﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ﴾ [النمل: ١٤] , لكن جحَدوا ظُلْمًا وعُلُوًّا.
فهو يَقول: ﴿مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى﴾؛ أي: ما أَرَى أنه صَواب وأنه حَقّ. وهذه الدَّعوةُ كاذِبة، وإن كان أَراد ما أُرِيكم إلَّا ما أَرَى أنه من مَصلَحتي؛ فهذا صادِقٌ لكنه غاشٌّ.
وعلى كل حال: فالجُمْلة مُؤاخَذ عليها؛ لأنها إمَّا كذِب وإمَّا غِشّ، إمَّا كذِب إن كان يَقول: ما أُرِيكم إلَّا ما أَرَى من الصَّواب، وإمَّا غِشٌّ إذا كان يَرَى أنَّ الحقَّ خِلاف ما أَراهُم لكنه لمَصلَحته أَراهُم ما رَأَى.
قال المفَسِّر ﵀: [ما أُشير عَلَيكم إلَّا ما أُشير به على نَفْسي وهو قَتْل موسى]، هذا أيضًا تَخصيص في غير محَلِّه؛ لأن فِرعونَ لا يُهِمُّه أن يَقولوا: اقْتُلْ موسى أو لا تَقْتُلْه؛ لأنه مُصمِّم على ما يُريد، لكِنَّ أهَمَّ شيء ألَّا يَكفُروا به، وألَّا يُبدِّل دِينَهم، وعلى هذا فالمَقصود بقوله: ﴿إِلَّا مَا أَرَى﴾ في بَقائِكم على دِينكم، هذا مَعنى الآية، لأن أَصْل الإنكار على مُوسى والتَّهديد بقَتْله أَصلُه أنه خاف أن يُبدِّل الدِّين.
قال: ﴿مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾ يَعنِي: ما أَدُلُّكم إلَّا على سبيل الرَّشاد، والرَّشاد ضِدُّ الغَيِّ؛ ولهذا يُقال: رُشْد وغَيٌّ. ﴿قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾ [البقرة: ٢٥٦] فالرَّشاد هو ضِدُّ الغَيِّ، يَعنِي: الصَّواب والسَّداد، وسَبيل بمَعنى: طَريق، وهو أَكذَب الكاذِبين؛ لأنه ليس يَهديهم سَبيل الرَّشاد، بل يَهديهم سَبيل الغَيِّ والعِناد والاستِكْبار والكُفْر؛ فصار كاذِبًا في الجُمْلتين ﴿مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى﴾ إذا قُلْنا: إن المَعنَى: إلَّا ما أَرَى أنه صَواب ﴿وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾ فهو أَيْضًا كاذِب لأنه بلا شَكٍّ يَهديهم سَبيل الغَيِّ والفَساد.
стр. 247
من فوائد الآيةِ الكريمةِ:
الْفَائِدَةُ الأُولَى: حُسْن خِطاب هذا الرجُلِ المُؤمِن، حين تَلطَّف في الدَّعوة إلى الله بقوله: ﴿يَاقَوْمِ﴾.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أنه يَنبَغي للداعِية أن يُذكِّر المَدعُوِّين بنِعْمة الله عليهم، حتى يَخضَعوا ويَشكُروا هذه النِّعْمة، بقوله: ﴿لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ﴾.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: حُسْن احتِراز هذا الرجُلِ المُؤمِن؛ لقوله: ﴿لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ﴾ يَعنِي: وأمَّا في المُستَقبَل قد يَزول مُلكُكم، لكِنِ اشكُروا النِّعْمة الحاضِرة.
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أنَّ الاعتِبار في الحال بما هي عليه الآنَ، أمَّا المُستَقبَل فقد تَتَغيَّر الأَحْوال، لكن نحن مخُاطَبون ومَأمورون أن نَنظُر إلى الحال الحاضِرِ الآنَ.
يَتفرَّع على هذه المَسأَلةِ مَسأَلة اجتِماعية: وهي أنَّ بعض الناس يَخطُب ابنتَه رجُلٌ غيرُ مُستقيم يَعنِي: ليس كافِرًا، لكنْ فاسِق يَشرَب دُخَانًا، أو حَلَق لِحْيته، أو رِبًا، أو ما أَشبَه ذلك، فيَأخُذه الطَّمَع ويَقبَل الخِطْبة، ثُم يَقول: لعَلَّ الله يَهدِيه، أو لعل هذه البِنتَ المُلتَزِمة تَسعَى في هِدايته، فيقال: نحن لا نَنظُر للمُستَقبَل، المُستَقبَل له الله، بل رُبما أن هذا الرجُلَ يُغوِي المرأة، لأنَّه هو أَقْوى منها جانِبًا؛ فأنت الآنَ مأمور بالنَّظَر إلى الحال الحاضِرة، أمَّا المُستَقبَل فلَسْت مَأمورًا بالنَّظَر إليه، ولا يَجوز أن تَنظُر إليه، لأنه مُستَقبَل وغَيْب، فأنت الآنَ اعرِفِ الحالَ التي أنت عليها، وتَصرَّف على ما هي عليه الآنَ، هذه نَأخُذها من قول هذا الرجُلِ المُؤمِن ﴿الْيَوْمَ﴾.
فإن قال قائِل: قُلْتم: إن الأَبَ لا يَنبَغي أن يُزوِّج ابنَتَه من فاسِق، فيَقول:
стр. 248
لعَلَّ الله أن يَهدِيَه. فلو حصَل العَكْس أَراد الرَّجُل أن يَتزوَّج من امرأة ليسَت مُستَقيمة، وقال: لعَلَّ الله يَهديها بي وإلَّا طَلَّقْتها؟ .
فالجوابُ: نفس الشيء، ليس هو (إلَّا طلَّقْتها) فقد يَكون الإنسان عنده عَزْم في هذا أوَّل الأَمْر، ولكن إذا تَزَوَّجَها ورَغِبَ فيها عصَفَت به بعدُ، يَعنِي: جَذْب النِّساء للرِّجال ليس هو بالهَيِّن.
فإن قال قائِل: فلو ظَنَّ فيها قَبول الدَّعوة؟ .
فالجوابُ: كلِمة الظَّنِّ هذه غيرُ وارِدة في الواقِع؛ ولذلك أنت غيرُ مُكلَّف إلَّا فيما بين يَدَيْك، حتى لو أُخلِفت الأُمور فيما بعدُ، فأنت مُجتَهِد ولا لومَ عليك، ولا إثمَ عليك، لكن عليك إثمٌ أنك تُقدِم على شيء تَعرِف الآنَ أنه غير صالِح، لكن رجاءَ أنْ يَصلُح، هذا خطأ. والمَرأةُ رُبَّما تَغلِب الرجُل إذا أَحبَّها حُبًّا شديدًا، ربما تَقول: اسجُدْ لي. فيفعل! ! ألَمْ تَعلَم أنه ذكَر أحَد العُلَماء قال: إنَّ مُؤذِّنًا دعَتْ عليه أُمُّه بدَعْوة وكان رجُلًا صالِحًا، فلمَّا صَعِدَ إلى المنارة، يُؤذِّن وإذا بامرَأة نَصْرانية في سَطْح بيتها جميلة، فأَخَذت بلُبِّه فأَرسَل إليها يَخطُبها فقالَتْ: لا يُمكِن إلَّا إذا كنتَ نَصْرانيًّا. فحاوَلَ، فقالت: أبدًا. فتَنصَّر -والعِياذُ بالله- صار نَصْرانيًّا ارتَدَّ عن الإسلام الآنَ، فأَعاد الخِطْبة، قالَتْ: أنت لسْتَ مُسلِمًا ولا نصرانيًّا فلا أَحِلُّ لك، انظُرْ هذا الرجُلَ -نَسأَل الله العافِيةَ- ارتَدَّ عن دِينه وصارت هذه المَرأةُ كيدُها أَعظَمُ من كيده، وقالت له: لستَ مُسلِمًا ولا نصرانيًّا، والنَّصرانية لا تَحِلُّ إلَّا للمُسلِم أو النَّصراني ارجِعْ وراءَك. نَسأَل الله العافِيةَ.
واعلَموا أنَّني إذا قُلْت: حُسْن خطابة الرَّجُل، أو احتِرازات، أو ما أَشبَه ذلك،
стр. 249
ليس مَعناه أنِّي أُخبِركم عن قِصَّة مضَت وتاريخ مضَى، لا، بل أُريد أن تَأخُذوا من ذلك عِبْرة تَسيرون عليها؛ لأنه ما دام أننا نُثنِي على هذا الرجُلِ بخِطابه ومُعالجَته للأُمور؛ فإننا نَحُثّ على اتِّباع طريقه.
مسألة: هل يَجوز للكافِر أن يَتزوَّج مُؤمِنة؟
فالجَوابُ: لا يَجوز.
فإن قال: فِرعونُ وزَوْجته! .
فالجَوابُ: هذا إشكال صحيح، يَقول: هل يَجوز للكافِر أن يَتزوَّج مُؤمِنة. فنَقول: لا، فأَورَد علينا إشكالًا وهو: أنَّ امرأةَ فِرعونَ كانَت مُؤمِنة لا شكَّ، وهو أَكفَرُ الكافِرين.
والجَوابُ: أنَّ هذا شرْع مَن قَبْلنا، أمَّا شرْعنا فلا.
وتُعرَف القاعِدة في الأصول: "أن شرْع مَن قَبْلَنا هو شرْع لنا، ما لم يَرِد شرْعنا بخِلافه"، هذا من وَجْه.
ومن وَجْه آخَرَ قد يُقال: إن فِرعونَ أَكرَهَها على ذلك، وإنها لا تُحِبُّه؛ ولهذا تَقول: ﴿رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [التحريم: ١١] لكن هو ظالمٌ ولا يُبالِي.
مسألة: هل لا يُستَحَبُّ للمُسلِم أن يَتزَوَّج المرأة غير مُلتزِمة؛ لأنها قد تَرجِعه إلى طريقتها؟
فالجَوابُ: هذا صحيح؛ ولهذا قال الرسولُ ﷺ : "تُنكَحُ المَرْأَةُ لِأَرْبَعَةٍ"
стр. 250
ثُمَّ قال في النِّهاية: "فَاظْفَرْ بِذَاتِ الدِّينِ تَرِبَتْ يَدَاكَ" (١).
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: أن آل فِرعونَ قد غَلَبوا في مِصرَ، وظهَروا عليها، ولم يَكُن لهم مُنازع؛ لقوله: ﴿ظَاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ﴾، ومنْ ثَمَّ تكَبَّرَ فِرْعَونُ، ولم يَخضَع لموسى؛ لأن موسى من بني إسرائيلَ، وهم قِلَّة أذِلَّة في مِصرَ، والغلَبة للأَقْباط.
الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: أنَّ الظُّهور والغلَبة قد يَكونون سببًا للأشَرِ والبطَر، إلَّا مَن وفَّقَه الله، فبعضُ الناس مَن أَعطاه الله تعالى سَبَبَ رِفْعَة لا يَزيده ذلك إلَّا تَواضُعًا للحَقِّ وللخَلْق، وبعض الناس إذا أَعطاه الله رِفْعَة صار هذا سبَبًا في تَعاليه على الخَلْق، واستِكباره عن الحقِّ، وهذه مِحْنة يَجِبُ على المرء أن يُعالِج نفسه فيها، لا إذا أَعطاه الله مالًا يَذُمُّ ويَعلو ويَستَكبِر؛ فإنَّ الذي أَعطاه هذا المالَ قادِرٌ على أن يُتلِفه عليه، لا يَقول: إذا أَعطاه الله عِلْمًا: أنا عالِم، وأنا مَن أنا. ثُم يَتَعلَّى عن الحَقِّ وعلى الخَلْق، بل يَجِبُ على الإنسان كلَّما آتاه الله عِلمًا أن يَزْدَاد تَواضُعًا.
هذا ما أَقوله، وأَرجو أَنْ أَتَّصِفَ بِه وإيَّاكم، فعلى الإنسان أنْ يَعْرِف هذه المَسأَلةِ، وأن الله قد يَبْتِلَي الإنسان بالشيء الذي يَكون داعِيًا لعُلوِّه واستِكْباره عن الحَقِّ وعلى الخَلْق؛ فلْيَحذَر هذا الأمرَ.
الْفَائِدَةُ السَّابعَةُ: قوة إيمان هذا الرَّجُلِ؛ وأنه لا دافِعَ ولا مانِعَ لما أَراد الله؛ لقوله: ﴿فَمَنْ يَنْصُرُنَا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جَاءَنَا﴾، وهذا يَدُلُّ على كَمال يَقينه ﵀ ورضِيَ عنه حيثُ آمَنَ بأنَّه إذا جاء بأسُ الله فإنَّه لا مَرَدَّ له.
الْفَائِدَةُ الثَّامِنةُ: التَّلطُّف بالخِطاب، حتى يشعر الإنسان المُخاطَب وكأنَّه هو
стр. 251
أوَّل مَن يُراد بهذا الأَمرِ، أو بهذا الخِطابِ؛ لقوله: ﴿فَمَنْ يَنْصُرُنَا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جَاءَنَا﴾ ولم يَقُلْ: فمَن يَنصُركم من بَأْس الله إن جاءَكم، كل هذا من باب التَّنزُّل مع هَؤلاء، وإشعارهم بأنه واحِد منهم.
وقد يُقال: إن في هذا إشارةً إلى أنَّ العَذاب إذا نزَل يَعُمُّ الصالِح والفاسِد؛ وَيكون قوله: ﴿فَمَنْ يَنْصُرُنَا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جَاءَنَا﴾ يُراد به حقيقته؛ أي: أنه هو سيُصيبه ما أَصابَهم، وَيكون هذا شاهِده قول الله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ [الأنفال: ٢٥]، وهذا ليس ببَعيد.
الْفَائِدَةُ التَّاسِعَةُ: أنه إذا نزَل بَأْس الله فإنه لا مَرَدَّ له، ويَدُلُّ لهذا قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ (٨٤)(٨٤) فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا﴾ [غافر: ٨٤ - ٨٥]، ولا يُستَثْنى من هذا أحَدٌ، فكُلُّ مَن أَتاهم بأسُ الله فإنهم لن يَنجوا ولو آمَنوا.
فهل استُثْني من هذا أَحَدٌ؟
قال الله تعالى في قوم يُونُسَ: ﴿فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا﴾ يَعنِي: إذا نزَل بها العَذابُ ﴿إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ﴾ [يونس: ٩٨]، وخُصَّ قومُ يُونُسَ لحِكْمة -لأنَّ الله لا يُمكِن أن يَخُصَّ أحَدًا بشيء إلَّا بحِكْمة، الناس عِنده سَواءٌ ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣]- والحِكْمة: أنَّ يُونُسَ ﷺ خَرَجَ مِنْ قومِهِ مُغاضِبًا قبل أن يُؤذَن له، وكأنه لم يَستكمِل الدَّعْوة، فلم تَقُم عليهمُ الحُجَّة الكامِلة؛ ولهذا نجَوْا حين آمَنوا بعد رُؤْية العَذاب، فصار إنجاؤُهم له حِكْمة، وهو خُروج نبيِّهم مُغاضِبًا قبل أن يُؤذَن له؛ فكأنه لم يَستكمِل إقامة الحُجَّة عليهم، فصار في هذا نوعُ عُذْر لهم؛ فأَنجاهم الله .
стр. 252
فإن قال قائل: يُشكِل على هذا: أنَّ نوحًا ﵇ قال لقَوْمه: ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لَا يُؤَخَّرُ﴾ [نوح: ٤]، فكيف قال: إنَّهم إذا آمَنوا يَغفِر لهم من ذُنوبهم، ويُؤخِّرهم إلى أجَلٍ مُسمًّى. ثُمَّ قال: ﴿إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لَا يُؤَخَّرُ﴾ كان من الأوَّل يَقول: ﴿وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَى أَجَلٍ﴾ والثاني: يَقول: ﴿إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لَا يُؤَخَّرُ﴾؟
فالجَوابُ: يَعنِي: أُحذِّركم من العَذاب، فإنه إذا جاء لا يُؤخَّر، لكن إذا آمَنْتم أخَّرَكم إلى أجَلٍ مُسمًّى، وعلى هذا فلا تَناقُضَ في الآية.
الْفَائِدَةُ الْعَاشِرَةُ: قال الله ﵎: ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ﴾ إلى آخِره، في هذه الجُمْلةِ والتي بعدَها: دليلٌ على تَمويه فِرعونَ وغِشِّه وكذِبِه وضَلالِه؛ لأنه خَدَع قومَه، بقوله: ﴿مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾ وكذَب في قوله: ﴿وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾ قَطْعًا، وكذَب في قوله: ﴿مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى﴾ على أَحَد الاحتِمالَيْن.
الْفَائِدَةُ الحَادِيَةَ عَشْرَةَ: أنَّ أهل الباطِل قد يَكون لدَيْهم زُخرُف من القَوْل غرور؛ لأَنَّ مثل هذا الزَّعيمِ الذي وصَلَت به الزَّعامة إلى أن جعَلوه رَبًّا إذا قال: ﴿مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾ سوف يَخدَع قومَه بلا شَكٍّ، وعلى هذا فيَجِب علينا الحَذَر من خِداع بعض الناس، إذا قالوا: نحن نُريد كذا، ونُريد كذا من الإِصْلاح، فيَجِب أن نَنظُر لأَفْعالهم، هل تَشهَد أفعالهُم لأقوالهم، إن كان الأَمْر كذلك فَهُم صدَقة برَرَة، وإن كانوا بالعَكْس فهم كذَبة غَشَشة، يَخدَعون بزُخْرف القول غُرورًا، ولهذا كان الإنسان الذي لدَيْه فِراسة، لا يَغتَرُّ بظاهِر الأقوال، وإنما يَقيس ما يَقوله، أو يَعتَبِر ما يَقوله بما يَفعَله، فإذا رأَى أن أَفعالَه تُخالِف أقواله عَلِم أنه كاذِبٌ غَشَّاش، وإذا رأَى أنَّ أَفْعاله تُصدِّق أقواله صار صادِقًا وصار مخُلِصًا لمُوافَقة باطِنه لظاهِره.
стр. 253
الْفَائِدَةُ الحَادِيَةَ عَشْرَةَ: أنَّ كل أحَدٍ يَعرِف أن الرُّشْد مَطلوب، وأن الغَيَّ مَكروهٌ، يُؤخَذ ذلك من قوله: ﴿مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾ قول فِرعونَ لقَوْمه في الجُمْلة الثانية، إِذَنْ هم يَعرِفون أنَّ الرشاد أَمْرٌ مَطْلُوب، كلُّ إنسانٍ -حَتَّى الكَافِر- يَرَى أنَّ الرُّشْد أَمْر مَطلوب، والرُّشْد الحَقيقيُّ هو اتِّباع الهُدَى، لكن التَّمويه مُشكِل.
стр. 254
الآيتان (٣٠، ٣١)
* قَالَ اللهُ : ﴿وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَاقَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزَابِ (٣٠) مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ﴾ [غافر: ٣٠ - ٣١].
ثُمَّ قال: ﴿وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَاقَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ﴾ في الأَوَّل قال: ﴿وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ﴾، وهنا قال: ﴿وَقَالَ الَّذِي آمَنَ﴾ فنَقولُ: كرَّر هذا الوَصْفَ لهذا الرجُلِ لطول الحديث والفَصْل، قال: ﴿وَقَالَ الَّذِي آمَنَ﴾ أمَّا اختِلاف الجُمْلتين فإنَّ الثانية تُؤكِّد الأُولى، بأنَّ هذا الرجُلَ قدِ اصطَبَغ بالإيمان، وحَقَّق الإيمان.
وقوله: ﴿وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَاقَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزَابِ﴾ ﴿يَاقَوْمِ﴾ يَعنِي بذلك: فِرعونَ وقَوْمه، وهذا من باب التَّلطُّف في المَقال، ﴿إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزَابِ﴾ يَعنِي: الطَّوائِف السابِقة، وكأنَّ هذا الرجُلَ مُلهَم، عندَه عِلْمٌ بأَحْوال الأُمَم السابِقين، وسيَأتِي -إن شاء الله- الكَلام على فائِدةِ هذه الجُمْلةِ.
وقوله: ﴿وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَاقَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزَابِ﴾ ﴿يَاقَوْمِ﴾ مَعروف أنَّ ياءَ النِّداء إذا دخَلَت على نَكِرة مَقصودة، فإنها تُبنَى على الضَّمِّ، كما إذا دخَلَت على مَعرِفة، وهنا لم تَكُن مَبنيَّة على الضَّمِّ، بل آخِرها الكَسْر، فيُقال: إن أَصلَها (يا قَوْمي)، ولكن
стр. 255
حُذِفت الياءُ للتَّخفيف، وفي قوله: ﴿يَاقَوْمِ﴾ تَلطُّف بدعوتهم، وإلَّا فهُمْ مُعادون له؛ لأنهم كُفَّار وهو مُؤمِن، لكن من باب التَّلطُّف في الدَّعْوة إلى الله قال لهم: ﴿يَاقَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزَابِ﴾ أكَّد الجُمْلة، وإن كانت مُستَقِرَّة في نفسه، لكن المُخاطَب بها فَعَله فِعْلَ المُنكِر لها.
قال المفَسِّر ﵀: ﴿مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزَابِ﴾ أي: يوم حِزْب بَعْد حِزْب]، ثُم أَبْدَل منه قوله: ﴿مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ﴾ " ﴿دَأْبِ﴾ بمَعنَى: عادة، وذَكَر قوم نُوحٍ؛ لأنه هو أوَّلُ رَسول أُرسِل إلى أهل الأرض، ﴿وَعَادٍ وَثَمُودَ﴾، وكل هَؤلاءِ مُتقدِّمون بَعيدو العَهْد، قبل موسى وقبل فِرعونَ، فهُمْ من أوائِل الرُّسُل. ﴿قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ﴾، (عاد) مَعطوفة على ﴿قَوْمِ﴾، ولا يَصِحُّ أَنْ تكون مَعطوفة على ﴿نُوحٍ﴾، لأنَّها لو كانت مَعطوفة على ﴿نُوحٍ﴾ لكان المَعنى مِثْل قوم عادٍ، ولا يَستَقيم الكلام، بل مِثْل عاد وهُمْ قَوْم هُود، وثَمودَ قومِ صالِحٍ.
وقوله: ﴿مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ﴾ (مِثل) هذه بدَل من (مِثْل) التي قَبلَها، ﴿مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزَابِ﴾ ﴿مِثْلَ دَأْبِ﴾ والبَدَل أحَدُ التَّوابع الأربعة المَعروفة من قول ابنِ مالِكٍ ﵀:
يَتْبَعُ فِي الْإِعْرَابِ الَاسْمَاءَ الْأُوَلْ ... نَعْت وَتَوْكيدٌ وعَطْفٌ وَبَدَلْ (١)
وَعلامة البدَل أنه يَصحُّ أن محلَّ مَحَلَّ المُبدَل منه، يَعنِي: يَصحُّ أن يُحذَف المُبدَل منه ويَحِلُّ مَحلَّه البدَل.
فإن قال قائِل: ما الفائِدةُ من أن نَأتِيَ بالمُبدَل منه ثُم بالبَدَل، لماذا لم نَأْتِ بالبدَل من أوَّل الأمر؟
стр. 256
فالجَوابُ: لا بُدَّ أن يَكون هناك فائِدة، إمَّا تَفْصيلٌ بعد إجمال، أو تَبيينٌ بعد إبهام، أو ما أَشبَه ذلك، ولا بُدَّ أن يَكون للبَدَل فائِدة.
وقوله: ﴿مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ﴾. . . إلى آخِره. مِثْل دَأْبهم، هو لا يُريد مثل دَأْبهم، يُريد مثل جزاء دَأْبهم؛ لأن هناك دَأْبًا وهناك جَزاءً؛ فالجزاءُ مِنَ الله، والدَّأْب من الأُمَم، أو من الأحزاب، ﴿مِثْلَ دَأْبِ﴾ يَعنِي مثل جَزاء دَأْبهم، وبَيَّن الله تعالى دَأْبهم بقوله: ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ [الأنفال: ٥٢] أو ﴿كَذَّبُوا بِآيَاتِ﴾ [الأنفال: ٥٤] هذا هو دَأْبهم.
وقوله: ﴿مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ﴾ هَؤلاء كلُّهم دَأْبهم التَّكْذيب بالرُّسُل والكُفْر بهم، ﴿وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ من بعد قَوْم نُوح، وهم أوَّل الأُمَم، وعاد، وسيَأْتي أن هُودًا أَشار إلى يُوسُف بنِ يَعقوبَ بنِ إبراهيمَ عليهم الصلاة والسلام.
قال المفَسِّر ﵀: [مِثْل بدَل مِن مِثْل قَبلَه أي: مِثْل جَزاء عادة مَن كَفَر]. فأَفاد المفَسِّر ﵀ أن في الكَلام تَقديرًا أي: أن في الكَلام شَيْئًا مَحذوفًا، وهو جَزاء، أي: مِثْل جزاء دَأْبهم؛ لأن هذا هو الذي يُخاف منه أن يَنال هؤلاءِ القَومَ عُقوبةٌ، كما نال هَؤلاءِ.
فإذا قال قائِل: كيف يُطلَق العمَل على الجَزاء؟
قُلنا: لأنه سبَبُه، وهذا في القُرآن كثير أنَّ الله تعالى يُطلِق العمَل على الجَزاء مِثْل: ﴿ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [العنكبوت: ٥٥]، المَعنَى: ذوقوا جَزاءَه، لكن يُعبَّر به -أي: بالعمَل- عن الجَزاء، لأن الجزاء من جِنْس العمَل، وحتى يَحذَر الإنسان من عمَله، كما يَحذَر من عُقوبة عمَله.
стр. 257
يَقول المفَسِّر ﵀: [مِثْل بدَل من مِثْل قبله؛ أي: مِثْل جزاء عادة مَن كفَر قَبلَكم من تَعذيبهم في الدُّنيا]، إذن مِثْل دَأْب ما هي مِثْل عادتهم، إلَّا إذا أُريد إضافتُها إلى المَفعول به؛ أي: مِثْل العادة التي أَوقَعها الله بهم، لكن كان المفَسِّر جعَلها مُضافة إلى الفاعِل، وأنَّها على تَقدير مثل جزاء عادة؛ لأن الجَزاء من الله، والعادة من هَؤلاء الأقوامِ من الأحزابِ، العادة عادة الأحزاب، والعُقوبة عُقوبة الله.
فإمَّا أن نَقول: إنَّ الكلام على تَقدير: مِثْل عُقوبة عادة قَوْم نُوحٍ. . إلى آخِره، أو نَقول: مِثْل دَأْب قوم نُوحٍ؛ أي: مِثْل العادة التي فعَلها الله بهم، والمَعنَى واحِد. والمُراد أنه يَخاف عليهم مِثْل هذه الأيامِ التي هي عُقوبة لهَؤلاء الذين كذَّبوا رُسَله.
وقوله: ﴿وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ﴾ (ما) نافِية وهي حِجازِية؛ لأن هذا القُرآنَ باللُّغة الحِجازِية، انظُروا إلى قوله تعالى: ﴿مَا هَذَا بَشَرًا﴾ ولم يَقُل: ما هذا بشَرٌ؛ فنَحْمِل كل ما كان على شاكِلَتها عليها، والصحيح أن ﴿وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ﴾ لا تَتبيَّن أنها حِجازِية أو تمَيمية؛ لأن الخَبر جملة ليس مُفرَدًا، يَظهَر فيه النَّصْب؛ لكن يُحمَل ما لا يَظهَر فيه الإعراب على ما ظهَر فيه الإعراب، وهو قوله: ﴿مَا هَذَا بَشَرًا﴾.
ثُم اعلَمْ أنَّ القُرآن إنما كُتِب بلُغة قُرَيْش، كما قال عُثمانُ ﵁ للذين كتَبوا المَصاحِف قال: إنِ اختَلَفْتُم في شَيْءٍ فاجْعَلوه على حَرْف قُرَيْش (١). يَعنِي: على لُغَتها.
فقوله: ﴿وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ﴾ (ما) نافِية، تَعمَل عمَل ليس لتَمام الشروط، ولفظ الجَلالة اسمِها، وُيريد الجُمْلة جُمْلة هي خبَرها، ولو كانَتِ اسمًا لكان التَّقديرُ: وما الله مُريدًا.
стр. 258
وقوله: ﴿وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ﴾ الظُّلْم يَتَناوَل شيئين: إمَّا الزِّيادة في الآثام، وإمَّا النَّقْص في الحسَنات. وكلُّه مُمتَنِع بالنِّسبة لله لا يُمكِن أن يَقَع منه، ولا يُمكِن أن يُريده؛ لكمال عَدْله.
من فوائِدِ الآيتين الكريمتين:
الْفَائِدَةُ الأُولَى: شِدَّة خَوْف هذا الرجُلِ من عِقاب الله، وهذا يَدُلُّ على كَمال إيمانه، لأنه لا يَخاف أحَدٌ من شيء إلَّا وهو مُؤمِن به.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أنَّ عند هذا الرَّجُل عِلمًا من نَبَأ الأوَّلين؛ لقوله: ﴿مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزَابِ (٣٠) مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ﴾ إلى آخره.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: بَيانُ نُصْح هذا الرجُلِ المُؤمِن، حيث حذَّر قومَه من عَذاب الله، وفيه دليلٌ على التَّلطُّف في الدعوة إلى الله، وأنَّ الإنسان لا يَستَعمِلُ في الدَّعْوة إلى الله عاطِفته، لأنَّه إنِ اسْتَعمَل عاطِفته أَخَذَتْه الغَيرة، ففعَل ما لا يُحْمَد عُقباه، وإنَّما يُحَكِّم العَقْل، وَينظُر إلى العَواقِب والنَّتائِج، ولا ضيرَ على الإنسان إذا أَصابَه ذُلٌّ في أوَّل الأَمْر، إذا كانت النَّتيجة طَيِّبة، ولا أَظُنُّه يَخفَى عليكم ما حصَل للنَّبيِّ ﷺ وأصحابه في غَزوة الحُدَيْبية، من الشُّروط التي ظاهِرها الإهانة، ولكنَّها كانَتْ نَتيجتها طَيِّبة، حتى إنَّ الله تعالى سمَّاها فَتْحًا: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ﴾ [الحديد: ١٠].
فالحاصِلُ: أنه يَنبَغي للإنسان عند الدَّعوة إلى الله أن لا يُحكِّم العاطِفة، فتَزِلَّ قدَمه، ولكن يُحكِّم العَقْل، وَينظُر إلى العَواقِب والنَّتائِج.
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: بَيان أنَّ ذِكْرَ الأُمم السابِقة يَنتَشِر في الأُمَم اللاحِقة، إمَّا بواسِطة
стр. 259
الكتُب المُنزَّلة، وإمَّا بواسِطة التاريخ المَنقول. وَيدُلُّ لذلك قوله: ﴿يَاقَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزَابِ﴾؛ لأنه لا يُمكِن أن يُخوِّفهم بأَمْر لا يَعرِفونه، ولو كان الأَمْر كذلك، لقالوا: ما هذه الأيامُ؟ أو ما هذا الجزاءُ؟ .
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: أنَّه يَنبَغي للإنسان أن يَكون عِنده عِلْمٌ بأحوال الأُمَم السابِقة، من أَجْل أن يَكون مُعتَبِرًا بمَن مَضى فيمَن بَقِيَ، وعلى هذا فعِلْم التاريخ عِلْم مُهِمٌّ، ولكن يَجِبُ أن نَعلَم أنَّ التاريخ أَصابه شيء من الوَضْع -أي: من التَّحريف والتَّغيير، والكَذِب، والزّيادة والنّقص- فعلي الإنسان أن يَحتاط في هذا، حتى لا يَنقُل أو لا يَروِيَ إلَّا الصحيح.
الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: أنَّ قوم نُوحٍ وعادًا وثَمودَ كانوا أوَّلَ الأحزاب؛ لقوله: ﴿وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ﴾.
الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: تَحذير اللاحِق أن يُصيبَه ما أَصاب السابِق؛ لقوله: ﴿مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزَابِ (٣٠) مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ﴾.
ووجهُ ذلك: أنَّ الله سُنَّتُه في خَلْقه واحِدة، هو لا يُعذِّب هؤلاء لأنه يَكرَههم شخصيًّا، يُعذِّب هؤلاءِ لأنه يَكرَه عمَلهم، فإذا وجَد عمَلهم في آخَرين فالكَراهة حاصِلة، واذْكُرْ قول الله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا﴾ [محمد: ١٠].
وحذَّر شعيبٌ ﵇ قومَه أَنْ يُصيبَهم ما أَصاب مَن قبلَهم.
فالحاصِلُ: أنَّ الأُمَم لَا بُدَّ أَنْ يَتَّعِظ اللاحِق بالسابِق، بِناءً على أن سُنَّة الله واحِدة.
الْفَائِدَةُ الثَّامِنةُ: انتِفاء إرادة الله الظُّلْم لعِباده، وما الله يُريد ظُلْمًا للعِباد، ومَعلوم
стр. 260
أنَّها إذا انتَفَتِ الإرادة انتَفَى الفِعْل فنَفيُ إرادة الظُّلْم نَفيٌ للظُّلْم من بابِ أَوْلى، كما أنه جاءَت آياتٌ صَريحةٌ في نَفيِ الظُّلْم عن الله ، فقال: ﴿وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف: ٤٩]، وقال: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت: ٤٦]، وقال: ﴿مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [ق: ٢٩].
الْفَائِدَةُ التَّاسِعَةُ: إثبات اتِّصاف الله بالنَّفيِ؛ أي: أنَّ الله يَتَّصِف بالصِّفات المَنفيَّة التي يُعبِّر عنها بعض العُلَماء بالصِّفات السَّلْبية، لأن النفيَ سَلْب.
ولكن إذا قال قائِل: هل في النَّفيِ ثَناء ومَدْح، مع أنَّ الله يَقول: ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾ [النحل: ٦٠]، فصِفات الله تعالى كلُّها صِفات كَمال، والنفيُ عدَمٌ فهل يَكون فيه مَدْح وثَناءٌ؟
الجَوابُ: نَقولُ: أمَّا بالنِّسبة لغير الله ، فإنه لا يَدُلُّ على الكَمال، ولا على المَدْح؛ أمَّا بالنِّسبة لله فيَتعيَّن أن يَكون دالًّا على الكَمال؛ لقوله تَعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾ فكلُّ نَفي نَفاه الله عن نفسه، فإنه مُتضَمِّنٌ لكَمال؛ دَليلنا هذه الآيَةُ: ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾ وإلّا فالنَّفيُ المُجرَّد لا يَدُلُّ على الكَمال إطلاقًا، بل أَحيانا يَدُلُّ على النَّقْص، فقول الشاعِر مثَلًا:
قُبَيِّلَةٌ لَا يَغْدِرُونَ بِذِمَّةٍ ... وَلَا يَظْلِمُونَ النَّاسَ حَبَّةَ خَرْدَلِ (١)
وصَفهم بأنهم لا يَغدِرون بالعَهْد، وأنهم لا يَظلِمون، وهذا في ظاهِره مَدْح؛ لكنَّه في الواقِع يَذُمهم بأنهم ناس جُبَناءُ، وضُعَفاءُ، لا يَغدِرون لأنهم لا يَستَطيعون
стр. 261
لجُبْنهم، ولا يَظلِمون لا يَستَطيعون لضَعْفهم، وكذلك قولُ الشاعِرِ الآخَر (١):
لَكِنَّ قَوْمِي وَإِنْ كَانُوا ذَوِي عَدَدٍ ... لَيْسُوا مِنَ الشَّرِّ فِي شَيْءٍ وَإِنْ هَانَا
يَعنِي: ليسوا هُمْ للشَّرِّ إطلاقًا ولو هانَ.
يَجْزُونَ مِنْ ظُلْمِ أَهْلِ الظُّلْمِ مَغْفِرَةً ... وَمِنْ إِسَاءَةِ أَهْلِ السُّوءِ إِحْسَانَا
ثُم قال:
فَلَيْتَ لِي بِهِمُ قَوْمًا إِذَارَ كِبُوا ... شَنُّوا الْإِغَارَةَ فُرْسَانًا وَرُكْبَانَا
هنا يَذُمُّهم مع أنهم إذا ظُلِموا غفَروا لمَن ظلَمهم، وإذا أُسيءَ إليهم أَحسَنوا لمَن أَساء إليهم، وهذه صِفة قد تَبدو مَطلوبة محَمودة، لكن إذا كان السبَب في ذلك أنهم ضُعَفاءُ صارَت مَذمومة.
وقد يَكون النَّفيُ لعدَم صلاحية هذا الوَصْفِ لما نُفِيَ عنه، قد يَكون نَفيُ الشيء عن الشيء؛ لأنه غيرُ قابِل وغير صالِح لأن يُوصَف به، كما إذا قُلت: الجِدار لا يَظلِم. فهذا ليس مَدْحًا للجِدار؛ لأنه غير قادِر ولا صالِح للظُّلْم أو عدَم الظُّلْم، فتَبيَّن بذلك أنَّ الله تعالى لا يَنفِي عن نَفْسه شيئًا إلَّا لكَمال ضِدِّ هذا المَنفيِّ، لا لأنه غير قابِل له، أو غير صالِح في حَقِّه، وما أَشبَه ذلك. من الناحِية العَقْلية.
وهذا الظُّلمُ المَنفيُّ عن الله لكَمال العَدْل جائِز؛ لكنه مُستَحيل على الله تعالى لكَماله؛ خِلاقًا للجَهْمية، الذين قالوا: إن الظُّلْم مُستَحيل على الله لذاته -لذات الظُّلْم-؛ لأنه إذا كان مُستَحيلًا لذاته، لم يَكُن مَدْحًا، المُستَحيل لذاته لا يَمدَح من
стр. 262
استَحال عليه على ذلك؛ لأنه مُستَحيل، وهم يَقولون: إنه مُستَحيل لذاته؛ لأنَّ الخَلْق كله مُلْكه وَيفعَل في مُلْكه ما يَشاء، ومَن تَصرَّف في مُلْكه؛ فإنَّه لا يُقال: إنه ظالِمٌ ولو قدَّم شَيْئًا على شيء، أو نقَص شيئًا عن حَقِّه، ولكنَّنا نَقول: إن الله تعالى صرَّح بأنه حَرَّم الظُّلْم على نَفْسه، وهذا يَدُلُّ على أنَّ الظُّلْم في حَقِّه مُمكِن عقلًا، لكنه حَرَّمه على نفسه لكَمالِ عَدْله.
والخُلاصة الآنَ: أنه لا يُمكِن أن يُوجَد في صِفات الله تعالى نَفيٌ مَحض أبَدًا؛ الدليل: قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾ والنَّفيُ المَحْض ليس من المَثَل الأعلى في شيء، ولكن إذا نفَى الله شيئًا عن نفسه، فالمُراد إثباتُ كَمال ضِدِّه، يَعنِي: أنه لثُبوت كَمال ضِدِّه انتَفَى عنه هذا الشيءُ؛ فضِدُّ الظُّلْم العَدْل، إِذَنْ نُثبِت من نَفيِ الظُّلْم عن الله كَمال عَدْله، وأنه جَلَّ وَعَلَا لعَدْله لا يَظلِم، لا لعَجْزه، هو قادِر على أن يَظلِم، لكنَّه لا يَظلِم لكَمال عَدْله.
ولا يُوجَد نَفيٌ في صِفات الله إلَّا لكَمال ضِدِّه قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾ [ق: ٣٨]؛ لكَمال قُوَّته؛ لا لأن اللُّغوب لا يَلحَقه، لكن لكمال قُوَّته لا يَلحَقه اللُّغوب، وليس المَعنَى انَّه ليس مِمَّا يُمكِن أنْ يَلْحَقه اللُّغُوب، لا لكِنَّه مُستَحيل لكَمال قُوَّته.
قال أَهلُ العِلْم ﵀: وإنَّما قُلْنا بذلك؛ لأن النَّفيَ المَحْض عدَمٌ مَحض، النَّفيُ المَحضُ: نفَيْت الشيء مَعناه: أنه غيرُ مَوْجود، والعدَم المَحْض ليس بشيء، فَضلًا عن أن يَكون مَدْحًا؛ لأنه عَدَم العَدَم لا يُمدَح عليه، وإمَّا أَنْ يَكون النَّفيُ مُتضمِّنًا لإثبات، هذا الإثباتُ قد يَكون عَجْزًا.
стр. 263
ولهذا جاء في الحَديث الصَّحيح القُدسيِّ: "يَا عِبَادِي إِنِّي حَرَّمْتُ الظّلْمَ عَلَى نَفْسِي" (١) لم يَقل: يا عِبادي، إنني لا أَستَطيعُ أن أَظلِم. قال: "إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي" وهذا يَدُلُّ على أنه قادِر على أن يَظلِم، لكنه لا يَظلِم لكَمال عَدْله، ولو كان غير قادِر أن يَظلِم لم يَكُن انتِفاء الظّلْم عنه مدحًا؛ لأنه عاجِز، لكنه قادِر، ولكنه لا يَظلِم، وأَقولُ هذا؛ لأنَّ الجَهْمية وغيرهم قالوا: إنَّ الله لا يَستَطيعُ أَنْ يَظلِم أبَدًا، وإلى هذا أَشار ابنُ القيِّمِ في النُّونية حين قال (٢):
وَالظُّلْمُ عِنْدَهُمُ المُحَالُ لِذَاتِهِ. .................
يَعنِي: أنه مُستَحيل لذاته، لا لكَمال الله لكن لذاته، لا يُمكِن أن يَظلِم، قال: لأنَّ الظُّلم أن يَتَصرَّف الإنسان في مُلْك غيره، والله يَتَصرَّف في مُلْكه فإذا ظلَم لم يَكُن ظالمًا؛ لأن هذا مُلْكه، فيُقال: تبًّا لعُقولكم الفاسِدة؛ إذا وعَد المُؤمِن بشيء، ولكن على عمَل مُعيَّن، هو عمِل هذا العمَلَ ولم يُعطِه إيَّاه، يَكون ظُلمًا ولا شكَّ في هذا، وأنتم تَقولون: يَجوز أن يُثيب العاصِيَ الذي يَعصِي الله كل عُمْره، ويُعاقِب المُطيع الذي يَعمَل بطاعة الله كل عُمْره، وأنَّ الأمرين على حدٍّ سواءٍ؛ لأنه لا يَظلِم حيثُ إنه يَتصَرَّف في مُلْكه، فنَقول: هذا لا شَكَّ أنه سَفَه في العَقْل، وضَلالٌ في الدِّين والله وعَدَ العامِل عمَلًا صالِحًا بالثَّواب، والمُخالِف بالعِقاب. كيف يَجوز أن يُخلِف الله وَعْده.
المُهِمُّ: هذا قولٌ باطِل، ولا شكَّ في بُطْلانه، ومجُرَّد تَصوّره يَعرِف الإنسان أنه باطِل.
стр. 264
فقوله تعالى: ﴿وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ﴾ نَقول: نَفيُ إرادة الظُّلْم يَستَلزِم كَمال عَدْله، وهو أيضًا يَستَلزِم نَفيَ الظُّلْم؛ لأنَّ مَن لا يُريد الظُّلْم لا يُمكِن أن يَفعَل الظُّلْم.
стр. 265
الآيتان (٣٢، ٣٣)
* قَالَ اللهُ : ﴿وَيَاقَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ (٣٢) يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ [غافر: ٣٢ - ٣٣].
ثُم قال الله ﵎: ﴿وَيَاقَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ﴾ رضي الله عن هذا الرجُلِ، خوَّفهم أوَّلًا بالعُقوبة الدُّنيوية؛ حين قال: ﴿إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزَابِ﴾ ثُم خوَّفَهم من العُقوبة الأُخْروية، فقال: ﴿وَيَاقَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ﴾ قال المفَسِّر ﵀: [بحَذْف الياء وإثباتِها] "التَّنادِى" هذا إثباتُها، (التّنادِ) هذا حَذْفها، أمَّا إثباتها فعلى الأَصْل، وأمَّا حَذْفها فللتَّخفيف، والياء دائِمًا تُحذَف للتَّخفيف قِراءةً، مثل قول الله تعالى: ﴿فَلَا تَسْتَعْجِلُونِ﴾ [الأنبياء: ٣٧] أَصلُها: تَستَعجلونِي، وليسَت النُّون هنا نونَ الرَّفْع؛ لأنَّها مَكسورة فهي نون الوِقاية، وحُذِفت الياء تَخفيفًا.
وقوله: ﴿وَيَاقَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ﴾ كلِمة ﴿يَوْمَ﴾ هنا هل هي ظَرْف مَنصوبة على الظَّرْفية، والتَّقدير: إني أَخاف عليكم العَذاب يومَ التَّنادِ، أو أنَّ الفِعْل مُسَلَّطٌ عليها فهي مَفعولٌ به؟ الثاني؛ لقوله تعالى: ﴿يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ﴾ [النور: ٣٧].
فجعَل الخَوْف مُسلَّطًا على ﴿يَوْمَ﴾؛ لأن يوم تَصْلُح أن تكون مَفعولًا فيه، وأن تَكون مَفعولًا به، وأن تَكون مُبتَدَأ، وأن تَكون خَبَرَ مُبتَدَأ تَتَصرَّف.
стр. 266
قال المفَسِّر ﵀: ﴿يَوْمَ التَّنَادِ﴾ بحَذْف الياء وإثباتها، أي: يَوْم القِيامة]، هذا هو المُراد به، وأَنا أَشَرْتُ في كَلامي على قَواعِد في التَّفسير، أنَّ هُناك تَفسيرًا لفظيًّا، والثاني: مَعنَويًّا، اللَّفظيُّ يُفسِّر اللَّفْظ، والمَعنَويُّ يُفسِّر المُراد (١)، فهنا ﴿يَوْمَ التَّنَادِ﴾ تَفسيرُها اللَّفظيُّ: أي: يوم يَتنادَى الناس بعضُهم مع بعض، والمُراد بها: يوم القِيامة؛ فإذا قلنا: يومَ التَّنادِ؛ أي: يوم القِيامة، فهذا ليس تَفسيرًا لفظيًّا، بل هو تَفسير مَعنَويٌّ للمُراد بالآية.
يَقول: ﴿يَوْمَ التَّنَادِ﴾ [أي: يوم القِيامة، يَكثُر فيه نِداء أصحاب الجنَّة أصحاب النار وبالعَكْس، والنِّداء بالسَّعادة لأهلها والشَّقاوة لأهلها، وغير ذلك]. التَّنادِي يوم القيامة يَكثُر، فيُنادِي الله الناسَ، والناسُ يُنادِي بعضُهم بعضًا، وأهل النار يَنادُون أهلَ الجَنَّة، وأهل الجَنَّة يُنادون أهل النار، والتَّنادِي الحاصِل يوم القِيامة ليس كالتَّنادِي الحاصِل في الدنيا، لأنه بأصوات مُزعِجة، وحَزينة إذا كان أهل النار يُنادون أهل الجنَّة، وما أَشبَه ذلك.
فهذا اليومُ ذَكَّر هذا المُؤمِنُ قومَه به؛ ليَحذَروا من عذاب يوم القِيامة، ثُم بيَّن ذلك بقوله ﵀: ﴿يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ﴾ عن مَوقِف الحِساب إلى النار ﴿مَا لَكُمْ مِنَ اللَّهِ﴾ أي: من عَذابه ﴿مِنْ عَاصِمٍ﴾ مانِع، ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾].
وَصَف هذا اليومَ بأَوْصاف:
أوَّلًا: أنه يوم التَّنادِ، يُنادِي الناسُ بعضُهم بعضًا، والله تعالى يُنادِيهم أيضًا، وَيتَنادَوْن بنِداءات قد يَكون بعضُها مَجهولًا لنا الآنَ.
стр. 267
الوَصْف الثاني: ﴿يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ﴾ يومَ هذه بدَل من قوله: ﴿يَوْمَ التَّنَادِ﴾ أو عَطْف بَيان، ﴿يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ﴾ مُدْبِرين هذه حال، حال مُؤكِّدة لعامِلها، لأن التَّولِّيَ هو الإدبار، وعلى هذا فهي حال مُؤكِّدة لعامِلها، يَعنِي: تُولُّون يوم القِيامة حال كَونِكم مُدبِرين، يُولُّون إلى النار -والعِياذُ بالله- قال تعالى: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا (٨٥) وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا﴾ [مريم: ٨٥ - ٨٦]، فهُمْ -والعِياذ بالله- يُولُّون مُدبِرين.
وقوله: ﴿مَا لَكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ﴾ الجُمْلة هذه جُمْلة خَبَرية مَبدوءة بـ (ما) النافِية، والمُبتَدَأ فيها قوله: ﴿مِنْ عَاصِمٍ﴾ لكن دخَلَت عليه (مِن) الزائِدة للتَّوكِيد، وتقدير الكلام: لولا مِن ما لَكُم من الله عاصِمٍ. وهنا نَسأَل: هل هي تمَيمِيَّة أو حِجازِّية؟
والجَوابُ: تَتَّفِق فيها اللُّغَتان، لأنَّها لا تَكون حِجازِية إلَّا بالتَّرتيب، كما قال ابنُ مالِكٍ:
........... . . مَعَ بَقَا الْنَّفْي وَتَرْتِيبٍ زُكِنْ (١)
وهنا لا تَرتيبَ، لأن الخبَر مُقدَّم، وعلى هذا فنَقول: (ما) هنا اتَّفَقت فيها اللُّغَتان، التَّميمية والحِجازِية؛ ﴿مَا لَكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ﴾ [غافر: ٣٣]؛ أي: من مانِع.
وقوله: ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ هذه الجُمْلةُ؛ قد تُشْكِل كيف ختَمَ بها الدَّعوة إلى الله ؛ لأن مُقتَضى الحال أن يَقول: وأَسأَل الله لكم الهِداية. فيُقال: هل قوله: ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ من كلام الرجُل أو من كلام الله؟ لا بُدَّ أن نَبحَث قبل كل شيء، هل هِيَ من كلام الله ليُبيِّن أنَّ هؤلاءِ القومَ مع قُوَّة الدَّعْوة
стр. 268
لم يَستَفيدوا، أو هي من كَلام المُؤمِن؟ إن كانت من كَلام الله فلا إشكالَ، إلَّا أنَّها حالَت بين الكلام أوَّله وآخِره، وهذا لا يَضُرُّ لأنَّ الجُملة الاعتِراضِية تَأتِي كثيرًا، وإن كانت من كلام الرَّجُل فهنا مَحَلُّ الإشكال.
وقوله: ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ (مَنْ) هذه شَرْطية، وفِعْلُ الشَّرْط يُضلِل، وحُرِّك بالكَسْر؛ لالتِقاء الساكِنَيْن، وجواب الشَّرْط جُملة: ﴿فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ وقُرِن بالفاء؛ لأنه لا يَصلُح أن يَكون فِعْلًا للشَّرْط، وكلُّ جَواب لا يَصلُح أن يَكون فِعْلًا للشَّرْط فإنه يَجِبُ أن يَقتَرِن بالفاء، كما قال ابنُ مالِكٍ:
وَاقْرُنْ بِفَا حَتْمًا جَوَابًا لَوْ جُعِلْ ... شَرْطًا لإِنْ أَوْ غَيْرِهَا لَمْ يَنْجَعِلْ (١)
وذكَروا له سِتَّة ضَوابِطَ مَجموعةً في قوله:
اسْمِيَّةٌ طَلَبِيَّةٌ وَبِجَامِدٍ ... وَبِما وَقَدْ وَبِلَنْ وَبِالتَّنْفِيسِ (٢)
فهذه الجُمَلُ السِّتُّ إذا وقَعَت جوابًا للشَّرْط فإنه يَجِب أن يَقتَرِن بالفاء، وهنا الجُملة هي مُصَدَّرة بـ (ما)، وإن شِئْت فقُلْ: إنها جُمْلة اسمِية، ولا مانِعَ من أن يُوجَد سبَبان لحُكْم واحِد.
وقوله: ﴿مِنْ هَادٍ﴾ أَصلُها: من هادِي؛ بالياء، فحُذِفَت الياء للتَّخفيف.
يَقول الله : إن مَن يُضلِل الله أي: مَن كتَبَ الله إضلالَه فإنه لا أحَدَ يَهديه؛ لأن الذي يَهدِي ويُضِلُّ هو الله، بيَدِه الأمرُ كلُّه، ولكن ليُعْلَم أنَّه لا يَهدِي أحَدًا إلَّا لحِكْمة، ولا يَضِلُّ أحَدًا إلَّا لحِكْمة، فمَن كان أهلًا للهِداية هَداه، ومَن كان أهلًا
стр. 269
للإضلال أَضَلَّه -والعِياذُ بالله- وإلَّا فإن الله لا يَحرِم فَضْله مَن أَراده، إنما يَحرِم فَضْله مَن لم يُرِده، ودليلُ هذا قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف: ٥]، فجعَل إزاغة الله لقُلوبهم مُترتِّبًا على زَيْغهم، أمَّا مَن أَراد الهُدَى بجِدٍّ، فإن الله يُيسِّره له: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى﴾ [الليل: ٥ - ٧].
إِذَنْ: قوله: ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ مُقيَّد بمَن فعَل ما يَقتَضِي إضلاله؛ لأن الله لا يُضِلُّ أحَدًا إلَّا لحِكْمة.
من فوائِدِ الآيتين الكريمتين:
الْفَائِدَةُ الأُولَى: أنَّ هذا المُحذِّر كان مُؤمِنًا باليَوْم الآخِر.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أنَّ ما يَحدُث في اليوم الآخِر كان مَعلومًا للناس من قبل أن يَنزِل القُرآن؛ لقوله: ﴿يَوْمَ التَّنَادِ﴾ وذلك لأن هذا أَمْر لا بُدَّ منه، أي: لا بُدَّ أن يَعلَم العِباد ما يَحدُث في اليوم الآخِر، ليَكونوا على بَصيرة من أمرهم.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: أن يوم القِيامة له أحوال، فقد قال الله تعالى في سورة طه: ﴿وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا﴾ [طه: ١٠٨]، وهنا يُذكَر أنه يوم تَنادٍ، والنِّداء هو الصوت الرفيع، وعلى هذا فيَكون الجَمْع بين هذه الآيةِ، وبين قوله: ﴿وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا﴾ هو أن يوم القِيامة له أحوال؛ لأن يوم القِيامة مِقدارُه خَمْسون ألفَ سَنَةٍ، فلا بُدَّ أن تَتَغيَّر أحوال الناس.
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: نُصْح هذا الرجُلِ لقَوْمه، حيث يُناديهم بهذا النِّداءِ اللَّطيف ﴿وَيَاقَوْمِ﴾ ثُم قال الله ﵎: مُكمِّلًا لما ذكَره هذا المُحذِّرُ: ﴿يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ﴾ هذه مَعروف أنَّ إعرابها بدَل مِمَّا سبَق، ففيها إثبات أنَّ آل
стр. 270
فِرعونَ يُولُّون مُدْبِرين يوم القِيامة إذا لم يُؤمِنوا، وقد بيَّن الله في آية أخرى أنهم يُعرِضون على النار غُدُوًّا وعشِيًّا، وأنهم يوم القِيامة يُقال لهم: ﴿أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر: ٤٦]، فهُمْ -والعِياذُ بالله- سيُولُّون مُدبِرين مُعذَّبين في نار جَهنَّمَ.
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: أنه لا أحَدَ يَعصِم من عَذاب الله؛ لقوله: ﴿مَا لَكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ﴾ وهذا كقَوْل نُوحٍ لابنه؛ لمَّا قال: ﴿قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ قَالَ لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ﴾ [هود: ٤٣].
الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: أنه يَجِب على الإنسان إذا أَراد أن يَسأَل الهِداية أن لا يَسأَلها إلَّا من الله، الذي بيَدِه الإضلالُ والهِداية؛ فلا تَسأَل الهِداية من غَيْره، بل اسأَلْها من الله ؛ فيُستَفاد مِنها: تَفويضُ الأَمْر إلى الله ﵎.
стр. 271
الآية (٢٤)
* قَالَ اللهُ : ﴿وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جَاءَكُمْ بِهِ حَتَّى إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتَابٌ﴾ [غافر: ٣٤].
ثُمَّ قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جَاءَكُمْ بِهِ﴾ هذا من كلام الرَّجُل المُؤمِن المُحذِّر، قال: ﴿وَلَقَدْ جَاءَكُمْ﴾ الجُمْلة هنا مُؤكَّدة بثَلاثة مُؤكِّدات؛ باللَّام، و (قَدْ)، والقَسَم، وكلَّما جاءَتْك صيغة كهَذه فإنها مُؤكَّدة بثلاثة مُؤكِّدات، اللَّام و (قد) والقَسَم؛ لأنَّ تَقدير الكَلام: والله لقد جاءَكم. وقوله: ﴿يُوسُفُ﴾ المُراد به يُوسُفُ بنُ يَعقوبَ.
فإن قال الإنسان: كيفَ يُخاطِبهم فيَقول: ﴿جَاءَكُمْ﴾ ويُوسُفُ بنُ يَعقوبَ عليهما الصلاة والسلام قبلهم بأزمان كثيرة؟
فيُقال: إن ما حصَل للأَسلاف فهو للأَخْلاف؛ يَعنِي: أنَّ ما جاء أَسلافَهم فهو كالذي جاءَهُم.
ودليلُ ذلك أنَّ الله يُخاطِب بني إسرائيلَ في عَهْد النَّبيِّ ﷺ بما حصَل لأَسْلافهم في عهد مُوسَى، وبينهم قُرون كَثيرة؛ قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَامُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (٥٥) ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ
стр. 272
لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٥٦) وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ﴾ [البقرة: ٥٥ - ٥٧]، ومَعلوم أن هذا كلَّه لم يَحصُل لليَهود في عَهْد النَّبيِّ ﷺ ، لكنه حصَل لأَسلافهم؛ فما كان من الأُمَّة من أَوَّلها، فإنه ثابِت للأُمَّة في آخِرها.
إِذَنْ: لا إشكاَل في هذه الآيةِ، ما دُمْنا نَقول: إنه قد جاء أَسلافَهم، وأن ما يَحصُل من أَسْلافهم فيما سبَقَ، يَكون مَنْسوبًا إلى الجميع، إذا لم يَخرُجوا عن هذا المِنهاجِ.
قال المفَسِّر ﵀: ﴿وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ أي: من قَبْل مُوسى، وهو يُوسُفُ بنُ يَعقوبَ. . .] إلى آخِره.
قوله: ﴿مِنْ قَبْلُ﴾ لماذا جرَّها بالضَّمِّ؟ والمَعروف أنَّ (مِن) حَرف جرٍّ إذا دخَلَت على كلِمة جَرَّتها -كسَرَتها- تَقول: مِن زَيدٍ. وهنا قال: ﴿مِنْ قَبْلُ﴾ حُذِف المُضاف إليه ونُوِيَ مَعناه، لأنه إمَّا أن يُوجَد المُضاف أو يُحذَف وُينوَى مَعناه، أو يُحذَف ويُنوَى لفظُه، أو يُحذَف ولا يُنوَى لا لفظُه ولا مَعناه، فالأقسام أَربَعة: تُبنَى في واحِد منها، والباقي مُعرَبة تُبنَى إذا حُذِف المُضاف إليه ونُوِيَ مَعناه.
فإن قال قائِلٌ: ما هو الدَّليلُ؟
قلنا: الدَّليلُ أنها تكون مَضمومة لأنها تُبنَى على الضَّمِّ؛ فإذا كلَّمْنا مَن هو عالِمٌ بالعرَبية، وبناها على الضَّمِّ، عرَفْنا أنه حَذَف المُضاف ونَوَى مَعناه.
قال المفَسِّر ﵀: ﴿مِنْ قَبْلُ﴾ في قول عُمِّر إلى زمَن موسى، أو يُوسُفَ بنِ إبراهيمَ بنِ يُوسُفَ بنِ يَعقوبَ في قولٍ] حكَى المفَسِّر ﵀ قولَينْ في المُراد بيُوسُفَ.
فقيل: إنه يُوسُفُ بنُ يَعقوبَ، وأنه عُمِّر إلى زَمَنِ مُوسى، وهذا قولٌ باطِل لا إشكالَ. يَقول: [عُمِّر إلى زمَنِ مُوسَى]، هذا قول ليس بصَحيح، بل هو باطِلٌ؛
стр. 273
لأنَّه لو كان الأمر كذلك لكان يَأتِي مُوسى ويَتَّصِل به؛ لأن كِليهما رَسولٌ.
القولُ الثاني: إنه يُوسُفُ وجَدُّه يُوسُفُ بنُ يَعقوبَ، يُوسفُ بنُ إبراهيمَ بنِ يُوسُفَ، وهذا أيضًا لا دَليلَ له، والصوابُ: أنَّ المُراد به يُوسُفُ بنُ يَعقوبَ، وأنه لم يُعَمَّر إلى زمَن موسى، وأنه مات في زمَنه، لكنه جاء أَسلافَه؛ لأن يُوسُف ﷺ أَخَذَه المارَّة الذين مَرُّوا بالبِئْر الذي أُلقِيَ فيها، وذهَبوا به إلى مِصرَ، والقِصَّة مَعروفة في سورة كامِلة.
وقوله: ﴿بِالْبَيِّنَاتِ﴾ البَيِّنات من بانَ يَبينُ إذا ظهَر، ومَعلوم أنها وَصْف لمَوْصوف محَذوف؛ وذلك لأنه يَجوز أن يُحذَف النَّعْت وأن يُحذَف المَنعوت إذا دَلَّ عليه دَليل؛ والمَوْصوف المَحذوف هنا تَقديرُه الآيات، كما يُعبَّر به في القُرآن كثيرًا بالآيات البَيِّنات، بـ: ﴿آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾ [البقرة: ٩٩]، وما أَشبَه ذلك.
وأمَّا قوله ﵀: [بالمُعْجِزات] فإن هذا تَعبير مُتأخِّر؛ لم يُعرَف في عَهْد السلَف، وهو تَعبير ناقِص؛ لأن كلِمة (مُعجِزة) تَشمَل ما يَفعَله السَّحَرة والمُشعوِذون من الأمور الخارِقة للعادة، فإنها تُعْجِز مَن ليس مِنهم، ولكنه إذا قيل: آية بمَعنى عَلامة، صَارَتْ أبينَ وأَوْضحَ وأَوفقَ لمُوافَقَتها للتَّعبير القُرآني، على أنه لا يُمكِن أن تَكون آية لرَسول إلَّا والناس يَعجِزون عنها؛ لأنهم لو كانوا يَستَطيعون أن يَأْتوا بمِثْلها لم تَكُن آية للنَّبيِّ، كل واحِد يَأتِي بها.
إِذَنْ: تَقدير الكَلام بالآيات البَيِّنات، ولكن حُذِف المَوْصوف لدَلالة السِّياق عليه، ومنه قوله تعالى: ﴿أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ﴾ [سبأ: ١١] يَعنِي: أن اعمَلْ دُروعًا سابِغاتٍ.
стр. 274
فإن قال قائِل: هل يَصِحُّ أن يُطلَق لفظ الدَّلائِل على مُعجِزات الأنبياء أو آيات الأنبياء؟
فالجوابُ: أي نعَمْ؛ لأن الدليل ما يَهدِي إلى غيره؛ ولهذا يُسمَّى الرَّجُل الذي يَدُلُّك الطريق يُسمَّى هادِيًا؛ فالآيات لا شَكَّ أنها دَليل وبَيِّنات.
ونحن نَقول: الآيةُ دليل، واللُّغة مُترادِفة، فما دام اللَّفْظ مُرادِفًا للآخَر ولا يَتضَمَّن مَحظورًا فلا مانع أن نُعبِّر به.
قوله: ﴿بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جَاءَكُمْ بِهِ﴾ يَعنِي: من وَقْت يُوسُفَ، إلى وَقْت مُوسى، وآل فِرعونَ، وإن شِئْت فعَبِّر بالقِبْط.
قوله: ﴿فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جَاءَكُمْ بِهِ﴾ أي: في شَكٍّ مِمَّا جاء به يُوسُفُ؛ فلم يُؤمِنوا به الإيمان الواجِبَ الخالِيَ من الشَّكِّ.
وقوله: ﴿حَتَّى إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ﴾ قال المفَسِّر ﵀: [مِن غَيْر بُرهانٍ] ﴿قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولًا﴾ يَعنِي: أنهم كانوا في شَكٍّ مِمَّا جاء به يُوسُفُ، ولم يُصدِّقوه، ولمَّا هلَكَ قالت لهم نُفوسُهم: الآنَ استَرَحْتم، فلن يَبعَث الله من بَعدِه رسولًا، كُفِيتم هلَك مَن أُرسِل، فكذَّبْتموه فاطْمَئِنُّوا لن يَبعَث الله من بَعده رسولًا، قالوا ذلك بِناءً على أُمنِية كاذِبة؛ لأنهم قالوا: هذا الرسولُ الذي جاءَنا وتَوعَّدنا إن خَالَفْناه فإنه مات -هلَك- فلن يَأتِيَ من بعده رَسولٌ، وحِينئذٍ نَكون قدِ استَرَحْنا من الرُّسُل ومَشاكِلهم -على زَعْمهم! -.
قال المفَسِّر ﵀: ﴿قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولًا﴾؛ أي: فلَنْ تَزالوا كافِرين بيُوسُفَ وغَيرِه]؛ لأنهم إذا قرَّروا في أَنفُسهم أنَّ الله لن يَبعَث رسولًا، فسَوْف
стр. 275
يُكذِّبون كل مَن جاء من الرُّسُل بعد يُوسُفَ، بِناءً على هذه العَقيدةِ الفاسِدةِ التي أَصَّلوها.
قال المفَسِّر ﵀: [﴿كَذَلِكَ﴾ أي: مِثْل إِضْلالكم ﴿يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ﴾ مُشرِك ﴿مُرْتَابٌ﴾ شاكٌّ فيما شَهِدَت به البَيِّنات]، ﴿كَذَلِكَ﴾ قال المفَسِّر: [أي: مِثْل إضلالكم ﴿يُضِلُّ اللَّهُ﴾]، وعلى هذا فتكون إعرابُها: الكاف اسمٌ بمَعنَى (مِثْل)، وهي مَفعول مُطلَق مُضاف إلى اسمِ الإشارة، وعامِله قوله: ﴿يُضِلُّ﴾، عامِله مُتأخِّر عنه، وهذا التَّعبيرُ القُرآنيُّ يَكثُر في كَلام الله ، وإِعْرابه كما سمِعْتم: أن تَقول الكاف اسمُ بمَعنَى (مِثْل) مَنصوبة على المَفْعولية المُطلَقة مُضافة إلى اسم الإشارة، فإن قيل: وهل الكافُ تَأتِى اسمًا؟ قلنا: نعَمِ، اللُّغَة العرَبية واسِعة، وإلَّا فالأصل أنَّ الكاف حَرْف، لكن تَكون اسمًا.
قال ابنُ مالِكٍ ﵀ (١):
شَبِّهْ بِكَافٍ وَبِهَا الْتَّعْلِيْلُ قَدْ ... يُعْنَى وَزَائِدًا لِتَوْكِيْدٍ وَرَدْ
وَاسْتُعْمِلَ اسْمًا وَكَذَا عَنْ وَعَلَى. . . .
استُعمِل يَعني: الكافُ اسمًا؛ أي: في اللُّغة العرَبية.
وقوله: ﴿كَذَلِكَ﴾ أي: مِثْل ذَلِكم يُضِل الله ﴿مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتَابٌ﴾ لا يُضِل الله تعالى رَجُلًا مُؤمِنًا مُقتَصِدًا مُوقِنًا أبَدًا، يُضِلُّ الله -والعِياذُ بالله- ﴿مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتَابٌ﴾.
стр. 276
يَقول المفَسِّر ﵀: ﴿مُسْرِفٌ﴾ مُشرِك] ولا شَكَّ أنَّ الشِّرْك من الإسراف؛ لأنَّ الإسراف مَعناه: تَجاوُز الحدِّ، ومَن جعَل لله شَريكًا فقد تَجاوَز الحَدَّ بلا شكٍّ؛ لكن مَعنَى الآية أعَمُّ من المُشرِك؛ فالمُسرَف مَن تَجاوَز حدَّه -هذا المُسرِف- بإفراط أو تَفْريط؛ لكن الغالِب يَكون بالإفراط؛ لأنه مجُاوَزة الحَدِّ زِيادة، فالمُشرِك لا شَكَّ أنه مُسرِف بلا شَكٍّ، والمُستكبِر مُسرِف، والجاحِدُ مُسرِف، وهلُمَّ جَرًّا.
إِذَنْ: ﴿مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ﴾ يَنبَغي أن يُقال في تَفْسيرها: مَن هو مُجاوِز لحَدِّه؛ كالمُشرِك.
وقوله: ﴿مُرْتَابٌ﴾؛ أي: شاكٌّ -نَسأَل الله أن يُعيذَنا وإيَّاكُم من الشَّكِّ- المُرتاب -والعِياذ بالله- الذي يَطمَئِنُّ للارتياب، لا يَهتَدِي يَبقَى على ضَلاله -والعِياذُ بالله- أمَّا إذا أَوْقَع الشَّيْطان في قَلْبك شكًّا ثُم حاوَلْت أَنْ تَنزِعه من قَلْبك، فإنَّ الله يُعينُك عليه ويَهديك، لكن البَلاء كل البَلاء أَنْ تَركَن إلى هذا الشَّكِّ، وأن لا تُنتَشَل منه؛ والدَّليل على هذا ما شَكاه الصحابة ﵁ إلى رَسول الله ﷺ مِمَّا يَقَع في نُفوسهم، حتى قالوا: نَوَدُّ أن يَكون الواحِد مِنَّا حممًا؛ أي: فَحْمًا محُتَرِقًا، ولا نَتكَلَّم به؛ فأَخبَرهم النَّبيُّ ﷺ أنَّ ذلك لا يَضُرُّهم؛ لأنهم لا يَركَنون إلى ما حصَل، أو إلى ما وقَعَ في قُلوبهم (١).
ولهذا يَجِب أن تَكون شُجاعًا إذا أَلقَى الشَّيْطانُ في قَلْبك مثل هذه الأُمورِ فكُنْ شُجاعًا لا تَركَن، لا تَستَرسِل معها، كُنْ شُجاعًا، استَعمِل معه السلاح الذي أَعطاك إيَّاه مَن هو عالِمٌ به، ومَن عالِمٌ بإِصابته للعَدوِّ، وهو الرسولُ ﷺ ، وذلك بأَمْرين
стр. 277
فقَطْ: أن تَستَعيذ بالله من الشيطان الرجيم وتَنتَهي (١) -أي تُعرض- فاستَعِذْ بالله ثُم انتَهِ. وبذلِك يَزول عنك هذا البَلاءُ، أمَّا إنِ استَرْسَلت معه فالأَمْر خَطير جدًّا؛ لأنه يَتَفاعَل في نفسك، ويَقوَى حتى يَصِل إلى درَجة الشَّكِّ والارتياب، وحينَئِذٍ تُحرَم من الهِداية، وهذا لا شَكَّ أنه من حِكْمة القُرآن، مثل هذا التَّعبيرِ لئَلَّا يَقَع في نَفْسك مثل ما ذكَر الله ، فدَواؤُه بهذَيْن الأَمْرين.
لو أنَّ أَذكَى العالَم حاوَل أن يَجِد دواءً لهذا البَلاءِ ما وجَدَه بهذه العِبارةِ المُختَصَرة السَّهْلة، قال: "فَلْيَستَعِذْ باللهِ ثُمَّ لْيَنْتَهِ" اعرِض عن هذا، اشتَغِلْ بشُؤُونك، وقل: أَعوذُ بالله من الشَّيْطان، فاشتِغالُك بشُؤونك وإعراضُك عنه يُوجِب لك أن تَنساه، وهذا شيء مُشاهَد ومجُرَّب.
من فوائدِ الآيةِ الكريمةِ:
الْفَائِدَةُ الأُولَى: تمَام نُصْح هذا الرجُلِ حينما ذكَّر قومه بما سلَف.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أنه يَنبَغي للإنسان أن يَكون لدَيْه عِلْم بما سبَقَ؛ فإن التاريخ عِبَر، سواءٌ في هذه المَسأَلةِ الكَبيرة، أو في المَسائِل الصغيرة، اقْرَأ التارِيخ يَتبَيَّن لك ما قدَّره الله على العِباد، وأن سُنَّة الله في السابِقين ستكون في اللاحِقين، أي: أنه يَنبَغي أن يَكون عند الإنسان خِبْرَة بما سبَقَ.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: أن أَعظَمَ رَسولٍ أُرسِل إلى آل فِرعونَ -بعدَ مُوسى- هو يُوسُف؛ ولهذا طُوِيَ ذِكْر مَن بعدَه، والظاهِر -والله أَعلَمُ- أنَّ الله تعالى لا يَدَع هذه
стр. 278
الأُمَّة -أَعنِي: أُمَّة فِرعونَ- لا يَدَعهم بلا رَسولٍ من بعد مُوسى ﷺ ، الذي له أَزمان كثيرة، لكِنَّهم ليسوا كيُوسُفَ، فنَوَّه بذِكْر ﷺ .
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أنَّ الرُّسُل يَأتون بالبَيِّنات الدالَّة على صِدْقهم ونُبوَّتهم؛ لأنَّ هذا من حِكْمة الله لو أَرسَل الله رَسولًا للناس ليس معه آية، وقال: أنا رَسولُ الله إليكم، آمِنوا بي، وإلَّا فلكُمُ النَّار، فلن يُطيعوه أبَدًا، نَقول: هذا مَجنون، يَعنِي: لا بُدَّ من آية تَدُلُّ على صِدْقه. وقد ثبَتَ عن النبيِّ ﷺ أنه قال: "مَا مِنْ رَسُولٍ بَعَثَهُ الله إِلَّا آتَاهُ مِنَ الْآيَاتِ مَا يُؤْمِنُ عَلَى مِثْلِهِ الْبَشَرُ"، فلا بُدَّ من ذلك.
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: أنَّ الآياتِ التي جاءَتْ بها الرسُلُ آياتٌ بَيِّنة، لا تَخفَى إلَّا على العُميان، ودليلُ ذلك قوله: ﴿بِالْبَيِّنَاتِ﴾ وهُنا ركَّز على الوَصْف دون المَوْصوف؛ لأن الوَصْف أهَمُّ، وهو كون هذه الآياتِ بَيِّنة، لا تَخفَى على أحَد.
الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: أنَّ آل فِرعونَ ما زالوا في شَكٍّ حتى مع وُجود يُوسُفَ فهُمْ في شَكٍّ؛ لأنَّ الله تعالى لم يُقدِّر هِدايتهم، فبَقُوا حَيارى، واستَمَرُّوا على الكُفْر.
الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: بَيان كَراهة الشعوب المُكذِّبة للرُّسُل، لما جاءَت به الرُّسُل؛ كأنهم انتَهَزوا الفُرصة لمَّا هلَكَ يُوسُف، فقالوا: ﴿لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولًا﴾ وهذا يَدُلُّ على أنهم مُتَضايِقون غاية التَّضايُق بوجود يُوسُفَ ﷺ .
الْفَائِدَةُ الثَّامِنةُ: أنَّ الإيمان بوُجود الله لا يَكفِي في التَّوْحيد والخَلاص من عَذاب الله، يُؤخَذ ذلك من قولهم: ﴿لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ﴾ فهَؤلاءِ كانوا مُقرِّين بالله ومع ذلك لم يَنفَعهم إقرارُهم بالله، وكذلك الذين بُعِث فيهم الرسول ﷺ مُقِرُّون بالله ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ﴾ [يونس: ٣١]، مُؤمِنين
стр. 279
بالرُّبوبية، تمامًا، وبأن المُدبِّر هو الله، ومع ذلك استَباح النبيُّ ﷺ دِماءَهم، وأموالهم، ونِساءَهم، وذُرِّيَّاتهم، وأرضهم؛ لأن مجُرَّد الإيمان بالله ليس إيمانًا أبَدًا، لا بُدَّ من الإيمان بالله بوُجوهه الأربعة المَعروفة، وهي: الإيمان بوُجوده، وبرُبوبيته، وبأُلوهِيَّته، وبأَسمائه وصِفاته. لا بُدَّ من هذا، فمَن لم يُؤمِن كذلك فليس مُؤمِنًا بالله.
الْفَائِدَةُ التَّاسِعَةُ: أنَّ إضلال الله لا يَكون إلَّا في محَلِّه، أي: فيمَن هو أَهْل للإضلال، لقوله: ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتَابٌ﴾.
الْفَائِدَةُ الْعَاشِرَةُ: أنَّ مَن لزِمَ حدَّه، وأَيقَن بما يَجِب الإيقان به، فإنه أَبعَدُ الناس عن الإضلال، يُؤخَذ هذا من المَفْهوم، إذا كان الله يُضِلُّ مَن هو مُسرِف مُرتاب، فإنه يَهدِي مَن لزِمَ حَدَّه وأَيقَنَ في أَمْره، وآمَن بذلك ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتَابٌ﴾، واللهُ أَعلَمُ.
فإن قال قائِلٌ: هناك إشكال، وهو قوله: ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ لماذا لم يَقُل بعد هذا النُّصْحِ: نَسأَل الله لكُمُ الهِداية، أو شيئًا من هذا؟
فالجَوابُ: جاء في تَفسير (التَّحرير والتَّنوير): قوله: ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ عَطْفٌ عَلَى جُمْلَةِ ﴿إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ﴾ لِتَضَمُّنِهَا معنى: إِنِّي أَرشَدْتكم إِلَى الحْذَرِ مِنْ يَوْمِ التّنَادِي. وَفِي الْكَلَامِ إِيجَازٌ بِحَذْفِ جُمَلٍ تَدُلُّ عَلَيْهَا الجمْلَةُ المَعْطُوفَةُ. وَالتَّقْدِيرُ: هَذَا إِرْشَادٌ لَكُمْ، فَإِنْ هَدَاكُمُ الله عَمِلْتُمْ بِهِ، وَإِنْ أَعْرَضْتُمْ عَنْهُ فَذَلِكَ لِأَنَّ الله أَضَلَّكُمْ ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾، وَفِي هَذِهِ الجُمْلَةِ مَعْنَى التَّذْيِيلُ. ولم يَقُل لهم: ﴿وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُضِلٍّ أَلَيْسَ﴾ [الزمر: ٣٧]؛ لِأَنَّهُ أَحَسَّ مِنْهُمُ الْإِعْرَاضَ وَلَمْ يَتَوَسَّمْ فِيهِمْ مَخَائِلَ الِانْتِفَاعِ بِنُصْحِهِ وَمَوْعِظَتِهِ. وقوله هذا تَفسيرٌ.
стр. 280
فإن قال قائِلٌ: قوله: ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ يَهدِيه إلى طريق النَّجاة أصلًا، وكأنَّ الرَّجُلَ يَئس من عدَم قَبولهم النُّصْح. فقال ذلك.
فالجَوابُ: هذا هو الظاهِر، أن الرجُل قد أَيِس، وهذا كقَوْل نُوحٍ ﷺ : ﴿وَقَالَ نُوحٌ رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا (٢٦) إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا﴾ [نوح: ٢٦ - ٢٧].
فإن قال قائِل: في هذه الآيةِ أنَّ الإسراف يَنقَسِم إلى قِسْمَيْن، هنا فسَّر الإسراف بالمُشرِك، وآية أُخرى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا﴾ [الأعراف: ٣١] هنا أيضًا يَنقَسِم إلى قِسْمين؟
فالجَوابُ: غالِب الأشياء تَنقسِم إلى قِسْمين أو أكثَرَ. يَعنِي: أكبَرَ وأصغَرَ ومُتوسِّطٍ؛ فليس المُسرِف في الإشراك كالمُسرِف في خُبْزة يَأكُلها.
стр. 281
الآية (٣٥)
* قَالَ اللهُ : ﴿الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ﴾ [غافر: ٣٥].
قوله: ﴿الَّذِينَ يُجَادِلُونَ﴾ المُجادَلة هي: المُخاصَمة، والمُناظَرة من أَجْل إفحام الخضْم، مَأخوذة من جَدْل الحَبْل، أي: فَتْله؛ فإن الحَبْل إذا فُتِل احتكَم وصار أَقوى، فهذا المُجادِل تَجِده يَحتكِم ويَتَصلَّب من أَجْل أن يَغلِب مجُادِله.
وقوله: ﴿فِي آيَاتِ اللَّهِ﴾ قال المفَسِّر ﵀: [مُعجِزاته] والصوابُ: أن يُقال: آياتُ الله يَعنِي: العلامات الدالَّة على ما يَستَحِقُّه جَلَّ وَعَلَا من الرُّبوبية، والأُلوهية، والأَسْماء والصفات، والأحكام، وغير ذلك. هذا هو المُراد، وقد سبَقَ أنه لا يَنبَغي أن نُسمِّيَ الآياتِ المُعجِزاتِ؛ لأن ذلك نَقْصٌ في التَّعبير، وليس محُدِّدًا للمَعنى، ورُبَّما يَدخُل عليه فِعلُ المُشعوِذين، والسحَرة؛ لأنه مُعجِز.
وقوله: ﴿يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ﴾ هل هم يُجادِلون لإثبات الآيات، أو لنَفيِ الآيات؟ الثاني لا شَكَّ؛ ولهذا قال: ﴿بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ﴾؛ لأنهم لو كانوا يُجادِلون لإثبات الآيات، والإقرار بها، لكانوا على سُلْطان.
وقوله: ﴿بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ﴾ قال المفَسِّر ﵀: [بُرهان] أي: بغَيْر دليل،
стр. 282
وذلك لأن السُّلْطان كل ما يَكون به السُّلْطة، ويَختَلِف بحَسب السِّياق، فالإمام الأعظم يُسمَّى السُّلْطان؛ لأنه ذو سُلطة. والدليل يُسمَّى سُلْطانًا، لأن الآخِذَ به ذو سُلْطة.
وعلى هذا يَكون معنى قوله: ﴿بِغَيْرِ سُلْطَانٍ﴾ أي: بغَيْر دَليل. وهذا النَّعتُ أو الحالُ، لأن جُمْلة: ﴿بِغَيْرِ سُلْطَانٍ﴾ حال من فاعِل ﴿يُجَادِلُونَ﴾ هذا الوَصْفُ وَصْف لبَيان الواقِع، وليس وَصْفا مُقيَّدًا، والفَرْق: أننا لو قُلْنا: إنه وَصْف مُقيَّد صار الذين يُجادِلون بآيات الله لإِبْطالها أحيانًا يَكون معَهم سُلْطان، وأحيانًا لا يَكون معَهم سُلْطان، والواقِع أنه ليس لهم سُلْطان، والقيد المُبيِّن للواقِع ليس له مَفهوم، وهذا آتٍ في القُرآن كثيرًا، وإنَّما المَقصود به -أي: بالقَيْد المُبيِّن للواقِع- الاستِدْلال؛ يَعنِي: فكأنه تَعليلٌ للمَوْصوف.
وانظُرْ إلى قول الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾ [المؤمنون: ١١٧] فقوله: ﴿لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ﴾ مُبيِّن للواقِع وليس قيدًا؛ لأنه لا يُمكِن أن يَدعوَ أحدٌ مع الله إلهًا آخَرَ له فيه بُرهانٌ.
وكذلك قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ [الأنفال: ٢٤]، فإنَّ هذا لا يَعنِي أنه قد يَدْعونا لما لا يُحيِينا، بل هو لا يَدعونا إلَّا لما يُحْيينا، فيَكون هذا كالتَّعليل لمَوْصوفه الذي صار قيدًا فيه.
إِذَنْ: ﴿بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ﴾ هذا نَقولُ: إنه وَصْف لبيان الحال والواقِع، وأنه لا سُلْطانَ لهم بذلك، وعلى هذا فيَكون كالتَّعليل لمَوْصوف، وأَعنِي بالوَصْف هنا ما يَشمَل الحال وغير الحال. وقوله: ﴿أَتَاهُمْ﴾ الجُملة صِفة لـ ﴿سُلْطَانٍ﴾.
стр. 283
وقوله: ﴿كَبُرَ مَقْتًا﴾ هذه الجُمْلةُ خبَر المُبتَدَأ. وقوله: ﴿كَبُرَ﴾؛ أي: عَظُمَ، وضُمَّت الباء حتى صار من باب فعُل؛ لأنه أُريد به التَّعجُّب، يَعنِي: ما أكبَرَ مَقتَهم عند الله! قال: ﴿مَقْتًا﴾ هذه تمَييز، تمَييز لـ ﴿كَبُرَ﴾ لأن كبُر المراد به الجِدال؛ يَعنِي كبُرَ جِدالهم مَقْتًا، فهي مُميِّزة للفاعِل المحذوف، بل الفاعِل المُستَتِر.
وقول المفَسِّر ﵀: [﴿كَبُرَ﴾ جِدالهُم ﴿مَقْتًا﴾] الصواب أن يُقال: كبُرَ مَقْتهم مَقْتًا عند الله؛ لأن التَّمييز مُبيِّن للفاعِل المُستَتِر، وقوله: ﴿مَقْتًا﴾ المَقْت هو أشَدُّ البُغض.
وقوله: ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾ مُتعلِّق بـ ﴿كَبُرَ﴾.
قوله: ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ يَعنِي: وكذلك المُؤمِنون يَكبُر مَقتُهم لهؤلاء المُجَادِلين في آيات الله بغير سُلْطان الذين يُريدون إِدْحاض الحَقِّ، وإظهار الباطِل.
وقوله: ﴿وَعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ إذا أُطلِق الإيمان فالمُراد به ما يَشمَل الإسلام، وإذا أُطلِق الإسلام فالمُراد به ما يَشمَل الإيمان؛ ولهذا لو سُئِلت وقيل لك: هل الإسلام والإيمان مُتَرادِفان بمَعنًى واحِدٍ؟ فقُلْ: هُما عند الإفراد مُتَرادِفان، وأمَّا عند الاقتِران فإنه يُفسَّر الإيمان بأعمال القُلوب، والإسلام بأعمال الجَوارِح؛ مثال ذلك قول الله ﵎: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات: ١٤] ففَرَّق بين الإيمان والإسلام؛ وبَيَّن أنَّ الإيمان لم يَدخُل في قلوبهم، ولكنه قريب الدّخول؛ لأنَّ (لمَّا) تُفيد القُرْب، وفي حديث جِبريلَ فَرَّق بين الإيمان والإسلام.
стр. 284
ومنه قوله تعالى: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٣٥) فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الذاريات: ٣٥ - ٣٦].
ففَرَّق بين هذا وهذا، المُخرَجون مُؤمِنون، والبيت مُسلِم؛ لأن في البيت امرأةً كافِرةً، وهي امرأةُ لُوطٍ؛ فهي في ظاهِر الحال مُسلِمة، مُستَسلِمة؛ لأنها لا تُظْهِر أنها كافِرة، كما قال تعالى: ﴿فَخَانَتَاهُمَا﴾، ولكن حينما أَراد الله أن يُنجِيَ مَن يُنجِي من قوم لوط أَنجَى المُؤمِنين فقَطْ، وأمَّا المَرْأة فتقِيَتْ مع قومها وهلَكَت.
فإن قال قائِل: ما الحِكْمة من بقاء زَوْجاتهم معَهم؟ أي: نوح ﵇ ولوط ﵇، هل لم يَكونوا يَعلَمون ذلك؟
فالجَوابُ: ما دام أن الله تعالى يَقول: ﴿فَخَانَتَاهُمَا﴾، وقال له: ﴿إِلَّا امْرَأَتَكَ﴾، فهُمْ لم يَكونوا يَعلَمون، وهذه لأَجْل الاعتِبار بالنِّسبة لزَوْجات الرسول ﷺ ، وهذه السورة كلُّها نزَلت شِبْه مُعاتِبة لزوجات الرسول ﷺ : ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ﴾ [التحريم: ٤] فالمَقصود بيانُ عِناية الله برَسوله ﷺ ، وأنَّكما إن تَظاهَرْتمُا عليه؛ فله أَولياءُ: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ﴾ نَعوذُ بالله، ﴿كَذَلِكَ﴾ تقدمت قريبًا، وقُلْنا: مِثلُ هذا التَّرْكيبِ يَكون إعرابُه كالتالي: الكافُ اسمٌ بمَعنى مِثْل، وهي مَفعول مُطلَق للفِعْل الذي بعدها، العامِل فيها الفِعْل الذي بعدَها، و ﴿يَطْبَعُ﴾ هو الفِعْل العامِل، وعليه فنَقول: مِثْل هذا الطَّبعِ يَطبَع الله.
стр. 285
وأمَّا قول المفَسِّر ﵀: [مِثْل إِضْلالهم] ففيه نظَر، وإن كان يَلزَم من الإضلال الطَّبْع، لكن الأحسن أن يُفسَّر بما يُطابِق العامِل، فيُقال: مِثْل هذا الطَّبْعِ يَطبَع الله.
قال المفَسِّر ﵀: [﴿يَطْبَعُ﴾ يَختِم]، نَعَمِ؛ الطَّبعْ بمَعنى الخَتْم؛ كأن الله جعَل على قُلوبهم غِلافًا ثُم ختَمَ عليه، كما يُختَم على الوثائِقِ، وقد أَشارَ الله إلى ذلك في قوله: ﴿قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا﴾ [النساء: ١٥٥].
قال المفَسِّر ﵀: ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ﴾ بالضَّلال ﴿عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ﴾]، قوله: [﴿يَطْبَعُ اللَّهُ﴾ بالضَّلال] يُقال فيها كما قيل فيما سبَقَ؛ بأن المُراد يَطبَع الله بالطَّبْع على القُلوب على كل قَلْب مُتكبِّر.
وقوله: [﴿عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ﴾ بتَنوين قَلْب، ودونَه] على كلِّ قَلْبٍ مُتكبِّر، وعلى كلِّ قلبِ مُتكَبِّر، والفَرْق أنه على قِراءة التَّنوين يَكون التَكبُّر وَصْفًا للقَلْب، وعلى قِراءة الإضافة يَكون الطبع على قَلْب المُتكَبِّر، وليس القلبُ هو المُتكَبِّرَ، والمَعنَى واحِد؛ لأنه إذا تَكبَّر القَلْب تَكبَّرَت النَّفْس؛ لقول النَّبيِّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: "أَلَّا وَإِنَّ فِي الجَسَدِ مُضْغَةً، إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الجَسَدُ كُلُّهُ أَلَّا وَهِيَ القَلْبُ" (١).
قوله: ﴿عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ﴾ "قلبٍ مُتكَبِّرٍ" التَّكبُّر معناه التَّرفُّع، يَعنِي: أنَّ الإنسان يَترفَّع، وهو نوعان: تَكبُّر على الخَلْق، وتَكبُّر عن الحَقِّ. وإلى هذا يُشير قول النَّبيِّ - صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: "الْكِبْرُ بَطَرُ الحَقِّ، وَغَمْطُ النَّاسِ" (٢) بطَر