← Тафсир

Тафсир · id 151161

تفسير العثيمين: غافر

ابن عثيمين

Полный текст (554 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

من فوائدِ الآيةِ الكريمةِ: الْفَائِدَةُ الأُولَى: أن عمَل السَّيِّئة لا يَزداد إثمًا على قَدْر السَّيِّئة؛ لقوله هنا: ﴿مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا﴾. الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أنه في مَقام التَّهديد يَنبَغي أن يَبدَأ بما يَدُلُّ على التَّهديد قبل أن يَبدَأ بما يَدُلُّ على التَّرْغيب؛ لأنه هنا بَدَأ بالسَّيِّئة، ثُم أَعقَب بالصالِح. وانظُرْ إلى قول الله ﵎ في مَقام ذِكْر الأحكام الشَّرْعية قال: ﴿اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة: ٩٨]، ولمَّا أَراد جَلَّ وَعَلَا أن يَتَحدَّث عن نفسه ويُبيِّن كَمال صِفاته قال: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٤٩) وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ﴾ [الحجر: ٤٩، ٥٠]، فلكُلِّ مَقام مَقال. فالإنسان يَنبَغي له أن يُرتِّب المَعانيَ حَسب ما يَقتَضيه الحال، لا يُلقِي الحَديث على عَواهِنه وفَضْل الله يُؤتيه مَن يَشاء، قد يُريد الإنسان هذا الشيءَ، ويُريد أن يُرتِّب كلامه، وأن يَبنيَه على ما يَقتَضيه الحال؛ ولكن يَخونُه التعبير، إلَّا أن الإنسان إذا استَعان بالله واعتَمَد عليه يَسَّر له الأَمْر. الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: أنه لا يُقبَل العمَل إلَّا إذا كان صالِحًا ولا يَنفَع صاحِبَه إلَّا إذا كان صالِحًا، وذكَرْنا أن الصالِح مَن اجتَمَع فيه شُروط القَبول، وهُما الإِخْلاص والمُتابَعة؛ فبِفَقْد الإخلاص يَكون الإنسان مُشرِكًا، وبفَقْد المُتابَعة يَكون الإنسان مُبتَدِعًا؛ ولهذا لا يُقبَل العمَل إلا الخالِص المُوافِق للشَّرْع، فبفَقْد الإخلاص يَقَع الإنسان في الشِّرْك، وبفَقْد المُتابَعة يَقَع الإنسان في البِدْعة. والأوَّل أشَدُّ، وقد يَكون الثاني حَسب المُخالَفة، لكن الشِّرْك من حيثُ هو

стр. 317

أَعظَمُ من البِدْعة، وقيل: إن البِدْعة أشَدُّ وأَعظَمُ؛ لأن الله قال: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٣٣)﴾ [الأعراف: ٣٣]، والآية بالتَّدريج من الأدنى إلى الأعلى، وصاحِب البِدْعة يَضُرُّ نَفْسه وَيضُرُّ غيره؛ لأنه يَكون إمامًا يَدعو إلى مخُالَفة الرُّسُل، والذي يَظهَر أن الشِّرْك من حيثُ هو شِرْك أَعظَمُ، لكن قد يَكون المُترتِّب على البِدْعة أشَدَّ من المُترتِّب على الشِّرْك. الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أن الذُّكور والإناث مشتَرِكون في الثواب والعِقاب، بمَعنى أن الله لا يُعاقِب الأنثى أكثَرَ من عُقوبة الرجُل، ولا الرجُل أكثَرَ من عُقوبة الأنثى، وكذلك لا يجَزِي الرجُل أكثَرَ من جَزاء الأنثى، ولا الأنثى أَكثَرَ من جزاء الرجُل؛ لقوله في هذه الآيةِ: ﴿مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى﴾، ونَظيرها قوله تعالى: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى﴾ [آل عمران: ١٩٥]. الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: أن العمَل الصالِح لا يَنفَع إلَّا مَبنيًّا على الإيمان؛ لقوله: ﴿وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ والجُمْلة كما تُعرِبونها أيُّها المُعرِبون، الجُمْلة في مَوضِع نَصْب على الحال يَعنِي: والحال أنه مُؤمِن، وبِناءً على هذا نَسأَل: هل عمَل المُنافِق يَنفَعه؟ والجَوابُ: لا، لفَقْد الإيمان فهو غير مُؤمِن، وهل الإيمان أن تُؤمِن بالله ومَلائِكته وكتُبه ورُسُله واليوم الآخِر والقَدَر خَيرِه وشَرِّه، أو هو إيمان وراءَ ذلك كلِّه؟ الجوابُ: الثاني، فمن جُملة الإيمان الذي يَجِب أن تَكون الأعمال الصالحِة مَبنِيَّة عليه أن تُؤمِن بالثواب على العمَل، ولهذا إذا عمِل الإنسان العمَل الصالِح وهو يَرجو هذا الثَّوابَ، لا شَكَّ أنه سيَزداد رَغْبة في العمَل، وسيَزداد إحسانًا للعمَل؛ لأنه يَعرِف أن السِّلْعة على قَدْر الثَّمَن، فإذا كنت تَعمَل وأنت تَشعُر بأنك ستُجازَى

стр. 318

على هذا العمَلِ مجُازاة تامَّةً فسَوْف تُحسِن العمَل لأَجْل أن يُحسَن لك الثَّوابُ والجَزاء، وهذه مَسأَلة مُهِمَّه يَغفُل عنها الإنسان كثيرًا؛ أي: يَغفُل الإنسان كثيرًا عن كونه يَنوِي بذلك الثوابِ الذي أَعَدَّه الله لعامِل هذا العمَلِ. الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: أن رِزْق الجنَّة ليس فيه حِساب، يَعنِي: أنه لا يُطلَب من الإنسان عِوَض، ولا يَلحَقه تَبْعة؛ لقوله: ﴿يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾. * * *

стр. 319

الآيات (٤١ - ٤٣) * * * * قَالَ اللهُ : ﴿وَيَاقَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ (٤١) تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ (٤٢) لَا جَرَمَ أَنَّمَا تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الْآخِرَةِ وَأَنَّ مَرَدَّنَا إِلَى اللَّهِ وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ﴾ [غافر: ٤١ - ٤٣] * * * ثُم قال هذا الرجُلُ الذي آمَنَ: ﴿وَيَاقَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ (٤١)﴾. هذا استِفْهام تَعجُّب وإنكار، كأنه يَقول: عجَبًا لكم أَدعوكم إلى الجنَّة وتَدْعونَني إلى النار! وهذا والله مَحَلُّ عجَب، مَحَلُّ العَجَب أن تَدعوَ رجُلًا إلى الجنَّة وهو يَدعوك إلى النار، فتَأتِي إلى رجُل تَقول: يا فُلانُ اترُكْ شُرْب الخمْر، شُرْب الخمْر حرام، ولا يَجوز، من شُرْبه في الدنيا لم يَشرَبْه في الآخرة، هو أُمُّ الخبائِث مِفتاح كلِّ شَرٍّ، فيقول لك: يا ولَدُ لذَّةٌ وطرَب وأُنس وسُرور، اشرَبْ حتى تَرَى، إذا شرِبْت كأنَّك ملِك الملوك، ثُم يُرغِّبك، ثُم يَقول له أيضًا يُمَنِّيه يَقول: اشرَبْ. وإذا شرِبْت وحصَلَت لك اللَّذَّة والطرب، فاستَغفِرِ الله، الباب مَفتوح، فالأَحَقُّ بالإجابة الأوَّل دون الثاني. فهذا يَقول: ﴿مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ﴾ وهذا الاستِفْهامُ

стр. 320

-كما قلْت لكم- استِفْهام تَعجُّب وإنكار، وهو مَحلُّ التَّعجُّب ومحَلُّ الإِنْكار أيضًا، والله أَعلَمُ. وجُمْلة ﴿وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ﴾ مَعطوفة على الجُمْلة التي قَبلَها، وليسَتِ استئنافية ولا حاليَّة كما قيل به، بل هي مَعطوفة على ما سبَقَ؛ لأن التَّعجُّب إنما يَكون مِنِ اجتِماع الأمرَيْن أنه يَدْعوهم إلى النَّجاة، وهُمْ يَدْعونه إلى النار. وقوله: ﴿إِلَى النَّجَاةِ﴾ يَعنِي: النَّجاة إلى النار ولم يَقُل: إلى الجنَّة مع أنه قال: ﴿وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ﴾؛ لأنَّهم هم يَدْعونه إلى الهَلاك، يَدْعونه إلى النار، فقابَل دَعْوته بدَعْوتهم، فكأنه يَقول: أنا أَدعوكم إلى النَّجاة من النار وأنتم تَدْعونَني إلى النار، والدَّعْوة إلى النار ليس أن يَقول القائِل: هلُمُّوا إلى النار أيها الناسُ. لكنها الدَّعْوة إلى عمَل أهل النار، وليُعلَم أن النار حُفَّت بالشَّهَوات، وأن الجنَّة حُفَّت بالمَكارِم، وعمَل أهل النار مَبنيٌّ على الشَّهَوات أو على الشُّبَهات يَعنِي: إمَّا جَهالات وضَلالات كعمَل النَّصارَى، وإمَّا شَهَوات كعمَل اليَهود، وعلى هَذَيْن يَدور عمَل أهل النار الشُّبُهات والشَّهَوات، والشُّبُهات دواؤُها العِلْم، والشَّهَوات دَواؤُها الحَزْم والإرادة التامَّة لما يحبُّه الله ويَرْضاه. ﴿مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ﴾ ثُمَّ بيَّن بعد أن أَجمَل في قوله: ﴿وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ﴾ بَيَّن الأعمال التي يَدْعونه إليها: وقوله: ﴿تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ﴾ اللَّام هنا لبَيان المَدعوِّ إليه. يَعنِي: تَدْعونَني لهذا، وعلى هذا فـ ﴿لِأَكْفُرَ﴾ مَنصوبة بـ (أن) مُضمَرة بعد اللَّام على مَذهَب البَصْريِّين، أو باللَّام على مَذهَب الكوفِيِّين، ﴿لِأَكْفُرَ بِاللَّهِ﴾ أي: أَجحَده وأُنكِره، والمُراد إنكار وَحْدانيَّته بدَليل قوله: ﴿وَأُشْرِكَ بِهِ﴾ وقد يُقال: إن المُراد إنكار وُجوده

стр. 321

بالكُلِّية، أو الإشراك به مع الإقرار به، فيَكونون يَدْعونه إلى شَيْئَيْن إمَّا إنكار الخالِق ، وهذا مُستَفاد من قوله: ﴿وَأُشْرِكَ بِهِ﴾؛ أي: أَجحَده، أو إثباته مع وُجود شَريك له، وهذا مُستَفاد من قوله: ﴿وَأُشْرِكَ بِهِ﴾. وقوله: ﴿مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ﴾ هذا قَيْد مُبيِّن للواقِع، وأن كل مَن أَشرَك بالله فإنه مُشرِك بلا عِلْم، بل بما يُعلَم بالفِطْرة خِلافه، ولكن من المَعلوم أن الشَّيْء إذا كان بلا عِلْم فإنه لا ثُبوتَ له ولا أَصلَ له. فالصِّلة في قوله: ﴿مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ﴾؛ لبَيان الواقِع، وقد بيَّنَّا أن كل قَيْد لبَيان الواقِع أو الغالِب أو المُبالَغة؛ فإنه لا مَفهومَ له. وقوله: ﴿وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ﴾ بدَأ هنا باسْمِ العَزيز؛ لأن المَقام يَقتَضيه؛ إذ إن هَؤلاءِ أَقْباط من آل فِرعونَ يَظُنُّون أن العِزَّة لهم، فقال: ﴿أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ﴾ ولم يَقُلْ: إلى الغَفور الرَّحيم. بل قال: ﴿إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ﴾ يَعنِي: ﴿الْعَزِيزِ﴾ الغالِب، فيُهلِككم إذا أَنْتم أَشرَكْتم به أو كفَرْتُم به ﴿الْغَفَّار﴾ يَغفِر لكم ما سبَقَ إن أَنتُم آمَنْتم به، وهذا من تمَام فِقْه هذا الرجُلِ المُؤمِن، فإنه قد يَقول قائِل: إن المَقام يَقتَضِي: وأنا أَدعوكم إلى الغَفور الرَّحيم. لكن الأَمْر بالعَكْس المَقام يَقتَضِي ذِكْر اسمِه العَزيز؛ لأن هَؤلاءِ يَدَّعون أنهم فَوقَ الناس، وأن ربَّهم فِرعونُ، وأنه لا غالِبَ لهم. وقوله: ﴿الْعَزِيزِ﴾ اسمٌ من أَسْماء الله، و ﴿الْغَفَّارِ﴾ اسم من أَسْماء الله، والغَفور اسمٌ من أسماء الله. وليُعلَم أن أسماء الله تَنقَسِم إلى قِسْمين: الأوَّل ما كان مُشتَقًّا من وَصْف مُتعدِّد، فهذا لا يَتمُّ الإيمان به إلَّا بأُمور ثلاثة:

стр. 322

الأوَّل: إثباتُه اسمًا لله، والثاني: إثباتُ الصِّفة التي دلَّ عليها، والثالِث: إثبات الحكْم المُترَتّب على هذه الصِّفةِ. والقِسْم الثاني غير مُتعَدٍّ، لا يَتمُّ الإيمان به إلَّا بإثبات اثنَيْن، إثباته اسمًا من أسماء الله، وإثبات الصِّفة التي دَلَّ عليها؛ لأن كلَّ اسمٍ من أسماء الله يَدُلُّ على صِفة ليس لله اسمٌ يَكون جامِدًا، خِلافًا لمَن قال: إن كلِمة (الله) اسمٌ جامِد غير مُشتَقٍّ، وهذا ليس بصحيح، ما من اسمٍ من أسماء الله إلَّا وهو مُشتَقٌّ؛ لأن الله وصَفَ أسماءَه بأنها حُسنَى، وما لا يَتَضمَّن من وَصْف ليس بحَسَن فضلًا عن أن يَكون أحسَنَ. نَضِرب أمثِلة لهذا: (الحي) من اللازِم تُؤمِن به اسمًا من أسماء الله، وبالحياة التي دَلَّ عليها الاسمُ، و (السَّميع) مُتعَدٍّ تُؤمِن بالسميع اسمًا لله، وبالسَّمْع صِفة لله، وبأنه يَسمَع إثباتًا للحُكْم، وهو الأثَر المُترَتِّب على هذه الصِّفةِ. ثُمَّ اعلَمْ أن الاسم يَتضَمَّن أحيانًا صِفة وأحيانًا صِفَتَيْن، وأحيانًا أَكثَرَ؛ لأن أنواع الدَّلالة ثلاثة: مُطابَقة، وتَضمُّن، والتِزامٌ. فمَثلًا من أسماء الله تعالى الخلَّاق ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ (٨٦)﴾ [الحجر: ٨٦] والخلَّاق والخالِق من أسماء الله، مثل الغَفور وغافِر الذَّنْب والغَفَّار؛ فتُؤمِن بالخلَّاق اسمًا من أسماء الله، وتُؤمِن بصِفة الخلْق التي تَضمَّنها اسمُ الخلَّاق، وإيمانك بالاسم والصِّفة هذا إيمان بدَلالة المُطابَقة، وإيمانك بالاسم وحدَه أو بالصفة وحدَها إيمان بدَلالة التَّضمُّن، ثُم إيمانك بأنه عَليم قَدير، إيمان بدَلالة الِالْتِزام؛ لأنه ما من خَلَّاق إلَّا وهو عَليم، وما من خَلَّاق إلَّا وهو قادِر، لأنه إن كان جاهِلًا فكيف يَخلُق، وإن كان عاجِزًا فكيف يَخلُق؟ ! فدَلالة الخلَّاق على العِلْم والقُدْرة دَلالة التِزام.

стр. 323

وهذه الدَّلالة -أَعنِي: دَلالة الِالْتِزام- يَتَفاوَت فيها الناس تَفاوُتًا كثيرًا، فمن الناس مَن يُعطيه الله تعالى فَهْمًا يُدرِك به اللَّوازِم التي تَلزَم على هذا الاسمِ، ومن الناس مَن هو دون ذلكَ، فتَجِد بعض الناس يَستَنبِط فَوائِدَ عِدَّة بدَلالة النُّزول، وآخَرُ لا يَقدِر، وفَضْل الله تعالى يُؤتِيه مَن يَشاءُ. والعَزيز بمَعني: ذي العِزَّة ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ﴾ [الصافات: ١٨٠]، والعِزَّة قالوا: إنها ثَلاثة أنواع: عِزَّة القَدْر، وعِزَّة القَهْر، وعِزَّة الامتِناع، عِزَّة القَدْر بمَعنَى أنه عَزيز قَدْرًا؛ بحيث لا يَكون مِماثِل له، وعِزَّة الامتِناع يَعنِي: أنه عَزيز، أي: يَمتَنِع أن يَنالَه السوء، والعَزيز يَأتي بمَعنَى الامتِناع في قوله تعالى: ﴿وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ (٢٠)﴾ [إبراهيم: ٢٠]؛ أي: بمُمتَنِع، والثالث: عِزَّة القَهْر بمَعنى: أنه الغالِب، ومنه قوله تعالى: ﴿يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ﴾ [المنافقون: ٨]، فقال الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون: ٨] العِزَّة يَعنِي: الغلَبة، إذا كان العَزيز بمَعنَى: الغالِب فهو من الأسماء، عَزَّ أي: غلَب فهو غالِب، ومُقابِله مَغلوب، وإذا كانَتْ عَزَّ بمَعنَى: امتَنَع أو بمَعنَى: كان ذا قَدْر عَظيم فهو لازِم. إِذَنْ نَقول: العَزيز من جِهة تكون من الأسماء المُتعَدِّية إذا كانت بمَعنَى: الغالِب، ومن جِهة أُخرى تكون غير مُتعَدِّية إذا كانَت بمَعنَى: الامتِناع أو بمَعنَى: القَدْر. وهنا جُملة مُعتَرِضة؛ قال الله تعالى: ﴿يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ﴾ هل الجَوابُ مُطابِق لقولهم، أو غير مُطابِق؟ الجَوابُ: ﴿لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ﴾ قال: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ﴾ المُطابِق أن يَقول: والله أَعزُّ، والله أَعزُّ والمُؤمِنون، لكن لم يَذكرُ هذا، بل قال: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ﴾ إشارة إلى

стр. 324

أن المُنافِقين لا عِزَّةَ لهم أصلًا؛ لأنه لو قال: الله أَعزُّ. لأَثبَت للمُنافِقين عِزَّة، ولكنه ليس لهم عِزَّة، حصَر العِزَّة لله ورسوله والمُؤمِنين ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ وهذه من بَلاغة القُرآن، وإذا تَأمَّلت القُرآن -سُبْحانَ الله- تَبيَّن لك أمور تَبهَرك في دَلالاته وإشاراته وإيماءاته، فسُبْحانَ الله الذي أَنزَله . قوله: ﴿الْغَفَّارِ﴾ اسمٌ من أسماء الله المُتعَدِّية؛ لأن الله قال: ﴿يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ﴾. إِذَنْ: لا بُدَّ أن نُثبِت الغَفَّار اسما من أسماء الله، ولا بُدَّ أن نُثبِت الصِّفة وهي المَغفِرة ﴿وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ﴾ ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ﴾ [الرعد: ٦]، ونُثبِت أنه يَغفِر ويُوصِل المَغفِرة مَن شاءَ. قوله: ﴿لَا جَرَمَ أَنَّمَا تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ﴾ وهو الكُفْر بالله، والإشراك به ﴿لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ﴾، أي: ليس له استِجابة دَعْوة ﴿فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الْآخِرَةِ﴾ ولا جرَمَ أيضًا أن مَرَدَّنا إلى الله، وأن المُسرِفين هم أَصْحاب النار. قال المفَسِّر ﵀: [﴿لَا جَرَمَ﴾ حَقًّا]؛ يَعنِي: أن مَعنَى لا جرَمَ حَقٌّ، وعلى هذا فتكون (لا) زائِدة، و (جرَمَ) بمَعنى: حَقًّا، وهذا ما ذهَب إليه المفَسِّر، والمُعرِبون اختَلَفوا فيها، والصَّواب في إعرابها أن (لا) نافِية للجِنْس، و (جرَمَ) اسمُها، ومَعنَى (لا جَرَمَ): أي لا شَكَّ، أو لا بُدَّ، هذا هو الصواب والتَّرْكيب واضِح، ولا يَحتاج أن يُقدَّر أن (لا) زائِدة و (جرَمَ) بمَعنَى: قطع، وأن مَصير الجُملة إلى أن تَكون مَصدرًا لعامِل مَحذوف يَعنِي: أحق حقًّا أن ما تَدعونَني إليه، لا حاجةَ إلى هذا، إذا قُلْنا: لا شَكَّ أن ما تَدْعونني إليه إلى آخِره، ليس له دَعْوة في الدُّنيا ولا في الآخِرة زال الإشكال، وعلى هذا تكون (جرَمَ) اسم (لا)، وإنما دخَل في تَأْويل المَصدَر خبَر (لا)،

стр. 325

والمَعنَى يَقول: لا شَكَّ ولا ارْتياب أن الذي تَدْعونني إليه ليس له دَعْوة. وقوله: ﴿أَنَّمَا تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ﴾ (ما) مَربوطة بـ (أن)، والظاهِر وحسب القواعِد المَعروفة أن تكون مَفصولة، لأن المَعنَى: لا جَرَمَ أن الذي تَدْعونني إليه، وإذا كانت (ما) مَوْصولة فإنها تُفصَل عن (أن) كِتابة، لكن رَسْم المصحَف تَمشَّى فيه العُلَماء على الرَّسْم العُثمانيِّ؛ احتِرامًا للقُرآن أن يُغيَّر؛ ولهذا تَجِدون الصلاة في المُصحَف مَكتوبة بالواو، والزكاة بالواو، والرِّبا بالواو، ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الأعراف: ٥٦] بالتاء المَفتوحة، كلُّ هذا اتِّباعًا للرَّسْم العُثمانيِّ؛ احتِرامًا لكِتاب الله أن يَدخُله التَّغيير. وقدِ اختَلَف العُلَماء: هل يُكتَب القرآن حَسب القَواعِد وفي كل وَقْت بحَسبه، أو على الرسم العُثمانيِّ؛ فقيل: إنه يَجوز أن يُكتَب على القَواعِد في كل وَقْت بحَسبه؛ لأن المَقصود أن يُتلَى كتاب الله على حَسب ما نزَل لا على حَسب ما كُتِب، والقُرآن نزَل مَقروءًا؛ إِذَنِ الكِتابة ما هي إلَّا اصطِلاحات تَخضَع لأعراف الناس. والقول الثاني: إنه لا يَجوز أن يُغيَّر أبدًا؛ سَدًّا للباب، ومَنْعًا للتغيير؛ حتى لا يَجرُؤ أحَد أن يُغيِّر في كتاب الله ، وهذا لا شَكَّ أنه يَرمِي إلى قُوَّة احتِرامنا للقُرآن الكريم، والأوَّل يَرمِي إلى قُوَّة إيصال القرآن إلى الناس على وَجْه لا إشكالَ فيه. والقَول الثالِثُ: إنك إن كتَبْته للدارِسين المُبتَدِئين، فلا بأسَ أن تكتُبه حسب القَواعِد المَعروفة؛ لأن الدارِسين المُبتَدِئين لا يَعرِفونه، وأمَّا إذا كُنت تُريد أن تَكتَبه ليقرَأ فهذا يُكتَب على حَسب الرسم العُثمانيِّ. والظاهِر أن هذا القولَ المُفصَّل أَرجَحُ الأقوال الثلاثة.

стр. 326

قوله: ﴿لَا جَرَمَ أَنَّمَا تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ﴾ (أنَّ) حَرْف تَوْكيد يَنصِب المُبتَدَأ ويَرفَع الخبَر، و (ما) اسمُها، و ﴿لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ﴾ خبَرُها الجُملة. قال المفَسِّر ﵀: [﴿أَنَّمَا تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ﴾ لأَعبُدَه]، ولكِنَّ هذا التَّفسيرَ قاصِر، فالذي دعَوْه إليه أن يَكفُر بالله ويُشرِك به، فهُم دَعَوْه إلى أمرين، والمفَسِّر قصَره على أَمْر واحِد، وهو عِبادة غير الله، وهذا إِشْراك. وقوله: ﴿لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ﴾ أي: ليس له استِجابة دَعْوة، والصواب أنه ليس له دَعْوة يُدعَى بها، ولا دَعوةٌ يُجيبها، فمَعنى ﴿لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ﴾: لا يَستَحِقُّ أن يُدعَى، وهو أيضًا لا يَستَجيب إذا دُعِيَ، كما قال الله تعالى: ﴿إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ (١٤)﴾ [فاطر: ١٤]. زِدْ على ذلك أنكم تُريدون أن يَنفَعوكم في الآخِرة، والأمر ليس كذلك؛ قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾، وهذه الآيةُ كقَوْله تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [الأحقاف: ٥]، هذا الذي تَدْعوه لا يُمكِن أن يَستَجيب لك إلى يوم القِيامة أبدًا، ﴿وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ﴾ (هُم) يَجوز أن يَكون المَدْعوُّون، ويَجوز أن يَكون الداعُون، والهاء في ﴿دُعَائِهِمْ﴾ يَجوز عَوْدها لهذا، وهذا حَسب الضَّمير السابِق. ثم قال تعالى: ﴿وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ﴾ وهو الوَقْت الذي يُريد الداعون أن يَنتَفِعوا بالمَدْعوِّين ﴿وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ (٦)﴾ [الأحقاف: ٦]؛ لأن الله يَقول: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ (١٦٦)﴾ [البقرة: ١٦٦] أي: المَودَّة والمَحبَّة التي كانوا يُضمِرونها لهم في الدُّنيا ﴿وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا

стр. 327

لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا﴾ [البقرة: ١٦٧]. فقوله تعالى: ﴿لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ﴾ يقول المفَسِّر: [ليس له دَعْوة مُستَجابة] يَعنِي: لا يَستَجيب الدَّعْوة، والصواب أن لها مَعنيَيْن: لا يَستَجيب، ولا يَستَحِقُّ، فهو لا يَستَحِقُّ أن يُدعَى، ولو دُعِيَ لم يَستَجِبْ. وقوله: ﴿لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الْآخِرَةِ﴾ لا يَستَطيع هذا لا في الدنيا ولا في الآخرة، فالأصنام لا تَنفَع عابِديها لا في الدنيا ولا في الآخرة. وقوله: ﴿وَأَنَّ مَرَدَّنَا إِلَى اللَّهِ﴾ ذكَّرهم بالحِساب ﵀ وجَزاه الله خيرًا، قال المفَسِّر ﵀: [﴿وَأَنَّ مَرَدَّنَا﴾؛ أي: مَرجِعنا] إلى الله في الدُّنيا والآخِرة ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩]، فالمَرَدُّ هو الله في الدنيا والآخِرة. وقوله: ﴿وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ﴾ يَعنِي: ولا جرَمَ أيضًا أن المُسرِفين هُمْ أصحاب النار. يَعنِي: هذه ثَلاثة أشياءَ كلُّها جُزِم بها جَزْمًا. أوَّلًا: ﴿أَنَّمَا تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الْآخِرَةِ﴾. والثاني: ﴿وَأَنَّ مَرَدَّنَا إِلَى اللَّهِ﴾. والثالِث: ﴿وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ﴾. والمُسرِف اسمُ فاعِل من الإسراف، وهو تَجاوُز الحَدِّ ويَكون كُفْرًا، وَيكون دون الكُفْر، فالإنسان الذي يَملَأ بطنَه من الطَّعام والشراب مُسرِف، لكنه ليس بكافِر؛ لأن الله قال: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا﴾، وكذلك الإسرافُ في اللِّباس وغيره لا يُؤدِّي إلى الكُفْر، لكن الإسراف في عِبادة الله بأن تَتَجاوَز عِبادة الله إلى عِبادة غيره، هذا هو الكُفْر، وهذا هو مُراد هذا الرجُلِ المُؤمِن.

стр. 328

وقوله: ﴿وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ﴾ (هم) ضَمير فَصْل وقد سبَقَ لنا أن ضَمير الفَصْل من حيث الإعراب لا مَحلَّ له من الإعراب، فلا يُؤثِّر فيما بَعْده ولا يُؤثِّر فيه ما قَبْله، هذه واحِدة. وسبَق لنا أن لضمير الفَصْل فَوائِدَ: التَّوْكيد والحَصْر وتمَييز الخبر عن الصِّفة، وضرَبنا لذلك مثَلًا لا حاجةَ للإعادة. من فوائدِ الآياتِ الكريمة: الْفَائِدَةُ الأُولَى: إنكار هذا الرجُلِ المُؤمِن على قَوْمه بما يَشهَد العقل بصِحَّته؛ حيث قال: ﴿وَيَاقَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ﴾ [غافر: ٤١]، وإذا كان العَقْل يَدُلُّ على صِحَّته فهو محَلُّ عجَب، كل إنسان عاقِل يَعجَب أن يَكون هذا الشيءُ، رجُل يَدعو قومه إلى النَّجاة ورجُل يَدعوهم إلى النار. الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: مُراعاة الحال في الخِطاب، وجهُه أنه قال: ﴿إِلَى النَّجَاةِ﴾ مع أنه يَدْعوهم إلى الجَنَّة، لكن لمَّا كانت دَعْوتهم إيَّاه إلى الهلاك آثَرَ أن يَقول: إلى النَّجاة؛ وَيلزَم من النَّجاة من النار دُخول الجنَّة. مسألة: قولُ موسى لفِرعونَ: ﴿وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَافِرْعَوْنُ مَثْبُورًا﴾ [الإسراء: ١٠٢] هل يُستَدَلُّ بذلك على الإغلاظِ في الدَّعْوة؟ فالجَوابُ: هذا الإغلاظُ في مَحلِّه؛ لأنه قال له كلِمة أشَدَّ منها، قال: ﴿إِنِّي لَأَظُنُّكَ يَامُوسَى مَسْحُورًا﴾ [الإسراء: ١٠١] فهَلْ يُغلِظه بالقَوْل وَيسكُت، وموسى ﵊ مَعروف بالقُوَّة؟ ! فإن قال قائِل: من باب التَّلطُّف الداعِية يَقول أحيانًا: وإني أَكثَرُكم تَقصيرًا،

стр. 329

فيَظُنُّ ضِعاف النُّفوس والجُهَّال أنه ما دام هذا الداعِيةُ أو هذا الشيخُ كثير التقصير، نحن إذن من بابِ أَوْلى، ثُم يُصيبهم ما يُصيبهم. فالجوابُ: أنَّ هذه الكلِمةِ يَنبَغي للإنسان أن يَنظُر في مَصلَحتها، وإلَّا فقد قالها عُمرُ بنُ عبدِ العزيز ﵀ في آخِر خُطبة خطَبها، قال: إنِّي لأَقولُ لكُمْ هذا وما أَعلَمُ أحَدًا عِنده من الذُّنوب أكثَرَ مِمَّا عِندي (١). هي بالحقيقة يَعنِي قد تَكون مُشجِّعة وقد تَكون مُخَذِّلة. قد يَقول قائِل: إذا كان هذا الرجُلُ الداعِية العابِد مُقصِّرًا فكيف بنا نحن؟ إِذَنْ فلْنُشمِّر عن ساعِد الجِدِّ. وقد تَكون -كما قُلت-: سِلاحًا ذا حَدَّيْن؛ فلْيُنظَر إلى المَصلَحة، والإنسان أحيانًا يَقول مثل هذا؛ لأنه يَخشَى على نَفْسه من العُجْب. الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: أنَّ كلَّ مَن أَشرَك بالله، أو أَنكَره كفَر به، فلَيْس له عِلْم في ذلك مهما كان، يُؤخَذ من قوله تعالى: ﴿وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ﴾. الْفَائِدَةُ الرَّابعَةُ: أن الإشراك بالله كجُحود الله، وَيدُلُّ لذلك قولُ الله تعالى في الحَديث القُدسي. "أَلا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ، مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي تَرَكته وَشِركهُ" (٢). الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: تَذكير هذا الرجُلِ المُؤمِن هؤلاءِ بعِزَّة الله ومَغفِرته؛ تَرغيبًا وتَرهيبًا، لقوله: ﴿وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ﴾ فالتَّرْهيب في قوله: ﴿الْعَزِيزِ﴾ والتَّرْغيب في قوله: ﴿الْغَفَّارِ﴾ واللهُ أَعلَمُ.

стр. 330

فإن قال قائِلٌ: هل أَقوال الأنبياء والصالحِين في القُرآن هي بنَصِّها؟ فالجوابُ: ليسَتْ هي بلَفْظها، وإنَّما هي بالمَعنَى؛ ولهذا تَجِد العِبارات مخُتَلِفة ممَّا يَدُل على أنَّ الله تعالى يَنقُلها بالمعنى، وإن أَضافَها إليهم قولًا، لكن بالمَعنَى، ثُم هم لُغَتُهم غير عرَبية. فهي بالمَعنَى لا شكَّ: أوَّلًا: لأن لُغَة هؤلاءِ ليسَت لُغةً عرَبية. وثانيًا: لو كان باللَّفْظ لكان كلام البَشَر مُعجِزًا؛ لأن الإعجاز يَحصُل بالآية والآيتَيْن والثلاثة، وهذا الرجُلُ المُؤمِن تَكلَّم في كم من آية، والله هو الذي صاغه بنَفْسه، فنقَله بالمَعنى. مسألة: بعض الآيات التي يَحكِي فيها الله أنَّ إنسانًا أو أحَدًا، مثل قول الله : ﴿أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا﴾ [الكهف: ٣٤] فهَلْ يَقول الإنسان: قال الله تعالى حاكِيًا عن رجُلٍ، أو يَقول: قال الله تعالى. على مِثْل ما رَويت؟ فالجوابُ: الأحسَنُ أن يَقول: حاكيًا؛ لأنه قد يُوهِم أنَّ الضَّمير يَعود على الله. وهذا يُوصِلنا إلى شيء: هل الحَديثُ القُدسيُّ هو كلام الله بلَفْظه أو مَعناه؟ الجواب: فيه خِلاف: منهم مَن يَقول: تَكلَّم الله به لفظًا. ومنهم مَن يَقول: تكلَّم به مَعنًى والصِّياغة من الرسول ﷺ . ومنهم مَن يَقول: قُل: قال الله. ولا تَقُل: لفظًا ولا مَعنًى. ما دُمْت في عافية فاسْلُك طريق العافِية. لكن أحيانًا يُحرَج الإنسان، يَقول: أَعطِني الفَرْق بين الحديث القُدسيِّ والقُرآن،

стр. 331

وأما إذا أَمكَن الإنسان السلامة فالسلامة خَيْر، لكن يَأتيك بعض الناس، وَيقول لك: أَخبِرْني عن الفَرْق بين الحديث القُدسيِّ والقُرآن. فالفَرْق هو هذا: أن الحَديث القُدسيَّ ليس لَفْظ الله ؛ لأنه لو كان لَفْظ الله لكان مُعجِزًا، ولثَبَت له أحكام القُرآن، بحيث لا يَقرَؤُه جُنُب، ولا يُمَسُّ إلَّا بطَهارة، ولا أحَدَ يَقدِر على تَحريفه، وما أَشبَه ذلك، وهذا كلُّه مُنتَهٍ. فإذا قال قائِل: أَليْس الرسولُ يَقول: قال الله؟ قُلْنا: بلى. أَليْس الله يَقول: قال فِرعونُ، قال مُوسى. وما أَشبَه ذلك وهو بغَيْر لُغَتهم، هذا لا يَمنَع. ثُم لو قُلْنا: إنه كلام الله باللَّفْظ، أَشكَل علينا إِشْكال عَظيم، فإمَّا أن يَكون بواسِطة جِبريلَ، أو بغير واسِطة، فإن كان بغَيْر واسِطة كان أعلى سنَدًا من القُرآن؛ لأنَّ القُرآن بواسِطة جِبريلَ، وإن كان بغير واسِطة، فأي إنسانٍ يَقول: بغير واسِطة. فإنَّه ربما نَخنُقه أو نُعطِيَه كفًّا على الرأس. وإذا جعَله بواسطة والرسول حذَف الواسِطة صار عِندنا إشكال وهو التَّدليس، والرسول ﷺ مُنزَّهٌ عن هذا. فالمَسأَلة كما قلت: أحَدٌ يَقول: إنه كلام الله لَفْظًا ومَعنًى. والثاني يَقول: كلام الله مَعنًى لا لَفظًا، والثالث يَسكُت يَقول: نَقول: قال الله. ونَسكُت، وهذا إذا حصَل للإنسان السلامة فهو أَسلَمُ، لكن كما قُلْت لكم، أحيانًا يَقول لك: لازِم! أَعطِني الفَرْق بين القُرآن والحديث القُدسيِّ، نَقول: هذا الفَرقُ: القُرآن كَلام الله لفظًا ومَعنًى، والحديث القُدسيُّ كلام الله مَعنًى لا لفظًا.

стр. 332

فإن قال قائِلٌ: وحينئذٍ نُطالِبكم بالفَرْق بين الحديث النَّبويِّ والقُدسيِّ؛ لأنَّ الحَديث النَّبويَّ كلام الرسول؟ . فالجواب: هذا سَهْل، الفَرْق بينهما أنَّ الحديث النَّبويَّ لا يُضيفه الرسولُ إلى الله، والحديث القُدسيُّ يُضيفه إلى الله. فانتَهى الإِشْكال في هذه المَسأَلةِ! . ثُم اعلَمْ أن هذه المَقاماتِ إذا حصَّلَت السَّلامة فهي أَسلَمُ، ولكن إذا ابتُليَ الإنسان فلا بُدَّ أن يُفصِّل. ومن ذلك مثَلًا لفظ: الجِسْم، معلومٌ أن جميع المُعطِّلة بنَوْا تَعطيلهم على مَسأَلة الجِسْم، حيث ادَّعَوْا أنهم إذا أَثبَتوا الوجه أو اليَدَ أو ما أَشبَه ذلك فإنه يَقتَضِي أن يَكون الله جِسْمًا، حتى الاستِواء يَقول: إذا أَثبَتْنا أن الله استَوَى فهو جِسْم. ونحن نَقول لهم: ما هذا الجِسمُ الذي جعَلْتُموه دَبُّوسًا مُعلَّقًا تَخرِقون به كل سِياج لإثبات الصِّفات؟ ! إن أَرَدْتُم أنه جِسْم مُكوَّن مَخلوق يُمكِن انفِصال بعضه عن بعض، وبانفِصال بعضِه يَنقُص، وربَّما جَهلِك، فالله مُنزَّهٌ عن هذا ولا شَكَّ، ومَنِ اعتَقَد هذا في ربِّه فهو كافِر، وإن أَرَدْتُم بالجِسم أنه ذو ذاتٍ يَفعَل ما يَشاء، وَيتكلَّم، ويَجيء، ويَنزِل، وَيستَوِي، وَيتَّصِف بالصِّفات اللائِقة به فهذا حقٌّ، لكن من جِهة إثبات لَفْظ الجِسْم أو نَفيه فهذا مَمنوع، لا تَقُل إثباتًا: إن الله جِسْم. ولا نَفيًا: إن الله ليس بجِسْم؛ لأنه لم يَرِد إثباتُه ولا نَفيُه. فهذه مَسائِل يَنبَغي لطالِب العِلْم أن يَفهَمها، فمثَلًا: إذا جادَلَنا إنسان وَيقول: ما تَقول في الجِسْم؟ أَقول: أمَّا باعتِبار لفظه فالواجِبُ الكَفُّ عنه إثباتًا أو نفيًا؛ وأمَّا من جِهة مَعناه فنحن نَستَفصل.

стр. 333

الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: أن كل ما يُدعَى من دون الله فلَيْس له دَعْوة استِحْقاقًا ولا استِجابة؛ لقوله تعالى: ﴿لَا جَرَمَ أَنَّمَا تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الْآخِرَةِ﴾. الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: أنَّ هذه الأَصنامَ لا تَنفَع عابِدِيها، سواءٌ دعَوْها دَعْوة مَسأَلة، أو دعوةَ عِبادة. والفَرْق بين دَعْوة المَسأَلة ودَعْوة العِبادة: أن المَسأَلة يَطلُب فيها الإنسان حاجةً ما، ودُعاء العِبادة يَتعبَّد لله، وإنما كانَتِ العِبادة دُعاء؛ لأن العابِد يَدعو بلِسان حاله أن يُثاب على هذه العِبادة، وَيدُل على ذلك قوله تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي﴾ [غافر: ٦٠]، فقال: ﴿ادْعُونِي﴾ ثُم قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي﴾ فدَلَّ هذا على أن الدُّعاء عِبادة. الْفَائِدَةُ الثَّامِنةُ: إثبات الرّجوع إلى الله ، وأن مرَدَّ الأمور إليه في قوله: ﴿وَأَنَّ مَرَدَّنَا إِلَى اللَّهِ﴾ وهذه الآيةُ لها نَظائِرُ؛ منها قوله تعالى: ﴿وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾، ومنها: ﴿إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ (٢٥) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ﴾ [الغاشية: ٢٥، ٢٦]، ومنها: ﴿يَاأَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ (٦)﴾ [الانشقاق: ٦]، ومنها قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى (٤٢)﴾ [النجم: ٤٢]، والآياتُ في هذا المَعنَى كثيرة، أن مَرجع الخلائِق إلى ربها . الْفَائِدَةُ التَّاسِعَةُ: تَحريم الإسراف، وَجهُ الدَّلالة من الآية: ﴿وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ﴾ [غافر: ٤٣]. الْفَائِدَةُ الْعَاشرَةُ: أن الإِسْراف قد يَصِل إلى حدِّ الكُفْر؛ لقوله: ﴿هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ﴾، ومتى وَجَدت أصحاب النار فهُمُ الذين هم أَهلُها والذين هم مخُلَّدون فيها.

стр. 334

الْفَائِدَةُ الحَادِيَةَ عَشْرَةَ: قُوَّة إيمان هذا الرجُلِ، يُؤخَذ من أنه دَعاهم إلى الله وذكَّرهم أنه بعد دَعْوتهم وإرشادِهم صَدَع للحقِّ، فقال: ﴿وَأَنَّ مَرَدَّنَا إِلَى اللَّهِ وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ﴾. الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ: استِعْمال التَّعْريض: ﴿وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ﴾؛ لأنه لا شَكَّ أنه أوَّل ما يَدخُل في هذه الجُملةِ هَؤلاءِ، لكنه لم يَشَأ أن يَتكلَّم بذلك صريحًا. ومُمكِن أن نَقول: في هذه الآيةِ إظهار في مَوضِع الإضمار. ومُمكِن أن نَقول: هذا تَوْرية. فالإِظْهار في مَوضِع الإضمار من أساليب اللُّغة العرَبية، وهو كَثير في القُرآن، وله فَوائِدُ منها: أ- إرادة العُموم: يَعنِي: ليَعُمَّ الحُكْم مَن استَعمَل في حَقِّه ومَن لم يَستَعمِل. ب- ومنها بيان العِلَّة: التَّعليل؛ لأنه إذا جاء الوَصْف مُعلَّقًا عليه حُكْم من الأحكام دلَّ ذلك على عِلِّيَّة هذا الوَصفِ. ج- ومنها التَّسجيل على هؤلاء الذين كان مُقتَضى السِّياق أن يُذكُروا بالضَّمير بما يَقتَضيه هذا الوَصفُ. فهذه ثلاثُ فَوائِدَ: إرادة التَّعميم، بيان العِلَّة، الحُكْم على هَؤلاء بأنهم مُستَحِقُّون لهذا الوَصْفِ. * * *

стр. 335

الآية (٤٤) * * * * قَالَ اللهُ : ﴿فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ [غافر: ٤٤]. * * * ثُم قال الله ﵎ في بَقيَّة كلام هذا الرجُلِ المُؤمِن: ﴿فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ﴾ [غافر: ٤٤]. السين وسوف كِلاهما يَختَصَّان بالفِعْل المُضارع ومن علاماته، وإذا رأَيْت كلِمة تَقبَل السين وسوف فهي فِعْل مُضارع، لكنَّهما يَفتَرِقان، السين تَدُلُّ على القُرْب، وسوف تَدُلُّ على المُهلَة، فقوله: ﴿فَسَتَذْكُرُونَ﴾؛ أي: عن قَريب، وهي مع إفادتها القُرْب تُفيد التَّحقُّق؛ يَعنِي: أن هذا أَمْر لا بُدَّ أن يَحصُل. قال المفَسِّر ﵀: [﴿فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ﴾ إذا عايَنْتم العَذاب]، وهذا ليس ببَعيد؛ لأن غاية ما بينَهم وبينَه أن تَنتَهيَ آجالهم، وكل آتٍ قَريبٌ، ﴿فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ﴾، وحينئذٍ لا يَنفَعُهم ذلك، كما لو نصَحَك ناصِحٌ عن فِعْل شيء، ثُم لم تَقبَل نصيحته، وبعد ذلك رأَيْت عاقِبَته وَخيمة، فإنك ستَذكُر قول الناصِح، تَذكُره ندَمًا وحُزْنًا. قال: ﴿وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ﴾ الواو هنا للاستِئْناف، ولا يَصِحُّ أن تَكون عاطِفة؛ لأنها لو كانت عاطِفة لكان المَعنَى: وسأُفوِّض أَمْري إلى الله، ولكن هذا

стр. 336

ليس المَعنَى، بل المَعنَى: وأنا أُفوِّض أَمْري إلى الله، فالواو هنا للاستِئْناف، أُفوِّضه إلى الله؛ أي: أَكِلُه إلى الله . وقوله: ﴿أَمْرِي﴾ هذا مُفرَد مُضاف يَعُمُّ والمُراد به الشَّأْن، أي: شَأْني كلَّه، ﴿إِلَى اللَّهِ﴾، وهذا غاية ما يَكون من التَّوكُّل، وسيَأتِي -إن شاء الله- في الفَوائِد. وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ هذه الجُملةُ التَّعْليلية للحُكْم السابِق، وهو قوله: ﴿وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ﴾ كأن قائِلًا يَقول: لماذا فوَّضَ أَمْره إلى الله؟ فأَجابَ بأن الله تعالى بَصير بالعِباد. وقوله: ﴿بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾؛ أي: بأَحْوالهم، وحاضِرهم ومُستَقبَلهم، وجميع شُؤُونهم، فهو جَلَّ وَعَلَا يَعلَم ما بين أيديهم وما خَلْفهم، يَعلَم كل أحوالهم. قال المفَسِّر ﵀: [قال ذلك لمَّا تَوعَّدوه بمُخالَفة دِينه] يَعنِي: كأنهم تَوعَّدوه، فقال: أُفوِّض أَمْري إلى الله. ولكِن التَّوعُّد ليس في الآية دَليل عليه، والظاهِر -واللهُ أَعلَمُ- أنه لم يَقُل ذلك حين تَوعَّدوه، ولكنه قال ذلك حين أَيِسَ من أن يَمتَثِلوا لنَصيحته، فقال كالمُودعِّ لهم: ﴿فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ﴾، وأمَّا أنا فأُفوِّض أَمْري إلى الله؛ لأني قُمْت بما يَلزَمُني من نصيحة، وهذا أكثَرُ ما يَجِب علَيَّ. من فوائدِ الآيةِ الكريمةِ: الْفَائِدَةُ الأُولَى: بَيانُ تَحذير هؤلاء الذين يَنصَحُهم المُؤمِن بأنهم سوف يَذكُرون كلامه، ويَعرِفون أنه الحقُّ، لكن ذلك في حال لا تَنفَعُهم هذه الذِّكْرى. الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: قُوَّة تَوكُّل المُؤمِن حيث قال: ﴿وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ﴾، وهكذا يَجِب على كُلِّ مُؤمِن إذا أَراد أن تُقضَى أُموره وتُسهَّل فلْيُفوِّض أمرَه إلى الله؛ لأن الله

стр. 337

تعالى قال: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق: ٣]، وقال لنَبيِّه ﷺ : ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٦٤)﴾ [الأنفال: ٦٤]، ومَن كان الله حَسْبَه فهو رابِح وناجِح. الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: إثبات عِلْم الله بكُلِّ عِباده؛ لقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ [غافر: ٤٤]، وهذا -كما سَبَقَ- تَفسير يَشمَل الأحوال والأعيان. * * *

стр. 338

الآيتان (٤٥، ٤٦) * * * * قَالَ اللهُ : ﴿فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ (٤٥) النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر: ٤٥، ٤٦]. * * * قال الله تعالى: ﴿فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا﴾ هذا أيضًا يَدُلُّ على رَدِّ كلام المفَسِّر؛ لأنهم لو تَوعَّدوه بالقَتْل لم يَكُن هذا مَكرًا، إذ إن المَكْر هو الإيقاع بالغير من حيثُ لا يَشعُر، أمَّا لو تَوعَّدوه بالقَتْل لم يَكُن هذا مَكْرًا، بل كان هذا صَريحًا واضِحًا. وقوله: ﴿فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا﴾ أي: نَجَّاه من مَكَّرهم السَّيِّئ، فـ ﴿سَيِّئَاتِ﴾ هنا من باب إضافة الصِّفة إلى مَوْصوفها؛ أي: المَكْر السَّيئِّ، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾ [فاطر: ٤٣]، وقوله: ﴿مَا مَكَرُوا﴾ المَكْر والخِداع والغَدْر، وما أَشبَه ذلك؛ كلُّها ألفاظ مُتقارِبة تَدور حول شيء واحِد، وهو أن تُوقِع بغَيْرك من حيثُ لا يَشعُر، فالكَيْد والمَكْر والخِداع والغَدْر والمُحال، وما أَشبَهَها؛ كل هذه ألفاظ مُتَقارِبة. قال المفَسِّر ﵀: [﴿مَا مَكَرُوا﴾ به من القَتْل] بيَّن في هذا أنَّ العائِد على الصِّلة في قوله: ﴿مَا﴾ محَذوف، والتَّقدير: ما مكَروا به. قال المفَسِّر ﵀: [﴿وَحَاقَ﴾ هو نزَل ﴿بِآلِ فِرْعَوْنَ﴾ قومه مَعَه ﴿سُوءُ الْعَذَابِ﴾

стр. 339

الغرَق] (حاقَ) بمَعنَى: نزَل، لكن تَشعُر بأنها ليسَت بمَعنَى: نزَلَ من كلِّ وَجْه، وأن تَفسيرها بالنُّزول تَفسير تَقريبيٌّ، (حاق): القاف قَريبة من الطاء فكأن المَعنَى: حاط بهم، وهذا أَشَدُّ من نزَلَ، فالظاهِر أن (حاقَ) بمَعنَى: نزَلَ محُيطًا بهم، وليسَت بمَعنَى: نزَل على وجه مجُرَّد بدون إضافة مَعنًى. وقوله: ﴿بِآلِ فِرْعَوْنَ﴾ قال المفَسِّر ﵀: [قومِه]، وقال غيرُه: أَتباعِه، والظاهِر أنَّ المعنى مُتقارِب؛ لأن الذين اتَّبَعوه إنما هم قَوْمه، وأمَّا بنو إسرائيلَ فإنهم لم يَتَّبِعوه، بل كان يَذبَح أبناءَهُم ويَستَحْيِ نِساءَهم. وقول المفَسِّر ﵀: [مَعَه] ذكَرَها لئَلَّا يَظُنَّ الظانُّ أن العَذاب نزَل بآل فِرعونَ دونه، ولكن هذا لا يُمكِن أبدًا، إذا كان آلُ فِرعونَ إنَّما نزَل بهم العَذاب؛ لأنهم كفَروا بالله، ففِرعونُ أَكفَرُ بالله من هَؤلاءِ، ثُم إنَّ الظاهِر أن الإنسان إذا قال: أَكرِمْ آل فُلان. فإن فُلانًا هو مُقدَّمهم، ولا بُدَّ أن يَدخُل فيهم لُغَة. وقوله: ﴿سُوءُ الْعَذَابِ﴾ هذا أيضًا من باب إِضافة الصِّفة إلى مَوْصوفها. أيِ المَعنَى: العَذاب السَّيِّئ، وفسَّره المفَسِّر بأنه الغرَق، وهذا لا شَكَّ أنه من سُوء العَذاب، لكن هناك عَذابات أُخرى أُصيب بها آلُ فِرعونَ: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (١٣٠)﴾ [الأعراف: ١٣٠]، وقال تعالى: ﴿(١٣٢) فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ﴾ [الأعراف: ١٣٢، ١٣٣]، كل هذا من سُوء العَذاب؛ الطّوفان ليُغرِق ما بُذِر من نَباتهم، والقُمَّل لأَجْل أن يَفسُد ما ظَهَر، والضَّفادِع لتُفسِد الماء؛ لأنَّهم صاروا كلَّما أَخَذوا إناءً يَشرَبونه وجَدوا هذه الضِّفادِعَ قد ملأته، والدم هو نَزيف الدَّمِ إمَّا من الأنف أو من غيره، فعُوقِبوا من كل وَجْه، ففي الزُّروع: غَرَق،

стр. 340

وفيما ما ادخَّروه: قُمَّل، وفي الماء: ضَفادِعُ، وبعد أن يَصِل إلى الجِسْم ويَتَغذَّى به الجِسم: يَخرُج يَنزِف دمًا، فهَلكوا. وهذا فيه التَّرْتيب والدرَجات: الطُّوفان غرَق الزُّروع، والجَراد تَأكُل الزرع، الطوفان يُغرِق ما بُذِر، والجراد يَأكُل ما ظهَر، والقُمَّل يُفسِد ما ادُّخِر، والضَّفادِع تُفسِد الماء، والدمُ وهو النَّزيف تُذهِب ما حصل من الغِذاء بالطَّعام الذي يُقدَّر أنه سلِمَ من هذه الآفاتِ، فهذا من سوء العَذاب، والنِّهاية هي الغَرَق: أنَّ الله أَغرَق آل فِرعونَ بالبَحْر. وقوله: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾ هذه الجُملةُ مُستَأنفة، فـ ﴿النَّارُ﴾ مُبتَدَأ، و ﴿يُعْرَضُونَ﴾ الجُمْلة خبَرُها. وقوله: ﴿يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾، ليس مَعناها أنها تُحرِقهم؛ لأن الله لو أَراد ذلك لقال: النار يَصلَوْنها غُدُوًّا وعَشيًّا، لكنهم يُعرَضون عليها، فيَأتِيهم مِن سَمومها وعَذابها ما لا يُطيقون -والعِياذُ بالله- يُعرَضون عليها غُدُوًّا في الصباح، وعَشِيًّا في المَساء، والظاهِر أنَّ المُراد الدوام، ويُحتَمَل أن المُراد هذان الوَقْتان فقَطْ. فأمَّا الأوَّل: فقَدْ يُستَدَلُّ له بقوَّل الله ﵎: ﴿وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ [مريم: ٦٢] يَعنِي في كل الزَّمَن. وأمَّا الثاني: فيُمكِن أن يُقال: إن هذا ظاهِر اللَّفْظ؛ أي: في أوَّل النَّهار وآخِره، وأنهم يُعرَضون على النار أوَّل النهار، ثُم إذا صُرِفوا عنها أَمَّلوا أنَّها لا تَعود إليهم فتَعود إليهم، فيَكون هذا أشَدَّ من الاستِمْرار؛ لأنَّ كون الإنسان يُؤمِّل ارتفاع العَذاب عنه ثُم يَعود أشَدَّ من كَوْنه مُستَمِرًّا آيِسًا من زواله؛ ولهذا قال الله تعالى في أصحاب النار: ﴿كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا﴾ [السجدة: ٢٠].

стр. 341

قال المفَسِّر ﵀: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ﴾ يُقال: "ادْخُلوا" يا ﴿آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ هذه قِراءَة] ﴿أَدْخِلُوا﴾ أَمْر والمَقْصود به الإهانة والإِذْلال، بخِلاف قوله تعالى لأهل الجَنَّة: ﴿ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِينَ (٤٦)﴾ [الحجر: ٤٦] هذه للإِكْرام، أمَّا هذه: "ادْخُلُوا آلَ فِرْعَونَ" هذه للإِهانة، والعِياذُ بالله. وقوله: ﴿آلَ﴾ فسَّرها المفَسِّر بقوله: [يا آلَ] إشارة إلى أنها مَنصوبة بـ (يا) النِّداء المحذوفة، ادْخُلوا يا آلَ فِرعونَ، قال ﵀: [وفي قِراءة بفَتْح الهمْزة وكَسْر الخاء، أَمْر للمَلائِكة]: ﴿أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ﴾، يَعنِي: ويوم القِيامة يُقال للمَلائِكة: ﴿أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾. قال المفَسِّر ﵀: [﴿أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ عَذاب جَهنَّمَ] نَسأَل الله العافِيةَ. من فوائِدِ الآيتين الكريمتين: الْفَائِدَةُ الأُولَى: أنَّ الله يَكفِي مَن تَوكَّل عليه، فيَحمِيه من عَدوِّه؛ لقول الله تعالى: ﴿فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا﴾. الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: التَّحذير من أَعْداء المُسلِمين؛ لقوله: ﴿مَا مَكَرُوا﴾، وأن أَعداء المُسلِمين قد لا يُواجِهونهم بالعَداوة، ولكنَّهم يَمكُرون بهم، فلْيَحذَر المُؤمِن مَكْر أَعداء الله، وهذا في القرآن كثير، قال الله تعالى لنَبيِّه ﷺ : ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (٣٠)﴾ [الأنفال: ٣٠]، وقال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا (١٥) وَأَكِيدُ كَيْدًا (١٦) فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا﴾ [الطارق: ١٥ - ١٧]. ومن مَكْر أعداء الله أنَّهم لا يُجابِهون المُسلِمين بالعَداوة؛ لكنهم يَغزونَهم من

стр. 342

حيثُ لا يَشعُرون؛ بالأفكار المُنحَرِفة، والأخلاق السَّيِّئة، كما تُشاهِدون الآنَ وتَسمَعون ما يَفعَل أعداء المُسلِمين بالمُسلِمين، يَجُرُّون إليهم الأخلاق السافِلة من وَسائِل الإعلام المَرئِيَّة والمَقروءَة والمَسموعة، يُوفِدون إليهم كل ما يُخالِف دِين الإسلام في المَلابِس وغير المَلابِس، يُغرُونهم بالأموال الطائِلة؛ لإذهاب أَوْقاتهم سُدًى بلا فائِدةٍ، كمَسأَلة الرِّياضة وما أَشبَهَها. فالمُهِمُّ: أن أعداء المُسلِمين يَمكُرون بهم مَكْرًا عَظيمًا، والمُسلِمون إمَّا أنهم لا يَهتَمُّون بهذا المَكْرِ، أو أنهم لا يَعرِفونه، ولكن الواجِبُ علينا أن نَحذَر. الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: أن الله تعالى يُجازِي المُحسِن بإحسانه ويُجازِي المُسِيء بإساءَتِه، وتَكون إجازة المُسِيء بإساءَته في الحَقيقة مجُازاة للمُحسِن؛ لأن أَخْذ أعدائِك بالعَذاب هو في الحقيقة انتِصار لك وأنت تَفرَح بذلك، يُؤخَذ ذلك من قوله: ﴿فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ (٤٥)﴾ [غافر: ٤٥]، فبَيَّن الله تعالى جَزاءَ هذا وجَزاءَ هؤلاءِ. الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: إثبات عَذاب القَبْر؛ لقوله: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾. وعَذاب القَبْر ثابِت بالقُرآن والسُّنَّة والإِجْماع: أمَّا القُرآن: ففي مِثل هذه الآية: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾، ثُم قال: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا﴾؛ لأن قوله: (يَوْم) ظَرْف زمان مُتعَلِّق بما بعدَه، المُتعَلِّق بالفِعْل "ادْخُلُوا" أو ﴿أَدْخِلُوا﴾، وهذا لا يَكون إلَّا بعد يوم القِيامة، وعَرْضهم على النار غُدُوًّا وعَشيًّا يَكون قبل يوم القِيامة، ففيه إثبات عَذاب القَبْر، قلتُ لكم: إنه ثابِت بالقُرآن والسُّنَّة والإجماع، أمَّا القُرآن ففي مثل هذا.

стр. 343

ومن أَدِلَّة القُرآن قولُ الله ﵎: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ﴾ [الأنعام: ٩٣] (اليَوْمَ) هنا (أل) للعَهْد الحُضوريِّ، يَعنِي: هذا اليومُ الذي هو يوم مَوتِكم، فدَلَّ ذلك على ثُبوت عَذاب القَبْر. أمَّا السُّنَّة: فهي مُتَواتِرة في ذلك كثيرة على وُجوهٍ مُتَنوِّعة عامَّة وخاصَّة: فمن الخاصَّة: قولُه ﷺ حين مَرَّ بقَبْرين يُعذَّبان: "إِنَّهُما ليُعَذَّبَانِ وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ" (١). وأمَّا الإِجْماع: فكل المُسلِمين يَقولون في صَلَواتهم: أَعوذُ بالله من عَذاب جَهنَّمَ ومن عَذاب القَبْر؛ وهذا أَمْر لا إشكالَ فيه وهو من عَقيدَتِنا. فإن قال قائِلٌ: هل العَذاب يَكون على البدَن أو على الرُّوح، أو عليهما جميعًا؟ فالجَوابُ: ظاهِر السُّنَّة أن العَذاب يَكون على البدَن حين مُساءَلة المَلَكين، فإن النَّبيَّ ﷺ أَخبَرَ أن المُنافِق والمُرتاب يَقول: "لا أَدرِي سمِعْت الناس يَقولون شَيْئًا فقُلْتُه، فيُضرَب بمِرْزَبَّة من حَديد فيَصيحُ صَيْحة يَسمَعها كُلُّ شَيءٍ إلَّا الثَّقَلين الإنسَ والجِنَّ فإنهم لا يَسمَعونه، وكلُّ شيء يَسمَعُه" (٢). والمُراد بذَلِك من قرُبَ منها بحيث يَسمَع، أمَّا مَن كان في أَقْطار الدنيا البَعيدة فلا، وهذا يَدُلُّ على أن الذي يُعذَّب حين المُساءَلة البَدَن؛ لقوله: (فيُضرَب).

стр. 344

أمَّا بعد ذلك فالأصل أن العَذاب على الرُّوح، وقد تَتَّصِل بالبدَن، كما قال ذلك شيخُ الإسلام ابنُ تَيميَّةَ (١) ﵀، وإن شِئْنا قُلْنا: هذا بَحْث لا طائِلَ تَحتَه، ولم يَسأَل عنه الصحابة، فنُثبِت عَذاب القَبْر على حَسب ما جاء في الكِتاب والسُّنَّة لا نَزيد ولا نَنقُص. مسألة: بعض النَّصارى أرد أن يضع جهازًا في القبر، ويَقول: نحن نُريد أن نُصدِّق هل كلامُكم صَحيحٌ أيها المُسلِمون حينما تَقولون: إن عَذاب القَبْر ونعيم القَبْر ثابِت؛ فما الرد عليه؟ نَقول: لو أَرادَ الله أن يَسمَعوه بالمُسجِّل لأَسمَعَكم إيَّاه بآذانِكُم، وما أنتم بمُصدِّقين. الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: وجود النار؛ لقوله: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾، ووجودها ثابِت في القرآن والسُّنَّة، وقد رأَى النَّبيُّ ﷺ النار حين عُرِضت عليه وهو يُصلِّي بالناس صلاةَ الكُسوف (٢)، ورأَى فيها مَن يُعذَّب، فالنار مَوْجودة الآنَ. الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: إثبات قِيام الساعة؛ لقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ﴾، ونحن نُؤمِن بالساعة وأنَّها ستَقوم، وسيُبعَث الناس، وبهذا نَعرِف أن ما يَذكُره بعض الناس اليوم حين يَموت الرجُل فيُدفَن يَقولون مثَلًا: إنهم ذهَبوا به إلى مَثواهُ الأخيرِ. هذه الكلِمة كلِمة كُفْر، إذا قلت: إلى مَثواهُ الأَخيرِ. فهذا يَعنِي أنَّه لا بَعثَ بعد ذلك، وأن هذا آخِر مَرحَلة للإنسان، وليس الأمر هكذا، ولهذا نَقول: إنَّ مَن قال هذه الكلِمةَ

стр. 345

وهو يَعرِف مَعناها ويُريده فإنه كافِر؛ لأنه مُنكِر للبَعْث، أمَّا مَن قالها وقال: إلى مَثواهُ الأخيرِ. باعتِبار الدُّنْيا المُشاهَدة فهذا صحيح، لكن ظاهِر العِبارة الكُفْر؛ ولهذا يَجِب التَّحرُّز منها، ويُقال مثَلًا: ذهَبوا به إلى قَبْره، ذهَبوا به إلى محَلِّ زِيارته. الواقِعُ أنَّ القَبْر زِيارة، قال الله تعالى: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (١) حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ﴾ [التكاثر: ١ - ٢] , ولمَّا سمِع أعرابيٌّ رجُلَّا يَقرَؤُها قال: والله إن الزائِرَ ليس بمُستَقِرٍّ. يَعنِي أن هُناك شَيْئًا وراءَ هذا القَبرِ، وصدَقَ، الزائِرُ ليس هو مُستَقِرًّا، يَزور ويَمشِي. الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: إهانة الكُفَّار؛ إهانة بدَنية، وإهانة قَلْبية، تُؤخَذ من تَوْبيخهم وإهانَتِهم: ﴿أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ﴾، ولا شَكَّ أن قُلوبهم تَتَأثَّر بهذا، وستَجِد الحسْرة والنَّدامة -والعِياذُ بالله -. الْفَائِدَةُ الثَّامِنةُ: التَّبْكيت على آل فِرعونَ، كأنه قال: ادْخُلوا -آلَ فِرعونَ- وانظُروا هل يَنفَعُكم أن تَكونوا من آلِهِ أو لا، ففيها نوعُ تَبكيت لهؤلاءِ. الْفَائِدَةُ التَّاسِعَةُ: أنَّ النار أشَدُّ العَذاب، وأن كل ما قَبْلها أَهوَنُ منها؛ لقوله: ﴿أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾، ولا شَكَّ أنها أشَدُّ العَذاب، كذلك نَقول بالنِّسبة للنَّعيم: ما يَجِده المُؤمِن من النَّعيم في القَبْر، فليس بشيء بالنِّسبة لما يَجِده يوم القِيامة، فأَكمَلُ النَّعيم يَكون بدُخول الجنَّة وما قَبلَه فهو كالتَّقدِمة بين يديه. فإن قال قائِل: هل يُستَدَلُّ على عَذاب القَبْر بما يَراه الإنسان في مَنامه من الأحلام والمَنامات؟ فالجَوابُ: لا يُستَدَلُّ، لكن يُستَدَلُّ به على دَفْع دَعوى أهل الإِلحْاد؛ حيث قالوا: إنَّكُم تَقولون: إن الميَت يُقعَد في قبره ويُعذَّب. ونحن نَحفُر القَبْر ونَجِد أن الميِّت باقٍ على ما هو عليه.

стр. 346

فنردُّ عليهم بأنَّ هذا النائِمَ يَرَى أنه مُعذَّب، وأنه مُنعَّم، وأنه ذهَبَ، وأنه جاءَ وهو على فِراشِه لم يَتغيَّر، حتى اللِّحاف ما سقَط عن ظَهْره، فنَقول: قِسِ الغائِب بالحاضِر، ثُم لو كان عذابُ القَبْر يُدرَك بالاطلاع عليه لم يَكُن إيمانًا بالغَيْب، لكان إيمانًا بالشَّهادة، والإيمان بالشَّهادة لا يَنفَع، يَعنِي: الإنسان إذا عايَن الشيء فإنَّ إيمانه به لا يَنفَع، فتَرَى الكافِرين عند حُضور الأَجَل يُؤمِنون، ولكن لا يَنفَعهم ذلك، فِرعونُ لمَّا أَدرَكه الغرَقُ قال: ﴿آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [يونس: ٩٠]. انظُرْ إلى هذا الحدِّ: اعتَرَف لله تعالى بالتَّوحيد، ثُم اعتَرَف أنه تابعٌ لبَني إسرائيلَ؛ لقوله: ﴿آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ﴾، ولم يَقُل: لا إلهَ إلَّا الله. إشارة إلى أنه ذُلَّ حتى صار تابِعًا لبني إسرائيلَ بعد أن كان مُتجَبِّرًا عليهم. فإن قال قائِل: هل يَجوز تَعزِية المُسلِمين للكُفَّار؟ فالجَوابُ: العُلَماء يَقولون: لا بأسَ أن يُعزَّى الكافِر. وبعضُهم يَقول: لا يَجوز. وبعضُهم فصَّل قال: إن فعَلوا بنا ذلك فعَلْنا اعتِمادًا على قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ [النساء: ٨٦] وهذا أَقرَبُ: أنهم إن كانوا يَفعَلون بنا ذلك فعَلْنا، ولكن هل نَقول: عظَّمَ الله أَجْرك، وأَحسَن الله عَزاءَك، وغَفَر لميِّتك؟ لا نَقول هذا، نَقول: هَداك الله إلى الإسلامِ، وجَبَر مُصيبَتَك. فقَطْ، ومَيِّته لا نَقول: غفَرَ الله له. لأنه من أَهْل النار. * * *

стр. 347

الآيتان (٤٧، ٤٨) * * * * قَالَ اللهُ : ﴿وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا نَصِيبًا مِنَ النَّارِ (٤٧) قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُلٌّ فِيهَا إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ﴾ [غافر: ٤٧، ٤٨]. * * * قال الله ﵎: ﴿وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا﴾ ﴿وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ﴾ يَعنِي: يَذكُر إذ يَتَحاجُّون في النار؛ أي: يُدلِي كلُّ واحِد منهم بحُجَّته، و (إذ) ظَرْف عامِله محَذوف قدَّره المفَسِّر ﵀ بقوله: [اذكُرْ إِذْ يَتَحاجُّون]. وحَذْف ما يُعلَم كثيرٌ في القرآن وفي اللُّغة العرَبية، لكن التَّرتيب والزَّحْلقة هذا قليلٌ، إلَّا أني قُلتُ: إن الإِخْلال بالتَّرْتيب هنا أَيسَرُ للإنسان؛ لأنه أحيانًا حَقيقة تَرِد عليك آياتٌ لا تَدرِي بما تُقدَّر، إلَّا أن تَقول: إن عرَفْت التَّقدير فاسلُكِ الأَقعَد، وإن لم تَعرِف فاسلُكِ الأَسهَل؛ لتكون مُتَتبِّعًا للرُّخَص -يَعنِي: رُخَص النَّحويين- فلا مانع في هذا، نحن قُلنا قاعِدةً مُفيدة فيما إذا اختَلَف النَّحويُّون في شيء فالصَّواب الأَسهَل. والمُحاجَّة هي المُخاصَمة وإدلاء كلٍّ بحُجَّته على الآخَر، وقوله: ﴿فِي النَّارِ﴾ يُفيد أن هَؤلاءِ المتخاصِمين هم أهل النار، وهي مُتعلِّقة بـ ﴿يَتَحَاجُّونَ﴾.

стр. 348

ثُم بيَّن هذه المُحاجَّةَ فقال: ﴿فَيَقُولُ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا﴾ الضُّعَفاء إمَّا في المال، وإمَّا في الشرَف والسِّيادة، وإمَّا في غير ذلك، مِمَّا يُعَدُّ ضَعْفًا، والغالِب أن الضَّعيف يَتبَع القَويَّ وقوله: ﴿لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا﴾؛ أي: تَكبَّروا من الكِبْرياء والعظَمة، والسين والتاء فيها للمُبالَغة ﴿إِنَّا كُنَّا﴾ يَعنِي: في الدُّنيا ﴿لَكُمْ تَبَعًا﴾ قال المفَسِّر ﵀: [جَمْع تابعٍ] أي: مُتَّبِعين ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا نَصِيبًا مِنَ النَّارِ﴾ يَعنِي: هل تُجازونَنا على مُتابَعَتِنا إيَّاكُم بأن تَتَحمَّلوا عنَّا شيئًا من النار؟ وقولهم: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ﴾ قال المفَسِّر ﵀: [دافِعون ﴿عَنَّا نَصِيبًا مِنَ النَّارِ﴾ جُزءًا من النار]. انظُرْ كيف يَتَوسَّل هؤلاءِ الضُّعفاءُ إلى الذين استكْبَروا، كيف يَتَوسَّلون إليهم بما قدَّموا من مُتابَعَتهم، ليَتَحمَّلوا عنهم نصيبًا من النار، فكان جَوابُ الذين استكْبَروا: وقوله: ﴿إِنَّا كُلٌّ فِيهَا إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ﴾ وإذا كُنَّا كلًّا فيها فكَيْف نُغنِيكم نصيبًا من النار؟ ! وهذه حُجَّة ببَيان الواقِع. وقولهم: ﴿إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ﴾ حكَم بينهم بحُكْمه الجَزائِيِّ؛ لأن أَحكام الله ثلاثة: قدَريٌّ، وشَرعيٌّ، وجَزائيٌّ. والجَزائيُّ من القدَريِّ في الواقِع، لكن بعض العُلَماء يَجعَله مُنفَصِلًا لأهمِّيَّته؛ لأنه هو الغاية، وقوله: ﴿حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ﴾ يَعنِي: بين الناس عُمومًا، يَعنِي: بين أهل النار وأهل الجنَّة فالعُبودية هنا بمَعنَى العُبودية العامة الشامِلة؛ لأن العُبودية عامَّة وخاصَّة. من فوائِدِ الآيتين الكريمتين: الْفَائِدَةُ الأُولَى: تَعادِي الكُفَّارِ بعضِهم مع بعضٍ، وأن القويَّ مِنهم لا يَرحَم الضعيف لقوله: ﴿وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ﴾.

стр. 349

الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أن هَؤلاءِ الكُفَّارَ أَدلَوْا بمعروف للمَتبوعين، وهم أنهم كانوا لهم تَبَعًا؛ ليَتوَسَّلوا به إلى أن يَأخُذوا عنهم نَصيبًا من النار، ففيه دليلٌ على تَوسُّل الإنسان بجَميل عطائه على الغير، ولكن هل يُعَدُّ هذا من المِنَّة؟ الجواب: الواقِع أن الذي يُبيِّن أنه تَوسُّل أو مِنَّة هو القَرائِن، قد يكون هذا مِنَّة، وقد يَكون هذا تَوسُّلًا مِثلما رَحِمْتك وأَعطَيْتك وأَحسَنت إليك فأَحسِنْ إليَّ، فيَكون هذا من باب التَّوسّل. الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: أن الضُّعفاء دائِمًا يَكونون أتباعًا للأقوياء؛ لقوله: ﴿فَيَقُولُ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا﴾ [غافر: ٤٧]؛ ولهذا يتبَيَّن لنا الآنَ أن تَقليد المُسلِمين للكُفَّار يعنِي: ضَعفهم أمامهم؛ لأن الضَّعيف دائِما يُقلِّد القويَّ؛ لضَعف شَخصيته أمامه، وأنه يَجِب على المُسلِمين أن يَكون لهم مَيْزة خاصَّة، وأن يَكون لهم قوَّة ذاتية؛ لأن القُوَّة معهم، هم أهل الدِّين، هم أهل الحَقِّ، وهم الذين عرَفوا الحياة، وهم أهل الحياة في الواقِع. الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أن هَؤلاءِ الأتباعَ يَتمنَّوْن أن يَأخُذ المَتبوعين نَصيبًا، ولو قليلًا من عَذاب النار عنهم، والدليلُ أنه يُريدون ولو قليلًا قولهم: ﴿نَصِيبًا﴾. الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: أن المُستكبِرين يَعتَذِرون بأنه لا طاقةَ لهم في ذلك؛ لأن الجَميع في نار جَهنَّمَ فكيف يَأخُذون نصيبًا عنهم، نعَمْ لو كانوا ليسوا في نار جَهنَّمَ ثُم يَسقُطون في النار من أَجْل أن يُغنُوا عن هَؤلاءِ نَصيبًا لأَمكَن، لكن ما دام الجميعُ في النار فإن طلَبَ تَحقيق ذلك طلَبُ شيء مُستَحيل. الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: بَيان خُنوع هؤلاءِ المُستكْبِرين يوم القِيامة، لقولهم: ﴿إِنَّا كُلٌّ فِيهَا﴾ يَعنِي: الآنَ ليس لنا فَضْل عليكم وليس لكم فَضْل علينا كلٌّ في نار جَهنَّمَ.

стр. 350

الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: إقرار هَؤلاءِ المُعذَّبِين في النار بأن الله قد حكَم بين العِباد حُكْمًا عدلًا؛ لقولهم: ﴿إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ﴾. الْفَائِدَةُ الثَّامِنةُ: أنه إذا نفَذ حُكْم الله فإنه لا يُمكِن رَفعُه ولا دَفْعه؛ لقولهم: ﴿إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ﴾ وفي هذا يَقول الله في سورة (ق): ﴿قَالَ لَا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ (٢٨) مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [ق: ٢٨ - ٢٩]، إذا انتَهى حُكْم الله فلا مُعطِّل لحُكْمه. الْفَائِدَةُ التَّاسِعَةُ: إقرارُ هَؤلاءِ المُعذَّبين في نار جَهنَّمَ أنهم من عِباد الله، لكن المُراد بالعِبادة العِبادة العامَّة، وهي العِبادة الكَوْنية؛ لأن العِبادة نَوْعان: عامَّة وهي العُبودية الكَوْنية، وخاصَّة وهي العُبودية الشَّرْعية. فمَن خضَع لله شرعًا فهو عابِد شرعًا وكذلك كونًا، ومَن تَكبَّر عن عِبادة الله شرعًا فهو عابِد كونًا وليس عابِدًا شرعًا. قال المفَسِّر ﵀: [فأَدخَل المُؤمِنين الجَنَّة، وأَدخَل الكافِرين النار] المَعنَى أعَمُّ مِمَّا قاله ﵀، حكَم بين العِباد بين أَهْل الجَنَّة والنار، وبين أَهْل النار بعضِهم البعض، وحكَم حُكْمًا عامًّا. مسألة: ما هو الدَّليلُ على الشَّهادة لشَخْص بالجَنَّة؟ فالجَوابُ: الدَّليل إذا شَهِد رسول الله له بالجَنَّة شهِدنا له. ومَن شَهِد له الرسول ﷺ مثل حاطِب بن أبي بَلْتعةَ ﵁، فهذا نَقول: هو مَغفور له، ولكن لا شَكَّ أنَّه إذا كان حاطِبٌ مَغفورًا له أنَّ أبا بَكْر وعُمرَ وعُثمانَ ﵃ أَوْلى من ذلك.

стр. 351

فإن قال قائِل: ما رأيُكم فيما ذهَب إليه شيخُ الإسلام؟ فالجوابُ: هذا رَأْي قُوِيٌّ لا شَكَّ، يَعنِي: ما ذهَب إليه شيخ الإسلام مُؤيَّد بالحديث "أَنْتُمْ شُهَدَاءُ الله فِي الْأَرْضِ" (١) وإذا كانَتِ الأُمَّة - أو غالب الأُمَّة - أَجمَعوا على ذلك، فهو كافٍ، لولا أنه يُخشَى من مسألة، وهو أنه يَأتينا أهل الفِرَق الضالَّة وَيقولون: نحنُ مجُمِعون على الشَّهادة لفُلان بكذا وكذا. وهو رَأْس بِدْعة، وهم يَدَّعون أنهم أَهْل حَقٍّ، لكن يُمكِن الانفِكاك عن هذا الإيرادِ، بأن نَقول: هَؤلاءِ لا تُقبَل شهادَتُهم؛ لأنَّهم على باطِل وعلى ضَلال، والمُراد شَهادة أهل الحَقِّ. فـ"كلُّ الصَّحابة في الجنَّة" على سَبيل العُموم، قال تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ [الحديد: ١٠]. مسألة: إذا قال قائل: إذا قُتِل المُسلِم في المَعرَكة قُلْنا: إنَّنا نَحسَبه شَهيدًا ولا نُزكِّي على الله أحَدًا؟ فالجَوابُ: لا تَقُل: أَحسَبه شَهيدًا. قُلْ: مَن قُتِل في سبيل الله فهو شَهيد، كما قال عُمرُ ﵁، عُمرُ خطَب الناس قال: إنَّكم تَقولون: فُلان شَهيدٌ، وفُلان شَهيدٌ. ورُبَّما يَكون فعَل كذا وكذا، ولكن قولوا: مَن قُتِل - أو مات - في سَبيل الله فهو شَهيد (٢).

стр. 352

الآيتان (٤٩، ٥٠) * قَالَ اللهُ : ﴿وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ (٤٩) قَالُوا أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا بَلَى قَالُوا فَادْعُوا وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ﴾ [غافر: ٤٩ - ٥٠]. * * * قال المفَسِّر ﵀: [أي: قَدْر يَوْم ﴿مِنَ الْعَذَابِ﴾]، استَمِعْ إلى هذا النِّداءِ الدالِّ على البُؤْس واليَأْس: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ﴾ جَمْع خازِن، وهمُ الذين قاموا على خِزانتها وحِمايتها وحِفْظها؛ لأن النار لها خزَنة، وكذلِك الجَنَّة لها خزَنة، وكل أَمْر محُكَم، ويُؤتَى بجَهنَّمَ يوم القِيامة تُقاد بسَبعينَ ألفَ زِمامٍ، كل زِمامٍ يَقودُه سَبعون ألفَ ملَكٍ، وما أَدراكَ ما الملائِكة وما قُوَّتهم، فهذه النارُ محُكَمة لها خزَنة، ولها قُوَّاد يَقودونها يوم القِيامة. وقوله: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ﴾ وجَهنَّمُ اسمٌ من أسماء النار، قيل: إنها عرَبية. وقيل: إنها عجَمية. فعلى القَوْل بأنها عرَبية تَكون مَأخوذة من الجهمة وهي الظُّلْمة؛ لأن النار سَوداءُ مُظلِمة - أَعاذَنا الله وإيَّاكم منها - وعلى القول بأنها أَعجَميَّة يُقال بأن أَصلَها: كَهَنَّام، ولكِنَّها عُرِّبت حتى صارَت: جَهنَّم، وهي من أسماء النار. يَقول: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ﴾ وَيقولون هذا - واللهُ أعلَمُ -

стр. 353

حين يَقولون لرَبِّهم : ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ (١٠٧) قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون: ١٠٧ - ١٠٨] حينَئِذٍ يَتوسَّلون بغَيْرهم أن يُكلِّموا الله، يَقولون: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ﴾ ولم يَقولوا: ادْعُوا ربَّنا؛ لأنهم قد كُسِروا من جِهة ربِّهم، قال لهم: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ لكِن تَوسَّلوا بعد ذلك بدُعاء بطلَب من المَلائِكة أن يَدْعوا الله لهم ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ﴾. قوله: ﴿يُخَفِّفْ﴾ بالجزْم جَوابًا للأَمْر وهو قوله: ﴿ادْعُوا﴾ وأَقول: للأَمْر باعتِبار صِيغته، وإلَّا فهو في الحقيقة دُعاءٌ وسُؤال ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ﴾ طلَبوا تَخفيفًا لا رَفْعًا، وطلَبوا يومًا لا دوامًا؛ لأنهم آيِسون، لكن قال: لعَلَّ المَسأَلة تَنفَع ولو بتَخفيف يوم من العَذاب، نَسأَل الله العافِيةَ. ومُقتَضى هذا أنَّهم في أشَدِّ ما يَكون من العَذاب، وأنهم طلَبوا أن يَستَريحوا ولو يومًا. قوله: ﴿يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا﴾ قال: المفَسِّر ﵀: [أي: قَدْر يَوْم] وإنَّما قال [قَدْر يَوْم من العَذاب]؛ لأنه في يوم القِيامة ليس هناك يوم ولا ليل، الشمس والقمَر مُكوَّران في نار جَهنَّمَ وكل شيء من أُمور الدنيا مُنتَهٍ ليس هناك إلَّا أَمْر الآخرة، سُبحانَ الله! . ﴿قَالُوا﴾ قال المفَسِّر ﵀: [أيِ: الخَزَنة تَهكُّمًا] هكذا قال المفَسِّر [تَهكُّمًا] ويُحتَمَل أنهم قالوا ذلك تَقريعًا وتَوْبيخًا وتَنديمًا، ليس تَهكُّمًا؛ لأن الأمر واقِع فهم يُقرِّرونهم بشيء حاصِل تَنديمًا لهم؛ ليَزدادوا حُزنًا. فإن قال قائِلٌ: ما الفَرْق بين التَّوْبيخ والتَّقْريع؟

стр. 354

فالجَوابُ: لا أَعرِفُ بينهما فَرْقًا، اللَّهُمَّ إلا أن يَكون فَرْقًا قليلًا، أو يُقال: التَّوْبيخ على أَمْر مَضَى، والتَّقريع هو التَّنديم هو على أَمْر حاضِرٍ. ﴿أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ [غافر: ٥٠] قال المفَسِّر ﵀: [بالمُعجِزات الظاهِرات] لَيْتَه قال: "بالآيات الظاهِرات"؛ لأن الرسُل جاؤُوا بالآيات لا بالمُعجِزات، لكِنَّ الآياتِ أَمْر خارِق للعادة، فهي مُعجِزة، وقد بيَّنَّا في كرامات الأَوْلياء في التَّوْحيد أن الأَوْلى أن يُسمَّى ما جاءَت به الرُّسُل من الدَّلالة على وَصْف رِسالتهم آيات. قوله: ﴿بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا بَلَى﴾ قال المفَسِّر ﵀: [أي: فكَفَروا بهم] ﴿قَالُوا فَادْعُوا﴾ هذا التَّهكُّمُ. قوله: ﴿قَالُوا أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ مثل هذا التَّعبيرِ يَقَع كثيرًا في القُرآن؛ أي أن الهَمْزة تَأتِي ثُم يَأتِي بعدها حرف عطف، مثل ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا﴾، ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا﴾ ﴿أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ﴾ وما أَشبَهَ ذلك، فكَيْف نَقول: في إعرابها؟ نَقول: في إعرابها وَجْهان للنَّحوِيِّين: الوَجهُ الأوَّل: أن الجُملة مَعطوفة على ما سبَق، وأن الواو مُقدَّمة على محَلِّها، وأن التَّقدير في ﴿أَوَلَمْ تَكُ﴾: وأَلَمْ تَكُ، وهذا الوَجهُ ليس فيه إلَّا دعوى التَّقديم والتَّأخير، لكنه سَهْل يَعنِي: يَسهُل أن تَقول: هذا مَعطوف على ما سبَقَ. وقال بعضُهم: إن الهَمْزة داخِلة على جُملة مَحذوفة، فالجُمْلة مُستَأنَفة هذه الجُملةُ يَكون تَقديرها بحَسب السِّياق، ففي قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا﴾ [الروم: ٩]، التَّقدير: أَغفَلوا ولم يَسيروا، وهذا من حيثُ القَواعِد أَقعَدُ، ولكن تواجهك أحيانًا

стр. 355

آيات لا تَستَطيع أن تَعرِف ما هو المُقدَّر، فصار هذا أَقعَدَ، وذاك أَسهَلَ. وقوله: ﴿أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ﴾ الاستِفْهام هنا للتَّقرير، ويُقال: كلَّما دخَل الاستِفْهام على نَفيٍ فهو للتَّقرير، كقوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ [الشرح: ١]، ﴿أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى﴾ [القيامة: ٣٧]، ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ ذِي انْتِقَامٍ﴾ [الزُّمَر: ٣٧] وما أَشبَه ذلك، يَقولون: كلَّما دخَل الاستِفْهام على النَّفيِ فهو للتَّقرير، إِذَنْ نحن نَقول: للتَّقرير، لكن هل يَخرُج عن مَعنى التَّقرير، أو يَضُمُّ إلى مَعنَى التَّقرير مَعنًى آخَرَ بحَسب السِّياق؟ الجوابُ: نعَمْ، ففي قوله: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ هو للتَّقرير؛ إظهارًا لمِنَّة الله عليه، وقوله: ﴿قَالُوا أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ﴾ [غافر: ٥٠] للتَّقرير تَوْبيخًا وتَنْديمًا. قوله: ﴿قَالُوا بَلَى﴾ جَوابُ الاستِفْهام المَقرون بالنَّفيِ، الإثبات بـ (بَلى) وجَوابُ الاستِفْهام غير المَقرون بالنَّفيِ الإثبات بنَعَمْ، وجوابُ الاستِفْهام المَقرون بالنَّفيِ في حال النَّفيِ نعَمْ، وجَواب الاستِفْهام المَقرون بالإثبات في حال النَّفيِ لا، اعرِفوا الفَرْق يُقال: إن ابن عبَّاس ﷺ وعن أبيه قال في قول الله ﵎: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ [الأعراف: ١٧٢] قال: لو قالوا: نعَمْ. لكَفَروا. قال الفُقَهاء: لو قيل للرجُل: أَلسْت قد طلَّقْتَ امرَأَتَك؟ قال: نعَمْ. لم تُطلَّق، وإن قال: بلَى. طُلِّقت. فقول ابن عباس: لو قالوا: نعَمْ. لكَفَروا، وهذا مُسلَّمٌ فيما إذا كان الإنسان يَعرِف اللُّغة العرَبية جيدًا، وأمَّا العامِّيُّ فعِنده (نعَمْ) و (بَلَى) سَواءُ؛ ولهذا لو قيل للعامِّي: ألَسْت طلَّقْت امرأَتَك؟ قال: نعَمْ. فعلى القول الصَّحيح تُطلَّق، فالعِبْرة
следующие страницы →