← Тафсир

Тафсир · id 151161

تفسير العثيمين: غافر

ابن عثيمين

Полный текст (554 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

الآية (٣٥) * قَالَ اللهُ : ﴿الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ﴾ [غافر: ٣٥]. قوله: ﴿الَّذِينَ يُجَادِلُونَ﴾ المُجادَلة هي: المُخاصَمة، والمُناظَرة من أَجْل إفحام الخضْم، مَأخوذة من جَدْل الحَبْل، أي: فَتْله؛ فإن الحَبْل إذا فُتِل احتكَم وصار أَقوى، فهذا المُجادِل تَجِده يَحتكِم ويَتَصلَّب من أَجْل أن يَغلِب مجُادِله. وقوله: ﴿فِي آيَاتِ اللَّهِ﴾ قال المفَسِّر ﵀: [مُعجِزاته] والصوابُ: أن يُقال: آياتُ الله يَعنِي: العلامات الدالَّة على ما يَستَحِقُّه جَلَّ وَعَلَا من الرُّبوبية، والأُلوهية، والأَسْماء والصفات، والأحكام، وغير ذلك. هذا هو المُراد، وقد سبَقَ أنه لا يَنبَغي أن نُسمِّيَ الآياتِ المُعجِزاتِ؛ لأن ذلك نَقْصٌ في التَّعبير، وليس محُدِّدًا للمَعنى، ورُبَّما يَدخُل عليه فِعلُ المُشعوِذين، والسحَرة؛ لأنه مُعجِز. وقوله: ﴿يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ﴾ هل هم يُجادِلون لإثبات الآيات، أو لنَفيِ الآيات؟ الثاني لا شَكَّ؛ ولهذا قال: ﴿بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ﴾؛ لأنهم لو كانوا يُجادِلون لإثبات الآيات، والإقرار بها، لكانوا على سُلْطان. وقوله: ﴿بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ﴾ قال المفَسِّر ﵀: [بُرهان] أي: بغَيْر دليل،

стр. 282

وذلك لأن السُّلْطان كل ما يَكون به السُّلْطة، ويَختَلِف بحَسب السِّياق، فالإمام الأعظم يُسمَّى السُّلْطان؛ لأنه ذو سُلطة. والدليل يُسمَّى سُلْطانًا، لأن الآخِذَ به ذو سُلْطة. وعلى هذا يَكون معنى قوله: ﴿بِغَيْرِ سُلْطَانٍ﴾ أي: بغَيْر دَليل. وهذا النَّعتُ أو الحالُ، لأن جُمْلة: ﴿بِغَيْرِ سُلْطَانٍ﴾ حال من فاعِل ﴿يُجَادِلُونَ﴾ هذا الوَصْفُ وَصْف لبَيان الواقِع، وليس وَصْفا مُقيَّدًا، والفَرْق: أننا لو قُلْنا: إنه وَصْف مُقيَّد صار الذين يُجادِلون بآيات الله لإِبْطالها أحيانًا يَكون معَهم سُلْطان، وأحيانًا لا يَكون معَهم سُلْطان، والواقِع أنه ليس لهم سُلْطان، والقيد المُبيِّن للواقِع ليس له مَفهوم، وهذا آتٍ في القُرآن كثيرًا، وإنَّما المَقصود به -أي: بالقَيْد المُبيِّن للواقِع- الاستِدْلال؛ يَعنِي: فكأنه تَعليلٌ للمَوْصوف. وانظُرْ إلى قول الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾ [المؤمنون: ١١٧] فقوله: ﴿لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ﴾ مُبيِّن للواقِع وليس قيدًا؛ لأنه لا يُمكِن أن يَدعوَ أحدٌ مع الله إلهًا آخَرَ له فيه بُرهانٌ. وكذلك قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ [الأنفال: ٢٤]، فإنَّ هذا لا يَعنِي أنه قد يَدْعونا لما لا يُحيِينا، بل هو لا يَدعونا إلَّا لما يُحْيينا، فيَكون هذا كالتَّعليل لمَوْصوفه الذي صار قيدًا فيه. إِذَنْ: ﴿بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ﴾ هذا نَقولُ: إنه وَصْف لبيان الحال والواقِع، وأنه لا سُلْطانَ لهم بذلك، وعلى هذا فيَكون كالتَّعليل لمَوْصوف، وأَعنِي بالوَصْف هنا ما يَشمَل الحال وغير الحال. وقوله: ﴿أَتَاهُمْ﴾ الجُملة صِفة لـ ﴿سُلْطَانٍ﴾.

стр. 283

وقوله: ﴿كَبُرَ مَقْتًا﴾ هذه الجُمْلةُ خبَر المُبتَدَأ. وقوله: ﴿كَبُرَ﴾؛ أي: عَظُمَ، وضُمَّت الباء حتى صار من باب فعُل؛ لأنه أُريد به التَّعجُّب، يَعنِي: ما أكبَرَ مَقتَهم عند الله! قال: ﴿مَقْتًا﴾ هذه تمَييز، تمَييز لـ ﴿كَبُرَ﴾ لأن كبُر المراد به الجِدال؛ يَعنِي كبُرَ جِدالهم مَقْتًا، فهي مُميِّزة للفاعِل المحذوف، بل الفاعِل المُستَتِر. وقول المفَسِّر ﵀: [﴿كَبُرَ﴾ جِدالهُم ﴿مَقْتًا﴾] الصواب أن يُقال: كبُرَ مَقْتهم مَقْتًا عند الله؛ لأن التَّمييز مُبيِّن للفاعِل المُستَتِر، وقوله: ﴿مَقْتًا﴾ المَقْت هو أشَدُّ البُغض. وقوله: ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾ مُتعلِّق بـ ﴿كَبُرَ﴾. قوله: ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ يَعنِي: وكذلك المُؤمِنون يَكبُر مَقتُهم لهؤلاء المُجَادِلين في آيات الله بغير سُلْطان الذين يُريدون إِدْحاض الحَقِّ، وإظهار الباطِل. وقوله: ﴿وَعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ إذا أُطلِق الإيمان فالمُراد به ما يَشمَل الإسلام، وإذا أُطلِق الإسلام فالمُراد به ما يَشمَل الإيمان؛ ولهذا لو سُئِلت وقيل لك: هل الإسلام والإيمان مُتَرادِفان بمَعنًى واحِدٍ؟ فقُلْ: هُما عند الإفراد مُتَرادِفان، وأمَّا عند الاقتِران فإنه يُفسَّر الإيمان بأعمال القُلوب، والإسلام بأعمال الجَوارِح؛ مثال ذلك قول الله ﵎: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات: ١٤] ففَرَّق بين الإيمان والإسلام؛ وبَيَّن أنَّ الإيمان لم يَدخُل في قلوبهم، ولكنه قريب الدّخول؛ لأنَّ (لمَّا) تُفيد القُرْب، وفي حديث جِبريلَ فَرَّق بين الإيمان والإسلام.

стр. 284

ومنه قوله تعالى: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٣٥) فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الذاريات: ٣٥ - ٣٦]. ففَرَّق بين هذا وهذا، المُخرَجون مُؤمِنون، والبيت مُسلِم؛ لأن في البيت امرأةً كافِرةً، وهي امرأةُ لُوطٍ؛ فهي في ظاهِر الحال مُسلِمة، مُستَسلِمة؛ لأنها لا تُظْهِر أنها كافِرة، كما قال تعالى: ﴿فَخَانَتَاهُمَا﴾، ولكن حينما أَراد الله أن يُنجِيَ مَن يُنجِي من قوم لوط أَنجَى المُؤمِنين فقَطْ، وأمَّا المَرْأة فتقِيَتْ مع قومها وهلَكَت. فإن قال قائِل: ما الحِكْمة من بقاء زَوْجاتهم معَهم؟ أي: نوح ﵇ ولوط ﵇، هل لم يَكونوا يَعلَمون ذلك؟ فالجَوابُ: ما دام أن الله تعالى يَقول: ﴿فَخَانَتَاهُمَا﴾، وقال له: ﴿إِلَّا امْرَأَتَكَ﴾، فهُمْ لم يَكونوا يَعلَمون، وهذه لأَجْل الاعتِبار بالنِّسبة لزَوْجات الرسول ﷺ ، وهذه السورة كلُّها نزَلت شِبْه مُعاتِبة لزوجات الرسول ﷺ : ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ﴾ [التحريم: ٤] فالمَقصود بيانُ عِناية الله برَسوله ﷺ ، وأنَّكما إن تَظاهَرْتمُا عليه؛ فله أَولياءُ: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ﴾. وقوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ﴾ نَعوذُ بالله، ﴿كَذَلِكَ﴾ تقدمت قريبًا، وقُلْنا: مِثلُ هذا التَّرْكيبِ يَكون إعرابُه كالتالي: الكافُ اسمٌ بمَعنى مِثْل، وهي مَفعول مُطلَق للفِعْل الذي بعدها، العامِل فيها الفِعْل الذي بعدَها، و ﴿يَطْبَعُ﴾ هو الفِعْل العامِل، وعليه فنَقول: مِثْل هذا الطَّبعِ يَطبَع الله.

стр. 285

وأمَّا قول المفَسِّر ﵀: [مِثْل إِضْلالهم] ففيه نظَر، وإن كان يَلزَم من الإضلال الطَّبْع، لكن الأحسن أن يُفسَّر بما يُطابِق العامِل، فيُقال: مِثْل هذا الطَّبْعِ يَطبَع الله. قال المفَسِّر ﵀: [﴿يَطْبَعُ﴾ يَختِم]، نَعَمِ؛ الطَّبعْ بمَعنى الخَتْم؛ كأن الله جعَل على قُلوبهم غِلافًا ثُم ختَمَ عليه، كما يُختَم على الوثائِقِ، وقد أَشارَ الله إلى ذلك في قوله: ﴿قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا﴾ [النساء: ١٥٥]. قال المفَسِّر ﵀: ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ﴾ بالضَّلال ﴿عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ﴾]، قوله: [﴿يَطْبَعُ اللَّهُ﴾ بالضَّلال] يُقال فيها كما قيل فيما سبَقَ؛ بأن المُراد يَطبَع الله بالطَّبْع على القُلوب على كل قَلْب مُتكبِّر. وقوله: [﴿عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ﴾ بتَنوين قَلْب، ودونَه] على كلِّ قَلْبٍ مُتكبِّر، وعلى كلِّ قلبِ مُتكَبِّر، والفَرْق أنه على قِراءة التَّنوين يَكون التَكبُّر وَصْفًا للقَلْب، وعلى قِراءة الإضافة يَكون الطبع على قَلْب المُتكَبِّر، وليس القلبُ هو المُتكَبِّرَ، والمَعنَى واحِد؛ لأنه إذا تَكبَّر القَلْب تَكبَّرَت النَّفْس؛ لقول النَّبيِّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: "أَلَّا وَإِنَّ فِي الجَسَدِ مُضْغَةً، إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الجَسَدُ كُلُّهُ أَلَّا وَهِيَ القَلْبُ" (١). قوله: ﴿عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ﴾ "قلبٍ مُتكَبِّرٍ" التَّكبُّر معناه التَّرفُّع، يَعنِي: أنَّ الإنسان يَترفَّع، وهو نوعان: تَكبُّر على الخَلْق، وتَكبُّر عن الحَقِّ. وإلى هذا يُشير قول النَّبيِّ - صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: "الْكِبْرُ بَطَرُ الحَقِّ، وَغَمْطُ النَّاسِ" (٢) بطَر

стр. 286

الحَقِّ يَعنِي: رَدُّه، وعدَم الإذعان له. وغَمْط الناس يَعنِي: احتِقارُهم، فيَرَى نفسه أنه فوقَ الناس، هذا هو الكِبْر -والعِياذ بالله- ومَعلومٌ أنَّ مَن غمَطَ الحقَّ وازدَراه فإنَّه لا يَأخُذ به، إِذْ كيف يَأخُذ بشيءٍ يَرَى أنَّه نقيصة، وكذلك مَن غَمَطَ النَّاسَ فإنه لا يَعْدِل فيه، بل يُعامِلهم بالكِبْرياء -والعِياذُ بالله- فيَكون الطَّبْع حقيقًا بمِثْل هذا القَلْبِ، وقد أَخبَرَ النَّبيُّ - صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أنه لا يَدخُل الجَنَّة مَن في قَلْبه مِثْقال حَبَّة خَرْدَل من كِبْر (١). من فوائدِ الآيةِ الكريمةِ: الْفَائِدَةُ الأُولَى: كراهةُ الله للذين يُجادِلون في آيات الله لأَجْل إبطالها؛ لقوله: ﴿الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ﴾. الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أنَّه لا سُلْطانَ لكل إنسان جَادَل لإِدْحاض الحَقِّ وإظهار الباطِل، يُؤخَذ من قوله: ﴿بِغَيْرِ سُلْطَانٍ﴾. الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: تَقوية قُلوب المُجادِلين بالحَقِّ؛ لأنَّ الجِدَال يَكون من طرَفَيْن؛ فالمُجادِل في آيات الله لإِبْطالها هذا لا حُجَّةَ له؛ ويَكون الخَصْم المُقابِل للآخَر يَكون له حُجَّة. فإِذَنْ: إذا عُلِم المُجادل الذي يُريد إثبات الحَقِّ وإبطال الباطِل أنه لا سُلطانَ لخَصْمه، فإنه سوف يَقوَى قلبُه، وَيزداد ثَباتًا؛ فيُستَفاد منه بطريق المَفهوم أنَّ المُجادِل في آيات الله لإثباتها سيَكون معه السُّلْطان والقوَّة، ولكن ليس كل مَن معه حُجَّة يَستَطيع أن يَحتَجَّ بها؛ قد لا يَستَطيع، وهو يَعرِف أنه على حَقٍّ لكن لا يَستَطيع أن يجادِل

стр. 287

بها؛ ولهذا يَنبَغي للإنسان أن يَعرِف ما عِند الأقوام من الباطِل؛ ليَتمَكَّن من رَدِّه. أمَّا كونُه لا يَقرَأ الباطِل، وَيقول: أنا كل ما ورَدَ عليَّ من باطِل فعِندي قُدْرة على دِفاعه فهذا قد يُخذِّل الإنسان في مَكان يُحِبُّ أن يَنْتصِر فيه؛ فلا بُدَّ من أن يَعرِف الإنسان الباطِل من أَجْل أن يَرُدَّ عليه. ولهذا نَرَى العُلَماء المُحقِّقين يَقرَؤُون كتُب المَناطِقة والفلاسِفة وغيرها؛ ثُم يَرُدُّون عليهم، وهذا إنما يَكون في رجُل رسَخت قدَمُه في العِلم، أمَّا رجُلٌ ابتَدَأ طالِبًا، فهذا لا نُشير عليه أن يَقرَأ كتُب أهل الضَّلال، وذلك لأنه ليس عنده مَنَعة، فيُخشَى أن يَتأثَّر بهذه الكتُبِ فيَضِلَّ؛ لكنَّ الراسِخ في العِلْم نَقول: اقرَأْ حتى تَعرِف كيف تَرُدُّ على هؤلاء. الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أن مَن جادَلَ بحَقٍّ فليس بمَذموم؛ لقوله: ﴿بِغَيْرِ سُلْطَانٍ﴾ إذ لو كان لهم سُلْطان لكانوا على حَقٍّ، لكن ليس لهم سُلْطان. الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: إثبات المَقْت لله وأنه يَتَفاضَل؛ فيَكون مَقتُه على شخصٍ أو طائِفة اكبَرَ من مَقْته على شخصٍ أو طائِفة آخَرين، يُؤخَذ من قوله: ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ﴾ وهل هذا المَقتُ حَقيقة أو يُراد به لازِمه وهو العُقوبة؟ الجَوابُ: الأوَّلُ؛ هذا مَذهَب أهل السُّنَّة والجَماعة؛ أنهم يَقولون: كل ما وصَف الله به نفسه فهو على حقيقته؛ لكنه يَجِب أن نَعلَم أنه لا يُماثِل صِفاتِ المَخلوقين؛ لأن الله أَثبَتَ ونَفَى قال: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]، وهذه خُذْها جادَّة عِندك، سِرْ عليها في كل ما وَصَف الله به نَفْسه، لا تَقُل: هذا لا يُراد به ظاهِرُه. كل ما وصَفَ الله به نَفْسه فإنه يُراد به ظاهِرُه، لكن يُنزَّه عن مُماثَلة المَخلوقين.

стр. 288

إِذَنِ: الله يَمقُت، ويُبغِض، وَيكرَه، ويُحِبُّ حَقًّا على حَقيقته، ولكنه لا يُماثِل صِفاتِ المَخْلوقين، وذهَبَ أَهْل التَّعْطيل الذين يَحكُمون على الله بعُقولهم، لا بكَلامه وكلام رسوله؛ ذهَبوا إلى أنَّ مِثْل هذه الأَوْصاف يَجِبُ وجوبًا أن تُؤَوَّل إلى لوازِمها، فيَقولون مثَلًا: المَقْت المُراد به الانتِقام والعُقوبة، وليس البُغض، أو الكَراهة، أو الأشَدَّ من ذلك. فيُقال لهم: إذا فسَّرْتم ذلك بالعُقوبة ارتَكَبْتم محَظورَيْن: المَحظور الأوَّل: إخراج كلام الله عن ظاهِره. والمَحظور الثاني: إثبات مَعنًى لا يُراد به. وهكذا كلُّ محُرِّف نَقول: إنه ارتَكَب مَحظورين: المحظور الأوَّل: إخراج الكَلام عن ظاهِره، وهذه جِناية لا شَكَّ؛ حيث سَلَب اللَّفْظ معناه. والثاني: إثبات مَعنًى لا يُراد به؛ أي: لا يُراد باللَّفْظ، وهذا عُدوان أيضًا. فكلُّ مُؤَوِّل فإنه يَرتَكِب هذين المَحظُورَيْن. والعجَب: أنهم يُسمُّون أَنفُسهم أهل التَّأويل، والصواب أنهم أهل التَّحريف، لكن هم تَسمَّوْا بهذا الاسمِ تَلطيفًا لما هم عليه من الباطِل؛ لأنَّ التأويل يُراد به حَقٌّ، ويُراد به باطِل، إذا أوَّلْنا الكلام بما يُريده المُتكَلِّم به، فهذا حقٌّ؛ لكن بخِلافه هذا باطِل، وهذا هو الذي هم عليه، ولكن عدَلوا عن اسمِ التَّحريف إلى اسمِ التَّأويل. وانظُرْ إلى دِقَّة عِبارة شيخ الإسلام ابن تَيميَّة ﵀ في العَقيدة الواسِطية قال: "من غير تَحريف ولا تَعطيل" (١). ولم يَقُل: من غير تَأويل، مع أنَّ أكثَر الذين يَتكلَّمون

стр. 289

في العقائِد، أو يَكتُبون في العقائِد يَقولون: من غير تأويل. ولكن ما قاله هو الصحيح؛ لأن كل تَأويل لا يَدُلُّ عليه الدليلُ فهو تَحْريف. إِذَنْ: نحن نُثبِت لله بأنه يَمقُتُ وَيكرَه ويُبغِض حقًّا على حَقيقته، وأمَّا العُقوبة فهي من لازِمِ ذلك. ولهذا قال شيخُ الإسلام (١) وغيرُه: قال: أنتُمْ إذا أَثبَتُّم أنَّ الله تعالى يُعاقِب فقَدْ أَثبَتُّم أنَّ الله يَكرَه، بطريق اللُّزوم. إذ لا يُعاقِب إلَّا مَن يَكرَهه، لا يُمكِن أن يُعاقِب من يُحبُّه، فأنتُم لمَّا فرَرْتم من إثبات الكراهة أو المَقْت، وقَعْتم فيه من وَجهٍ آخَرَ. إِذَنْ نَقوُل: إذا أَثبَتُّم العُقوبة فلا عُقوبةَ إلَّا بعد مَقْت وكَراهة، هذا أَمْر ضَروريٌّ؛ لأنه لا يُمكِن لأحَد يُحِبُّ شخصًا أن يَقوم ويَضرِبه. مسألة: كيف نَجمَع بين قول عُمرَ بنِ الخَطَّاب ﵁: وافَقْت ربي في ثلاث (٢). وقوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾؟ فالجَوابُ: يُوافِق حُكْم الله؛ لأنه يَتكلَّم عنه حُكْم الله . الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: إثبات العِنْدية لله ، عِند الله، ثُمَّ العِنْدية نوعان: عِنْدية وَصْف، وعِنْدية قُرْب. فقول الله ﵎: ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ﴾ [الأعراف: ٢٠٦]، هذه عِندية قُرْب. وقوله هنا: ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [غافر: ٣٥] عِنْدية وَصْف؛ لأن المَقْت ليس شيئًا مُنفصِلًا بائِنًا عن الله، حتى يَكون عِنْدية قُرْب، بل هذا عِنْدية وَصْف، كما تَقول للشخص: أنت عِنْدي عَزيز. تَقوله

стр. 290

وهو بَعيد مِنْك، وليس مَعنَى: أنتَ عِندي عَزيز. يَعنِي: قَريب، لا هذا عِنْدية وَصْف؛ أي: أن عِزَّتك عِندي قائِمة بي. الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: أن ما يَكرَهه الله فإن المُؤمِنين يَكرَهونه؛ لقوله: ﴿وَعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ وهذه عَلامة الإيمان، خُذْها قِياسًا ومِيزان عَدْل، متى رأيتَ من نَفْسك أنك تَكرَه ما يَكرَهه الله، وتُحِبُّ ما يُحِبُّه الله؛ فذلِك الإيمانُ دلَّ عليه هذه الآيةُ وغيرها من الآيات والأحاديث، ودلَّ عليه العَقْل أيضًا؛ لأن من كَمال المَحبَّة والإيمان أن تُحِبَّ ما يُحِبُّه مَن تُحِبُّ، وتَكرَه ما يَكرَهه. الْفَائِدَةُ الثَّامِنةُ: فضيلة الإيمان؛ حيث يَكون المُؤمِن دائِرًا مع الله في مَحَبَّة ما يُحِبُّ وكَراهة ما يَكرَه. الْفَائِدَةُ التَّاسِعَةُ: التَّحذير من الكِبْر وأنه سبَبٌ للطَّبع على القَلْب -والعِياذُ بالله-؛ لقوله: ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ﴾. الْفَائِدَةُ الْعَاشِرَةُ: التَّحذير من الجَبَروت، وهو التَّعاظُم على الغَيْر، والشِّدَّة عليهم، وما أَشبَه ذلك؛ لقوله: ﴿مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ﴾. إِذَنْ: في الآية التَّحذيرُ من الكِبْر والجَبَروت. الْفَائِدَةُ الحَادِيَةَ عَشْرَةَ: الرَّدُّ على مَن قال: الكَمال أن تَتَّصِف بصِفات الكامِل؛ يَعنُون بذلك الله . ولا أَكمَلُ من الله، ونَقول: لا يُمكِن لإنسان أَنْ يُجارِيَ الله تعالى في أَوْصافه؛ فالتَكبُّر والجَبروت والتَّعالي والتَّعاظُم بالنِّسبة لله كَمال، وبالنِّسبة لنا نَقْص، نَقْص وعَيْب وسبَب للبَلاء؛ وبهذا بطَلَت هذه القاعِدةُ التي لا أساسَ لها من الصِّحَّة، حتى إنَّ بعضهم وضَع حديثًا قال: تَخلَّقوا بأخلاقِ الله. أَعوذُ بالله،

стр. 291

تَخلَّقوا بأَخْلاق الله؟ ! . هل نُسمِّي أَوْصافَ الله أخلاقًا؟ ! أبَدًا لا نُسمِّيها، لأنَّ كلِمة أخلاق قد تَدُلُّ على خَلْق كَسْبي، والأخلاق نَوْعان: غَريزي وكَسْبي، لا إشكالَ في هذا. ولهذا لمَّا قال الرسول ﷺ لأَشَجِّ عَبْدِ الْقَيْسِ قال: "إِنَّ فِيكَ لَخُلُقَيْنِ يُحِبُّهُمَا الله؛ الحِلْمُ وَالْأَنَاةُ" قال: يا رسولَ الله، أَخُلُقان تَخلَّقتُ بهما، أَمْ جَبَلَني الله عليهما؟ قال: "بَلْ جَبَلَكَ الله عَلَيْهِمَا" (١) قال: الحمدُ لله الذي جبَلَني على ما يُحِبُّ أو كلِمة نحوها. فالأخلاقُ كَسْبيٌّ وغَريزيٌّ، ولا يُمكِن أن نُسمِّيَ أوصاف الله تعالى أخلاقًا له، بل نَقول: أَوْصاف وصِفات وما أَشبَه ذلك، على أنَّ من العُلَماء مَن أَنكَر أن تَقول: لله صِفة، مِثل ابنِ حَزْم ﵀ قال: إيَّاك أن تَقول: لله صِفة. الله ليس له صِفة. ولا بأس بالأسماء. لكنه محَجوج بقول الرجُلِ الذي كان يَقرَأ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ قال: "إنها صِفة الرَّحْمن، وأُحِبُّ أن أَقرَأَها" (٢). ونحن نَقول: إن هذه الآيةَ تَدُلُّ دَلالة واضِحة على كَذِب هذه القاعِدةِ التي قعَّدها مَن قعَّدها من الناس، ونحن نَقول لكل مُؤمِن: تَخلَّق بأخلاق النبيِّ ﷺ ؛ لأن نَبيَّنا ﷺ لنا أُسْوَة. قال المفَسِّر ﵀: [بتَنوين القَلْب ودونَه، ومتى تَكبَّر القَلْب تَكبَّر صاحِبُه

стр. 292

وبالعَكْس]، متى تَكبَّر القَلْب تَكبَّر صاحِبه، وقوله: وبالعَكْس فيها نظَر؛ لأنه يَقتَضي أن يَتكَبَّر صاحِب القَلْب قبل القَلْب؛ لأنك إذا عكَسْت العِبارة متى تَكبَّر القلب تَكبَّر صاحِبه، متى تَكبَّر صاحِب القَلْب تَكبَّر قَلْبه، فهذا ليس بصحيح، لكن مُراده ﵀ أن تَكبُّر القَلْب وتَكبّر النَّفْس مُتَلازِمان، إن تَكبَّر القَلْب تَكبَّرت النَّفْس؛ وإن تَكبَّرَت النَّفْس كان ذلك دليلًا على أنَّ القَلْب مُتكبِّر. قال المفَسِّر ﵀: [و ﴿كُلِّ﴾ على القِراءَتَيْن لعُموم الضَّلال لجميع القَلْب لا لعُموم القُلوب]. قوله: [لعُموم القُلوب، يَعُمُّ جميع أجزاء القَلْب، أي: جميع أَجزائه، أي: لم يَبقَ فيه محَلٌّ يَقبَل الاهتِداء. وقولُه: لا لعُموم القُلوب أي: لا لعُموم أفراد القُلوب، وهذا الصَّنيعُ إخراجٌ لها عن مَوْضوعها من أنها إذا دخَلَت على نكِرة مُطلَقة أو على مَعرِفة مجَموعة تَكون لعُموم الأفراد، وإذا دخَلَت على مَعرِفة مُفرَدة تَكون لعُموم الأجزاء، وهنا قد دخَلَت على النَّكرة، فكان حَقُّها أَنْ تكون لعُموم الأفراد لا لعُموم الأجزاء؛ كما سلَكَه المفَسِّر فلْيُتَأمَّلْ. والمفَسِّر يَقول: إن الكُلِّيَّة هنا تَعود على الفَرْد لا على الأفراد، ﴿عَلَى كُلِّ قَلْبِ﴾ يَعنِي: على كل القُلْب، لا بعضِه؛ وليسَت لعُموم القُلوب، يَعنِي: ليسَت لعُموم كل قَلْب على حِدَة، ولكن ما ذهَبَ إليه ليس بصَواب، بل نَقول: على كل القُلوب، والعُموم مُستَفاد من كلِمة يَطْبَع على القَلْب لا على بعضه؛ فإذا قُلنا: إنها لعُموم القُلوب شمِلَت عُموم القَلْب، ولا عكسَ. ثُم إنَّ ظاهِر السِّياق على كل قَلْبٍ مُتكبِّر، أو على كل قلبِ مُتكبِّر. إذا نظَرْنا إلى السِّياق ماذا نَفهَم؟ هل نَفهَم أنَّ جميع القُلوب المُتكَبِّرة يُطبَع عليها؟ أو نَفهَم أنَّ

стр. 293

القَلْب الواحِد يُطبَع على جميعه لا على بَعْضه؟ الجواب: الأوَّل لا شَكَّ، هذا ظاهِرُ السياق، وهذا كما أنه ظاهِر السِّياق فهو أَشمَلُ في المَعنَى؛ لأنه إذا قيل: كذلك يَطبَع الله على كل القُلوب المُتكَبِّرة الجَبَّارة، والطَّبعْ على القلب يَشمَل الطَّبْع على جميعه، ما لم يُوجَدْ دليل على أن المُراد الطبع على بعضِه؛ وحينَئِذٍ يَكون الصواب عَكسَ ما قال المفَسِّر، فالصواب: أنَّ هذا لعُموم القُلوب وليس لعُموم القَلْب. فإذا قُلنا: إنها لعُموم القَلْب صار المَعنَى: أنَّ الله يَطبَع على القَلْب كلِّه، يَعنِي: أنَّ معنى الآية أنَّ الله يَطبَع على القَلْب كلِّه لا على جميع القُلوب، فيَخرُج بذلك بعضُ القَلْب، لا يَطبَع على بعض، يَطبَع على القَلْب كلِّه؛ لكنه مثَلًا على قَلْب فُلان من الناس. أمَّا إذا قُلْنا: إنها لعُموم القُلوب، صار مَعنَى الآية: أنَّ الله يَطبَع على جميع القلوب المُتكبِّرة في أيِّ واحِد من الناس. وإذا قُلْنا: لعُموم القَلْب صارت عامَّة للقَلْب الواحِد؛ يَعنِي: والقُلوب الأخرى مَسكوت عنها. هذا وَجْه الفرق، القُلوب الأُخرى مَسكوت عنها، ولكن نَقول: الصَّواب أن مَعنَى قوله: ﴿عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ﴾ يَعنِي: من جميع الناس، وإذا قال: طَبَع على القَلْب، فالمَعنَى أنه على جَميع القَلْب، ما لم يَنُصَّ على أنَّ المُراد بعضُ القَلْب. فإن قال قائِل: لكن لماذا يَقول: على جميع القَلْب؟ فالجَوابُ: هذا مَعناه: لا على بعضِه؛ ولذلك كَلام المفَسِّر فيه نظَر من عِدَّة

стр. 294

وجوه؛ كلَّما تَأمَّلت عرَفْت أن هناك خَطَأ، والمُحَشِّي -الذي هو الجَمل- يَقول: فيه تَأمُّل. أو قال: فلْيُتأمَّل. وتَأمَّلْناه فوجَدْناه غيرَ صحيح. فإن قال قائِل: بالنِّسبة لقول الشارِح: [لعُموم القُلوب] لِمَ لَمْ يَقُل: لعُموم القَلْب، والقَلْب هذا كلُّ مَن وُصِف بالتَكبُّر والجَبروت داخِلٌ؟ فالجَوابُ: ليس هذا مُرادَه، إنما مُرادُه من القَلْب زيد وعَمرو وبَكْر وخالد هذه القُلوب؛ لكن إذا قُلْنا: عُموم القَلْب. صار مَعناه: قَلْب زَيْد فقَطِ، الطَّبْع عامٌّ له. فإن قال قائِلٌ: وهل كُلُّ مَن وُصِف بهذا الوَصفِ التَكبُّر مَطبوع عليه؟ فالجَوابُ: نعَمْ، لكن لا نَقولُ: لعُموم القَلْب. نَقول: لعُموم القُلوب؛ هذا عامٌّ في كل قَلْب مُتكبِّر، ففَرْق بين أن تَقول: الكُلِّية هذه للأَجزاء أو للأَفراد. إذا قُلنا: لعُموم الأجزاء. صار لعُموم القَلْب، وإن قُلنا: لعُموم الأَفراد. صار جميع القُلوب، كلُّ القَلْب مُتَّصِف، لو كان مِئات الملايين مُتَّصِفًا بهذا فهو مَطبوع عليه، ولا شَكَّ أن كلام المفَسِّر ﵀ ليس له وجه إطلاقًا، ولكن سُبحانَ الله! .

стр. 295

الآيتان (٣٦، ٣٧) * قَالَ اللهُ : ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَاهَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ (٣٦) أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا وَكَذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلَّا فِي تَبَابٍ﴾ [غافر: ٣٦ - ٣٧]. قال الله ﵎ في قِصَّة مُوسى مع فِرعونَ: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَاهَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ﴾ فِرعونُ هو مَلِك مِصرَ؛ قيل: إنه اسمُ شَخْص، أو إنه عَلَم شَخْص، وقيل: إنه عَلَم جِنْس، فإذا قلنا: إنه علَم شَخْص صار اسمًا لشَخْص مُعيَّن، وإذا قلنا: إنه علَم جِنْس صار اسمًا لكل مَن ملَك مِصرَ كافِرًا. وهذا هو الذي عليه الأكثَرُ؛ لكن فِرعونَ موسى عَلَم شَخْص وعلَم جِنْس أيضًا: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَاهَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا﴾ هامانُ وزيرُه، وقوله: ﴿ابْنِ لِي صَرْحًا﴾ يَعنِي: مُرْ مَن يَبني لي ذلك؛ لأنه من المَعلوم أنَّ الوَزير لن يُباشِر بِناء الصَّرْح، ﴿صَرْحًا﴾ قال المفَسِّر ﵀: [بِناءً عاليًا] يَعنِي: رفيعًا. وقوله: ﴿لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ﴾ (لعَلَّ) هنا للتَّعليل، وهي تَأتِي للتَّعليل تارة وللإِشْفاق تارة، وللتَّرجِّي تارةً؛ فمِن مجَيئها للتَّعليل هذه الآيةُ، وقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [يوسف: ٢] هذه للتَّعليل، وكلَّما جاءَت (لعَلَّ) في حَقِّ الله فإنها للتَّعليل؛ لأنَّ الربَّ لا يَتَرجَّى إذ إنَّ كل شيء عليه هَيِّن،

стр. 296

وتَأتِي للإِشْفاق؛ مِثل: أن تَقول: لعَلَّ الحَبيبَ هالِكٌ. يَعنِي: أَخشَى أن يَكون هالِكًا. وتَأتِي للتَّرجِّي: مثل: حضَرْت إلى الدَّرس فلعَلِّي أَفهَمُ، لو قلت: لعَلِّي أَفهَم؛ احتَمَل أن تَكون للتَّعليل، فإذا قلت: فـ (لَعلِّي) صارَت للتَّرجِّي، وتَكون أيضًا للتَّوقُّع، كما لو قُلت لشَخْص تُخاطِبه: لعَلَّك فاهِمٌ. وهذه المَعاني التي تَأتِي للحروف بَلْ وللأسماء أيضًا وللأَفْعال، إذا كانت مُتعَدِّدة فالذي يُعيِّنها السِّياق وقَرائِن الأحوال. قال: ﴿لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ (٣٦) أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ﴾ الأسباب جَمْع سبَب، وهو كل ما يُوصِل إلى المَقصود، فالسبَب وَسيلة والمُسبَّب غاية، والأَسباب هنا بيَّنها بقوله: ﴿أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ﴾ فـ ﴿أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ﴾ محَلُّها مِمَّا قبلَها عَطْف بَيان، تُبيِّن الإبهام المَوْجود في الأسباب. فإن قال قائِل: لماذا لم يَقَع الكَلام مُبيَّنًا من أوَّل الخِطاب، فيُقال: لعلِّي أَبلُغ ﴿أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ﴾؟ قلنا: إن الإبهام أوَّلًا، ثُم التَّفْصيل والبيان ثانيًا؛ أَوقَعُ في النَّفْس؛ لأن الشيء إذا جاء مُبهَمًا ثُم بُيِّن صار للبَيان وَقْع عند تَشوُّف النَّفس لمَعرِفة هذا المُبهَمِ؛ يَعنِي: لو جاء الكَلام مُبيَّنًا من أول الأمر لكان سهلًا على النفوس، لكن إذا جاء أوَّلًا مُبهَمًا تَشوَّفتِ النفس لمَعرِفة هذا المُبهَمِ، ثُم جاء البَيان والنَّفس مُستعِدَّة لقَبوله مُتشوِّفة إلى الوصول إليه. قوله: ﴿أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ﴾ قال المفَسِّر ﵀: [طُرُقها المُوصِّلة إليها ﴿فَأَطَّلِعَ﴾ بالرَّفع عطفًا على (أَبلُغ) وبالنَّصْب جوابًا لـ (ابْنِ)]، يَعنِي: أنَّ فيها قِراءَتَيْن سَبْعيَّتين

стр. 297

"فأَطَّلِعُ"، ﴿فَأَطَّلِعَ﴾، أمَّا على قِراءة الرَّفْع؛ فإنها مَعطوفة على (أَبلَغ) يَعنِي: لعَلِّي أَبلُغ الأسباب، فلَعلِّي أَطَّلِع. وأمَّا على قِراءة النَّصْب؛ فإنَّها وقَعَت جوابًا لـ (ابْنٍ) و (ابْنِ) فِعْل أمر، وفِعْل الأمر يَقَع جوابه إذا كان مَقرونًا بالفاء بالنَّصب (فأَطَّلِع) فتكون الفاء هنا للسَّبَبية. واعلَمْ أنَّ القِراءَتَيْن الوارِدَتَيْن في القُرآن الكريم هما أحَدُ الحُروف السَّبْعة التي نزَل القُرآن عليها؛ فإن القُرآن أُنزِل على سَبْعة أَحرُف، ولمَّا كان في زمَن عُثمانَ ﵁ أَمَر أن يُجعَل القُرآن على حَرْف واحِد هو حَرْف قُرَيْش؛ يَعنِي: لغتها؛ فهذه القِراءاتُ المَوْجودة ليسَت هي الأَحرُف السَّبْعة، بل هي على حَرْف واحِد. هذا واحد. الثاني: اعلَمْ أنَّ القِراءَتَيْن كِلْتاهما صحَّتْ عن النبيِّ ﷺ ؛ لأنَّها نُقِلَت بالتَّواتر. الثالث: اعلَمْ أنه لا يَنبَغي للإنسان أن يَقرَأ بين العامَّة بقِراءة تُخالِف ما في أيديهم من المَصَاحِف؛ لأن ذلك يُوجِب التَّشويش والارتباك، واتِّهام القارِئ، ورُبَّما تَهبِط عظَمة القُرآن في نفوسهم بسبَب هذا الاختِلافِ. أمَّا فيما بينك وبين نَفْسك فالأفضَلُ أن تَقرَأ بهذا تارةً، وبهذا تارةً؛ بشَرْط أن تَكون عالمًا غير مُتخَبِّط، وإنما قُلنا: هذا هو الأَفضَل لأن كُلًّا من القِراءَتَيْن قد قرَأ به النَّبيُّ - صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، فيَكون هذا مِثل العِبادات الوارِدة على وُجوهٍ مُتنوِّعة؛ كالاستِفْتاحات والتَّشهُّد وما أَشبَه ذلك؛ لكن هذا بينك وبين نَفْسك، أو في مَقام التَّعليم إذا كُنت تُعلِّم طلَبة. قوله: ﴿فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى﴾ يَعنِي: أَصِلَ إليه وأَنظُر هل هذا حقٌّ أو غير حقٍّ؛ ثُم استَدْرَك خوفًا من أن يَقول أحدٌ من جُنوده: إنه حَقٌّ. فقال: ﴿وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا﴾.

стр. 298

قال المفَسِّر ﵀: [﴿لَأَظُنُّهُ﴾ أي: موسى ﴿كَاذِبًا﴾ في أنَّ له إلهًا غيري]؛ قال هذا تمَويهًا على أصحابه، وخوفًا من أن يَقَع في نفوسهم شيءٌ حين أَمَر وزيرَه أن يَبنيَ له صرحًا، قال: ﴿وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا﴾. وفِرعونُ في هذه المَقالةِ كاذِب، هو لا يَظُنُّ أنَّ موسى كاذِب، بل يَعلَم أنه صادِق، لقول الله ﵎ عن موسى أنه قال له -أي: لفِرعونَ-: ﴿قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ﴾ [الإسراء: ١٠٢]، قال هذا الكَلامَ: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ﴾ مُؤكِّدًا إيَّاه بالقَسَم واللام و (قَدْ)، ويُخاطِب هذا الرجُلَ القادِر على إنكار ما قاله موسى لو كان كذِبًا قال له: ﴿قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَافِرْعَوْنُ مَثْبُورًا﴾ فِرعونُ ليس له مانِع يَمنَعه أن يَقول: لم أَعلَمْ. هو قادِر، لكنه إن قال ذلك يَعلَم أنه ﴿مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ﴾، وقال الله تعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا﴾ هذه مَفعول من أَجْله لـ ﴿وَجَحَدُوا﴾ بها ظُلْمًا. المُهِمُّ: أن قوله: ﴿وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا﴾ هذه الجُمْلةُ كذِب، هو يَعلَم أن موسى صادِق، لكنه قال ذلك تمَويهًا لقومه، وخوفًا من أن يَقَع في قُلوبهم شيء من الشَّكِّ، قال عن فِرعونَ: ﴿وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا﴾ يَقول المفَسِّر ﵀: [قال فِرعونُ ذلك تَمويهًا]. قوله: ﴿وَكَذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ﴾ ﴿وَكَذَلِكَ﴾ أي: مثل هذا الفِعْلِ، أو مثل هذا التَّزيِين أيُّهما الذي على القاعِدة؟ الجَوابُ: الثاني. لأننا قُلْنا: إن (كذلك) تَكون مَفعولًا مُطلَقًا للفِعْل الذي بعدَها؛ أي: مثل هذا التَّزيِين الذي زُّين لفِرعونَ، وهذا التَّمويهُ والتَّرويجُ لقومه

стр. 299

زيَّنَ لفِرعونَ سوءَ عمَله، والذي زيَّنه الشيطان والنَّفْس الأمَّارة بالسوء. وقد يُقال: والله ؛ لأن الله يُضِلُّ مَن يَشاء، كما قال الله تعالى: ﴿كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ﴾ [الأنعام: ١٠٨]، فالله تعالى زيَّنه قَدَرًا، بمعنى أنه حجَب عنه الهُدَى، ثُم زَيَّن له الشيطان والنَّفْس الأَمَّارة بالسوء أن يَعمَل هذا العمَلَ. وقوله: ﴿سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ﴾ السبيل هنا فيها (أل) التي للعَهْد الذِّهنيِّ، عن السبيل الذي هو سَبيل الهدى؛ ولهذا قال المفَسِّر ﵀: [طريق الهدى] وفيها قِراءتان "صَدَّ" [بفَتْح الصاد وضَمِّها] ﴿وَصُدَّ﴾ هذه بضَمِّ الصاد على أنها مَبنيَّة لما لم يُسمَّ فاعِله، أمَّا "صَدَّ" بفَتْح الصاد على أنها مَبنيَّة على ما سُمِّيَ فاعِله، ولكن هل هي مُتعدِّية أو لازِمة، هل مَعناه أنه صُدَّ بنفسه أو صَدَّ غيرَه؟ تَشمَل المَعنيَيْن؛ لأنها لفظ مشتَرَك صالِح للمَعنيَيْن جميعًا، والقاعِدة في التَّفسير أن كل لفظ يَصلُح لمَعنيَيْن لا يَتَنافِيان، فإنه يُحمَل عليهما جميعًا، إلَّا إذا كان في أحدهما ما يُرجِّحه فيَرجُح، فيُعمَل بما يَترَجَّح. ثم قال الله ﵎: ﴿وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلَّا فِي تَبَابٍ﴾ ما كَيدُه إلَّا في تَباب، والكيد والمَكْر والخِداع وما أَشبَهَها كلُّها كلِمات مُتقارِبة، ومَعناها: أن يَتوصَّل الإنسان بالأسباب الخَفِيَّة إلى مَقصوده بخَصْمه، كل إنسان يَقصِد من خَصْمه أن يَكون مَغلوبًا، فيَتوصَّل إلى هذا بأسباب خَفيَّة لا يَعلَم بها الخَصْم للوُصول إلى هذا. فِرعونُ كاد كيدًا في أن يَقول لهامانَ: ابْنِ لي صرحًا من أَجْل أن يَرقَى على هذا الصَّرْحِ، فإذا وصَل غايته نظَر أمام الناس ثُم نزَل، وقال: لم أَجِد ربَّ موسى. وهذا تمَويه، لا سِيَّما على عامة كآلِ فِرعونَ الذين قد بَهَرَهم هذا الظالِمُ الطاغِية، فكل شيء يَكون عِندهم حقيقة، لكن هل هذا الكَيْدُ يَنفَعه؟

стр. 300

قال الله تعالى: ﴿وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلَّا فِي تَبَابٍ﴾ أي: إلَّا في خَسارة، و (ما) هنا حِجازية مُهمَلة، يَعنِي: أنها لا تَعمَل، والذي أَبطَل عمَلها الإثبات، وابنُ مالِكٍ يَقول: إِعْمَالُ لَيْسَ أُعْمِلَتْ مَا دُونَ إِنْ ... مَعَ بَقَا النَّفْيِ ........... .. (١) والنفيُ هنا لم يَبقَ؛ ولهذا نَقول: هي مُهمَلة لبُطلان النَّفيِ وانتِفائه بـ (إلَّا). من فوائِدِ الآيتين الكريمتين: الْفَائِدَةُ الأُولَى: استِعْلاء فِرعونَ وتَرفُّعه، وذلك بتَوْجيه الأمر إلى وَزيره أن يَبنِيَ له صرحًا، وتَأمَّل قوله: ﴿ابْنِ لِي﴾ ولم يَقُل: ابنِ؛ لأن هذا أَعظَمُ في التَّرفُّع والتَّعاظُم؛ إذ لو قال: ابْنِ. لكان لأيِّ أَحَد يَبنِي؟ ففيه إبهام، لكن إذا قال: لي؛ دلَّ هذا على أنه استَخْدَم هذا الرجُلَ الذي هو الوزير استِخْدامًا تامَّا. الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أن اتِّخاذ الوُزَراء كان عُرْفًا قديمًا، سواءٌ كان وزيرًا في الخير أو وزيرًا في الشرِّ، فمِن وُزراء الخير قول موسى ﵊: ﴿وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي (٢٩) هَارُونَ أَخِي﴾ [طه: ٢٩، ٣٠]، وقول عليِّ بن الحُسَيْن بن عليِّ بن أبي طالب ﵃ حين سأَله زُعَماء الشيعة -وهم الرافِضة- عن أبي بَكْر وعُمرَ ﵄، فتَرحَّم عليهما، وقال في الثَّناء عليهما: هُما وَزيرَا جَدِّي (٢). يَعنِي: النَّبيَّ - صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، فرَفَضوه؛ لأنهم قد زُيِّن لهم سُوء عمَلهم بأن كل من أَحبَّ أبا بكر وعُمرَ فقد أَبغَضَ عليًّا، وعلى هذا يَكون النَّبيُّ ﷺ مُبغِضًا لعَليٍّ؛ لأنه سُئِل: أيُّ الرجال

стр. 301

أحبُّ إليك؟ قال: "أَبو بَكْرٍ" (١) فعلى قاعِدتهم يَكون الرسول مُبغِضًا لعِليٍّ، فانظُرْ كيف كانت عاقِبة هذه القاعِدةِ الفاسِدة الباطِلة. الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: جواز نِسبة الشيء إلى الآمِر به دون فاعِله، تُؤخَذ من قوله: ﴿ابْنِ لِي صَرْحًا﴾ وهو لا يُريد أن هامانَ يَتَولَّى البِناءَ بنَفْسه، بل يَأمُر؛ لأنه وزير. الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: إثبات عُلوِّ الله تعالى العلوَّ الذاتي للشَّرائِع السابِقة، يُؤخَذ من قوله: ﴿ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ (٣٦) أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ﴾ فهذا يَدُلُّ على أن موسى -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قد أَبلَغه بأن الله في السماء. وعُلوَّ الله الذاتي أَمْر لا يُنكَر؛ لأنه دلَّت عليه جميع الدَّلائِل: الكِتاب، والسُّنَّة، والإجماع، والعَقْل، والفِطْرة، كلُّها دلَّت على عُلوِّ الله العُلوَّ الذاتيَّ، وأنه في السماء، وأنه لا يُمكِن أن يَكون في الأرض، ونحن نُركِّز على هذه النّقطةِ لأهميتها؛ لأنها تَتَعلَّق بالعَقيدة، أمَّا القُرآن فما أكثَرَ الأدِلَّةَ المُتنوعة الدالَّة دَلالة قاطِعة على علوِّ الله الذاتيِّ! وكذلك السُّنَّة دلَّت على ذلك قولًا وفِعلًا وإقرارًا، فالنَّبيُّ ﷺ أَثبَتَ علوَّ الله الذاتيَّ بقوله وبفِعله وبإقراره. أمَّا بقوله فإنه ﷺ يَقول في سُجوده: "سُبحانَ ربِّي الأَعْلى" (٢)، وأمَّا في فِعْله فأَشار إلى علوِّ الله تعالى في الوقوف بعرَفة حين خطَب الناس وقال: "اللَّهُمَّ

стр. 302

اشْهَدْ" (١)، وأمَّا إقراره فبإقراره الجارِيةَ التي قالت: في السَّماءِ. لمَّا سأَلَها: "أَيْنَ الله؟ " (٢) وأمَّا الإجماع فقد أَجمَعَ السلَف على ذلك، ما منهم أحَدٌ قال: إن الله ليس في السماء. وما مِنهم أحَدٌ قال: إن الله في الأرض. وما منهم أحَد قال: إن الله لا يُوصَف بعُلوٍّ ولا سُفول، ولا محُايَثة ولا مجُانَبة. يَعنِي: ما منهم أحَدٌ قال: إن الله ليس فوقُ ولا تحتُ، ولا يمينُ ولا شِمالُ، ولا مُتَّصِلًا بالخلْق ولا مُنفصِلًا، كما قاله المُعطِّلة. فإذا قال قائِل: نُسلِّم أنه لم يَرِد عنهم النَّفيُ، فما هو دَليلُ الإثبات؟ فالجَوابُ: دليلُ ذلك أنه كل نَصٍّ في القُرآن والسُّنَّة لم يَأتِ عن الصحابة خِلافُه، فإننا نَعلَم عِلْم التقين أنهم يَقولون به؛ لأن القُرآن نزَل بِلُغَتهم وَيعرِفونه، فإذا خوطبوا بهذا ولم يَرِد عنهم خِلافه دلَّ ذلك على أنهم قائِلون به، وهذه نُقطة مُهِمَّة تَنفَعُك عند المُناظَرة مع الخُصوم إذا قال لك: أين قال الصحابةُ: إن الله في العُلو مثلًا؟ تَقول: قال الصحابةُ ذلك؛ لأن كل نصٍّ جاء بإثبات العُلوِّ، ولم يَرِد عن الصحابة خِلافُه فإنهم قائِلون به قَطْعًا؛ لأنه نزَل بلُغَتِهم وعرَفوه وفهِموه على ما أَراد الله . وأمَّا العَقْل فلو سألت أيَّ إنسان: هل العُلوُّ صِفةُ كَمال أو النُّزول؟ لقال لك: العلوُّ. ولو قلت: العُلوُّ صِفةٌ أكمَلُ أو المُحاذاة؟ لقال: لك العلوُّ. إِذَنْ: فالعُلوُّ دلَّ العَقْل على ثُبوته لله . وأمَّا الفِطْرة فلا تَسأَل، اسأَلْ عَجوزًا من العَجائِز لم تَقرَأ في كلام المُتكَلِّمين المُعطِّلين ماذا تَقول لك؟ لو سألتها: أين الله؟ قالت: في السَّماء. ولا تَعرِف إلَّا ذلك،

стр. 303

والعجَب أن نَفْس القائِلين بالنفيِ إذا دعَوُا الله رفَعوا أيديَهم قهرًا عليهم إلى السماء، وهذا شيء مُسلَّم، وادِّعاؤُهم أنهم يَقولون: إن السَّماء قِبلة الداعِي كما أن الكَعْبة قِبلة المُصلِّي. نَقول: إِذَنْ أَنتُم تَدْعون السماء فوقَعْتم في الشِّرْك من حيثُ لا تَعلَمون. فالحمدُ لله أن عُلوَّ الله أَمْر فِطري لا يَحتاج إلى تَعلّم ولا إلى تكلُّف! . ومع ذلك جميع الأدِلَّة دلَّت عليه، ثُم يَأتِي أقوام أَعمَى الله تعالى بَصائِرهم، فيقولون: إن الله تعالى ليس في العُلوِّ. ماذا يَقولون؟ استَمِعْ: منهم مَن يَقول: إن الله في كل مَكان، -وهؤلاءِ حُلولية الجَهْمية- الله في كل مَكان، في المَساجِد، في الأسواق، في البُيوت، في الجَوِّ، في السماء، -والعِياذُ بالله- في المَراحيض، في كل مَكان، وهذا باطِل كما تُبطِل الشَّمْس ظُلْمة الليل؛ لأنه يَلزَم منه واحِد من أمرين ولا بُدَّ: إمَّا أن يَكون الله مُتعدّدًا، وإمَّا أن يَكون الله مُتجزِّئًا؛ بعضُه هنا، وبعضه هناك، أو مُتعدِّدًا واحِدٌ هنا وواحِدٌ هناك، هذا بقَطْع النَّظَر عمَّا يَلزَم عليه من اللَّوازِم الفاسِدة التي تُوجِب أن يَكون الله في أَقذَر الأمكِنة وأَنتَنِ الأمكِنة. والقول الثاني لمَن يُنكِرون علوَّ الله الذاتي يَقولون: لا نَقول: إن الله فَوقُ ولا تحتُ، ولا يَمينُ ولا شِمالُ، ولا مُتَّصِل بالعالَم ولا مُنفصِل عن العالَم. إِذَنْ هو عدَم، يَعنِي قال بعض العُلَماء: لو قيل: صِفوا لنا العدَم. لم نَجِد وَصْفًا أَشمَلَ من هذا، فحقيقة الأمر أنهم لا يَعبُدون الله، وأنه ليس لهم إلهٌ إطلاقًا. الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: أن من بلاغة المُتكَلِّم أن يَسلُك أقرَبَ الطّرُق إلى جَذْب المُخاطَب، ومنها الإبهام ثُم البيان؛ لقوله: ﴿لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ (٣٦) أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ﴾ وهذا كثير في القرآن وفي كلام البَشَر.

стр. 304

الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: أن السَّمواتِ جَمْع وعدَد؛ لقوله: ﴿السَّمَاوَاتِ﴾ وهي كما هو مَعروف سَبْعة، قال الله تعالى: ﴿وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا (١٢)﴾ [النبأ: ١٢]، وقال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ﴾ [المؤمنون: ٨٦]، وهذا مُتَّفَق عليه، والسَّمَوات هذه بَيْنها فجَوات، ويَدُلُّ على ذلك دَلالة قاطِعة حديثُ المِعراج (١)، فإن النبيَّ ﷺ كان يَعرُج من سماء إلى سماء. الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: أن رُؤَساء الضَّلال وأئِمَّة الضَّلال يَدْعون الناس إلى الضَّلال بكل ما يَستَطيعون، ويُحاوِلون أن يَحولوا بينهم وبين الحقِّ، لقوله: ﴿وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا﴾ وقد بيَّنَّا في التفسير لماذا قال هذه الكلِمةَ، فلا تَغتَرَّ برُؤساء الضلال وأئِمَّة الضلال وما يَقولون من التَّمويه والدجَل، وليس هذا مَقصورًا على أئِمَّة السُّلْطة الذين لهم السُّلْطة، بل حتى على أَئِمَّة الدَّعْوة الذين يَدْعون الناس إلى أفكارهم الهدَّامة وأخلاقهم السافِلة، تَجِد عِندهم من التَّمْويه والتَّضْليل ما يُوجِب أن يَكون فخًّا يَقَع فيه مَن ليس له بَصيرة. الْفَائِدَةُ الثَّامِنةُ: أن الله يَبتَلي العَبد فيُزيِّن له سُوء عمَله؛ لقوله: ﴿وَكَذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ﴾ ويَدُلُّ لهذا قولُ الله ﵎: ﴿كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ﴾ [الأنعام: ١٠٨]، وقوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ﴾ [فاطر: ٨]، فاحرِصْ على الانتِباه لهذه المَسأَلةِ، فإن الإنسان قد يُزيِّن له سوء العمَل، والتَّزيِين نَوْعان: النَّوْع الأوَّل: أن يَرَى الإنسان هذا السيِّئ حسَنًا، وهذا أعظَمُ النَّوْعين.

стр. 305

النوع الثاني: أن لا يَراه سَيئًا فيَميل إليه بهَواه، ويَقول: هذا سَهْل، وليس فيه شيء، هذا من التَّزْيين في الواقِع؛ لأن مَن لا يَرَى السيئ سيئًا فإنه ستقَع فيه إمَّا رَغبةً فيه؛ لأنه زُيِّن له، وإمَّا لهَوًى في نَفْسه؛ لأنه لا يَراه سيئًا. الْفَائِدَةُ التَّاسِعَةُ: أن فِرعونَ يَصُدُّ الناس عن سَبيل الله، فهو من أئِمَّة الصَّدِّ عن سبيل الله تعالى، وقد قال الله تعالى في آية أخرى: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُنْصَرُونَ (٤١)﴾ [القصص: ٤١] فاحذَرْ هؤلاءِ الأَئِمَّة لا يَخدَعونك، فإنهم يَكيدون كيدًا، والله تعالى يَكيد كيدًا لعَبْده المُؤمِن. الْفَائِدَةُ الْعَاشرَةُ: أن فِرعونَ أَمَر ببِناء هذا الصَّرْحِ مُكايَدةً لا حَقيقةً، وإلَّا فمِن المَعلوم أنه سوف يَخسَر نَفَقاتٍ كثيرةً على هذا الصَّرْحِ العالي، لكنه لغرَضه وهَواه لا يَهتَمُّ بذلك. الْفَائِدَةُ الحَادِيَةَ عَشْرَةَ: أن كَيْد المُضلِّين -والحمد لله- في خَسارٍ، كل مُضِلٍّ فكَيْده في خَسارة؛ لأنه إذا كان كَيْد هذا الطاغِيةِ في خَسارٍ فمَن دونه مِن بابِ أَوْلى ولا شَكَّ؛ ولهذا حصَر كَيْده في الخَسار ما هو إلَّا في خَسار، وقال الله ﵎: ﴿إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا (١٥) وَأَكِيدُ كَيْدًا﴾ [الطارق: ١٥، ١٦]؛ أي: كيدًا أَعظَمَ من كَيْدهم، وقال تعالى: ﴿أَمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا فَالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ الْمَكِيدُونَ (٤٢)﴾ [الطور: ٤٢]، وهذه من أَعظَم الآيات التي تُفرِح المُؤمِن أن كَيْد الكافِر يَجعَله هو المَكيد، وجاء في الآية بالجُمْلة الاسمية: ﴿فَالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ الْمَكِيدُونَ﴾ وبضَمير الفَصْل، إشارة إلى ثُبوت ذلك عليهم، وتَأكُّده إلى ثُبوته بكونه جاء بالجُملة الاسمية؛ لأن الجُملة الاسمية كما يَقول أهلُ العِلْم تُفيد الثُّبوت والاستِقْرار، وجاءَ بالحَصْر عن طريق ضمير الفَصْل: ﴿فَالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ الْمَكِيدُونَ﴾. وهذه الآياتُ - والحمدُ لله - تُفرِح المُؤمِن، لكن لاحِظوا أن هذا وَعْد الله عَزَّ وَجَلَّ

стр. 306

وهو لا يُخلِف المِيعاد، لكِنَّه يَحتاج إلى سبَب أن يَكون من المُؤمِن عمَل مُضادٌّ، وأن المُؤمِن إذا عمِل العمَل المُضادَّ لكَيْد الكافِرين يَثقُ بوَعْد الله وَيقول: إن هذا الكَيْدَ سيَكون عليهم وَهُم في خَسارة منه، أمَّا أن نَقول: إن الله يَكيد لهم وهم المَكيدون. ولكننا نَنام على فُرُشنا ونَدَعُ السِّباع تَأكُل الغنَم؛ فهذا غير صَحيح لا بُدَّ من عمَل ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ﴾ [محمد: ٧] ﴿وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلَّا فِي تَبَابٍ﴾. فإن قال قائِل: صَحيح أن بعض المفَسِّرين قال: إن هامانَ لم يَبْنِ لفِرعونَ صرحًا؟ فالجَوابُ: هذا لا يَظهَر؛ لأن كونه يَقول: ابْنِ لي صَرْحًا. ولا يَبنِيه هذا بَعيد، إذ إنه سيقول والناس يَسمَعون، إمَّا أن يَكونوا حاضِرين، أو يَبلُغهم الخبَر وسيَبنِي الصَّرْح. فإن قال قائِل: لماذا نَقول: إن فِرعونَ استَفاد أن الله في السماء من موسى، أوَ لَا يَكون هذا من فِطْرته؟ فالجَوابُ: سَواءٌ كان بفِطْرته أو بدَعْوة موسى، لكنه إذا قُلْنا: بدَعْوة موسى. لم يَبقَ علينا شيء، أمَّا بفِطْرته فقد تكون انحرَفَت كما جاء في الحَديث: "فَأبوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ" (١) لكن الشيء المُؤكَّد لدَيْنا الآنَ هو قول موسى وتَقريره بأن الله في السماء. * * *

стр. 307

الآيتان (٣٨، ٣٩) * * * * قَالَ اللهُ : ﴿وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَاقَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ (٣٨) يَاقَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ﴾ [غافر: ٣٨، ٣٩]. * * * قال الله ﵎: ﴿وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَاقَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾ في أوَّل هذه الآياتِ يَقول الله : ﴿وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ [غافر: ٢٨]، وهُنا وما قَبْلها يَقول: ﴿وَقَالَ الَّذِي آمَنَ﴾ تَحقيقًا لإيمانه وأنه مُؤمِن حَقًّا ﴿وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَاقَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾. قوله: ﴿يَاقَوْمِ﴾ سبَق الكَلام على إِعْرابها، وبيَّنَّا أنها مُنادى مَنصوبة مُقدَّرة على ما قبلَ ياء المُتكَلِّم المَحذوفة للتخفيف، منَع من ظُهورها اشتِغال المَحلِّ بحرَكة المُناسَبة. وقوله: ﴿وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَاقَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ﴾ قال المفَسِّر ﵀: ["اتَّبِعُوني" بإثباتِ الياء وحَذْفها] يَعني أنها قِراءَتان؛ "اتَّبِعُوني" و ﴿اتبعُونِ﴾ أمَّا على وجود الياء فالأَمْر ظاهِر؛ لأنها ياء المُتكَلِّم، وأمَّا على حَذْفها فهي محَذوفة للتخفيف، وقوله: ﴿اتبِعُونِ﴾ فِعْل أَمْر، و ﴿أَهْدِكُمْ﴾ جَواب فِعْل الأَمْر؛ ولهذا وقَع مَجزومًا بحَذْف الياء، والكَسرة قبلَها دليلٌ عليها، وأَصْل ﴿أَهْدِكُمْ﴾: أَهدِيكُم، لكن

стр. 308

الفِعْل المُضارع إذا وقَع جَوابًا للأَمْر فإنه يَكون مَجزومًا، قيل: إنه مَجزوم به. وقيل: إنه مجَزوم بشَرْط مُقدَّر، والتَّقدير: إن تَتَّبِعوني أَهدِكُم. وهكذا يُقال في كل ما جاء على هذا التَّرْكيبِ ﴿أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾ أي: طريقه، والهِداية هنا هِداية الدَّلالة؛ لأنه لا يُمكِن أن يُراد بها هِداية التَّوْفيق، إذ إن هِداية التَّوْفيق تكون بيد الله ؛ لقوله ﵎ لرسوله محُمّدٍ - صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ [القصص: ٥٦]؛ أي: لا تَهدِي هِداية التَّوْفيق، فقوله: ﴿أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾ يَعنِي: أَدُلُّكم على سَبيل الرَّشاد، وسبيل الرَّشاد ضِدُّ سَبيل الغَيِّ، والرَّشاد هو حُسْن التَّصرُّف، والغَيُّ هو الضَّلال أو ارتكاب الخطَأ عن عَمْد. قوله: ﴿يَاقَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ﴾ لمَّا رغَّبهم باتِّباعه زَهَّدهم بالدُّنيا؛ لأن أصل ضَلال بني آدَمَ هو الطَّمَع في الدُّنيا والتَّنافُس إنما يَكون عليها؛ ولهذا قال النَّبيُّ ﷺ : "وَاللهِ مَا الفَقْرَ أَخْشَى عَلَيْكُمْ، وَإنَّما أَخْشَى أَنْ تُفْتَحَ عَلَيْكُمُ الدُّنْيَا فَتَنَافَسُوهَا كما تَنَافَسُوهَا -أي: مَن قَبْلنا- فَتُهْلِكَكُمْ كما أَهْلَكَتْهُمْ" (١) فهو لمَّا طلَب أن يَتَّبِعوه بيَّن لهم حال الدنيا التي يَتَنافَسون فيها والتي صَدُّوا عن سَبيل الله بها. فقال: ﴿يَاقَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ﴾ ﴿إِنَّمَا﴾ أداة حَصْر، و ﴿هَذِهِ الْحَيَاةُ﴾ مُبتَدَأ، و ﴿مَتَاعٌ﴾ خبَرُه؛ أي: ما هذه الدُّنيا إلَّا مَتاع يَتمتَّع به الإنسان قليلًا ثُم يَزول؛ ولهذا قال المفَسّر ﵀ في التَّفسير: ﴿مَتَاعٌ﴾ تَمتُّع يَزولُ]. قوله: ﴿وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ﴾ ﴿الْآخِرَةَ﴾ ما بعد الدنيا هي دارُ

стр. 309

القَرار، (هي) ضَمير فَصل، و ﴿دَارُ الْقَرَارِ﴾ خبَر (إن)، واعلَمْ أن ضَمير الفَصْل ضَمير لا محَلَّ له من الإعراب لا يُعرَب مُبتَدَأ ولا خبَرًا، ولا أي شيء، لا محَلَّ له من الإعراب، واعلَمْ أيضًا أن له ثلاثَ فَوائِدَ: الفائِدة الأُولى: التَّوْكيد. والفائِدة الثانِية: الحصْر. والفائِدة الثالِثة: تمَييز الخبَر من الصِّفة. وَيظهَر هذا بالمِثال، فإذا قلت: زَيدٌ هو الفاضِلُ. فهو ضَمير فَصل استَفَدْنا منه ثلاث فَوائِدَ: أوَّلًا: التَّوْكيد حيث أكَّدْنا أن زيدًا هو الفاضِلُ، بل حيث أكَّدنا أن زيدًا فاضِلٌ، ثُم الحَصْر؛ لأنك قُلت: زيد هو. أي: لا غير زيد هو الفاضِل، الفائِدة الثالِثة: التَّمييز بين الصِّفة والخبَر، فإنك لو قُلت: زيدٌ الفاضِل. لاحتُمِل أن يَكون (الفاضِل) صِفة لـ (زيد) وأن الخبر لم يَأتِ بعدُ، فإذا قلتَ: هو الفاضِل. تَعيَّن أن تكون الفاضِلُ خبَرًا، فبذلِك يَحصُل التَّمييز بين الخبَر وبين الصِّفة. وضَمير الفَصْل لا محَلَّ له من الإعراب، ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ (٤٠)﴾ [الشعراء: ٤٠]، فهُنا جاءَت ﴿الْغَالِبِينَ﴾ خبَرًا لـ (كان)، ولو كان له مَحلَّ من الإعراب لكانت: إن كانوا هُمُ الغالِبون. لكنه ليس له محَلٌّ من الإعراب، إِذَنْ ما هي دار القَرارِ؟ هي الدار الآخرة، وأكَّد ذلك بالإتيان بضَمير الفَصْل، وأن الدار الآخرة هي دار القَرار؛ أي: دار المُستَقَرِّ؛ ولهذا يُؤتَى بالمَوْت على صورة كَبْش فيُوقَف بين الجَنَّة والنار، ويُقال: "يَا أَهْلَ النَّارِ! فَيَشْرَئِبُّون ويَطَّلِعون، وكذلك يُقال: يا أَهْل الجَنَّة!

стр. 310

فيَشرَئِبُّون وَيطَّلِعون، فيُقال لهم: هل تَعرِفون هذا؟ فيَقولون: نعَمْ هذا الموتُ، فيُذبَح أمامَهم، ويُقال: يا أَهْل الجَنَّة، خُلودٌ ولا موتٌ ويا أهل النار خُلودٌ ولا موتُ". إِذَنْ: هذا القَرارُ ما دام ليس فيه انتِقال عن هذه الدارِ فهي دار القَرارُ. إذا كان هي دارَ القَرار والدنيا مَتاع، فالأولى أن يَعمَل له هي الآخرة، لأنها دار القَرار، أمَّا هذه فهي دار عُبور دار مَتاع "كُنْ فِي الدُّنْيَا كَأنَّكَ غَرِيبٌ أَوْ عَابِرَ سَبِيلٍ". من فوائدِ الآيتين الكريمتين: الْفَائِدَةُ الأُولَى: أوَّلًا تَلطُّف هذا الداعِي، هذا الرجُلُ المُؤمِن الذي يَدعو إلى الله؛ لقوله: ﴿يَاقَوْمِ﴾ فإن هذا لا شَكَّ من أَساليب التَّلطُّف. الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: قُوَّة جَأْش هذا المُؤمِنِ؛ حيث كان رجُلًا واحِدًا يَقول لهَؤلاءِ الجَماعة: ﴿اتَّبِعُونِ﴾ وهذا -كما قُلنا في التفسير- فِعْل أَمْر. الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: أنه يَنبَغي للداعِية إذا دعا إلى شيء أن يُبيِّن ما يَكون به التَّرْغيب؛ أي: تَرْغيب المَدعوِّ؛ حتى يَنشَط ويَفعَل؛ لقوله: ﴿أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾ [غافر: ٣٨]. الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: الإشارة إلى كَذِب فِرعونَ حين قال لقَوْمه: ﴿مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾ [غافر: ٢٩]، ففَرْق بين قول فِرعونَ وقولِ هذا المُؤمِنِ، قول فِرعونَ كذِب، وقول هذا الرجُلِ حَقٌّ لا شَكَّ. الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: أن السُّبُل تَختَلِف: سُبُل ضَلال، وسُبُل غَيٍّ، وسُبُل رَشاد، فالسَّبيل المُوصِل إلى الله هذا سَبيل الرَّشاد، والسُّبُل المُتفرِّقة هذه سُبُل ضَلال،

стр. 311

قال الله تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام: ١٥٣]. الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: بَيان حال الدُّنيا، وأنها مَتاع يَتَمتَّع بها الإنسان ثُم تَزول، إمَّا بزَوال هذا التَّمتُّع، وإمَّا بزَوال المُتمتِّع؛ ولهذا انظُرْ مَصارع الدنيا هل فيها أحَدٌ خُلِّد؟ وهل فيها أحَد خُلِّد له ما بين يديه؟ كل ذلك لم يَكُن، فالدنيا إمَّا زائِلة وإمَّا أن يُزال عنها، قال الله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ (٣٤)﴾ [الأنبياء: ٣٤]. الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: انحِصار الدُّنْيا في هذه الكلِمةِ القَليلة، وهي ﴿متاعٌ﴾ كلُّ الدُّنيا مَتاع، لا تَتَحمَّل أكثَرَ من ذلك. الْفَائِدَةُ الثَّامِنةُ: الاستِعْداد والرَّغْبة في الآخرة، لقوله: ﴿وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ﴾ [غافر: ٣٩]، فإذا اجتَمَع هذا إلى ما قَبلَه صار مُتضمِّنًا لفائِدَتَيْن: وهُما الزُّهْد في الدُّنيا، والرَّغْبة في الآخرة. * * *

стр. 312

الآية (٤٠) * * * * قَالَ اللهُ : ﴿مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [غافر: ٤٠]. * * * ثُم قال: ﴿مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ هذا كالبَيان لحال الآخِرة، وكيف يُجازَى الناس فيها، فقال: ﴿مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا﴾ ﴿مَن﴾ شَرْطية، و ﴿عَمِلَ﴾ فِعْل الشَّرْط، وجملة: ﴿فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا﴾ هذه جَوابُ الشَّرْط، وقوله: ﴿فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا﴾ (مِثْل) مَفعول ﴿يُجْزَى﴾ الثاني، والمَفْعول الأوَّل هو نائِبُ الفاعِل المُستَتِر. قوله: ﴿مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً﴾ السَّيِّئة ما يَسوء حالًا أو مَآلًا، فما أَصاب الإنسانَ من مرَض أو فَقْر أو عاهة أو ما أَشبَه ذلك هذا سُوء، لكنه في الحال، وما أَصاب الإنسان من عُقوبة على أعماله فهذا سُوء، ولكنه في المآل، وقد يَكون في الحال قد يُعاجَل الإنسانُ بالعُقوبة، فالسَّيِّئة كل ما يَسوء حالًا أو مَآلًا ﴿فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا﴾ السَّيِّئة بواحِدة مهما كان، حتى وإن كان الإنسان في مَكَّةَ، أو في المَدينة، أو في المَسجِد، أو في أي مَكان، أو في أيِّ زَمان أيضًا، حتى ولو كان في الأشهُر الحُرُم التي نَصَّ

стр. 313

الله تعالى على النَّهيِ عن الظُّلْم فيها، فقال: ﴿مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾ [التوبة: ٣٦]، فإن السَّيِّئة لا تَزال. ولكن اعلَموا أنها قد تكون أشَدَّ من حيثُ الكَيْفيَّة لا من حيثُ الكِمِّية. يَعنِي: أننا نرى أن ضَرْبة واحِدة قد تكون أشَدَّ على الإنسان من عَشْر ضرَبات بشِدَّتها وشِدَّة وَقْعها؛ ولهذا قال الله تعالى في الحرَم المكِّيِّ: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الحج: ٢٥]، وبهذا التَّقريرِ الذي دلَّ عليه الكِتاب والسُّنَّة تَبيَّن أن ما يُذكَر عن ابن عبَّاس ﵄ أنه خرَج من مكَّةَ وقال: لا أَبقَى في بلَد سَيِّئاته وحَسَناتُه سواءٌ. فإن هذا لا يَصِحُّ عن ابن عباس ﵁، وابنُ عباس أفقَهُ وأَعلَمُ من أن يَلتَبِس عليه هذا الأمرُ، مع أن الله قال في سورة الأنعام وهي مكِّيَّة: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (١٦٠)﴾ [الأنعام: ١٦٠]. قوله: ﴿وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى﴾ ﴿وَمَن﴾ هذه شَرْطية، و ﴿صحَيحًا﴾ يَجوز أن نُعرِبها صِفة لمَوْصوف محَذوف، والتَّقدير: عمَلًا صالحًا، ويَجوز أن نَجعَلها مَفعولًا مُطلَقًا؛ لأن وَصْف المَصدَر المحذوف يَصِحُّ أن يَقَع الإعراب عليه على أنه مَفعول مُطلَق، أو على أنه صِفة لمَوْصوف محَذوف، والتَّقدير: عمَلًا صالِحًا. والعمَل الصالِح ما تَوافَرت فيه شُروط القَبول، وذلك بأن يَكون خالِصًا لله على شَريعة الله، بأن يَجمَع بين أَمْرين: الإخلاص لله، والمُتابَعة لرُسُله عليهم الصلاة والسلام، هذا العمَلُ الصالِح. إِذَنْ هو ما تَوافَرت فيه شُروط القَبول وهُما: الأول: الإخلاص لله .

стр. 314

والثاني: المُتابَعة لرُسُل الله سواء محُمَّد أو غيره، لكن من المَعلوم أنه بعد بعثة محُمَّد ﷺ لا يَصِحُّ اتِّباع غيره. إذا فُقِدَ الإخلاصُ فليس العمَلُ صالحًا، بل هو مَردود على صاحِبه؛ لقوله ﵎ في الحديث القُدسيِّ: "أنا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ مَعِي فِيهِ غَيْرِي ترَكته وَشِرْكَهُ"، وإذا فُقِدت المُتابَعة لم يَكُن العمَل صالحًا وكان مَردودًا؛ لقول النَّبيِّ - صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: "مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَد" (١). وقوله: ﴿مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى﴾ بَيان لـ (مَن) فـ (مِن) هنا بَيانِية بَيان لـ (مَن)؛ لأن (مَن) اسمٌ مَوْصول، واسمُ المَوْصول الأصل فيه الإبهام، فإذا وُجِد بعدَه بَيانٌ فإنه يَكون مُبيِّنًا لإبهامه ﴿مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ هذا الشَّرطُ لا بُدَّ أن يَكون مُؤمِنًا، فإن لم يَكُن مُؤمِنًا فإن عمَله الصالِحَ لا يَنفَعه، حتى وإن كان العمَل مِمَّا يَتَعدَّى نَفعُه، فإنه لا يَنفَعه؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ﴾ [التوبة: ٥٤]. فغيرُ المُؤمِن لا يَنفَعه عمَله، لو أن رجُلًا كافِرًا أَصلَح الطُّرُق، ومدَّ أنابيب الماء يَسقِي الناس، وبنَى المساجِد وطَبَع الكُتُب، وكَسا العُريان، وأَطعَم الجائِع فلا يَنفَعه هذا؛ ولهذا فلا يَنفَع المُنافِقين عمَلُهم؛ لأنهم ليسوا مُؤمِنين، وبه نَعرِف أن الإيمان هو الأصل، آمِنْ ثُم اعمَلْ، أمَّا العمَل بدون إيمان هَباءٌ، نَسأَل الله ألَّا يَخلَع عنا وعنكم الإيمان ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا (٢٣)﴾ [الفرقان: ٢٣]، لا بُدَّ من

стр. 315

الإيمان أوَّلًا، ثُم إذا آمَنْت فاعمَل، وإذا عمِلْت فأَخلِص واتَّبعْ. قوله: ﴿فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ﴾ جُملة ﴿فَأُولَئِكَ﴾ جَواب الشَّرْط، وهو ﴿وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا﴾ ﴿فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ﴾ وهُنا قال: ﴿فَأُولَئِكَ﴾ باسْمِ الإشارة المَوْضوع للبعيد، إشارة إلى عُلوِّ مَرتَبَتهم، كأنَّك تُشير إليهم وهم فَوقُ ﴿فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ﴾، قال المفَسِّر ﵀: [بضَمِّ الياء وفَتْح الخاء "يُدْخَلُونَ"، وبالعَكْس] أي: ﴿يَدْخُلُونَ﴾ فيَجوز "يُدْخَلُونَ" أي: يُدخِلهمُ الله، ويَجوز ﴿يَدْخُلُونَ﴾ أي: هُمْ بأَنفُسهم لكن بإِذْن الله. ومن المَعلوم أن أهل الجنَّة لا يَدخُلون الجنَّة إلَّا بعد الشَّفاعة، بعد شَفاعة محُمَّد - صلى الله عليه وعلى آله وسلم- في فَتْح الجَنَّة؛ لأنهم يَصِلون إليها وبابها مُغلَق فيَطلُبون مَن يَشفَع لهم إلى الله أن يَفتَح لهم البابَ، فيَشفَع لهم النَّبيُّ ﷺ وحدَه في أن يُفتَح لهم البابُ فيُفتَح. قوله: ﴿يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ ﴿يُرْزَقُونَ﴾ الرِّزْق بمَعنى: العَطاء، ومنه قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ﴾؛ أي: أَعطُوهم، فمَعنَى ﴿يُرْزَقُونَ﴾ إِذَنْ: يُعطَوْن، وقوله: ﴿بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾؛ أي: بغَيْر تَبْعة، يَعنِي: لا يُحاسَبون عليه، ولا يَنقُدون له ثمَنًا، في الدُّنيا لا تمَلِك رِزْقًا إلَّا بثمَن، لكن في الآخرة تُعطَى الرِّزْق بغير ثمَن وبغَيْر تَبْعة، لا تُحاسَب عليه؛ لأن الثَّمَن كان مُقدِّمًا سَلمًا وهو نَقْد الثمَن وتَأْخير المُثمَّن، فهُنا الثمَن مُقدَّم، الثمَن كان في الدنيا حين عمِلوا بطاعة الله، فكان هذا هو العِوَضَ، فالقوم قد أَسلَموا في هذا المَبيعِ وقدَّموا ثمَنه؛ ولهذا قال: ﴿يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾.

стр. 316

من فوائدِ الآيةِ الكريمةِ: الْفَائِدَةُ الأُولَى: أن عمَل السَّيِّئة لا يَزداد إثمًا على قَدْر السَّيِّئة؛ لقوله هنا: ﴿مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا﴾. الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أنه في مَقام التَّهديد يَنبَغي أن يَبدَأ بما يَدُلُّ على التَّهديد قبل أن يَبدَأ بما يَدُلُّ على التَّرْغيب؛ لأنه هنا بَدَأ بالسَّيِّئة، ثُم أَعقَب بالصالِح. وانظُرْ إلى قول الله ﵎ في مَقام ذِكْر الأحكام الشَّرْعية قال: ﴿اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة: ٩٨]، ولمَّا أَراد جَلَّ وَعَلَا أن يَتَحدَّث عن نفسه ويُبيِّن كَمال صِفاته قال: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٤٩) وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ﴾ [الحجر: ٤٩، ٥٠]، فلكُلِّ مَقام مَقال. فالإنسان يَنبَغي له أن يُرتِّب المَعانيَ حَسب ما يَقتَضيه الحال، لا يُلقِي الحَديث على عَواهِنه وفَضْل الله يُؤتيه مَن يَشاء، قد يُريد الإنسان هذا الشيءَ، ويُريد أن يُرتِّب كلامه، وأن يَبنيَه على ما يَقتَضيه الحال؛ ولكن يَخونُه التعبير، إلَّا أن الإنسان إذا استَعان بالله واعتَمَد عليه يَسَّر له الأَمْر. الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: أنه لا يُقبَل العمَل إلَّا إذا كان صالِحًا ولا يَنفَع صاحِبَه إلَّا إذا كان صالِحًا، وذكَرْنا أن الصالِح مَن اجتَمَع فيه شُروط القَبول، وهُما الإِخْلاص والمُتابَعة؛ فبِفَقْد الإخلاص يَكون الإنسان مُشرِكًا، وبفَقْد المُتابَعة يَكون الإنسان مُبتَدِعًا؛ ولهذا لا يُقبَل العمَل إلا الخالِص المُوافِق للشَّرْع، فبفَقْد الإخلاص يَقَع الإنسان في الشِّرْك، وبفَقْد المُتابَعة يَقَع الإنسان في البِدْعة. والأوَّل أشَدُّ، وقد يَكون الثاني حَسب المُخالَفة، لكن الشِّرْك من حيثُ هو

стр. 317

أَعظَمُ من البِدْعة، وقيل: إن البِدْعة أشَدُّ وأَعظَمُ؛ لأن الله قال: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٣٣)﴾ [الأعراف: ٣٣]، والآية بالتَّدريج من الأدنى إلى الأعلى، وصاحِب البِدْعة يَضُرُّ نَفْسه وَيضُرُّ غيره؛ لأنه يَكون إمامًا يَدعو إلى مخُالَفة الرُّسُل، والذي يَظهَر أن الشِّرْك من حيثُ هو شِرْك أَعظَمُ، لكن قد يَكون المُترتِّب على البِدْعة أشَدَّ من المُترتِّب على الشِّرْك. الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أن الذُّكور والإناث مشتَرِكون في الثواب والعِقاب، بمَعنى أن الله لا يُعاقِب الأنثى أكثَرَ من عُقوبة الرجُل، ولا الرجُل أكثَرَ من عُقوبة الأنثى، وكذلك لا يجَزِي الرجُل أكثَرَ من جَزاء الأنثى، ولا الأنثى أَكثَرَ من جزاء الرجُل؛ لقوله في هذه الآيةِ: ﴿مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى﴾، ونَظيرها قوله تعالى: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى﴾ [آل عمران: ١٩٥]. الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: أن العمَل الصالِح لا يَنفَع إلَّا مَبنيًّا على الإيمان؛ لقوله: ﴿وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ والجُمْلة كما تُعرِبونها أيُّها المُعرِبون، الجُمْلة في مَوضِع نَصْب على الحال يَعنِي: والحال أنه مُؤمِن، وبِناءً على هذا نَسأَل: هل عمَل المُنافِق يَنفَعه؟ والجَوابُ: لا، لفَقْد الإيمان فهو غير مُؤمِن، وهل الإيمان أن تُؤمِن بالله ومَلائِكته وكتُبه ورُسُله واليوم الآخِر والقَدَر خَيرِه وشَرِّه، أو هو إيمان وراءَ ذلك كلِّه؟ الجوابُ: الثاني، فمن جُملة الإيمان الذي يَجِب أن تَكون الأعمال الصالحِة مَبنِيَّة عليه أن تُؤمِن بالثواب على العمَل، ولهذا إذا عمِل الإنسان العمَل الصالِح وهو يَرجو هذا الثَّوابَ، لا شَكَّ أنه سيَزداد رَغْبة في العمَل، وسيَزداد إحسانًا للعمَل؛ لأنه يَعرِف أن السِّلْعة على قَدْر الثَّمَن، فإذا كنت تَعمَل وأنت تَشعُر بأنك ستُجازَى

стр. 318

على هذا العمَلِ مجُازاة تامَّةً فسَوْف تُحسِن العمَل لأَجْل أن يُحسَن لك الثَّوابُ والجَزاء، وهذه مَسأَلة مُهِمَّه يَغفُل عنها الإنسان كثيرًا؛ أي: يَغفُل الإنسان كثيرًا عن كونه يَنوِي بذلك الثوابِ الذي أَعَدَّه الله لعامِل هذا العمَلِ. الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: أن رِزْق الجنَّة ليس فيه حِساب، يَعنِي: أنه لا يُطلَب من الإنسان عِوَض، ولا يَلحَقه تَبْعة؛ لقوله: ﴿يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾. * * *

стр. 319

الآيات (٤١ - ٤٣) * * * * قَالَ اللهُ : ﴿وَيَاقَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ (٤١) تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ (٤٢) لَا جَرَمَ أَنَّمَا تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الْآخِرَةِ وَأَنَّ مَرَدَّنَا إِلَى اللَّهِ وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ﴾ [غافر: ٤١ - ٤٣] * * * ثُم قال هذا الرجُلُ الذي آمَنَ: ﴿وَيَاقَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ (٤١)﴾. هذا استِفْهام تَعجُّب وإنكار، كأنه يَقول: عجَبًا لكم أَدعوكم إلى الجنَّة وتَدْعونَني إلى النار! وهذا والله مَحَلُّ عجَب، مَحَلُّ العَجَب أن تَدعوَ رجُلًا إلى الجنَّة وهو يَدعوك إلى النار، فتَأتِي إلى رجُل تَقول: يا فُلانُ اترُكْ شُرْب الخمْر، شُرْب الخمْر حرام، ولا يَجوز، من شُرْبه في الدنيا لم يَشرَبْه في الآخرة، هو أُمُّ الخبائِث مِفتاح كلِّ شَرٍّ، فيقول لك: يا ولَدُ لذَّةٌ وطرَب وأُنس وسُرور، اشرَبْ حتى تَرَى، إذا شرِبْت كأنَّك ملِك الملوك، ثُم يُرغِّبك، ثُم يَقول له أيضًا يُمَنِّيه يَقول: اشرَبْ. وإذا شرِبْت وحصَلَت لك اللَّذَّة والطرب، فاستَغفِرِ الله، الباب مَفتوح، فالأَحَقُّ بالإجابة الأوَّل دون الثاني. فهذا يَقول: ﴿مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ﴾ وهذا الاستِفْهامُ

стр. 320

-كما قلْت لكم- استِفْهام تَعجُّب وإنكار، وهو مَحلُّ التَّعجُّب ومحَلُّ الإِنْكار أيضًا، والله أَعلَمُ. وجُمْلة ﴿وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ﴾ مَعطوفة على الجُمْلة التي قَبلَها، وليسَتِ استئنافية ولا حاليَّة كما قيل به، بل هي مَعطوفة على ما سبَقَ؛ لأن التَّعجُّب إنما يَكون مِنِ اجتِماع الأمرَيْن أنه يَدْعوهم إلى النَّجاة، وهُمْ يَدْعونه إلى النار. وقوله: ﴿إِلَى النَّجَاةِ﴾ يَعنِي: النَّجاة إلى النار ولم يَقُل: إلى الجنَّة مع أنه قال: ﴿وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ﴾؛ لأنَّهم هم يَدْعونه إلى الهَلاك، يَدْعونه إلى النار، فقابَل دَعْوته بدَعْوتهم، فكأنه يَقول: أنا أَدعوكم إلى النَّجاة من النار وأنتم تَدْعونَني إلى النار، والدَّعْوة إلى النار ليس أن يَقول القائِل: هلُمُّوا إلى النار أيها الناسُ. لكنها الدَّعْوة إلى عمَل أهل النار، وليُعلَم أن النار حُفَّت بالشَّهَوات، وأن الجنَّة حُفَّت بالمَكارِم، وعمَل أهل النار مَبنيٌّ على الشَّهَوات أو على الشُّبَهات يَعنِي: إمَّا جَهالات وضَلالات كعمَل النَّصارَى، وإمَّا شَهَوات كعمَل اليَهود، وعلى هَذَيْن يَدور عمَل أهل النار الشُّبُهات والشَّهَوات، والشُّبُهات دواؤُها العِلْم، والشَّهَوات دَواؤُها الحَزْم والإرادة التامَّة لما يحبُّه الله ويَرْضاه. ﴿مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ﴾ ثُمَّ بيَّن بعد أن أَجمَل في قوله: ﴿وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ﴾ بَيَّن الأعمال التي يَدْعونه إليها: وقوله: ﴿تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ﴾ اللَّام هنا لبَيان المَدعوِّ إليه. يَعنِي: تَدْعونَني لهذا، وعلى هذا فـ ﴿لِأَكْفُرَ﴾ مَنصوبة بـ (أن) مُضمَرة بعد اللَّام على مَذهَب البَصْريِّين، أو باللَّام على مَذهَب الكوفِيِّين، ﴿لِأَكْفُرَ بِاللَّهِ﴾ أي: أَجحَده وأُنكِره، والمُراد إنكار وَحْدانيَّته بدَليل قوله: ﴿وَأُشْرِكَ بِهِ﴾ وقد يُقال: إن المُراد إنكار وُجوده
следующие страницы →