يَدُلُّ على تمَام حِكْمَة الله، وأنه لم يَفعَل شيئًا عبَثًا، ولا لمُجَرَّد المَشيئة، خِلافًا لمَن قال من الجبْرية وغيرهم: إنَّ الله تعالى يَفعَل ما يَشاء لمُجرَّد المَشيئة، وليس لحِكْمة. وأَنكَروا حِكْمة الله، وقالوا: إنَّ الحِكْمة تَقتَضي النَّقْص. وهذا من غَرائِب الأفهام، الحِكْمة تَقتَضي النَّقْص! ! قالوا: نعَمْ؛ لأن الحِكْمة غرَض، فإذا فعَل لكذا، فإنه محُتاجٌ لهذا الغرَضِ! !
فيُقال لهم: تبًّا لكم ولأفهامِكُم، الحِكْمَةُ هي غايةُ الحُكْم؛ أي: أنَّ الحِكْمَة أكبرُ ما يَدُلُّ على البُعْد عن السَّفَه واللَّعِب، وأمَّا قولُكم: إنَّ الحِكْمة غرَض؛ فإذا قُلتُمْ: إن الله فعَل كذا لكذا. لزِم من ذلك أن يَكون الله محُتاجًا إليه، فيُقال: الحِكْمة التي يَشرَع الله الشرائِعَ من أَجْلها لا تَعود إلى نَفْسه، إلَّا من حيثُ الكمال فقَطْ، أمَّا المَصلَحة فالذي يَنتَفِع بها الخلْق، أمَّا الله فإنَّ حِكْمَتَه لا تَعُود إليه بشيء سِوى بيان كَمال صِفاته .
الْفَائِدَةُ التَّاسِعَةُ: إثبات القَويِّ اسمًا من أسماء الله، وهو من الأسماء اللَّازِمة، وعلى هذا لا بُدَّ من إثباته وإثبات ما دلَّ عليه من الصِّفة وهي القوَّة.
الْفَائِدَةُ الْعَاشِرَةُ: أن الله تعالى شَديد العِقاب، ولكن لمَن عَصاه.
الْفَائِدَةُ الحَادِيَةَ عَشْرَةَ: التَّحذير من مخُالَفة الله؛ لأنَّه قوِيٌّ وشديدُ العِقَاب، فيا وَيحَ مَن خالَف أَمْر ربِّه؛ فإنَّه سيَتعرَّض لشِدَّة العَذاب من ذي قُوَّة لا يَلحَقها ضَعْف ﴿إِنَّهُ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾.
стр. 212
الآيتان (٢٣، ٢٤)
* * *
* قَالَ اللهُ : ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ (٢٣) إِلَى فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَقَارُونَ فَقَالُوا سَاحِرٌ كَذَّابٌ﴾ [غافر: ٢٣ - ٢٤].
* * *
الجُمْلة هذه مُؤكَّدة بعِدَّة مُؤكِّدات: القسم المقدَّر، واللام، و (قَدْ)، والتقدير: "واللهِ لَقَد".
﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾ مُوسى هو ابن عِمرانَ، أفضَلُ أنبياء بني إِسرائيلَ، وأعظَمُهم وأشَدُّهم، وهو من أشَدِّ الأنبياء وأقواهم، وَيدُلُّك على ذلك ما فعَله قبل النُّبوَّة، وما فعَله بعد النُّبوَّة.
فقبل النّبوَّة مَرَّ برجُل من قومه يُخاصِم رجُلًا من عَدوِّه؛ فوكَزَه موسى فقَضى عليه، وهذا يَدُلُّ على قوَّتِه وشِدَّته.
وبعد النُّبوَّة لمَّا رجع ورأَى أنهم أَشرَكوا بالله غضِب غضَبًا شديدًا، فأَلقَى الألواح التي كتَبَ الله بها التَّوراة، ألقاها قال بعضُهم: فتكسَّرت؛ قال تعالى: ﴿وَأَلْقَى الْأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ﴾ [الأعراف: ١٥٠] هارونَ وهو نَبيّ من الأنبياء مُشارِك لموسى في النُّبوَّة، ورَسولٌ، ألَمْ يَقولا لفِرعونَ: ﴿إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: ١٦] , أخَذ برَأْس أخيه يَجُرُّه إليه، فقال: ﴿يَبْنَؤُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي﴾ [طه: ٩٤] , ﴿وَلَمَّا سَكَتَ
стр. 213
عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الْأَلْوَاحَ﴾ [الأعراف: ١٥٤] , هذا أيضًا يَدُلُّ على قوَّتِه وشِدَّته ﵊، وهذا من الحِكْمة؛ لأنَّه أُرسِل إلى أَعتَى أهل الأرض، وهو فِرعونُ؛ ولهذا قابَله بالقُوَّة؛ قال له: ﴿قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَافِرْعَوْنُ مَثْبُورًا﴾ [الإسراء: ١٠٢].
وهذه قوَّة تَدُلُّ على قوَّتِه ﵊، أَرْسَله الله تعالى أيضًا إلى قَوْم عُتاة، وهم بنو إسرائيلَ، ولهذا لا يُوجَد شَعْب من الشُّعوب فيما نَعلَم مثل بني إسرائيلَ في العُتوِّ والنُّفور والاستِكْبار، إلى حدِّ أنه لمَّا كُتِب عليهم القِتال قالوا لموسى: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا﴾ [المائدة: ٢٤] , ولَيْتَهم اقتَصَروا على ذلك ﴿فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ سنَقعُد على الفُرُش ولا نَتحرَّك، وأنت وربُّك اذهَبْ فقاتِلا ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾.
فلهذا كان من الحِكْمة أن يَكون هذا الرَّسولُ على هذا النَّحوِ من الشِّدَّة؛ لمُناسَبة مَن أُرْسِلَ إليهم من فِرعونَ وبني إسرائيلَ.
فإن قال قائِلٌ: إذا ورَد بنو إسرائيلَ في القُرآن على سبيل التَّكريم أو ليس على سبيل الذَّمِّ، وإذا ورَد اليَهود فإنه على سَبيل التَّقريع وعلى سبيل الذَّمِّ. فهل هذا مُطَّرِد في القُرآن؟
فالجَوابُ: لا، ليس بصَحيح، الله يَذكُر بني إسرائيلَ بذُنوبهم وَيذُمُّهم ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ لم يَقُلْ: من اليهود. ﴿يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [البقرة: ٤٧] , وآيات كثيرة.
وقوله: ﴿بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾ "آياتنا" جَمع، تَدُلُّ على أنَّ مَعَهُ آياتٍ مُتَعَدِّدَةً
стр. 214
وهو كذلك، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ فَاسْأَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِذْ جَاءَهُمْ﴾ [الإسراء: ١٠١] إلى آخِره، فهو أُوتِي آياتٍ أَعظَمُها وأَشَدُّها وأبينُها حِسًّا آية العصا؛ فإنَّها من آياتِ الله الحِسِّيَّة العَجيبة الغَريبة، عصًا يَهُشُّ بها على غنَمه، وله فيها مَآرِبُ أخرى، ويَتوَكَّأ عليها، إذا ألقاها صارَت حيَّة عَظيمة تَلقَف كل ما عمِلوا، وإذا حمَلها عادت عَصًا، وإذا ضرَب بها الحجَر تَفجَّر ماءً.
هذه العَصا آية من آيات الله ، تَأمَّلِ الآنَ وتَفكَّر مدَى كثرة العِصيِّ والحِبال التي أَلقاها السحَرة وتَنوُّعها، ثُم ألقى هذه العصا فصارت تَلقَف كل ما تَعثُر عليه، وأنا أَتعَجَّب أين البَطْن الذي يَسَعُ كلَّ هذه الأشياءِ، نعَمْ؛ لكن آيات الله تُبهِر العُقول، وإلَّا فتَقول: كيف أنَّها حَيَّة بمِقدار العَصا تَلقَف كلَّ ما أَفِكوا من الحِبال والعِصيِّ، أين تَذهَب؟ ! نَقول؛ لا تَسأَل أين تَذهَب، أنت صدِّق وآمِنْ بهذا، وكيف تَذهَب إلى الله ، ولا مانِعَ من أن تَكون هذه الأشياءُ إذا مَضَغَتْهَا صارت الشيءَ الكبير شيئًا صغيرًا.
فائِدةٌ: التِّسْع الآيات التي أُرسِل بها موسى هي: العَصا، واليَد يُدخِلها في جَيْبه، والطُّوفان، والجَراد، والقُمَّل، والضَّفادِع، والدَّم، وانفِلاق البَحْر، والسِّنون ونَقْص من الثَّمَرات، وبعضُهم قال: ضرَب الحَجَر بالعَصا فيَتفجَّر.
أمَّا لبني إسرائيلَ فيَدخُل فَلْق البَحْر، وكذلك انفِجار الماء من الحَجَر، لكِنَّ هذه الثِّنتَين ليست لآل فِرْعَونَ، فآل فرعونَ آيتهم السِّنون ونَقْص من الثَّمَرات، بالإضافة إلى السَّبْع السابِقة.
فإن قال قائِل: يَستَخدِم بعضُ عُلماء الجرْح والتَّعديل إذا تَكلَّموا في رجُل يَقولون: هذا الرجُلُ كعصا مُوسى، تَلقَف ما يَأفِكون. وبعض الإِخْوان يَمزَح بها
стр. 215
فيقول للآخَرِ: أنت كعَصا موسى تَلقَف ما يَأفِكون. فهل يَصِحُّ هذا؟
فالجَوابُ: أنا أَرَى أنه حتَّى المُحدِّثون يَقولون هذا -نَسأَل الله لهم العَفوَ- لا يَنبَغي أن يَقولوا هكذا؛ لأنه يُخشَى أن تُستَعمَل استِهْزاءً، وإن كان المُحدِّثون لا يُريدون هذا إطلاقًا، فالأَوْلى أنْ يُقال: هذا الرَّجُلُ مِثل آية، وهذا الرجُل واسِع الاطِّلاع، وهذا الرجُلُ واسِع العِلْم، وما أَشبَه ذلك.
وكذلك أيضًا مَن يَقول: فُلان يَملِك عصا موسى السِّحرية. فهذا أيضًا لا يَجوز، هذا أشَرٌّ، لأنَّ قوله: عصا موسى السِّحْرية. يَعنِي: أنَّ ما جَاءَ به سِحْرٌ، وهذا خَطير.
وقد أَرسَل الله موسى بآياتِنا وسُلْطان مُبين، والسُّلْطان كل ما يَكون للإنسان به سُلْطة؛ أي: حُجَّة وقُوَّة، ويَختَلِف باختِلاف السِّياق؛ ، فالسُّلْطان في كل مَوْضِع بحَسَبه، فالسُّلطان بالنِّسبة للأَبِ مع أولاده في التأديب سُلْطان ضَرْب، والسُّلْطان فيمَن دُعُوا إلى الله سُلْطان بيان، والسُّلْطان أيضًا فيمَن جُودِل سُلطان حُجَّة، وهو يَختَلِف باختِلاف المَواضِع.
المُهِمُّ: أنه ما كان فيه سُلْطة على الغير فهو سُلْطان.
وقوله: ﴿مُبِينٍ﴾ يُحتَمَل أن تَكون من اللَّازِم ويُحتَمَل أن تَكون من المُتعدِّي، وذلك أنَّ أبانَ الرُّباعيَّ يَكون لازِمًا ويَكون مُتعدِّيًا، فتَقول: أبنتُ له الحقَّ. وتَقول: أَبانَ الصُّبح؛ أي: بانَ وظهَر، فهي رُبَاعِيَّةٌ صَالِحَةٌ للتَّعَدِّي واللُّزوم.
فإن قال قائِل: كيف يَكون فِعلًا واحِدًا صالِحًا للتَّعدِّي واللُّزوم؟
قلنا: نعَم يَصْلُح، اللُّغة العربية واسِعة، فمثلًا: "رَجَعَ" فِعْل ماضٍ ثلاثيٌّ، يَكون لازِمًا وَيكون مُتعدِّيًا، قال تعالى: ﴿يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ﴾ [المنافقون: ٨] ,
стр. 216
هذا لازِم، وقال تعالى: ﴿فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلَى طَائِفَةٍ مِنْهُمْ﴾ [التوبة: ٨٣] , هذا مُتعَدٍّ، فلا مانِعَ من أن يَكون الفِعْل الواحِد لازِمًا في سِياق ومُتعدِّيًا في سِياق آخَرَ، ومن ذلك "أَبانَ".
فهل قوله : ﴿وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾ مَعناها بَيِّن، أو مُبين مُظهِر للحَقِّ؟ نَنظُر أيُّهما أبْلَغُ البَيِّن في نَفْسه، أو المُبِين لغَيْره؟
الجوابُ: الثاني؛ لأنَّ المُبِين لغيره لا بُدَّ أن يَكون بيِّنًا في نفسه، وعلى هذا فكلِمة ﴿مُبِينٍ﴾ من المُتعدِّي، تكون أَشمَلَ وأَوسَعَ مَعنًى، وما كان أَوسَعَ وأَشمَلَ مَعنى فإنه يُؤخَذ به، ولا نَقول: يُترَك الثاني؛ لأنَّ الثانيَ داخِل في الأوَّل.
من فوائد الآيةِ الكريمةِ:
الْفَائِدَةُ الأُولَى: تَأكيد رِسالة موسى ﵊ بالمُؤكِّدات الثلاثة التي ذكَرْناها آنِفًا. ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا﴾.
وَيتفرَّع على هذه الفائِدةِ: إقامة الحُجَّة على بني إسرائيلَ، الَّذين كفَروا واعتَدَوْا مع أنَّ الله قد أَرسَل إليهم هذا الرسولَ الكَريمَ.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أنَّ الله يُكرِّر ذِكْر قِصَّة موسى، ويَبسُطها تارَةً، ويَختَصِرها تارَةً، ويُنوِّعها، فهي جمَعَت بين الكَثْرة والتَّنويع من حيث الأُسلوب، والتَّنويع من حيثُ البَسْط والاختِصار؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ عاش في قوم مُشرِكين أوَّل الرِّسَالة، وفي قوم يَهود بعد الهِجْرة؛ ولهذا جاءَتِ السُّوَر المَكِّية يُذكَر فيها قِصة موسى ببَسْط واختِصار تارة؛ لأَجْل أَنْ يَتهيّأ النَّبيُّ- صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لمُجَادَلة اليَهود الذين سَتكُون الِهجرة إلى بلَدٍ هُم سَاكِنون فيه؛ ولهذا لا تَجِد قِصَّة نبيٍّ مثل قِصة مُوسى ﵊ لا في تَنوُّعها، ولا في تَكرارها، ولا في أُسلوبها.
стр. 217
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: فَضيلة موسى ﷺ وذلك بما أَكرَمه الله به من الرِّسالة.
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أنَّ موسى ﷺ أُوتِيَ آياتٍ، وبيَّن الله تعالى في آية أُخرى أنها ﴿تِسْعَ آيَاتٍ﴾.
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: أنَّ موسى أُوتِيَ سُلْطانًا؛ أي: سُلْطة وقوَّة في إقامة الحُجَّة، وفي غير ذلك؛ لقوله: ﴿وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾ , وإذا أَرَدْت أن تَعرِف شيئًا من سُلْطانه الذي آتاه الله، فانظُر إلى مُحَاوَرتهِ في سورة الشُّعَراء مع فِرعونَ، حيثُ أَلجمه وأَلقَمه حجَرًا، وفي النِّهاية تَوعَّده بالقوَّة؛ فقال فِرعونُ: ﴿لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ﴾ [الشعراء: ٢٩] , هذه كلِمة إرهاب، ﴿لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ﴾ أشَدُّ إرهابًا ممَّا لو قال: لأَسجُنَنَّك. كأنه يَقول: عِندي أُناسٌ سُجَناءُ كَثيرون، وأنا قادِرٌ على سَجْنك، وسأَجعَلك من بينهم، فيَكون هذا أشَدَّ في الإرهاب ممَّا لو قال: لأَسجُنَنَّك.
الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: ما أَشَرْنا إليه في الآية التي قبلَها أنه ما من رَسولٍ أُرْسِلَ إلَّا وأُوتِيَ آياتٍ بيِّناتٍ تَدُلُّ على صِدْقه، وهذا من حِكْمة الله، ومن رحمة الله، ويَأتِي -إن شاء الله- بَقيَّة الكَلام على القِصَّة.
وقد أكَّدَ ذلك الحَديثُ الثابتُ عن النَّبيِّ ﷺ : "إِنَّ الله مَا بَعَثَ نَبيًّا إِلَّا آتاهُ مِنَ الْآيَاتِ مَا يُؤْمِنُ عَلَى مِثْلِهِ الْبَشَرُ" (١).
ومَعنَى "مِثله": أي مثل الآيات التي جاء بها، عدَدًا وكَيْفيةً؛ على مِثله يُؤمِن البَشَر، بحَسب الذي أُرسِل إليهم. يَعنِي: مَعناها أنَّ الآياتِ التي يَأتِي بها الرُّسُل
стр. 218
يُؤمِن البَشَر على مثلها، يَعنِي: أنها آياتٌ مُقنِعة.
الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: أنَّ الآياتِ سُلطانٌ وحُجَّة على مَن أُرسِلوا إليهم -أَعنِي: الرُّسُل- بدليل قوله: ﴿وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾، وعلى هذا فيَكون عَطْف (سُلطان) على (آيات) من باب عَطْف الشيء على نفسه؛ لبَيان فائِدته وثَمَرته، فالآياتُ هي السُّلْطان.
الْفَائِدَةُ الثَّامِنة: أنَّ الآياتِ لا بُدَّ أن تَكون مُبيِّنة مُظهِرة للحَقِّ، لقوله: ﴿وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾ ثُمَّ قال ﴿إِلَى فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَقَارُونَ﴾ إلى آخِره.
الْفَائِدَةُ التَّاسِعَةُ: أن الزُّعماء يَقومون مَقام الأَتْباع، لأنَّ الرِّسالة ليسَتْ إلى هَؤلاء الثلاثة فقَطْ؛ بل إلى آل فِرعونَ كلِّهم، لكن الأسياد يَقومون مَقام الأَتْباع.
الْفَائِدَةُ الْعَاشِرَةُ: أن العُتاة المُعانِدين للرُّسُل تَتَنوَّع أسبابُ عِنَادِهم ومُعَارضتهم للرُّسُل، قد تَكون السلطة، وقد تَكون الوزارة، وقد يَكون المال، وقد تَكون القُوَّة البدَنية؛ ففي هذه الآيةِ ثلاثة أسباب: المُلْك، والثاني: الوَزارة، والثالث: المال. وفي عادٍ: القُوَّة البدَنية، ﴿وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً﴾ [فصلت: ١٥].
الْفَائِدَةُ الحَادِيَةَ عَشْرَةَ: مُكابَرة المُكذِّبين للرُّسُل، حيث قالوا لهذا الرَّسولِ الكريم: إنه ساحِر، وإنه كذَّاب.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ: أن ما قالوه في رَدِّ الدَّعوة مجُرَّد دَعوة، لأنهم لم يُقيموا على دَعْواهم أيَّ دليل مجُرَّد قالوا: ﴿سَاحِرٌ كَذَّابٌ﴾ , وهذا يَلجَأ إليه الضُّعَفاء العاجِزون، إذا عجَزوا عن مُدافَعة الحُجَّة بالحُجَّة ذهَبوا إلى السَّبِّ والشَّتْم، وما أَشبَه ذلك.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ: أنَّ الآياتِ التي تَأتِي بها الأنبياء يَعجِز عن مِثْلها عامة
стр. 219
الناس؛ لقوله: ﴿سَاحِرٌ﴾ والساحِر مَن يَأتِي بأمور تُعجِز الناس، لكن الفَرْق بين الساحِر وبين النَّبيِّ أن النَّبيَّ مُؤيَّد من عند الله لا بفِعْله هو، بمَعنى: أنَّ السَّاحِر هو الذي يُعَالِج الشيء حتى يَأتِيَ بالمُعجِزة، أمَّا النَّبيُّ فإن الآياتِ تَأتِيه بدون أيِّ عمَل منه، بل بإرادة الله .
فإذا قال إنسان: إِذَنْ ما الفَرْق بين الكَرامة وآية النَّبيِّ؟
قلنا: الفَرْق بينهما أنَّ الكرامة تَأتِي لمتَّبع النَّبيِّ، وأمَّا الآية فتَأتِي للنَّبيِّ نفسه، أي أنَّ مَن آتاه الله كَرامة من الأولياء، ليس يَقول: إنه رَسول، ولا إنه نَبيٌّ. ولكِن الله يُعطيه الكَرامة تَأْييدًا له، أو تَأْييدًا للإسلام، وفي ذلك أيضًا آيةٌ للنَّبيِّ الذي يَتبَعُه.
فإن قال قائِل: هناك مَن يَقول: إنَّ في السَّابِق كانت المُعجِزات الحِسِّيَّة خارِقة للعادة، ثُم حين تَطوَّر العقل البشَريُّ وبلَغ أَوَجه في عهد النَّبيِّ ﷺ أتى القُرآن؟
فالجَوابُ: هذا رُبَّما نَقول: هذا صحيح. لكن الرسول ﵊ محمدٌ أتى بمُعجِزات حِسِّية، ومُعجِزات مَعنَوية، له مُعجِزات حِسِّية عَظيمة؛ انشِقاق القمَر مُعجِزة، نَبْع الماء من بين أَصابِعه (١) مُعجِزة، فوَران الماء من البِئْر التي نضَب ماؤُها لمَّا مجَّ فيها شيئًا من فمِه (٢)؛ كل هذه مُعجِزات حِسِّية.
أمَّا السِّحْر والشَّعْوذة فهو كل خارِق للعادة يَظهَر على يَدِ مخُالِف الرسول.
وقد أَنكَرت المُعتَزِلة الكراماتِ وقالت: لو أننا أَثبَتْنا الكراماتِ لاشتبَه النَّبيُّ
стр. 220
بالوَليِّ، والوَليُّ بالساحِر! فيُقال: هذه مُغالَطة، لأن النبيَّ يَقول: إنه نبيّ. والذي ظهَرَت كرامةٌ على يَدِه يَقول: إنه ولىٌّ وليس بنَبيٍّ. والساحِر ليس نَبيًّا ولا وَليًّا، مَعروف بأنه فاسِقٌ مخُالِف للشَّرْع، فلا يُمكِن أن يَكون التِباسٌ.
فإن قال قائِل: بالنِّسبة لبعض الناس الذين يَعتَقِدون في المَشايخ، وكذا يَقولون: إن الشَّيْخ يَنفَع ويَضُرُّ، ولكن بإِذْن الله تعالى، فنُريد رَدًّا حاسِمًا عليهم، يَقولون: هم يَنفَعون وَيضُرُّون، ولكن بإِذْن الله.
فالجَوابُ: نَقول: أين الدَّليل على أن الله أَذِنَ لهم؟ فإن قيل: الدَّليل الحِسُّ، وهو كَثْرة حُصول هذا الشيءِ. قيل: كَثْرة حُصول هذا الشيءِ إمَّا أن يَكون شيئًا يُدرِكه كل إنسان، فلا مِيزةَ للمَشايخ مِثْل الدُّعاء يَدعو فيَستَجيب الله، وإمَّا أن يَكون شيئًا لا يُدرِكه الإنسان فهو من الشَّياطين، الشياطين تَخدُم هَؤلاءِ الشيوخ؛ لأنهم يُضِلُّون عن سبيل الله، والشَّيْطان لا يُريد منَّا إلَّا أن يُوقِع بينَنا العَداوة والبَغْضاء، وَيصُدَّنا عن ذِكْر الله فنَقول هذا، ولا شَكَّ أنهم يُضِلُّون العوامَّ، فيقولون: تَعالَ تُريد أن تَصير حِمارًا حصانًا، يَدعو الله ظاهِرًا، والشَّيْطان يُحوِّل هذا الحِمارَ إلى حصان بالرُّؤْية، يعني نوع من السِّحْر نَوْع بالتَّمويه، وهُمْ يَأكُلون أموال الناس بالباطِل.
وأنا سمِعْت من بعض الجِهات في إفريقيا المَشايخ يَقولون: إنه قد رُفِع عنَّا التَّكليف، لا أحَدَ يَصوم ولا نُصلِّي ولا نُزكِّي ولا شيء، ورُفِع عنَّا كل المُحرَّمات؛ ولهذا يَكون الواحِد منهم مثل التَّيْس يَتزوَّج خَمسين امرأةً أو أكثَرَ بعَقْد النّكاح، فهو وليٌّ مَرفوع عنه التَّكاليف، ويَقول: هذه التَّكاليفُ ما هي إلَّا وسائِلُ حتى تَصِل إلى الغاية، إذا وصَلت إلى الغاية بطَلَت التّكاليفُ، كالرجُل يَتَأهَّب إلى السفَر وَيركَب السَّيَّارة، أو يَأخُذ عصا الجمَل، فإذا وصَل إلى البَلَد رَماها -نَسأَل الله العافِيةَ-
стр. 221
والشياطين تَخدُمهم، حتى ذكَر شيخ الإسلام ﵀ (١) أن بعض الناس يَقول: إني رأَيْتك أنت في عرَفةَ، أنت يا ابنَ تيميَّةَ. وهو في الشام لم يحُجَّ، يَقول: هذا الشَّيْطانُ يَتمَثَّل بي. يَقول: أنا ابنُ تَيميَّةَ. وَيقول للذي يجيء إليه: يَقول ابن تيميَّةَ: هذا حلال، وهذا حرام.
وقول الله تعالى: ﴿إِلَى فِرْعَوْنَ﴾ مُتعلِّق بإِرسالنا، وفِرعونُ هو حاكِم مِصرَ، الذي مَلَكها وسُلِّطَ على بني إسرائيلَ؛ فكان يُقَتِّل أَبناءَهُم ويَستَحيِي نِسَاءَهم، قيل: إنه كان يَفعَل ذلك من أَجْل أنه قيل له؛ أو قال له بعضُ الكَهَنة: إنه سيَكون في بني إسرائيلَ رجُل يَكون زوالُ مُلْكِك على يَدِه. هذا قول؛ وقول آخَرُ: إنه فعَل ذلك إِذْلالًا لهم وإهانةً؛ لأنَّه إذا قُتِّل الرِّجال وبقِيَت النِّساء هلَكَتِ الأُمَّةُ، وهذا القول أقوى، وذلك لأنَّ القول الأوَّل مُعتمَدُه النَّقْل عن بني إسرائيلَ، ومَعلوم أنَّ النَّقْل عن بني إسرائيلَ لا يُصدَّق ولا يُكذَّب، والمعنى المَعقول لكونه يُذَبِّحُ أبناءَهُم وَيستَحْيي نِساءَهم، هو إذلال هذا الشَّعبِ، وهو قِلَّةٌ بالنِّسبة للأَقْباط.
قوله: ﴿إِلَى فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ﴾ هامانُ وزيرُ فِرعونَ، وقارونُ تاجِرُ آل فِرعونَ؛ لأن قارونَ كان غنِيًّا غِنًى عظيمًا، حتى قال الله تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ﴾ أي: من الذهَب والفِضَّة ﴿مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ﴾ أي: الذي إن مِفاتِحَه ﴿لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ﴾ [القصص: ٧٦] تَنوء يَعنِي: تَثقُل بهم؛ أي: تَثقُل، العَصَبة؛ أي: الطائِفة من الناس الأقوياء هذه مَفاتيحه.
إِذَنْ: فالخَزائِن كثيرة وعَظيمة ﴿قَارُونَ﴾ فقالوا: الضَّمير يَعود على الثلاثة، فِرعونَ وهامانَ وقارونَ ﴿فَقَالُوا سَاحِرٌ كَذَّابٌ﴾ ﴿سَاحِرٌ﴾ خبَرُ لمُبتَدَأ مَحذوف،
стр. 222
قدَّره المفَسِّر ﵀ بقوله: [هو ﴿سَاحِرٌ كَذَّابٌ﴾].
والساحِرُ اسم فاعِلٍ من السِّحْر، وهو الذي يَسحَر الناس؛ فيُريهم الحقائق على غير ما هي عليه، وليس هو الذي يُغيِّر الحقائِق؛ لأنه لا يُغيِّر الحَقائِق إلَّا الخالِق ، لكن يُرِي الناس الحقائِق على غير ما هي عليه، مثل ما فعَل السحَرة -سحَرة آل فِرعونَ- حين أَلقَوُا الحِبال والعِصيَّ؛ فرآها الناس وكأنها حيَّاتٌ تَسعى، وهي ليست كذلك.
هؤلاء قالوا: إن موسى ساحِر، كيف يُلقِي العصا فتكون حَيَّة؟ ! كيف يُدخِل يدَه فتَخرُج بَيْضاءَ من غير سوء؟ ! ليس هذا إلَّا سِحْر. ﴿كَذَّابٌ﴾.
وقوله: ﴿كَذَّابٌ﴾ أي: كاذِب فيما ادَّعى من الرِّسالة، فهو في آياته ساحِر، وفي دَعْواه كاذِب، ثُم قال: ﴿كَذَّابٌ﴾ صيغة مُبالَغة أو نِسبة، والفَرْق بين صيغة المُبالَغة والنِّسبة أنَّ النِّسبة وَصْفٌ مُلازِم، وصيغة المُبالَغة فِعْل حادِث مُتكرِّر. فكلِمةُ النَّجَّار هذه نِسْبة، وقد تَكون صيغة مُبالَغة لكَثْرة نِجارته. وأمَّا إذا قيل: فُلان أكَّالٌ للطعام فهذا قد لا يَكون نِسبة، ولكن لكَثْرة أَكْله سمَّيْناه بأنَّه أكَّال.
стр. 223
الآية (٢٥)
* * *
* قَالَ اللهُ : ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا اقْتُلُوا أَبْنَاءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ وَاسْتَحْيُوا نِسَاءَهُمْ وَمَا كَيْدُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ﴾ [غافر: ٢٥].
* * *
قال تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ﴾ أَرسَله الله بالآيات؛ فقالوا: ساحِر كذَّاب. قال المفَسِّر ﵀: [﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ﴾ بالصِّدْق] ﴿مِنْ عِنْدِنَا﴾: من عِند الله وهو الوَحيُ، حينما قال موسى ﵊: إنَّ الله هو ربُّكم، وإن الله واحِد، وما أَشبَه ذلك ممَّا جرَت فيه المُحَاوَرة بينه وبين فِرْعَونَ، وهذا مَذكور في سورة الشُّعَراء، وفي سورة الإِسراء وغيرهما.
﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ﴾ الذي عجَزوا أن يُقابِلوه بالحُجَّة الداحِضة، تَوعَّد فِرعونُ موسى فقال: ﴿لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ﴾ [الشعراء: ٢٩] , وهذا وَعيد، شيء آخَرُ قالوا: ﴿اقْتُلُوا أَبْنَاءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ وَاسْتَحْيُوا﴾ [غافر: ٢٥] , قال المفَسّر ﵀: [استَبْقوا] ﴿نِسَاءَهُمْ﴾ وعلى هذا فيَكون القَتْل لأبناء بني إسرائيلَ، واستِحْياء النِّساء يَكون وقَع مرَّتَيْن؛ المرة الأُولى قبل أن يُبعَث موسى، والمرة الثانية بعد أن بُعث.
﴿قَالُوا اقْتُلُوا أَبْنَاءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ وَاسْتَحْيُوا نِسَاءَهُمْ﴾؛ لئلاّ يَبقى لهم شَوْكة، ولتَزول هَيْبتهم؛ لأنه إذا لم يَبقَ إلَّا النِّساء فالنِّساء ضَعيفات، لا يَدفَعْن عن
стр. 224
أنفُسِهِنَّ، ولا يُدافِعن عن حُقوقِهن، فيَبقَى موسى وقومه على أَسوَأ حال.
ثُمَّ قال الله تعالى: ﴿وَمَا كَيْدُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ﴾ قال المفَسِّر ﵀: [هَلاك] (ما) نافية، و ﴿كَيْدُ﴾ مُبتَدَأ، ولا يَصِحُّ أن يَكون اسمها؛ لأنَّ مِن شرط عمَل (ما) عمَلَ (ليس) أن لا يُنتَقَض النَّفيُ. قال ابنُ مالِك ﵀:
................ ... مَعَ بَقَا الْنَّفْي وَتَرْتِيْبٍ زُكِنْ (١)
فإذا انتَقَضَ النَّفيُ؛ فإنَّها لا تَكونُ عَامِلَة عمَل (ما)، وفي القُرآن الكريم كثير من هذا: ﴿مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ [المؤمنون: ٢٤] , ولم يَقُل: ما هذا إلَّا بشَرًا؛ لأنه انتُقِض النَّفيُ، إِذَنْ: (ما) نافِية، و ﴿كَيْدُ﴾ مُبتَدَأ.
وقوله: ﴿كَيْدُ الْكَافِرِينَ﴾ الكَيْد والمَكْر والخِداع، وما أَشبَهَها، كلُّها كلِمات مُتقارِبة، معناها التَّوصُّل إلى الإيقاع بالخَصْم، من حيثُ لا يَشعُر، يَعنِي: يَتوصَّل إلى الإيقاع بخَصْمه بأسباب خَفيَّة، لا يَشعُر بها الخَصْم؛ لأن الكائِدَ والماكِر والخادِع لا يَأتِي بالشيء علَنًا هكذا، بل بأسبابٍ خَفيَّة، فهي التَّوصُّل إلى الإيقاع بالخَصْم من حيث لا يَشْعُر؛ أي: بأسباب خَفيَّة؛ فالكُفَّار لهم كيدٌ عَظيم، يَكيدون على الإسلام، وليسوا يَكيدون للإسلام؛ لأن هُناك فَرْقًا بين الكَيْد على الشيء، والكيد للشيء، قال الله تعالى: ﴿كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ﴾ [يوسف: ٧٦] , ولم يَقُل: على. لكن الكَيْد بالعَدوِّ هذا يُسمَّى كَيْدًا عليه، الكافِرون لهم كَيْد على الرُّسُل، يَكيدون كيدًا عظيمًا، وَيفعَلون كل سبَب يُدحِضون به حُجَّة الرُّسُل، ولكن مَهما عمِلوا؛ فالله يَقولُ: قوله تعالى: ﴿إِلَّا فِي ضَلَالٍ﴾ كَيْدُهم في ضَلال؛ أي: في هَلاك وضَياع. كما أنَّ الضالَّ لا يَهتَدِي السَّبيل كذلك كَيْد هَؤلاء الكُفَّارِ لا يُوصِلهم إلى المَقصود.
стр. 225
من فوائدِ الآيةِ الكريمةِ:
الْفَائِدَةُ الأُولَى: أنَّ موسى ﵊ أتى بالحَقِّ إلى فِرعونَ وهامانَ وقارونَ، وهذا يَدُلُّ على أنه صدَع به أمامَهم.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أنَّ هَؤلاءِ المُكذِّبين عجَزوا عن رَدِّ الحقِّ الذي جاء به؛ فلم يُقابِل الحُجَّة بمِثْلها.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: أنَّ هؤلاءِ الثلاثةَ لجَؤُوا إلى القَتْل والتهديد، قالوا: ﴿اقْتُلُوا أَبْنَاءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾ [غافر: ٢٥].
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أنَّ الذي يَحمِي الدِّيار ويُدافِع عنها همُ الرِّجال، وأن المرأة ليسَت بذاك الذي يُدافِع عن البلَد، أو يَدفَع العُدوَّ؛ دليل ذلك أنَّ هؤلاءِ قالوا: ﴿اقْتُلُوا أَبْنَاءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾.
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: التَّعصُّب التامُّ للكافِرين، يَعنِي: أنهم مُتَعصِّبون، فهم يَقولون: ﴿اقْتُلُوا أَبْنَاءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾ يَعنِي: وغير المُؤمِنين من بني إسرائيلَ لا تَقتُلوهم، اقتُلوا أبناءَ الذين آمَنوا.
الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: أنَّ الله تعالى قد يُسَلِّط أعداءَه على المُؤمِنين، امتِحانًا وابتِلاءً، والواقِع كذلِك، وقد يَكون الإنسان كلَّما اشتَدَّ إيمانه اشتَدَّ إيذاءُ أعداءِ الله له.
الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: أنَّ الكُفَّار يَكيدون للمُؤمِنين؛ لقوله: ﴿وَمَا كَيْدُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ﴾.
الْفَائِدَةُ الثَّامِنة: الحُكْم على هَؤلاء الثلاثة بأنَّهم كُفَّار، ولهذا لم يَقُل: وما كَيدُهم. بل أَظهَر في مَوضِع الإضمار، إشارة إلى أنَّ هَؤلاءِ كُفَّار، وقد سبَقَ لنا أنَّ الإظهار
стр. 226
في مَقام الإضمار يُستَفاد منه ثلاث فَوائِدُ:
الفائِدة الأُولى: الحُكْم على هؤلاء الذين حَلَّ الضَّمير مَحَلَّ ضَمِيرهم بهذا الوَصْف.
والثانية: العُموم والشُّمول.
والثالِثة: إفادة التَّعليل ﴿وَمَا كَيْدُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ﴾.
الْفَائِدَةُ التَّاسِعَةُ: البُشْرى التامَّة للمُؤمِنين بأن الكُفَّار مَهما كادوا؛ فإن كيدَهم ضائِع وهالِك لن يَنفَعهم ولن يَستَفيدوا منه شَيئًا، وإنِ استَفادوا فإنما يَستَفيدون فائِدة مُؤقَّتة، ﴿وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الأعراف: ١٢٨].
стр. 227
الآية (٢٦)
* * *
* قَالَ اللهُ : ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ﴾ [غافر: ٢٦].
* * *
ثُم قال الله تعالى: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ﴾ أَعوذُ بالله! وقد كانوا اقتَرَحوا أن يَقتُلوا أبناءَ بني إسرائيلَ، وَيستَحوا نِساءَهم، لكِنَّ فِرعونَ قال: ﴿ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ﴾ اترُكوني أَقتُل موسى. وإنما قال هذا؛ لأن موسى هو زَعيم بني إسرائيلَ، ومَعلوم أنَّ قَتْل الزعيم يُوجِب وهَن الأَتباع وضَعْفهم.
وفي قوله: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى﴾ اترُكوني، دليلٌ على تمَويه فِرعونَ، وأنه رجُل مُموِّه كائِد، خَبيثٌ كأنَّه يَقول: إن الناس يُمسِكُونني عن قَتْل موسى، ولولا أن الناس يُمسِكوني لقَتَلته. فتقول: اترُكوني عليه، اترُكوني أَقتُله. مع أنه لا أَحَدَ يَستَطيع أن يَرُدَّه عن مُراده؛ لأنه يَقول لهم: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ [النازعات: ٢٤] , لكن يُموِّه ﴿ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى﴾ و ﴿أَقْتُلْ﴾ مجَزوم على أنه جَوابُ الأمر ﴿ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى﴾ وجَوابُ الأمر يَكون مَجزومًا، وهل هو مجَزوم به، أو بشَرْط مُقدَّر؟ على قولَيْن:
القولُ الأوَّلُ: إنه مجَزوم به.
والثاني: إنه مَجزومٌ بشَرْط مُقدَّر، والتَّقدير: إن تَذَروني أَقتُل موسى، والقاعِدة
стр. 228
عِندنا في التَّفسير، وفي الحَديث: أنه إذا دار الكَلام بين التَّقدير وعدَمه فالأصل عدَمُ التَّقدير، وعلى هذا فنَقول: ﴿أَقْتُلْ﴾ فِعْل مُضارع مَجزوم على أنه جوابُ الأمر، وعَلامة جَزْمه السُّكون.
قال المفَسِّر ﵀: [﴿أَقْتُلْ مُوسَى﴾؛ لأنهم كانوا يَكُفُّونه عن قَتْله] بنَى المفَسِّر ﵀ قوله هذا على ظاهِر اللَّفْظ، أنهم كانوا يَكُفُّونه، ويَقول: ذَروني أَقتُله، ولكن الذي نرى: أنَّه كَذَّاب لم يَكُفَّه أحدٌ عن قَتْله، ولا يَستَطيع أحدٌ أن يَكُفَّه عن قَتْله أبدًا، لكن هو أَراد أن يُمَوِّه؛ لأنه لا يَستَطيع أن يَقتُل موسى؛ فادَّعى أنه -أو تَظاهَر بأنه- يُكَفُّ عن قَتْله، وَيقول: ﴿ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى﴾.
قال: ﴿وَلْيَدْعُ رَبَّهُ﴾ تحدٍّ - والعِياذ بالله-، والواو حَرْف عَطْف، واللَّام لام الأَمْر، و"يَدْعُ": فِعْل مُضارع مجَزوم بلام الأمر، وعلامة جَزْمه حَذفُ الواو، والضَّمَّة قبلها دليلٌ عليه، وأصلُ "يَدْعُ": "يَدعو".
وقوله: ﴿أَقْتُلْ﴾ و ﴿وَلْيَدْعُ﴾ هذا تحدٍّ سافِرٌ لموسى ومَن أَرسَله ، يَعنِي: إن كان صادِقًا؛ فلْيَدعُ هذا الربَّ الذي أَرسَله، قال المفَسِّر ﵀: [ليَمْنَعه مِنِّي].
وقوله: ﴿وَلْيَدْعُ رَبَّهُ﴾ ذكَرْنا لكم أنَّ اللَّام لامُ الأمر، وهي ساكِنة، فبعد الواو والفاء و (ثُم) تكون ساكِنة، قال الله تعالى: ﴿فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ لْيَقْطَعْ﴾ [الحج: ١٥] , وقال تعالى: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ [الحج: ٢٩] , وهنا قال: ﴿وَلْيَدْعُ رَبَّهُ﴾.
وقوله: ﴿رَبَّهُ﴾ ولم يَقُل: رَبَّنا؛ لأنه لا يَعتَرِف ظاهِرًا برُبوبية الله، وإنَّما أَضاف
стр. 229
الرُّبوبية إلى مُوسى، من أَجْل التَّبكيت، يَعني: كأنه يَقول: هذا رَبُّك الذى زعَمْت، إن كُنتَ صادِقًا فلْيَمنَعْك مِنِّي.
قال تعالى: ﴿إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ﴾.
قوله: ﴿إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ﴾ هذا الخوفُ حَقيقيٌّ، هو يَخاف أن موسى بما معَه من الآيات يُبدِّل دِين هَؤلاءِ؛ لأن دِينهم التَّعبُّد لفِرعونَ، وموسى يَقول: اعبُدوا الله؛ فإذا جاءَ بالآيات واتَّبَعه الناس بَدَّل الدِّين، فصَارَ الناس بدَل أن يَتَّجِهوا إلى فِرعونَ وَيعبُدوه، يَتَّجِهون إلى الله ؛ ولهذا قال المفَسِّر ﵀: [﴿أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ﴾ من عِبادتكم إيايَ فتَتَّبِعونه].
إِذَنْ: دِينهم هو عِبادتهم فِرعونَ، فإذا دعاهم موسى إلى عِبادة الله انصَرَفوا إلى الله، فتَبدَّل الدِّين، واتَّبَعوا موسى.
فقوله: "وَأَنْ يَظهَر فى الأَرْض الفَسادُ" الفَساد على زَعْمه هو: صرف الناس عن عِبادته إلى عِبادة الله، هذا وَجهٌ.
وجه آخَرُ: تَفريق الناس بدَل أن كانوا مُتَّفِقين عليه، ما بين خائِف وراغِب، يَختَلِفون؛ فيَكون بعضُهم تابِعًا لمُوسى، وبعضُهم لفِرْعون، وتَفرُّق الأُمَّة لا شكَّ أنه فَساد، فصار إظهار الفَساد يَدَّعيه من وجهَيْن: الأوَّل: تَغيِير الدِّين. والثاني: تَفريق الأُمَّة.
قال المفَسِّر ﵀: ["وَأَنْ يَظهَرَ فى الأَرْضِ الفَسادُ" مِنْ قَتْل وغَيْره]، القَتْل هذا غالِبًا من لازِم الاختِلاف، ولازِم الاختِلاف بين الأُمَّة أن يَصِل بهم النِّزاع إلى حَدِّ المُقاتَلة أو غيره، ومنه تَغيُّر عِبادة الناس من عِبادة فِرعونَ إلى عِبادة الله.
стр. 230
قال المفَسِّر ﵀: [وفي قِراءة (أو)] إِذَنِ الشَّارِح شرَح على الواو؛ لأنه قال: [وفي قِراءة (أو)] وهذه القِراءة سَبْعية؛ بِناءً على الاصطِلاح الذي تقدَّم، أنه إذا قال: وفي قِراءَة، أو قال بالضَّمِّ والفَتْح مثَلًا؛ فهي سَبْعية. وإذا قال: قُرِئ فهي شاذَّة.
قال المفَسِّر ﵀: [وفي أُخرَى بفَتْح الياء والهاء وضَمِّ الدال] "وَأَنْ يَظْهَرَ فى الأَرْض الفسادُ" ضمُّ الدال على أنَّ "الفَساد" فاعِل "يَظهَر".
وهذه القِراءات تَختَلِف مَعنى من حيثُ الظاهِر؛ لكنَّ مُؤدَّاها واحِدٌ؛ لأنه إذا أَظهَر موسى الفَساد في الأرض، ظهَر الفَساد، فيكون اختلاف القراءات فيه فائدة: أولًا: الفائدة من (أو) والواو: إذا كانت (أو) صار أنَّه خاف أحَد أَمْرين: أن يُبدِّل الدِّين، أو أن يُظهِر الفَساد، والواو ﴿أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ﴾ و ﴿أَنْ يُظْهِرَ﴾ يَكون خاف من اجتِماع الأَمْرين؛ تَبديل الدِّين، وظُهور الفَساد.
ولا بُدَّ من أحَدِ الأمرين؛ إمَّا أن يُبدِّل الدِّين، وإمَّا أن يُظهِر الفَساد، وإن لم يُبدِّل الدِّين لا بُدَّ أن يَكون هناك قَتْل ونزاع، ولا بُدَّ أيضًا من طرَف آخَرَ أن يُجمَع بين الأمرَيْن؛ تَبديل الدِّين، وظُهور الفَساد، بالنِّسْبة (ليَظْهَر) و (يُظْهِر) نَقول: إذا قصَد إظهار الفَساد؛ فقد يَظهَر وقد لا يَظهَر، فإذا كان "وَأَنْ يَظْهَرَ فِى الْأَرْضِ الْفَسَادِ" صار حُصول ما أَرادَه من إظهار الفَساد.
فالقِراءات مُؤدَّاها واحِد "وَأَنْ يَظْهَرَ فِى الْأَرْضِ الْفَسَادُ".
من فوائد الآيةِ الكريمةِ:
الْفَائِدَةُ الأُولَى: تمَويه فِرعونَ، وأنه رجُلٌ ماكِر مخُادِع يُظهِر خِلاف الواقِع؛ لقوله: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى﴾.
стр. 231
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: شِدَّة حَنَق فِرعونَ على موسى؛ إلى حَدِّ أنه أَراد قَتْله.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: شِدَّة تَحدِّي فِرعونَ، حيثُ قال: دعَوني أَقتُله، ولْيَدْعُ ربَّه؛ يَعني: يَتَحدَّاه إذا دعا رَبَّه هل يُفيده أو لا.
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: خوفُ الكُفَّار من سِلاح المُؤمِنين بالدُّعاء؛ لقوله: ﴿وَلْيَدْعُ رَبَّهُ﴾ وإن كان المَقصودُ التَّحدِّي، لكن لا شَكَّ أنه قد فَهِم أن الدُّعاء سِلاح لموسى ﵊.
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: تَعصُّب الكُفَّار لدِينهم؛ لقوله: ﴿إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ﴾.
الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: أن قَوْم فِرعونَ يَدينون له بالعِبادة، يَعنِي: يَتَّخِذون تَذلُّلهم له عِبادة؛ لقوله: ﴿إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ﴾.
الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: أنَّ الكُفَّار يَرَوْن أنَّ الإيمانَ فَسادٌ في الأَرْض، لقوله: ﴿أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ﴾ وإذا كانوا يَرَوْن ذلك، فلا بُدَّ أن يُحوِّلوا بين الناس وبَيْنَه؛ حتى لا تَفسُد الأَرْض على زَعْمهم.
الْفَائِدَةُ الثَّامِنةُ: أن الكُفَّار يَدَّعون ما هو كَذِب؛ لإِبْقائهم على ما هُمْ عليه، وهو دَعْواه أن الناس إذا دانوا لله ظهَر فى الأرض الفَساد، من أَجْل أن يَبقَى الناس على تَديُّنهم لفِرعونَ. واللهُ أَعلَمُ.
стр. 232
الآية (٢٧)
* * *
* قَالَ اللهُ : ﴿وَقَالَ مُوسَى إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لَا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ﴾ [غافر: ٢٧].
* * *
قال المفَسِّر ﵀: [﴿وَقَالَ مُوسَى﴾ لقومه وقد سمِع ذلك ﴿إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ﴾ ... ] إلى آخِره.
قوله: ﴿وَقَالَ مُوسَى إِنِّي عُذْتُ﴾ تَوجيه القَوْل إلى قوم مُوسى ليس بصواب، بل قال مُوسى لفِرعونَ: ﴿إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ﴾ هذا إن كان فِرعونُ قد قاله له مُواجَهةً، يَعنِي: قال: ﴿ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى﴾ مُواجَهةً، فإن موسى قال: ﴿إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ﴾ منكم, ولكن قال: ﴿مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ﴾ , أمَّا إذا كان فِرْعونُ يَتَحدَّث مع قومه وسَمِعَ موسى ذلك؛ فعلى ما قال المفَسِّر ﵀ أنَّ موسى لمَّا سمِع هذا قال: ﴿إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ﴾ , ولكن الظاهِر -واللهُ أعلَمُ- أنَّ المعنى الأوَّلَ أصَحُّ أنه قاله لفِرعونَ حين قال: ﴿ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى﴾.
﴿وَقَالَ مُوسَى إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ﴾ ﴿عُذْتُ﴾ بمعنى: اعْتَصَمْتُ بالله؛ لأن عِياذة الشيء الاعتِصام به، قال العُلَماء: ويُقال: العِياذ واللِّياذ الفرق بينهما أنَّ اللياذ فيما يُرجَى، والعِياذ فيما يُخشَى.
فمَعنى ﴿عُذْتُ﴾: اعتَصَمْت بربِّي وربِّكم، بربِّي وربِّكم، هذه الرُّبوبيةُ العامَّة
стр. 233
والخاصَّة، ربِّي هذه رُبوبية خاصَّة وربكم ربوبية الله لفِرعونَ وقومه من الربوبية العامَّة.
وقوله تعالى: ﴿مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لَا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ﴾ وهذا الوَصْفُ يَنطَبِق تمَامًا على فِرعونَ، فهو مُتكَبِّر طاغٍ عاتٍ عالٍ، والمُتكبِّر هو المُترفِّع كِبرياءً عن الحقِّ، وعلى الخَلْق، لأن الكِبْر إمَّا عن الحقِّ وإمَّا على الخَلْق؛ لقول النبيِّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: "الْكِبْرُ بَطَرُ الحَقِّ وَغَمْطُ النَّاسِ" (١) "بَطَرُ الحَقِّ" يَعنِي: احتِقارَه وازدِراءَه، وهذا التَّكبُّرُ عن الحقِّ، و"غَمْطُ النَّاسِ" يَعنِي: احتِقارهم، وهذا التَّكبُّر على الخلْق، وإذا اجتَمَع في قَلْب المَرْء تكبُّر على الخلْق، وتكبُّر عن الحقِّ فهو الهالِك، والعِياذ بالله.
وقوله: ﴿لَا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ﴾ يَعنِي: يوم القِيامة، وعدَل عن قوله يوم القِيامة إلى يوم الحِساب؛ لأن الحِساب أشَدُّ خَوْفًا من يوم القِيامة، إذا قِيل للإنسان: إنك سَوْف تُحاسَب على ما عمِلْت من خيرٍ وشَرٍّ؛ فإنه سوف يَخاف وَيوجَل ويَستَقيم.
وإنَّما ذكَر الحِساب دون القِيامة؛ لأنه أشَدُّ تَخويفًا؛ فإن الإنسان إذا عَلِم أنه سيُحَاسَب على عمَله، فسَوْف يَرتَدِع عن المَعاصِي، ويَقوم بالأَوامِر.
من فوائدِ الآيةِ الكريمةِ:
الْفَائِدَةُ الأُولَى: قُوَّة موسى ﵊ وصَراحته؛ حيث أَعلَن أمام مُهدِّديه بالقَتْل بأنه عاذَ بالله ربِّه وربِّهم؛ لقوله: ﴿إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ﴾ [غافر: ٢٧].
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: قوَّةُ تَوكُّله ﵊، حيث اعتَمَد على الله أمام هذا الطاغِيةِ
стр. 234
الذي يَسْهُل عليه أن يُنفِّذ ما تَوعَّد به.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: وَصْف فِرعونَ بهذَيْن الوَصْفين الذَّميمَيْن: التَّكبُّر، وأنَّه لا يُؤمِن بيَوْم الحِساب.
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: العُدول إلى العُموم دون الخُصوص؛ لأنه لم يَقُل: إني عُذْت برَبِّي وربِّكم من فِرعونَ، ولكن قال: ﴿مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ﴾ [غافر: ٢٧] , ليَعُمَّ فِرعونَ وغير فِرعونَ.
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: أنه إذا جاءَت بصِيغة العُموم وبالوَصْف انطَبَقت على فِرعونَ، وبَيَّنت أنه مُتَّصِف بالاستِكْبار، وكذلك الكُفْر بيَوم الحِساب.
الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: إثبات يَوْم الحِساب، وهو يوم القِيامة، والحِساب ليس مُناقَشة الإنسان على عمَله؛ لأنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: "مَنْ نُوقِشَ الحِسَابَ عُذِّبَ" (١)؛ لأن الله لو ناقَشَك لكانت نِعْمة من نِعَمه تُغطِّي جَميع الحَسَنات التي قُمْت بها، بل إن حَسَناتك التي قُمْت بها نِعْمة من الله تَحتاج إلى شُكْر، ثُم إذا وُفِّقت لشُكْرها تَحتاج إلى شُكْر آخَرَ للتَّوْفيق إلى الشُّكْر، ثُم هَلُمَّ جرًّا؛ ولهذا قال الشاعِرُ:
إِذَا كَانَ شُكْرِي نِعْمَةَ الله نِعْمَةً ... عَليَّ لَهُ فِي مِثْلِهَا يَجِبُ الشُّكْرُ
فَكَيْفَ بُلُوغُ الشُّكْرِ إِلَّا بِفَضْلِهِ ... وَإِنْ طَالَتِ الْأيَّامُ وَاتَّصَلَ الْعُمْرُ
وهذا صَحيح؛ فالحِساب هو أنَّ الله تعالى يَخلو بعَبْده المُؤمِن، ويُقرِّره بذُنوبه،
стр. 235
فيَقول: عمِلت كذا، عمِلت كذا؛ فإذا أَقَرَّ قال: قد سَترتها عليك في الدُّنيا، وأنا أَغفِرها لك اليومَ، أمَّا الكُفَّار فإنهم لا يُحاسَبون محُاسَبة مَن تُوزَن حَسَناته، وسَيِّئاته، لأنه ليس لهم حَسَنات، ولكن تُحصَى أعمالهم، ويُوقَفون عليها، ويُخزَوْن بها، يَعنِي: يُذلُّون بها، ويُقال: ﴿هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [هود: ١٨]؛ هذا هو حِساب الكُفَّار، وذاك حِساب المُؤمِنين.
стр. 236
الآية (٢٨)
* * *
* قَالَ اللهُ : ﴿وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ﴾ [غافر: ٢٨].
* * *
قال تعالى: ﴿وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا﴾ إلى آخِره؛ لمَّا سمِع هذا الرجُلُ المُؤمِن بتَهديد فِرعونَ لموسى بالقَتْل، قال ذلك، وتَأمَّل سِياق الآية، ﴿وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ﴾ لم يُعيِّنه باسْمِه، بل قال: ﴿رَجُلٌ مُؤْمِنٌ﴾ كِتْمانًا له؛ لأنه ليس المَقصود مَعرِفة الاسم، إنَّما المَقصود مَعرِفة القَضيَّة، أمَّا تَعيِين الأسماء فهي من فُضول العِلْم، بمَعنَى: إنْ حَصل فهذا طَيِّب، وإن لم يَحصُل فلَيْس ذا أَهمَية.
قوله: ﴿وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ مُؤمِن بالله، ورُبما نَقول: مُؤمِن بمُوسى أيضًا. ﴿مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ يُحتَمَل أنَّ المُراد من قَرابته، لأن آل الإنسان قرابته، ويُحتَمَل أن المُراد من أَتْباعه؛ لأن الآل تُطلَق على الأَتباع، وأيًّا كان فالرَّجل ليس من بني إسرائيلَ، بل هو من قَوْم فِرعونَ، سواء كان من قَرابته، أو من قَوْمه الذين يَنتَمون إليه، وقول المفَسِّر ﵀: [قيل هو ابنُ عَمِّه] هذا قول أَشار المفَسِّر إلى ضَعْفه بكلِمة: قيل.
стр. 237
قوله: ﴿يَكْتُمُ إِيمَانَهُ﴾ أي: يُخفيه وُيسِرُّه خوفًا على نَفْسه، وفي قوله: ﴿رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ﴾ هذه ثَلاث صِفات: مُؤمِن، من آل فِرعونَ، يَكتُم إيمانه.
وقد قال عُلَماء النَّحو: إنَّ النَّكِرة إذا وُصِفت أوَّل مرَّة فإن ما بعدَها يَجوز أن يَكون حالًا، ويَجوز أن يَكون صِفَة، وعلى هذا؛ فيَجوزُ أن يَكون ﴿مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ حال، و ﴿يَكْتُمُ إِيمَانَهُ﴾ حال، ويَجوز أن يَكون ﴿مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ صِفة ثانية، و ﴿يَكْتُمُ إِيمَانَهُ﴾ حال، ويَجوز أن تكون ﴿مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ صِفة ثانية، و ﴿يَكْتُمُ إِيمَانَهُ﴾ صِفة ثالِثة، ﴿يَكْتُمُ إِيمَانَهُ﴾؛ أي: يُخفيه عن فِرعونَ وقومِه.
قوله: ﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ﴾ الاستِفْهام هنا للإنكار، يَعنِي: كيف تَقتُلون رجُلًا لم يَأتِ بشَيْء إلَّا أنه يَقول ربِّي الله؟ ! وهذا كقوله تعالى: ﴿وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ [البروج: ٨] , وقوله: ﴿أَنْ يَقُولَ﴾ (أن) هذه مَصدَرية على تَقدير اللَّام، ولهذا قدَّرها المفَسِّر ﵀ بقوله: [أي: لأن يَقول] فعلى هذا تَكون (أن) مَنزوعة اللَّام، التي للتَّعليل؛ أي: بقوله ربِّي الله، لا فِرعونَ. وهم يَرَوْن أنَّ ربَّهم فِرعونُ.
قال المفَسِّر ﵀: [﴿وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ بالمُعجِزات الظاهِرات من ربِّكم]، ﴿وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ الباء للمُصاحَبة، والبَيِّنات صِفة لمَوْصوف محَذوف، وتَقديرها -خِلافًا للمُؤلِّف- الآيات، أي: جاءَكم بالآيات البَيِّنات، أي: الظاهِرات التي تَدُلُّ دَلالة قاطِعة على أنه نَبيٌّ.
قوله: ﴿وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ﴾ هذا يُسمَّى عند عُلَماء المَنطِق (السَّبْر والتَّقْسيم)، لأن موسى الآنَ إمَّا
стр. 238
أن يَكون صادِقًا، وإمَّا أن يَكون كاذِبًا، وليس هناك رُتْبة بين الصدق والكذِب؛ لأنه هو يَقول: إنه رسول الله، فإمَّا أن يَكون صادِقًا في هذا، وإمَّا أن يَكون كاذِبًا، وعلى كلٍّ فإنه لا يَضُرُّكم أن تُصدِّقوه؛ ولهذا قال المفَسِّر ﵀: [﴿وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ﴾ أي: ضرَر كذِبِه]، وسوف يُوقِع الله به الخِزيَ والعارَ لو كذَبَ على الله، قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جَاءَهُ﴾ [الزمر: ٣٢] , والآيات في هذا المَعنَى كَثيرة، وأن الله تعالى يَهتِكُ سِرَّه ويُبيِّن كذِبَه؛ فيَكون كذِبُه عليه.
وقوله: ﴿وَإِنْ يَكُ صَادِقًا﴾ في أنه رَسول وكذَّبْتُموه أنتم أَصابَكم بعض الذي يَعِدُكم، قال المفَسِّر ﵀: [من العَذاب عاجِلاً]، وكذلك يُصِبْكم في الآخِرة آجِلاً؛ فصار الآنَ الخطَر عليه إن كان كاذِبًا وأنتُم سَوْف تَسلَمون، والخطَر عليكم إن كان صادِقًا، وهو سَوْف يَنجو.
وهذا لا شَكَّ أنه من تمَام نُصْحِه أنَّ الرَّجُل تَنزَّل مع آل فِرعونَ إلى هذا التَّنزُّل، لم يَقُل: إنه صادِق مع أنه كان يُؤمِن به، لكن هذا من باب التَّنزُّل.
وهنا قال: ﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا﴾ ولم يَقُل: أتقْتلون مُوسى، إبعاداً للتُّهْمة عن نَفْسه؛ لئَلَّا يَظُنَّ أحَدٌ أنه كان يَعْرِفُ مُوسى وأنه يُدافِع عَنْهُ عَنْ مَعرِفة، ولكنه أتى بـ ﴿رَجُلًا﴾ النَّكرة إبهامًا للأمر وَشِدَّةً في إِخْفائه.
قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ﴾ ﴿مُسْرِفٌ﴾ أي: مُتَجاوِز للحَدِّ، ﴿كَذَّابٌ﴾ أي: ذو كَذِب، وهل هَذه الجُمْلة تَعليلية؟ وهل هي تَعود على مُوسى، أو تَعود على فِرعونَ؟
نَقول: هي صالحِة للأَمْرين، كل مَن كان مُسرِفًا كذَّابًا، فإن الله لا يَهديه، وهذا
стр. 239
الوَصْفُ يَنطَبِق على فِرعونَ، فإنه مُسرِف مُتَجاوِز للحَدِّ، كذَّاب، مُدَّعٍ ما ليس له، يَقول: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ [النازعات: ٢٤] , وكذَب في ذلك؛ فهو مُسرِف كذّاب؛ كذلك أيضًا في مَقام المُجادَلة والتَّنزُّل تَنطَبِق على موسى لو كان كاذِبًا؛ فإنه يَكون مُسرِفًا مُتجاوِزًا للحَدِّ، وادِّعائه الرِّسالة وهو كاذِب، وكذلك كَذَّاب لأنه ادَّعى ما ليس صادِقًا فيه.
وعلى كل حال: فالجُمْلة هنا صالحِة لأن تَكون مُنطَبِقة على فِرعونَ، وهي مُنطَبِقة على الحَقيقة، أو على موسى من بابِ التَّنزُّل مع الخصْم.
من فوائدِ الآيةِ الكريمةِ:
الْفَائِدَةُ الأُولَى: أنه يَنبَغي العِناية بمَضمون القِصَّة، دون عَيْن مَن وقَعَت عليه؛ لقوله: ﴿وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ﴾ وإلَّا فنحن نَعلَم أنَّ الله يَعلَم مَن هذا الرجُلُ، ويَعلَم اسمه ونَسَبه، وكل شيء يَتَعلَّق به، لكنَّ الله تعالى ذكْره إبهامًا، إشارة إلى أن المهمَّ مَضمون القِصَّة دون عين مَن وقَعَت عليه، إلَّا إذا كان في تَعْيينه مَصلَحة، فالمَصلَحة ذِكْره وتَعْيينه.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أنه قد يَكون من صُلْب المُعادِين مَن هو من الأَوْلياء؛ لقوله هنا: ﴿مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ [غافر: ٢٨] , سواء قُلْنا: من قَرابته، أو من أَتْباعه على دِينه؛ فإنه يَدُلُّ على أن الله على كل شيء قَدير، وأنه قد يُقيِّض أو يُهيِّئ الإيمان لمَن كان بين قَوْم مُنغَمِسين في الكُفْر.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: جَواز إخفاء الإيمان؛ إذا خاف الإنسان على نفسه؛ لقوله: ﴿يَكْتُمُ إِيمَانَهُ﴾ [غافر: ٢٨] , ولكن إذا كان الإنسان لا يَستَطيع أن يَعيش مُؤمِنًا إلَّا
стр. 240
بالكِتْمان، فتَجِب عليه الهِجْرة، ففي دِين الإسلام أن مَن كان لا يَستَطيع أن يَعيش إلَّا مخُفيًا دينه؛ فإنه تَجِب عليه الِهجْرة، ولكن بشَرْط أن يَكون قادِرًا عليها، فإن كان عاجِزًا فإن الله تعالى قال: ﴿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا (٩٨) فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا﴾ [النساء: ٩٨ - ٩٩].
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: شِدَّة إنكار هذا المُؤمِن على فِرعونَ الذي هُدِّد بالقَتْل؛ لقوله: ﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ﴾ [غافر: ٢٨].
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: الإنكار على مَن عمِل عمَلًا بدون سبَب يَقتَضيه؛ يُؤخَذ من قوله: ﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ﴾ وهذا ليس سبَبًا للقَتْل، بل على الأقَلِّ يُترَك وشَأْنه، أمَّا أن يُقتَل لهذا السبَبِ فإن هذا مُنكَر، ولا يَجوز إقرارُه.
الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: العُدول عن التَّعيين خوفًا من التُّهْمة، أو إن شِئْت فقُلِ: استِعْمال المَعاريض؛ لقوله: ﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا﴾ ولم يَقُل: أتقْتُلون موسى؛ لأنه لو عَيَّنه باسمه لاتَّهَمه النَّاس بأنَّ له صِلة به، وفسَد ما يُريد، لكِنَّه أَبهَمه وقال: ﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ﴾ إلى آخِره.
فإن قال قائِل: ما مَعنَى المَعاريض؟
فالجَوابُ: المَعاريض مَعناها: أن تُؤدِّيَ بشيء خِلاف الواقِع، أي: يَعنِي كأن يَقول: متى تَجوز المَعاريضُ؟ تَجوز المَعاريضُ إذا كان فيه مَصلَحة، أو دَفْع مَضرَّة، واستِعْمال المَعارِيض على ثلاثة أَوْجُه: الوَجْه الأوَّل: الظُّلْم. والثاني: دَفْع الظُّلْم. والثالِث: ما ليس فيه هذا ولا هذا.
стр. 241
الظُّلْم: هو أن يَستَعمِل الإنسان المَعاريض لدَفْع حَقٍّ عليه.
ودَفْع الظُّلْم: أن يَستَعمِل المَعاريض لدَفْع ظُلْم عن نَفْسه.
وما ليس كذلك ولا كذلك: مثل أن يَستَعمِلها في الأمور المُباحة.
مِثال الأوَّل: تَخاصَم زَيدٌ وعَمرٌو عند القاضِي، وكان عند عَمرٍو لزَيْد مِئة دِرهَمٍ؛ فقال القاضي للمُدَّعي: ألَكَ بَيِّنة؟ قال: لا. قال: لك اليَمين على صاحِبك، فقال المُدَّعَى عليه: والله ما عِندي له شيء. ظَاهِرُ اللَّفْظ النَّفيِ، لكن هو في قلبه نَوَى الإثبات، ونوَى بـ (ما) الذي، وتَقدير الكَلام على نِيَّته: والله الذي له عِندي شيء. وهذا صَحيح، له عِنده شيء، لكن هو ورَّى بأن (ما) نافِية، وأنه ليس عِنده شيء، فالقاضِي سَوْف يَحكُم بأنَّها نافِية، حَسب ظاهِر الحال، هذا هي المَعروضة، نَقول: إنها حَرامٌ، لأنَّه تَوصَّل بها إلى إسقاط حقٍّ عليه.
وكذلِك أيضًا في الدَّعْوة لو قال له خَصْمه: أنا أَرضَى منك أن تَحلِف أن لكَ عِندي شيئًا، فحلَف مُورِّيًا؛ فإنه حرام عليه.
أمَّا دَفْع الظُّلْم: فمثل: أن يَحلِف على دَفْع الظُّلْم عن نَفْسه أو غيره، مِثال ذلك: دَخَل عليه لِصٌّ، أو جُنديٌّ ظالِم، يُريد أن يَأخُذ ماله فقال: افتَحْ لي هذا الصُّندوقَ. فقال والله: ما في هذا الصُّندوقِ شيء، المُخاطَب سوف يَظُنُّ أنَّ الجُمْلة نافِية فيَنصرِف، وهو يُريد بها الإِثْبات، فهذه التَّوْرية لا شَكَّ في جَوَازِها، بل إذا كان المالُ للغير مثل أَنْ يَأتِيَ شخص ويَقول: فُلان عِندك له كذا وكذا. فأَقول: والله ما عِندي له شيء، أَعرِف أنه لو أَقرَرْت لأَخَذَها.
الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: أنَّ موسى ﵊ أتى بالآيات البَيِّنة، التي يُؤمِن على
стр. 242
مثلها البَشَر؛ لقوله: ﴿وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ﴾.
الْفَائِدَةُ الثَّامِنةُ: قُوَّة إيمان هذا الرجُلِ، حيث جابَهَ هؤلاءِ بإنكار رُبوبية فِرعونَ ضِمْنًا، يُؤخَذ من قوله: ﴿مِنْ رَبِّكُمْ﴾ فجابَهَهم بأنَّ لهم ربًّا سِوى فِرْعَونَ، وهذا يَدُلُّ على قُوَّة هذا الرجُلِ، أمَّا قوله: ﴿أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ﴾ فلَيْس فيها دليلٌ؛ لأن رُبوبية الله لمُوسى ليس فيها شيء من الإنكار، لكن ﴿مِنْ رَبِّكُمْ﴾ واضِح أنه يُعَرِّض بأن فِرعونَ ليس بربٍّ، وأنَّ الرَّبَّ هو الله، وهذا يَدُلُّ على كَمال شَجاعة هذا الرجُلِ.
الْفَائِدَةُ التَّاسِعَةُ: استِعْمال السَّبْر والتَّقْسيم، يَعني: التَّرديد بين حالَيْن أو أحوال لا يَزيد الأَمْر عليهم، لقوله: ﴿وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا﴾، و ﴿وَإِنْ يَكُ صَادِقًا﴾.
الْفَائِدَةُ الْعَاشِرَةُ: مُراعاة الخَصْم فيما يُؤلِّفه ويُقرِّبه، لأنه بَدَأ بما كانوا يَعتَقِدون، وهو كذِبُ موسى، فبَدَأ بالكَذِب قبل أن يَبدَأ بالصِّدْق من أَجْل تَأْليفهم، وبَيان أنَّ الرجُل ليس عِنده تَعصُّب لمُوسى؛ ولهذا لم يَبدَأ بالصِّدْق الذي هو أحَدُ الاحتِمالين.
الْفَائِدَةُ الحَادِيَةَ عَشْرَةَ: جواز التَّورِية، لقوله: ﴿وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا﴾ وقوله: ﴿وَإِنْ يَكُ صَادِقًا﴾؛ لأنَّنا نَعلَم أنَّ هذا الرَّجُلَ يَعتَقِد أنه صَادِق، لكنه أتى بهذا الكلامِ تَوْرِية بأنه ليس بمُؤمِن به، وذلك من أَجْل قَبول كلامه؛ لأنهم لو شَعَروا بأنه مُؤمِن به لقَتَلوه، مُؤمِن بمُوسى وهُو مِن آلِهِم، ولكِنه أتى بالكَلام الدالِّ على التَّوْرية.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ: أنَّ شُؤم الكَذِب يَعودُ على الكاذِب، وهو كذلك، لقَوْله: ﴿وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ﴾ وقد فضَح الله الكاذِبين المُفتَرين عليه، فضَحهم في الدنيا، وسيَفضَحهم في الآخِرة.
стр. 243
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ: قُوَّة إيمان هذا الرجُلِ؛ لكَوْنه يَعتَقِد ويُؤمِن بأن بعض الَّذي وعَدَهم موسى ﵊ سوف يُصيبهم إذا كان صادِقًا وقد كذَّبوه، لقوله: ﴿وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ﴾.
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ: أن المُسرِف الكذَّاب، أي: المتجاوِز للحَدِّ بفِعْله وبقَوْله، فبِقَوْله: لأنه كَذَّاب، وبفِعْله لأنه مُسرِف، فإنه بَعيدٌ من الِهدَاية، لقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ﴾ [غافر: ٢٨] , وحينئذٍ نَسأَل هل المُراد هِداية التَّوْفيق، أو هِداية البَيان والإِرْشاد؟
الجوابُ: هِداية التَّوْفيق، لأن الله تعالى قد بَيَّن للمُسرِف الكَذَّاب ولغيره، لكن وَفَّق مَن شاء من عِباده، وخَذَل مَن شاء.
стр. 244
الآية (٢٩)
* * *
* قَالَ اللهُ : ﴿يَاقَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ فَمَنْ يَنْصُرُنَا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جَاءَنَا قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾ [غافر: ٢٩].
* * *
قال الله تعالى: ﴿يَاقَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ﴾، تَأمَّل حُسْن خِطاب هذا الرجُلِ، كان بالأوَّلِ يُنكِر عليهم: ﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ﴾ ولمَّا أَراد أن يَتَودَّد إليهم، وأن يُبيِّن لهم نِعْمة الله عليهم، تَلطَّف في الخِطاب فقال: ﴿يَاقَوْمِ﴾ وكأنه واحِدٌ منهم، وهذا اللُّطْف في الخِطَاب -في جانِب الدَّعوة- من الأمور التي أَمَر الله بها شَرْعًا، والتي يَهدِي بها الله مَن شاء من عِباده قدَرًا؛ فقَدْ قال الله لمُوسى وهارونَ: ﴿اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (٤٣) فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه: ٤٣ - ٤٤].
ثُم إن القَدَر يُؤيِّد هذا، فكم من إنسان لانَ بسبَبِ القولِ اللَّيِّن، وكم من إنسان اعتَدَى بسبَب العُدوان في القول؛ ولهذا تَجِدُ هذا الرجُلَ من حِكْمته أنهم لمَّا هَدَّدوا موسى بالقَتْل أَنكَر عليهم علَنًا ﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ﴾ ولمَّا أَراد أن يُبيِّن لهم النِّعَم وَيدعوهم إلى الحقِّ، قال: ﴿يَاقَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ﴾ ﴿ظَاهِرِينَ﴾ أي: غالِبين، عالِين على أَهْلها.
стр. 245
وقوله: ﴿لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ﴾ يَعنِي: أنتُمُ الآنَ مالِكون، وتَأمَّل أيضًا حُسْن هذا الخِطابِ والتَّحرُّز، ﴿لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ﴾، يَعنِي: والمُستَقبَل لا يُعلَم، قد يَزول مُلكُكم، لكن اليومَ أنتُمْ في نِعْمة، غالِبين في الأرض، ظاهِرين على أهلِها، فيَجِب أن تَشكُروا هذه النِّعمةَ.
وقوله: ﴿فِي الْأَرْضِ﴾ قال المفَسِّر ﵀: [أرض مِصرَ] وعلى هذا فـ (أل) في الأرض للعَهْد الذِّهْنِي؛ أي: الأَرْض المَعهودة أَرْضكم.
وقوله: ﴿فَمَنْ يَنْصُرُنَا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ﴾ قال المفَسِّر ﵀: [عذابِه إن قَتَلْتم أولياءَه] ﴿إِنْ جَاءَنَا﴾ ﴿فَمَنْ يَنْصُرُنَا﴾ (مَن) هذه استِفْهام بمَعنى النَّفيِ، أي: لا أحَدَ يَنْصُرنا، والنَّصر هنا بمعنى المَنعْ؛ أي: فما الَّذي يَمنَعنا من بأسِ الله، والبَأْس هو العَذاب. وقوله: ﴿إِنْ جَاءَنَا﴾ يَعنِي: إن نزَل بنا، فهل أحَدٌ يَنصُرنا، حتى لو كُنَّا اليومَ ظاهِرين في الأرض، وكُنَّا مُلوكًا فإنه إذا نزَل بنا بَأْس الله فلا أَحَدَ يَمنَعنا.
وقول المفَسِّر ﵀: [إن قتَلْتُم أَوْلياءَه] قد يُقال: إن هذا الذي عيَّنه المفَسِّر يَدُلُّ عليه السِّياق، لأنه أَنكَر عليهم أن يَقتُلوا موسى، وقد يُقال: إن المُراد إن بَقِيتُم على الكُفْر والعُدوان ومنه قَتْل مُوسى، وهذا أَصَحُّ وأعَمُّ. يَعنِي: ما الذي يَنصُرنا من بَأْسِ الله إن جاءَنا؟ لكوننا مُستَحِقِّين لهذا العَذابِ بالكُفْر وقَتْل أَوْليائِه.
قال فِرعونُ مجُيبًا لهذا الرجُلِ: ﴿مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾ أَكذَبُ قولٍ في الأرض هو هذا، ﴿مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى﴾ يَعنِي: ما أُظهِر لكم شيئًا حتى تَرَوْه إلَّا ما أَرى، إلَّا ما أَرَى أنه الحقُّ، وهذه دَعْوة كاذِبة، لأنه يَعلَم أن الحَقَّ في اتِّباع موسى، كما قال له موسى: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَافِرْعَوْنُ مَثْبُورًا﴾ [الإسراء: ١٠٢] , وقال تعالى:
стр. 246
﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ﴾ [النمل: ١٤] , لكن جحَدوا ظُلْمًا وعُلُوًّا.
فهو يَقول: ﴿مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى﴾؛ أي: ما أَرَى أنه صَواب وأنه حَقّ. وهذه الدَّعوةُ كاذِبة، وإن كان أَراد ما أُرِيكم إلَّا ما أَرَى أنه من مَصلَحتي؛ فهذا صادِقٌ لكنه غاشٌّ.
وعلى كل حال: فالجُمْلة مُؤاخَذ عليها؛ لأنها إمَّا كذِب وإمَّا غِشّ، إمَّا كذِب إن كان يَقول: ما أُرِيكم إلَّا ما أَرَى من الصَّواب، وإمَّا غِشٌّ إذا كان يَرَى أنَّ الحقَّ خِلاف ما أَراهُم لكنه لمَصلَحته أَراهُم ما رَأَى.
قال المفَسِّر ﵀: [ما أُشير عَلَيكم إلَّا ما أُشير به على نَفْسي وهو قَتْل موسى]، هذا أيضًا تَخصيص في غير محَلِّه؛ لأن فِرعونَ لا يُهِمُّه أن يَقولوا: اقْتُلْ موسى أو لا تَقْتُلْه؛ لأنه مُصمِّم على ما يُريد، لكِنَّ أهَمَّ شيء ألَّا يَكفُروا به، وألَّا يُبدِّل دِينَهم، وعلى هذا فالمَقصود بقوله: ﴿إِلَّا مَا أَرَى﴾ في بَقائِكم على دِينكم، هذا مَعنى الآية، لأن أَصْل الإنكار على مُوسى والتَّهديد بقَتْله أَصلُه أنه خاف أن يُبدِّل الدِّين.
قال: ﴿مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾ يَعنِي: ما أَدُلُّكم إلَّا على سبيل الرَّشاد، والرَّشاد ضِدُّ الغَيِّ؛ ولهذا يُقال: رُشْد وغَيٌّ. ﴿قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾ [البقرة: ٢٥٦] فالرَّشاد هو ضِدُّ الغَيِّ، يَعنِي: الصَّواب والسَّداد، وسَبيل بمَعنى: طَريق، وهو أَكذَب الكاذِبين؛ لأنه ليس يَهديهم سَبيل الرَّشاد، بل يَهديهم سَبيل الغَيِّ والعِناد والاستِكْبار والكُفْر؛ فصار كاذِبًا في الجُمْلتين ﴿مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى﴾ إذا قُلْنا: إن المَعنَى: إلَّا ما أَرَى أنه صَواب ﴿وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾ فهو أَيْضًا كاذِب لأنه بلا شَكٍّ يَهديهم سَبيل الغَيِّ والفَساد.
стр. 247
من فوائد الآيةِ الكريمةِ:
الْفَائِدَةُ الأُولَى: حُسْن خِطاب هذا الرجُلِ المُؤمِن، حين تَلطَّف في الدَّعوة إلى الله بقوله: ﴿يَاقَوْمِ﴾.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أنه يَنبَغي للداعِية أن يُذكِّر المَدعُوِّين بنِعْمة الله عليهم، حتى يَخضَعوا ويَشكُروا هذه النِّعْمة، بقوله: ﴿لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ﴾.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: حُسْن احتِراز هذا الرجُلِ المُؤمِن؛ لقوله: ﴿لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ﴾ يَعنِي: وأمَّا في المُستَقبَل قد يَزول مُلكُكم، لكِنِ اشكُروا النِّعْمة الحاضِرة.
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أنَّ الاعتِبار في الحال بما هي عليه الآنَ، أمَّا المُستَقبَل فقد تَتَغيَّر الأَحْوال، لكن نحن مخُاطَبون ومَأمورون أن نَنظُر إلى الحال الحاضِرِ الآنَ.
يَتفرَّع على هذه المَسأَلةِ مَسأَلة اجتِماعية: وهي أنَّ بعض الناس يَخطُب ابنتَه رجُلٌ غيرُ مُستقيم يَعنِي: ليس كافِرًا، لكنْ فاسِق يَشرَب دُخَانًا، أو حَلَق لِحْيته، أو رِبًا، أو ما أَشبَه ذلك، فيَأخُذه الطَّمَع ويَقبَل الخِطْبة، ثُم يَقول: لعَلَّ الله يَهدِيه، أو لعل هذه البِنتَ المُلتَزِمة تَسعَى في هِدايته، فيقال: نحن لا نَنظُر للمُستَقبَل، المُستَقبَل له الله، بل رُبما أن هذا الرجُلَ يُغوِي المرأة، لأنَّه هو أَقْوى منها جانِبًا؛ فأنت الآنَ مأمور بالنَّظَر إلى الحال الحاضِرة، أمَّا المُستَقبَل فلَسْت مَأمورًا بالنَّظَر إليه، ولا يَجوز أن تَنظُر إليه، لأنه مُستَقبَل وغَيْب، فأنت الآنَ اعرِفِ الحالَ التي أنت عليها، وتَصرَّف على ما هي عليه الآنَ، هذه نَأخُذها من قول هذا الرجُلِ المُؤمِن ﴿الْيَوْمَ﴾.
فإن قال قائِل: قُلْتم: إن الأَبَ لا يَنبَغي أن يُزوِّج ابنَتَه من فاسِق، فيَقول:
стр. 248
لعَلَّ الله أن يَهدِيَه. فلو حصَل العَكْس أَراد الرَّجُل أن يَتزوَّج من امرأة ليسَت مُستَقيمة، وقال: لعَلَّ الله يَهديها بي وإلَّا طَلَّقْتها؟ .
فالجوابُ: نفس الشيء، ليس هو (إلَّا طلَّقْتها) فقد يَكون الإنسان عنده عَزْم في هذا أوَّل الأَمْر، ولكن إذا تَزَوَّجَها ورَغِبَ فيها عصَفَت به بعدُ، يَعنِي: جَذْب النِّساء للرِّجال ليس هو بالهَيِّن.
فإن قال قائِل: فلو ظَنَّ فيها قَبول الدَّعوة؟ .
فالجوابُ: كلِمة الظَّنِّ هذه غيرُ وارِدة في الواقِع؛ ولذلك أنت غيرُ مُكلَّف إلَّا فيما بين يَدَيْك، حتى لو أُخلِفت الأُمور فيما بعدُ، فأنت مُجتَهِد ولا لومَ عليك، ولا إثمَ عليك، لكن عليك إثمٌ أنك تُقدِم على شيء تَعرِف الآنَ أنه غير صالِح، لكن رجاءَ أنْ يَصلُح، هذا خطأ. والمَرأةُ رُبَّما تَغلِب الرجُل إذا أَحبَّها حُبًّا شديدًا، ربما تَقول: اسجُدْ لي. فيفعل! ! ألَمْ تَعلَم أنه ذكَر أحَد العُلَماء قال: إنَّ مُؤذِّنًا دعَتْ عليه أُمُّه بدَعْوة وكان رجُلًا صالِحًا، فلمَّا صَعِدَ إلى المنارة، يُؤذِّن وإذا بامرَأة نَصْرانية في سَطْح بيتها جميلة، فأَخَذت بلُبِّه فأَرسَل إليها يَخطُبها فقالَتْ: لا يُمكِن إلَّا إذا كنتَ نَصْرانيًّا. فحاوَلَ، فقالت: أبدًا. فتَنصَّر -والعِياذُ بالله- صار نَصْرانيًّا ارتَدَّ عن الإسلام الآنَ، فأَعاد الخِطْبة، قالَتْ: أنت لسْتَ مُسلِمًا ولا نصرانيًّا فلا أَحِلُّ لك، انظُرْ هذا الرجُلَ -نَسأَل الله العافِيةَ- ارتَدَّ عن دِينه وصارت هذه المَرأةُ كيدُها أَعظَمُ من كيده، وقالت له: لستَ مُسلِمًا ولا نصرانيًّا، والنَّصرانية لا تَحِلُّ إلَّا للمُسلِم أو النَّصراني ارجِعْ وراءَك. نَسأَل الله العافِيةَ.
واعلَموا أنَّني إذا قُلْت: حُسْن خطابة الرَّجُل، أو احتِرازات، أو ما أَشبَه ذلك،
стр. 249
ليس مَعناه أنِّي أُخبِركم عن قِصَّة مضَت وتاريخ مضَى، لا، بل أُريد أن تَأخُذوا من ذلك عِبْرة تَسيرون عليها؛ لأنه ما دام أننا نُثنِي على هذا الرجُلِ بخِطابه ومُعالجَته للأُمور؛ فإننا نَحُثّ على اتِّباع طريقه.
مسألة: هل يَجوز للكافِر أن يَتزوَّج مُؤمِنة؟
فالجَوابُ: لا يَجوز.
فإن قال: فِرعونُ وزَوْجته! .
فالجَوابُ: هذا إشكال صحيح، يَقول: هل يَجوز للكافِر أن يَتزوَّج مُؤمِنة. فنَقول: لا، فأَورَد علينا إشكالًا وهو: أنَّ امرأةَ فِرعونَ كانَت مُؤمِنة لا شكَّ، وهو أَكفَرُ الكافِرين.
والجَوابُ: أنَّ هذا شرْع مَن قَبْلنا، أمَّا شرْعنا فلا.
وتُعرَف القاعِدة في الأصول: "أن شرْع مَن قَبْلَنا هو شرْع لنا، ما لم يَرِد شرْعنا بخِلافه"، هذا من وَجْه.
ومن وَجْه آخَرَ قد يُقال: إن فِرعونَ أَكرَهَها على ذلك، وإنها لا تُحِبُّه؛ ولهذا تَقول: ﴿رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [التحريم: ١١] لكن هو ظالمٌ ولا يُبالِي.
مسألة: هل لا يُستَحَبُّ للمُسلِم أن يَتزَوَّج المرأة غير مُلتزِمة؛ لأنها قد تَرجِعه إلى طريقتها؟
فالجَوابُ: هذا صحيح؛ ولهذا قال الرسولُ ﷺ : "تُنكَحُ المَرْأَةُ لِأَرْبَعَةٍ"
стр. 250
ثُمَّ قال في النِّهاية: "فَاظْفَرْ بِذَاتِ الدِّينِ تَرِبَتْ يَدَاكَ" (١).
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: أن آل فِرعونَ قد غَلَبوا في مِصرَ، وظهَروا عليها، ولم يَكُن لهم مُنازع؛ لقوله: ﴿ظَاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ﴾، ومنْ ثَمَّ تكَبَّرَ فِرْعَونُ، ولم يَخضَع لموسى؛ لأن موسى من بني إسرائيلَ، وهم قِلَّة أذِلَّة في مِصرَ، والغلَبة للأَقْباط.
الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: أنَّ الظُّهور والغلَبة قد يَكونون سببًا للأشَرِ والبطَر، إلَّا مَن وفَّقَه الله، فبعضُ الناس مَن أَعطاه الله تعالى سَبَبَ رِفْعَة لا يَزيده ذلك إلَّا تَواضُعًا للحَقِّ وللخَلْق، وبعض الناس إذا أَعطاه الله رِفْعَة صار هذا سبَبًا في تَعاليه على الخَلْق، واستِكباره عن الحقِّ، وهذه مِحْنة يَجِبُ على المرء أن يُعالِج نفسه فيها، لا إذا أَعطاه الله مالًا يَذُمُّ ويَعلو ويَستَكبِر؛ فإنَّ الذي أَعطاه هذا المالَ قادِرٌ على أن يُتلِفه عليه، لا يَقول: إذا أَعطاه الله عِلْمًا: أنا عالِم، وأنا مَن أنا. ثُم يَتَعلَّى عن الحَقِّ وعلى الخَلْق، بل يَجِبُ على الإنسان كلَّما آتاه الله عِلمًا أن يَزْدَاد تَواضُعًا.
هذا ما أَقوله، وأَرجو أَنْ أَتَّصِفَ بِه وإيَّاكم، فعلى الإنسان أنْ يَعْرِف هذه المَسأَلةِ، وأن الله قد يَبْتِلَي الإنسان بالشيء الذي يَكون داعِيًا لعُلوِّه واستِكْباره عن الحَقِّ وعلى الخَلْق؛ فلْيَحذَر هذا الأمرَ.
الْفَائِدَةُ السَّابعَةُ: قوة إيمان هذا الرَّجُلِ؛ وأنه لا دافِعَ ولا مانِعَ لما أَراد الله؛ لقوله: ﴿فَمَنْ يَنْصُرُنَا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جَاءَنَا﴾، وهذا يَدُلُّ على كَمال يَقينه ﵀ ورضِيَ عنه حيثُ آمَنَ بأنَّه إذا جاء بأسُ الله فإنَّه لا مَرَدَّ له.
الْفَائِدَةُ الثَّامِنةُ: التَّلطُّف بالخِطاب، حتى يشعر الإنسان المُخاطَب وكأنَّه هو