← Тафсир

Тафсир · id 151161

تفسير العثيمين: غافر

ابن عثيمين

Полный текст (554 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

هنا؛ لقول الله تعالى: ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة: ٢٥٤] وليس المُرادُ مُطلَقَ الظُّلْم، بلِ المُراد الظُّلْم المُطلَق، وهو ظُلْم الكُفْر، فالظالِمون في ذلك اليومِ ليس لهم حَميم، والحَميم هو: المُحِبُّ، كما قال المفَسِّر، وقيل: القريب، كما قال تعالى: ﴿فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ (١٠٠) وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ﴾ [الشعراء: ١٠٠ - ١٠١]﴾؛ أي: قَريب، ولا نَقول: ولا صَديق مُحِبٍّ؛ لأنه ما من صَديق إلَّا وهو مُحِبٌّ، ولولا المَحبَّة ما صادَقه. وعلى هذا فنَقول: إن الأَوْلى أن تُفسَّر الحَميم بالقَريب، والغالِب أن الذي يُحامِي عنك ويُدافِع عنك ويَشفَع لك هو القريب، هذا الغالِبُ. وقوله: ﴿مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ﴾ ﴿شَفِيعٍ﴾ بمَعنَى: شافِع، فهي فَعيل بمَعنَى فاعِل، كسَميع بمَعنَى: سامِع، والشافِع: مَن شفَعَك؛ أي: صار معَك حتى تَكون بعد الفَرْد شَفْعًا؛ ولهذا يُقال: الشافِع هو مَن تَوسَّط لك بجَلْب مَنفَعة، أو دَفْع مَضرَّة، هذا هو الشافِع، التَّوسُّط للغير بجَلْب الخير، أو دَفْع الضَّيْر، يَعنِي: الشفاعة هي التَّوسُّط للغير بجَلْب الخير أو دَفْع الضير، هذا إذا أَرَدْت أن تَأتِيَ بها على سَبيل السَّجْع؛ من أَجْل أن تَكون أَريَحَ، ففي يوم القِيامة ليس لهم شَفيع، فلا يَشفَع لهم أحَدٌ؛ لأنَّ مِن شَرْط الشفاعة أن يَكون الله راضِيًا عن الشافِع وعن المَشفوع له. ولجَأْنا إلى هذا التَّأويلِ لوُجود الآية الثابِتة للشَّفاعة، وهي قوله تعالى: ﴿فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ﴾ [الشعراء: ١٠٠]، وانتِفاء الشَّفاعة وهي قوله تعالى: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء: ٢٨] وهَؤلاءِ لا يَرتَضيهم الله. قال المفَسِّر ﵀: [﴿وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ﴾ لا مَفهومَ للوَصْف، إذ لا شَفيعَ لهُمْ أصلًا؛ لقوله تعالى: ﴿فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ﴾ أو له مَفهومٌ بِناءً على زَعْمهم أن لهُمْ شُفَعاءَ،

стр. 177

أي: لو شفَعوا فَرْضًا لم يُقبَلوا]. كلِمة ﴿يُطَاعُ﴾ جُملة فِعْلية في مَحَلِّ جَرِّ صِفة لـ ﴿شَفِيعٍ﴾ ولو حوَّلناها إلى اسمِ فاعِل لكان التَّقدير: ولا شَفيع مُطاع، فهل هذه الصِّفةُ قَيْد، بمعنى: أن لَهُم شَفيعًا لا يُطاع، أو هي بَيان للواقِع والمُراد نَفيُ الشَّفيع؟ ذكَر المفَسِّر احتِمالَيْن: الأوَّل: أن يَكون المُراد ليس لهم شَفيع مُطلَقًا، واستَدَلَّ لذلك بقوله تعالى عنهم: ﴿فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ (١٠٠) وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ﴾ [الشعراء: ١٠٠ - ١٠١]. أو أن المَعنَى: لو قُدِّر أن لهم شُفَعاءَ، فإن هؤلاءِ الشُّفَعاءَ لا يُطاعون، وهذا بِناءً على قولهم: إن الذي يَعبُدون من دون الله يَكونون شُفَعاءَ لهم، والآية تَحتَمِل ما قال المفَسِّر، أمَّا إذا قُلْنا بالوَجْه الأوَّل، وهو نَفيُ الشفاعة مُطلَقًا فالأمر ظاهِر لا إِشكالَ فيه. أمَّا الثاني: أن يُقام لهُمْ شُفَعاءُ، ولكن تُرَدُّ شَفاعتهم، فهذا من أَجْل التَّخجيل لهم، أن يَخجَلوا حيث تُقام الشُّفَعاءُ الذين يَدَّعون أنهم شُفَعاءُ لهم، ثُم تُردُّ الشفاعة، هذا أَبلَغُ في خَجَلهم، وفي رَدِّهم، وعدَم انتِفاعِهم بآلِهَتهم، والله أَعلَمُ. فإن قال قائِل: إذا قُلْنا بالوجه الثاني ﴿وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ﴾ ثُم يُقام ثُم يُرَدُّ، ما حال الشَّفيع الذي يُقام ثُم يُرَدُّ، هل هو مَن تُقبَل شَفاعته، هل أنَّه مِثْلهم أصلًا؟ فالجَوابُ: لا، بل تُمثَّل لهم أَصنامُهم، حتى الذين يَعبُدون عِيسى، يُمثَّل لهم عِيسى ﵊.

стр. 178

من فوائدِ الآيةِ الكريمةِ: الْفَائِدَةُ الأُولَى: وُجوب الإنذار على رَسول الله - صلى الله عليه وعلى آله وسلم -؛ لقوله: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ﴾ والأَصْل في الأَمْر الوُجوب لا سِيَّما أن الرسول ﷺ مُكلَّفٌ بذلك. الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أنَّه يَنبَغي للداعِية أن يَكون مُخوِّفًا أحيانًا ومُبشِّرًا أحيانًا، أمَّا البِشارة أحيانًا ففي آياتٍ كَثيرة، ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الصف: ١٣]، ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ وما أَشبَه ذلك، وأمَّا الإنذار فكذَلِك في مثل هذه الآيةِ؛ فالداعِية يَنبَغي أن يَكون مُنذِرًا مُبشِّرًا من أَجْل أن يُحرِّك القُلوب. الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: أنَّه يَنبَغي في الإنذار أن يُذكِّر الناسَ أحوالَ يوم القِيامة وأهوالَها؛ لقوله: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ﴾. الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أن القيامة قَريبة؛ لقوله: ﴿يَوْمَ الْآزِفَةِ﴾ والقُرْب هنا يَعنِي أن الوَقْت يَمضِي بسُرعة؛ حتى لا يَشعُر الإنسان إلَّا وقد قامَت القِيامة، إمَّا قِيامته هو، وتُسمَّى القِيامة الصُّغرى، أو القِيامة العامة. الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: بَيان هذا التَّمثيلِ العَظيم في حال الناس ذلك اليومَ، ﴿إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ﴾. الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: أن هذه الحالِ عامَّة للمُؤمِنين وللكافِرين، دليل ذلك: عُموم قوله: ﴿إِذِ الْقُلُوبُ﴾، ثُم قوله: ﴿مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ﴾؛ فدَلَّ ذلِك على أن الآية عامَّة، ولكن لا يَلحَق المُؤمِنين شَرٌّ من ذلك اليَوْمِ؛ لقول الله تعالى: ﴿فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ﴾ [الإنسان: ١١]، ومُجرَّد الغَمِّ والهَمِّ لا يَلزَم منه الشَّرُّ والضرَر.

стр. 179

الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: أن القُلوب عند شِدة الخَوْف تَرتَفِع حتى تَبلُغ الحناجِر، وهذا يَشهَد به الواقِع، قال الله ﵎ في سورة الأَحْزاب: ﴿وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ﴾ [الأحزاب: ١٠]، والإنسان في نَفْسه أيضًا يُحِسُّ أنَّه إذا خاف خوفًا شديدًا، وكأَنَّ قَلْبه قد عُلِّق في حَنجَرته. الْفَائِدَةُ الثَّامِنَةُ: أن الناس في ذلك اليومِ مع شِدَّة الخَوْف يَمتَلِئون غَمًّا؛ لقوله: ﴿كَاظِمِينَ﴾، والغَمُّ هو: التَّحزُّن، أو التَّهيُّؤ لما يُستَقبَل، فالغَمُّ في المُستَقبَل، والهَمُّ والحُزْن في الماضِي. الْفَائِدَةُ التَّاسِعَةُ: تَقطُّع الأسباب بالظالمِين؛ فلا يَجِدون حميمًا ولا شفيعًا؛ لقوله: ﴿مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ﴾ [غافر: ١٨]، والمُراد بالظالمِين ما سبَقَ، وهُمُ الكافِرون. فإن قال قائِل: الظُّلْم أَعَمُّ من الكُفْر، فكيف فسَّرْتُمُ الظُّلْم هنا بالكُفْر؟ قُلْنا: لأنَّ الله تعالى قال: ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة: ٢٥٤]؛ ولأن ما دون الكُفْر من المَعاصِي تُمكِن فيه الشَّفاعة؛ فإن الشَّفاعة ثابِتة لأَهْل الكبائِر من هذه الأُمَّةِ. فإن قال قائِل: هل تَقَع الكبائر من الأنبياء؟ فالجوابُ: تَقَع، لكن يَتوبون منها، فإن موسى ﵇ قَتَل نفسًا بغير حَقٍّ، أو لم يُؤذَن له فيها، ويَقَع هذا سواءٌ قبل النُّبوَّة أو بعدها؛ ولهذا فهو ﵇ اعتَذَر بذلك في طلَب الشفاعة.

стр. 180

الْفَائِدَةُ الْعَاشِرَةُ: تَحذير هَؤلاء الكُفَّار من ذلك اليومِ؛ فإنهم في الدُّنيا يَجِدون مَن يُناصِرهم ويُواليهم، ويُساعِدهم ويُعاوِنهم، ولكن في الآخِرة لا يَجِدون شيئًا من ذلك. * * *

стр. 181

الآية (١٩) * قَالَ اللهُ : ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ [غافر: ١٩]. * * * قوله: ﴿يَعْلَمُ﴾ الفاعِل هو الله . وقوله: ﴿خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ﴾ هذا من باب إضافة الصِّفة إلى مَوْصوفها؛ أي: الأَعيُن الخائِنة، وخِيانة العَيْن مُسارَقتُها النَّظَر إلى الشيء المُحرَّم، يَعنِي: أن الإنسان قد يَنظُر إلى شيء مُحرَّم، وجليسه إلى جَنْبه لا يَشعُر بذلك؛ لأنه يُسارِقه النَّظَر؛ كأنما يَتحَيَّن الفُرَص في غَفْلة صاحِبه؛ حتى يَنظُر إلى ما حرَّم الله ، هذه واحِدة. ثانيًا: قد يَنظُر الإنسان النظَر بدون مُسارَقة بل بمُجاهَرة، ولا يُحِسُّ جَليسه أنَّه يَنظُر نظَرًا مُحرَّمًا، لذلك حذَّر الله من هذه الحالِ. قال المفَسِّر ﵀: [﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ﴾ بمُسارَقَتها النظَر إلى محُرَّم ﴿وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾: القُلوب]. فسَّر المفَسِّر ﵀ الصُّدور بالقُلوب؛ لأنَّها في الصُّدور كما قال الله تعالى: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج: ٤٦]، فبَيَّن الله هنا دِقَّة عِلْمه، ولُطْف عِلْمه بأنّه يَعلَم حتى هذه الحالَ التي لا يَعلَمها الناس الذين يُشاهِدون، يَعلَم خائِنة الأَعيُن وما تُخفِي الصُّدور. * * *

стр. 182

الآية (٢٠) * قَالَ اللهُ : ﴿وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [غافر: ٢٠]. * * * قوله: ﴿وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ﴾ الجُمْلة مَعطوفة على قوله: ﴿يَعْلَمُ﴾ و ﴿يَقْضِي بِالْحَقِّ﴾ أي: يَحكُم به شَرْعًا وقدَرًا؛ لأنَّ القَضاء - أَعنِي: قَضاء الله على قِسْمين: قَضاء كَوْنيٍّ؛ كقوله تعالى: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا﴾ [الإسراء: ٤]، وقَضاء شَرْعي؛ كقوله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء: ٢٣]، "قَضَى" يَعنِي: قضاءً شَرْعيًّا، ومَعناها: وصَّى ربُّك ألَّا تَعبُدوا إلَّا إيَّاه؛ فهنا يَقول: ﴿وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ﴾ والمُراد هنا الأَمْران جميعًا؛ أي: أنَّه يَقضِي قضاءً كَوْنيًّا بالحقِّ؛ فليس في قَضائه الكونيِّ عبَث ولا لَعِب: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ (٣٨) مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [الدخان: ٣٨ - ٣٩]. وكذلك يَقضِي قَضاء شَرْعيًّا بالحَقِّ؛ فقَضاؤُه الشَّرْعي كلُّه حقٌّ؛ لأنه خير فيَأمُر به، أو شَرٌّ فيَنهَى عنه، وهذا هو الحقُّ إذَنِ الله يَقضِي بالحَقِّ بالنَّوْعين: القَضاء الكَوْني، والقَضاء الشَّرْعي. وقوله: ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ﴾ الواو هنا عاطِفة، ويَجوز أن تَكون استِئْنافية. قال المفَسِّر ﵀: [﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ﴾ يَعبُدون؛ أي: كُفَّار مَكَّة، بالياء والتاء]،

стр. 183

هنا: تَفسير لكلِمة ﴿يَدْعُونَ﴾، وتَفسير للضَّمير الواو، وقِراءة؛ أمَّا القِراءة فذكَر المفَسِّر أن فيها قِراءَتَيْن: القِراءة الأُولى ﴿يَدْعُونَ﴾ [غافر: ٢٠] بالياء، والقِراءة الثانية: "تَدْعُونَ" بالتاء على سَبيل المُخاطَبة، وكِلاهما قِراءتان سَبْعيَّتان، وأمَّا ﴿يَدْعُونَ﴾ ففسَّرها بكلِمة [يَعبُدون]، والصواب: أن المُراد بها يَعبُدون ويَسأَلون؛ لأنهم هُمْ يَعبُدون الأصنام ويَسأَلونها، يَسأَلونها جَلْب المَنافِع ودَفْع المَضارِّ، ويَعبُدونها أيضًا بالرُّكوع والسُّجود والنُّذور وغير ذلك. وأمَّا الواو ففَسَّرها المفَسِّر بكُفَّار مكَّةَ؛ فجعَل الضمير عائِدًا إلى كُفَّار مكَّةَ، وهنا نَسأَل: هل لا يُوجَد أحَدٌ يَعبُد الأصنام ويَدعو الأصنام إلَّا كُفَّار مكَّةَ؟ الجَوابُ: يُوجَد مِنهم ومِن غيرهم، وإذا كان كذَلِك فإن تَفسير العامِّ بالخاصِّ نَقْص في التَّفسير، فالتَّفسير المُطابِق للواو، أن تَكون عامَّة لكُلِّ مَن يَدعو من دون الله من كُفَّار مكَّةَ، أو كُفَّار المدينة، أو كُفَّار الطائِف، أو كُفَّار العِراق، أو كُفَّار الشام، أو كُفَّار هذه الأُمَّةِ، أو كُفَّار مَن قَبلَها، عامَّة، كل مَن يَدعو من دون الله فإنَّه يَدعو مَن لا يَقضِي بشيء. فإن قال قائِل: في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ﴾ حمَلَها المفَسِّر على أهل مكَّةَ، وقد تقدَّم أيضًا أنَّ المُشرِكين دائِمًا يَحمِلها المفَسِّر على أهل مكَّةَ، رُبما أن السُّورة نزَلَت في مكَّةَ، ورُبما المفَسِّر حمَلها على هذا؟ فالجَوابُ: لكن لا يَصِحُّ هذا، فالعِبرة بعُموم اللَّفْظ لا بخُصوص السبب. هو له وجهة نظَر، وأقوَى من هذه الوِجهةِ قوله: ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا﴾ بعد الآية هذه، لكن نحن نَقولُ: العِبْرة بعُموم اللفظ، والسبَب لا يُخصِّص العامَّ، وإذا ذُكِر حُكْم يتعلق ببعض أفراد العامِّ، لا يَقتَضي تَخصيصه أيضًا. كما هي القاعِدة. وقوله: ﴿مِنْ دُونِهِ﴾؛ أي: من دون الله، والدُّونُ هنا بما سِوى؛ أي: مَا سِوى

стр. 184

الله وهُمُ الأصنام هنا، قال المفَسِّر ﵀: [وهُمُ الأصنام] وكان مُقتَضى اللُّغة العرَبية أن يَقول: وهي الأَصْنام؛ لأنَّ الجَمْع لغير ما يَعقِل لا يَعود عليه ضَمير ما يَعقِل، و (هم) للعُقَلاء، ولكن المفَسِّر عدَل عن الأصل، وهي الأَصْنام لمُراعاة قوله: ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ﴾ و (الذين) هذه للعاقِل، وذلك أن الله تعالى جعَل هذه المَعبوداتِ نزَّلها مَنزِلة العُقَلاء، ومع كونها مُنزَّلة مَنزِلة العُقَلاء لا تَقضِي بشيء. قوله: ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ﴾ [غافر: ٢٠]، ولم يُقابِل هذه الجُملةَ بالجُمْلة التي قَبلَها، بل جعَلَها أعَمَّ، في الجُمْلة الأُولى قال: ﴿وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ﴾، وهنا قال: ﴿لَا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ﴾ ولم يَقُل: لا يَقضُون بالحقِّ، إشارة إلى أنها لا تَقضِي لا بحَقٍّ ولا بباطِل؛ فلَيْسَت أهلًا لأنَّ تُعبَد من دون الله ، لا يَقضون بشَيْء أبَدًا، لا شَرْعٍ، ولا قدَرٍ، ولا حقٍّ، ولا باطِلٍ. قال المفَسِّر ﵀: [﴿لَا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ﴾ فكيف يَكونون شُرَكاءَ لله؟ ! ] هذا مَحَطُّ النَّفْي، يَعنِي: إذا كانت هذه الأصنامُ لا تَقضِي بشيء فكيف تُجعَل شَريكةً لله؟ ! وهذا يَعنِي: تَوْبيخ هؤلاءِ الذين يَعبُدون هذه الأصنامَ من دون الله. قال المفَسِّر ﵀: [﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ﴾ لأَقْوالهم ﴿الْبَصِيرُ﴾ بأَفْعالهم]، و (هو) في قوله: ﴿هُوَ السَّمِيعُ﴾، يَجوز أن تَكون ضَميرَ فَصْل، ويَجوز أن تَكون مُبتَدَأ، والجُمْلة خبَر (إن)، لكن هي ضَمير فَصْل أحسَنُ منها مُبتَدَأ. من فوائدِ الآيةِ الكريمةِ: الْفَائِدَةُ الأُولَى: إثباتُ أن قَضاء الله تعالى كلُّه حَقٌّ، لقوله: ﴿يَقْضِي بِالْحَقِّ﴾ سواءٌ كان القَضاء كونيًّا أم شَرْعيًّا.

стр. 185

الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: الثَّناء على الله بهذه الصِّفةِ الكامِلة، وهي قَضاء الحَقِّ، وأنه لا يَفعَل شيئًا سُدًى أو عبَثًا، بل كلُّ ما يَقضيه فإنَّه حقٌّ. الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: التَّنديد بعُبَّاد الأَصْنام؛ حيث عبَدوا مع الله مَن ليس بشيء بالنِّسْبة لله ؛ لقوله: ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَقْضُونَ﴾. الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أن هَذه الأصنامَ لا تَنفَع عابِديها إطلاقًا؛ لقوله: ﴿لَا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ﴾ و (شيء) نكِرة في سِياق النَّفيِ؛ فتَعُمُّ كلَّ شيء. فإن قال قائِل: إن مِن القَوْم الَّذين يَدْعون مع الله إلهًا آخَر مَن إذا دَعَوْا هذه الأصنامَ أَجابَتْهم، فإذا دعَوْها بكَشْف الضُّرِّ انكَشَف الضُّرُّ عنهم، ومن الناس مَن إذا خالَف هذه الأصنامَ أُصيب ببَلاء، فما هو الجَوابُ؟ . فالجَوابُ: أن يُقال: هذا الذي يَحصُل، يَحصُل من الله ، لا من هذه الأصنامِ، ابتِلاءً وامتِحانًا، ويُقال فيه: إنه حصَل عند ذلك لا به، يَعنِي: حصَل هذا القَضاءُ من الله عند دُعاء هذه الأَصنامِ، لا بدُعاء هذه الأصنامِ. فان قال قائِلٌ: لماذا تَعدِلون عن السبب الظاهِر إلى سبب آخَرَ لا يُعلَم؟ قلنا: عدَلْنا إلى ذلك؛ لقول الله ﵎: ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ﴾ [غافر: ٢٠]؛ ولقوله تعالى: ﴿إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ [فاطر: ١٤]، ولقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ (٥) وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ [الأحقاف: ٥ - ٦]. وإلَّا فإن العامِّيَّ قد يَأْتي إلى صاحِب القَبْر، ويَقول: يا سَيِّدي، يا وَلِيَّ الله،

стр. 186

يا مَوْلايَ، أَنقِذْني من هذه البَليَّةِ، أَنقِذْني من هذه الضائِقةِ، فيَذهَب إلى بيته ويَجِد أن الأَمْر قدِ انفَرَج، وسَوْف يُضيف هذا الانفِراجَ إلى السبب الظاهِر، الذي قام به، وهو دُعاء هذا القَبْر حتى انفَرَجت عنه الغُمَّة؛ فنَقول: هذه فِتْنة، ونَعلَم عِلْم اليَقين أنَّه - أي: صاحِب القَبْر - ليس هو الذي كشَف الضُّرَّ، وإنَّما الذي كشَفه الله ، لكن حصَل الكَشْف عند دُعاء صاحِب القَبْر، لا بدُعائه. انتَبِهوا لهذا؛ لأنه دائِمًا يُورِد علينا أصحابُ القُبور هذه الشُّبْهةَ، يَقول: أنا دعَوْت السَّيِّد الفُلانيَّ فاستَجاب لي، وانكَشَفتِ الغُمَّة. فإن قال قائِل: ما يَحصُل لعُبَّاد القبور من الابتِلاء والامتِحان، لو قلنا لهم: إنَّ الله يَقول كذا، ويَقول كذا؛ لا يَقتَنِعون، والإنسان المُؤمِن بالقُرآن المُقِرُّ هذا يَقتَنِع بالآيات، لكن هؤلاء لا يَقتَنِعون بالقُرآن؟ . فالجوابُ: غالِب أصحاب القُبور مُسلِمين، يَرَوْن أنَّهم على إسلام، ويُؤمِنون بالقُرآن. المُهِمُّ: أن الله تعالى قد يَجعَل الشِّفاء عَقِب دُعاء صاحِب القَبْر ابتِلاءً وامتِحانًا؛ فيُصدِّق الإنسان بالحِسِّ، ويُكذِّب الشَّرْع، يُصدِّق بالحِسِّ وهو بِناء هذا الأَمْر على الشيء الظاهِر، ويُكذِّب بالشَّرْع. فإن قال قائل: بعض الناس يدعو ويقول: هذا حصَل بدُعاء الرسول ﷺ ؟ فالجواب: أبَدًا لم يَحصُل، الرسول لا يَملِك هذا أبَدًا في حَياته، ربما يُريهم الله آيةً من آيات الرسول فيَحصُل مثل هذا، كما حصَل في عَيْن أبي قَتادةَ أن أُصيبَت فنُدِرت حتى صارَت على خَدِّه؛ فأَدخَلها النبيُّ ﵊ في مَكانها، والْتَأَمَت في الحال. وهذه آيَة من آيات الله، لكن هذه في حَياته، أمَّا بعدَ مَماته فلا.

стр. 187

فإن قال قائِل: هل لهذا نَظائِرُ؟ قلنا: نعَمْ، قد يَبتَلِي الله الإنسانَ بتَيْسير أَسباب المَعْصية، ابتِلاءً؛ ليَعلَم الله مَن يَخافُه بالغيب، كما ابتَلى بني إِسرائيلَ بالحِيتان؛ حرَّم الله عليهم صَيْد الحوت في يوم السَّبْت، وابتَلاهم، فكانَتِ الحِيتان في يوم السَّبْت تَأتِي شُرَّعًا على الماء بكَثْرة، وفي غير يوم السَّبْت لا تَأتِي، فطال عليهم الأمَدُ، وقالوا: لا بُدَّ أن نَصطاد هذا السمَكَ، ولكن يوم السَّبْت محُرَّم علينا، فماذا العمَلُ؟ قالوا: هناك حِيلة - واليَهود أصحاب حِيَل - ضَعوا شبَكة يوم الجُمُعة، وتَأتِي الحِيتان يوم السَّبْت تَدخُل، وخُذوا الحِيتانَ يوم الأحَد، وقولوا لله: إنَّنا لم نَصطَد يوم السَّبْت؛ فماذا عُومِلوا به؟ ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ [البقرة: ٦٥]، قلَبَهم الله إلى شيء يُشبِه الإنسان وليس بإنسان؛ كما صنَعوا شيئًا يُشبِه الحِلَّ وليس بحِلٍّ، جَزاءً وِفاقًا. هذه الأُمَّةُ حرَّم الله عليهم الصيد في حال الإحرام؛ فابتَلاهُمُ الله، بدَأَت الصُّيود تَأتِي بكَثْرة، الصيد الطائِر يَناله الرُّمْح، والصيد الزاحِف تَناله اليَدُ ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ﴾ [المائدة: ٩٤] فصارَتِ الصُّيود الطائِر يَنالُه الإنسان برُمْحه، مع أنَّه لا يُنال الطائِرُ إلَّا بالسَّهْم، والزاحِف باليَدِ؛ فالصحابة ﵃ تَجنَّبوا هذا، لا أَمسَكوا باليَدِ، ولا صادوا بالرُّمْح. فأَنْت احْذَرْ يا أيُّها المُسلِم، واحذَرْ أن تَنخَدِع، إذا تَيسَّرَت لك أسباب المَعْصية؛ فان الله تعالى قد يَبتَليك، ربَّما يَبتَلي الله الإنسانَ بوَظيفة، يَستَطيع أن يَسرِق فيها من بيت المال، إمَّا سرِقة حَقيقية - يَعنِي: يَأخُذ دَراهِمَ - وإمَّا سرِقة غير مُباشِرة، بأن

стр. 188

يَتأخَّر عن الدوام، أو يَتعَجَّل في الخُروج؛ لأنَّ مَن فعَل ذلك فهو سارِق. وإذا قدَّرنا أنَّه يَتأخَّر عن الدوام بمِقدار السُّدُس، أو يَتعَجَّل بمِقدار السُّدُس، فقد سرَق سُدُسًا؛ لأنه إذا تَأخَّر السُّدُس لا يَستَحِقُّ من الراتِبة إلَّا خمسة أَسداس فقَطْ، والباقِي يَأخُذه بغَيْر حقٍّ، هو مُطمَئِنٌّ لأنه ليس فَوقَه أحَد، هو المُدير مثَلًا، أو مُطمَئِنٌّ؛ لأنَّ مُديرُه يَتأخَّر، ومَعلوم أن المُدير إذا كان يَتَأخَّر وتَأخَّر مَن تَحتَه أنَّه لا يَقول لهم شَيئًا؛ لأنه لو قال لهم شَيئًا فضَحَ نَفْسه. إِذَنِ: احذَرْ أن تَغتَرَّ إذا يسَّر الله لك أسباب المَعْصية، فإن الله يَعلَم خائِنة الأعيُن وما تُخفِي الصُّدور، لا تَغتَرُّ بهذا الشيءِ. الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: النِّداء الصارِخ على سَفاهة هَؤلاءِ القَوْمِ الذين يَعبُدون من دون الله؛ لكونهم عدَلوا عن عِبادة مَن يَقضِي بالحَقِّ إلى عِبادة مَن لا يَقضِي بشَيْء، وهذا في غاية السَّفَه. الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: إثبات اسمَيْن من أسماء الله، هُما السميع والبصير، وإثبات ما دَلَّا عليه من صِفة، وإثبات ما دَلَّا عليه من أثَرٍ، أو من حُكْم؛ وذلك أن أسماءَ الله لا يَتِمُّ الإيمان بها إلَّا بالإيمان بأمور ثَلاثة، إذا كانت مُتعدِّية، الأوَّل: إثبات الاسم، والثاني: إثبات ما دَلَّ عليه من الصِّفة. والثالث: إثبات ما دَلَّ عليه من أثَرٍ، أو من حُكْم. هذا إذا كان مُتَعدِّيًا، أمَّا إذا كان لازِمًا، فلا يَتِمُّ الإيمان به إلَّا بأَمْرين: إثبات الاسم، وإثبات ما دَلَّ عليه من صِفة. فقوله: ﴿السَّمِيعُ﴾ مُتَعَدٍّ، قال الله تعالى: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ﴾ [المجادلة: ١]، ثمَّ قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا﴾ [المجادلة: ١] مُتَعدٍّ. إِذَنْ: لا بُدَّ أن تُؤمِن بالسَّميع اسمًا من أسماء الله.

стр. 189

فإن قال قائِل: ما الفَرْق بين اللازِم والمُتعدِّي؟ فالجَوابُ: اللازِمُ ما لا يَنصِب المَفعول به، والمُتعدِّي ما يَنصِبُ المَفعول به. فـ (سَمِع) تَنصِب المَفعول، مثل: "عَظُمَ" لا يُمكِن أن تَتَسلَّط عظُم على شيء، عَظُمَ هو بنفسه، أمَّا "عَظَّمَ" صَحيح مُتعدٍّ، لكن "عَظُمَ" لازِمة لا شَكَّ، "جَلَّ" لازِمة، فـ"العظيم" من أسماء الله اللازِمة، و"العَليُّ" من أسماء الله اللازِمة، و"الجَليل" من أسماء الله اللازِمة. فإن قال قائِل: ما هو الفَرْق بين الأفعال اللازِمة التي تَتَعدَّى بحرف الجَرِّ والتي تَتَعدَّى بنفسها؟ فالجَوابُ: يَقولون: ما تَعدَّى بنفسه فهو مُتعَدٍّ، وما لم يَتعَدَّ إلَّا بحَرْف جرٍّ فهو لازِمٌ؛ يَعنِي: الذي يَنصِب المَفعول به هو المُتعَدِّي. وبعضُهم أيضًا قال: هناك علامة ثانية. فهو له عَلامات منها هذه، ومنها أنَّه يَصِحُّ منه صَوْغ اسم المَفعول المُتعدِّي، وهذا لا يَصِحُّ منه صَوْغ اسم المَفعول إلَّا بمُتعلَّق. فإن قال قائِل: هل السَّميع صِفة ذاتٍ أو صِفة فِعْل؟ فالجَوابُ: السَّميع صِفة ذاتٍ، لكن الذي يَحدُث المَسموع، أمَّا السَّمْع فلَمْ يَزَل الله ولا يَزال سَميعًا، لا يَتَعلَّق بمَشيئته، وإذا أَرَدْت أن تَعرِف الفَرْق؛ فإن كان يُمكِن أن يَتَخلَّى الله عن هذه الصِّفةِ فهي صِفة فِعْل، وإذا كان لا يُمكِن فهي صِفة ذات، ومَعلوم أنَّه لا يُمكِن أن يَتخلَّى الله عن صِفة السَّمْع؛ فيَكون أصمَّ، فإنَّ الله مُنزَّهٌ عن ذلك، لكن الذي يَحدُث هو المَسموع. ولكن هل هُناك أحَدٌ أَنكَر الأسماء؟

стр. 190

الجوابُ: نعَمْ، هناك من المُعطِّلة المُنتَسِبين للمِلَّة الإِسلامية مَن يُنكِر أسماء الله تعالى. الأمر الثاني: أن تُؤمِن بما دَلَّ عليه من صِفة وهي السَّمْع، فليس الله تعالى سَميعًا بلا سَمْع، بل هو سَميع بسَمْع، وهل أحَدٌ أَثبَتَ الاسم دون الصِّفة؟ الجوابُ: نعَمِ، المُعتَزِلة، وقاعِدتُهم: إثباتُ الأسماء وإنكارُ الصِّفات التي دلَّتْ عليها هذه الأسماءُ؛ فيَقولون: إن الله سَميع بلا سَمْع، بَصير بلا بصَر. سُبحانَ الله! كيف بَصيرٌ بلا بصَرٍ؟ ! قال: نعَمْ بَصير بلا بصَرٍ، لأنك إذا أَثبَتَّ البصَر فالبصَرُ صِفة زائِدة على الذات. أي: نعَمِ الصِّفة غيرُ المَوْصوف زائِدة على الذات. فإن قلت: إنها قَديمة. أَثبَتَّ تَعدُّد القُدَماء، وصِرْت أَكفَرَ من النَّصارى، فالنصارى أَثبَتوا ثلاثة آلهِة، أنتَ الآنَ تُريد أن تُثبِت خَمسين إِلهًا أو أكثَرَ، بقَدْر الأَسماء التي أَثبَتَّ لها الصِّفة، وهذا كُفْر، فإذا كفَّرْنا النَّصرانيَّ بثَلاثة وقُلنا: كافِر. نَقول: أنت كافِر، كافِر، كافِر. اضرِب ثلاثة حتى تَصِل إلى الأسماء، أنت أَكفَرُ من النَّصْراني إذا أَثبَتَّ صِفة قديمة، وإن أَثبَتَّها حادِثة لزِم من ذلك قيام الحَوادِث بالله، والحَوادث لا تَقوم إلَّا بحادِث، فتَكون أنت أَثبَتَّ أن الله مَخلوق، وأنه حادِث. فما بالُكم إذا صِيغ هذا الكَلامُ بكلام أفصَحَ من كلامِي وأَبلَغَ؛ أفلا يَنخَدِع به الجُهَّال؟ يَنخَدِعون به لا شَكَّ، لكننا نَقول: إن الله تعالى سَميع بسَمْع، ولا يُعقَل أن يَكون مُشتَقٌّ بدون ما اشتُقَّ منه أبَدًا، إذ لا يَصِحُّ أن تَقول للأصَمِّ: إنه سَميع. ولا للأَعْمى: إنه بَصير. لا يُمكِن أن يُوجَد اسم مُشتَقٌّ في جميع لُغات العالَم إلَّا والأصل المُشتَقُّ منه سابِق عليه.

стр. 191

وأمَّا قولكم: إن الصِّفة غير المَوْصوف، فإننا نَقول: إن الله تعالى لم يَزَل ولا يَزال بصِفاته، ولا يُوجَد ذاتٌ بلا صِفاتٍ إطلاقًا، مَن ادَّعَى أنَّه يُوجَد ذاتٌ بلا صِفةٍ، فقَدِ ادَّعى المُحال، ما من مَوْجود إلَّا وله صِفة، لو لم يَكُن من صِفاته إلَّا صِفة الوُجود، والقِيام بالذات، وما أَشبَه ذلك، فما من مَوْصوف إلَّا وله صِفة، لكن المَوْصوف صِفاته ليسَت شيئًا بائِنًا منه؛ ولهذا لا نَقول: إن صِفاتِ الله هي الله، ولا نَقول: إنها غيرُ الله. بل نَقول: إن الله بصِفاته. لأنَّك إذا قلتَ: إن الصِّفاتِ هي الله، صار مَعناه: أنَّه لا صِفةَ له، وإذا قلتَ: إنها غيرُه. أَبَنْتَ الصِّفة عن المَوْصوف، وهذا مُستَحيل. إِذَنِ: الإيمان بالاسم لا بُدَّ أن تُؤمِن بما تَضمَّنه من صِفة، وتَضمَّنه للصِّفة قد يَكون تَضمُّنًا وقد يَكون التِزامًا، فنُؤمِن بالصِّفة التي دلَّ علَيْها تَضمُّنًا والتِزامًا، فمثَلًا: الخالِق اسمٌ دلَّ على صِفة الخَلْق، فدَلالته على صِفة الخَلْق بطَريق التَّضمُّن، ودَلالته على العِلْم التِزام؛ لأنه لا خَلْقَ إلَّا بعِلْم، ودَلالته على القُدرة التِزام أيضًا؛ لأنَّه لا خَلقَ إلَّا بقُدْرة. إِذَنْ: تُؤمِن بما دلَّ عليه الاسم من صِفة سواء كانَت تَضمُّنًا أو التِزامًا. الأمر الثالِث: إذا كان الاسمُ مُتَعدِّيًا الأثَر أو الحُكْم، فمِثْل السَّميع ذو السَّمع، الذي يَسمَع، لا بُدَّ أن تُؤمِن بسَمْع يَتَعدَّى للغير، فيَسمَع كلَّ قول، البَصير كذلك مُتَعدٍّ، تُؤمِن بالبَصير اسمًا وبالبصَر صِفةً، وبأنه يُبصِر حُكْمًا أو أثَرًا، أمَّا إذا كان الاسم لازِمًا؛ فإنه يُؤمِن بأمرين: الأوَّل الاسم، والثاني: الصِّفة. الحيُّ: وَصْف لازِم، والحَياة وَصْف لازِم لا يَتَعدَّى لغير الله؛ فالحيُّ إِذَنِ اسمٌ من الأسماء اللازِمة، فتُؤمِن بالحَيِّ اسمًا من أسماء الله، وتُؤمِن بالصِّفة التي دَلَّ عليها الحيُّ وهي الحياة.

стр. 192

إذا آمَنَّا بهذا خالَفْنا كل أهل التَّعْطيل، خالَفْنا مَن لا يُسمِّي الله باسْمٍ، ولا يَصِفه بصِفة، وهؤلاء غُلاةُ الجَهْمية، وخالَفْنا مَن يُؤمِن بأن لله أسماءً ولكن لا صِفاتِ له، مثل: المُعتَزِلة، وخالَفْنا مَن يقول: له أسماءٌ وصِفاتٌ، لكن ليس لها حُكْم، لا يَتَعدَّى؛ لأنه لو تَعدَّى إلى الغير لزِم قِيام الحوادِث به، إِذْ إنَّ المَسموع حادِث، فإذا تَعلَّق السَّمْع بحادِث صار السَّمْع حادِثًا حُدوث المَسموع، فلزِم قِيام الحوادِث به، إِذَنْ قُلْ: هو سَميع له سَمْع، لكن لا يَسمَع به، لئَلَّا تَقوم به الحَوادِث؛ فإذا أَتَيْنا على هذه الشروطِ الثَّلاثة: ١ - الإيمان بالاسْمِ. ٢ - بما تَضمَّنه من صِفة. ٣ - بالأَثَر أو الحُكْم. صحَّ إيمانُنا بالأسماء. أمَّا السَّميع والبَصير فقد سبَقَ لنا مَعناهُما، وذكَرْنا أنَّ السَّميع يَدُلُّ على السَّمْع، وأنَّ سَمْع الله تعالى نوعان: الأوّل: سَمْع بمَعنَى: الإجابة، مثل قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾ [إبراهيم: ٣٩]، والسَّمْع يَأتِي بمَعنَى الاستِجابة في اللُّغة العرَبية، والدليلُ: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ﴾ أي: لا يَستَجيبون. ومنه قولُ المُصلِّي - وأنتُمْ كل يَوْم تُصلُّون على الأقَلِّ سبعَ عشْرَةَ رَكعةً، وتَقولون -: سمِعَ الله لمَن حَمِدَه. ومَعناها: استَجاب. ليس المعنى مجُرَّد سَماعه لمَن حَمِده، لأنَّ هذا لا يُفيد شَيْئًا، لكن مَعناها استَجاب، هذا سَمْع بمَعنى الاستِجابة.

стр. 193

الثاني: سَمْع بمَعنى إدراك المَسموع، وهذا يَنقَسِم إلى ثلاثة أقسام: الأوَّل: ما يُراد به التَّهديد، والثاني: ما يُراد به التَّأييد، والثالث: ما يُراد به بَيانُ شمول سَمْع الله؛ يَعنِي: سَمْع الإحاطة. مِثال الأوَّل الذي يُراد به التَّهديد: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ﴾ [الزخرف: ٨٠]؛ ولهذا قال: ﴿بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾. ومِثال سَمْع التَّأْييد: قولُه تعالى لموسى وهارُونَ: ﴿لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه: ٤٦]. ومثال ما يُراد به سَمْع الإحاطة، مِثْل قوله تعالى: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا﴾ [المجادلة: ١]. فإن قال قائِل: ألَا يَشمَل قوله تعالى: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ سَمْع إحاطة؟ فالجوابُ: السَّمْع هنا سَمْع إحاطة، لكنه يُراد به النَّصْر والتَّأييد، لأنَّ مُجرَّد الإحاطة حتى فِرعونُ يَسمَعه الله . فصار يُقسِّم السَّمْع إلى قِسْمين: سَمْع إجابة وسَمْع إدراك؛ والإدراك ثلاثة أقسام، وإن شِئْت فقُلْ: ثلاثة أنواع؛ لئَلَّا تَتَداخَل الأقسام: سَمْعٌ يَقتَضي التَّهديد، وسَمْع يَقتَضي التَّأييد، وسَمْع لبيان الإحاطة. وكلُّ هذا ثابِت لله . فإن قال قائِل: ما الذي يُعيِّن أنَّ هذا السَّمعَ للتَّأييد أو للتَّهديد أو للإِحاطة؟ قُلنا: سِياق الكلام وقرائِن الأحوال؛ ولهذا يُمكِن أن يُقال في قول الله تعالى لموسى وهارونَ: ﴿لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ يُمكِن أن يُقال: إن هذا

стр. 194

السَّمعَ للتَّأييد والتَّهديد؛ تَأييد موسى وهارونَ، وتَهديد فِرعونَ، لكن يَمنَع من القول بأنّه من تَهديد فِرعونَ، أنَّ فِرعونَ لم يَكُن يَسمَع هذا الكلامَ من الله، فكيف يُهدَّد مَن لا يَسمَع التَّهديد؟ ! ولهذا قال العُلَماء: إن السَّمْع في هذه الآيةِ للتَّأييد، ولم أَرَهُم قالوا: إنه للتَّهديد، ولا لتَهديد فِرعونَ، ووَجهُ ذلك أن فِرعونَ الآنَ ليس يَسمَع ما يَقول الله ، فكيف يُهَدَّد مَن لا يَسمَع التَّهديد؟ ! . أمَّا البَصير فهو بمَعنى: ذو البَصَر الثاقِب، الذي لا يَغيبُ عن نظَره شيءٌ أيُّ حرَكة وأيُّ فِعْل فإن الله تعالى يُبصِره. وإذا كان يُبصِر كلَّ شيء، فكَيْف مَوقِفنا في مثل قوله: "ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمُ الله، وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ، وَلَا يُزَكِّيهِمْ" (١) قال: "وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ" فنَفى النظَر إليهم، نَقول: النظَر المُثبَت غير النظَر المَنفيِّ، المَنفيُّ هو نظَر الرَّحمة، والمُثبَت نظَر الإحاطة؛ فالله تعالى يَنظُر كلَّ شيء نظَر إحاطة، حتى المَغضوب عليهم، مَنْظُورون أمام الله ، لكن نظَر إحاطة، وأمَّا المَنفيُّ فهو نظَر الرَّحمة، "لَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ" وبهذا تَلتَئِم الأدِلَّة، ويَتبيَّن أنَّه لا تَعارُضَ بينها. وهناك بصَر بمَعنَى العِلْم، لكن المُتبادِر منه الرؤية كما سبَق. فإن قال قائِل: نظَر الرَّحمة هل هو نَفْس رحمة الله ، وما المَقْصود بالنظَر؟ فالجَوابُ: المَقصود أنَّ الله يَنظُر إليه نظَرًا يَرحَمه به، ليس هو بنَفْس الرَّحمة، ولهذا تُفرِّق الآنَ بين النَّظَر إلى ولَدِك الذي أَرضاك، والنظَر إلى ولَدِك الذي أَغضَبك، ولَدُك الذي أَرضاك تَنظُر إليه نظَرًا بارِدًا، وهو يَشْعُر بأنَّ عينَك قد قرَّت به - قرَّتْ

стр. 195

من القَرِّ، وليس من القَرار، من القَرِّ وهو البُرودة؛ ولهذا: أقَرَّ الله عينَك. أي: برَّدها ليسَت من أَقرَّها سكَّنها حتى لا تَتَحرَّك -؛ والولَد الذي غضِبْت عليه إذا نظَرْت إليه تَكون عينُك حارَّة حَمراءَ، يَظهَر منها الشرَر، يَكاد يُعمِي الولَد. وإن قيل: ألَا يَجوز التَّعبير إذا قلنا: إن هذا العمَلَ أقرَبُ إلى نظَر رحمة الله. فالجَوابُ: لا يَصِحُّ "نظَر رحمة الله"، الرحمة لا تُنظَر، والصوابُ: "أَقرَبُ إلى رحمة الله". فإن قال قائِل: هل نَفيُ الصِّفات كُفْر؟ فالجَوابُ: لا، نَفيُ الصِّفات يَنقَسِم إلى قِسْمين: نَفي جُحود، وهذا كُفْر، ونَفْي تَأويل، وهذا منه ما هو كُفْر، ومنه ما هو دون ذلك. فإذا قال القائِل: إن الله لم يَستَوِ على العَرْش فهذا كُفْر جُحود، جحَد كذَّب الخبَر، وإذا قال: إن الله استَوَى على العَرْش، ولكن مَعنى استَوَى استَوْلى، فهذا جَحْد التَّأْويل، قد يَكون كُفْرًا مُخرِجًا عن المِلَّة، وقد يَكون دون ذلك، حسب ما تَقتَضيه القواعِدُ الشَّرْعية. مسألَةٌ: ما هي أسماء الكُتُب التي تَتَحدَّث عن الأسماء والصِّفات؟ فالجَوابُ: الكُتُب مُتعدِّدة ومُختَلِفة في المَنهَج، فمثَلًا مُجرَّد الإثبات - إثبات العَقيدة - من أَحسَن ما يَكون (العَقيدة الواسِطية)؛ لأنها كلها مَبنيَّة على آيات وأَحادِيثَ، أمَّا من جهة المُناقَشة والمُحاجَّة فمن أَحسَن ما رأَيْت (الصواعِق المُرسَلة) لابن القَيِّم، ومُختَصَره، هذا من أَحسَن ما يَكون لطالِب العِلْم في المُناقَشة، فهذا مُفيد

стр. 196

لأنه يَذكُر ﵀ أُمَّهاتِ المَسائِل التي فيها الخِلاف، ثُم يُجادِل هؤلاء حتى يَتبيَّن الحَقُّ، و (مُختَصَر الصواعِق المُرسَلة) بهذا الاسم، للمَوْصِليِّ. * * *

стр. 197

الآية (٢١) * قَالَ اللهُ : ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ كَانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ﴾ [غافر: ٢١]. * * * قوله: ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ هذا النَّظْمُ مَوجود في القرآن كثيرًا، أن تَأتِيَ أداة الاستِفْهام وبعدها حَرْف العَطْف ثُم الجُملة، وقد اختَلَف المُعرِبون في كيفية إعراب هذا النَّظْمِ وهذا التَّرْكيبِ، فقال بعضُهم: إن التَّقدير: وألَمْ يَسيروا في الأرض؛ فتَكون الواو عاطِفة على ما سبَقَ، وتَكون الهَمزة داخِلة على جُملتها، مُصَدَّرَةً الجُملةُ بها، وهذا القولُ لا يَحتاج إلى تَقدير، لكنه يَرِدُ عليه أنَّ الهمزة مُتقدِّمة على حرف العَطْف، فأَجابوا عن ذلك بأن الهَمْزة مُقدَّمة، وقالوا: إنَّ تَقديمها في مِثْل هذا سائِغ. والقول الثاني للمُعرِبين: أن الهَمْزة داخِلة على شيء مُقدَّر، وأنَّ حرف العَطْف عاطِف على ذلك المُقدَّرِ، وحينئذٍ نَحتاج إلى تَعْيين ذلك المُقدَّرِ، ولا يُعيِّنه إلَّا السِّياق؛ فيُقدَّر ذلك المَحذوفُ بحَسب ما يَقتَضيه السِّياق، فمثَلًا: يُقال: ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا﴾ أَفرَطوا ولم يَسيروا في الأرض، أو: أَغفَلوا ولم يَسيروا في الأرض، أو ما يُؤدِّي إلى هذا المَعنَى. وقوله: ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ هل المُراد سَيْرُ القُلوب بالنظَر والتَّأمُّل والتَّفكُّر، أو المُراد سَيْر الأقدام، حتى يَقِف الإنسان على ما حصَل للأُمَم السابِقة بعيني رأْسِه؟

стр. 198

الجوابُ: كِلاهما؛ فمَن لم يَتَيسَّر له أن يَسير بقدَمه فلْيَسِر بقَلْبه، ولكن طريق سَيره بقَلْبه أن يَقرَأ تاريخ الأمَم السَّابِقة، وحينئذٍ يَثبُت هذا التاريخُ بطريقين فقَطْ: الطريق الأوَّل: القُرآن. والطريق الثاني: السُّنَّة الصحيحة عن رسول الله- صلى الله عليه وعلى آله وسلم-. فإن الله قال فيمَن سبَقَ: ﴿الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ﴾ [إبراهيم: ٩] وإذا كان لا يَعلَمهم إلَّا الله؛ فإن مَصدَر التَّلقِّي لأخبارهم من عند الله، أو من رسوله- صلى الله عليه وعلى آله وسلم-. أمَّا ما حدَّثَت به بنو إسرائيل عمَّن سبَقَ؛ فهذا يَنقسِم إلى ثلاثة أقسام: القِسْم الأوَّل: ما شهِد شرْعُنَا به، أو ما شَهِدَ القُرآن والسُّنَّة به؛ فهذا مَقبول، لا لأنه خبَر بني إسرائيلَ، ولكن لأنَّ القُرآن والسُّنَّة شهِدت بصِدْقه. القِسْم الثاني: ما شهِد القُرآن والسُّنَّة بكذِبه، فهذا مَرفوض، ولا يَجوز التَّحدُّث به إلَّا إذا أَراد الإنسانُ بَيان كذِبه وبُطْلانه. القِسْم الثالِث: ما لم يَشهَد الوَحيُ بصِدْقه ولا كذِبه؛ أي: ما ليس في القُرآن ولا في السُّنة تَصديقه ولا تَكذيبه، فهذا قال فيه النَّبيُّ- صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: "حَدِّثُوا عَنْ بَنى إِسْرَائِيلَ وَلَا حَرَجَ" (١) فيَكون من الكلام الذي يُباح نَقْله، لكن لا فَائِدة منه؛ فلا يُشتَغَل به عمَّا هو أهَمُّ منه.

стр. 199

وبِهذا نَعرِف كيف نَسير بقُلوبنا في أخبار مَن سبَق، فصار مَصدَر التَّلقِّي في أخبار مَن سبَق، المَصدَر الأساسيُّ الأكيد هو الكِتاب والسُّنَّة، وأمَّا ما وقَع من أخبار بني إسرائيلَ، فعرَفنا أنه على ثلاثة أقسام. وقوله: ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ قال بعض المُعرِبين: إنَّ (في) هنا بمَعنَى (على)؛ لأنه لا يُمكِن السير في جوف الأرض، بِناءً على أنَّ (في) للظَّرفية، والظَّرْف محُيط بالمَظروف، كما إذا قُلت: الماء في الإناء؛ فإنَّ الإناء محُيط به، والماء في جَوْفه، ولكن رُبَّما يَقولُ قائِل: إنَّ هذا غير مُتعيِّن؛ لأن المُراد ﴿فِي الْأَرْضِ﴾ أي: في مَنَاكِب الأرض، كما قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا﴾ [الملك: ١٥] , وتكون الظَّرْفية هنا ظَرْفية الأجواء؛ أي: في جوِّ الأرض، في أجواء الأرض، والأجواء ظَرْف لمَن يَسير فيها. قوله: ﴿فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ ﴿فَيَنْظُرُوا﴾ الفاء هنا قيل: إنَّها عاطِفَة، وعلى هذا فيكون السير مُنتَفِيًا، والنظَر أيضًا مُنتَفٍ، والتَّقديرُ على هذا القول: ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ فَأَلَمْ يَنظُروا في كيف كان عاقِبة الذين كانوا من قَبْلهم، وقيل: إن الفاء للسَّبَبية؛ أي: فبسبَب سَيْرهم يَنظُروا كيف كانَ. والمَعنَيان مُتلازِمان؛ لأنهم إذا لم يَسيروا لم يَنظُروا، وإن ساروا نظَروا. وقوله: ﴿فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ﴾ هل النَّظَر هنا نظَرُ قَلْب وبَصيرة، أو نظَر عَيْن وبصَر؟ الجواب: يَنبَني على ما سبَقَ في السير، إن كان سَيْر قَلْب فالنَّظَر نظَرُ قلبٍ وبَصِيرَةٍ، وإنْ كانَ سَيرَ قَدَمٍ فالنَّظر نظَر عَيْن وبصَر. وقد قُلنا: إنَّ السَّيْر صالِح لهذا وهذا؛ فيَكون النظَر أيضًا صالِحًا لهذا وهذا.

стр. 200

قوله: ﴿كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ (كيف) اسمُ استِفْهام، وهو في مَحَلِّ نَصْب على أنه خبَر (كان) مُقدَّم، و ﴿عَاقِبَةُ﴾ اسمُها، ﴿كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾؛ أي: مَآلهُم، ماذا كان مَآلهُم؟ سيَأتي ذِكْر المآل، لكن الله ذكَر حالهم قبل أن يَذكُر مَآلهم، قال: ﴿كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾ ﴿أَشَدَّ﴾ من الشِّدَّة، وهي الصلابة والعِظَم. و﴿مِنْهُمْ﴾ يَقول المفَسِّر ﵀: [وفي قِراءة "مِنْكُمْ"] فيَكون في هذا الْتِفاتٌ من الغيبة إلى الخِطاب، ومَعلوم أنَّ الخِطاب أشَدُّ وَقْعًا في النَّفس من الحديث بصِيغة الغيبة، يَعنِي إذا كُنتَ تُخَاطِبُ الشَّخص مُخَاطَبَة فهو أشَدُّ وقعًا في نفسه، ممَّا إذا كُنت تَتَحدَّث بصيغة الغيبة؛ ولهذا جاء قول الله تعالى: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى﴾ [عبس: ١] بصيغة الغيبة، والعابِس والمُتولِّي الرَّسُول ﵊ ولم يَقُل: عبَسْت وتوَلَّيت؛ لأن الخطاب أشَدُّ وَقْعًا من الغيبة. وقوله ﵀: [وفي قِراءة: "مِنْكم"] اعلَمْ أنَّ اصطِلاح المفَسِّر ﵀ أنه إذا قال: في قِراءة. فهي سَبْعية، وإذا قالَ: وقُرِئ. فهي شاذَّة ليسَت سَبْعية. قال المفَسِّر ﵀: [﴿قُوَّةً وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ﴾ من مَصانِعَ وقُصور] فهُمْ أَقوياء الأبدان، ولهم من الآثار في الأرض أكثَرُ مِمَّا عِند هؤلاء الذين كذَّبوا رسول الله- صلى الله عليه وعلى آله وسلم- والشَّاهِدُ في هذا ظاهِر في دِيار ثَمودَ، فإن كل مَن شاهَدها تَبيَّن له كيف كانت قُوَّة القوم، وكذلك آثار عاد في الأَحْقاف، التي اطَّلَع عليها، وقال الله فيها: ﴿إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ (٧) الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ﴾ [الفجر: ٧ - ٨] قُوَّة عظيمة، حتى إنَّ عادًا قالوا: ﴿مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً﴾ فماذا كانت حالهُم؟ قال تعالى: ﴿فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ﴾ قال المفَسِّر ﵀: [أَهلَكَهم] ﴿بِذُنُوبِهِمْ وَمَا كَانَ

стр. 201

لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ﴾ هَؤلاءِ القَوْمُ الأشِدَّاء الذين لهم من الآثار ما يُبهِر العُقول، أخَذَهم الله بذُنوبهم، أَهلَكَهم بسبب ذُنوبهم، وذُنوبهم مكَوَّنَةٌ من شَيْئين: التَّكذيب والتَّولِّي، فهُمْ مُكذِّبون للخبَر، مُتَولُّون عن الأمر، فكَذَّبوا الأخبار، وخَالَفُوا الأوامِر، وقَعوا فيما نُهوا عنه، وترَكوا ما أُمِروا به، وكذَّبوا ما يَلزَمهم تَصديقه ﴿فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ﴾ والباء هنا للسَّببية. وقوله: ﴿وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ﴾ (مَا) نافِية و (مِن) مُتعلِّقة بـ ﴿وَاقٍ﴾، و ﴿وَاقٍ﴾ اسمُ (كان) دخَلَت عليه (مِن) الزائِدة للتوكيد، وأصل (واقٍ): واقِي، فحُذِفت الياء للتَّخفيف؛ أي: ما كان لهم من أحَد يَقيهم من عَذاب الله. حتى إنَّ ابنَ نُوحٍ ﵊ لم يَقِهِ من عذاب الله قُربُه من نوح، ولا دُخوله في العُموم؛ لأن الله ذكَر أنَّه مُنَجِّيه وأهلَه -أَعنِي: نوحًا- فلمَّا أَرسَل الله عليهم الغرَق، دعا ابنه أن يَركَب معه في السفينة، ولكنه أبى، وقال: ﴿سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ﴾ [هود: ٤٣] فغَرِقَ، وقال نوحٌ: ﴿رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي﴾ [هود: ٤٥] وقَدْ وعَدَه الله أن يُنجِّيَه وأهلَه، فقال الله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [هود: ٤٦] , فلم يَقِ هذا الابنَ قُربُه من أبيه أحَدِ أُولِي العَزْم من الرُّسُل، ولكنه هلَك فيمَن هلَكَ، كما قال تعالى هنا: ﴿وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ﴾. من فوائدِ الآيةِ الكريمةِ: الْفَائِدَةُ الأُولَى: الحَثُّ على السير في الأرض، لقوله: ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا﴾ بِناءً على أنَّ الاستِفْهام هنا للإنكار والتوبيخ. الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أنَّ السير في أرض المُكذِّبين، وبَيان ما أَحَلَّ الله بهِم من النَّكال،

стр. 202

إذا كان على سبيل العِبْرة فلا بأسَ به، على سَبيل العِبْرَة بما جَرَى لهم من الهلاك، لا العِبرة بما كان لهم من القُوَّة، وبِناءً على ذلك نَعرِفُ أنَّ الذين يَذْهَبُون الآنَ إلى ديار ثَمودَ للاطِّلاع على قُوَّتهم، والاعتِبار بصَنْعتهم على خطَأ عظيم؛ لأنهم لم يَسيروا في الأرض السير الذي أمَر الله به، بل ساروا في الأرض السير الذي نَهَى عنه رسول الله - صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، فقد قال النبيُّ ﵊: "لَا تَدْخُلُوا عَلَى هَؤُلَاءِ المُعَذَّبينَ، إِلَّا وَأَنْتُمْ بَاكُونَ أَنْ يُصِيبَكُمْ مَا أَصَابَهُمْ، فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا بَاكينَ فَلَا تَدْخُلُوا عَلَيْهِمْ" (١). فَمَن الذي يَذهَب الآنَ إلى دِيار ثمَودَ، يَقِفُ يُشَاهِدُ آثارَهم وهو يَبكِي؟ الجواب: لا أحَدَ، إلَّا مَن هَداه الله وتَبيَّن له الحقُّ، وإلَّا فإنهم يَذهَبون يَتَفرَّجون، والعجَب أنَّ بعض الجُهَّال منا يَرَوْن أنَّ هذا من الآثار المُحتَرَمة، فيُقال: سُبحانَ الله! ! الآثار المُحتَرَمة! أيُّها الجُهَّال! بل هي الكِتاب والسُّنَّة، آثار الوَحْي، أمَّا آثار المُكذِّبين للرُّسُل فليسَتْ محُتَرَمة. ثُم هل هي آثار آبائِكم وأجدادكم؟ ! آثار قوم فَنُوا وأَعقَبهم أناسٌ، ثم أناسٌ، ثُم قُرون كثيرة. لكن هذا من الجَهْل والتَّقليد الأعمى، الذي يَجعَل القوم يَتعَلَّقون بالآثار المادِّيَّة دون الآثار المَعنَوية. وإن قال قائِل: هل العِبْرة الإنسان إذا دخَل في مَكان كل قَوْم أُهلِكوا، أم أن الكُفَّار الذين لم يَتِمَّ عَذابُهم كذلك؟

стр. 203

فالجَوابُ: لا المُراد الذين أُهلِكوا. والإنسان الذي ذهَب ليَأخُذ العِبْرة لا شَكَّ أنه سيَتَأثَّر، لكن أكثَر الناس - أو كثير من الناس- يَذهَبون ليَعتَبِروا بما عِندهم من القُوَّة، لا بأَخْذ الله لهم. فإن قال قائِل: هل قُرَى قَوْم لُوط مِثل قُرى ثَمودَ وعادٍ في عدَم جَواز زِيارَتها؟ فالجوابُ: العُلَماء يَقولون: لا فَرْقَ، كل شيء تَذهَب ليَتبيَّن لك آثارُهم وقُوَّتُهم وتُعجَب بهذه القوَّةِ فهو لا يَجوز. أمَّا قول الله تعالى: ﴿وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ (١٣٧) وَبِاللَّيْلِ﴾ [الصافات: ١٣٧ - ١٣٨] , هذه حِكاية عن شيء واقِعٍ، كما قال الرَّسولُ- صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: "لتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ" (١) هل مَعنى ذلك أنَّ الرسول - صلى الله عليه وعلى آله وسلم- يُفسِح لنا المَجال؟ أَخبَر عنه أنه واقِع أو سيَأْتي، كما أَخبَر عن المَرأة تَذهَب من صَنْعاءَ إلى حَضرَموت لا تَخشَى إلَّا الله (٢). الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: أنَّ عاقِبة الذين كانوا من قَبْلهم عاقِبة سَيِّئة؛ لقوله: ﴿كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ كَانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ إلى قوله: ﴿فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ﴾. الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أنَّ هَؤلاءِ الذين كانوا من قَبْلهم كانوا أشَدَّ مِنهم قُوَّة في الأبدان، وقُوَّة في الصناعة، وقُوَّة في الآثار، ومع هذا لم تمَنَعْهم قُوَّتهم هذه من أَخْذ الله لهم.

стр. 204

الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: أن قُوَّة الله فوقَ كلِّ قوَّة، فإنه قال: ﴿كَانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾ ومع ذلك أخَذَهم الله ذلك؛ لأن الله تعالى إذا أَراد شيئًا قال له: كُنْ. فيَكون، لا يَحتاج إلى أَحَد يُساعِده، ولا يَحتاج إلى صُنْع قَنابِلَ أو مَدافِعَ، بل: كُن فيَكون، انظُروا إلى عاد افتَخَروا بقُوَّتهم، فأَهلَكهمُ الله تعالى بأَلطَف الأشياء سخَّر عليهم الرِّيح، ولم يُسخِّرْها لهم، بل سخَّرَها عليهم، والرِّيح من أَلطَف الأشياء، فدَمَّرَتهم ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ﴾ [الأحقاف: ٢٥] , حتى كانوا كأَعْجاز نَخْل خاوِية. يَقولون: إن الرِّيح تَحمِل الواحد منهم حتَّى يَكون في عَنان السماء، ثُم تَرُدُّه إلى الأرض؛ فيَنقَلِبُ مُنحنيًا كأنَّه عَجُز نَخْل خاوِية، وأَعجاز النَّخيل إذا رأَيْتُموها تَجِدون النَّخْل قد تَقوَّست. هؤلاء الذين كانوا أشِدَّاءَ أَقوياءَ يَقِفون على أقدامهم، أَصبَحوا كأنهم أَعجاز نَخْل خاوِية، والآية الثانية ﴿كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ﴾ [القمر: ٢٠]. وهذا فِرعونُ قال لقومه: ﴿يَاقَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ [الزخرف: ٥١] أَهلَكه الله بأن أَخرَجه من مِصرَ التي كان يَفتَخِر بها باختِياره، خرَج مخُتارًا، بل خرَج وكأنه غانِم، كأنه رابِح في المَعرَكة، ثُم أَهلَكه الله بجِنْس ما يَفتَخِرُ به، أَهلَكه بالماء، ليَتبَيَّن أنَّ القُوَّة قُوَّة الله وأنَّ الله أشَدُّ من هَؤلاء قُوَّة. الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: أنَّ الله تعالى إذا أَراد بقَوْم سوءًا فلا مَرَدَّ له، لقوله: ﴿وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ﴾ [غافر: ٢١] , وقد بَيَّن الله ذلك صَريحًا في قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ﴾ [الرعد: ١١] , لا يَقِي

стр. 205

دون ما أَراد الله، لا قُصورٌ، ولا مَدافِعُ، ولا طائِراتٌ، ولا أيُّ شيء ﴿وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ﴾. لكن مِن رحمة الله أن أَرسَل إلينا رسولًا علَّمَنا كيف نَتوَضَّأ، وكيف نُصلِّي، ثُم يَترَتَّب على هذا الوضوءِ والصلاة مَغْفِرَةُ الذُّنوب، إذا تَوضَّأ الإنسان فإنَّ خطاياه تَخرُج مع آخِر قَطْرة من قَطْر الماء، وإذا صلَّى؛ فالصَّلواتُ الخمْسُ مُكَفِّرَاتٌ لمِا بَيْنَهُنَّ، وإِذا تَوَضَّأ في بَيْتِهِ وأَسْبَغَ الوُضُوءَ، وخَرَج إِلى المَسجِد لا يُخرِجه إلَّا الصَّلاة، لم يَخُطَّ خُطوةً واحِدةً إِلَّا رَفَعَ الله لَهُ بِها درَجَةً، وَحَطَّ عَنْه بِهَا خَطِيئةً، أَحْصِ خُطواتِك من بيتك إلى المَسجِد في اليوم والليلة خمس مرَّات، كل هذا مِن فَضْل الله ولولا أنَّ الله هَدانا هِداية إرشاد -ونَسأَل الله تعالى أن يُتمِّمَها بهِداية التَّوْفيق- لولا ذلِك لَهلَكنا، ولم نَعرِف كيف نَعبُد الله، وهذا من رحمة الله، أَرسَل الرسُل للناس ليُبيِّنوا لهم. فإن قال قائِل: هل الإنسانُ مَأْجور على خُطواته إذا جاء إلى المَسجِد، وإذا عاد منه؟ فالجَوابُ: أي نعَمْ، أمَّا إذا جاء إلى المَسجِد، فقَدْ تقدَّم، وأمَّا إذَا رَجَع ففِي قِصَّةِ صَاحِبِ الحَمَّار الذي كان بَعيدًا من المَسجِد، فقيل له: أَلا تَشتَرِي حِمارًا تَركَبه؟ ! فقال: يا رَسولَ الله، إني أَحتَسِب مَمْشايَ إلى المَسجِد ورُجوعِي مِنْه. فقال: "لَكَ مَا احْتَسَبْتَ" (١). فإِذا احتَسَب الإنسان هذا، فله ما احتَسَب. لكن أَقول: إنه يَفوتنا كثيرًا الاحتِساب، فنُصَلِّي ونُريد أن نُؤدِّيَ الصلاة التي علَيْنا فقَطْ، لكن لا نَشعُر بأننا نَحتَسِب أَجْرها، وأننا سنَجِد أَجْر هذه الصلاةِ،

стр. 206

أو أَجْر هذا الوُضوءِ، أو أَجْر هذه الخَطَأ، هذه تَفوتنا كثيرًا والاحتِساب له أثَرُه، لا من جهة الثواب، ولا من جهة أنه يحُثُّ المَرءَ على العمَل؛ لأنَّ الإنسان إذا عمِل فجُوزِيَ يَزداد عمَلًا؛ لكن إذا عمِل على أنه فَرْض عليه يُؤدِّيه فقَطْ صار كالذي يَقضي الدِّين عن نفسه، فيُعطِيه الدَّائِن؛ فلِذلِك أنا أَحُثُّ نَفْسي وإيَّاكم على هذه المَسأَلةِ، مَسأَلة الاحتِساب. ومَعنَى الاحتِساب أن يُريد بعمَله الأجر والثواب، قال الله تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا﴾ [الفتح: ٢٩] , احتَسِبِ الأَجْر من الله ، ونَسأَل الله أن يُذكِّرنا ذلك ويُعينَنا عليه.

стр. 207

الآية (٢٢) * * * قَالَ اللهُ : ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَكَفَرُوا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ إِنَّهُ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [غافر: ٢٢]. * * * قال الله ﵎: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ ذلك المُشار إليه أَخْذ الله تعالى إيَّاهم بذُنوبهم، فهذه الذُّنوبُ أنه ﴿كَانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ , قال المفَسِّر ﵀: [بالمُعجِزات الظاهِرات] ﴿تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ﴾ جمع رَسول، والرَّسول لكل أُمَّة كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ [النحل: ٣٦] , والرُّسُل جاؤُوهم بالبَيِّنات، قال المفَسِّر: [بالمُعْجِزات] والصوابُ أن يُقال: بالآيات؛ لأن الله تعالى يُعبِّر عنها هكذا: ﴿آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ﴾ والمُراد بالآيات ما يُؤمِن على مِثْله البشَر، وهي نَوْعان: حِسِّية ومَعنَوية وخَلْقية وخُلُقية، كلُّها آياتٌ بَيِّنات، ظاهِرة واضِحة قال النَّبيُّ- صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: "مَا بَعَثَ الله نَبِيًّا إِلَّا آتاهُ مِنَ الْآيَاتِ مَا عَلَى مِثْلِهِ يُؤْمِنُ الْبَشَرُ" (١). والحِكْمة من هذه الآياتِ أنَّ البشَر لا يُمكِن أن يَقبَلوا دعوةً من شخص عاش بينهم، يَعرِفونه فيَأتِي وَيقول: إنَّه نَبيٌّ أو إنه رَسول، فلا بُدَّ من آيات تَدُلُّ على صِدْقه،

стр. 208

وكما قلتُ لكم إنَّ الآياتِ نَوْعان: آياتٌ مَعنَوية: وهي ما يَتَضمَّنه الوحيُ الذي جاء به هَؤلاءِ الرُّسُلُ، وآيات حِسِّية: وهي ما يَظْهَرُ من خَوارِق العادات؛ ولهذا قيل في تَعريف الآية: إنها أَمرٌ خَارِقٌ للعَادَةِ يُظهِره الله على يَدِ الرسول تَأيِيدًا له. هذه الآياتُ قال العُلَماء - أَعنِي: الآياتِ الحِسِّيَّةَ-: إنها تَكون مُناسِبة للوَقْت الذي بُعِث فيه الرَّسول، واستَشْهَدوا لذلك بأن موسى ﵊ أُعطِيَ آياتٍ سِحْريةً؛ أي: تُشبِه السِّحْر، لكنها أَقوَى منه تَغلِبه؛ فيَضَع العصا - وهي من خشَب- على الأرض فتَنقَلِب حيَّةً تَسرَح، ويدخِل يَدَه في جيبه فتَخرُج بَيضاءَ تَلوح من غير عَيْب، أي: من غَيْر برَصٍ؛ وهذا لأنه في وَقْته كان للسِّحْر طَوْر عالٍ مُرتَفِع، فجاء بآيات تَغلِب ذلك السِّحرَ، وَيظهَر هذا حينما اجتَمَع مع السَّحَرةِ في اليوم الذي وعَدهم فيه، فأَلقَوْا حِبالهم وعِصِيَّهم، حتى خُيِّل إليه من سِحْرهم أنها تَسعَى، فأَوْجَس في نفسه خِيفةً مُوسى، فقال له الله تعالى: ﴿لَا تَخَفْ﴾ وأَمَره أن يَضَع العصا، فوَضَعها، فإذا هي حَيَّة تَلقَفُ ما يَأفِكون. ثُم عِيسَى ابنُ مَريمَ بُعِث في زمَن تَرقَّى فيه الطِّبُّ تَرقِّيًا عظيمًا بالِغًا؛ فجاء بأَمْرٍ يَعجِزُ عنه الأطِبَّاء، يُبرِئ الأكمَه والأَبرَص بإِذْنِ الله، ويُحييِ المَوْتى بإِذْن الله، بل يُخرِج المَوْتى من قُبورهم بإِذْن الله، يَقف على صاحِب القَبْر ويُخاطِبه فيَقول: اخرُجْ. فيَخرُج، وهذا أَعظَمُ من الطِّبِّ الذي أتوْا به. أمَّا مُحمَّد ﵊ فقد بُعِث في وَقْت بلَغت فيه البلاغة أَوَجَها، وصار النَّاسُ يَتَفاخَرون أيُّهم أَبلَغُ؛ فيَأتِي الشُّعَراء، وَيأْتي الخُطَباء إلى أسواق الجاهِلية عُكاظ وغيرِه، يَتَبارَوْن في أشعارهم وخُطَبهم؛ فجاء هذا القُرآنُ قاضِيًا عليها كلها، وأَعجَزَهم، وعجَزوا عن أن يَأْتوا بآية منه، مع أنهم هُمْ أُمَراءُ البلاغة.

стр. 209

المُهِمُّ: أنه لا بُدَّ لكل نَبيٍّ من آية يُؤمِن على مِثْلها البَشَر؛ لأنَّ الله حكيمٌ ورحيم؛ حَكيم لا يُرسِل شخصًا إلى الناس يَقول: أنا رَسولٌ. بدون بيِّنة، ورحيم حيث أيَّدَ هؤلاءِ الرُّسُلَ بالآيات من وَجْه، ورحِمَ الخَلْق فجعَل مع الرُّسُل آياتٍ؛ من أَجْل أن تَكون حُجَّة الرُّسُل مَقبولة لدَيْهم. قوله: ﴿تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَكَفَرُوا﴾ الفاء عاطِفة، وتَدُلُّ على مُبَادَرة هؤلاء بالكُفْر، وأنهم لم يَتَأمَّلوا ولم يَنظُروا، وجه ذلك أنَّ الفاء تَدُلُّ على التَّرتيب والتَّعقيب، ﴿فَكَفَرُوا﴾؛ أي: بالرُّسُل وبالبَيِّنات التي جاؤُوا بها، ﴿فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ﴾؛ أي: أَهلكهم، ﴿إِنَّهُ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ أَهلَكهم الله بعامة إلَّا مَن آمَنَ. ثم بَيَّنَ أنَّ هذا الأَخْذَ شديد؛ لقوله: ﴿إِنَّهُ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ قوِيٌّ أزَلًا وأبَدًا، فلم يَسبِق قوَّته ضَعْف، ولا يَلحَقها ضَعْف، أمَّا البَشَر فإنَّهُم ضُعَفَاءُ أوَّلًا ونِهايةً، ومُنتَهى قُوَّتهم أيضًا ليس بشيء، حتى وإن بلَغ الإنسان أشُدَّه وبلَغ غاية قوَّتِه، فإنه ليس بشيء، أمَّا الرَّبُّ فإنه قوِيٌّ أزَلًا وأبدًا. ﴿شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ هذا من باب إضافة الصِّفة إلى مَوْصوفها، المَعنَى عِقابه شَديد، الشديد يَعنِي: الصُّلْب القوِيُّ الذي تَحصُل آثاره على مَن عُوقِب. من فوائدِ الآيةِ الكريمةِ: الْفَائِدَةُ الأُولَى: بَيانُ سبَب إهلاك الأُمَم، وأنَّ ذلك بذُنوبهم؛ لقوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾. الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: إثبات عَدْل الله وأنه لا يُؤاخِذ أحَدًا بدون ذَنْب؛ لقَوْله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾.

стр. 210

الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: أنَّه ما من أُمَّة خلَتْ إلَّا وقد جاءَتْها رُسُلها؛ لقوله: ﴿كَانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ كُلُّ أُمَّة جاءَها نَذيرٌ وجاءَها رَسولٌ أَنذَرها وبَيَّن لها، وقد أَقرَّت هذه الأُمَمُ بذلك، قال الله ﵎ في سورة المُلْك: ﴿كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا﴾ أي: في النار ﴿فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ (٨) قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ كَبِيرٍ﴾ [الملك: ٨ - ٩] ثُم قالوا: ﴿لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [الملك: ١٠]. وقال تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ [فاطر: ٢٤] , وهذا من تمَام رحمة الله وحِكْمته أَنْ أَرسَل الرُّسُل مُبشِّرين ومُنذِرين، لئَلَّا يَكون للناس على الله حُجَّة بعد الرُّسُل، ولأَجْل مَصْلَحة الخلْق، نحن لولا رَسولِ الله ﵊ أَرسَله الله إلينا، لا نَعرِف كيف نَتَوضَّأ، لا نَعرِف كيف نُصلِّي. الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أنَّ الرُّسُل عليهم الصلاة والسلام بُعِثوا بالآيات البَيِّنة الظاهِرة. الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: إقامة الحُجَّة على الخلْق بإِرْسال الرُّسُل أوَّلًا، ثُمَّ بتَأيِيدهم بالآيات البَيِّنات، التي لا تَدَعُ مَجالاً للشَّكِّ أو للإنكار. الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: أنَّ هؤلاء الذين وصَل إليهم، لم يَشكُروا النِّعْمة، بل بادَروا بالكُفْر والتَّكذيب. الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: أنه لو تَأمَّل العاقِل ما جاءَت به الرُّسُل، ما أدَّى ذلك إلى كُفْره؛ لكنَّ غالب المُكَذِّبين للرُّسل يُبَادِرُون بالتكذيب، قال الله تعالى: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الأنعام: ١١٠]. الْفَائِدَةُ الثَّامِنةُ: إِثْبات الأسباب، وأنَّ الله تعالى ربَط المُسبَّبات بأسبابها، وهذا

стр. 211

يَدُلُّ على تمَام حِكْمَة الله، وأنه لم يَفعَل شيئًا عبَثًا، ولا لمُجَرَّد المَشيئة، خِلافًا لمَن قال من الجبْرية وغيرهم: إنَّ الله تعالى يَفعَل ما يَشاء لمُجرَّد المَشيئة، وليس لحِكْمة. وأَنكَروا حِكْمة الله، وقالوا: إنَّ الحِكْمة تَقتَضي النَّقْص. وهذا من غَرائِب الأفهام، الحِكْمة تَقتَضي النَّقْص! ! قالوا: نعَمْ؛ لأن الحِكْمة غرَض، فإذا فعَل لكذا، فإنه محُتاجٌ لهذا الغرَضِ! ! فيُقال لهم: تبًّا لكم ولأفهامِكُم، الحِكْمَةُ هي غايةُ الحُكْم؛ أي: أنَّ الحِكْمَة أكبرُ ما يَدُلُّ على البُعْد عن السَّفَه واللَّعِب، وأمَّا قولُكم: إنَّ الحِكْمة غرَض؛ فإذا قُلتُمْ: إن الله فعَل كذا لكذا. لزِم من ذلك أن يَكون الله محُتاجًا إليه، فيُقال: الحِكْمة التي يَشرَع الله الشرائِعَ من أَجْلها لا تَعود إلى نَفْسه، إلَّا من حيثُ الكمال فقَطْ، أمَّا المَصلَحة فالذي يَنتَفِع بها الخلْق، أمَّا الله فإنَّ حِكْمَتَه لا تَعُود إليه بشيء سِوى بيان كَمال صِفاته . الْفَائِدَةُ التَّاسِعَةُ: إثبات القَويِّ اسمًا من أسماء الله، وهو من الأسماء اللَّازِمة، وعلى هذا لا بُدَّ من إثباته وإثبات ما دلَّ عليه من الصِّفة وهي القوَّة. الْفَائِدَةُ الْعَاشِرَةُ: أن الله تعالى شَديد العِقاب، ولكن لمَن عَصاه. الْفَائِدَةُ الحَادِيَةَ عَشْرَةَ: التَّحذير من مخُالَفة الله؛ لأنَّه قوِيٌّ وشديدُ العِقَاب، فيا وَيحَ مَن خالَف أَمْر ربِّه؛ فإنَّه سيَتعرَّض لشِدَّة العَذاب من ذي قُوَّة لا يَلحَقها ضَعْف ﴿إِنَّهُ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾.

стр. 212

الآيتان (٢٣، ٢٤) * * * * قَالَ اللهُ : ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ (٢٣) إِلَى فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَقَارُونَ فَقَالُوا سَاحِرٌ كَذَّابٌ﴾ [غافر: ٢٣ - ٢٤]. * * * الجُمْلة هذه مُؤكَّدة بعِدَّة مُؤكِّدات: القسم المقدَّر، واللام، و (قَدْ)، والتقدير: "واللهِ لَقَد". ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾ مُوسى هو ابن عِمرانَ، أفضَلُ أنبياء بني إِسرائيلَ، وأعظَمُهم وأشَدُّهم، وهو من أشَدِّ الأنبياء وأقواهم، وَيدُلُّك على ذلك ما فعَله قبل النُّبوَّة، وما فعَله بعد النُّبوَّة. فقبل النّبوَّة مَرَّ برجُل من قومه يُخاصِم رجُلًا من عَدوِّه؛ فوكَزَه موسى فقَضى عليه، وهذا يَدُلُّ على قوَّتِه وشِدَّته. وبعد النُّبوَّة لمَّا رجع ورأَى أنهم أَشرَكوا بالله غضِب غضَبًا شديدًا، فأَلقَى الألواح التي كتَبَ الله بها التَّوراة، ألقاها قال بعضُهم: فتكسَّرت؛ قال تعالى: ﴿وَأَلْقَى الْأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ﴾ [الأعراف: ١٥٠] هارونَ وهو نَبيّ من الأنبياء مُشارِك لموسى في النُّبوَّة، ورَسولٌ، ألَمْ يَقولا لفِرعونَ: ﴿إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: ١٦] , أخَذ برَأْس أخيه يَجُرُّه إليه، فقال: ﴿يَبْنَؤُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي﴾ [طه: ٩٤] , ﴿وَلَمَّا سَكَتَ

стр. 213

عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الْأَلْوَاحَ﴾ [الأعراف: ١٥٤] , هذا أيضًا يَدُلُّ على قوَّتِه وشِدَّته ﵊، وهذا من الحِكْمة؛ لأنَّه أُرسِل إلى أَعتَى أهل الأرض، وهو فِرعونُ؛ ولهذا قابَله بالقُوَّة؛ قال له: ﴿قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَافِرْعَوْنُ مَثْبُورًا﴾ [الإسراء: ١٠٢]. وهذه قوَّة تَدُلُّ على قوَّتِه ﵊، أَرْسَله الله تعالى أيضًا إلى قَوْم عُتاة، وهم بنو إسرائيلَ، ولهذا لا يُوجَد شَعْب من الشُّعوب فيما نَعلَم مثل بني إسرائيلَ في العُتوِّ والنُّفور والاستِكْبار، إلى حدِّ أنه لمَّا كُتِب عليهم القِتال قالوا لموسى: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا﴾ [المائدة: ٢٤] , ولَيْتَهم اقتَصَروا على ذلك ﴿فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ سنَقعُد على الفُرُش ولا نَتحرَّك، وأنت وربُّك اذهَبْ فقاتِلا ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾. فلهذا كان من الحِكْمة أن يَكون هذا الرَّسولُ على هذا النَّحوِ من الشِّدَّة؛ لمُناسَبة مَن أُرْسِلَ إليهم من فِرعونَ وبني إسرائيلَ. فإن قال قائِلٌ: إذا ورَد بنو إسرائيلَ في القُرآن على سبيل التَّكريم أو ليس على سبيل الذَّمِّ، وإذا ورَد اليَهود فإنه على سَبيل التَّقريع وعلى سبيل الذَّمِّ. فهل هذا مُطَّرِد في القُرآن؟ فالجَوابُ: لا، ليس بصَحيح، الله يَذكُر بني إسرائيلَ بذُنوبهم وَيذُمُّهم ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ لم يَقُلْ: من اليهود. ﴿يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [البقرة: ٤٧] , وآيات كثيرة. وقوله: ﴿بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾ "آياتنا" جَمع، تَدُلُّ على أنَّ مَعَهُ آياتٍ مُتَعَدِّدَةً

стр. 214

وهو كذلك، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ فَاسْأَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِذْ جَاءَهُمْ﴾ [الإسراء: ١٠١] إلى آخِره، فهو أُوتِي آياتٍ أَعظَمُها وأَشَدُّها وأبينُها حِسًّا آية العصا؛ فإنَّها من آياتِ الله الحِسِّيَّة العَجيبة الغَريبة، عصًا يَهُشُّ بها على غنَمه، وله فيها مَآرِبُ أخرى، ويَتوَكَّأ عليها، إذا ألقاها صارَت حيَّة عَظيمة تَلقَف كل ما عمِلوا، وإذا حمَلها عادت عَصًا، وإذا ضرَب بها الحجَر تَفجَّر ماءً. هذه العَصا آية من آيات الله ، تَأمَّلِ الآنَ وتَفكَّر مدَى كثرة العِصيِّ والحِبال التي أَلقاها السحَرة وتَنوُّعها، ثُم ألقى هذه العصا فصارت تَلقَف كل ما تَعثُر عليه، وأنا أَتعَجَّب أين البَطْن الذي يَسَعُ كلَّ هذه الأشياءِ، نعَمْ؛ لكن آيات الله تُبهِر العُقول، وإلَّا فتَقول: كيف أنَّها حَيَّة بمِقدار العَصا تَلقَف كلَّ ما أَفِكوا من الحِبال والعِصيِّ، أين تَذهَب؟ ! نَقول؛ لا تَسأَل أين تَذهَب، أنت صدِّق وآمِنْ بهذا، وكيف تَذهَب إلى الله ، ولا مانِعَ من أن تَكون هذه الأشياءُ إذا مَضَغَتْهَا صارت الشيءَ الكبير شيئًا صغيرًا. فائِدةٌ: التِّسْع الآيات التي أُرسِل بها موسى هي: العَصا، واليَد يُدخِلها في جَيْبه، والطُّوفان، والجَراد، والقُمَّل، والضَّفادِع، والدَّم، وانفِلاق البَحْر، والسِّنون ونَقْص من الثَّمَرات، وبعضُهم قال: ضرَب الحَجَر بالعَصا فيَتفجَّر. أمَّا لبني إسرائيلَ فيَدخُل فَلْق البَحْر، وكذلك انفِجار الماء من الحَجَر، لكِنَّ هذه الثِّنتَين ليست لآل فِرْعَونَ، فآل فرعونَ آيتهم السِّنون ونَقْص من الثَّمَرات، بالإضافة إلى السَّبْع السابِقة. فإن قال قائِل: يَستَخدِم بعضُ عُلماء الجرْح والتَّعديل إذا تَكلَّموا في رجُل يَقولون: هذا الرجُلُ كعصا مُوسى، تَلقَف ما يَأفِكون. وبعض الإِخْوان يَمزَح بها

стр. 215

فيقول للآخَرِ: أنت كعَصا موسى تَلقَف ما يَأفِكون. فهل يَصِحُّ هذا؟ فالجَوابُ: أنا أَرَى أنه حتَّى المُحدِّثون يَقولون هذا -نَسأَل الله لهم العَفوَ- لا يَنبَغي أن يَقولوا هكذا؛ لأنه يُخشَى أن تُستَعمَل استِهْزاءً، وإن كان المُحدِّثون لا يُريدون هذا إطلاقًا، فالأَوْلى أنْ يُقال: هذا الرَّجُلُ مِثل آية، وهذا الرجُل واسِع الاطِّلاع، وهذا الرجُلُ واسِع العِلْم، وما أَشبَه ذلك. وكذلك أيضًا مَن يَقول: فُلان يَملِك عصا موسى السِّحرية. فهذا أيضًا لا يَجوز، هذا أشَرٌّ، لأنَّ قوله: عصا موسى السِّحْرية. يَعنِي: أنَّ ما جَاءَ به سِحْرٌ، وهذا خَطير. وقد أَرسَل الله موسى بآياتِنا وسُلْطان مُبين، والسُّلْطان كل ما يَكون للإنسان به سُلْطة؛ أي: حُجَّة وقُوَّة، ويَختَلِف باختِلاف السِّياق؛ ، فالسُّلْطان في كل مَوْضِع بحَسَبه، فالسُّلطان بالنِّسبة للأَبِ مع أولاده في التأديب سُلْطان ضَرْب، والسُّلْطان فيمَن دُعُوا إلى الله سُلْطان بيان، والسُّلْطان أيضًا فيمَن جُودِل سُلطان حُجَّة، وهو يَختَلِف باختِلاف المَواضِع. المُهِمُّ: أنه ما كان فيه سُلْطة على الغير فهو سُلْطان. وقوله: ﴿مُبِينٍ﴾ يُحتَمَل أن تَكون من اللَّازِم ويُحتَمَل أن تَكون من المُتعدِّي، وذلك أنَّ أبانَ الرُّباعيَّ يَكون لازِمًا ويَكون مُتعدِّيًا، فتَقول: أبنتُ له الحقَّ. وتَقول: أَبانَ الصُّبح؛ أي: بانَ وظهَر، فهي رُبَاعِيَّةٌ صَالِحَةٌ للتَّعَدِّي واللُّزوم. فإن قال قائِل: كيف يَكون فِعلًا واحِدًا صالِحًا للتَّعدِّي واللُّزوم؟ قلنا: نعَم يَصْلُح، اللُّغة العربية واسِعة، فمثلًا: "رَجَعَ" فِعْل ماضٍ ثلاثيٌّ، يَكون لازِمًا وَيكون مُتعدِّيًا، قال تعالى: ﴿يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ﴾ [المنافقون: ٨] ,
следующие страницы →