فالجَوابُ: الساعة تُطلَق على الزمَن القليل والكثير، إلَّا إذا فُصِّلت، مثل: "من جاء في الساعة الأُولى في يوم الجُمُعة. . ومَن جاء في الثانية. . ومَن جاء في الثالثة. .".
وقوله: ﴿إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ﴾ [غافر: ١٨].
وقوله: ﴿إِذِ الْقُلُوبُ﴾ (إِذْ): بدَل من ﴿يَوْمَ الْآزِفَةِ﴾ [غافر: ١٨] يَعنِي: أَنذِرْهم يوم الآزِفة، أَنذِرْهم إذِ القُلوب لدى الحَناجِر.
و(إِذْ): ظرف لما مَضَى من الزَّمان، وتَأتِي ظَرْفًا وتَأتِى تَعليلًا على حَسب ما جاءَت مَعانيها في اللُّغة العرَبية.
وقوله: ﴿الْقُلُوبُ﴾ (أل): هنا للاستِغْراق؛ أي: كل القُلوب، وقوله: ﴿لَدَى﴾ يَقول ﵀: بمَعنَى: عِندَ.
стр. 175
قال المفَسِّر ﵀: [﴿إِذِ الْقُلُوبُ﴾ تَرتَفِع خوفًا ﴿لَدَى﴾ عِندَ ﴿الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ﴾]، قال الله ﵎: ﴿وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ﴾ [الأحزاب: ١٠]، وهذا شيء مَعلوم مَحسوس؛ أن الإنسان كلَّما اشتَدَّ به الخَوْف ارتَفَع قلبُه وانكَمَش وازداد خَفَقانًا، فيَوْم القِيامة تَرتَفِع القلوب حتى تَصِل إلى الحَناجِر، والحَنجرة ما بين التَّرْقوتَيْن.
قال المفَسِّر ﵀: [﴿كَاظِمِينَ﴾ مُمتَلِئِين غمًّا، حال من ﴿الْقُلُوبُ﴾ عُومِلت بالجمع بالياء والنون مُعامَلة أصحابها]، لم يَقُل: إِذِ القُلوب لدى الحَناجِر كاظِمة، لأنه لو جرَى الوَصْف للقُلوب؛ لقال: إِذِ القُلوب لدَى الحَناجِر كاظِمة، وقال تعالى: ﴿قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ﴾ [النازعات: ٨] ولا يُجمَع جَمْعَ المُذكَّر السالِمَ بالواو والنُّون إلَّا للعاقِل.
وقوله: ﴿إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ﴾ القُلوب جَماد، هي نَفْسها جَماد، والجَماد لا يُجمَع بالواو والنون؛ لأنه لا يُجمَع بالواو والنون إلَّا العاقِل، عَلَمًا كان أو وَصْفًا، وقد مَرَّ عليكم في شُروط جمع المُذكَّر السالِمِ أن يَكون عَلَمًا أو وَصْفًا لعاقِل، فهنا القُلوب ليست عاقِلة، القُلوب جُزء من البدَن ليست عاقِلة، فكيف تَوجيه الحال التي جاءَت منها بجَمْع على صيغة جَمْع المُذكَّر السالِم؟ !
يَقول المفَسِّر ﵀: لأنَّ المُراد بها أصحاب القُلوب، القُلوب لدى الحَناجِر والكاظِم صاحِبها، وهذا حقٌّ أن ﴿كَاظِمِينَ﴾ حال من القُلوب باعتِبار أصحابها، والكاظِمُ يَقول: المُمتَلِئ غمًّا، ويَمتَلِئون غمًّا لشِدَّة الأَهْوال، والمَخافة قُلوب مُرتَفِعة أَنفُس مُمتَلِئة غمًّا.
قوله: ﴿مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ﴾ [غافر: ١٨] الظالمِون همُ الكافِرون
стр. 176
هنا؛ لقول الله تعالى: ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة: ٢٥٤] وليس المُرادُ مُطلَقَ الظُّلْم، بلِ المُراد الظُّلْم المُطلَق، وهو ظُلْم الكُفْر، فالظالِمون في ذلك اليومِ ليس لهم حَميم، والحَميم هو: المُحِبُّ، كما قال المفَسِّر، وقيل: القريب، كما قال تعالى: ﴿فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ (١٠٠) وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ﴾ [الشعراء: ١٠٠ - ١٠١]﴾؛ أي: قَريب، ولا نَقول: ولا صَديق مُحِبٍّ؛ لأنه ما من صَديق إلَّا وهو مُحِبٌّ، ولولا المَحبَّة ما صادَقه.
وعلى هذا فنَقول: إن الأَوْلى أن تُفسَّر الحَميم بالقَريب، والغالِب أن الذي يُحامِي عنك ويُدافِع عنك ويَشفَع لك هو القريب، هذا الغالِبُ.
وقوله: ﴿مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ﴾ ﴿شَفِيعٍ﴾ بمَعنَى: شافِع، فهي فَعيل بمَعنَى فاعِل، كسَميع بمَعنَى: سامِع، والشافِع: مَن شفَعَك؛ أي: صار معَك حتى تَكون بعد الفَرْد شَفْعًا؛ ولهذا يُقال: الشافِع هو مَن تَوسَّط لك بجَلْب مَنفَعة، أو دَفْع مَضرَّة، هذا هو الشافِع، التَّوسُّط للغير بجَلْب الخير، أو دَفْع الضَّيْر، يَعنِي: الشفاعة هي التَّوسُّط للغير بجَلْب الخير أو دَفْع الضير، هذا إذا أَرَدْت أن تَأتِيَ بها على سَبيل السَّجْع؛ من أَجْل أن تَكون أَريَحَ، ففي يوم القِيامة ليس لهم شَفيع، فلا يَشفَع لهم أحَدٌ؛ لأنَّ مِن شَرْط الشفاعة أن يَكون الله راضِيًا عن الشافِع وعن المَشفوع له.
ولجَأْنا إلى هذا التَّأويلِ لوُجود الآية الثابِتة للشَّفاعة، وهي قوله تعالى: ﴿فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ﴾ [الشعراء: ١٠٠]، وانتِفاء الشَّفاعة وهي قوله تعالى: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء: ٢٨] وهَؤلاءِ لا يَرتَضيهم الله.
قال المفَسِّر ﵀: [﴿وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ﴾ لا مَفهومَ للوَصْف، إذ لا شَفيعَ لهُمْ أصلًا؛ لقوله تعالى: ﴿فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ﴾ أو له مَفهومٌ بِناءً على زَعْمهم أن لهُمْ شُفَعاءَ،
стр. 177
أي: لو شفَعوا فَرْضًا لم يُقبَلوا].
كلِمة ﴿يُطَاعُ﴾ جُملة فِعْلية في مَحَلِّ جَرِّ صِفة لـ ﴿شَفِيعٍ﴾ ولو حوَّلناها إلى اسمِ فاعِل لكان التَّقدير: ولا شَفيع مُطاع، فهل هذه الصِّفةُ قَيْد، بمعنى: أن لَهُم شَفيعًا لا يُطاع، أو هي بَيان للواقِع والمُراد نَفيُ الشَّفيع؟ ذكَر المفَسِّر احتِمالَيْن:
الأوَّل: أن يَكون المُراد ليس لهم شَفيع مُطلَقًا، واستَدَلَّ لذلك بقوله تعالى عنهم: ﴿فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ (١٠٠) وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ﴾ [الشعراء: ١٠٠ - ١٠١].
أو أن المَعنَى: لو قُدِّر أن لهم شُفَعاءَ، فإن هؤلاءِ الشُّفَعاءَ لا يُطاعون، وهذا بِناءً على قولهم: إن الذي يَعبُدون من دون الله يَكونون شُفَعاءَ لهم، والآية تَحتَمِل ما قال المفَسِّر، أمَّا إذا قُلْنا بالوَجْه الأوَّل، وهو نَفيُ الشفاعة مُطلَقًا فالأمر ظاهِر لا إِشكالَ فيه.
أمَّا الثاني: أن يُقام لهُمْ شُفَعاءُ، ولكن تُرَدُّ شَفاعتهم، فهذا من أَجْل التَّخجيل لهم، أن يَخجَلوا حيث تُقام الشُّفَعاءُ الذين يَدَّعون أنهم شُفَعاءُ لهم، ثُم تُردُّ الشفاعة، هذا أَبلَغُ في خَجَلهم، وفي رَدِّهم، وعدَم انتِفاعِهم بآلِهَتهم، والله أَعلَمُ.
فإن قال قائِل: إذا قُلْنا بالوجه الثاني ﴿وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ﴾ ثُم يُقام ثُم يُرَدُّ، ما حال الشَّفيع الذي يُقام ثُم يُرَدُّ، هل هو مَن تُقبَل شَفاعته، هل أنَّه مِثْلهم أصلًا؟
فالجَوابُ: لا، بل تُمثَّل لهم أَصنامُهم، حتى الذين يَعبُدون عِيسى، يُمثَّل لهم عِيسى ﵊.
стр. 178
من فوائدِ الآيةِ الكريمةِ:
الْفَائِدَةُ الأُولَى: وُجوب الإنذار على رَسول الله - صلى الله عليه وعلى آله وسلم -؛ لقوله: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ﴾ والأَصْل في الأَمْر الوُجوب لا سِيَّما أن الرسول ﷺ مُكلَّفٌ بذلك.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أنَّه يَنبَغي للداعِية أن يَكون مُخوِّفًا أحيانًا ومُبشِّرًا أحيانًا، أمَّا البِشارة أحيانًا ففي آياتٍ كَثيرة، ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الصف: ١٣]، ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ وما أَشبَه ذلك، وأمَّا الإنذار فكذَلِك في مثل هذه الآيةِ؛ فالداعِية يَنبَغي أن يَكون مُنذِرًا مُبشِّرًا من أَجْل أن يُحرِّك القُلوب.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: أنَّه يَنبَغي في الإنذار أن يُذكِّر الناسَ أحوالَ يوم القِيامة وأهوالَها؛ لقوله: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ﴾.
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أن القيامة قَريبة؛ لقوله: ﴿يَوْمَ الْآزِفَةِ﴾ والقُرْب هنا يَعنِي أن الوَقْت يَمضِي بسُرعة؛ حتى لا يَشعُر الإنسان إلَّا وقد قامَت القِيامة، إمَّا قِيامته هو، وتُسمَّى القِيامة الصُّغرى، أو القِيامة العامة.
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: بَيان هذا التَّمثيلِ العَظيم في حال الناس ذلك اليومَ، ﴿إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ﴾.
الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: أن هذه الحالِ عامَّة للمُؤمِنين وللكافِرين، دليل ذلك: عُموم قوله: ﴿إِذِ الْقُلُوبُ﴾، ثُم قوله: ﴿مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ﴾؛ فدَلَّ ذلِك على أن الآية عامَّة، ولكن لا يَلحَق المُؤمِنين شَرٌّ من ذلك اليَوْمِ؛ لقول الله تعالى: ﴿فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ﴾ [الإنسان: ١١]، ومُجرَّد الغَمِّ والهَمِّ لا يَلزَم منه الشَّرُّ والضرَر.
стр. 179
الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: أن القُلوب عند شِدة الخَوْف تَرتَفِع حتى تَبلُغ الحناجِر، وهذا يَشهَد به الواقِع، قال الله ﵎ في سورة الأَحْزاب: ﴿وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ﴾ [الأحزاب: ١٠]، والإنسان في نَفْسه أيضًا يُحِسُّ أنَّه إذا خاف خوفًا شديدًا، وكأَنَّ قَلْبه قد عُلِّق في حَنجَرته.
الْفَائِدَةُ الثَّامِنَةُ: أن الناس في ذلك اليومِ مع شِدَّة الخَوْف يَمتَلِئون غَمًّا؛ لقوله: ﴿كَاظِمِينَ﴾، والغَمُّ هو: التَّحزُّن، أو التَّهيُّؤ لما يُستَقبَل، فالغَمُّ في المُستَقبَل، والهَمُّ والحُزْن في الماضِي.
الْفَائِدَةُ التَّاسِعَةُ: تَقطُّع الأسباب بالظالمِين؛ فلا يَجِدون حميمًا ولا شفيعًا؛ لقوله: ﴿مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ﴾ [غافر: ١٨]، والمُراد بالظالمِين ما سبَقَ، وهُمُ الكافِرون.
فإن قال قائِل: الظُّلْم أَعَمُّ من الكُفْر، فكيف فسَّرْتُمُ الظُّلْم هنا بالكُفْر؟
قُلْنا: لأنَّ الله تعالى قال: ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة: ٢٥٤]؛ ولأن ما دون الكُفْر من المَعاصِي تُمكِن فيه الشَّفاعة؛ فإن الشَّفاعة ثابِتة لأَهْل الكبائِر من هذه الأُمَّةِ.
فإن قال قائِل: هل تَقَع الكبائر من الأنبياء؟
فالجوابُ: تَقَع، لكن يَتوبون منها، فإن موسى ﵇ قَتَل نفسًا بغير حَقٍّ، أو لم يُؤذَن له فيها، ويَقَع هذا سواءٌ قبل النُّبوَّة أو بعدها؛ ولهذا فهو ﵇ اعتَذَر بذلك في طلَب الشفاعة.
стр. 180
الْفَائِدَةُ الْعَاشِرَةُ: تَحذير هَؤلاء الكُفَّار من ذلك اليومِ؛ فإنهم في الدُّنيا يَجِدون مَن يُناصِرهم ويُواليهم، ويُساعِدهم ويُعاوِنهم، ولكن في الآخِرة لا يَجِدون شيئًا من ذلك.
* * *